أبو عبد الله فهد بن عبد الله السنيد
الإعلام
في إيضاح ما خفي على الإمام
تعقبات حديثية
على
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
مع نقولات في الرجال
لسماحة العلامة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإن الله ابتعث محمدًا رسوله ﷺ إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبيانًا لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه، فقال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ [النحل: ٦٤]، فقام بذلك صلوات الله وسلامه عليه خير قيام، فما قبضه الله تعالى إليه حتى جعل أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولم يزل الحديث النبوي صافيًا نقيًا لا يعتريه الكذب، ولا يتناوله التحريف والتلفيق، حتى وقع ما وقع من الفتن والبدع والجهل، فألصقت بالسنة أحاديث ليست منها، ولكن -ولله الحمد والمنة- قد تكفل الله بحفظ دينه وشريعته بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] فقيض الله الصحابة والتابعين ومن بعدهم من السلف الصالح بحفظ السنة ; تارة بالتثبت في
стр. 3
الرواية كما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ وغيره من الصحابة، وتارة بالسؤال عن الإسناد، وتارة بذكر أحوال الرواة وبيان من يؤخذ عنه الدين ومن لا يؤخذ عنه، وتارة بوضع ضوابط عامة يعرف بها الحديث الموضوع وغيره.
روى ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل (١/ ٣) عن أبيه قال أخبرني عبدة بن سليمان قال: قيل لابن المبارك هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة.
وروى مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ٨٤ نووي) عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
وروى (١/ ٨٤) من طريق أيوب وهشام هو ابن حسان عن محمد بن سيرين قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، وروى (١/ ٨٧) عن عبد الله بن المبارك قوله: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقوله (١/ ٨٨): بيننا وبين القوم القوائم - يعني الإسناد.
وقال علي بن شقيق سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رءوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف.
وقال مسلم أيضًا في مقدمة صحيحه (١/ ١١) حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي قال كتبت إلى شعبة أسأله عن أبي شيبة قاضي واسط فكتب إلىّ لا تكتب عنه شيئًا ومَزِّقْ كتابي. ومن هؤلاء
стр. 4
الذين قيضهم الله لحفظ سنة ﷺ في هذا العصر المحدِّث العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله فإني لا أعلم أحدًا خدم السنة في هذا العصر مثل ما خدمها هذا الشيخ الجليل؛ فقد ألف الكتب في تمييز صحيح السنة من سقيمها، وحقق مؤلفات لغيره، فأقبل الناس على اقتنائها وقراءتها، فانتفعوا بها. فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء وجعل ذلك في ميزان حسناته.
وإنني أحد هؤلاء الذين انتفعوا بكتبه، وكان الفضل الأول لشيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، فقد كان له معرفة بالرجال، وعناية بالأسانيد، وحسبك أن تعلم أن الكتب الستة ومسند الإمام أحمد وسنن الدارمي وصحيح ابن حبان، وغيرها من الكتب التي تعتني بذكر الأسانيد كتفسير ابن كثير تُقرأ على شيخنا حفظه الله في أثناء الدروس ; فأصبحت أحب سماع الأسانيد، ولا أمل من تكرارها - ولله الحمد؛ مما ساعدني على فهم الكتب التي تعتني بالأسانيد، والكلام عليها ومنها كتب الشيخ ناصر حفظه الله.
وبما أن الشيخ أكثر من الكلام على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا كان من الطبيعي أن يقع منه الخطأ، قال عبد الله بن المبارك: من ذا سلم من الوهم. وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ إنما أعجب ممن يحدث فيصيب (لسان الميزان ١/ ١٧) وأختم هذه المقدمة بكلمة قالها الحافظ ابن رجب في كتابة القواعد في مقدمته- قال ﵀: "ويأبى الله العصمة لكتاب
стр. 5
غير كتابه والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه".
ولقد كان يمر بي أثناء قراءتي لكتب الشيخ حفظه الله بعض الأحاديث التي يصححها وهي ضعيفة أو يكون الحديث صحيحًا ولكن فيه بعض التعقبات، ولعل الشيخ حفظه الله عندما يقرأ البحث يتعقبه كله أو أكثره وسميته "الإعلام في إيضاح ما خفي على الإمام"
وضمنتها نقولات لسماحة المفتي العام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -حفظه الله-.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي ولجميع المسلمين إنه سميع قريب.
وهذا أوان الشروع في المقصود والله المستعان.
كتبه
أبو عبد الله فهد بن عبد الله السنيد
الرياض في: ١٦/ ٩/١٤١٤هـ
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - قال الشيخ ناصر حفظه الله في الصحيحة (٧٧٢) على حديث: «اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» ، رواه أبو داود وعنه الخطيب في التاريخ والحاكم وأحمد من طريق زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: فذكره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
قلت: وقد وهما، فإن زهيرًا هذا فيه ضعف .... وموسى بن جبير فيه جهالة. قال: ابن القطان: لا تعرف حاله. وقال ابن حبان في الثقات: كان يخطئ ويخالف. وقال الحافظ: مستور. اهـ
كلام الشيخ.
قلت: هذا الكلام فيه ملاحظات:
الأولى: قوله وعنه الخطيب، الصواب: أن يُقال ومن طريقه الخطيب لأن الخطيب لم يدرك أبا داود.
الثانية: ظاهر كلام الشيخ أن الجميع صرحوا باسم صحابي الحديث وليس الأمر كذلك فقد رواه الإمام أحمد بإبهام اسم الصحابي.
الثالثة: إن زهير بن محمد ليس ضعيفًا مطلقًا، بل هو ضعيف
стр. 7
إذا روى عنه أهل الشام فقط. قال الأثرم عن أحمد: في رواية الشاميين عن زهير يروون عنه مناكير. ثم قال: أما رواية أصحابنا فمستقيمة عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل موضوعه أو نحو هذا. فأما بواطيل فقد قاله، وقال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. وقال النسائي: ليس به بأس، وعند عمرو بن أبي سلمة التنيسي عنه مناكير. فما قاله هؤلاء الأئمة هو خلاصة القول في زهير، وهنا روى عنه من نص عليهما الإمام أحمد فقد رواه أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن زهير به ورواه الباقون من طريق أبي عامر العقدي فانحصرت العلة في جهالة موسى بن جبير على ما قاله ابن القطان وتابعه الحافظ.
أما الذهبي فقال في الكاشف: ثقة. ثم ذكر الشيخ ناصر له شاهدًا بلفظ: «دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم» وقال: أخرجه أبو داود من طريق السيباني عن أبي سكينة رجل من المحررين عن رجل من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم عن النبي ﷺ أنه قال فذكره، وأخرجه النسائي في حديث طويل.
قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد رجاله كلهم ثقات غير أبي سكينة هذا، قال الحافظ في التقريب: قيل اسمه محلم مختلف في صحبته. قلت: إذا لم تثبت صحبته فهو تابعي مستور روى عنه ثلاثة فالحديث شاهد حسن للشطر الأول من حديث الترجمة. اهـ كلام الشيخ.
стр. 8
قلت: روى أبو داود هذا الحديث عن عيسى بن محمد الرملي أخبرنا ضمرة عن السيباني به (١١/ ٤٠٩ عون) ورواه النسائي (٦/ ٤٣) عن عيسى بن يونس حدثنا ضمرة به فمدار الحديث على ضمرة به، وضمرة هو ابن ربيعة الفلسطيني ثقة إنما أُنكر عليه حديث رواه عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا: «من ملك ذا رحم محرم فهو عتيق» أنكره الإمام أحمد ورده ردًا شديدًا وقال: لو قال إن هذا كذب لما كان مخطئًا. وقال الذهبي في الميزان: مشهور ما فيه مغمز ... تفرد ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «من ملك ذا رحم محرم عتق». أخرجه النسائي.
فالحديث بهذا الشاهد حسن كما قال الشيخ حفظه الله، أما تخريب الكعبة فهو ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة»، وقد ذكر ذلك الشيخ حفظه الله في آخر كلامه على الحديث.
تنبيه أول: السيباني بالسين المهملة هو يحيى بن أبي عمرو وهو ثقة، بل قال أحمد: ثقة ثقة. ووقع في ترجمة أبي سكينة وكذا في ترجمة ضمرة من التهذيب بالشين المعجمة وهو تصحيف.
تنبيه ثان: أبو سكينة قال الحافظ في الإصابة: مصغر، وقيل بفتح أوله.
***
стр. 9
٢ - وقال الشيخ أيضًا في الصحيحة (٧٧٣) على حديث «اتخذوا الغنم فإن فيها بركة» ، رواه أبو بكر المقرئ في الفوائد والخطيب من طريقين عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لأم هانئ فذكره، وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن ماجه من طريق ثالثة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ أن النبي ﷺ قال لها: «اتخذي غنمًا فإن فيها بركة». اهـ كلام الشيخ.
قلت: إنما رواه الخطيب عن أم هانئ فقد رواه من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ، وتابعه وكيع عن هشام به عند ابن ماجه كما تقدم في كلام الشيخ. ولم أقف على رواية أبي بكر المقرئ لأنظر هل هو من مسند عائشة، أو أم هانئ؛ فإن كان من مسند عائشة كما هو صريح كلام الشيخ فلعل الراوي وهم فسلك الجادة لأن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة سند مشهور ويكون الصحيح أن الحديث من مسند أم هانئ لاجتماع وكيع وأبي معاوية على ذلك، وقد روى أحمد في مسنده (٦/ ٣٤٢): ثنا إبراهيم بن خالد حدثني رباح عن معمر عن أبي عثمان الجحشي عن موسى أو فلان بن عبد الرحمن ابن أبي ربيعة عن أم هانئ قال لها النبي ﷺ : «اتخذي غنمًا يا أم هانئ فإنها تروح بخير وتغدو بخير»، فهذه الطريق وقد ذكرها الشيخ وإن كان فيها مجهولان وهما أبو عثمان وشيخه إلا أنها تؤيد في الجملة أن الحديث من مسند أم هانئ.
***
стр. 10
تنبيه: - طريق أبي معاوية أخرجها الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٤٢٤) فقال: حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة به بلفظه الترجمة.
قال الشيخ حفظه الله: وله طريق رابعة عند الخطيب عن حفص بن عمر ويعرف بالكَفْر حدثنا هشام بن عروة ولفظه: «يا أم هانئ اتخذي غنمًا فإنها تغدو وتروح بخير» أورده في ترجمة حفص هذا ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً اهـ. كلام الشيخ.
قلت: بل قال الخطيب أنبأنا الماليني -وكتبته من أصله- أنبأنا عبد الله بن عدي قال: حفص بن عمر بن حكيم لقبه الكَبْر حديث عن عمرو بن قيس الملائي عن عطاء عن ابن عباس أحاديث بواطيل قلت: وهو في الكامل لابن عدي (٢/ ٣٨٧) في أول ترجمة حفص المذكور، وقال في آخر ترجمته بعد أن ساق له ثلاثة أحاديث رواها عن عمرو بن قيس عن عطاء عن ابن عباس قال: وهذه الأحاديث بهذا الإسناد مناكير لا يرويها إلا حفص بن عمر بن حكيم هذا وهو مجهول ولا أعلم أحدًا عنه غير علي بن حرب ولا أعرف له أحاديث غير هذا. اهـ. وقلت: ونستفيد من ترجمته في تاريخ بغداد (٨/ ٢٠٢) راويًا آخر وهو محمد بن غالب التمتام ونستفيد أيضًا حديثًا رابعًا وهو هذا الحديث الذي نحن بصدده والله أعلم.
تنبيه أول: طريق حفص بن عمر هذه من مسند عائشة لا أم هانئ.
***
стр. 11
تنبيه ثان: قوله الكفر ويقال الكبر بالباء كذا في التاريخ.
وقال الحافظ ابن حجر في كتابه " نزهة الألباب في الألقاب " (٢/ ١١٣): الكبر حفص بن عمر بن حكيم بن هشام بن عروة ويقال له الكفر بالفاء، وكافة مفتوحة. وقال في تبصير المنتبه (٣/ ١١٨٢): كبر بالفتح وسكون الموحدة لقب حفص بن عمر شيخ لتمتام حدثه عن هشام بن عروة. اهـ
****
٣ - وقال أيضًا حفظه الله (٩٠٦) بعد أن ذكر حديث «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله سرور يدخله على مسلم أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد (يعني مسجد المدينة) شهرًا، ومن كف غضبة ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام [وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل]» أخرجه الطبراني ... إلى أن قال لكن قد جاء بإسناد خير من هذا فرواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وأبو إسحاق المزكي في الفوائد المنتخبة ببعضه وابن عساكر من طرق عن بكر بن خنيس عن عبد الله بن دينار عن بعض أصحاب النبي ﷺ : (كذا قال ابن أبي الدنيا وقال الآخران عن عبد الله بن عمر قال قيل يا رسول الله من أحب الناس
стр. 12
إلى الله ... . . "وفيه الزيادة " أي قوله: وإن سوء الخلق إلخ " قلت: وهذا إسناد حسن فإن بكر بن خنيس صدوق له أغلاط كما قال الحافظ، وعبد الله بن دينار ثقة من رجال الشيخين فثبت الحديث والحمد لله تعالى. اهـ.
قلت: ليس إسناده بحسن؛ فإن بكر بن خنيس ضعفه جمهور الأئمة كأبي حاتم والنسائي والفلاس ويعقوب بن شيبة، بل قال الدارقطني وغيره: متروك، واقتصر الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين على قول الدارقطني. وقال في الكاشف: واهٍ. (١)
ويشهد لبعضه ما رواه مسلم في صحيحه (١٦/ ١٣٤ نووي) ثنا قتيبة ابن سعيد ثنا ليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» وثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: أن الرسول ﷺ قال: «اشفعوا فلتؤجروا» والنصوص في هذا المعنى كثرة وانظر مجمع الزوائد (٨/ ١٩٠).
...
٤ - وقال أيضًا (٥٦٤) على حديث: «إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا» أخرجه البخاري والترمذي وأحمد عن محمد بن
стр. 13
أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نُعم أن رجلاً سأل ابن عمر [وأنا جالس] عن دم البعوض يصيب الثوب؟ [فقال له: ممن أنت؟ قال من أهل العراق] فقال ابن عمر: [ها] انظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول - فذكره. والزيادات لأحمد والسياق للترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. قلت: قال البخاري في صحيحه (١٠/ ٤٢٦ فتح) ثنا موسى بن إسماعيل ثنا مهدي ثنا ابن أبي يعقوب عن ابن أبي نُعم قال: "كنت شاهدًا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال: ممن أنت؟ قال من أهل العراق قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي ﷺ وسمعت النبي ﷺ يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». فأنت ترى أن الزيادة الأولى والثانية في البخاري إلا أن الأولى بمعناها.
...
٥ــ وقال أيضًا (١٠٨٨) في الصحيحة على حديث: «أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا عليّ وأشار إلى حيث يطعن» . . . وأما حديث عمار فيرويه محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن محمد بن خُثيم المحاربي عن محمد بن كعب القرظي عن محمد بن خُثيم أبي يزيد عنه مرفوعًا به، أخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وهو من أوهامهما؛ فإن محمد بن خثيم وابنه يزيد لم يخرج مسلم عنهما
стр. 14
شيئًا، ثم إنهما في عداد المجهولين: وثقهما ابن حبان، وقال ابن معين في يزيد: ليس به بأس. وأما إعلاله بالانقطاع بين أبي يزيد وعمار فلا وجه له خلافًا لقول الهيثمي رواه أحمد والطبراني والبزار باختصار ورجال الجميع موثقون إلا أن التابعي لم يسمع من عمار. اهـ.
قلت: قول الشيخ وثقهما ابن حبان عندي أن العبارة غير محررة فإن ابن حبان يذكر الراوي في كتابه الثقات فأحيانًا يصرح بتوثيقه كأن يقول مستقيم الحديث أو كان متقنًا وأحيانًا -وهو الأغلب- يكتفي بمجرد ذكره في ثقاته ويزيد بن محمد بن خيثم وأبوه اقتصر على مجرد ذكرهما في ثقاته فلو قلنا فيهما وثقهما ابن حبان لم يكن هناك فرق بين من ينص على توثيقه وبين من يقتصر على مجرد ذكره في كتابه الثقات. وابن حبان إذا نص على توثيق راوٍ فإن توثيقه لا يقل عن توثيق غيره من الأئمة، وأما إذا اقتصر على مجرد ذكره في كتابه الثقات ففيه خلل. وانظر لذلك كتاب" التنكيل" للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي صفحة ٦٦٩.
وقول الشيخ: وأما إعلاله بالانقطاع إلى آخر كلامه فإن الهيثمي تبع في ذلك الإمام البخاري ﵀ فقد قال في التاريخ الكبير (١/ ٧١) بعد أن ذكر سند الحديث: وهذا إسناد لا يعرف سماع يزيد بن محمد ولا محمد بن كعب من ابن خثيم ولا ابن خثيم من عمار. قلت: وكونه وُلد (أي محمد بن خثيم) على عهد النبي ﷺ -
стр. 15
كما ذكره البخاري والبغوي وغيرهما لا يلزم من ذلك أن يكون سمع من عمار فالإدراك شيء والسماع شيء آخر. قال ابن أبي حاتم في كتابه المراسيل في ترجمة أبي وائل: قلت لأبي: أبو وائل سمع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه ولا يحكى سماع شيء، أبو الدرداء كان بالشام وأبو وائل كان بالكوفة.
ومن شواهد حديث الترجمة ما رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٣/ ١٦٣ الفتح الرباني): ثنا وكيع ثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سَبُع قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: لتخضبن هذه من هذا فما ينتظر بي الأشقى! قالوا: يا أمير المؤمنين فأخبرنا به نبير. . . . . . (١٦). قال إذًا تالله تقتلون بي غير قاتلي. قالوا: فاستخلف علينا. . الحديث. وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح إلا عبد الله بن سَبُع، وهو بفتح المهملة وضم الموحدة، ويقال سبيع مصغر، تفرد بالرواية عنه سالم بن أبي الجعد كما قال الذهبي في الميزان، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ: مقبول. وذكر الدارقطني في العلل (٣/ ٢٦٤) الاختلاف فيه على الأعمش وقال: الصواب قول عبد الله بن داود (وهو الخُريبي) ومن تابعه عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سَبُع وقوله ﵁ إن صح عنه: إذًا تالله تقتلون بي غير قاتلي من كمال تصديقه بخبر النبي ﷺ إذْ قاتل عليّ لا يُقتل أو يموت حتى يقتل عليًا - رضي الله
стр. 16
عنه -، ومن ذلك قول النبي ﷺ لعمر ﵁ لما استأذنه في قتل ابن صياد: «دعه فإن يكن الذي تخاف لن تستطيع قتله» رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، ورواه البخاري ومسلم عن ابن عمر بلفظ: «إن يكن هو لا تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله»، وفي مسلم «يكنه» في الموضعين.
...
٦ - ذكر الشيخ حفظه الله في الصحيحة (١١٨١) حديث: «أدخل الله الجنة رجلاً كان سهلاً مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا» وذكر لفظًا آخر: «غفر الله لرجل ممن كان قبلكم كان سهلاً إذا باع سهلاً إذا اشترى سهلاً إذا اقتضى» وعزاهما لأحمد وغيره.
وفات الشيخ حفظه الله أن البخاري أخرجه في صحيحه (٤/ ٣٠٦ فتح) فقال: ثنا علي بن عياش ثنا أبو غسان محمد بن مطرف قال: حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (١).
...
٧ - وذكر الشيخ حديث رقم (١٠١٦): «لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر» من طريقين عن عكرمة عن ابن عباس وحسنه،
стр. 17
وقال للحديث شاهدان من حديث أبي سعيد وأنس، وهما مخرجان في كتابي تحذير الساجد فالحديث صحيح والحمد لله على توفيقه.
قلت: فات الشيخ حفظه الله ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (١).
٨ - وقال الشيخ (١٢٥٨) على حديث «إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي وقل: بسم الله وبالله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا ثم ارفع يدك ثم أعر ذلك وترًا».
أخرجه الترمذي والحاكم والضياء في المختارة عن محمد بن سالم ثنا ثابت البناني قال: قال لي يا محمد (فذكره) فإن أنس بن مالك حدثني أن رسول الله ﷺ حدثه بذلك. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ومحمد بن سالم شيخ مصري. قلت: وقال الضياء: "سئل أبو حاتم عنه فقال لا بأس به". وذكره ابن حبان في الثقات فالحديث صحيح الإسناد، وكذلك قال الحاكم ووافقه الذهبي. اهـ.
قلت: ما نقله عن أبي حاتم ثابت في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/ ٢٧٣ وأما بالنسبة للحديث فروى مسلم في
стр. 18
صحيحة (١٤/ ١٨٩ نووي) عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله ﷺ : «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر».
...
٩ - وقال الشيخ في تحقيقه الكلم الطيب (صفحة: ٣٤) بعد أن ضَعَّف حديث أنس مرفوعًا: «من قال حين يصبح أو يمسي اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك - الحديث» ، ثم رأيت هذا الدعاء في المستدرك عن أبي هريرة نحوه غير مقيد بالصباح والمساء وسنده جيد. اهـ.
قلت: هذا الحديث الذي قال فيه الشيخ إن سنده جيد كلفني شيخنا الفاضل عبد العزيز بن باز أن أحضر سنده لينظر فيه فأحضرت سنده وتكلمت عليه وقُرأ على شيخنا حفظه الله وإليك هذا البحث مع بعض التعديل: -
قال الحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٣): ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أبو عبد الله أحمد بن يحيى الحجري ثنا زيد بن الحباب ثنا حميد بن مهران ثنا عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: ثنا سليمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك وأشهد من في
стр. 19
السموات ومن في الأرض أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك من قالها مرة أعتق الله ثلثه من النار ومن قالها مرتين أعتق الله ثلثيه من النار ومن قالها ثلاثًا أعتق الله كله من النار»، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، ورواه ابن عدي في الكامل ٢/ ٢٧٤ من طريق أحمد بن يحيى الصوفي ثنا زيد بن الحباب حدثني حميد المكي به.
قلت: عطاء هو ابن أبي رباح، وحميد هو المكي كما وقع عند ابن عدي، وهو مولى ابن علقمة، قال البخاري: روى عنه زيد بن الحباب ثلاثة أحاديث زعم أنه سمع عطاء عن أبي هريرة عن سلمان عن النبي ﷺ ، وحديثين آخرين لا يتابع فيهما. قال المزي في تهذيب الكمال: يعني حديث سلمان في الدعاء: «من قال اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك. .» الحديث. وقال ابن عدي بعد أن خرج الحديث: وحميد المكي لم ينسب ولم يذكر أبوه، وحديثه هذا المقدار الذي ذكره البخاري لا يتابع عليه كما قال. وقال الذهبي في الكاشف: لين. وقال الحافظ في التقريب: مجهول. فقول الشيخ ناصر إن سنده جيد إنما هو بالنظر إلى ما وقع عند الحاكم بأن حميد هو ابن مهران وهو ثقة، وثقة ابن معين، وقال أبو داود والنسائي: ليس به بأس. وقال مسلم بن إبراهيم: كان صدوقًا.
وقال الحافظ في التقريب: ثقة.
إلا أن ما وقع عند الحاكم خطأ من وجهين: -
стр. 20
الأول: - ليس لحميد بن مهران رواية عن عطاء، ولا لزيد بن الحباب رواية عنه.
الثاني: - أن حميد بن مهران ليس مكيًا، وصرح ابن عدي في حديثه أنه المكي، وذكر البخاري في التاريخ الصغير ٢/ ١٢٣ هذا الحديث في ترجمة المكي مولى ابن علقمة وتبعه صاحب تهذيب الكمال وغيره. فالسند ضعيف، وقول الشيخ عن أبي هريرة وهم آخر لأن أبا هريرة يرويه عن سلمان ﵁ فالحديث من مسند سلمان لا من مسند أبي هريرة، والله أعلم.
هذا ما قُرئ على شيخنا حفظه الله، ثم رأيت الطبراني رواه في الكبير ٦/ ٢٢٠ من طريق الساجي ثنا أحمد بن يحيى الصوفي به، ورواه أيضًا من طريق أخرى فقال: ثنا محمد بن راشد الأصبهاني ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: حدثني سلمان مرفوعًا به نحوه، وفيه: «وأكفر من أبى ذلك من الأولين والآخرين»، وهذا سند لا يصح؛ إبراهيم بن عبد الله بن خالد قال ابن حبان: يسرق الحديث، ويروي عن الثقات ما ليس من حديثهم. وقال الحاكم: أحاديثه موضوعة. وقال الذهبي: هذا رجل كذاب. كذا في الميزان. وقال في ديوان الضعفاء والمتروكين: متروك متهم. قلت: فقول البخاري المتقدم في حميد المكي أنه روى ما لا يتابع عليه لأن هذه المتابعة لا يفرح
стр. 21
بها؛ لأن في سندها كذابًا يسرق الحديث، والله أعلم.
...
١٠ - صحح الشيخ حديث: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين ، وليقل له: يرحمك الله، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم» كما في تخريج المشكاة برقم (٤٧٤١) وكذا في صحيح الجامع (٦٨٦) من رواية ابن مسعود وسالم بن عبيد الأشجعي ﵄.
وقد حققت هذا الحديث وقرئ على شيخنا الفاضل عبد العزيز ابن باز حفظه الله وإليك هذا التحقيق بلفظه مع بعض الزيادة: -
قال أبو داود (١٣/ ٣٧٢ عون): حدثنا عثمان بن أبي شيبة نا جرير عن منصور عن هلال بن يساف قال: كنا مع سالم بن عبيد فعطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم. فقال سالم: وعليك وعلى أمك. ثم قال بعد: لعلك وجدت مما قلت لك؟ قال: لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا بشر. قال: إنما قلت لك كما قال رسول الله ﷺ : إنا بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ : «وعليك وعلى أمك». ثم قال: «إذ عطس أحدكم فليحمد الله، قال: فذكر بعض المحامد، وليقل له من عنده: يرحمك الله، وليرد -يعني عليهم- يغفر الله لنا ولكم»، ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٢٥) عن محمد بن قدامة عن جرير به، ورواه أيضًا (٢٢٧) والترمذي
стр. 22
(٨/ ١٢ - تحفة) كلاهما عن محمود بن غيلان نا أبو أحمد نا سفيان عن منصور به، ورواه النسائي أيضًا (٢٢٦) وكذا ابن حبان (٢/ ٣٦١) من طريق إسرائيل عن منصور به، وقال الترمذي بعد روايته للحديث: " هذا حديث اختلفوا في روايته عن منصور وقد أدخلوا بين هلال بن يساف وبين سالم رجلاً ". اهـ.
قلت: وهذا الرجل الذي بين هلال وسالم أبهمه بعضهم وصرح به بعضهم وبعضهم زاد رجلاً آخر، فروى النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٢٨) عن أحمد بن حرب ثنا قاسم ثنا سفيان عن منصور عن هلال عن رجل عن سالم به نحوه، ورواه زائدة عن منصور عن هلال عن رجل عن سالم به، ورواه أبو داود الطياليسي (صفحة: ١٦٧) وأبو داود في سننه والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢٣١) كلهم من طريق ورقاء عن منصور عن هلال عن خالد بن عرفجة عن سالم به، ورواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٧ - ٨) عن يحيى بن سعيد حدثني سفيان حدثنا منصور عن هلال بن يساف عن رجل من آل خالد بن عرفطة عن آخر قال: كنت مع سالم به. ورواه النسائي في عمل اليوم الليلة (٢٢٩) عن محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى عن سفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن رجل عن آخر قال: كنا مع سالم به، ثم قال النسائي: وهذا الصواب عندنا والأول خطأ. وقال الحاكم (٤/ ٢٦٧) بعد أن ذكر الاختلاف: الوهم في رواية جرير هذه ظاهر فإن هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد
стр. 23
ولم يره وبينهما رجل مجهول. اهـ. فثبت بهذه الطرق جهالة الواسطة بين هلال وسالم، بل إن أصح الأسانيد المتقدمة سند الإمام أحمد حيث رواه عن القطان عن الثوري، ورواه النسائي عن محمد بن بشار عن القطان به وفيه إثبات رجلين مجهولين بين هلال وسالم، وقول النسائي عقب هذه الطريق: وهذا الصواب عندنا والأول خطأ. وتابع القطان معاويةُ بن هشام في إثبات الرجلين المجهولين إلا أنه سمى واحدًا منهما فروى النسائي (٢٣٠) في عمل اليوم والليلة من طريقه عن سفيان عن منصور عن هلال عن رجل عن خالد بن عرفطة عن سالم بن عبيد نحوه. وسماه بعضهم كما تقدم خالد بن عرفجة. قال الحافظ في التقريب: (خالد بن عرفجة صوابه ابن عرفطه يروي عن سالم بن عبيد مقبول من الثالثة). وانظر تحفة الأشراف (٣/ ٢٥٢).
وأما حديث ابن مسعود ﵁ فرواه الطبراني في الكبير (١٠٣٢٦): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أحمد بن يونس ثنا أبيض بن أبان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، فإذا قال ذلك فليقل من عنده يرحمك الله فإذا قال فليقل يغفر الله لي ولكم" ورواه الحاكم (٤/ ٢٦٦) من طريق جعفر بن سليمان وأبيض كلاهما عن عطاء به مرفوعًا.
وخالفهما سفيان الثوري فرواه عن عطاء به موقوفًا رواه البخاري
стр. 24
في الأدب المفرد (٩٣٤) عن أبي نعيم عن سفيان به. وكذا رواه الحاكم وقال: هذا حديث لم يرفعه عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود غير عطاء بن السائب، تفرد بروايته عنه جعفر ابن سليمان الضُّبعي وأبيض بن أبان القرشي، والصحيح فيه رواية الإمام الحافظ المتقن سفيان بن سعيد الثوري عن عطاء بن السائب. ثم ساقه من أربعة طرق عن سفيان موقوفًا ثم قال: هذا المحفوظ من كلام عبد الله إذا (١) لم يسنده من يُعتمد روايته. ووافقه الذهبي. ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٢٤) من طريق جعفر بن سليمان عن عطاء بن السائب مرفوعًا ثم قال: وهذا حديث منكر ولا أرى جعفر بن سليمان إلا سمعه من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، ودخل عطاء البصرة مرتين فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح ومن سمعه منه آخر مرة ففي حديثه شيء، وحماد بن زيد حديثه عنه صحيح. ورواه ابن السنِّي (٢٥٩) عن النسائي به، ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٠) من طريق أبيض بن أبان وجعفر بن سليمان عن عطاء بن السائب مرفوعًا ثم قال: والصحيح رواية الثوري. قلت: ساقه من طريق عبد الرزاق عن سفيان عطاء موقوفًا ثم قال: هذا موقوف وهو الصحيح، وسُئل عنه أبو حاتم كما في العلل لابنه (٢/ ٢٤٣). فقال: هذا خطأ الناسُ يروونه عن عبد الله موقوف (٢) منهم جعفر بن سليمان
стр. 25
وغيره، وأبيض شيخ، وعطاء بن السائب اختلط بآخره. وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال (٥/ ٣٣٤): يرويه عطاء بن السائب، واختلف عنه فرفعه أبيض بن أبان وجعفر بن سليمان عن عطاء ووقفه جرير وعلي بن عاصم، والموقوف أشهر.
تنبيه: جعل أبو حاتم جعفر بن سليمان من الذين رووا الحديث عن ابن مسعود موقوفًا وتقدم أن النسائي والحاكم والبيقهي رووه من طريقه مرفوعًا وكذا قال الدارقطني كما تقدم نقل كلامه فلعله اختلف عليه في رفعه ووقفه أو يكون هذا مما وهم فيه أبو حاتم، والله أعلم.
وجاء عن عمر وابنه ﵄ موقوفًا عليهما: فروى عبد الرزاق (١٩٦٧٧) عن معمر عن بديل العقيلي عن أبي العلاء ابن عبد الله بن شخير قال عطس رجل عند عمر بن الخطاب قال: السلام عليك. فقال عمر: وعليك وعلى أمك، أما يعلم أحدكم ما يقول إذا عطس؟ إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل القوم يرحمك الله وليقل يغفر الله لكم. ورجاله ثقات ولكن ينظر في سماع أبي العلاء من عمر فإنه توفي على ما قاله ابن حبان سنة إحدى عشرة ومائة، وقال غيره سنة ثمان ومائة. وقال الحافظ في التقريب: كان مولده في خلافة عمر. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٩٤) بعد قول أبي العلاء: أنا أكبر من الحسن البصري بعشر سنين قال: على هذا يكون مولده في خلافة الصديق.
стр. 26
قلت: فعلى مذهب من يكتفي بالمعاصرة يصحح سماعه من عمر، وأما على مذهب من يشترط اللقاء فلا والله اعلم.
وروى البخاري في الأدب المفرد (٩٣٣) عن إسماعيل عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا عطس فقيل له يرحمك الله فقال: يرحمنا وإياكم ويغفر لنا ولكم. اهـ. ما قرئ على شيخنا حفظه الله وذهب إلى تضعيف الحديث وسألته عما جاء عن الصحابة فقال: حفظه الله: لا تعارض بها السنة.
ثم رأيت الشيخ ناصرًا حفظه الله ذكر حديث سالم بن عبيد في الإرواء (٣/ ٢٤٦) وضعفه بقوله: فالإسناد ضعيف لانقطاعه أو لجهالة الواسطة بينهما. بينما قال في المشكاة: إسناد صحيح فكأنه مشى مع ظاهر الإسناد، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٥٧) لهذا الحديث شاهدًا من حديث ابن عمر ﵄ ولفظه مرفوعًا: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله -أحسبه قال- على كل حال وليقل له يرحمك الله وليقل يغفر الله لنا ولكم» وقال: رواه البزار وفيه أسباط بن عزرة ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
قلت: سنده عند البزار هكذا (٢٠١١): حدثنا محمد بن عبيد الله المخزمي ثنا أسود بن عامر ثنا إسرائيل عن أسباط بن عزرة عن جعفر بن أبي وحشية عن مجاهد عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: فذكره. وهذا سند رجاله ثقات معروفون إلا أسباط بن عزرة فلم أجد من ترجمه، فهو علة الحديث وتكلم شعبة في سماع
стр. 27
جعفر من مجاهد. قال أحمد: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد قال: لم يسمع منه شيئًا، وقال ابن معين: طعن عليه شعبة في حديثه عن مجاهد قال: من صحيفة. انظر تهذيب الكمال للمزي (٥/ ٧) ولهذا قال الحافظ في التقريب: ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد.
تنبيه: وقع في كشف الأستار كما تقدم محمد بن عبيد الله مصغر وهو تصحيف صوابه عبد الله مكبر وهو ثقة متقن. وروى البيهقي في الشعب (٩٣٥٢) حديث ابن عمر من طريق عبد الله بن عبد العزيز حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: اجتمع المسلمون واليهود عند رسول الله ﷺ فشمته الفريقان جميعًا فقال للمسلمين: «يغفر الله لكم ويرحمنا الله وإياكم، وقال لليهود: يهديكم الله ويصلح بالكم». وقال: تفرد به عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه وهو ضعيف. قلت: تساهل فيه البيهقي. قال أبو حاتم وغيره: أحاديثه منكره. وقال ابن الجنيد: لا يساوي فلسًا (كذا في الميزان) وفي اللسان شيئًا (١)، يحدث بأحاديث كذب. وقال ابن عدي: روى أحاديث عن أبيه لا يتابع عليها. وقال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا روي عن غير أبيه، وفي روايته عن إبراهيم بن طهمان مناكير. وقال العقيلي: له أحاديث مناكير ليس ممن يقيم الحديث. كذا في الميزان واللسان والله أعلم. فتبين مما سبق أن
стр. 28
الحديث لا يصح من جميع طرقه، فحديث سالم بن عبيد ضعيف لجهالة بعض رواته، وحديث ابن مسعود الراجح وقفه عليه، وحديث ابن عمر له طريقان طريق البزار فيه علتان، وطريق البيهقي فيه عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد وقد سبق نقل كلام الأئمة فيه والله أعلم.
فإن قيل: فهل يصح الحديث بمجموع طرقه؟ فأقول: لا يصح؛ لأن حديث سالم بن عبيد فيه راويان مجهولان كما رواه أحمد وغيره، وحديث ابن مسعود موقوف، وطريق حديث ابن عمر عند البزار فيه علتان والطريق الأخرى ضعيفة جدًا فلا يصل الحديث بمجموع طرقه إلى الصحة بل ولا إلى الحسن، والله أعلم.
تنبيه: قوله في حديث ابن عمر: «اجتمع المسلمون واليهود عند رسول الله ﷺ فشمته الفريقان. .»، كذا وقع في الشعب، وساقه الحافظ في الفتح (١٠/ ٦٠٩) بلفظ: «اجتمع اليهود والمسلمون فعطس النبي ﷺ . . .» فلعله سقط من النسخة المطبوعة، أو كتبه الحافظ من حفظه فأثبت المحذوف المقدر، والله أعلم.
...
١١ - وقال حفظه الله في تخريج المشكاة (١٠٥١) على حديث أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة» ، رواه أحمد، ورزين. إسناده
стр. 29
ضعيف لكن يشهد له الحديث المتقدم (١٠٤١).
قلت: يشير حفظه الله إلى حديث أبي سعيد المتفق على صحته بلفظ: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس».
قلت: ليس في حديث أبي سعيد ما يشهد للاستثناء الواقع في حديث أبي ذر وهو قوله إلا بمكة، وهو استثناء ضعيف سندًا ومتنًا، والصحيح القول بالعموم، والله أعلم وانظر نضب الراية (١/ ٢٥٤) والبيهقي (٢/ ٤٦١).
ويستثنى من قوله: «لا صلاة» الصلاة ذات السبب لأدلة أخرى وردت في ذلك اختاره شيخنا حفظه الله.
...
١٢ - وقال حفظه الله على حديث أبي ذر ﵁: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» ، وفي سنده عنعنة ابن إسحاق كما في تخريج المشكاة (٦٠٣٤).
قلت: هذا الحديث رواه أحمد في مسنده (٥/ ١٦٥): ثنا يزيد ثنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث رجل من أيلة قال: مررت بعمر بن الخطاب، فقال: نعم الغلام. فاتبعني رجل ممن كان عنده، فقال: يا ابن أخي ادع الله لي بخير. قال: قلت: ومَنْ أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ . فقلت: غفر الله لك أنت أحق أن تدعوا لي مني
стр. 30
لك قال: يا ابن أخي إني سمعت عمر بن الخطاب حين مررت به آنفًا يقول: نعم الغلام، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به»، ورواه أيضًا (٥/ ١٧٧) عن يعلى بن عبيد ثنا محمد بن إسحاق عن مكحول به ورواه أبو داود (٨/ ١٧٩ - عون) وابن ماجه (١٠٨) وابن أبي شيبة (١٢/ ٢١) ويعقوب الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ (١/ ٤٦١) وابن أبي عاصم (١٢٤٩) كلهم من طريق محمد بن إسحاق به.
وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند يعقوب الفسوي، وقد توبع عند الحاكم (٣/ ٨٦): فرواه من طريق أبي خالد الأحمر عن هشام بن الغاز وابن عجلان ومحمد بن إسحاق عن مكحول به.
ويؤيد صحة رواية الحاكم ما وقع في علل ابن أبي حاتم (٢٦٦٩) قال: سمعت أبا زرعة وذكر حديثًا حدثنا به عن دُحيم عن عمرو بن بشر بن السرح عن أبي بكر بن أبي مريم عن حبيب بن عبيد عن غضيف بن الحارث عن بلال عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله جعل الحق في قلب عمر وعلى لسانه». فقال أبو زرعة: حديث محمد بن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبي ذر عن النبي ﷺ أشبه لأنه قد وافقه عليه غيره عن أبي ذر. اهـ.
ورواه أيضًا أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩١) مثل رواية الحاكم إلا أنه واقع عنده عن "أبي إسحاق" وهو تصحيف صوابه ابن إسحاق.
стр. 31
وحديث أبي ذر صحيح رجاله كلهم ثقات إلا ابن إسحاق فهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث وقد صرح عند يعقوب الفسوي كما تقدم، وقد توبع أيضًا كما عند الحاكم وأبي نعيم. وغضيف بالضاد المعجمة مصغر مختلف في صحبته فأثبت صحبته أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهما وهو الراجح عندي، ومنهم من جعله من ثقات التابعين، فالسند صحيح على كل حال.
وروى أحمد في مسنده طريقًا أخرى كحديث أبي ذر فقال ﵀ (٥/ ١٤٥): حدثنا يونس وعفان المعنى قالا: ثنا حماد بن سلمة عن برد أبي العلاء قال عفان قال: أنا برد أبو العلاء عن عبادة بن نُسي عن غضيف بن الحارث به نحوه. وهذا سند صحيح أيضًا، وبرد هو ابن سنان وثقه الجمهور وهو الصحيح خلافًا لابن المديني، والرواية الثانية عن أبي حاتم. ويمكن حمل كلام أبي زرعة المتقدم وهو قوله: لأنه أي "ابن إسحاق" قد وافقه عليه غيره عن أبي ذر على هذه الطريق أيضًا والله أعلم.
وقال الشيخ أيضًا على حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، رواه الترمذي وقال: حديث حسن وهو كما قال أو أعلى كما في تخريج المشكاة (٦٠٣٣).
قلت: قال الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٩٥): ثنا أبو عامر حدثنا خارجة بن عبد الله الأنصاري عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه»، قال: وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمرٌ قط فقالوا فيه وقال فيه عن عمر بن الخطاب أو قال عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر. ورواه الترمذي (٣٧٦٥ - تحفة) وابن حبان (٥/ ٣١٨) عن أبي عامر وهو العقدي به، وخارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ضعفه أحمد والدارقطني، وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: شيخ حديثه صالح. وقال أبو داود: شيخ. وقال ابن عدي: لا بأس به وبرواياته عندي. وقال الذهبي: فيه ضعف. كما في ديوان الضعفاء والمتروكين. وقال الحافظ: صدوق له أوهام. ولم يتفرد به: فرواه الإمام أحمد (٢/ ٥٣) وابن سعد (٢/ ٣٣٥) قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي أخبرنا نافع بن أبي نعيم عن نافع عن ابن عمر عن النبي
стр. 32
- ﷺ قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه». وهذا سند صحيح: نافع هو ابن عبد الرحمن بن أبي نعيم نُسب إلى جدة ثقة كما قال جمهور الأئمة خلافًا لأحمد، وقال الحافظ: صدوق ثبت في القراءة. ورواه أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٠٩) من طريق سعيد بن أبي مريم ثنا نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القاري عن نافع به، وقال: "رواه ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن مثله عن النبي ﷺ ، والضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر عن النبي- ﷺ مثله. قلت: روى طريق الضحاك بن عثمان عبد الله بن
стр. 33
الإمام أحمد في زياداته على فضائل الصحابة (٣٩٥) والطبراني في الأوسط (٢٩١) كلاهما من طريق ابن أبي حازم عن الضحاك به.
وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢٦٥٤): سمعت أبا زرعة وذكر حديثًا رواه إبراهيم بن سعد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه». ورواه نافع بن أبي نعيم والضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . قال أبو زرعة: حديث نافع بن أبي نعيم أشبه لأني لم أر أحدًا يتابع إبراهيم بن سعد فيه. قلت: روى طريق إبراهيم بن سعد ابنُ أبي عاصم في كتاب السنة (١٢٤٧). وقول الشيخ حفظه الله: وقال الترمذي: حديث حسن. الذي وقع عندي في تحفة الأحوذي قول الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وكذا في تحفة الأشراف للمزي (٦/ ٩٤).
وقول الشيخ أو أعلى مراده فيما أرجح بالمتابعات والشواهد وإلا فسند الترمذي فيه خارجة وهو مختلف فيه، والله أعلم.
١٣ - وصحح الشيخ حفظه الله حديث: «لعن الله العقرب لا تدع مصليًا ولا غيره، فاقتلوها في الحل والحرم» ، كما في الصحيحة (٥٤٧ - ٥٤٨). وهذا الحديث جمعت طرقه وقرئ على شيخنا الفاضل عبد العزيز بن باز حفظه الله فإليك البحث مع بعض التعديل.
стр. 34
قال ابن ماجه (١٢٤٦): حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي والعباس بن جعفر قالا: حدثنا علي بن ثابت الدهان ثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة قالت: لدغت النبي ﷺ عقربٌ وهو في الصلاة، فقال: «لعن الله العقرب ما تدع المصلي وغير المصلي، اقتلوها في الحل والحرم» ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢١٣) من طريق محمد بن الرحيم صاعقة ثنا علي بن ثابت الدهان ثنا أسباط بن نصر عن الحكم بن عبد الملك به فزاد ذكر أسباط في السند وهو من المزيد في متصل الأسانيد، فقد صرح علي بن ثابت بالتحديث من الحكم في سند ابن ماجه كما تقدم. وعلي بن ثابت روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في الميزان: شيخ محدث معاصر لِعَّفان صدوق لكنه شيعي معروف وقيل: كان ممن يسكن في تشيعه ولا يغلو. وقال الحافظ في التقريب: صدوق.
وأما الحكم بن عبد الملك فهو علة هذا السند فقد ضعفه جميع الأئمة إلا العجلي فوثقه وهذا من تساهله المعروف به، ولهذا قال الحافظ في التقريب: ضعيف. وقال صاحب "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه" (١/ ١٤٨): لكن لم ينفرد به الحكم فقد رواه ابن خزيمة في صحيحه عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة به. وتابعه الشيخ حفظه الله في الصحيحة (٥٤٧) على هذا الوهم فيما أرى فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه
стр. 35
(٤/ ١٩١) بالسند الذي ذكره البوصيري حديث عائشة بلفظ: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديأة»، ذكره في أبواب ما يحل للمحرم قتله، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه كلهم من طريق محمد بن جعفر به، وذكر ابن خزيمة في أبواب الأفعال المباحة في الصلاة حديث ضمضم بن جوس عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «أمر بقتل الأسودين في الصلاة العقرب والحية» ومما يؤيد أن الشيخ حفظه الله إنما تبع البوصيري أنه لم يذكر الجزء والصفحة كعادته في العزو، والله أعلم، وتبين أيضًا أن الحكم مع ضعفه قد وهم في متن الحديث مخالفًا في ذلك الحافظ الناقد شعبة بن الحجاج.
قال الشيخ حفظه الله: وللحديث شاهد قوي من حديث علي. . . قلت: فساقه ثم قال: أخرجه الطبراني في المعجم الصغير وأبو نعيم في أخبار أصبهان وأبو محمد الخلال في "فضائل قل هو الله أحد" من طرق عن محمد بن فضيل. . قلت: قال الطبراني في المعجم الصغير (٨٣٠): حدثنا محمد بن الحسين الأشناني الكوفي ثنا عباد بن يعقوب الأسدي ثنا محمد بن فضيل عن مطرف بن طريف عن المنهال بن عمرو عن محمد بن الحنفية عن علي قال: لدغت النبي ﷺ عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: «لعن الله العقرب، لا تدع مصليًا ولا غيره. . .» الحديث، وقال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا ابن فضيل. وقال الهيثمي في
стр. 36
مجمع الزوائد (٥/ ١١١): إسناده حسن. وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال كما في العلل (٤/ ١٢٢): هو حديث يرويه المنهال بن عمرو، واختلف عنه: فرواه مطرف بن طريف عن المنهال فأسنده إسماعيل ابن بنت السُّدَّي عن محمد بن فضيل عن مطرف عن المنهال بن عمرو عن ابن الحنفية عن علي وخالفه موسى بن أعين وأسباط بن محمد وغيرهما فرووه عن مطرف عن المنهال عن ابن الحنفية مرسلاً وهو أشبه بالصواب. قلت: تقدم في سند الطبراني متابعة عباد بن يعقوب وهو الرواجني لإسماعيل ابن بنت السدي على رفعه وعباد بن يعقوب ثقة ولكنه يغلو في التشيع. قال ابن خزيمة: حدثنا الثقة في روايته المتهم في دينه. ووثقة أبو حاتم وغيره. وشيخ الطبراني محمد بن الحسين قال الدارقطني: ثقة مأمون كما في سؤالات حمزة السهمي (١٥) وقال الخطيب (٢/ ٢٣٥): وأخبرني بعض أصحابنا أنه سمعه يقول: أنه ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين وكان ثقة حجة. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٣٦٠٤)(٩٨٥٠) عن عبد الرحيم بن سليمان عن مطرف به مرسلاً. وعبد الرحيم بن سليمان وهو الكناني ثقة قال في التقريب: ثقة له تصانيف.
قال الشيخ حفظه الله: لا سيما وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن مسعود نحوه. . أخرجه ابن عدي في "الكامل" بسند ضعيف. قلت: روى ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٩٠) من طريق
стр. 37
الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ ، بينما هو يصلي إذ لدغته عقرب فقتلها بنعليه وهو في الصلاة فلما فرغ من صلاته قال: «قاتلهن الله ما يدعن نبيًا ولا غيره»، وهذا السند أخطأ فيه الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث سئل الدارقطني عن هذا الحديث (٥/ ٣٠٣): فقال: يرويه الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله ولم يتابع عليه ورواه مطرف وحمزة الزيات عن المنهال بن عمرو عن ابن الحنفية مرسلاً وهو أصح. قلت: وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه ابن عدي (٣/ ١٢٩) من طريقين عن محمد بن سيرين عنه. فأما الطريق الأولى: فرواها من طريق الربيع بن بدر عن عوف عن محمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قتل عقربًا فقال: «لعن الله العقرب ما تدع نبيًا ولا مصليًا» وهذا سند رجاله كلهم ثقات إلا الربيع بن بدر وهو التميمي السعدي الملقب بـ"عُليلة" بمهملة مضمومة ولامين بينهما ياء ساكنة، فقد ضعفه الأئمة بل قال أبو حاتم والنسائي وغيرهما: متروك. وتبعهم الحافظ في التقريب. وأما الطريق الثانية: فرواها (٢/ ٢٨) من طريق أبي عبيدة الناجي عن محمد بن سيرين أظنه عن أبي هريرة به نحوه. وهذا سند لا يصح أيضًا: أبو عبيدة الناجي واسمه بكر بن الأسود أو ابن أبي الأسود قال يحيى بن كثير العنبري: كذاب. وقال النسائي: ليس بثقة. وضعفه الدارقطني.
стр. 38
وبهذا التخريج يتبين أن الحديث لا يصح من جميع طرقه ولا يقال إنه حسن بمجموع طريقيه طريق عائشة ومرسل ابن الحنفية لأنه تبين لنا أن الحكم بن عبد الملك مع ضعفه قد وهم في متنه مخالفًا في ذلك في ذلك شعبة فمتن الحكم غير قائم للمخالفة. والله أعلم.
...
١٤ - وذكر الشيخ في الصحيحة (١٢٢٢) حديث: «إذا كان أجل أحدكم بأرض أثبت الله له إليها حاجة فإذا بلغ أقصى أثرة توفاه فتقول الأرض يوم القيامة يا رب هذا ما استودعتني» وقال: أخرجه ابن ماجه، وابن أبي عاصم في السنة، والطبراني في المعجم الكبير، والحاكم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ . وقال الحاكم: "احتج الشيخان برواة هذا الحديث عن آخرهم" ووافقه الذهبي وهو كما قالا: وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال الشيخ أيضًا في تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم (١/ ١٧٤): حديث صحيح وإسناده ثقات رجال مسلم غير أن عمر بن علي وهو المقدمي مدلس لكنه قد توبع. قلت: عمر بن علي صرح بالتحديث عند ابن ماجه والحاكم لكن ليت الشيخ حفظه الله نقل كلام الحاكم ليعلم أن في الحديث اختلافًا في رفعه ووقفه. فقد قال الحاكم بعد أن أخرجه من طريق عمر بن علي المقدمي ومحمد بن خالد الوهبي وهشيم: "فقد أسند هذا الحديث
стр. 39
ثلاثة من الثقات عن إسماعيل وأوقفه عنه سفيان بن عيينة فنحن على ما شرطنا في إخراج الزيادة من الثقة في الوصل والسند". اهـ.
وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: (٥/ ٢٣٨: علل) يرويه إسماعيل بن أبي خالد فرفعه عنه عمر (الأصل عمرو وهو خطأ) ابن علي المقدمي ومحمد بن خالد الوهبي وهشيم -من رواية موسى ابن حيان عن ابن مهدي عنه- وغيره يرويه عن هشيم ولا يرفعه وكذلك رواه ابن عيينة ويحيى القطان وغيرهما موقوفًا وهو الصواب. حدثنا أحمد بن عبد الله الوكيل ثنا عمر بن شبه ثنا يحيى ثنا إسماعيل عن قيس قال: قال عبد الله: «إذا كان أجل أحدكم بأرض أتى له الحاجة فيعمد إليهما فإذا كان أقصى أثرة قبض فتقول الأرض يوم القيامة هذا ما استودعتني» وذكره ابن أبي حاتم في العلل (١٠٧٣) من طريق محمد بن خالد عن إسماعيل بن أبي خالد به. وقال: قال أبي: الكوفيون لا يرفعونه. قال أبو محمد: هذا الحديث معروف بعمر بن علي بن مقدم، تفرد به عن إسماعيل بن أبي خالد، وتابعه على روايته محمد بن خالد الوهبي. اهـ.
فتبين من كلام هؤلاء الأئمة أن الحديث مختلف في رفعه ووقفه فرفعه عمر بن علي المقدمي كما عند ابن ماجه وابن أبي عاصم والحاكم ومحمدُ بن خالد الوهبي عند الحاكم، واختلف على هشيم في رفعه ووقفه كما يدل عليه كلام الدارقطني المتقدم. فرواية
стр. 40
الرفع عن هشيم رواها الطبراني عن محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا موسى بن محمد بن حيان البصري ثنا عبد الرحمن مهدي ثنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواها الحاكم من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي به، ومحمد بن عبد الله هو مُطَيَّن -بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الياء المفتوحة آخر الحروف وآخره نون- قال الدارقطني: ثقة جبل. وقال الخليل: ثقة حافظ. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٢): صنف المسند والتاريخ وكان متقنًا وقد تكلم فيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة تكلم هو في ابن عثمان فلا يعتد غالبًا بكلام الأقران لا سيما إذا كان بينهما منافسة، فقد عدد ابن عثمان لمطين نحوًا من ثلاثة أوهام فكان ماذا؟ ومطين أوثق الرجلين ويكفيه تزكية مثل: الدارقطني. وأما موسى بن محمد بن حيان فقال الذهبي في الميزان: ضعفه أبو زرعة ولم يترك، وقد نقطه بجيم في أماكن ابن الأزهر الصريفيني فوهم. وقال الحافظ في اللسان بعد كلام الذهبي هذا: والمعروف بالمهملة، ولفظ ابن أبي حاتم: ترك أبو زرعة حديثه ولم يقرأه علينا، وكان أخرجه قديمًا في فوائده. وذكره ابن حبان في الثقات: فقال: كنيته أبو عمران ربما خالف. قلت: لفظ ابن أبي حاتم: ترك أبو زرعة حديثه ولم يقرأ علينا، كان قد أخرجه قديمًا في فوائده وقد كناه ابن أبي حاتم أبا عمران أيضًا.
تنبيه: وقع في الميزان طبعة البجاوي جيان بالجيم وفي اللسان