Полный текст (288 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
- أ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحدث شعيب الأرنؤوط:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمدٍ المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آلهِ وأصحابهِ أجمعين، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وبعد.
فقد كنتُ إبَّانَ طلبِ العلمِ في الخامس والأربعين مِن القرن العشرين وما بعدها أعاني كثيرًا مِن التنقيب والبحث في حديثٍ من الأحاديثِ النبوية للتأكدِ مِن صِحته، إذ كانتِ المكتباتُ مقفِرَةً مِن كتب السُّنة، وكان التقليدُ الذي هو ظاهِرَةُ تِلْكَ الفترةِ يحولُ بَيْنَ الطالبِ وبَيْنَ القراءَةِ في كتب الحديث، والإفادةِ منها والتفقه بها، لأن الأساتذة الذين كانوا يَتَصدَّرُونَ للتدريس كانُوا يعتمدُون في ذاك العصر على الكتب الفقهيةِ المتأخرَةِ، العريَّة عن الدليلِ، أو فيها الأدلة، ولكن لا يَعْرفُ المتفقه الصحيحَ منها والضعيفَ والموضوعَ، وقد نقلوا ذلك عن شيوخهم، وكانوا شديدي التمسكِ بما فيها مِن آراء بحكم التقليد الذي نَشؤوا عليه، وتمكَّنَ مِنْ عقولِهِمْ، وقد انتقلَ هذا إليَّ، فلم يَكُنْ إذْ ذاكَ في مكتبتي إلا كتبُ الفِقه والعَربية، وما يمُتُّ إليهما بِسَبَبٍ، وكانت تخلو تمامًا مِن كُتُب الحديث حتى رياض الصَّالحين، وهو الكتابُ المتداول بَيْنَ الناسِ اليوم، ولا يكاد يخلو منهُ بيت، وكان هذا شأنَ طلبةِ العلم في جميعِ بلاد الشام إلا ما نَدَرَ.
وكان الأساتِذة يُحَذِّرونَ النبَغة والنابهين مِن تلامذتهم أن يَنْظُروا في كُتُبِ الخلاف التي تُسَمَّى اليومَ بالفقه المقارَن، وكانوا يُؤَصِّلُون في ذِهن الطالب فكرةَ التقليد إلى الأبدِ مهما كان هذا الطالب مستكملًا لأدواتِ النظر والبحث، بحيثُ يبقى عقلُه مُقْفَلًا يُشَاهِدُ الخطأَ، فلا يجرؤُ على بيانه، أو التنبيهِ إليه، أو مخالفته، مع أن الأئمة المتبوعين الذين هم على
стр. 2
- ب -
هدىً من ربهم قد عدُّوا التقليد حلة انتقالية ينبغي أن يعيشَ فيها طالبُ العلمِ المتخصصُ الذي انتدب نفسه للتفقهِ في دينِ الله وخِدمة شريعته، ثم ينتقلَ منها إلى مرحلة الاتِّباعِ التي يكونُ فيها قد بلغ مرتبةً تؤهّله، بل توجِبُ عليه أن ينظرَ في أدِلَّةِ المسائل الخلافية، ويُوازنَ بينها، ويختارَ منها ما هو الصوابُ، ولا يجوزُ له أن يفتيَ في مسائلِ الخلاف إلا بما انتهى إليه أنه الصوابُ.
أما العامَّة فإنَّهم يقلِّدُونَ، لأنهم لا يتمتعون بما يُؤهِّلُهم للاجتهادِ، ولكن ينبغي عليهم أن يتخيَّروا التقيّ العالِم الذي يُوثق بعلمه وكفايته، فيسألونَه، ويَصْدُرُونَ عن رأيه، ويعملون بمقتضى ما يُفتيهم به.
هذا، ولم يكن أحدٌ من أهل العلم في تلكَ الفترةِ يُعْرَفُ بعلمِ الحديث روايةً ودِرَايةً لِيُرْجَعَ إليه، ويُؤخَذَ عنه، ويُستَفَادَ منه، وكنا نَجِدُ أحيانًا بعض الأحاديث في الكتب التي نقرؤُها، ولم نكن ندري أصحيحة هي أَمْ ضعيفة، وكنا نأخذها بطريقِ التسليم، وكان يتردَّدُ على ألسنة الخطباء والوُعّاظ أحاديثُ كثيرة يَغْلِبُ عليها الضعفُ والوضعُ، وكان مصدرُها - فيما تبيّن لنا بعدُ - الكتبَ التي لا تتحرّى الصحةَ، والتي يكثر فيها الضَّعيفُ والموضوعُ.
وأذْكُرُ على سبيلِ المثالِ هُنا ما وقع لي مِن ذلك، فقد حضرتُ خطبةَ الجمعةِ في أحدِ مساجدِ دمشق آنذاك، وكان الخطيبُ قد أَسْهَبَ في خطبته عن الجوعِ، وأن الإسلام يدعو إليه، ويُرغبُ فيه، ويحُثُّ عليه وأورد من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي نقلها من كتب الوعظ، وكان مِن جملة ما أورده في خطبته الحديثَ الصحيح الذي أخرجه البخاري، واختصره وزاد فيه، فأفسد معناه، فقال: "إن الشيطانَ يجري مِن ابن آدم مجرى الدَّمِ" (فضيّقوا مجاريه بالجوع) فلما انتهى من الصلاة دنوتُ منه
стр. 3
- جـ -
وسلّمتُ عليه، وكلَّمتُه برفقٍ بأنَّ الإسلامَ لا يدعو إلى الجوع، ولا يُرَغِّبُ فيه، بل إن رسولَ الله ﷺ قد استعاذ منه، وأوردتُ له الحديثَ الذي رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان (١٠٢٩) من حديث أبي هريرة بسند قويٍ، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: "اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك مِن الجوع، فإنَّه بئسَ الضجيعُ"، وذكرتُ له أن النبيَّ ﷺ كان يستعيذُ بالله مِن الكُفْرِ والفَقْرِ، وعذابِ القبر، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد (٢٠٣٨١)، وصححه ابن حبان (١٠٢٨)، وقلتُ له: إن الأحاديثَ التي أَوْرَدْتَها في خُطبتك لا تَصِحُّ، وبعضُها موضوعٌ، والحديثُ الصحيحُ الذي أوردتَه منها أَفْسَدْتَه بإضافة زيادة ليست منه، وأخرجتَه عن المعنى الذي وَرَدَ من أجله، فالحديثُ أخرجه البخاري (٢٠٣٥) و (٢٠٣٧)، ومسلم (٢١٧٤) و (٢١٧٥) دُون قوله: "فضيَّقوا مجاريه بالجوع"، وأوردتُ له الحديثَ بتمامه وهو أن صَفِيَّةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أتتِ النبيَّ ﷺ ليلًا تزورُهُ في مُعْتَكفِهِ، فلما قامَتْ تَنْصَرِفُ، قام مَعَها يَقْلِبُها (أي: يَرْجِعُها ذاهبًا معها) فمرَّ عليه رجلانِ مِنَ الأنصارِ، فَسَلَّما على رسولِ الله ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "على رِسْلِكُمَا، إنما هي صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيّ"، فقالا: سُبْحانَ اللهِ يا رسولَ الله، قال: "إنَّ الشيطانَ يَجْرِي مِن الإِنْسانِ مَجْرى الدَّمِ، وإني خشيتُ أن يُلقيَ في أَنْفُسِكُما شيئًا"، فقال لي: أنا نقلتُه مِن كتاب "إحياءِ علوم الدين" للغزالي هكذا، فقلتُ له: لا عُذْرَ لك في ذلك، فإنَّ أهلَ العلم يجزِمون أن الإمامَ الغزالي بضَاعَتُهُ في الحَدِيثِ مُزْجاةٌ كما صَرَّح هو بذلك، والحافِظُ العراقي الذي تولى تخريجَ أحاديثِ الإحياء قد قال: متفق عليه دون قوله: "فضيَّقوا مجاريه بالجوع"، فكان جوابه: هَل الحافظُ العراقي أعلمُ مِن الغزالي؟! ثم ازورَّ عني، ومضى لسبيله.
وبقيت هذه الظاهرة زمنًا ليس بالقصير، وفي أثناءِ دِراستي على الشيوخ كنتُ دائمًا أفكّر في المسائل الخلافية القائمةِ بَيْنَ الحنفية والشافعية فأدرسها
стр. 4
- د -
وأتتبعها من مَظانّها، وأحاول ما استطعت أن أظفرَ بالدليل الأقوى لأنتهي إليه وآخذ به، وأشجع مَن حَوْلِي مِن الطلبة أن يفعلوا مِثلي.
وقد كان يدفعني ذلك إلى البحثِ عن كُتُبِ الحديثِ للاطلاعِ عليها، والاحتجاج بما صح من الحديث فيها والتفقه فيها، وبدأ هذا التوجه يزدادُ يومًا بَعْدَ يومٍ حَتَّى أصبحتُ أُعرَفُ بَيْنَ الطلبة بذلك، وكانوا لِعَراقتهم في التقليد يتقدمون بالشكوى إلى أُستاذي ويقولون له: إنه يُخالِفُ المَذْهَبَ في عدَّةِ مسائل، وكان اللومُ والعتْب مِن أستاذي يُوجَّهُ إليَّ بأسلوبٍ قاسٍ وتهكُّمٍ بالغٍ، وتحذيرٍ شديد، وإخواني الطلبة، كانوا يتَّهِمُونني بالتَّهورِ، والخروج عن جادة الصواب، وكم عانَيتُ من ذلك، ولحقني من الأذى ما اللهُ بهِ عليم، ولكنني - وللهِ الحمد - لم أُبالِ بِكُلِّ ذلك، ليقيني بأنَّ المنهجَ الذي انتهيتُ إليه هو المنهجُ الذي كان عليه السَّلفُ الصالحُ مِنْ هذه الأُمَّةِ - ومنهم الأئمةُ الأربعةُ - المشهودِ لها بالخيريَّة على لِسانِ خيرِ البرية.
وقد كنتُ في هذهِ الفترة لا أستطيع أن أتبيّن صحيحَ الحديثِ مِن ضعيفه بنفسي، وإنما كُنْتُ أرْجِعُ إلى الحفاظِ الأثباتِ مِن أهلِ العِلْمِ المتخصّصين في الحديث، فأنقلُ عنهم، وأعْتَمِدُ عليهم، بالرغم مِنْ أنني درستُ كُتُبَ المصطلح على الشيوخ، ووعَيتُ ما فيها، إلا أنني لم أتأهَّلْ بعدُ إلى الاستفادةِ منه، ولكن الله سبحانه إذا أراد شيئًا هيأ أسبابَه، فقد أتاح لي أن أنْتَقِلَ مِن هذا العلم النظري إلى العلم التطبيقي، وبدأت أُمارِسُ ذلك، وكان مِن فضل الله وتوفيقه أنني قُمْتُ بخدمةِ كُتُبِ السُّنة النبوية تحقيقًا وضبطًا، وتخريجًا وشرحًا، وأبَنْتُ عن درجةِ كُلِّ حديث من الأحاديث التي فيها مِن حيثُ الصحةُ أو الضعفُ في مدى أربعينَ سنة وإلى ما شاء الله، وقد وفِّقتُ في ذلك أيَّما توفيقٍ، وأعدلُ شاهد على ذلك هو المجلداتُ الضخمة التي تزيد على المئةِ والخمسينَ مجلدًا في هذا العلم، وهي متداولةٌ بين طلبة العلم والأساتذة، ينتفعون بها ويعتمدون
стр. 5
- هـ -
عليها وينوِّهون بشأنِ الذي تولى خدمَتها وتحقيقَها، وقد تخرّج بي في هذه الفترة بهذا الفن غيرُ واحد من طلاب العلم النُّبَهاء، الذين تتلمذوا عليّ عشرات السنين، وأصبح لهم شأن يُذْكَر في هذا الفنّ، ودَرَجُوا فيه، وصَدَرَتْ لهم تحقيقاتٌ مُميزة.
وقد كنتُ اطلعتُ في هذه الحِقبة على كتابِ "مستدركات عائشة على الصحابة" هذا، وقد جَمَع فيه مؤلفُه الإمامُ بدرُ الدين الزركشيُّ أحاديثَ السيدة عائشةَ ﵂ التي انتَقدتْ فيها غيرَ واحد من الصحابة بعضَ مروياتهم التي أخطؤوا فيها - في نظرها - وقد فرحتُ بهذا الكتاب فرحًا شديدًا، لأنَّه يُصادِفُ هوىً في نفسي، ورغبةً أكيدةً في معرفة النقد النصّي الذي لم يُعْنَ به إلا القِلَّةُ القليلة مِن الحفاظ، لكن هالَني ما رأيتُ في لهذه الطبعة من كثرة التحريفاتِ والأخطاءِ التي وَقَعَتْ لِمحققه الأستاذُ سعيد الأفغاني ﵀، ولم أكن أتوقعُ صدورَ مثلِ ذلك منه، لِما أَعْلَمُهُ فِيهِ مِن تَمَكُّنٍ بالعربيةِ، وخِبرة بأساليبها، فأخذتُ أُدَوِّنُ على هوامش نسختي الأخطاءَ التي وقعتْ له فيه، وكانت تزيدُ يومًا بعدَ يوم، ثم رجعتُ إلى النسخةِ التي طُبعَ عنها الكتابُ، وهي مِن مخطوطات المكتبةِ الظاهريةِ بدمشق - حَرَسَها اللهُ - فقابلتُ المطبوعَ بالأصل الخطِّي، فكانت الأخطاء التي استدركتُها عليه تأتي على الصَّواب في الأصل الخطّي الذي اعتمده، واتجهتْ نيتي إذ ذاك أن أقومَ بإعادة تحقيقهِ ونشره، ولكنْ حالَ دون ذلك ما أعاقني عن متابعة عملي فيه.
ومذ سنةٍ مِن تاريخ هذه الكتابة علمتُ أن أستاذًا في جامعة أنقرة في كلية الإلهيات في قسم الحديثِ وهو الدكتورُ محمد بنيامين أرول قد ظَفِرَ بنسخةٍ خطيةٍ أخرى للكتاب في إستنبول، وكان قد نَشَر الكِتابَ باللغة التركية، فشجعتُه عَنْ طريقِ المراسلَةِ على تحقيقهِ ونشرِه بالعربية،
стр. 6
- و -
وأخبرته بما عندي مِن ملاحظات وتحقيقات على هذا الكتاب، وأبديتُ له أننى مستعدٌّ أن أُزَوِّدَه بها، فرغب في ذلك ورَحَلَ مِن أنقرة إلى عمان، فقمتُ أنا وإيَّاه بمقابلة المطبوعِ بالأصلين الخطيين، وتصحيحه من التحريفات والأخطاءِ، وقد تَمَّ ذلك في غضون خمسة أيام متوالية، وقد أشرتُ عليه أن يُعَلِّقَ على المواطن التي تحتاج إلى تعليق، ويستعينَ بنسختي التي علّقْتُ عليها، وأن يكتُبَ مقدمة تشمَل دراسةَ الكتاب ووصفَ الأصلين الخطيين، وعملَه في الكتاب، وانصرف إلى بلده مصطحبًا نسختي التي فيها تعليقاتي وتصحيحاتي وتعقُّباتي مع الأصل المصوّر من الظاهرية، على أن يُرْسلَ إلي الكتاب مبيّضًا كما اتّفقنا عليه بَعْدَ سِتَّةِ أشهُرٍ، وقد وَفَّى بذلِكَ، فأرسله في المدة المُحَدَّدَةِ، فعاودتُ قراءته مع التعليقات والمقدمة مُجدَّدًا، وضبطتُ نصوصه، وعدّلتُ بعض التعديلات في التعليقات، ثم دفعتُه إلى المطبعة، وحضر الدكتور في منتصف الشهر الثامن من هذا العام وقَرَأَهُ هو أيضًا بعد التنضيدِ، وصحح تجارب الطبع، فخرج الكِتابُ كما ترى.
وإنني إذ أقولُ ذلك، لأشهدُ شهادةَ حقٍ بأن صاحبي الدكتورَ محمد بنيامين أرول قد وُفِّقَ غايةَ التوفيق في إصدارِ هذا الكتاب محققًا على الوجهِ الذي سينال - إن شاء الله - إعجابَ المختصين في هذا الفن وطلبةِ العلم، وأشهدُ أنه قد أحيا سنة الأقدمين في تجشُّم الأسفار، والرحلة في طلب العلم، والمذاكرة والانتفاع بآراء أهل العلم الذين بَعُدُوا عنه، وهم متفرقون في العالم الإسلامي، وهذا شأنُ طالبِ العلم المُجِدّ المُخلِصِ الحريصِ على نيلِ العلم مِن أصوله، وأخذه عن أهله، وإن بَعُدَتْ عليه الشُّقَّة.
وأسأل الله سبحانه أن يُسبِغَ عليه نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وباطِنَةً وأن يُوفِّقه لِخدمة الحديثِ النبويِّ الشريف، الذي هو المصدرُ الثاني بَعْدَ القرآن،
стр. 7
- ز -
يفصِّلُ مُجْمَلَهُ، ويُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ ويُخصِّصُ عامَّه، ويَنْفَرِدُ بأحكامٍ مُستنبَطة من المعاني الكلِّية التي فيه، يُحقِّقُ نُصوصَها، ويُجلِّي كُنُوزَهَا، وَيُيَسِّرُ الانتفاعَ بها، ويَنْفِي عنها تَحْرِيفَ الغَالِيْنَ، وانتحالَ المُبْطِلِينَ، وتأويلَ الجاهِليْنَ.
وبعد، فإن ما انتهتْ إليه السيدةُ عائشةُ مِن استدراكاتها على مرويات بعضِ الصحابة، وتخطئتهم فيما قالوه، معتمدةً على المنهجِ الذي فَصَّلَ فيه القولَ صاحبُنا الدكتورُ محمد بنيامين في مقدمته لا يُعَدُّ القَوْلَ النِّهائيَّ في نقدِ المرويات من جهة النص، بل هو النموذجُ الأمثل الذي يَصْلُح أن يُحتذَى، ويُعتمد عليه في نقدِ المتن يُتيحُ للنبغةِ مِن أهلِ الاختصاصِ الذين عَمَرَتْ قلوبُهم بالتقوى، وإخلاصِ النية، والتجرُّدِ مِن الهوى والعصبية على مَدَى العُصُورِ، وإن كانوا قِلَّة، أن يستدرِكُوا عددًا مِن الأحاديث كما صَنَعَتْ عائشة ﵂ ينتقدونَها ويَحْكُمُون عليها بمقتضى المقاييس المعتبرة، فيجزِمون بنفي صُدُورها عن رسول الله ﷺ ، فكم أبقى المتقدمُ للمتأخرِ، والسابقُ لللاحقِ، والسلفُ للخَلَفِ.
ولا ينبغي للمحدِّث المتخصِّصِ أن يكتفيَ بظاهرِ سلامةِ الإسنادِ دُونَ أن يُمْعِنَ النظر في متن الحديث، أو يغفلَه كُلَّ الإغفال، فقد صرَّحَ أَهْلُ العِلْم بأنه ليس كُلُّ حديثٍ صَحَّ سندُه، صحَّ متنه، فإذا حكم المحدِّثُ على إسنادِ حديثٍ قد استوفى شُروطَ الصِّحة، فلا يعني أن مَتْنَهُ صحيحٌ، بل قد يكونُ صحيحًا، وقد يكُونُ غيرَ صحيح، فإِنَّ الراويَ الثقةَ غَيْرَ المعصومِ مهما بَلَغَ مِن الحفظِ والإتقانِ والضبط، لا يَبْعُد وقوعُه في الخطأِ والوَهْمِ، فيرفعَ الموقوفَ، أو يصِلَ المقطوع، أو يقعَ له الوهمُ والنَّسيان مما يجعل بعض حديثه مناقضًا للأصولِ القطعيةِ المعتدِّ بها عندَ الأئمة، فيُحْكَمُ عليه بالبُطلانِ، ومن هذه الأحاديثِ المنتقَدةِ التي وصِفَت أسانيدُها بالصِّحَّةِ وحَكَمَ عليها الأئمةُ بالبُطلانِ:
стр. 8
-ح -
حديثُ أبي هريرة في صحيح مسلم (٢٧٨٩) قال: أَخَذَ رسولُ الله ﷺ بيدي، فقال: "خلق الله التُّربَةَ يومَ السبت. ." الحديث. وحديثُ سلمةَ بن يزيد الجُعفي عند أحمد (١٥٩٢٣)، والنسائي في "الكبرى" (١١٥٨٥) "الوائدة والموؤودة في النار".
وحديثُ أبي سفيانَ في "صحيح مسلم" (٢٥٠١) أنه قال للنبيِّ ﷺ : ثلاثٌ أعطنيهن ..
وحديثُ الإسراء مِن رواية شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر عن أنس عند البخاري برقم (٧٥١٧).
وقد قال العلامة ابن القيم ﵀ في هذا: وقد عُلِمَ أن صحةَ الإِسنادِ شَرْطٌ مِن شروطِ صحةِ الحديث، وليست موجبةً لِصحة الحديث، فإن الحديثَ إنما يَصِحُّ بمجموع أمورٍ، منها: صحةُ سنده، وانتفاءُ علته، وعدمُ شذوذه ونكارته.
وإنّ تحقُّقَ الانتفاعِ بكتاب المستدركات والتأهلَ لتسوُّرِ مرتبة النقدِ التي انتهت إليها السيدة عائشة ﵂ إنما هو خاصٌّ بطالبِ العلمِ التقيِّ المتمرِّسِ الذي تضلَّع في معرفة السننِ الصحيحةِ، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها مَلَكَةٌ، وصار له اختصاصٌ شديد بمعرفةِ السننِ والآثارِ، ومعرفةِ سيرةِ رسول الله ﷺ وهَدْيهِ فيما يأمُرُ به، وينهى عنه ويُخبر عنه، ويدعو إليه، ويُحبه ويكرهه، ويَشْرعُهُ للأمة بحيث كأنه مخالِطٌ لِلرسول ﷺ كواحد من أصحابه.
فمثلُ هذا يَعْرِفُ مِن أحوال الرسولِ ﷺ وهَدْيهِ وكلامِه وما يجوز أن يُخْبِرَ به وما لا يَجُوزُ، ما لا يعرفه غيرُه، فهذا شأنُ كُلِّ مُتَّبعٍ مع متبوعه، فإن للأخصِّ به الحريصِ على تتبعِ أقوالهِ وأفعاله مِن العِلْمِ
стр. 9
- ط -
بها، والتمييزِ بين ما يَصِحُّ أن يُنْسَبَ إليه وما لا يَصِحُّ، ما ليسَ لمن لا يكونُ كذلك (١).
ونسأل الله المبتدئَ لَنا بنعَمِه قبلَ استحقاقِها، المديمَها علينا، مع تقصيرِنا في الإتيانِ على ما أوجبَ به من شكره بها، الجاعلَنا في خير أمة أُخرجت للناس، أن يَرْزُقَنا فَهْمًا في كتابه، ثم سنةِ نبيه، وقولًا وعملًا يؤدِّي بها عنا حقّه، ويوجب لنا نافلةَ مَزيدِهِ.
ونسأل المولى سبحانه أن يسدّد خُطانا، ويُنجح مَسعانا، وينوّلنا رضاه، إنه خير مسؤول، وأفضل مجيب.
عمان
٢١/ ٧/ ١٤٢٣ هـ
٢٨/ ٩/ ٢٠٠٢ م
شعَيّب الأرنؤوْط
_________
(١) "المنار المنيف" ص ٤٤.
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
الحمدُ لله الذي جعلنا مِن خَدَمَةِ سُنة خاتَمِ النبيين، والصلاة والسلامُ على رسولنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فخلالَ إعداد رسالةِ الدكتوراه "فهم السنة عند الصحابة" (١) راجعتُ كتابَ "الإجابة" للزركشي عِدَّة مرات، لأن هذا الكتابَ له مزيتانِ:
الأولى: أنه يُقدِّمُ لنا أمثلةَ نقد متن الحديث في عهدِ الصحابة، خاصةً في فهم السيدة عائشة ﵂.
الثانية: أن هذا الكتاب يُعد أنموذجًا أصيلًا في نقد الحديث النبوي من جهة المتن، لأن الزركشي قد ألّفه في القرن الثامن الهجري.
ولكني أثناء هذه المراجعات، رأيتُ في النسخة المطبوعة التي نشرها الأستاذُ سعيد الأفغاني ﵀ (١٩٣٩) أخطاءَ كثيرةً في الأسانيد والمتون، كما وجدتُ فيها بياضات ومشكلات متروكة دون حلٍّ. وقد طبع مرات فيما بعد، وها هي ذي الطبعة الرابعة المصورة في سنة ١٩٨٥ مليئة بالأخطاء نفسها الواردة في الطبعة الأولى. وكانت النسخةُ المطبوعة بحالتها هذه تحتاج إلى خدمة علمية، ولكنها كانت نشرت عن نسخةٍ وحيدةٍ موجودة في المكتبة الظاهرية بدمشق الشام فقط.
ولهذا نويتُ أن أكونَ خادِمَ هذا الكتاب القيم، فبدأت بتدريسه
_________
(١) طبع في أنقرة سنة ١٩٩٩، وط. الثانية سنة ٢٠٠٠ باللغة التركية، ٤٩٤ ص.
стр. 11
وترجمته إلى اللغة التركية، وبحثتُ عن نصوص الأحاديث وما يلزمها مِن تخريج لأصولها، وراجعتُ مصادر الزركشي المطبوعة الممكنة لأحقق اقتباساته وأُقارنها لحلِّ مشكلاتها، فصححتُ جُلَّ هذه الأخطاء، ثم رتبت استدراكات عائشة ﵂ ترتيبًا منهجيًا وفقًا لمقاييس النقد من قِبَلِ أم المؤمنين. ولما فرغت من عملي هذا راجعت مركز المعلومات الحاسوبية للمكتبات في تركيا لأفتش عن تصانيف الزركشي المخطوطة أو المطبوعة فيها، وأخذتُ قائمةً بهذه الكتب من الحاسوب وقرأتُها فورًا، ولما عثرت في مكتبة الدولة - بيازيد باستانبول على نسخة من كتاب "الإجابة" للزركشي، لم أصدق عينيّ، لأننا كنا نجمع على أن هذا الكتابَ لا تُوجد منه نسخة إلا في المكتبة الظاهرية بدمشق على أنها هي الوحيدة المعلومة في العالم حتى الآن. فاتصلتُ بصديق لي في استانبول هاتفيًا، وطلبتُ منه أن يأخذ عنها صورةً كاملة أو بالميكروفيلم، لأتأكد منها هل هي الكتابُ ذاته أم لا، فاستجابَ - جزاه الله خير الجزاء - وأرسل إليَّ صورةً كاملةً بالميكروفيلم وكانت - والشكر لله تعالى - هي نسخة ثانية للإجابة واضحة. وعلى أثر ذلك تمكنتُ من حل المشكلات التي كانت قائمة أمامنا بنسخة الظاهرية بمعونة هذه النسخة الموجودة في إستانبول، ووضعت أهمَّ الاختلافات الواردة بين نسختي المطبوعة والمخطوطة في هامش عملي قبل نشره باللغة التركية فنشرتها (١) بحمده تعالى.
ثم قررتُ أن أُحقق هذا الكتابَ مقابَلًا بين نسخة إستانبول والنسخة المطبوعة وأنشرها مبتغيًا بذلك وجه العلم ورضوان الله وتوسعة النفع بما لدينا من تراث ثمين. ثم استشرت أستاذي الفاضل الكريم المحدث المحقق الشيخ شعيب الأرنؤوط في الأردن، فأجابني بالتشجيع، ووعدني
_________
(١) طبع في أنقرة سنة ٢٠٠٠، وط. الثانية سنة ٢٠٠٢، ٢٣٢ ص.
стр. 12
بمساعدتي في نشرها فور إنجازها. فلما فرغت من عملي سافرت إلى الأردن في بداية شهر آب / أغسطس ٢٠٠١ لأقدمه إلى فضيلة الأستاذ، داعيًا الله تعالى أن يجعل سفري هذا رحلةً من رحلات العلم، فجزاه الله خير الجزاء فقد لقيني بالقبولِ وضيفني وأكرمني - فأكرمه الله من نعيم الجنة - وترك أعماله العلمية لأجلي، وخصص لي خمسة مجالس عمل لِعرض العمل عليه ومقابلته. وكان بين يديه النسخة المصورة عن المكتبة الظاهرية والنسخة المطبوعة التي قرأها ووضع إشارات عليها للأخطاء كما كتب عليها التصحيحات والتعليقات المفيدة، وانتهت هذه المقابلة بين النسخ في خمسة أيام وأوصاني أن أعيد النظر فيها وأكتب تعليقاتي عليها على الطريقة المتداولة في العالم الإسلامي، لأنني كنت قد استعملت الرموز للمراجع والزيادات والسقطات بقصد الاختصار.
ولما عُدْت إلى بلدي راجعتُ عملي من جديد، وأفدت من أقراص الحديث المضغوطة، وبحثت عن بعض الروايات والمشكلات الباقية، فوجدتها في هذه الأقراص، وهكذا استطعتُ الوقوف على بعض المشكلات الواردة في التحقيق ومن ثم حلّها بحمده تعالى.
ثم كتبت مقدمة لعملي، وكلمة عن منهج السيدة عائشة في نقدِ الحديث وقيمة نهجها، لتوسعة النفع من هذا الكتاب والموضوع. وأرسلته إلى الشيخ لإعادة النظرِ فيها مرة أخرى ومساعدتي في طبعها وشكر الله له على ما قدمه إليَّ من عون وإلى هذا الكتاب القيم من خدمة، وأدعو الله أن يُطيل عمره حتى نستفيد منه طول حياته كما استفدنا إلى الآن.
وها هو ذا تحقيقي حاولت أن أتقنه حسب طاقتي وأُقدِّمَه إلى الباحثين الأعزاء والقراء الكرام، وأعترف بأنني كم أفدت من تجربة الشيخ شعيب
стр. 13
الأرنؤوط - حفظه الله - كما استفدت من تعليقاته وتحقيقاته القيمة ولا سيما من تلك التي على "مسند الإمام أحمد" و "الإحسان" و "سير أعلام النبلاء" واكتفيت أحيانًا بالإحالة على تلك المراجع خشية الإطناب، لأن الشيخ قد أفاد فيها وأجاد.
وأرجو الله أن أكون قد وُفقت عملي في هذا - وهو أول تجربة لي في التحقيق - وأن يكون علمًا ينتفع به إلى قيام الساعة.
وأشكر الأستاذ المحدث شيخنا شعيب الأرنؤوط - متعنا الله بطول حياته وعم المسلمين بنفعه - كما وأشكر تلاميذ الشيخ والإخوة الأتراك بعمان الذين لم يألوا جهدًا في سبيل إنجاح هذا العمل.
وجزى الله عني خيرًا كل من أسهم في ذلك من أساتذتي وأصحابي وأهلي
وما توفيقي إلا بالله.
الدكتور بنيامين أرُولْ.
أ. المساعد بقسم الحديث النبوي
كلية الإلهيات - بجامعة أنقرة
٢٠٠٢/ ١٤٢٢ - تركيا
عنوان الإنترنت
berul ٦٥@hotmail.com
стр. 14
القسم الأول
١ - استدراكات عائشة واهتمام العلماء بها
اشتهرت السيدةُ عائشة بردودها وانتقاداتها واستدراكاتِها على معاصريها من الصحابة والتابعين متى وجدت أيَّ خطأ أو وهم أو سهوٍ في رواياتهم مِن جهة الضبط، أو من جهة الفهم أو التأويل. وكانت تُصحح هذه الأخطاء معتمدةً على حفظها أو رأيها.
واستدراكاتُها هذه مبثوثة في كتب الحديث والسنة، وقد نبه إليها بعضُ العلماء، واهتموا بجمعها. وكما بيّن الحافظ ابن حجر، فإن أول من ألّف في هذا الموضوع هو: أبو منصور البغدادي المتوفى سنة ٤٨٩ هـ، فأورد في مصنفه خمسة وعشرين حديثًا، اقتصرَ فيه على سوقِ الأحاديث بأسانيده إلى شيوخه، دونَ أن يعزو التخريج إلى أحد، وسماها بـ "رد العقول الطائشة بذكر ما استدركته عائشة" كما هو مذكورٌ في ملحق على غلاف نسخة إستانبول للإجابة. والمخطوط هذا يوجد في مكتبة سعدية بحيدر آباد بقسم الحديث برقم ٣٦٠ (١).
وجاء الزركشيُّ فنقل عن أبي منصور البغدادي، وزاد عليه، وبَيَّنَ غامضه، واستعان بتخريجات السابقين لأحاديثه، وعزاها لأصحابها، كما صرح بذلك في مواضع متعددة من الإجابة، وفي بعضها سمَّى كتابه باختصار، فقال: قال أبو منصور البغدادي في استدراكه، ونراه أحيانًا ينقل ثم يرمج نقلَه ويثبتُ الحديث مِن طريق آخرَ غير طريقه كما سيمر بك.
_________
(١) قد نشرته الدار السلفية بالهند باسم "استدراك أم المؤمنين عائشة".
стр. 15
ثم وقعت "الإجابة" في ملك العلامة أبو الأسباط الرملي المتوفى سنة ٨٧٧ هـ فزاد عليها استداركًا للسيدة عائشة على مروان بن الحكم كما أشار إليه بعدَ الرواية.
ثم جاء السيوطي فاختصره - على عادته في كثير من مؤلفاته - وأسماه: "عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة" (١) ورتبه على أبوابِ الفقه، بخلاف كتاب الإجابة للزركشي، الذي رتبه على أسماء الصحابة بطريقة المسند.
وتعقب عليه الدكتور السيد أحمد فرج محقق "زهر العريش" للزركشي في مقدمته وقال: "ولقد شوَّه السيوطي - بهذا التلخيص - العمل الذي أتقنه الزركشي، لأن السيوطي اقتصرَ على ذكرِ المتون، وتبويبها على أبواب الفقه، وحذف البيان الذي بيَّن فيه الزركشي كيف وقع الوهمُ عندَ بعض الصحابة، وتصحيحَ عائشة ﵂ لهم باستدراكها عليهم. . وهي تحقيقاتٌ قيمة في التخريج، والغريب في الأمر أن السيوطي حذفها، معللًا ذلك في خطبة كتابه بأنها - بزعمه ليست من باب الاستدراك، ولهذا قام بحذفها، وكان مقصود الزركشي من إيرادها أن يُبيِّن بها الوهم، ويكشف غامِضَه، وفي ذلك تكمنُ القيمةُ العلمية لعمله (٢).
قال السيوطي (٣) بعد ما لخصها: هذا آخر ما أورده الزركشي، وقد حذفتُ مما ذكره أشياء، لأنها ليست مِن باب الاستدراك، وهذه زيادات لم يذكرها:
_________
(١) قد طبعت هذه الرسالة بدكن سنة ١٨٨٦/ ١٣٠٤، ثم نشرته دار الإيمان بدمشق وبيروت سنة ١٩٨٣/ ١٤٠٣، ثم نشرته مكتبة العلم بالقاهرة سنة ١٩٨٨ بتحقيق عبد الله محمد الدرويش.
(٢) من مقدمة "زهر العريش" ص ٢٠ - ٢١.
(٣) انظر: عين الإصابة للسيوطي بتحقيق عبد الله محمد الدرويش ص ٧٦ - ٧٨.
стр. 16
أخرج الأئمة الستة إلا أبا داود، عن أبي هريرة، قال: أتي النبيُّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه (١).
وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: ما كان الذراعُ أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبًا، فكان يعجل إليه، لأنه أعجلُها نضجًا (٢).
ثم ذكر روايتين عن ابن أبي شيبة وأبي رزين في نهيه ﵇ عن المشي في نعل واحدة من جهة أبى هريرة واستدراك عائشة عليه، وقد أورده الزركشيُّ في الحديث الحادي عشر من استدراكها على أبي هريرة عن الشيخين وابن أبي شيبة أيضًا، ولذلك لا تُعد هذه زيادة على الإجابة. إذًا حديث الذراع هذا هو الزيادة الوحيدة من السيوطي على الإجابة فقط.
ثم زاد الأستاذ المرحوم سعيد الأفغاني على الإجابة ذيلًا، فيه خمس استدراكات من مسند الإمام أحمد بن حنبل فراجعه (٣).
وكتب فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي - محقق شرف أصحاب الحديث للخطيب - مقالة قيمة عن نقد الحديث عند السيدة عائشة ونشرها سنة ١٩٧٣ م في مجلة كلية الإلهيات بجامعة أنقرة، كما ألّف الأستاذ الدكتور نَوْزَادْ عَاشِقَ كُتيبا عن السيدة عائشة كمحدِّثة ونشره سنة ١٩٨٧ م في مدينة إزْمير، وكلاهما باللغة التركية وكلاهما قد استفاد من الإجابة.
_________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٣٤٠) و (٤٧١٢)، ومسلم (٤٨٠)، والترمذي (١٨٣٧) و (٢٤٣٤)، وابن ماجه (٣٣٠٧).
(٢) أخرجه الترمذي في الأطعمة باب ما جاء في أي اللحم أحب إلى رسول الله ﷺ برقم (١٨٣٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (غريب)، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٣) الإجابة، ص ١٤٧ - ١٤٩.
стр. 17
وعلَّق الأستاذ هشام الغَرَاوي المقيم بأنقرة على الإجابة وأتى بردود ومؤاخذات على الزركشي وكتب ملاحظاته حول استدراكات عائشة على الصحابة سنة ١٩٩٧/ ١٤١٧ هـ بأنقرة بخط يده، باللغة العربية ولم يطبع. ووَصَفَ الغراوي عمله هذا بدراسة علمية قرآنية ناقدة لكتاب الزركشي واستدراكات عائشة ﵂.
وقد قمنا بترجمة الإجابة إلى اللغة التركية ونشرناها سنة ٢٠٠٠ م، والطبعة الثانية سنة ٢٠٠٢، ورتبناها بترتيب منهجي وفقًا لمقاييس السيدة في استدراكاتها كما يلي:
١ - عرضها الحديث على القرآن.
٢ - عرضها الحديث على السنة.
٣ - عرضها الحديث على الحديث.
٤ - عرضها الحديث على رأيها وعقلها المنضبط بمقاصد الشريعة وأصولها.
٥ - عرضها الحديث على الواقعة التاريخية.
٦ - عرضها الحديث على اللغة.
وذكرنا في كل باب استدراكاتها على روايات الصحابة، ثم فتاويهم، ثم على ما قاموا به من أعمال، ثم تأويلاتهم للنصوص ثم أجوبتها على الأسئلة. وعزونا الأحاديث أو الروايات إلى المصادر الأصلية، كما راجعنا مراجع الزركشي وتثبتنا منها مع تعليقات عليها عند الحاجة، ووضعنا عنوانًا لِكل حديث، وكتبنا مقدمة عن منهج السيدة عائشة في نقد الحديث وأردفناها بذيل ذكرنا فيه بعض استدراكات الصحابة على السيدة عائشة حفظًا للإنصاف والعدالة بحمد الله ومنّه تعالى.
стр. 18
٢ - قيمة كتاب الإجابة للزركشي
قد ألّف الزركشي كتابَه هذا في آخرِ حياته، وأهداه إلى القاضي برهان الدين بن جَماعة المتوفَّى سنة (٧٩٠ هـ) يبدو أنه سوَّده قبل بضع سنوات من وفاته، إلا أننا نراه في لوحة السماع في آخر كتاب الإجابة أن ابنه محمدًا قرأه على والده وشيخه في سنة (٧٩٤ هـ) أي في السنة التي تُوفي فيها الزركشي ﵀. ولا نُبالغُ إذا قلنا: إن هذا الكتاب هو حصيلة الزركشي العلامة المصنف الفقيه الأصولي العلمية، ولبّ ما رزقه الله مِن لدنه طولَ حياته.
واعترف العلامةُ ابن حجر بقيمة الإجابة للزركشي بعدما ذكر الأصلَ لأبي منصور البغدادي فقال: "نعم، لمصنف الإجابة حسنُ الترتيب والزيادات البينة، والعزو إلى التصانيف الكبار الأُوَل" (١). وقد أفاد الحافظُ منها كما أفاد مِن تأليفات أخرى للزركشي - بدليل أنه ذكرها في شرحه فقال: "وجزم البدرُ الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة. ." (٢).
قال الدكتور السيد أحمد فرج في مقدمة تحقيقه لكتاب "زهر العريش" للزركشي: ". . والذي يقرأ كتاب الإجابة يجد مستوى عاليًا من التحقيق، بيَّنه الزركشي في تحقيقه لاستدراكاتِ عائشة على الصحابة ﵃ أجمعين؛ فهو يُعَدُّ بحق مِن أهم كتب تحقيق السنة على صغره" (٣).
_________
(١) من مقدمة الإجابة للأفغاني ص ١٧.
(٢) فتح الباري لابن حجر، ٨/ (٤٧٥٠).
(٣) من مقدمة زهر العريش، ص ١٧ - ١٨.
стр. 19
نعم، نرى في الإجابة ذروة علم الزركشي في العلوم المختلفةِ مِن الفقه إلى أصوله، ومن الحديث إلى الجرح والتعديل، والدِّراية من الأسانيد إلى المتون، وتظهر في هذا الكتاب قوة الزركشي في التوجيه والتأويل بين الأحاديث المختلفة سندًا ومتنًا، ويتبلورُ مِن هذا الكتاب أيضًا كثرة المصادر التي اطلع عليها الزركشي وإفادته من كتب المتقدمين والمتأخرين وبخاصة من كان ينتحل مذهب الشافعي منهم. وقد جاوز عدد المراجع المذكورة في الإجابة مئة بالإحصاء الدقيق وهذا يدل على سعة مطالعته، وغنى مكتبته، وقوةِ ذاكرته.
واشتهر هذا الكتابُ بين الباحثين والأساتذة في علم الحديث ولا سيما الذين يهتمون بنقد الحديث، فقد رجعوا إليه وأفادوا منه كثيرًا كما رأينا في "منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي" للإدلبي، و "مقاييس نقد متون السنة" للدميني و"منهج النقد عند المحدثين" للأعظمي، إلا أن هذا الأخير قد أخذ على الزركشي في هذا الكتاب قائلًا:
"أما الأحاديثُ التي أوردها الإمامُ بدر الدين الزركشي، فالبعضُ منها غيرُ ثابت سندًا، والبعض الآخر كان في الواقع فتاوى بعض الصحابة خالفوا فيها الأحاديثَ النبوية لعدم معرفتهم بها، فصححت فتواهم، وبعد هذا وذاك أيضًا، تصفو عدةُ أحاديث، رواها الصحابة عن النبي ﷺ فأنكرت عليهم إما معارضة بالقرآن الكريم، أو مبينة الخطأ في الرواية حسب نظرتها، أو استعملت الآيات القرآنية وأضافت إليها الرواية التي كانت ترى أنها صحيحة" (١).
_________
(١) منهج النقد عند المحدثين للأعظمي، ص ٧٧. (ط. الثالثة، سنة ١٩٩٠، مكتبة الكوثر بالمملكة).
стр. 20
وقد يعتذر عن الزركشي بأنه أراد أن يجمعَ كُلَّ ما اطلع على رواية فيها تصحيح السيدة عائشة لخطأ الراوي في روايته، أو فتواه، أو تأويله، أو عمله وإن كانت ضعيفة سندًا. على أنه كثيرًا ما ذكر ضعف الحديث بعدما ساقه وذكر الضعفاء من الرواة، أو سبب ضعفهم كما سيرى القارئ الكريم. وشيء آخر أن الزركشي أكثرَ الروايةَ عن الصحاح ولا سيما من "الصحيحين" و"السنن" والمصنفات، فعدد الأحاديث الضعيفة قليلة بالنسبة للأحاديث الصحيحة. وأما فتاوى بعض الصحابة فأكثرها مستندة إلى الحديث أو السنة وإن لم يصرحوا بأنه قاله رسول الله ﷺ أو فعله، وقد عدَّ بعض العلماء بعض هذه الفتاوى في حكم المرفوع، كما ورد بعضها في الكتب موقوفًا بسند ومرفوعًا بسند آخر.
ثم إن الزركشي لم يشترط في هذا الكتاب بأنه يجمع الأحاديثَ الصحيحة المرفوعة فقط، بل قال في مقدمته:
"وبعد، فهذا كتاب أجمعُ فيه ما تفردت به الصِّديقةُ ﵂، أو خالفت فيه سواها برأي منها أو كان عندها فيه سنة بينة، أو زيادة علم متقنة، أو أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أجلة من أعيان أوانها، أو حررته من فتوى، أو اجتهدت فيه من رأي رأته أقوى. موردًا ما وقع إليَّ من اختياراتها، ذاكرًا من الأخبار في ذلك ما وصل إليَّ عن رواتها، غير مدَّع في تمهيدها للاستيعاب، وأن الطاقة أحاطت بجمعِ ما في هذا الباب" (١).
ولا بُدَّ هنا أن نعترِف بأن الزركشي حاول أن يَعُدَّ أربعين خصيصةً مِن خصائص السيدة عائشة في أول كتابه واستدلّ فيها ببعض الرواياتِ
_________
(١) من مقدمة الزركشي للإجابة، ص ٢٧ - ٢٨.
стр. 21
الضعيفة، وبأقوال المتقدمين، واستنبط منها بعضَ الفوائد والنتائج، فيها شيءٌ مِن التكلف، وفيها نظر على ما رأينا كما وقع في خصائصها رقم (١١، ١٢، ١٣، ٢٥، ٣٨، ٤٠). ونظن أن الزركشي إنما عدها مدافعًا عن شأن السيدة ضدَّ الروافض الذين نالوا منها ونسبوها إلى ما برأها الله، وهم ليسوا بمقتنعين بهذه الاستدلالات الضعيفة، لأنهم لم يقتنعوا بما أنزل الله تعالى ببراءتها في القرآن الكريم. نعم، هي أم المؤمنين، أمُّنا العفيفة البريئة المبرَّأة مِن السماء، ويكفي لإثبات فضلها تلك الآياتُ المتواليات في سورة النور [النور: ١١ - ٢٦]، كما تكشف عن مدى علمها تلك الاستدراكات الحكيمة، إذًا لا حاجة إلى ذكر الروايات الضعيفة والأقوال المتكلفة بعدَ الكتاب والسنة الصحيحة، وأيُّ دليل أقوى من كتاب الله وسنة رسول الله؟! والذي يقرأ قسم الاستدراكات يطمئن اطمئنانًا كاملًا إلى درجة علم أمِّ المؤمنين وفضلها.
وأما قسم الاستدراكات، فقد اعترف بقيمته كل الباحثين المتخصصين ونحن نكتفي بأن نقول: لقد مرت على هذه الأمة ثمانمئة سنة تقريبًا وهي تحتاج إلى من يقوم بتأليف كتاب في نقد متن الحديث فقيض الله لها الإمام الزركشي حيث ألّف كتابه الإجابة، ثم مرت عليها ستمئة سنة أخرى حتى نشره لأول مرة الأستاذ سعيد الأفغاني، وأخيرًا مرت عليها أكثر من ستين سنة حتى وفقنا الله تعالى إلى تحقيقه تحقيقًا علميًّا تَقَرَّ به عيون أهل العلم بعد أن عثرنا على نسخة ثانية لأول مرة بحفظه وعنايته.
стр. 22
٣ - الإمام الزركشي في سطور على الترتيب الزمني
سنة
٧٤٥ - ولد محمد بن بَهَادِر، بدر الدين الزركشي في مصر.
- وكان أبوه من الأتراك وكان مملوكًا لبعض الأكابر.
(٧٥٥) - اشتغل في صغره بخدمةِ أحدِ المماليك، وتعلم صنعة الزركشة (التطريز بالذهب)، فمهر بها حتى لقب بـ "الزركشي".
- ثم ترك هذه الصنعة فعُنِيَ بالاشتغالِ بتحصيل العلم منذ صغره، وبدأ يتردد بين المشايخ، والعلماء في مصر.
- لازم الشيخين: جمالَ الدين الإسنوي حتى توفاه الله سنة ٧٧٢ هـ، وسراجَ الدين البُلقيني حتى وَلِيَ قضاءَ الشام سنة (٧٦٩ هـ).
- حفظ "منهاج الطالبين" للنووي عند البُلقيني وهو صغير فَلُقِّب بـ "المنهاجي". ثم حفظ كتبًا كثيرة من المختصرات والمتون.
قبل ٧٦٢ - تخرج بِمُغُلْطَاي المتوفى سنة (٧٦٢ هـ) في الحديث.
٧٦٣ - رحل إلى حلب وهو في الثامنة عشرة من عمره، فالتقى بالشيخ الشهاب الأذرعي (ت / ٧٨٣) ولازمه.
٧٦٤ - ألّف كتابه "عقود الجمان".
- ثم رحل إلى الشيخ الصلاح بن أبي عمر (ت / ٧٨٠)، والإمام ابن أميلة (ت / ٧٧٨) فلازمهما.
- ثم تتلمذ على غير هؤلاءِ ﵏، وسَمِعَ الحديثَ بدمشق وغيرها من الشيخ ابن كثير (ت / ٧٧٤) وابن الحنبلي الشافعي (ت/ ٧٧٤).
٧٦٩ - استقل عن شيخه البلقيني لما وَلِيَ قضاء الشام.
стр. 23
- جمع حواشي "الروضة" للبلقيني - وهو المسمى بـ "الزركشية" - وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
٧٧٢ - أكمل شرح كتاب المنهاج، الذي كان قد بدأ شرحه شيخه الإسنوي ومات قبل أن يكمله، فأكمله الزركشي وهو في السابعة والعشرين من عمره.
- رزقه الله بالبنات والبنين: عائشة وفاطمة ومحمد وعلي وأحمد.
- تفرغ للعلم تفرغًا كاملًا، فلم يشغله عن ذلك شاغل، وكان له أقاربُ يكفونه أمر دنياه، ويكفونه مؤنةَ عياله، فتوفر له الوقتُ، وبارك اللهُ له فيه، فأنتج التصانيفَ الكثيرة المتنوعة في العلوم.
- تولى إمامة أيوان الشافعية بالمدرسة الظاهرية فدرَّس وأفتى.
٧٨٩ - تتلمذ عليه ابن حِجي بعدَ قدومه إلى مصر سنة (٧٨٩).
- وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقَرافة الصغرى.
قبل ٧٩٠ - ألّف كتابه "الإجابة" وأهداه إلى القاضي برهان الدين بن جَماعة المتوفى سنة (٧٩٠ هـ).
٧٩٢ - رزق بابنه الصغير أحمد.
٧٩٤ - قرأ عليه "الإجابة" ابنُه محمد مع حضورِ إخوانه وأخواته وأجاز الزركشيُّ لهم بجميع مؤلفاته.
٧٩٤ - توفي الزركشي في يوم الأحد الثالث من شهر رجب بمصر ودفن بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة بكتمر الساقي (١). أدخله الله جنانه برحمته الواسعة.
_________
(١) عن الدرر الكامنة لابن حجر، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، وطبقات المفسرين للداودي، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي، وطبقات الشافعية لابن قاضي، ومقدمات للإجابة وزهر العريش وخبايا الزوايا بتصرف يسير.
стр. 24
٤ - مكانة الزركشي العلمية
هو الشيخُ بدرُ الدين الزركشي محمدُ بنُ بهادر بن عبد الله التركيُّ الأصل، المصريُّ المَوْطِن. وكان الزركشي مثالَ الطالب المجتهد، ثم مثالَ العالم المتفرغِ للعلم، لا يشغلُه عنه غيره، التزم شيوخه أثناءَ الطلب والتزم دارَه أثناء التأليف، وكان يتردد على المكتبات الأميرية، والمكتبات الخاصة مثل مكتبة القاضي برهان الدين بن جماعة، أو إلى سوق الكتب، يُطالع في حانوت الكتبي طولَ نهاره، ومعه ظهورُ أوراق يُعلق فيها ما يُعجبه، ثم يرجع، فينقله إلى تصانيفه.
بعدَ رحيلهِ إلى الشام، وأخذه عن الأذرعي، وابن كثير، وهُمْ مِن جيل العلماء الذين خَلَفُوا الفحولَ أمثال النووي وابنِ تيمية وابنِ القيم وابنِ الصلاح فاتصل عِلمُه - عن طريق شيوخه - بعلمهم، تأثر الزركشيُّ بشيوخه الذين تَلْمَذَ لهم، كما تبيَّن تأثُّره بطريقتهم في التأليف وسلوكِهم في حياتهم العامة.
ولقد استقلَّ بالتأليف في وقت مبكر، وأخذ من الذين سبقوه، وانتفع بهم خاصة شيوخ المذهب الذين انتشرت أسماؤهم وأسماء كتبهم في مصنفاته، ولكنه كان يعزو ما يأخذه إلى أصحابه، وإلى كتبهم. ولكن الزركشي - مع هذا - لم يكن مجردَ ناقل أو مقتبس، وإنما هو مؤلفٌ يعتمدُ على طرق البحث العلمي ومناهجه. نعم هو يأخذ من السابقين، ولكنه يُؤلف بين الآراء، ويُقرر مذهبه، وقد لاحظ العلماءُ والفقهاء الذين قرؤوا مؤلفاتهِ ذلك، وعلقوا عليه.
لم يشتهر الزركشي - مع عُلو قدره - إلا بعدَ موته، ويرجع ذلك إلى عزلته وعزوفه عن الحياة الاجتماعية، وحجبه نفسَه عن الناس لِميله
стр. 25
الطبيعي إلى العزلة وضيق ذات يده، والزهد في الحياة، والإقبال على التحصيل والتصنيف، في عزلته بعيدًا عن أضواء المجتمع.
ومع هذا فلم يجهل قدرَ علمه العلماء الذين عاصروه، والذين جاؤوا بعده، كالحافظ ابن حجر الذي ترجم له ترجمة حسنةً وافية في "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، فقد عرف ابن حجر قدرَه، إذ وقف على مؤلفاته في الحديث، وأفاد منها، كذلك أفاد منه في علوم الحديث، من نكته الجيدة على كتاب المصطلح في علومِ الحديثِ لابنِ الصلاح، كما أفاد من شرحه على صحيح البخاري في "فتح الباري".
يُعَدُّ الإمامُ السيوطي أكثَر العلماء انتفاعًا بالزركشي، سار على الدرب الذي رسمه، ونقل كثيرًا من فصوله، مرة معزوة إليه، ومرةً بدون عزو. أفاد منه في جوانبَ كثيرة من تأليفه، وقد انتفع بالزركشي غير ابن حجر والسيوطي، علماءُ كثيرون.
ولم يقتصر الانتفاع بالزركشي في مجال تحقيق السنة وعلوم القرآن فحسب، بل انتفع العلماء بعلمه في مجال الفقه وعلوم الحديث وغيرها. نعم انتفع به الفقهاء خاصة فقهاء الشافعية الذين جاؤوا من بعده. وقد قال العلامة ابن حجر عن "تكملة شرح المنهاج" للزركشي: هو أنفع شروح المنهاج على كثرتها (١).
وقد راجعنا قرص "المكتبة الألفية للسنة النبوية" لنبحث عن اسم "الزركشي" في المصارد المختلفة فوجدناه قد تكرر اسم "الزركشي" أكثر من ثلاثمئة مرة كما يلي بعضها:
_________
(١) لخصناه من مقدمة الدكتور السيد أحمد فرج على "زهر العريش" للزركشي، ص ٥ - ٢٤ بتصرفات قليلة.
стр. 26
في "فيض القدير" لعبد الرؤوف المناوي … ١٠٧ … مرة
في "كشف الخفاء" للعجلوني … ٣٧ … مرة
في "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني … ٢٥ … مرة
في "شرح السيوطي لسنن النسائي" … ٢٢ … مرة
في "كشف الظنون" لحاجي خليفة … ١٩ … مرة
في "تدريب الراوي" للسيوطي … ١٧ … مرة
في "المصنوع" لعلي القاري … ١١ … مرة
في "عون المعبود" لعظيم آبادي … ١١ … مرة
نظن أن هذا الإحصاء البسيط يكفي للتدليل على اعتماد أصحاب التصانيف على الزركشي وعلمه وتأليفاته رحمه الله تعالى.
стр. 27
٥ - مؤلفات الزركشي
ألّف الإمامُ الزركشيُّ في الفقه والأصولِ والحديثِ والتفسيرِ والتاريخِ والبلاغةِ والأدبِ مما يدل على مكانته الفائقةِ ورسوخهِ في العلم، ولُقِّبَ بالمصنف لكثرة تصانيفه. وسنذكر هنا تلك المؤلفات في ثلاثة أقسام: المطبوعة والمخطوطة والمنسوبة إليه، مراعين في ذلك ترتيبها على حروف المعجم.
أ - مؤلفاته المطبوعة:
١ - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة.
نشره الأستاذ سعيد الأفغاني عن المكتب الإسلامي دمشق - بيروت سنة ١٩٣٩ م، ط الرابعة سنة ١٩٨٥ م. ونشره أيضًا أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب عن مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة ٢٠٠١ م، بعدما انتهينا من تحقيق الكتاب قبيل طبعه.
٢ - إعلام الساجد في أحكام المساجد.
نشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (مصر) بتحقيق الشيخ أبو الوفا المراغي سنة ١٩٧٧ م، ومطابع الأهرام التجارية بالقاهرة سنة ١٩٨٢ م، ودار الكتب العلمية ببيروت سنة ١٩٩٥ م.
٣ - البحر المحيط (في أصول الفقه).
نشرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت، ويقع في ست مجلدات اعتنى بها أربعة من الأساتذة الفضلاء.
٤ - البرهان في علوم القرآن.
حققه الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم ونشر بمصر سنة ١٩٥٧ م، وله طبعات مختلفة أيضًا.
стр. 28
٥ - التذكرة في الأحاديث المشتهرة.
نشرته دار الكتب العلمية ودار الكتب العالمية ببيروت سنة ١٩٨٦ م.
٦ - تشنيف المسامع بجمع الجوامع.
طبع في مجموع شروح جمع الجوامع بالقاهرة سنة ١٣٢٢ هـ.
٧ - التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (للإمام البخاري).
طبع بالمطبعة العصرية بمصر سنة ١٩٣٣ م.
٨ - خبايا الزوايا (في الفروع).
حققه عبد القادر عبد الله العاني وطبعته وزارة الأوقاف بالكويت سنة ١٩٨٢ م.
٩ - الديباج في توضيح المنهاج.
مطبوع في المطبعة العثمانية بمصر سنة ١٣٠٦ هـ.
١٠ - زهر العريش في تحريم الحشيش.
حققه الدكتور السيد أحمد فرج وطبعته دار الوفاء بالمنصورة سنة ١٩٨٧ م.
١١ - سلاسل الذهب في الأصول.
نشرته مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنة ١٩٩٠ م.
١٢ - الغرر السوافر فيما يحتاج إليه المسافر.
طبعه المكتب الإسلامي ببيروت، سنة ١٩٨٩ م.
١٣ - اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة.
نشره المكتب الإسلامي ببيروت، سنة ١٩٩٦ م.
١٤ - لقطة العجلان وبلة الظمآن.
стр. 29
طبع بمصر سنة ١٣٢٦ هـ مع تعليقات للشيخ جمال الدين القاسمي، وطبع أيضًا في مصر بشرح فتح الرحمن شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ونشرته أيضًا مطبعة النيل بمصر ١٣٢٨ هـ، وطبع مرة أخرى بدمشق.
١٥ - معنى لا إله إلا الله.
نشرته دار البشائر الإسلامي ببيروت سنة ١٩٨٦ م.
١٦ - المنثور في القواعد.
حققه الدكتور تيسير فائق أحمد محمود، ونشرته وزارة الأوقاف بالكويت سنة ١٩٨٢، ١٩٨٥، ١٩٨٦ و ١٩٩٣ م بثلاثة أجزاء.
١٧ - النكت على ابن الصلاح.
نشرته مكتبة أضواء السلف بالرياض سنة ١٩٩٨ م.
ب - مؤلفاته المخطوطة:
قد أشار بعض المحققين لمؤلفات الزركشي في مقدماتهم (١) إلى بعض النسخ من تلك المخطوطات في مكتبات متعددة ولا نرى أن نعيد ذكرها هنا ونكتفي بذكر مواضعها في مكتبات تركيا لبعضها فقط.
١٨ - تجلي الأفراح في شرح تلخيص المفتاح (أو مجلي الأفراح).
_________
(١) انظر: مقدمة الدكتور السيد أحمد فرج على "زهر العريش" ص ٢٥ - ٣٨، ومقدمة عبد القادر عبد الله العاني على "خبايا الزوايا" ص ١٣ - ٢٢، ومقدمة سعيد الأفغاني على "الإجابة" ص ٨ - ١٥، ومقدمة الأستاذ أبي الفضل إبراهيم على "البرهان في علوم القرآن" ١/ ٣ - ١٠، ومقدمة الدكتور تيسير فائق على "المنثور في القواعد"، ١/ ٤٠ - ٤٤.
стр. 30
منه نسخة في مكتبة سليمانية (٩٧٢٠٨ - قسم شهيد على/ ٢٢٢٢) بإستانبول.
١٩ - التذكرة النحوية.
منه نسخة في مكتبة كوبريلي (٢٠١٩ - فاضل أحمد باشا/ ١٤٥٨) بإستانبول.
٢٠ - التكملة لشرح الإسنوي على المنهاج (تكملة شرح المنهاج= التكملة في شرح منهاج الطالبين) منه نسخة في مكتبة سليمانية (٩٢٦٧٤ - قسم سليمانية / ٥٠٧) بإستانبول.
٢١ - خادم الرافعي والروضة (أو خادم الشرح والروضة).
منه نسخة في مكتبة طوبقابي (٨٦٢٩ - قسم أحمد الثالث/ ٦٧٢) بإستانبول.
٢٢ - خلاصةُ الفنون الأربعة.
٢٣ - الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز للرافعي.
منه نسخ في مكتبة طوبقابي (١٩٩٨، ٦٩٩٩، ٧٠٠٠ - قسم أحمد الثالث / ٤٨٢) بإستانبول.
٢٤ - رسالة في كلمات التوحيد (ولعلها هو "معنى لا إله إلا الله" المطبوع).
٢٥ - شرح قصيدة البردة.
منه نسخة في مكتبة الدولة - بيازيد (٦٠٠٤/ ٣٥٤٢) بإستانبول.
٢٦ - شرح الوجيز في الفروع للغزالي.
٢٧ - الطراز المذهب في قواعد المذهب.
لم يذكره أحد، منه نسخة في مكتبة سليمانية (١٢٥٣٣ - قسم
стр. 31
بغدادلي وهبي/ ٣٣٣/ ٨٦٢) ونسخة أخرى في مكتبة سليمانية (٩٧٢١٣ - قسم شهيد على / ٦٦٢) بإستانبول.
٢٨ - العروض الساوية.
منه نسختان في مكتبة سليمانية (٧٥٤٢٢ و ٥٧٤٢٣ - قسم لآله لي/ ١٩٧٥ و ١٩٨٥) بإستانبول وهو بخط المؤلف.
٢٩ - عقود الجمان (وتذييل وفيات الأعيان لابن خلكان).
منه نسخة في مكتبة سليمانية (٣٣٩٧٢ - قسم فاتح / ٤٤٣٤) بإستانبول وهو بخط المؤلف سنة ٧٦٤ هـ.
٣٠ - في أحكام التمني.
٣١ - كتاب النكاح.
منه نسخة في مكتبة سليمانية (٩٧٢١٠ - قسم شهيد على/ ٩٢٥) بإستانبول.
٣٢ - ما لا يسع المكلف جهله.
٣٣ - مجموعة فقه على مذهب الإمام الشافعي.
٣٤ - مختصر عقود الجمان وذيل وفيات الأعيان.
منه نسخة في مكتبة سليمانية (٢٥٥٣٢ - قسم أسعد أفندي/ ٢٤٤٦) بإستانبول.
٣٥ - المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر.
ج - مؤلفاته المذكورة في المصادر:
ذكر في بعض المصادر عدة كتب أخرى ألّفها الزركشي أو نسبت إليه كما يلي:
стр. 32
٣٦ - الأزْهِية في أحكام الأدعية.
ذكر في هدية العارفين ٢/ ١٧٥.
٣٧ - بداية المحتاج في شرح المنهاج. لعله "الديباج في توضيح المنهاج" أو "غنية المحتاج في شرح المنهاج". وقد عدّ السيوطي في حسن المحاضرة "شرح المنهاج" غير "الديباج" فلعل هذا الشرح أوفى. انفرد بذكر البداية أبو بكر بن هداية في "طبقات الشافعية (الصغرى) ص ٣٤٢.
٣٨ - تفسير القرآن.
وصل فيه إلى تفسير سورة مريم. ذكره الداودي (٢/ ١٥٨)، والسيوطي (١/ ٢٠٦) وحاجي خليفة ص ٤٤٨. (منه نسخة في المكتبة الشعبية لمدينة مارْدِين (١٣٥١١) وعدد أوراقها: ٣١٦ ورقة).
٣٩ - ربيع الغزلان في الأدب.
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ص ٨٣٤.
٤٠ - رسالة في الطاعون وجواز الفرار منه.
ذكر في كشف الظنون ص ٨٧٦.
٤١ - الزركشية.
جمع فيها حواشي شيخه البلقيني كما ذكره ابن حجر في "الدرر الكامنة".
٤٢ - شرح الأربعين النووية.
ذكره الداودي وابن حجر.
٤٣ - شرح البخاري (وهو غير التنقيح).
ذكره الداوودي (٢/ ١٥٨) وقال: وشرح البخاري والتنقيح عليه.
وقال ابن حجر في "الدرر": وشرع في شرح البخاري وترك مسوَّدة،
стр. 33
وقفت على بعضها، ولخص منها كتاب التنقيح في مجلد، وذكره السيوطي أيضًا في حسن المحاضرة (١/ ٢٠٦).
٤٤ - شرح التنبيه للشيرازي.
ذكره الداودي والسيوطي (١/ ٢٠٦) وحاجي خليفة ص ٤٩٠.
٤٥ - عمل من طب لمن حب.
ذكره السيوطي في المزهر (٢/ ٢٢٨).
٤٦ - فتاوى الزركشية.
ذكره حاجي خليفة، ص ١٢٢٣.
٤٧ - القواعد في الفقه (القواعد في الفروع - القواعد والضوابط في الفقه = القواعد والزوايد) ولعل كلها أسماء مختلفة لكتابه "المنثور في القواعد" المطبوع.
٤٨ - كشف المعاني في الكلام على قوله تعالى: "ولما بلغ أشده".
ذكر في هدية العارفين ٢/ ١٧٥، وكشف الظنون.
٤٩ - المختصر في الحديث.
ذكر في حاشية الأجهوري على شرح البيقونية للزرقاني كما قاله الأستاذ سعيد الأفغاني.
٥٠ - النكت على البخاري. ولعله "التنقيح" المطبوع.
٥١ - النكت على عمدة الأحكام.
ذكره الداودي (٢/ ١٥٨) (١).
_________
(١) انظر أيضًا: المقدمات المذكورة آنفًا.
стр. 34
٦ - وصف النسختين
(أ) نسخة المكتبة الظاهرية: وهي النسخةُ الأصليةُ ومُسوَّدَةُ المؤلف، وقد رمزنا لها بالحرف (أ)، وهي النسخة التي اعتمدها الأستاذ الأفغاني في طبعته، وقد وصفها ﵀ في مقدمة الكتاب بما نصه:
"لم يرد لهذه الرسالة ذكرٌ في فهارس المكتبات المطبوعة، ولم نسمع أنها في مكتبة خاصة، ولم يذكرها بروكلمان، حتى فهرس المكتبة الظاهرية القديم خالٍ مِن ذكرها، فهي على هذا ولما سيأتي، فريدةٌ في العالم ذاتُ قيمة ممتازة، تشغل كما تقدم الجزءَ الأخير مِن المجموعة ذات الرقم (٣٢ مجاميع) في القبة الظاهرية، وهي بحجم صغير ١٤× ١٩ س. م. وعدد أوراقها (٤٤). والظاهر أنها مُسَوَّدةٌ كتبها المؤلف وهو ينوي أن يعودَ إليها بالتنقيح بدليلِ الشطب الكثيرِ الذي فيها، والحواشي الدقيقة التي أُلحقت ببعض صحفها، وبَياض ترك في صحف متعددة بَيْنَ الفقرة والفقرة، أو بين الفصل والفصل، ثم لم يُسعفه الوقت، فأبقاها على حالها، وصُحُفُها لا تتشابه، فبينما تجد الصفحة (١٦) مثلًا مكتظة السُّطور والحواشي حتى لا تتبين فيها بياضًا، إذا بك في بعضها الآخر إزاءَ سطرين أو ثلاثة، وهي في أكثرها غيرُ منقوطة. وقد قرأها على المؤلف نفسه ولده محمد الزركشي وإخوته حتى الصغار منهم وسنثبت السماع في آخر الكتاب كما هو في الأصل. وكان الفراغُ مِن قراءته سنةَ أربع وتسعين وسبعمئة وهي السنةُ التي مات فيها المؤلفُ ﵀. أما تاريخُ كتابتها، فقبل سنة (٧٩٠ هـ)، لأنها أُهديت إلى القاضي برهان الدين بن جماعة المتوفى سنة ٧٩٠ هـ.
أما خطُّ المؤلف، فإنا إذا استثنينا خُطْبةَ الكتابِ التي تخف فيها صعوبةُ القراءة، فإن ما بقي منه أشبهُ بالرموز والطلاسم، ويبلغ فنُّ التعمية
стр. 35
نهايته في الصفحة السادسة عشرة، فقد لزت حواشيها لزًا بخطٍ دقيق يُشبه في بعضها ما يكتبه الأطباءُ إلى الصيادلة باللاتينية، وإن كان خط صاحبنا أدقَّ وأغمضَ. وبعضُ الكلمات يكتفي منها بأول حرفٍ إذا وافق حرف الصفحة، وجرى على كتابة العناوين بالحبر الأحمر، وقد صورنا هذه الصفحة ليطلع القارئ على أسلوب المؤلف في تهيئة تصانيفه.
أما الصفحة الأولى، فقد أثبت فيها إلى جانب اسم الكتاب نحو اليسار (فرغه قراءةً ونسخًا العبدُ محمد بن محمد بن الزركشي عامله الله تعالى بلطفه الخفي) وهي بخطِّ ولده المذكور الذي كتب الإجازة في آخرِ الكتاب بالخط نفسِه، وليس المراد بالنسخ أن الرسالة من خطه، بل هي من خط والده، أما خط الولد فجيد مقروء" (١).
قلنا: ونحن أيضًا اعتمدنا على هذه النسخة، لأنها نسخةُ المؤلف. واستعملنا نسخة (ب) في حل كثير من المشكلات أو البياضات، وأثبتناها منها كما ذكرنا الاختلافات المُهِمَّة في الهامش، إلا أننا أهملنا ذِكر الأخطاء الناتجة عن سبق القلم الموجودة فيها، لأنها مستنسخة من مُسَوَّدَةِ المؤلف.
(ب) - نسخة إستانبول: وقد رمزنا لها بالحرف (ب). وأوصافُها كما يلي:
هذه النسخة هي رسالةٌ رابعة من المجموعةِ المحفوظةِ بمكتبة الدولة - بيازيد في إستانبول بالقسم العمومي تحت رقم ٢٩٣٢/ ٧٩٥١. . . بين (٦٥ ب - ١٢٠ أ) وعَدَدُ أوراقها ٥٥ ورقة، وتتكون الصفحة الواحدة من (١٨) سطرًا وقياسها (١٣×٩) س. م.
_________
(١) من مقدمة الإجابة للأفغاني ص ١٥ - ١٦.
стр. 36
خصائصُ النسخة: كلماتها خاليةٌ من التنقيط في الأغلب، والعناوينُ مكتوبة بالحبر الأحمرِ، والكلماتُ المهموزة مكتوبة بدون الهمزة، ونلاحظ أن المستنسخ قد أخطأ في كتابة بعض الكلمات، وصحح بعضها أو رَمَّجَ عليها أحيانًا، فكلمة "ابن" مثلًا مكتوبة بدون ألف. ولكن الخط جيدٌ، وسهلُ القراءة.
ونسخةُ كتاب الإجابة هذه لا يتضح في ختامها اسم مستنسخها، غير أننا لاحظنا أن الرسالة الموجودة قبلَ كتاب الإجابة مباشرةً تحتوي في آخرها على اسم مستنسخها، وذلك كما يلي:
"علق لنفسه فقيرُ رحمة ربه العزيز المقتدر أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن الأزهري". ولما كان الخط واحدًا غلب على ظننا أنه مستنسخ كتاب "الإجابة" أيضًا.
وأما تاريخ الاستنساخ، فقد جاء عنه في نهاية كتاب الإجابة أن الفراغ منه كان سنة ٨٦١ للهجرة.
ويبدو أنها مستنسخة مِن مُسَوَّدَةِ المؤلف بدليل أن المستنسخ يقول في آخرها:
"هذا آخر ما وجدته في المُسَوَّدَةِ، وكان فيها تخاريج وجُزازات، فما تيسر نقلُها على هذا الوجه إلا بعسر، فمن رأى في ذلك خللًا، فلا ينسبنَّه للمصنف".
стр. 37
٧ - النسخة المطبوعة
أما النسخة المطبوعة فقد نشرها الأستاذ سعيد الأفغاني ﵀ معتمدًا على نسخة المؤلف، وكتب مقدمة عن الزركشي ومؤلفاته وكتابه "الإجابة" دون تخريج الأحاديث التي وردت فيه ولم يُعلق عليه إلا بالإشارة إلى أرقام الآيات الكريمة أو معاني بعض الكلمات الغربية أو ما رمَّجَ عليه المؤلف، أو بذكر المشكلات والبياضات في النسخة، وإن قال إنه رجع إلى كتب الرجال وإلى كتب الحديث وإلى كتب المعاجم في حلِّ ما أشكل عليه. حتى نرى أنه قال في مقدمته:
أما ما لقيتُ مِن عناءٍ، وبذلتُ مِن جُهد ووقت، فما يفيد القارئَ بيانُه، إلا أني كنتُ بعد أن نسخ الرسالة ناسخ متقن متمرن، حيالَ مئة وعشرين مشكلًا، فما زلتُ أرجع إلى الأمات التي أشرنا إليها. وأستعينُ بمذكراتي عن السيدة عائشة حتى لم يبق منها إلا دون المواضع الخمسة وهي إما مِن كلام المؤلف نفسهِ، أو من نص منقول عن كتاب مفقود فلا سبيل إلى حله ولم أشأ التصرف مِن عندي بشيء. وبقي كذلك نقص في ثلاث جمل ذهبت بعضُ كلماتها مع حرف الصفحة، فلم يكن سبيلٌ إلى معرفته. وأكبرُ ظني أن المؤلف ﵀ لو أراد تبييضَ هذه النسخة، لما استطاعَ حلَّ رموزٍ هو عَقَدها، ولا أريدُ أن أكتم القارئ اغتباطي، من نزول العدد من مئة وعشرين إلى ما دون العشرة، فقد نَعِمْتُ بلذةٍ لا يُستطاع وصفها (١).
يرحمُ الله الأفغاني، فليس الأمر كما زعمه، بل وجدنا فيه عشرات من الأخطاء والمشكلات وها هو ذا جدول يبين لنا أمثلة من الأخطاء في الأسماء والمتون التي وقعت له في طبعته هذه.
_________
(١) من مقدمة الأفغاني ص ١٩ - ٢٠.
стр. 38
بعض الأمثلة من الأخطاء الواردة في النسخة المطبوعة (ط. الرابعة - ١٩٨٥) بتحقيق الأفغاني:
١ - في أسماء الرجال:
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٣٠ ١٢ أبي عبيدة أبي عبيد (أ) ٣٢ ١ دعدة دعد (أ) ٤٣ ١٠ عن الشافعي عنه السهيلي (ب) ٤٦ ١٢ أبو الوفا عقيل أبو الوفاء بن عقيل (أ) و (ب) ٤٩ ٧ غرازة زوج خيرة غرارة زوج جبرة "تهذيب الكمال" ٥٢ ٧ عبد الله بن عمرو عبد الله بن عمر (ب) ٥٦ ١٤ ؟ الطبري إلكيا الطبري (أ) و (ب) ٥٧ ١٧ الحسن بن صالح يحيى بن صالح "التهذيب" وابن ماجه ٦٣ ٧ في الإفصاح في الإيضاح (أ) و (ب) ٦٥ ١٢ أبو عبيدة أبو عبيد (أ) و (ب) ٦٦ ١٥ في التنقيح في التلقيح (أ) و (ب) ٦٨ ١٢ المصري المقرئ (ب) والطحاوي ٧٣ ١١ قال طلحة قال لطلحة الموطأ لمالك ٧٤ ٣ أبي بكر أبزى (أ) و (ب) ٧٥ ٦ يحيى بن نصر بحر بن نصر (أ) و (ب) ٧٥ ١٣ في كفايته في كتابه (ب) ٨١ ١٤ يزيد بن يحيى زيد بن يحيى (ب)
стр. 39
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٨٤ ٢٠ مسلم بن جعفر هو البغدادي سلم بن جعفر هو البكراوي (أ) و (ب) ٨٧ ٩ هشام همام (أ) والمسند ٩٨ ٦ ابن حزم ابن خزيمة (ب) ٩٨ ٨ عثمان عفان (أ) و (ب) ١٠٤ ١٢ الأجرد الأحرد (أ) و (ب) ١٠٦ ١٠ - ١١ و ١٥ الجزار الخزاز "التهذيب" ١٠٩ ١١ بن مسعود بن عمرو النسائي ١١٢ ١٢ أبو عبيدة أبو عبيد (أ) و (ب) ١١٥ ٦ هشام همام (أ) و (ب) ١١٩ ٢ ثنا قتيبة بن قتيبة (ب) ١٢٨ ١١ القطان العطار "التهذيب" ١٢٨ ١٢ أبي حماد أبي مسلم "التقريب" ١٣٠ ١١ أبي أمامة أبي أسامة (أ) و (ب) ١٣١ ٨ السحتي السمتي (أ) و (ب) ١٣٣ ١٧ بشير بن آدم بشر بن آدم (أ) و (ب) ١٣٦ ٨ بن معقل بن مغفل (أ) و (ب) ١٤٣ ٣ بمقام تمتام (أ) و (ب)
٢ - في المتون
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٣٠ ١٢ لإسناد أبي عبيدة لإنكار أبي عبيد (أ) و (ب) ٣٢ ١٨ فوهاه الواقدي فوهاه بالواقدي (أ) و (ب) ٣٥ ٢ أعزب أغرب (أ)
стр. 40
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٣٦ ١٢ فيعرفهم فيؤمهم (ب) ٣٨ ٣ الثياب الثيبات (أ) و (ب) ٤٦ ٥ إنكار (صحبة) غيره أنظار غيره (أ) و (ب) ٦١ ٩ أي؟ خلطته مخالطة (أ) و (ب) ٦٢ ١٠ وفهم من له ومنهم من حمله (ب) ٦٢ ١٠ ؟ بي أي بي (ب) ٦٦ ٣ . روايتنا رؤيتنا (أ) و (ب) ٦٦ ٥ ؟ الله ونحن نراهم (ب) ٦٨ ٩ عرفوني تحدثون (ب) ومسلم ٦٨ ١٠ وهل ذكره أبو منصور وفي رواية: وَهَلَ، ذكرها أبو منصور (أ) و (ب) ٧٠ ١٤ ولما فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله فقمنا (أ) و (ب) ٧٢ ١٣ بالمسك بالسك (أ) ٧٣ ٧ مني شيء (أ) و (ب) ٧٦ ٩ التجفاف الخفاف (أ) و (ب) ٧٩ ١٤ إن صح الحج أن فسخ الحج (أ) و (ب) ٨٤ ١٦ أخذ عنه أخّر عنه (أ) و (ب) ٨٨ ٢ كان كاد (أ) و (ب) ٩٢ ١٠ وهل حمل وهو حمل (أ) و (ب) ٩٨ ٤ ومسدد في مسنده (ب)
следующие страницы →