Полный текст (288 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
خصائصُ النسخة: كلماتها خاليةٌ من التنقيط في الأغلب، والعناوينُ مكتوبة بالحبر الأحمرِ، والكلماتُ المهموزة مكتوبة بدون الهمزة، ونلاحظ أن المستنسخ قد أخطأ في كتابة بعض الكلمات، وصحح بعضها أو رَمَّجَ عليها أحيانًا، فكلمة "ابن" مثلًا مكتوبة بدون ألف. ولكن الخط جيدٌ، وسهلُ القراءة.
ونسخةُ كتاب الإجابة هذه لا يتضح في ختامها اسم مستنسخها، غير أننا لاحظنا أن الرسالة الموجودة قبلَ كتاب الإجابة مباشرةً تحتوي في آخرها على اسم مستنسخها، وذلك كما يلي:
"علق لنفسه فقيرُ رحمة ربه العزيز المقتدر أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن الأزهري". ولما كان الخط واحدًا غلب على ظننا أنه مستنسخ كتاب "الإجابة" أيضًا.
وأما تاريخ الاستنساخ، فقد جاء عنه في نهاية كتاب الإجابة أن الفراغ منه كان سنة ٨٦١ للهجرة.
ويبدو أنها مستنسخة مِن مُسَوَّدَةِ المؤلف بدليل أن المستنسخ يقول في آخرها:
"هذا آخر ما وجدته في المُسَوَّدَةِ، وكان فيها تخاريج وجُزازات، فما تيسر نقلُها على هذا الوجه إلا بعسر، فمن رأى في ذلك خللًا، فلا ينسبنَّه للمصنف".
стр. 37
٧ - النسخة المطبوعة
أما النسخة المطبوعة فقد نشرها الأستاذ سعيد الأفغاني ﵀ معتمدًا على نسخة المؤلف، وكتب مقدمة عن الزركشي ومؤلفاته وكتابه "الإجابة" دون تخريج الأحاديث التي وردت فيه ولم يُعلق عليه إلا بالإشارة إلى أرقام الآيات الكريمة أو معاني بعض الكلمات الغربية أو ما رمَّجَ عليه المؤلف، أو بذكر المشكلات والبياضات في النسخة، وإن قال إنه رجع إلى كتب الرجال وإلى كتب الحديث وإلى كتب المعاجم في حلِّ ما أشكل عليه. حتى نرى أنه قال في مقدمته:
أما ما لقيتُ مِن عناءٍ، وبذلتُ مِن جُهد ووقت، فما يفيد القارئَ بيانُه، إلا أني كنتُ بعد أن نسخ الرسالة ناسخ متقن متمرن، حيالَ مئة وعشرين مشكلًا، فما زلتُ أرجع إلى الأمات التي أشرنا إليها. وأستعينُ بمذكراتي عن السيدة عائشة حتى لم يبق منها إلا دون المواضع الخمسة وهي إما مِن كلام المؤلف نفسهِ، أو من نص منقول عن كتاب مفقود فلا سبيل إلى حله ولم أشأ التصرف مِن عندي بشيء. وبقي كذلك نقص في ثلاث جمل ذهبت بعضُ كلماتها مع حرف الصفحة، فلم يكن سبيلٌ إلى معرفته. وأكبرُ ظني أن المؤلف ﵀ لو أراد تبييضَ هذه النسخة، لما استطاعَ حلَّ رموزٍ هو عَقَدها، ولا أريدُ أن أكتم القارئ اغتباطي، من نزول العدد من مئة وعشرين إلى ما دون العشرة، فقد نَعِمْتُ بلذةٍ لا يُستطاع وصفها (١).
يرحمُ الله الأفغاني، فليس الأمر كما زعمه، بل وجدنا فيه عشرات من الأخطاء والمشكلات وها هو ذا جدول يبين لنا أمثلة من الأخطاء في الأسماء والمتون التي وقعت له في طبعته هذه.
_________
(١) من مقدمة الأفغاني ص ١٩ - ٢٠.
стр. 38
بعض الأمثلة من الأخطاء الواردة في النسخة المطبوعة (ط. الرابعة - ١٩٨٥) بتحقيق الأفغاني:
١ - في أسماء الرجال:
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٣٠ ١٢ أبي عبيدة أبي عبيد (أ) ٣٢ ١ دعدة دعد (أ) ٤٣ ١٠ عن الشافعي عنه السهيلي (ب) ٤٦ ١٢ أبو الوفا عقيل أبو الوفاء بن عقيل (أ) و (ب) ٤٩ ٧ غرازة زوج خيرة غرارة زوج جبرة "تهذيب الكمال" ٥٢ ٧ عبد الله بن عمرو عبد الله بن عمر (ب) ٥٦ ١٤ ؟ الطبري إلكيا الطبري (أ) و (ب) ٥٧ ١٧ الحسن بن صالح يحيى بن صالح "التهذيب" وابن ماجه ٦٣ ٧ في الإفصاح في الإيضاح (أ) و (ب) ٦٥ ١٢ أبو عبيدة أبو عبيد (أ) و (ب) ٦٦ ١٥ في التنقيح في التلقيح (أ) و (ب) ٦٨ ١٢ المصري المقرئ (ب) والطحاوي ٧٣ ١١ قال طلحة قال لطلحة الموطأ لمالك ٧٤ ٣ أبي بكر أبزى (أ) و (ب) ٧٥ ٦ يحيى بن نصر بحر بن نصر (أ) و (ب) ٧٥ ١٣ في كفايته في كتابه (ب) ٨١ ١٤ يزيد بن يحيى زيد بن يحيى (ب)
стр. 39
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٨٤ ٢٠ مسلم بن جعفر هو البغدادي سلم بن جعفر هو البكراوي (أ) و (ب) ٨٧ ٩ هشام همام (أ) والمسند ٩٨ ٦ ابن حزم ابن خزيمة (ب) ٩٨ ٨ عثمان عفان (أ) و (ب) ١٠٤ ١٢ الأجرد الأحرد (أ) و (ب) ١٠٦ ١٠ - ١١ و ١٥ الجزار الخزاز "التهذيب" ١٠٩ ١١ بن مسعود بن عمرو النسائي ١١٢ ١٢ أبو عبيدة أبو عبيد (أ) و (ب) ١١٥ ٦ هشام همام (أ) و (ب) ١١٩ ٢ ثنا قتيبة بن قتيبة (ب) ١٢٨ ١١ القطان العطار "التهذيب" ١٢٨ ١٢ أبي حماد أبي مسلم "التقريب" ١٣٠ ١١ أبي أمامة أبي أسامة (أ) و (ب) ١٣١ ٨ السحتي السمتي (أ) و (ب) ١٣٣ ١٧ بشير بن آدم بشر بن آدم (أ) و (ب) ١٣٦ ٨ بن معقل بن مغفل (أ) و (ب) ١٤٣ ٣ بمقام تمتام (أ) و (ب)
٢ - في المتون
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٣٠ ١٢ لإسناد أبي عبيدة لإنكار أبي عبيد (أ) و (ب) ٣٢ ١٨ فوهاه الواقدي فوهاه بالواقدي (أ) و (ب) ٣٥ ٢ أعزب أغرب (أ)
стр. 40
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ٣٦ ١٢ فيعرفهم فيؤمهم (ب) ٣٨ ٣ الثياب الثيبات (أ) و (ب) ٤٦ ٥ إنكار (صحبة) غيره أنظار غيره (أ) و (ب) ٦١ ٩ أي؟ خلطته مخالطة (أ) و (ب) ٦٢ ١٠ وفهم من له ومنهم من حمله (ب) ٦٢ ١٠ ؟ بي أي بي (ب) ٦٦ ٣ . روايتنا رؤيتنا (أ) و (ب) ٦٦ ٥ ؟ الله ونحن نراهم (ب) ٦٨ ٩ عرفوني تحدثون (ب) ومسلم ٦٨ ١٠ وهل ذكره أبو منصور وفي رواية: وَهَلَ، ذكرها أبو منصور (أ) و (ب) ٧٠ ١٤ ولما فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله فقمنا (أ) و (ب) ٧٢ ١٣ بالمسك بالسك (أ) ٧٣ ٧ مني شيء (أ) و (ب) ٧٦ ٩ التجفاف الخفاف (أ) و (ب) ٧٩ ١٤ إن صح الحج أن فسخ الحج (أ) و (ب) ٨٤ ١٦ أخذ عنه أخّر عنه (أ) و (ب) ٨٨ ٢ كان كاد (أ) و (ب) ٩٢ ١٠ وهل حمل وهو حمل (أ) و (ب) ٩٨ ٤ ومسدد في مسنده (ب)
стр. 41
صحيفة سطر الخطأ الصواب التصويب من ١٠١ ٨ فكلمناها فكلتاهما مسلم ١٠١ ٩ غير طهر غير حلم (أ) و (ب) ١٠٣ ٢٠ الشك الشأن (أ) و (ب) ١٠٥ ٨ وفي الثاني وفي الباب (أ) و (ب) ١٠٧ ١٥، ١٨ أقنع أمتع (أ) و (ب) ١٠٨ ٣ (أ) و (ب) ١١٥ ١ ؟ يرويه يزيد بن أبي زياد (أ) و (ب) ١٤٠ ٣ لا على لأجل (أ) و (ب) ١٢٦ ١٠ عن كيفيته عن حفصة (أ) و (ب) ١٢٦ ١١ أربع الربع (أ) و (ب)
فإذا نظرنا إلى هذه الأخطاء نلاحظ أن أكثرها ناجمة عن صعوبة خط الزركشي - وكان ضعيفًا جدًّا وقل من يقدر أن يقرأه - وبعضها ناشيء عن قصر باع الأفغاني رحمة الله عليه في علوم الحديث ورجاله وكتبه وعن إهماله التثبت من مصادر الزركشي المطبوعة. إذ كان بإمكانه أن يصحح أكثر الأخطاء بالرجوع إلى تلك المصادر على الأقل ولكنه لم يفعل ذلك.
فقبل أن نعثر على نسخة إستانبول قدرنا أن نصحح أكثر الأخطاء الواردة في المطبوعة من خلال الرجوع إلى المصادر، فلما عثرنا على هذه النسخة وجدنا - والحمد لله - أنها تطابق في معظمها ما صححناه فأسعفتنا في تصحيح ما تبقى من الأخطاء وحل المشكلات من البياضات وغيرها.
стр. 42
ونحمد الله تعالى على ما وهب لنا هذه النسخة ومنحنا الحرص الشديد على أن يخرج الكتاب سالمًا من الأخطاء والتحريفات والتصحيفات.
بعدما فرغت عن عملي هذا وقعت على طبعة جديدة لكتاب الإجابة بتحقيق أستاذنا د. رفعت فوزي عبد المطلب أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة نشرتها مكتبة الخانجي بمصر سنة ٢٠٠١ م. وقد اعتمد الأستاذ أيضًا على نسخة الظاهرية وأعاد النظر فيها كما اعتمد على طبعة الشيخ سعيد الأفغاني.
وقال في مقدمته: "وبحمد الله وعونه وتوفيقه صححنا الكثير من الألفاظ والعبارات بالرجوع إلى مصادر المصنف، والمقارنة بين ما فيه وما في الإجابة، كما يتضح ذلك في الفروق التي أثبتناها في الهوامش" (١). ولكننا عندما قارنّا بين الطبعتين رأينا بوضوح أنه قد وقعت له أكثر التحريفات والبياضات والمشكلات الموجودة عند الأفغاني ولم يستدرك منها إلا الثلث. إذ ما كان عند الأستاذ نسخة ثانية للإجابة ولهذا اكتفى بالرجوع إلى بعض المصادر والتخريج للأحاديث والتعليق عند الحاجة، ولم يكتب له مقدمة حافلة تليق بمكانة هذا الكتاب. وهذا جدول بالأخطاء التي بقيت في طبعته:
_________
(١) المصدر نفسه، ص ١٠.
стр. 43
١ - في أسماء الرجال:
صحيفة … سطر … الخطأ … الصواب … التصويب من
٨ … ٢ … دعدة … دعد … (أ)
٢٥ … ١٤ … عن الشافعي … عنه السهيلي … (ب)
٣٥ … ١٠ … عن هشام … عن هشام به … (أ) و (ب)
٣٩ … ٦ … عبد الله بن عمرو … عبد الله بن عمر … (ب)
٤٥ … ٦ - ٧ … الحسن بن صالح … يحيى بن صالح … المراجع
٥٤ … ٢ … في الإفصاح … في الإيضاح … (أ) و (ب)
٥٩ … ٨ … في التنقيح … في التلقيح … (أ) و (ب)
٦٧ … ١٠ … قال طلحة … قال لطلحة … الموطأ لمالك
٨٥ … ٢ … هشام … همام … (أ) والمسند
٩٧ … ١١ … ابن حزم … ابن خزيمة … (ب)
١٢١ … ٤ … هشام … همام … (أ) و (ب)
١٢٣ … ٥ … شرحبيل بن سلمة … شرحبيل بن مسلم … (أ) و (ب)
١٣٠ … ٢ … ثنا قتيبة … بن قتيبة … (ب)
١٤٣ … ٣ … القطان … العطار … التهذيب
١٤٣ … ٣ - ٤ … ابن أبي ححار … ابن أبي مسلم … التقريب
١٤٥ … ٨ … بمقام … تمتام … (أ) و (ب)
١٤٧ … ٧ … العبدي … العبدري … المراجع
١٥٩ … ٣ … علي بن الحسين … علي بن الحسن … المراجع
١٦٦ … ٣ … ابن أبي أمامة … ابن أبي أسامة … (أ) و (ب)
стр. 44
١ - في المتون:
صحيفة … سطر … الخطأ … الصواب … التصويب من
٦ … ٢ … لإسناد أبي عبيد … لإنكار أبي عبيد … (أ) و (ب)
١٠ … ١٤ … فوهي الواقدي … فوهاه بالواقدي … (أ) و (ب)
١٣ … ٥ … اعزب … اغرب … (أ)
١٧ … ٣ … الثياب … الثيبات … (أ) و (ب)
٢٩ … ١٤ … في إنكار غيره … في أنظار غيره … (أ) و (ب)
٥٠ … ١٤ … أي يتغير … أي خلطته مخالطة … (أ) و (ب)
٥٣ … ٢ … وفهم منه … ومنهم من حمله … (ب)
٥٣ … ٢ … فبي من الوجع … أي بي من الوجع … (ب)
٥٨ … ١٢ … وهو ذا يراهم … ونحن نراهم … (ب)
٦١ … ٦ … ما عرفوني … تحدثون … (ب) ومسلم
٦١ … ٧ … وقد ذكره أبو منصور … وفي رواية: وَهَلَ، ذكره … (أ) و (ب)
٦٤ … ٣ - ٤ … ولما فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا واغتسلنا … ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله فقمنا واغتسلنا … (أ) و (ب)
٦٨ … ١٤ … وأصله في العموم … داخلة في هذا … (ب)
٨٥ … ١٢ … كان يدعى … كاد يدعي … (أ) و (ب)
٩٧ … ١٠ … ومسدد … في مسنده … (ب)
١٠٢ … ٨ … غير طهر … غير حلم … (أ) و (ب)
١٤٠ … ١٣ … عن كيفيته … عن حفصة … (أ) و (ب)
١٤٠ … ١٤ … أربع … الربع … (أ) و (ب)
стр. 45
٨ - عملنا في الكتاب
- قارنّا بين النسختين: النسخة الأصلية وهي نسخة المؤلف (أ)، والنسخة الموجودة بإستانبول (ب) مبينين الفروق في الهامش، وأثبتنا الصحيح في المتن، وإن كان من نسخة (ب) أشرنا إليه في الهامش، وذكرنا بعض أهم التحريفات الواردة في النسخة المطبوعة أيضًا.
- صححنا غير السوي من الألفاظ معتمدين في ذلك على مصادر المؤلف مشيرين إلى مواضعها في الهامش.
- قمنا بضبط ما يحتمل اللبس مِن الألفاظ، وشرحنا بعض الألفاظ الغريبة في الكتاب.
- وضعنا اسم السورة ورقم الآية بعد ذكرها في المتن بين القوسين هكذا [:].
- خرجنا الأحاديث وعزوناها إلى مواضعها في المصادر مشيرين إلى الكتاب والباب ورقم الحديث أو الجزء والصفحة ما أمكن. واعتمدنا في الترقيم على موسوعة الحديث الشريف الكتب الستة التي طبعتها دار السلام للنشر والتوزيع في مجلد فقط سنة ١٩٩٩ م/ ١٤٢٠ هـ بالرياض.
- قارنّا أيضًا بين ما أورده المصنف من مصادره وبين هذه المصادر المطبوعة وذكرنا في الهامش مواضعها وبعض الفروق المهمة.
- خرجنا الشواهد الشعرية وعزوناها إلى مصادرها.
- ترجمنا للأعلام الواردة في الكتاب، وأشرنا إلى بعض المصادر للتوسعة والإطناب في الترجمات.
- أثبتنا أرقامَ أوارق المخطوط من النسخة الأصلية بجانب السطرِ الذي وردت فيه أول كلمة من الورقة ووضعنا قبل تلك الكلمة إشارة /.
стр. 46
- قمنا بإكمال بعض الروايات والمنقولات من المصادر إذا كان المقام يقتضي ذلك ونقلنا بعض النصوص من الشروح لفهم الأحاديث.
- اقتصرنا من التعليق على ما تمس إليه الحاجة.
- اكتفينا في تخريج بعض الأحاديث بالإشارة إلى مسند الإمام أحمد بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط وأصحابه وإلى بعض المراجع المحققة.
- استفدنا في البحث عن الروايات والرواة أو الأعلام من أقراص الحديث المضغوطة لا سيما "المكتبة الألفية للسنة النبوية" وغيرها.
- حذفنا ما رمج عليه المؤلف في مسوَّدته.
- ألحقنا بآخر الكتاب الفهارس العلمية التالية:
١ - فهرس أطراف الحديث.
٢ - فهرس الأعلام.
٣ - فهرس الأماكن.
٤ - فهرس المصادر المرجوع إليها في التحقيق.
٥ - فهرس الموضوعات.
стр. 47
القسم الثاني أم المؤمنين عائشة ومنهجها في نقد الحديث
الحمدُ لله الذي أرسل نبينا محمدًا ﷺ هُدىً ورحمةً للعالمين، والصلاةُ والسلامُ على خاتَم الأنبياء وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضوانُ الله تعالى على الذين آمنوا به وعزروه ووقروه من الأنصار والمهاجرين والذين اتبعوه بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:
فَمِنَ المعلومِ أن الرسول ﷺ بلَّغ الرسالة، وعلّم الكتاب والحكمة، وأدى الأمانة وخلَّف الكتاب والسنة، والذين صحبوه، واتبعوه، وهاجروا، وجاهدُوا معه، أخذوا منه ما أخذوا ثم عملوا به، ونقلوه، وكانوا يحرصون على صحبته، ويهتمون بسماع الأحاديث منه ومشاهدة سننه كل الحرص. ولكنهم لم يكونوا يسمعون كُلَّ الأحاديث مِن رسول الله ﷺ مباشرة بسبب شغلهم فيحدث بعضهم بعضًا. قال الصحابي الجليل البراء بن عازب ﵁.
"وأصحابُ رسول الله ﷺ كانوا يطلبونَ ما يفوتُهم سماعُه من رسول الله ﷺ فيسمعونه مِن أقرانهم وممن هو أحفظُ على منهم، وكانوا يتشدَّدون على مَنْ يسمعون منه" (١).
ومِن مظاهر هذا التشدد أن بعضَ الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدين احتاطُوا، وتثبتوا في قبولِ الأخبار عن رسولِ الله ﷺ ، وكانوا يُقِلُّون من الرواية عن النبي ﷺ ، ولم يكونوا يقبلونَ الحديثَ مِن كل محدِّث خشيةَ أن يدخلوا في الحديث ما ليس منه سهوًا أو خطأ، فيقعوا في شُبهة الكذب على رسول الله ﷺ بغير قصد.
_________
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم، ص ١٤.
стр. 48
وكان بعضُهم يُنكر على من يكثر الرواية لأن الإكثار كانَ مَظِنةَ الوهم عندهم، كما ينكرون أحيانًا فيكذبون بعضهم بسبب رواياتهم، إلا أنهم كانوا يفعلون ذلك للاحتياط في ضبط الحديث، لا للاتهام بالكذب على رسول الله ﷺ أو سوء الظن به.
وكانوا يتفاوتون في الحمل والأداء، والحفظِ والذاكرة، كما يختلفون في الرواية والدراية كأي واحدٍ من البشر. وكان بعضهم يخطئ في السماع والحفظ كما يخطئ في الضبط والنقل، وكان بعضهم أفقهَ وأتقنَ وأدرك مِن بعضهم، ويستدرك أو يصحح أخطاء الآخرين.
وفي بعض الأحيان كان يُراجع بعضُهم بعضًا فيما يرويه، إما للتثبت والتأكد لأن الإنسانَ قد ينسى أو يسهو، أو يغلط عن غير قصد، وإما لأنه ثبت عنده ما يُخالفه أو ما يُخصصه أو يقيده، أو لأنه يري مخالفتَه لِظاهر القرآن أو لظاهر ما حفظه من سنة إلى غير ذلك.
"وقد يقع للصحابيِّ أن يسمع من صحابي آخر حديثًا عن النبي ﷺ فيتوقفُ فيه، حيث لا يراه منسجمًا ما فهمه من معاني القرآن الكريم، وما سمعه هو من فم النبي ﷺ وهنا إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مُجرَّدَ توقف، وإما أن يُنكرها إطلاقًا، حملًا لها على سهو النقل وخطئه ووهمه.
وحيث لا يُوجد بين الصحابي وبين الرسول الأكرم ﵊ سلسلة إسناد، بل الواسطة هي واحد من الصحابة غالبًا فقط، فإن الوهمَ إن كان، فإنما هو مِن هذا الراوي الصحابي، وإنما يقع له الوهمُ غالبًا لأحد الأسباب التالية:
- أن يُحدِّث بما سمعه من النبي ﷺ ولا يَدْري أنه منسوخ.
стр. 49
- أن يقعَ له انقلاب بين شيئين أو لفظين، فيجعل كل واحد منهما مكانَ الآخر، وهذا هو "المقلوب".
- أن يقول مع رواية الحديث قولًا من عند نفسه، متصلًا بنص الحديث، فيظنه السامعون أنه مرفوع، وهذا هو "المدرج".
- أن يرويَ الحديث في مورد يجعلُه يتحمل من المعنى أكثر مما يحتمل.
- أن لا يضبط لفظ الحديث بحيث يختلف المعنى.
- أن يرويَ الحديثَ على غير وجههِ لغفلته عن سبب الورود.
- أن يقعَ له غلط فيروي واهمًا عن النبي ﷺ ما لم يسمعه منه" (١).
ففي مثل هذه الحالات، كان المتثبتون أو النقاد من الصحابة كانوا يسألون الراوي عمن سمع هذا الحديث، هل من النبي ﷺ مباشرة أم من صحابي آخر بواسطة. وإذا كان المصدر هو النبي ﷺ ربما كانوا يطلبون شاهدًا آخر ليؤكده أو يسألونه من هو أحفظ مثل السيدة عائشة فيثبتونه.
وإذا كان المصدر هو صحابيًا آخر، فكانوا يرسلون إليه فيسألونه عن صحة هذه الرواية. إن كان يخبر أنه سمعه عن النبي ﷺ هكذا فيقبلون حديثه، وإن لم يؤيده فيبدو لهم خطأ الراوي فيصحح خطأه ثم يقبلونه.
علمًا بأن هذا التثبت - وإن كان يعدُّ نوعًا ابتداءً مِن تطبيق الإسناد - لم يقع إلا عندَ الحاجة في بعض الأحيان فقط، أو عندما رأوا في الحديث شيئًا منكرًا حسب اجتهادهم، لأنهم لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهدُ الغائب، وكثيرًا ما كانوا يقبلونَ من الآحاد فيعملون بها إذا لم يجدوا أي مشكلة في الرواية.
_________
(١) منهج نقد المتن، للإدلبي، ص ١٠٥ - ١٠٦.
стр. 50
وبالرغم من أن نقد الحديث يَشْمَلُ دراسةَ السند والمتن، فقد وقع نقد السند في أواخر أيام الصحابة. وكان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، كما قال ابن سيرين (١)، وكانوا يُحدثون بعضهم بعضًا حتى ركب الناسُ الصعبَ، والذلولَ، فلم يأخذوا من الناس إلا ما يعرفون كما بيَّنه ابن عباس ﵁ (٢).
لقد عاشَ النقد الحديثي أسعدَ أوقاته في عهد الصحابة. فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يَرُدُّ بعضُهم على بعض حينما يستمعون إلى متونِ الأحاديث المروية، والأحكام المتصلة بها، منهم من اعترض على رواية أخيه ومنهم من استدركه ومنهم من كذَّب ومنهم مَنْ صحَّح روايةَ صحابي أو تابعي وفقًا لمنهجه أو مقاييسه، وليس هذا إلا ليفهم القرآن وحديث الرسول فهما صحيحًا مستقيمًا.
ولا شَكَّ في أن نقدَ المتن من المنهج النقدي للحديث هو الأولُ عندَ الصحابة. ونماذجُ النقد المتنبي للحديث غير قليلة عندهم. وفي طليعتهم أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ حيث إن انتقاداتها مبثوثة في كتب الحديث ومصادر السنة ومجموعة عة في هذا الكتاب القيم.
١ - عائشة الصدِّيقة:
وكانت أم المؤمنين عائشةُ تعد أروعَ مثال في نقدِ الحديث بعشراتِ استدراكاتها على الصحابة والتابعين، "لأنها رُبيت في حجر أبي بكر الصديق أعلم الناسِ بأنسابِ العرب وأخبار قبائلها، وميزات بطونها،
_________
(١) انظر كتاب العلل من سنن الترمذي (٥/ ٧٤٠).
(٢) انظر مقدمة صحيح مسلم، ص ١٣.
стр. 51
فحازت من ذلك علمًا كثيرًا، ثم انتقلت إلى بيتِ الرسول ومهبطِ الوحي، فكانت أقربَ الناس مِن معين العلم، فغرفت منه ما لم يتيسَّرْ لأحدٍ غيرها، لمكانها منه زوجة، ولما تفردت به مِن ذكاء نادر ذكاء نادر، وفكر واسع (١).
نعم، لقد كانت سيدتُنا عائشة أنموذجًا حسنًا للمسلمات كما كان الرسول ﷺ أسوة حسنةً للمسلمين والمسلمات جميعًا. وقد تجِدُ كُلُّ مسلمة في حياة أم المؤمنين منذ طفولتها إلى وفاتها دروسًا عديدة مفيدة، وإذا ما تأملنا حياتَها، فسنجد أنها تنقسم إلى أربعة مراحل كما يلي:
أ - عائشة بنت أبي بكر الصديق:
وُلِدَتْ عائشةُ في السنواتِ الأولى مِن الرسالة وهي ابنةُ مسلميْن مِن السابقين، ونشأت في تلك الأُسرة المسلمة، وتعلمت الشعر والأدب وعلمَ النسب والتاريخَ مِن أبيها كما تعلمتْ مِن النبيِّ ﷺ الذي هو أقربُ صديقٍ من أبيها أبي بكر وزائر بيتهم كل يوم مرة أو مرتين كما تقولُ عائشة:
"لم أعقل أبوي قطُّ إلا وهما يدينان الدين ولم يمرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية" (٢).
ب - عائشة حبيبةُ رسولِ الله ﷺ -:
وقد انتقلت عائشةُ مِن بيت الصدِّيق إلى بيت الرسول وهي بنتُ تسعة اكتملت تطوراتُها العلمية والشخصية فيه بدراسة الكتاب والحكمة، كذلك
_________
(١) من مقدمة الأفغاني على الإجابة، ص ٤.
(٢) أخرجه البخاري بأرقام (٤٧٦، ٢١٣٨، ٢٢٩٧، ٣٩٠٥،٦٠٧٩)، وعبد الرزاق (٩٧٤٣) والإمام أحمد في المسند (٢٥٧٧٤) و (٢٥٦٢٦) وفيه تمام تخريجه.
стр. 52
شاهدت كثيرًا مِن أسباب النزول والورود من الآيات والسنن ومِن الأحاديث والحوادث، وتميزت بقوة عقلها وذكائها وحسن فهمها وحافظتها وفصاحتها بين أمهات المؤمنين، ونالت أعلى درجة عندَ النبي ﷺ . وكان النبي ﷺ يُحبها ويُحب السَّفَر معها، والتحدث في ليالي السفر معها، حتى نجد أنه يهتم بألعابها.
واشتركت معه في غزوات عديدة: في أحد والحُدَيْبيةِ والخندق وبني المصطلقِ. وقد آثر النبي ﷺ حُجرتها في أيام مرضه التي توفي فيها بعد إذن سائر أزواجه، وارتحل إلى الرفيق الأعلى في حِجرها، ودفن في حجرتها ﵂.
ج - عائشة زعيمة الحركة السياسية:
لما تُوفِّي رسولُ الله ﷺ كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت علاقتُها بالخليفتيْن الأوليْن علاقة ممتازةً جدًّا، وكان سيدنا عمر يستفتيها ويستشيرها في المسائل الفقهية لا سيما المسائل المتعلقة بأحوال النساء، واستمر الحال على ذلك إلى أول عهدِ عثمان بن عفانِ. ولكن في عهده الثاني جعلت تنتقِدُ بعضَ إجراءاته، وتنقل شكوى الناسِ إليه. بعدما رأت الممارسات السلبية في هذا العهد دخلت في حركة المعارضة ضدَّ الخليفة، وبدأت تهتم بالأمور السياسية. حتى نراها تطلب من عثمان أن يتركَ الخلافة حينما رأت أنه لا يُبالي بشكوى الناسِ أبدًا.
فلما حُوصِرَ بيتُ عثمان رجحت أن تتركَ المدينةَ المنورة، وسافرت إلى مكة المكرمة للحج. وفي عودتها مِن الحج أخبرها كُلٌّ من طلحة والزبير أن الخليفةَ قد قُتِلَ، وولي الأمر علي بن أبي طالب، فرجعوا إلى مكة. ثم سافرت إلى البصرة مع أصحابها لمعاقبةِ قاتلي عثمان وإصلاح
стр. 53
أمر المسلمين. وفي سنة (٣٦) ظهرت وقعةُ الجمل بينَها وبينَ علي، فغُلِبَتْ ورجَعَتْ إلى المدينةِ المنورة. ثم نَدِمَتْ عائشة بسبب خُروجها، ورجحت تدريسَ الناس في المدينة (١).
هذه الحركة - وإن انتهت بالمغلوبية، لها أهمية كبيرة بالنسبة للنساء، لأن عائشة كانت زعيمةً لآلاف الرجالِ بينهم بعضُ كبار الصحابة كطلحة والزبير، فيبدو من هذه الحركة أن امرأةً مسلمة قد تتولى بعضَ الأمور الاجتماعية والسياسية مثل أم المؤمنين عائشة ﵂.
د - عائشة عالمة حكيمة:
قال سعيد الأفغاني في مقدمته على "الإجابة" وهو يتناول علم عائشة:
"وبعد انتقال النبي ﷺ ، كان عِلْمُ عائشةَ قد بلغ ذورةَ الإحاطَةِ والنُّضج، في كل ما اتَّصلَ بالدين مِن قرآن وحديثٍ وتفسيرٍ وفقهٍ. . . ومع حمل الأصحاب إلى الأمصار طائفةً صالحة من الأحاديث والأحكام حتى كانوا ثمَّةَ مرجِعَ طلابِ العلم ورُواةِ الحديث، بقيتِ المدينةُ - لأسباب أهمها وجودُ عائشةَ - دارَ الحديث، ومنبعَ العلم.
فحين يُشْكِلُ على أهل الأمصار أمرٌ مِن الأمور، يكتبون إلى أصحابِ رسولِ الله ﷺ في الحجاز يسألونهم عن حُكم الله فيه، فكان هؤلاءِ إذا فاتهم علمُ شيءٍ، رجعوا إلى عُلماء بينَهم اشتهروا بحملِ العلمِ وفقهه، كعبد الله بن عمر، وأبي هُريرة وعبدِ الله بن عمرو، وعُروة، وعبد الله ابني الزبير … تُروى عنهم الأحاديثُ وتُنشر الأحكامُ، حتى صاروا مقصدَ الرواد.
_________
(١) راجع لتفصيلات هذه الأمور "عائشة والسياسة" لسعيد الأفغاني. ط. الثانية ١٩٥٧ بالقاهرة.
стр. 54
ومقامُ السيدةِ بينهم مقامَ الأستاذِ من تلاميذه، فكان عمرُ بن الخطاب يُحيل عليها كُلَّ ما تعلق بأحكامِ النساء أو بأحوالِ النبي البيتية، لا يُضارعها في هذا الاختصاص أحدٌ مِن الرجال ولا النساء.
ويصِل إلى مسمع السيدة عن أولئك العلماءِ روايات وأحكام على غيرِ وجهها، فَتُصحح لهم ما أخطؤوا فيه، أو خفي عليهم، حتى عُرِفَ ذلك عنها فصار من شَكَّ في رواية أتى عائشةَ سائلًا، وإن كان بعيدًا، كَتَبَ إليها يسألُها. ومن هنا طار لها ذلك الصِّيتُ في التمكن من العلم، ورجع إلى قولها كبارُ الصحابة، كأبيها أبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة، وابن عباس وابن الزبير. وصار معاويةُ في خلافته يكتبُ إليها سائلًا عن حكم أو حديثٍ، أو شيءٍ من فعل النبيِّ ﷺ ، ولا يَطْمَئِنُّ إلى يقين مما يسمع مِن غيرها حتى يَرِدَ عليه جوابُها، فيبردُ صدرُه. وستجد أن خطأ الصحابة كثيرًا ما يرجع إلى أنهم حضروا آخرَ الحديث، وفاتهم أوله. وسترى في كُلِّ ما تَسْتَدْرِكُ: صحةَ النظر، وصوابَ النقد، وحضورَ الحفظ، وجودةَ النقاش. وأغلبُ الأسبابِ في تَخَبُّطِ الرواياتِ أن الرواة يستنبطون الحكم من الجملة التي حضروها، وكثيرًا ما يكونُ الرسولُ ذكرها في مَعْرِضِ الإنكار، وترى ذلك في مرويات أبي هريرة بصورةٍ خاصة.
وكما اسْتَدْرَكَتْ على أبي هريرة ضياعَ أول الكلام عليه أو آخره، استدركت على كثيرين فَهُمَهُمْ لحديث، أو خطأَ استنباط حكم مِن آية، أو ضلالًا في معرفة أسبابِ النزول، أو اجتهادًا فيه مشقة على الناس. وكان الناسُ يقعون منها في كُلِّ ذلك على علم غزيرٍ، وفهم حصيفٍ، ورأي صائب. ولا غرو فقد كانت السيدةُ عائشة الملجأ الأخيرَ الذي ترفع إليه مسائل الخلاف والروايات وأحكام الشريعة لِتمحيصها، والقضاء فيها بالقول الفصل.
стр. 55
ومِنْ هُنا توقن أن حياةَ السيدة بَنَتْ مجدًا باذخًا لِتاريخ المرأةِ العلمي في الإسلام، بل إن عبقريتَها وحدَها كفيلةٌ بملء تاريخٍ كامل.
ولتعلم بعد هذا سيداتُنا، أن امرأة منهن في صدرِ الإسلام تتلمذَ عليها مشيخةُ المهاجرين والأنصار مِن كل حَبْرٍ وعالمٍ وفقيه وقارئ وراوية. وعنها وحدَها نقل ربع الشريعة، كما قال الحاكم في "المستدرك" (١).
وقد ذكر ابن حزم المكثرين مِن الصحابة ﵃ فيما رُوِيَ عنهم من الفتيا وقدَّمَ عائشة أمَّ المؤمنين على عمر بن الخطاب وابنهِ عبد الله، وعلي بن أبي طالب وابنِ عباس وابنِ مسعود، وزيدِ بن ثابت (٢).
علمًا بأن ابنَ حزم قد فَضَّلَها على جميعِ الناسِ، لأن حبَّ رسولِ الله ﷺ لها أكثرُ مِن محبته لجميع الناس، فقد فضلها رسول الله ﷺ على أبيها وعلى عمر وعلى علي وفاطمة رضي الله عن جميعهم تفضيلًا ظاهرًا بلا شكٍّ (٣).
وسُئِلَ شَيخُ الإسلام (ابن تيمية) رحمه الله تعالى عن خديجةَ وعائشةَ أمي المؤمنين أيُّهُمَا أفضلُ، فأجاب:
بأن سبق خديجة وتأثيرَها في أول الإسلام ونصرَها وقيامَها في الدين لم تَشْرَكْهَا فيه عائشةُ ولا غيرُها مِن أمهات المؤمنين.
وتأثيرُ عائشة في آخرِ الإسلام، وحمل الدين، وتبليغه إلى الأُمَّةِ وإدراكها من العلم ما لم تَشْرَكْها فيه خديجةُ ولا غيرُها مما تميزت به عن غيرها (٤).
_________
(١) من مقدمة الأفغاني على الإجابة، ص ٥ - ٦.
(٢) انظر: الإحكام ٥/ ٩٢.
(٣) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤/ ١٩١.
(٤) مجموع الفتاوى، ٤/ ٣٩٣ و ٤٦٢ - ٤٦٣ وبدائع الفوائد، ٣/ ٦٨٤.
стр. 56
وقال الذهبي في ترجمة عائشة أم المؤمنين: "فروت عنه ﷺ علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وعن أبيها وعن عمر. . ." ثم قال: ولا أعلم في أمة محمد ﷺ ، بل ولا في النساء مطلقًا، امرأة أعلم منها (١).
قال سعيد الأفغاني: "ماتت السيدةُ، فعظم الحزنُ على من شغلتْ الناسَ نحوًا من خمسين سنة، تُعلمهم وتهديهم إلى سُنة نبيهم، وتُحيي فيهم سيرته، واجتهدَتْ للمسلمين، وكانت ملجأَ المهتدين والملتجئين والمتعلمين على السواء (٢).
تُوفيت أُمُّ المؤمنين عائشة سنةَ سبع وخمسين أو ثمان وخمسين وعُمْرُها ثلاثٌ وستون سنةً وأشهر، وصلَّى عليها أبو هريرة، وكان خليفةَ مروان على المدينة ودُفِنَتْ بالبقيع ليلًا رحمها الله تعالى (٣).
٢ - مقاييس عائشة في نقد الحديث ومدى صحته:
نلاحظ من كتاب الإجابة للزركشي أن للسيدة عائشة استدراكات كثيرة على بعضِ الصحابة والتابعين. ورتَّب الرزكشيُّ هذه الاستدراكات ترتيبًا على أسماء الرجال، ورتبها السيوطي ترتيبًا فقهيًا. وإذا تتبعنا استدراكاتها نجد أن السيدة استعملتْ بعضَ المقاييس في ردودها أو تصحيحاتها. وخلصنا بعدَ دراسة مقاييسها في نقد الحديثِ إلى أن نقدها يتشكَّل مِن عرضها على صريح القرآن، أو السنة، أو الحديث، أو عرضها على عقلها ورأيها، أو عرضها على الواقعة التاريخية، ولكن على كلا الترتيبين (الترتيب على أسماء الرجال أو المواضيع الفقهية) لا تتبلور هذه المقاييس في ذهن القارئ. ولذا أردنا دراسة هذا الموضوع
_________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء، ٢/ (١٩).
(٢) عائشة والسياسة لسعيد الأفغاني ص ٢٤٨.
(٣) "السير" للذهبي ٢/ (١٩).
стр. 57
باختصار في مقدمة عملنا هذا كي يكون القارئ على بينة منها ولا تضيع بين السطور وخِضَمِّ الأسانيد.
ومن الجدير بالذكر هنا أن هذه الاستدراكات لم تتلق كُلُّها بالقبول لدى بعض العلماء. بل أُجيب عن بعضها، وخُطِّئت السيدة عائشة في جانب منها، كما سنرى في الإجابة أيضًا، ولذلك نودّ هنا أن نناقش مدى صحة نقدِ السيدة، وكيف اعترض عليها بعض العلماء.
ونعتقد أن هذه المقدمة الدراسية المنهجية ستمهد القراء لفهم نصوص الكتاب والتعرف على منهج عائشة في نقدِ الحديث ومقاييسها، وها نحن نوردها على الترتيب المار ذكره موضحين ذلك بذكر بعض الأمثلة وأقوال العلماء بعونه تعالى.
أ - عرضها الحديث على القرآن:
هذا هو أول مقاييس النقد، وأهمها في تثبيت صحة الأحاديث، إلا أن هذا المقياس ناقشه العلماء مِن المتقدمين والمتأخرين، وهو مستند على عمل النبي ﷺ وتطبيق بعض الصحابة الكبار، والأحاديث المروية في هذا المجال عندَ بعضهم. وقد اعترض بعضهم بأن هذه الروايات ضعيفة جدًّا، إذ الحديث الصحيح لا يخالف القرآن، ولهذا لا حاجة لعرض الحديث الصحيح على القرآن عندهم. ولا نريد أن نسرد هذه الروايات والمناقشات هنا، ولكن لا شك أن هذا المنهج استعمله بعض الصحابة والفقهاء وبعض المحدثين على ما رأينا في مصادرنا.
وإذا نظرنا إلى أقوال هؤلاء الصحابة وأفعالهم وجدناهم هم أول من طبق هذا المعيار حق التطبيق، فإنهم - رضوانُ الله عليهم - كانوا يردون الأحاديث حينما يرون أنها معارضة للقرآن الكريم، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا.
стр. 58
"وقد تبين بعد استقراء تلك المسائل أن القرآن الكريم كان عندهم المقياسَ الأول، فلم يقبلوا ما خالفه من أحاديث، بل حكموا على رواتها بالوهم والخطأ، وتركوا الأخذ بها والعمل بمقتضاها لمعارضتها لذلك النص القرآني، ويتبين هذا باستعراضِ المسائلِ التي جعلوا فيها معارضةَ الحديث لنص الكتاب كافيةً في رده على صاحبه. وهذا الردُّ ليسَ لحكم رسول الله ﷺ ، فالقرآن والسنة الصحيحة لا يُمكن أن يختلفا أو يتناقضا، ولعل الناقل أخطأ أو نسي، أو لم ينقل ما سمعه كله، أو فَهِمَ مِن اللفظ النبوي غير ما أراده ﷺ " (١).
ونرى في مقدمة هؤلاء الصحابة الذين كانوا يعرضون الروايات على القرآن أم المؤمنين عائشة، وقد استدركت ﵂ على كثير من الصحابة وأشارت إلى أوهامهم وأخطائهم وصححت رواياتهم بهذا المقياس وقد أجادت وأفادت وسنت هذا المنهج الحكيم لمن جاء بعدها إلى يوم الدين.
حتى إننا نراها تذكر رسول الله ﷺ آيةً من القرآن عندما سمعت منه الحديثَ، فكأنها رأت بينهما تعارضًا، فسألت النبي ﷺ حقيقة الأمر كما أخرجه البخاري في العلم باب من سمع شيئًا فراجع فيه حتى تعرفه وأن النبيَّ ﷺ قال: "من حُوسِب عُذِّب" قالت عائشة: فقلت: أوليس يقول الله تعالى: ? ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قالت: فقال: "إنما ذلك العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ يَهْلِكُ" (٢).
"وهذا يدل على ما كان عند عائشة مِن الحرص على تفهم معاني الحديث، ومقابلة السنة بالكتاب والمبادرة إلى السؤال عما لم يظهر لها
_________
(١) انظر: مقاييس نقد متون السنة للدميني، ص ٦١ (بالاختصار).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٣) وأحمد (٢٤٦٠٥) و (٢٤٧٧٢) و (٢٤٢٠٠).
стр. 59
وجهه، فهذه ميزة فيها، وممارستها لهذا بين يدي النبيِّ ﷺ وتلقيها التوجيه والتصحيح منه، يُعطيها القوةَ العلمية، ويُربي فيها الملكة الفكرية" (١).
وقد جمع الزركشي عِدةَ أمثلة في كتابه هذا لِعرض أم المؤمنين في روايات سمعتها مِن الصحابة والتابعين على القرآن. على ما سيرى القُرَّاءُ الكِرام أنها قد أصابت في أكثر انتقاداتها كُلَّ الإصابة.
غير أن هناك بعض الأمثلة الأخرى مِن استدراكاتها على الصحابة قد اعترض عليها بعضُ العلماء بأنها هي وهمت فيها، ولم تصب في العرض على القرآن.
خذ مثلًا ما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: اطلع النبي ﷺ على أهلِ القَلِيب، فقال: "وجدتم ما وَعَد ربكم حقًّا؟ " فقيل له: أتدعو أمواتًا؟ فقال: "ما أنتم بأسمعَ منهم ولكن لا يُجيبون" (٢).
وأخرج البخاري بعدها عن عائشة ﵂ قالت: إنما قال النبي ﷺ : "إنهم ليعلمون الآن أنَّ ما كنت أقول لهم حق. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] (٣).
وقد خالفها الجمهورُ في ذلك، وقبلوا حديثَ ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه (٤). فقد بَيَّنَ العلماءُ أنها غيرُ مصيبة في استدراكها على من
_________
(١) منهج نقد المتن للإدلبي، ص ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧٠) و (٤٠٢٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٧١) و (٣٩٧٩ - ٣٩٨١).
(٤) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٣٧٠)، وانظر أيضًا: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ص ١٠١ - ١٠٤.
стр. 60
روى حديث "ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم" في قصة القَلِيب التي رواها الشيخان وغيرهما. وإنكارها لسماع الموتى هو من جنس إنكارها لغيره من الأمور التي لم يتقدم لها به علم، وهي مجتهدة وقد تُصيب، وقد تخطئ ﵂ (١).
فكما تلحظ فإن جملة (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق) غير ثابتة من رواية الصحابة الذين شهدوا الواقعة، وسمعوا من لفظ النبي ﷺ مباشرة، إنما هو من رواية عائشة، والظاهر أنه من اجتهادها في فهم ما قاله النبيُّ ﷺ ولهذا احتجت بالقرآن، ولم تذكر أنها سمعت مِن النبي ﷺ مباشرة، وظنت أن الصحابي الذي روى الحديثَ قد أخطأ في سماع الحديث فاستدركت عليه، وفاتها أن الحديث رواه أيضًا أبو طلحة وعُمر وابنُ مسعود وعبدُ الله بن سيدان، وكلهم ممن شهد الواقعة" (٢).
وقد اعترض السهيليُّ على استدراك عائشة وعرضها هذا الحديث على القُرآنِ مِن وجوه وقال:
١ - "عائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أحفظُ لِلفظ النبي ﷺ .
٢ - إذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جازَ أن يكونوا سامعين.
٣ - إن الله تعالى جعل الكفارَ أمواتًا وصُمًّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم في هذه الآية، فلا تعلق لها في الآية" (٣).
_________
(١) سماع الميت في ضوء الكتاب والسنة، للدكتور ياسر أحمد الشمالي، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد: ٢٤، العدد: ٢، سنة،١٩٩٧، ص ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٢) جمع المفترق من الحديث النبوي، للمؤلف السابق، ص ٩١، دار الفرقان، عمان - ١٩٩٩.
(٣) الروض الأنف، للسهيلي ٥/ ١٧٤ - ١٧٦.
стр. 61
وقال الحافظ ابن حجر: "ومن الغريب أن في المغازي لابنِ إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل هذا الحديث وفيه "ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم" أخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رَجَعَتْ عن الإنكارِ، لِما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة" (١).
قلت: والذي عند أحمد: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم عن عائشة، ولفظها: فقال: "ما أنتم بأفهم لقولي منهم، أو لَهُمْ أفهمُ لقولي منكم"، وإسناده ضعيف لانقطاعه (٢).
وأما رواية ابن إسحاق فلفظها:. . . فقال لهم: "لقد علموا أن ما وعدهم رَبُّهم حقٌّ". قالت عائشة: "والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلتُ لهم" وإنما قال رسول الله ﷺ : "لقد عَلِموا" (٣). ونقلها عنه الإمام أحمد في مسنده بهذا اللفظ (٤).
وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرةِ الرواية، والغوصِ على غوامض العلم ما لا مزيدَ عليه، لكن لا سبيلَ إلى رد رواية الثقة إلا بنصٍّ مثلهِ يدل على نسخه أو تَخصيصه أو استحالته، فكيف والجمعُ بين الذي أنكرتْه وأثبتَه غيرُها ممكن" (٥).
وهناك أمثلة أخرى اعترض بعضُ العلماء على عائشة رغم أنها قد أصابت في استدراكها على ما رأينا.
_________
(١) فتح الباري، لابن حجر ٧/ (٣٩٧٩ - ٣٩٨١) بالاختصار.
(٢) المسند (٢٥٣٧٢).
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٣٨ - ٦٣٩.
(٤) المسند، (٢٦٣٦١) إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
(٥) نقله ابن حجر في الفتح ٧/ (١٣٩٢ - ٣٨١).
стр. 62
ومثال لهذا اعتراض ابن خزيمة عليها في إنكارها على رواية ابن عباس في الرؤية وتابعه النووي وقال: "إن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "لم أرَ ربي" وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] ولقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
ثم إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي، فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربَّه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره. ثم أن عائشة ﵂ لم تنفِ الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات (١).
قال الزركشي في الإجابة: ونقل عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب التوحيد له: "إنه خاطب عائشة على قدر عقلها ثم أخذ يحاول تخطئتها، وليس كما قال، فقد جاء عن غيرها ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ منهم ابن مسعود. وقد بسط الزركشي الكلام في هذا الموضوع ونقل المناقشات فيه كما سيرى القارئ الكريم (٢).
والمثال الثاني لهذا إنكار ابن الجوزي على عائشة في رَدِّها على رواية أبي هُريرة: "الشؤمُ في ثلاثةٍ: في الدارِ والمرأةِ والفَرَسِ". فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخلَ ورسولُ الله ﷺ يقول: "قاتل الله
_________
(١) شرح مسلم للنووي ٣/ ٥ - ٦.
(٢) انظر: استدراكها على ابن عباس (الحديث الثالث) من الإجابة. انظر أيضًا: فتح الباري لابن حجر ٨/ (٤٨٥٥).
стр. 63
اليهودَ، يقولون: الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس"، فَسَمِعَ آخرَ الحديثِ ولم يسمع أوله.
وفي رواية عن أبي هريرة يُحدث أن نبي الله ﷺ يقول: "إنما الطِّيَرَةُ في المرأة والدابة والدار". فطارت شِقَّة منها في السماء وشِقَّةٌ منها في الأرضِ، وقالت: والذي أنزلَ القرآن على أبي القاسم ما هكذا يقول، ولكن كان نبي الله ﷺ يقول: كان أهلُ الجاهلية يقولون: الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدابَّةِ والدارِ، ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. فأنكر ابن الجوزي في "المشكل" على عائشة هذا الرد وقال: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها" (١).
وقال معمرُ بنُ راشد: "سمعتُ مَنْ يفسر هذا الحديثَ يقولُ: شؤمُ المرأة: إذا كانت غيرَ ولود، وشؤم الفَرَسِ: إذا لم يغز عليه في سبيل الله، وشؤمُ الدارِ: جارُ السوء" (٢).
وقد ذهب الخطابيُّ إلى جهة التأويل وقال: "لما كان الإنسان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها، وزوجة يُعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو مِن عارض مكروه، أضيفَ اليُمن والشؤم إلى هذه الأشياء إضافةَ محل وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله" (٣).
وقال ابن حجر بعدما ذكر استدراك عائشة: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا مِن الصحابة له في ذلك، وقد تأوله
_________
(١) انظر: استدراكها على أبي هريرة، (الحديث الثاني) من الإجابة.
(٢) الجامع لمعمر بن راشد، ١٠/ (١٩٥٢٨) ضمن مصنف عبد الرزاق.
(٣) هذا ما نقله الزركشي في الإجابة، ووقع تأويله بألفاظ قريبة منه في معالم السنن للخطابي ٤/ ٢١٨.
стр. 64
غيرُها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار عن النبيِّ ﷺ بثبوت ذلك، وسياقُ الأحاديث الصحيحة المتقدِّم ذكرها يُبْعِدُ هذا التأويل (١).
وقال الزركشي (٢): قال بعضُ الأئمة: "وروايةُ عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله لموافقتها نهيه ﵊ عن الطِّيَرة نهيًا عامًا، وكراهتها وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بغيرِ حساب، وهم الذين لا يكتوون لا يَسْتَرْقُونَ ولا يتطيرون وعلى رَبِّهم يتوكلون" (٣).
ب - عرضها الحديث على السنة:
أحد أهم مقاييس نقدِ الحديث هو عرض الرواية على سنة رسول الله ﷺ ، أي: على أعماله أو أفعاله أو إقراره. وقد اعتمد بعضُ الصحابة في نقد الروايات على السنن حيث إنهم لازموا النبيَّ ﷺ ، وشاهدُوا سننه طول صحبتهم معه ولا سيما أمُّ المؤمنين عائشة قد استندت على هذا المقياس في كثير من ردودها على الصحابة. وكانت عاشت معه ﵇ ليلًا ونهارًا، في حَضَرٍ وسَفَرٍ حتى ارتحل إلى الرفيق الأعلى، وكانت أعرفَ الناسِ بأحواله وأعماله ﵇ بذكائها وفقهها ووعيها، ومحاكمتها الحكيمة. وكانت تبحث عن قصدِ النبي وعلة فعله، أو منشأ تصرفه، أو مواظبته لهذا العمل، أو الظروف التي جرت السنة فيها، وتعيها كل الوعي، وتصحح الروايات راجعة إلى السنة المعروفة عندها.
_________
(١) فتح الباري لابن حجر ٦ / (٢٨٥٨) و (٢٨٥٩).
(٢) الإجابة نفس الموضع.
(٣) أخرجه البخاري في الطب (٥٧٠٥) و (٥٧٥٢) ومسلم في الإيمان (٥٢٤ - ٥٢٥) وأحمد (١٩٩١٣) و (١٩٩٦٦) و (١٩٩٨٤).
стр. 65
وقد أخذ بهذا المعيارِ كثيرٌ من العلماء في تمييز الروايات الموضوعةِ من الأحاديث الصحيحة إذا خالف الحديث لما جاءت به السنةُ الصريحة والسنةُ المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة كما بينه ابن القيم والخطيب البغدادي وغيرهما (١).
ولقد أطلق الأستاذ المفكر المرحوم السيد أبو الأعلى المَوْدوُدي الباكستاني على العلماء الذين وهبهم اللهُ تعالى التفقه والوعي في البحث عن دراسة القرآن والسيرة بحثًا عميقًا دقيقًا، والذين أجابوا عن المسائل المختلفة بآرائهم واجتهاداتهم وفقًا لفهمهم الإسلامي تعبيرَ "مزاج شناس رسول" أي الذي يعرف مزاج الرسول حق المعرفة أو بعبارة أخرى الذي أُشْرِبَ قلبُه مزاج الرسول. فكأن هذا العالم - على ما قاله المودودي - يرى بعين النبي ﷺ ويتكلم بلسانه، فيحصل عنده حدس إلى درجة أنه يستطيع أن يميز الرواياتِ السقيمةَ من الروايات الصحيحة بسهولة مستندًا لهذه الملكة.
قلت: السيدة عائشة أحقُّ الناس بهذه الصفة التي حملتها على أن تقول حينما رأت بعض تغيرات في أحوالِ النساء في المدينة المنورة: "لو أدرك النبيُّ ﷺ ما أحدث النساءُ لَمَنَعَهن المسجد كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل" (٢).
وهذا الخبرُ دليل واضح على معرفة أم المؤمنين بالرسولِ ﵇ وأحواله معرفة حقًّا، وهي التي تجعلها تقول: "لو أدرك النبيُّ. . . لفعل
_________
(١) انظر: المنار المنيف لابن القيم، ص ٥٦، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٤٧٢.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان (٨٦٩) ومسلم في الصلاة (٩٩٩)، وأحمد (٢٤٦٠٢) و (٢٥٦١٠) ومالك في القبلة ص ١٢.
стр. 66
كذا .. " ولا شَكَّ أنها ﵂ استفادت مِن أفعال النبي ﵇ وأحواله التي عاشتها ورصدتها طول صحبتها معه، وأشارت إلى موقفِ النبي ﵇ المحتمل من هذه الحالة التي أحدثتها النساء بعد ارتحال رسول الله ﷺ .
يورد الزركشي في "الإجابة" عدةَ أمثلة من هذا النوع قد أصابت عائشةُ فيها كما سنراها بوضوح، ولا حاجة لذكرها هنا، ولكنها أحيانًا ردَّت رواية صحابي عن فعل فعله النبي ﵇ أمام هذا الصحابي بأن هذا الفعل ليس من الأفعال التي واظب عليها رسول الله ﷺ بل كانت مواظبته على عكس هذا العملِ المروي كما شاهدته أمُّ المؤمنين منذ سنين. ولذلك لما رأت هذه الرواية أو الخبر عن عمل النبي ﵇ مخالفةً لِعادته زعمت أن الصحابي المُخبِرَ أخطأ في روايته ولم تقبل خبره.
ومثال هذا ردُّها الأخبارَ التي وردت في بوله ﵇ قائمًا كما روى حذيفة ﵁ في حديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما قال: "رأيتني أنا والنبي ﷺ نتماشي، فأتى سُباطة قوم خلفَ حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال". وفي رواية أخرى: "أتى النبي ﷺ سباطة قوم قبال قائمًا، ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ" (١).
فقد ردت أم المؤمنين هذه الروايات وادَّعتْ أن النبيَّ ﵇ لم يَبُلْ قائمًا كما نرى في الروايات التالية:
_________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤ - ٢٢٦) و (٢٤٧١)، ومسلم (٦٢٤ - ٦٢٥)، وعبد الرزاق (٧٥١) وابن أبي شيبة (١٣٠٩).
стр. 67
"من حدَّثك أن رسول الله ﷺ بلال قائمًا، فلا تُصدِّقْه، أنا رأيتُه يبولُ قاعدًا" (١). وفي رواية: " .. ما بَالَ رسولُ الله ﷺ قائمًا منذ أُنزل عليه القرآن" (٢). وفي رواية أخرى: "مَنْ حدَّثكم أنَّ النبي ﷺ كان يبولُ قائمًا فلا تُصدِّقوه، ما كان يَبُولُ إلا قاعِدًا" (٣).
والمراد الإخبار عن الحالة المستمرة، ولم تطّلعْ على ما اطَّلعَ عليه حذيفةُ، ولهذا علَّقت مستندةً في إنكارها برؤيتها حيث قالت: "أنا رأيتُه يبول قاعدًا" (٤).
قال الخطابي: والثابت عن رسول الله ﷺ والمعتاد مِن فعله أنه كان يبول قاعدًا، وهذا هو الاختيار، وهو المستحسن في العادات، وإنما كان ذلك الفعل منه نادرًا لسببٍ أو ضرورة دعته إليه" (٥).
وقد أخرج الحاكم عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سمعتُ عائشةَ تُقْسِمُ بالله ما رأى أحدٌ رسول الله ﷺ يبولُ قائمًا منذ أنزل عليه الفرقان. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذي عندي أنهما لما اتفقا على حديث منصور عن أبي وائل عن حذيفة أتى رسول الله ﷺ سُباطة قوم، فبالَ قائمًا، وجدا حديث المقدام عن أبيه عن عائشة ﵂ معارضًا له، فتركاه والله أعلم (٦).
_________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٥٠٤٥) و (٢٥٥٩٦) و (٢٥٧٨٧).
(٣) أخرجه الترمذي في الطهارة (١٢).
(٤) انظر استدراكها البول قائمًا من هذا الكتاب.
(٥) معالم السنن للخطابي ١/ ١٨ - ١٩، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٦٢.
(٦) المستدرك للحاكم، ١/ ١٨٥.
стр. 68
قال الزركشي: "القاعدةُ الأصولية تقضي لحديث حذيفة من حيث إنه مثبت، فيقدَّم على من روى النفي. وجمع بعضُهم بين الروايتين لأن النفي في حديث عائشة ورد على صيغة (كان) بمعنى الاستمرار في الأغلب، وحديث حذيفة ليس فيه (كان) فلا يدل إلا على مطلق الفعل ولو مرة" (١).
قلت: ولو سلّمنا هذا الجمعَ لبقي الإشكال في قولها: "فلا تُصدقوه".
وهذه كلمة صدرت منها عفويًا ولا ينبغي تكذيبُ صحابي جليل مثل حذيفة فيما شاهده مِنْ فعلِ النبي ﷺ عند الحاجة ولو كانت مرة. يرحم اللهُ أم المؤمنين لو فَسَّرَتْ هذه الحالةَ مثل ما فَسَّرَتْ حديث غسل يوم الجمعة من ناحية سبب الورود والظروف، لكان خيرًا وأحسن تأويلًا.
ج - عرضها الحديث على حديث عندها:
مِن المعلوم أن أمَّ المؤمنين عائشة معدودة في علماء الصحابة بالأحاديثِ روايةً ودرايةً، وهي الرابعة من المكثرين بين الصحابة الكرام، لقد ساعدتها قوة ذاكرتها في تصحيح المتون فعرضت الحديثَ أو الفتوى على الحديث عندها، واستعملت هذا المنهجَ في عدة استدراكاتها، ويبدو من هذه الروايات أنها:
١ - لما ذكر لها حديثٌ ما، إما صدقته بأنها سمعته من النبيِّ ﷺ ، وإما أنها تذكر اللفظ الذي عندها.
٢ - بعد ما صدقت الحديث، تبيَّنُ قصدَ النبي ﷺ بهذا الحديث إذا فهم منه غير المعنى المقصود كما بينت في حديث "من أحبَّ لِقاء الله أحب الله لقاءه".
_________
(١) انظر الموضع نفسه من هذا الكتاب.
стр. 69
٣ - أحيانًا تعرض الرواية على حديث أصحَّ وأقوى عندها كما عرضت رواية أبي هريرة "من لم يُوتِرْ فلا صلاة له" على حديث عندها: "من جاء بالصلوات الخمس يومَ القيامة. .".
٤ - وأحيانًا تجد الرواية ناقصة، أو أن الصحابي أخطأ في الفهم والنقل، فتستدرك وتُصحح هذا الخطأ بسماعها هي أو بمشاهدتها، كما قالت في حديث غسلِ يوم الجمعة:
"أكثرَ الناسُ في الغسل يوم الجمعة، وإنما كان ذلك في بيتي، دخل على رسول الله ﷺ نفرٌ من أهل العاليةِ في يوم حَارٍّ قد عملوا في نخلهم، وعليهم ثيابُهم الصوف، فدخلوا ولهم أرواح منكرة، فقال رسول الله ﷺ : إذا كان هذا اليوم فاغتسِلُوا" (١).
٥ - وأحيانًا ترى أو تزعُمُ أن الروايةَ ناقصة، أو نقلت بالخطأ، وأغلب ظنها أن النبيَّ ﷺ لا يقوله كذلك، وتُحاوِلُ أن تصححها بالتأويل أو التخمين، ولا تقول إنها سمعتها عن النبي ﷺ . وقد أشار بعضُ العلماء أنها ردت بعض الروايات بالتأويل كما نرى في ردها حديث أبي هريرة:
"لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا". فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث إنما قال رسولُ الله ﷺ : "لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا أن يمتلئ شعرًا هُجيتُ به". وذكر ابن وهب في جامعه أن عائشة ﵂ تأولت هذا الحديث في الأشعار التي هُجِيَ بها النبيُّ ﷺ وأنكرت قولَ من حمله على العموم في جميع الشعر" (٢).
_________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٤٧) وانظر أيضًا (٨٣٨٤).
(٢) انظر لتخريج الأحاديث والإطناب: استدراكها على أبي هريرة (الحديث الثامن) من هذا الكتاب.
стр. 70
علمًا بأن حديثَ عائشة هذا ضعيف فلم تثبت هذه الزيادة في الصحاح والسنن، وهذا يؤيد أن النبي ﷺ لم يقله، وإنما قالته أمُّ المؤمنين عائشة بالتأويل فقط.
ومثال ثان لهذا رَدُّهَا على عمر وابن عمر لحديثهما عن عذاب الميت ببكاء أهله عليه فقالت تارة: "إنما مرَّ رسولُ الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلُها فقال: "إنهم يبكون عليها، وإنها لتُعذَّبُ في قبرها" (١). وتارة أخرى قالت: "يَرْحَمُ الله عمر، والله ما حَدَّثَ رسولُ الله ﷺ أن الله يعذِّبُ المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليزيدُ الكافرَ عذابًا ببكاءِ أهله عليه"، وقالت: "حَسْبُكُمُ القرآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٢) ". وفي رواية عند مسلم: "وَهَلَ (ابن عمر)، إنما قال رسولُ الله ﷺ : إنه ليُعذَّبُ بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكُون عليه الآن" (٣).
"وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم تردَّ الحديثَ بحديثٍ آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن" كما قال ابن حجر (٤).
وقال القرطبي: إنكارُ عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنه سمع بعضها ولم يسمع بعضًا بعيدٌ، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح (٥).
_________
(١) أخرجه البخاري (١٢٨٩) ومسلم (٢١٥٣) و (٢١٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٨٨) ومسلم (٢١٤٩ - ٢١٥٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٥٤).
(٤) فتح الباري لابن حجر، ٣/ (١٢٨٨ - ١٢٨٩).
(٥) الموضع نفسه.
стр. 71
وقال الزركشي: واعلم أن تعذيبَ الميتِ ببكاءِ أهله عليه رواه عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ من الصحابة، منهم عمر وابن عمر وأنكرته عليهما عائشة، وحديثُها موافق لظاهر القرآن وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وموافق للأحاديث الأخرى في بكاء النبي ﷺ على جماعة من الموتى وإقراره على البكاء عليهم. وكان رحمة للعالمين فمحال أن يفعل ما يكون سببًا لعذابهم أو يقرَّ عليه (١).
والذي عندي أن السيدة عائشة أنكرت الحديث حيث وجدته معارضًا للقرآن وصححته بالتأويل لا بأحاديثَ سمعتها عن النبيِّ ﷺ . وأظن أنها أصابت في الردِّ بهذه الآية وأخطأت في تأويلها بقولها: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" لأن حكم هذه الآيةِ الكريمة شاملةٌ للمؤمن بعمومها للمؤمن وللكافر معًا، وما الله يزيد المؤمن ولا الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه إن أخذنا بهذه الآية الجليلة.
والذي يهمنا هنا أنها أنكرت على بعض الروايات بتأويلاتها قائلة: "ما قال النبي ﷺ ، كذا، إنما قال كذا. . ." وأغلب ظني هنا أن السيدة تعنى بهذا القولِ: "ربما قال النبي ﷺ أو ولعله قال كذا" ولا تعني الجزمَ والله أعلم بالصواب.
ومثال ثالث لهذا إنكارها على حديث "وَلَدُ الزِّنى شَرُّ الثلاثة" بوجهين:
١ - قالت: "فلم يكن الحديثُ على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يُؤذي رسول الله ﷺ فقال: "من يَعْذِرُني من فلان؟ " قيل: "يا رسول الله، إنه مع ما به ولدُ زنى" فقال: "هو شَرُّ الثلاثة". والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٢).
_________
(١) انظر استدراكها على عبد الله بن عمر (الحديث الأول) من هذا الكتاب.
(٢) المستدرك للحاكم، ٢/ ٢١٥.
стр. 72
٢ - قالت: قال رسول الله ﷺ : ولد الزنى شَرُّ الثلاثة إذا عَمِلَ بعمل أبويه". وقال البيهقي: ليس بالقوي، وقد روى مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس ثم قال: وإنما يروى هذا الكلامُ على الخبر من قول سفيان الثوري فنقله بسنده ومتنه (١).
فهذه الرواية الأخيرة - مع ضعفها - دليل على أن هذا تأويلٌ واضح، إما من السيدة عائشة، وإما من سفيان الثوري، دخل إلى المتن وليس من حديث رسول الله ﷺ ، والأول هو أشبه بالصواب، والله أعلم.
د - عرضها الحديث على عقلها ورأيها:
إذا جاءت الرواية مخالفةً لصريح العقل، أو موجباتِ العقول بحيث لا يقبلُ التأويل، ويلحق به ما يدفعه الحِسُّ والمشاهدة، فيعلم بطلانها ويُردُّ. لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا، وأن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق والمعقول.
ولذلك كانت أم المؤمنين عائشةُ تعرض الروايات والفتاوى على مقياس العقل حين ترى أنها معارضةٌ لعقلها، ولا يُتوقع أن يقوله النبيُّ ﷺ فتردها فورًا، ونرى أنها تستعملُ في إنكارها أسلوبًا لامزًا وهي تعتمدُ على علمها بأحوالِ النبي ﵇ وبما يُمكن أن يقوله أو لا يقوله. وهكذا ردت رواية أبي هريرة: "مَنْ غَسَّلَ ميتًا، اغتسل، ومن حمله توضأ" بقولها: "أو نجس موتى المسلمين؟! وما على رجل لو حَمَلَ عودًا؟! " (٢).
_________
(١) السنن للبيهقي، ١٠/ ٥٨.
(٢) انظر استدراكها على أبي هريرة (الحديث السابع) من هذا الكتاب.
стр. 73
كما ردَّت فتوى عبد الله بن عمرو بن العاص بقولها: "يا عجبًا لابن عمرو، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات" (١).
وكما أنكرت لما ذكر عندها ما يقطعُ الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: "قد شبهتمونا بالحمير والكلاب؟! " وفي رواية أخرى: "عدلتمونا بالكلاب والحمر؟! " (٢).
وهناك مقياسٌ آخر في منهج نقدِ السيدة لا بد أن نذكره هُنا، وهو عرضُ الرواية على رأيها أو بعبارة أخرى على اجتهادها الفقهي. والفرقُ بين العرض على عقلها والعرض على رأيها هي أنها في الأولى تنكر الرواية فورًا بصريح العقل فقط بأنها مخالفة للمعقول، وفي الثانية تنكرها نتيجة رأيها واجتهادها الفقهي بعدما تذكر الظروف والأسباب.
مثاله ما رواه أصحابُ الأصول في قضية التحصيب - أي النزول بالأبطح عند النفر - نزل رسول الله ﷺ به. فذهب أبو هريرة وابنُ عمر إلى أنه على وجه القربة، فجعلوها من سِنن الحج، وذهبت عائشة وابن عباس إلى أنه على وجه الاتفاق، وليس من السنن (٣).
وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة ويروي أن النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح (٤). وأما عائشة فتنظر إلى القضية برأيها،
_________
(١) أخرجه مسلم (٧٤٧) والنسائي (٤١٦) وابن خزيمة ١/ (٢٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٤) ومسلم (١١٤٢ - ١١٤٤) وأحمد (٢٥٩٢٩).
(٣) حجة الله البالغة للدهلوي ١/ ٤٠٩ - ٤١١.
(٤) أخرجه مسلم في الحج (٣١٦٧ - ٣١٦٨).
стр. 74
وتقول: ليس التحصيبُ بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، نزول الأبطح ليسَ بسنة. وعللت رأيها بقولها: "إنما نزله رسولُ الله ﷺ ، لأنه كان منزلًا أَسْمَحَ لخروجه" (١). وفي رواية أخرى: "أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي وانتظرني رسولُ الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت .. " (٢) والله ما نزلها إلا من أجلي" (٣).
وعلى اجتهاد أم المؤمنين عائشة التحصيبُ ليس بسنة، "فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله" (٤).
فالحاصل أن من نفى أنه سنةٌ كعائشة وابن عباس أراد أنه ليسَ مِن المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر، أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك (٥). ويؤيد المذهب الأول ما رواه أبو رافع: "لم يأمرني رسولُ الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من مِنى، ولكن جئتُ فضربت فيه قبته فجاء فنزل" (٦). ويؤيد المذهب الثاني ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ننزل غدًا إن شاء الله بخَيْفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" (٧). يعني المحصب (٨).
_________
(١) أخرجه مسلم في الحج (٣١٦٩ - ٣١٧١).
(٢) أخرجه أبو داود في المناسك (٢٠٠٥).
(٣) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٧٦٦).
(٤) أخرجه أبو داود في المناسك (٢٠٠٨).
(٥) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٧٦٦).
(٦) أخرجه مسلم في الحج (٣١٧٣).
(٧) أخرجه مسلم في الحج (٣١٧٤ - ٣١٧٥).
(٨) أخرجه أبو داود أيضًا في المناسك (٢٠١٠).
стр. 75
ومثال آخر لهذا إنكارها على رواية أبي هريرة في المرأة التي عُذبت في هِرة، فقالت: "إن المرأة كانت كافرة" ورأت أن المؤمن أكرمُ عند الله من أن يعذبه من جري هِرة (١) على حسب اجتهادها.
قال النووي: "فظاهر الحديث أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بسبب الهرة" (٢).
وقال الشيخ يوسف القرضاوي (٣).
"أنكرت عائشة أم المؤمنين على أبي هريرة تحديثه بهذا الحديث بصيغته وحسبت أنه لم يَضْبِط لفظه حين سمعه من النبي ﷺ . وحجة عائشة أنها تستكثر أن يُعذب إنسان مؤمن من أجل هرة! وأن المؤمن أكرم على الله من أن يدخله النار من أجل حيوان أعجم!.
وغفر الله لعائشة، لقد غفلت عن شيء هنا في غاية الأهمية، وهو ما يدلُّ عليه العمل، إن حبس الهرة حتى تموت جوعًا، لهو برهانٌ ناصع على جمود قلب تلك المرأة وقسوتها على مخلوقات الله الضعيفة، وأن أشعة الرحمة لم تنفذ إلى حناياها، ولا يدخل الجنة إلا رحيم، ولا يرحم الله إلا الرحماء، فلو رحمت من في الأرض لرحمها من في السماء.
إن هذا الحديث وما جاء في معناه ليعد فخرًا للإسلام في مجال القيم الإنسانية، التي تحترم كل مخلوق حي، وتجعل في رعاية كل كبد رطبة أجرًا.
_________
(١) انظر استدراكها على أبي هريرة (الحديث الثالث) من هذا الكتاب.
(٢) شرح مسلم للنووي، ١٤/ ٢٤٠.
(٣) كيف نتعامل مع السنة النبوية للقرضاوي، ص ٤٦ - ٤٧، ١٩٩٠ - المنصورة.
следующие страницы →