← Фикх общий

Фикх общий · id 1364

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ط الرسالة

بدر الدين الزركشي

Полный текст (288 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال الزركشي: واعلم أن تعذيبَ الميتِ ببكاءِ أهله عليه رواه عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ من الصحابة، منهم عمر وابن عمر وأنكرته عليهما عائشة، وحديثُها موافق لظاهر القرآن وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وموافق للأحاديث الأخرى في بكاء النبي ﷺ على جماعة من الموتى وإقراره على البكاء عليهم. وكان رحمة للعالمين فمحال أن يفعل ما يكون سببًا لعذابهم أو يقرَّ عليه (١). والذي عندي أن السيدة عائشة أنكرت الحديث حيث وجدته معارضًا للقرآن وصححته بالتأويل لا بأحاديثَ سمعتها عن النبيِّ ﷺ . وأظن أنها أصابت في الردِّ بهذه الآية وأخطأت في تأويلها بقولها: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" لأن حكم هذه الآيةِ الكريمة شاملةٌ للمؤمن بعمومها للمؤمن وللكافر معًا، وما الله يزيد المؤمن ولا الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه إن أخذنا بهذه الآية الجليلة. والذي يهمنا هنا أنها أنكرت على بعض الروايات بتأويلاتها قائلة: "ما قال النبي ﷺ ، كذا، إنما قال كذا. . ." وأغلب ظني هنا أن السيدة تعنى بهذا القولِ: "ربما قال النبي ﷺ أو ولعله قال كذا" ولا تعني الجزمَ والله أعلم بالصواب. ومثال ثالث لهذا إنكارها على حديث "وَلَدُ الزِّنى شَرُّ الثلاثة" بوجهين: ١ - قالت: "فلم يكن الحديثُ على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يُؤذي رسول الله ﷺ فقال: "من يَعْذِرُني من فلان؟ " قيل: "يا رسول الله، إنه مع ما به ولدُ زنى" فقال: "هو شَرُّ الثلاثة". والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٢). _________ (١) انظر استدراكها على عبد الله بن عمر (الحديث الأول) من هذا الكتاب. (٢) المستدرك للحاكم، ٢/ ٢١٥.

стр. 72

٢ - قالت: قال رسول الله ﷺ : ولد الزنى شَرُّ الثلاثة إذا عَمِلَ بعمل أبويه". وقال البيهقي: ليس بالقوي، وقد روى مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس ثم قال: وإنما يروى هذا الكلامُ على الخبر من قول سفيان الثوري فنقله بسنده ومتنه (١). فهذه الرواية الأخيرة - مع ضعفها - دليل على أن هذا تأويلٌ واضح، إما من السيدة عائشة، وإما من سفيان الثوري، دخل إلى المتن وليس من حديث رسول الله ﷺ ، والأول هو أشبه بالصواب، والله أعلم. د - عرضها الحديث على عقلها ورأيها: إذا جاءت الرواية مخالفةً لصريح العقل، أو موجباتِ العقول بحيث لا يقبلُ التأويل، ويلحق به ما يدفعه الحِسُّ والمشاهدة، فيعلم بطلانها ويُردُّ. لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا، وأن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق والمعقول. ولذلك كانت أم المؤمنين عائشةُ تعرض الروايات والفتاوى على مقياس العقل حين ترى أنها معارضةٌ لعقلها، ولا يُتوقع أن يقوله النبيُّ ﷺ فتردها فورًا، ونرى أنها تستعملُ في إنكارها أسلوبًا لامزًا وهي تعتمدُ على علمها بأحوالِ النبي ﵇ وبما يُمكن أن يقوله أو لا يقوله. وهكذا ردت رواية أبي هريرة: "مَنْ غَسَّلَ ميتًا، اغتسل، ومن حمله توضأ" بقولها: "أو نجس موتى المسلمين؟! وما على رجل لو حَمَلَ عودًا؟! " (٢). _________ (١) السنن للبيهقي، ١٠/ ٥٨. (٢) انظر استدراكها على أبي هريرة (الحديث السابع) من هذا الكتاب.

стр. 73

كما ردَّت فتوى عبد الله بن عمرو بن العاص بقولها: "يا عجبًا لابن عمرو، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات" (١). وكما أنكرت لما ذكر عندها ما يقطعُ الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: "قد شبهتمونا بالحمير والكلاب؟! " وفي رواية أخرى: "عدلتمونا بالكلاب والحمر؟! " (٢). وهناك مقياسٌ آخر في منهج نقدِ السيدة لا بد أن نذكره هُنا، وهو عرضُ الرواية على رأيها أو بعبارة أخرى على اجتهادها الفقهي. والفرقُ بين العرض على عقلها والعرض على رأيها هي أنها في الأولى تنكر الرواية فورًا بصريح العقل فقط بأنها مخالفة للمعقول، وفي الثانية تنكرها نتيجة رأيها واجتهادها الفقهي بعدما تذكر الظروف والأسباب. مثاله ما رواه أصحابُ الأصول في قضية التحصيب - أي النزول بالأبطح عند النفر - نزل رسول الله ﷺ به. فذهب أبو هريرة وابنُ عمر إلى أنه على وجه القربة، فجعلوها من سِنن الحج، وذهبت عائشة وابن عباس إلى أنه على وجه الاتفاق، وليس من السنن (٣). وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة ويروي أن النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح (٤). وأما عائشة فتنظر إلى القضية برأيها، _________ (١) أخرجه مسلم (٧٤٧) والنسائي (٤١٦) وابن خزيمة ١/ (٢٤٧). (٢) أخرجه البخاري (٥١٤) ومسلم (١١٤٢ - ١١٤٤) وأحمد (٢٥٩٢٩). (٣) حجة الله البالغة للدهلوي ١/ ٤٠٩ - ٤١١. (٤) أخرجه مسلم في الحج (٣١٦٧ - ٣١٦٨).

стр. 74

وتقول: ليس التحصيبُ بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، نزول الأبطح ليسَ بسنة. وعللت رأيها بقولها: "إنما نزله رسولُ الله ﷺ ، لأنه كان منزلًا أَسْمَحَ لخروجه" (١). وفي رواية أخرى: "أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي وانتظرني رسولُ الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت .. " (٢) والله ما نزلها إلا من أجلي" (٣). وعلى اجتهاد أم المؤمنين عائشة التحصيبُ ليس بسنة، "فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله" (٤). فالحاصل أن من نفى أنه سنةٌ كعائشة وابن عباس أراد أنه ليسَ مِن المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر، أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك (٥). ويؤيد المذهب الأول ما رواه أبو رافع: "لم يأمرني رسولُ الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من مِنى، ولكن جئتُ فضربت فيه قبته فجاء فنزل" (٦). ويؤيد المذهب الثاني ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ننزل غدًا إن شاء الله بخَيْفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" (٧). يعني المحصب (٨). _________ (١) أخرجه مسلم في الحج (٣١٦٩ - ٣١٧١). (٢) أخرجه أبو داود في المناسك (٢٠٠٥). (٣) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٧٦٦). (٤) أخرجه أبو داود في المناسك (٢٠٠٨). (٥) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٧٦٦). (٦) أخرجه مسلم في الحج (٣١٧٣). (٧) أخرجه مسلم في الحج (٣١٧٤ - ٣١٧٥). (٨) أخرجه أبو داود أيضًا في المناسك (٢٠١٠).

стр. 75

ومثال آخر لهذا إنكارها على رواية أبي هريرة في المرأة التي عُذبت في هِرة، فقالت: "إن المرأة كانت كافرة" ورأت أن المؤمن أكرمُ عند الله من أن يعذبه من جري هِرة (١) على حسب اجتهادها. قال النووي: "فظاهر الحديث أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بسبب الهرة" (٢). وقال الشيخ يوسف القرضاوي (٣). "أنكرت عائشة أم المؤمنين على أبي هريرة تحديثه بهذا الحديث بصيغته وحسبت أنه لم يَضْبِط لفظه حين سمعه من النبي ﷺ . وحجة عائشة أنها تستكثر أن يُعذب إنسان مؤمن من أجل هرة! وأن المؤمن أكرم على الله من أن يدخله النار من أجل حيوان أعجم!. وغفر الله لعائشة، لقد غفلت عن شيء هنا في غاية الأهمية، وهو ما يدلُّ عليه العمل، إن حبس الهرة حتى تموت جوعًا، لهو برهانٌ ناصع على جمود قلب تلك المرأة وقسوتها على مخلوقات الله الضعيفة، وأن أشعة الرحمة لم تنفذ إلى حناياها، ولا يدخل الجنة إلا رحيم، ولا يرحم الله إلا الرحماء، فلو رحمت من في الأرض لرحمها من في السماء. إن هذا الحديث وما جاء في معناه ليعد فخرًا للإسلام في مجال القيم الإنسانية، التي تحترم كل مخلوق حي، وتجعل في رعاية كل كبد رطبة أجرًا. _________ (١) انظر استدراكها على أبي هريرة (الحديث الثالث) من هذا الكتاب. (٢) شرح مسلم للنووي، ١٤/ ٢٤٠. (٣) كيف نتعامل مع السنة النبوية للقرضاوي، ص ٤٦ - ٤٧، ١٩٩٠ - المنصورة.

стр. 76

مما يتمم هذا المعنى ما جاء في الحديث الآخر الذي رواه البخاري: أن رجلًا سقى كلبًا، فشكر الله له، فغفر له (١). وأن امرأة بغيًا سقت كلبًا، فغفر الله لها (٢). على أن أبا هريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث، حتى يُظَنَّ أنه لم يضبط ألفاظه، كيف وهو أحفظ الصحابة على الإطلاق؟ فقد روى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر عنه ﷺ ، قال: "عُذِّبَتِ امرأةٌ في هرة! حبستها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار، قال الله: لا أنت أطعمتيها، ولا سقيتيها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتيها، فأكَلَتْ مِن خشاش الأرض" (٣). ورواه الإمامُ أحمد عن جابر عنه ﷺ قال: "عُذِّبت امرأة في هر ربطته حتى مات، ولم ترسله فيأكل من خشاشِ الأرض" (٤). فلم ينفرد أبو هريرة برواية الحديث، ولو أنه انفرد ما ضره ذلك شيئًا (٥). هـ - عرضها الحديث على اللغة والمنطق: ومن مقاييس نقد الحديث في منهج السيدة عائشة هي عرض الرواية على قواعد اللغة والمنطق بفهمها الواعي، وبمعرفتها العميقة مقصود النبي ﷺ من حديثه. _________ (١) أخرجه البخاري (٢٤٦٦) و (٦٠٠٩) ومسلم (٥٨٥٩). (٢) أخرجه البخاري (٣٤٦٧) ومسلم (٥٨٦١) ولفظهما: إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل. (٣) أخرجه البخاري (٢٣٦٤) و (٣٤٨٢) ومسلم (٦٦٧٥) و (٥٨٥٢) و (٥٨٥٥) وأحمد (٢٦٩٦٣). (٤) أخرجه أحمد (١٤٦٠٢). (٥) كيف نتعامل مع السنة النبوية، للقرضاوي، ص ٤٧.

стр. 77

كما رأينا في حديث أخرجه مسلم عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: "قال رسول الله ﷺ : "أَسْرَعُكُنَّ لُحوقًا بي، أطولُكُن يدًا" قالت: فكن يتطاولن أيَّتُهُنَّ أطول يدًا. قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب، لأنها كانت تعمل بيدِها وتصدق" (١). قال النووي: "معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذر عن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود. قال أهل اللغة: فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا (٢). وكما رأينا في إنكارها على فهم أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت، دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموتُ فيها" (٣). ونقل الزركشي عن أبي الحسين أحمد بن القطان في كتاب أصول الفقه له أنه قال: "إنَّ أبا سعيد ﵁ فهم من الحديث أن النبي ﷺ أراد بالثياب الكفن وأن عائشة ﵂ أنكرت على ذلك وقالت: "يرحم الله أبا سعيد إنما أراد النبي ﷺ عمله الذي مات عليه، قد قال رسول الله ﷺ : يُحشر الناسُ حفاة عراة غرلًا" (٤). _________ (١) أخرجه مسلم (٦٣١٦) والبخاري (١٤٢٠) والنسائي (٢٥٤٢). ووقع هذا الحديث في البخاري (والنسائي أيضًا) بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحوقًا سودة، وهذا الوهم باطل بالإجماع. قاله النووي ٩/ ١٦. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٨ - ٩. (٣) أخرجه أبو داود في الجنائز (٣١١٤). (٤) أخرجه البخاري (٣٣٤٩) ومسلم (٧١٩٨) وأحمد (٢٤٢٦٥) و (٢٤٥٨٨).

стр. 78

قال الخطابي: "أما أبو سعيد، فقد استعمل الحديث على ظاهره، وقد روى في تحسين الكفن أحاديث، وقد تأوله بعض العلماء على خلاف ذلك فقال: معنى الثياب العمل، كنى بها عنه أنه يُريد أنه يُبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو عمل سيء. قال: والعرب تقول: فلان طاهرُ الثياب: إذا وصفوه بطهارة النفس، والبراءة من العيوب، ودنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك" (١). ويؤيد إنكار عائشة وفهمها بعضُ الأحاديث المرفوعة كما أخرجه مسلم عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه". وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد الله بقوم عذابًا، أصابَ العذابُ مَنْ كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم" (٢). قال النووي: قال العلماء: معناه يُبعث على الحالة التي مات عليها ومثله الحديثُ الآخر بعده، ثم بعثوا على نياتهم (٣). وفي هذا الحديث عرضت السيدةُ عائشة ما سمعته من أبي سعيد على ما يعرفه الجميعُ من أن الناس يحشرون حُفاة عراة غرلًا، وهي هنا لم تُخطّئ أبا سعيد فيما سمعه من رسول الله ﷺ ، بل في فهمه الذي فهمه من الحديث، فقد أخذ بظاهر النص، ولم يدر أن النبي ﷺ يعني بثيابه التي يبعث فيها عمله الذي مات عليه. وهذا المنهج الذي سنته السيدةُ عائشة أحرى بالاتباع، فلا يبادر المرء إلى رَدِّ حديث صحيح لمعارضته معنى حديث آخر مع إمكان الجمع _________ (١) معالم السنن للخطابي ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣. (٢) أخرجه مسلم (٧٢٣٢) و (٧٢٣٤). (٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ٢١٠.

стр. 79

بينهما، بل يحمل أحدهما على وجه والثاني على وجه آخر، حتى يتخلص من الخلاف الظاهري كما عملت السيدة في هذا الحديث (١). إذًا قد فهم أبو سعيد الخدري هذا الحديث على الحقيقة، وفهمته السيدة عائشة على المجاز، وبيَّنت ما أراد النبيُّ ﷺ بهذا الحديث، وقد أفادت وأجادت والله أعلم. ومثال آخر لهذا الموضوع ما رواه كل من البخاري ومسلم عن عُروة قال: سألتُ عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئسما قلت يا ابنَ أختي، إنَّ هذه لو كانت كما أوَّلتها عليه، كان لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لِمَنَاة الطاغية التي كانوا يعبدونها بالمشلل، فكان مَن أهَلَّ يتحرج أن يطوفَ بينَ الصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول ﷺ عن ذلك قالوا: "يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوفَ بَيْنَ الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، قالت عائشة ﵂: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (٢). قال النووي: قال العلماء: هذا من دقيق علمها، وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ، لأن الآية الكريمة إنما دلّ لفظها على رفع الجناح عمَّن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا _________ (١) مقاييس نقد متون السنة للدميني، ص ١٠٧ - ١٠٨. (٢) أخرجه البخاري (١٦٣٤) ومسلم (٣٠٨١).

стр. 80

على وجوبه، فأخبرته عائشةُ ﵂ أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه، وبيَّنت السبب في نزولها والحكمة في نظمها، وأنها نزلت في الأنصار حين تحرَّجُوا مِن السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول عُروة لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوفَ بهما (١). قال الزركشي: قال بعض علماء التفسير: "إذا كان الحرجُ في الفعل، قيل: لا جناح أن تفعل، وإن كان في الترك قيل: لا جناح ألا تفعل .. فاستدل ابن الزبير على عدم الوجوب بأن الحرج كان في الفعل لا في الترك، فقالت عائشة ﵂: "لو كان الحرج في الترك وأريد نفيُه كان "لا جناح ألا يطوف، لكن الحرج كان في الفعل فقيل: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٢). وهذا منها يدل على علم وفير، وفهم دقيق، ونظر ثاقب تفحص كُلَّ ما يُروى، وتُبيِّنُ خطأَه، وتوجهه التوجية اللائق به، فرضي الله عنها وأرضاها (٣). و - عرضها الحديث على الوقائع التاريخية: وهذا مقياسٌ آخر استعملته السيدةُ عائشة أحيانًا في نقد الحديث. وقد حاولت أن تصحح بعض الأخطاء معتمدة على معرفتها بالوقائع التي عاينتها، أو تعرضها على معلومة تاريخية ثابتة عندها. _________ (١) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ٢١. (٢) انظر استدراكها على عروة بن الزبير من هذا الكتاب. (٣) مقاييس نقد متون السنة للدميني، ص ١٠٨.

стр. 81

لقد رأينا بوضوح في جوابها لسؤال أبيها عن كفن رسول الله ﷺ ، وفي استدراكها على من لا يري الصلاة على الجنازة في المسجد مذكرة أن النبي ﵇ صلى على سهيل بن بيضاء في جوف المسجد. كما رأينا في استدراكها على ابن عمر والبراء بن عازب في عدد عُمرِ النبي ﷺ وكما رأينا في استدراكها لما ذكروا عندها أن عليًّا كان وصيًا، فقالت: "متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري - أو قالت حجري - فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري وما شعرتُ أنه مات، فمتى أوصى إليه؟ " (١). تلك الأمثلة التي ذكرناها تؤكِّدُ لنا أن للسيدة عائشة منهجًا في نقد الحديث ومقاييس استعملتها في استدراكاتها أصابت في جُلها، وأخطأت في النَّزْر اليسير كما اعترض العلماء عليها. وقد ابتكرت رحمة الله عليها هذا المنهج في النقد - وإن كانت بشكل يسير - حتى يفهم الناسُ سنة نبيهم فهمًا صحيحًا، ولا شك أنها وُفِّقَتْ في تطبيق منهجها - وإن أخطأت أحيانًا - وأرشدت إلى طريقة سليمة لفهم الأحاديث والسنن، فاتبعها العلماء من المتقدمين والمتأخرين في هذا المجال ولا سيما الباحثين في عصرنا هذا والذين يهتمون بالنقد المتنبي في علم الحديث، فلم يهملوا التعويل على استدراكات السيدة والتذكير بأصولها في انتقاداتها. ونحن الآن محتاجون إلى الأخذ بهذا المنهج في النقد أكثر من الأمس لفهم السنة فهمًا صحيحًا ونقلها إلى أجيالنا القادمة نقلًا سليمًا. فرضي الله عن أم المؤمنين عائشة التي أنارت الطريق لأبنائها بالأمس واليوم وغدًا، وعلمتهم كيف يتعاملون مع الأحاديث النبوية، وكيف _________ (١) انظر استدراكاتها على كل منهم من هذا الكتاب.

стр. 82

يتثبتون من تحقيق السنن حتى لا يقعوا في أخطاء حمل الأحاديث وأدائها، وفي فهم السنة وتأويلها. ونعتقد أن هذا الكتاب الذي توارثناه من القرن الثامن الهجري يُذكّرنا بالدور الحي لنقدِ الحديث عند أصحاب النبي صلوات الله عليه، ويعلّمنا مدى تثبتهم وتيقظهم، ويقدم لنا عدة أمثلة لنقد الحديث، فرضوان الله عليهم أجمعين. واسمحوا لي أيها القُراء أن أنسحب وأتركَكم مع أمِّ المؤمنين عائشة، ومع المؤلف الزركشي.

стр. 83

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (مقدمة المؤلف) الحمد لله الذي جعل فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام، وأعلى أعلام فتواها بين الأعلام، وألبسها حُلَّة الشرف حيث جاء إلى سيد الخلق الملكُ بها في سرقةٍ (١) من حرير في المنام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له شهادةً تَنْظِمُنا في أَبْناءِ أُمهات المؤمنين وتَهْدِينا إلى سَنَنِ السُّنةِ آمنين. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدهُ ورسوله الذي أرشدَ إلى الشريعة البيضاء، وأعلن بفضل عائشة حتى قيل: خذوا شطرَ دِينكم عن الحُميراء (٢)،

стр. 84

صلى الله عليه وعلى آله وصبحه صباح مساءٍ، وعلى أزواجه اللواتي قيلَ في حقهن: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] صلاةً باقيةً في كل أوانٍ دائمة ما اختلف الملون (١). وبعد، فهذا كتاب أجمعُ فيه ما تفردت به الصِّدِّيقةُ ﵂ أو خالفت فيه سواها برأي منها، أو كان عندها فيه سنةٌ بيّنة، أو زيادةُ علمٍ متقنة، أو أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها (٢) أجلَّةٌ مِن أعيان أوانها، أو حرَّرَته من فتوى، أو اجتهدَتْ فيه من رأي رأته أقوى، مُوردًا ما وقع إليَّ مِن اختياراتها، ذاكرًا من الأخبار في ذلك ما وصل إليَّ عن رواتها. غير مدَّعٍ في تمهيدها للاستيعاب، وأن الطاقة أحاطت بجميع (٣) ما في هذا الباب. على أني حررتُ ما وقع لي من ذلك تحريرًا ونمّقت بُرودَه رقْمًا وتحبيرًا مع فوائد أضمُّها إليه وفرائدَ (٤) أنثُرُها عليه، ليبقى (٥) عِقدًا ثمينةً جواهرُه، وفَلكًا منيرةً زواهِرُه. ولقد وُفّقتُ لجمعها في زمن قريب، وأصبح مأهولُ ربعها مأُوىً لِكل غريب. وما هذا إلا ببركة هذا البيتِ العظيم الفخر، وما هي بأول

стр. 85

بركَتِكُم (١) يا آل أبي بكر (٢). وسميته (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشةُ على الصحابة) والله أسألُ أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موصلًا إلى جنان (٣) النعيم وأهديته إلى بحر علم ثمينٍ جوهرُه، وأُفق فضل أضاءَ شمسُه وقمرُه، وروضِ آدابِ (٤) يانعةٍ ثماره، ساطعةٍ أزهاره، سيدي (٥) قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة (٦) الشافعي أدام الله عُلُوَّه وكَبَتَ عدوّه إذ لمذهب الشافعي من ثماره أيُّ روضات، وهو لمحرابه إمام يتلو فيه من معجز القولِ آيات. قد أظهر عرائس فضله المجلوّة، وأبرز نفائس نقلهِ المحبوة، وبهر العقول بدقائقه التي بَهَرَتْ، وزاد المباحث رونقًا بعبارته التي سحرت الألباب وما شعرت.

стр. 86

تُهدى العُلُومُ إليه وهُو حقيقةً أدرى مِن المُهدي بِهِنَّ وأعلمُ. وكنتُ في إهدائه إلى مقامه كمن يُهدي إلى البستان أزهاره؛ وإلى الفَلَك شموسَه وأقماره، وإلى البحر (١) جدولًا، وإلى السَّيل وَشَلًا، ولكن عرضت هذا المُصَنَّف على مَلِكِ الكلام؛ بل أمير المؤمنين في الحديث والإمام، لأثقفه باطلاعه عليه والسلام. والله تعالى يجعل أيامه كُلَّها مواسِمَ، ويُطرز التصانيف بفوائده حتى تصير كالثغور البواسم.

стр. 87

فصل في ذكر شيءٍ من حالها هي (١) أم المؤمنين وأُم عبد الله عائشةُ بنت أبي بكر الصدِّيقة بنت الصديق ﵁ (٢) وعنها، حبيبة رسول الله ﷺ الفقيهةُ الربّانية. كنيتها أُم عبد الله كناها به النبي ﷺ ، بابن أُختها عبد الله بن الزبير. رواه أبو داود (٣)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٤). وجاء في معجم ابن الأعرابي (٥): أنها جاءت بسقطٍ (٦) فسماه النبي ﷺ عبد الله وكناها به (٧)، وفي إسناده نظر لأن مداره على داود بن المحبَّر (٨) صاحب كتاب العقل.

стр. 88

وعائشة مأخوذة من العيش، ويقال أيضًا عَيْشة، لغة حكاها ابنُ الأعرابي، وعلي بن حمزة (١)، ولا التفات لإنكار (٢) أبي أبي عبيد (٣) في "الغريب المصنف" ذلك. وذكر أبو الفضل الفلكي (٤) في الألقاب: النبي ﷺ صغَّر اسمها وقال يا عُويش.

стр. 89

وذكر صاحبُ "مسند الفردوس" (١) أن الإمام أحمد في "مسنده" (٢) رواه من حديث أم سلمة: قالت عائشة: "يا (٣) رسول الله علمني دعوةً أدعو بها" فقال: يا عُوَيْش قولي: اللهم ربَّ محمد النبي (٤) الأُمِّي أذهب عني غيظَ قلبي وأجرني من مضلات الفتن" واستغربه ابنُ الصلاح في طبقاته (٥). وفي "الصحيحين" (٦) "يا عائِشُ" على الترخيم، وفي الأول دليل

стр. 90

على جواز التصغير كقوله: "يا أَبا عُمَيْرٍ" (١) وهو (٢) تصغيرُ تحبيبٍ. وجعل صاحب "البسيط" (٣) من النحويين مثل قوله: "يا حميراء" تصغير تقريب ما يُتوهم أنه بعيد، كقولهم بُعَيْدَ العَصْر وقُبَيْلَ الفجر، قال: لأن المراد بها البيضاءَ، فكأنَّها غيرُ كاملة البياض، قال: وكذلك قوله: "كُنَيْف مُلِيءَ علمًا" (٤) اهـ. وقال أبو القاسم الثمانيني (٥) في "شرح اللمع": "قولُ عمر ﵁ في ابن مسعود: "كُنيف ملئ علمًا" قالوا إنه أراد بهذا التحقير تعظيمه، كما قالوا في داهية: دُويهية وخُوَيخِية" قال: والصحيح أن ابن

стр. 91

مسعود كان صغيرَ الجسم قصيرًا، فقال: "كُنَيْف" مصغرة لِيَدُلَّ على تصغير جسمه، لأن كنيفًا تكبيرُه كِنفٌ وهو شيءٌ يكون فيه أداة الراعي فأراد أنه حافظ لما فيه" اهـ. وأمُّها أم رُومان - بفتح الراء وضمها - بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن كِنانة، روى البخاري لأُم رومان حديثًا واحدًا من حديث الإفك (١) من رواية مسروقٍ عنها ولم يلقها وقيل: "عن مسروق حدثتني أُم رومان" وهو وَهُمٌ. ونقل النووي أن ابن إسحاق (٢) سماها في السيرة: زينب. وفي "الروض" للسهيلي (٣): "اسمها دعد" (٤). وذكر محمدُ بنُ سعد (٥) وغيره: أن أُم رومان ماتت في حياة رسول الله ﷺ في سنة ست من الهجرة، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها. وهذا يقوّي الإشكال في إخراج البخاري رواية مسروق عنها، لكن أنكر قوم موتها في

стр. 92

حياة رسول الله ﷺ منهم أبو نُعيم الأصفهاني، ولا عُمدةَ لمن أنكره إلا روايةُ مسروق. وقال الخطيب: لم يسمع مسروق من أُم رومان شيئًا، والعجب كيف خفي ذلك على البخاري وقد فطن مسلم له (١).

стр. 93

تزوجها رسولُ الله ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث بعد موت خديجة وقبلَ سودة بنت زمعة، وقيل: "بعدها" وهذا هو الأشهر، والأول حكاه ابن عبد البر (١) عن غير واحد، ويشهد له ما أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢) من حديث هشام عن أبيه عن عائشة أنها قالت: "ما رأيت امرأة أحبّ إليَّ أن أكونَ في مِسلاخها من سودة بنت زمعة .. الحديث". وقالت في آخره في بعض طرقه: "وكانت أول امرأةٍ (٣) تزوجها بعدي" (٤). وتزوجها وهي بنت ست أو سبع، والأولُ أصحُّ، وبنى بها بالمدينة وهي بنتُ تسع في شوال مُنصَرفه ﷺ من بدر في السنة الثانية من مَقْدَمه. وقال الواقدي: "في الأُولى" وصححه الدِّمياطي (٥). وأما ابن

стр. 94

دِحية (١) فوهاه بالواقدي (٢). وأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وتوفي ﵊ وهي ابنةُ ثماني عشرة (٣) سنة، وعاشت خمسًا وستين، ووُلدت سنة أربعٍ من النبوة، وتوفيت بالمدينة زمن معاوية ليلة الثلاثاء لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من رمضان سنةَ سبع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين، وأوصت أن يُصلي عليها أبو هريرة. وذكر الواقدي: "أنها ماتت بعدَ الوتر وأمرت أن تُدفن مِن ليلتها فاجتمع الأنصار، وحضروا، فلم نرَ ليلةً أكثر ناسًا منها، نزل أهلُ العوالي، فدفنت بالبقيع". قال الواقدي: "فحدثني ابن جريج عن نافع قال: شهدت أبا هريرة صلَّى على عائشة بالبقيع وابنُ في الناس لا ينكره. وكان مروانُ اعتمر في تلك السنة تلك السنة واستخلف أبا هريرة".

стр. 95

رُوي لها عن النبي ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث (١). اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين. روى عنها خلقٌ من الصحابة والتابعين من متأخريهم: مسروق والأسود وسعيد بن المسيب وعروة ابن أُختها والقاسم بن أخيها وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، ومجاهد، وعطاء وعكرمة وعَمْرَةَ بنتُ عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر وآخرون (٢). وكان مسروقٌ إذا حدَّث عنها قال: حدثتني الصدِّيقةُ بنتُ الصدِّيق حبيبةُ حبيب الله المبرَّأةُ مِن السماء" (٣) وروي بسندٍ حسنِ عن علي ﵁ أنه ذكر عائشة فقال: "خليلةُ رسول الله ﷺ " (٤) وكذلك قال عمارُ بن ياسر لرجل نالَ منها: "اغْرُبْ (٥) مقبوحًا منبوحًا"، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ " (٦). ومن مواليها ﵂ -: ١ - (بَريرة): وهي التي كان فيها ثلاثُ سنن (٧) وحديثهُا مشهور في

стр. 96

الصحيح (١) روت عن النبي ﷺ : "إن الرجلَ لَيُدْفَعُ عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة مِن دم يُريقه من مسلم" يعني بغير حق (٢). روته لعبد الملك بن مروان، رواه عنها زيدُ بن واقد، وهو من ثقات الشاميين، لقي واثلة بن الأسقع. ٢ - ومنهن (سائبة): روى عنها نافع مولى ابن عمر عن سائبة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الحيات التي في البيوت إلا ذا الطُّفيتين والأبتر فإنهما يخطِفانِ البصَرَ، ويَطْرَحانِ ما في بطون النساء". رواه مالك في

стр. 97

"الموطأ" (١) عن نافع به. وقد وصله ثقات من أصحاب نافع عن سائبة عن عائشة. ٣ - ومنهن: (مرجانة) وهي أُمُّ علقمة بن أبي علقمة أحد شيوخ مالك. ٤ - ومنهم: (أبو يونس) روى عنه القعقاع بن حكيم، أخرج مالك (٢) عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أُم المؤمنين أنه قال: "أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا ثم قالت: "إذا بلغت هذه الآية فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلما بلغتها قالت: "وصلاة العصر، سمعتها من رسول الله ﷺ " (٣).

стр. 98

٥ - ومنهم (أبو عمرو) كما رواه الشافعي في "مسنده" (١) عن عبد الله بن أبي مليكة: أنه كان يأتي عائشة بأعلى الوادي هو وعُبيد بن عُمير، والمِسور بن مَخْرَمَة، وناس كثير فيؤمهم (٢) أبو عمرو مولى عائشة وهو غلامُها يومئذ لم يُعتق" وفي رواية لابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): أنها

стр. 99

كانت دبَّرته وقوله بأعلى الوادي: يريد وادي مكة، كانوا يأتونها للزيارة والاستفتاء، وذلك عندما تحُجُّ. ولما خرجت إلى مكة مُغاضبةً لعثمان في السنة التي قُتِلَ فيها، قاله ابن الأَثير (١) في شرح المسند (٢). ولها خصائص كثيرة لم يَشْرَكُها أحدٌ مِن أزواجه فيها. الأولى: أنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، فإن قلت: "كيف حثَّ على نكاح الأبكار، وتزوج من الثيبات (٣) أكثر؟ فيه أربعة أجوبة (٤): قلتُ: تقليلًا للاستلذاذ لأن الأبكار أعذبُ أفواهًا، ولذلك قال: "فهلًا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (٥) وتكثيرًا لتوسعة الأحكام إذ هنَّ بالفهم (٦) والتبليغ أَعْلَقُ، وجبرًا لما فاتهن من البكارة كما قُدِّمْنَ في قوله تعالى:

стр. 100

﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، أو للإشارة إلى تعظيم عائشة وتمييزها بهذه الفضيلة وحدَها دونهن، لئلا تُشارك فيها، فكأنها في كِفّة وهنَّ في كفة أخرى. الثانية: أنَّها خُيِّرَتْ، واختارت الله ورسوله على الفور، وكُنَّ تبعًا لها في ذلك (١). الثالثة: أنها حيثُ خُيِّرَتْ كان خيارُها على التراخي بلا خلاف، وأما الخلافُ في جوابهن: هل كان مشروطًا بالفور أم لا؟ ففي غيرها، هكذا قاله القاضي أبو الطيب الطبري (٢) في تعليقه، فإنه حكى الخلاف، وصحَّحَ الفورية، ثم قال: "والخلافُ في التخيير المطلق، فأما إذا قال لها: "اختاري أيَّ وقتٍ شئتِ، كان على التراخي بالإجماع. قال:

стр. 101

وعائشةُ من هذا القبيل، لقوله: "ولا عليك ألَّا تعجلي حتى تستأمري أبويك" (١). وهو تقييدٌ يرتبط (٢) به إطلاق (الشرح) (٣) و (الروضة) (٤)، ولم يقف ابن الرفعة (٥) على هذا النقل، فقال في "شرح الوسيط": "وفي طرد ذلك في بقية أزواجها ﷺ كُلِّهنَّ نظرٌ، من جهة أن المُهَلَ في التخيير إنما قيل لعائشة فقط، وسببه - والله أعلمُ - أنها كانت أحدثَ نسائه سنًا، وأحبَّ نسائه إليه فكان قوله لها: "لا تبادريني بالجواب" خوفًا أن تَبْتَدِرَه باختيار الدنيا. ومغبَّتُه (٦) ألا يَطَّرِد الحكمُ في غيرها، لا سيما إذا نظرنا إلى ما جاء في "الصحيح" من تخصيص ذلك بها كان (٧) ذلك ينزل منزلة

стр. 102

ما لو قال الواحد منا لبعض نسائه "اختاري متى شئتِ" وقال لأُخرى: "اختاري" فإن خيار الأولى يكونُ على التراخي والأُخرى على الفور. الرابعة: نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله ﷺ الناس، وقال لها أُسيد بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر" (١). الخامسة: نزول براءتها من السماء بما نسبه إليها أهلُ الإفكِ في ست عشرة (٢) آية متوالية (٣)، وشهد الله لها بأنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم. وانظر تواضعها وقولها: "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى" (٤) قال الزمخشري (٥): "ولو فلَّيتَ القرآن وفتشت (٦) عما أُوعِد به العصاةُ، لم ترَ الله قد غلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة. وعن ابن عباس أنه قال بالبصرة يوم عرفة وقد سُئِلَ عن هذه الآيات: "من أذنب ذنبًا ثم تاب منه قُبِلَتْ توبتُه، إلا مَن خاض في إفكِ عائشة" ثم قال: "برأ الله تعالى أربعةً بأربعة: يوسف بالوليد، وموسى بالحَجَرِ، ومريم بإنطاقِ ولدها: "إني عبد الله" وبرأ عائشة بهذه الآيات العظيمة. فإن قلت: فإن كانت عائشة المرادةُ فكيف قال: المحصنات؟ قلت: "فيه وجهان: أحدهما أن المراد أزواج النبي ﷺ وليكنِ (٧) الحكمُ

стр. 103

شاملًا للكل، والثاني: أنها أم المؤمنين فجمعت إرادةً لها ولبناتها من نساء الأمة. السادسة: جعله قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة. السابعة: شرع جَلْدَ القاذف (١) وصارَ باب القذف وحده بابًا عظيمًا من أبواب الشريعة، وكان سببه قصتها (٢) ﵂، فإنه ما نزل بها أمر تكرهه إلا جعل الله فيه للمؤمنين فرجًا ومخرجًا كما سبق نظيره في التيمم. تنبيه جليل: على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري (٣): أحدهما قول علي ﵁: "وسَل الجارية تَصْدُقْكَ" قال: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة .. " وبريرة إنما اشترتها عائشةُ وأعتقتها بعد ذلك. ويَدُلُّ عليها أنها لما أُعْتِقَتْ واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعُه تتحادر على لحيته. فقال لها ﷺ : "لو راجعتيه" فقالت: "أتأمرني؟ " فقال: "إنما أنا شافعٌ". فقال النبي ﷺ : "يا عباس ألا تَعْجَبُ مِن حب مغيث لبريرة وبغضها له" (٤) والعباسُ إنما قدم

стр. 104

المدينة بعد الفتح. والمَخْلَصُ من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًا منه أنها هي (١). وهذا كثير مما يقع (٢) في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث وهو نوعٌ غامض لا يتنبه (٣) له إلا الحذَّاق. ومن نظائره ما وقع في الترمذي (٤) وغيره من حديث يونس بن أبي

стр. 105

إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش (فذكر الراهب وقال في آخرها) فردَّه أبو طالب، وبعثَ معه أبو بكر بلالًا، وزوَّده الراهب من الكعك والزبيب. فهذا من الأوهام الظاهرة لأن بلالًا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ ، وبعد أن أسلم بلالٌ وعذَّبه قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة (١) سنة وشهران وأيام. ولعل بلالًا لم يكُن بعد ولد (٢) ولما خرج المرة الثانية، كان له قريبٌ من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع أبي طالب إنما كان مع ميسرة. الثاني: ما ذكره من تحاورِ سعدِ بن عُبادة وسعد بن معاذ، وقصة (٣) الإفك كانت بعد الخندق عندَ البخاري وجماعة. قال البخاري في

стр. 106

صحيحه (١): قال موسى بنُ عقبة: كانت في شوال سنة أربع، واحتجَّ البخاري لهذا القول بحديث ابن عمر عُرِضْتُ على النبي ﷺ يومَ أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فردّني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني. وأُحُد بلا شك سنة ثلاث، فدل على أن الخندق سنة أربعٍ. ثم قال في الصحيح (٢): إنها غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: سنة ست، وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان الإفك في غزوة المريسيع، وأما موسى بن عقبة فقال: سنة أربع. ولا ريب أن قصة الإفك كانت بعد نزولِ آية الحجاب (٣)، والحجابُ نزل في شأن زينب بنت جحش أم المؤمنين، وهي في قصة الإفك كانت عند رسول الله ﷺ ولم تتكلم في عائشة، ونكاحُ زينب ﵂ كان في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة في قول ابن سعد (٤) وقال قتادة والواقدي: تزوجها في سنة خمس من الهجرة، وبه قال غيرهم من علماء أهل المدينة. فدلّ تأخرُ آيةِ الحجاب على أنها كانت بعد الخندق، وقد ثبت بلا ريب أن سعد بن معاذ تُوفي عقب الخندق، وعقب حكمه في بني قُريظة، ولم يكن بين الخندق وقريظة غَزاةٌ. ولهذا يعدل البخاري في أكثر رواياته

стр. 107

لحديث الإفك عن نسبة سعد إلى أبيه فيقول: فقام سعد أخو بني عبد الأشهل وهذه روايته في المغازي (١)، وقال: سنة أربع فالظاهرُ أنها على قوله قبل الخندقِ، لأن الخندق كانت في آخر السنة في شوال، واتصلت بغزوة قريظة. وعلى هذا فيصح أن يكون الرادُ على سعد بن عبادة هو سعد بن معاذ. وقد تقدم وَهْمٌ آخر (٢): وهو رواية مسروق عن أُم رومان. وأجاب القاضي أبو بكر بنُ العربي (٣) عن هذا: بأنه جاء في طريق: حدثتني أُمُّ رُومان، وفي أُخرى: عن مسروق، عن أُم رومان معنعنًا. قال ﵀: والعنعنة أصحُّ فيه، وإذا كان الحديث معنعنًا كان محتملًا ولم يلزم فيه ما يلزم في حدثني، لأن للراوي أن يقول: عن فلان وإن لم يدركه. حكاه عنه السُّهيلي (٤). فهذه ثلاثة أوهام ادُّعيت في حديث الإفك (٥): وهمٌ في بريرة، ووهم في سعد بن معاذ، ووهم في أُم رومان. والثلاثة ثابتة في

стр. 108

الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بيِّن. وقد تقدم ما يدفعُ الكُلَّ. الثامنة: لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة. التاسعة: أن جبريل أتى بها النبي ﷺ في سرقةٍ (١) من حرير فقال: هذه زوجتُك، فقلتُ: "إن يكن من عند الله يُمْضِهِ" وقد أدخله البخاري (٢) في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجَها. قال بعضهم: "وهو استدلال صحيحٌ، لأنَّ فعل النبي ﷺ في النوم واليقظة سواءٌ وقد كشف عن وجهها. وفي رواية الترمذي (٣): "في خرقةِ حريرٍ خضراء" وقال: حسن

стр. 109

غريب. وجاء في رواية غريبة: "أن طول تلكَ الخرقة ذراعان وعرضها شِبر" ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (١) من رواية أبي هريرة. وأما قوله ﷺ : "إن يكن من عند الله يُمضِهِ" فقال السُّهيلي (٢): ليس بشك، لأن رُؤْيا الأنبياء وحي، ولكن لما كانت الرؤيا تارةً تكون على ظاهرها وتارة تزهو نظير المرئي أو شبهه فيطرق الشكُّ من هاهنا. ويبقى سؤال: لماذا أتى بـ "إن" والمناسب للمقام "إذا" لأنها للمحقق و"إن" للمشكوك فيه؟ وجوابه يعلم مما قبله. وذكر الحاكم في "المستدرك" (٣) عن الواقدي: حدثني عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن حبيب مولى عروة قال: لما ماتتْ خديجة حَزِنَ عليها النبي ﷺ فأتاه جبريل بعائشة في مَهد فقال: "هذه تذهبُ ببعض حزنك وإن فيها لَخَلفًا من خديجة" الحديث. اهـ. فيحتمل أنها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلافُ الحال، ويشهد له رواية البخاري مرتين.

стр. 110

العاشرة: أنها كانت أحبَّ أزواج النبيِّ ﷺ إليه: قال له عمرو بن العاص: "يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ " قال: "عائشة" قال: "ومن الرجال؟ " قال: "أبوها". أخرجه الشيخان وصححه الترمذي (١). الحادية عشرة: وجوبُ محبتها على كل أحد، ففي الصحيح (٢): لما جاءَت فاطمة ﵂ إلى النبيِّ ﷺ قال لها: "ألستِ تحبين ما أُحِبُّ؟ " قالت: "بلي" قال: "فأحبي هذه". يعني عائشة، وهذا الأمر ظاهرُ الوجوب. وتأمل قوله ﷺ لما حاضت عائشة: "إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم" (٣) وقوله لما حاضت صفية: "عَقْرَى حَلْقى (٤) أَحَابِسَتُنا
следующие страницы →