لم يكونوا في الجنة في الموقف. وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص.
* وقالت فرقة أخرى: هو استثناءٌ استثناهُ الرب تعالى ولا يفعله، كما تقول: واللَّه لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك. وأنت لا تراه؛ بل تجزم بضربه.
* وقالت فرقة أُخرى: العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله، ومع ما هو أكثر منه، كان معنى "إلَّا" في ذلك ومعنى الواو سواء.
والمعنى على هذا: سوى ما شاء اللَّه من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض. هذا قول الفرَّاء (١) ، وسيبويه (٢) : يجعل "إلَّا" بمعنى لكن.
قالوا: ونظير ذلك أن يقول: لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها: أي سوى الألفين. قال ابن جرير: "وهذا أحب الوجهين إليَّ؛ لأن اللَّه تعالى لا خُلْف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ [هود: ١٠٨] (٣) .
قالوا: ونظيره أن يقول: أسكنتك داري حولًا إلا ما شئت، أي: سوى ما شئت، أو لكن ما شئت من الزيادة عليه.
стр. 772
* وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مُدَّة احتباسهم عن الجنَّة، ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ إلى أنْ يصيروا إلى الجنَّة، ثمَّ هو خلودُ الأبد، فلم يغيبوا عن الجنَّة إلَّا بقدر إقامتهم في البرزخ.
* وقالت فرقة أخرى: العزيمة قد وقعت لهم من اللَّه بالخلود الدَّائم، إلَّا أنْ يشاء اللَّه (١) خلاف ذلك = إعلامٌ لهم بأنهم مع خلودهم في مشيئته، وهذا كما قال لنبيه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، وقوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: ١٦]، ونظائره. يخبر عباده سبحانه أنَّ الأمور كلَّها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
* وقالت فرقة أخرى: المراد بمُدَّة دوام السموات والأرضِ في هذا العالم. فأخبر سبحانه أنَّهم خالدون في الجنَّة مُدَّة دوام السموات والأرضِ إلَّا ما شاء اللَّهُ أنْ يزيدهم عليه.
ولعلَّ هذا قول من قال: إنَّ "إلَّا" بمعنى "سِوى"، ولكن اختلفت عبارته، وهذا اختيار ابن قتيبة (٢) . قال: "المعنى: خالدين فيها مُدَّة العالم سوى ما شاء أنْ يزيدهم من الخلود على مدَّة العالم".
* وقالت فرقة أخرى (٣) : "ما" بمعنى: "مَنْ"،
стр. 773
كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] والمعنى: إلَّا من شاء ربك أن يدخله النَّار بذنوبه من السعداء.
والفرقُ بين هذا القول، وبين أوَّل الأقوال: أنَّ الاستثناء على ذلك القول من المُدَّة، وعلى هذا القول من الأعيان.
* وقالت فرقة أخرى: المراد بالسماوات والأرض: سماءُ الجنَّة وأرضها، وهما باقيتان ابدًا، وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] إنْ كانت "ما": بمعنى: "مَنْ" فهم الَّذين يدخلون النَّار، ثمَّ يخرجون منها، وإنْ كانت بمعنى: "الوقت" فهو مُدَّة احتباسهم في البرزخ والموقف.
قال الجُعْفِي: "سألتُ عبد اللَّه بن وهب عن هذا الاستثناء؟، فقال: سمعتُ فيه أنَّه قَدْرَ وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أنْ يقضى بين النَّاس".
* وقالت فرقة أخرى: الاستثناء راجعٌ إلى مدَّة لبثهم في الدنيا.
وهذه الأقوال متقاربة، ويمكن الجمع بينها بأنْ يُقالَ: أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنَّة كلَّ وقتٍ، إلَّا وقتًا يشاءُ ألَّا يكونوا فيها، وذلك يتناول وقتَ كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وفي موقف القيامة، وعلى الصراط، وكون بعضهم في النَّار مدَّة، وعلى كلِّ تقدير فهذه الآية من المتشابه، وقوله تعالى فيها: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ مُحْكم، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]، وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].
وقد أكَّدَ اللَّه سبحانه خلود أهل الجنَّة بالتأبيد في عدَّة مواضع من
стр. 774
القرآن، وأخبر أنَّهم: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضَمَمْتَه إلى الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] تبيَّن لك المراد من الآيتين، واستثناء الوقت الَّذي لم يكونوا فيه في الجنَّة من مدَّة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتةٌ تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنَّة تقدَّم على خلودهم فيها. وباللَّه التوفيق.
وقد تقدَّم قول النَّبي ﷺ : "من يدخل الجنَّة ينعم لا يبؤس، ويخلد لا يموت" (١) .
وقوله: "ينادي منادٍ يا أهل الجنَّة، إنَّ لكم أنْ تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وأنْ تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وأنْ تحيوا فلا تموتوا أبدًا" (٢) .
وثبت في "الصحيحين" (٣) من حديث أبي سعيد الخدري عن النَّبي ﷺ قال: "يُجاءُ بالموتِ في صورة كبشٍ أملح، فيوقفُ بين الجنَّة والنَّارِ، ثمَّ يُقال: يا أهل الجنَّة، فيطَّلعون مشفقين، ويُقال: يا أهل النَّار، فيطلعون فرحين، فيقال (٤) : هل تعرفون هذا، فيقولون: نعم، هذا الموتُ، فيذبح بين الجنَّة والنَّار، ويُقال: يا أهل الجنَّة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النَّار خلودٌ فلا موت".
стр. 775
فصل
وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الجنَّة والنَّار فانِيتَانِ غير أبديَّتين، بل كما هما حَادِثَتَان، فهما فانيتان.
والقول الثاني: إنَّهما باقيتان، دائمتان لا يفنيان أبدًا.
والقول الثالث: إنَّ الجنَّة باقية أبديَّة، والنار فانية.
ونحن نذكر هذه الأقوال، ومن قالها، وما احتجَّ به أرباب كلِّ قول، ونردُّ ما خالف كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﷺ .
* فأمَّا القولُ بفنائهما فهو قول قاله: جهم بن صفوان، إمام المعطلة الجهمية، وليس له فيه سلف قطُّ من الصحابة ولا من التابعين، ولا أحدٌ من أئمة الإسلام، ولا قال به أحدٌ من أهل السنَّة، وهذا القول ممَّا أنكرهُ عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفَّروهم به، وصاحوا بهم من أقطار الأرضِ، كما ذكر عبد اللَّه بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" (١) عن خارجة بن مصعب أنَّه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب اللَّه : يقول اللَّهُ سبحانه: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وهم يقولون: لا يدوم، ويقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤] وهم يقولون: يَنْفَدُ، ويقول اللَّهُ : ﴿مَا
стр. 776
عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
قال شيخ الإسلام: "وهذا قاله جهم لأصله الَّذي اعتقده: وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث، وهو عمدة أهل (١) الكلام التي استدلُّوا بها على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يحل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأي الجهم: أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنعه في المستقبل. فدوام الفعل ممتنع عنده على الرب تعالى في المستقبل، كما هو ممتنع عليه في الماضي.
وأبو الهُذَيل العلَّاف -شيخ المعتزلة- وافقه على هذا الأصل؛ لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، لكونها متعاقبة شيئًا بعد شيء. فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار، حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة.
وزعمت فرقة ممن وافقتهم على امتناع حوادث لا نهاية لها: أن هذا القول مقتضى العقل، لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك.
وكأنَّ هؤلاء لم يعلموا أن ما كان ممتنعًا في العقل لا يجيء الشرع بوقوعه، إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجود ما هو ممتنعٌ في العقل،
стр. 777
وكأنهم لم يفرقوا بين مُحالات العقول ومَحاراتها (١) ، فالسمع يجيء بالثاني لا بالأول، فالسمع يجيء بما تعجز العقول (٢) عن إدراكه، ولا يستقل به، ولا يجيء بما يعلم العقل إحالته.
والأكثرون الَّذين وافقوا جهمًا وأبا الهذيل على هذا الأصل، فرَّقوا بين الماضي والمستقبل، وقالوا: الماضي قد دخلَ في الوجود بخلاف المستقبل، والممتنع إنَّما هو دخول ما لا يتناهى في الوجود، لا تقدير دخوله شيئًا بعد شيء.
قالوا: وهذا نظير أن يقول القائل: لا أعطيكَ درهمًا إلَّا وأعطيك بعده درهمًا آخر، فهذا ممكن، والأوَّل نظير أنْ يقول: لا أعطيك درهمًا إلَّا وأعطيك قبله درهمًا، فهذا محال، وهؤلاء عندهم وجود ما لا يتناهى في الماضي محال، ووجوده في المستقبل واجب.
ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: بل الأمر في الماضي كهو في المستقبل، ولا فرق بينهما، بل الماضي والاستقبال أمرٌ نِسْبيٌّ، فكلُّ ما يكون مستقبلًا يصيرُ ماضيًا، وكلُّ ماضٍ فقد كان مستقبلًا، فلا يُعْقَل إمكان الدَّوام في أحد الطرفين، وإحالته في الطرف الآخر.
قالوا: هذه مسألة دوام فاعلية الرب ﵎، وهو لم يزل ربًّا قادرًا فعَّالًا، فإنَّه لم يزل حيًّا عليمًا (٣) قديرًا، ومن المحال أنْ يكون
стр. 778
الفعل ممتنعًا عليه لذاته، ثمَّ ينقلب فيصير مُمكنًا (١) لذَّاته من غير تجدُّد شيء، وليس للأوَّل حدٌّ محدود حتَّى يصير الفعل ممكنًا له عند ذلك الحدِّ، ويكون قبله ممتنعًا عليه.
فهذا القولُ تصوره كافٍ في الجزمِ بفساده، ويكفي في فساده أنَّ الوقتَ الَّذي انقلب فيه الفعل من الإحالة الذَّاتية إلى الإمكان الذَّاتي، إمَّا أنْ يصحَّ أنْ يُفْرَضَ قبلَهُ وقتٌ يمكن فيه الفعل أو لا يصح.
فإنْ قلتم: لا يصحُّ، كان هذا تحكُّمًا غير معقول، وهو من جنس الهَوَس.
وإن قلتم: يصح، قيل: وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية، فما من زمن محقَّقٍ أو مقدَّرٍ إلا والفعل ممكن فيه، وهو صفة كمال وإحسان ومتعلَّق حمد الرب تعالى وربوبيته وملكه، وهو لم يزل ربًّا حميدًا (٢) ملكًا قادرًا، لم تتجدد له هذه الأوصاف، كما أنه لم يزل حيًّا مريدًا عليمًا. والحياة والعلم والإرادة والقدرة تقتضي آثارها ومتعلقاتها، فكيف يعقل حي قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر يقهره يستحيل عليه أن يفعل شيئًا البتة؟
فكيف يجعل هذا أصل أصول (٣) الدين، ويُجْعَل معيارًا على ما أخبر اللَّه سبحانه به ورسوله، ويفرَّق به بين جائزات العقول ومحالاتها؟
стр. 779
فإذا كان هذا شأن الميزان، فكيف يستقيم الموزون به؟
وأما قول من فرَّق: بأنَّ الماضي قد دخل في الوجود دون المستقبل، فكلام لا تحقيق وراءه (١) ، فإن الذي يحْضُره (٢) الوجود من الحركات هو المتناهي، ثم يعدم فيصير ماضيًا، كما كان معدومًا لما كان مستقبلًا، فوجوده بين عدمين، وكلما انقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى، فالذي صار ماضيًا هو بعينه الذي كان مستقبلًا، فإنْ دلَّ الدليل على امتناع ما لا يتناهى شيئًا قبل شيء، فهو بعينه، دال على امتناعه شيئًا بعد شيء.
وأما تفريقكم بقولكم: المستقبل نظير قوله: ما أعطيك درهمًا إلا وأعطيك بعده درهمًا، فهذا ممكن. والماضي نظير قوله: ما أعطيك درهمًا إلا وأعطيك قبله درهمًا. فهذا الفرق فيه تلبيس لا يخفى، وليس بنظير ما نحن فيه، بل نظيره أن يقول: ما أعطيك درهمًا إلا وقد تقدم مني إعطاء درهم قبله. فهذا ممكن الدوام في الماضي على حدِّ إمكانه في المستقبل، ولا فرق في العقل الصحيح بينهما البتَّة، ولمَّا لم يجدِ الجهمُ (٣) وأبو الهذيل وأتباعهما بين الأمرين فرقًا قالوا: بوجوب (٤) تناهي الحركات في المستقبل كما يجبُ ابتداؤها عندهم في الماضي.
وقال أهل الحديث: بل هما سواء في الإمكان والوقوع، ولم يزل
стр. 780
الرب سبحانه فعَّالًا لِمَا يُريد، ولم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال منعوتًا بنعوت الجلال، وليس المتمكِّن من الفعل كلَّ وقتٍ كالَّذي لا يمكنه الفعل إلَّا في وقتٍ معينٍ، وليس من يَخْلُق كمن لا يَخْلُق، ومن يُحْسِن كمن لا يحسِن، ومن يدبر الأمر كمن لا يدبر، وأيُّ كمالٍ في أنْ يكون رب العالمين معطلًا عن الفعل مدَدٍ مقدرة، أو محقَّقةٍ لا تتناهى، يستحيل منه الفعل، وحقيقة ذلك أنَّه لا يقدر عليه.
وإنْ أبيتم هذا الإطلاق وقلتم: إنَّ المحال لا يوصف بكونه غير مقدور عليه، فجمعتم بين محالين: الحكم بإحالة الفعل من غير موجبٍ لإحالته، وانقلابه من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذَّاتي من غير تجدُّد سببٍ، وزعمتم أنَّ هذا هو الأصل الَّذي تثبتون به وجود الصانع، وحدوث العالم، وقيامة الأبدان، فجنيتم على العقل والشرعِ، والربُّ تعالى لم يزل قادرًا على الفعلِ والكلام بمشيئته، ولم يزل فعَّالًا لِمَا يُريد، ولم يزل ربًّا مُحْسنًا" (١) .
"والمقصودُ: أنَّ القولَ بفناء الجنَّة والنَّارِ قولٌ مبتدع ليقله أحدٌ من الصحابة ولا التابعين، ولا أحدٌ من أئمة المسلمين، والَّذين قالوه إنَّما تلقَّوهُ عن قياسٍ فاسدٍ اشتبه أصله على كثيرٍ من النَّاسِ فاعتقدوه
стр. 781
حقًّا، وبنوا عليه القول بخلق القرآن، ونفي الصفات، وقد دلَّ القرآن والسنَّة والعقل الصريح على أنَّ كلمات اللَّه وأفعاله لا تتناهى، ولا تنقطع بآخرٍ، ولا تُحدُّ بأوَّل، قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فأخبر عن عدم نفادٍ لكلماته لِعِزَّته وحكمته، وهذان وصفان ذاتيان له لا يكون إلا كذلك.
وذكر ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١) عن سليمان بن عامر قال: سمعت الربيع بن أنس يقول: "إن مثل علم العباد كلهم في علم اللَّه كقطرة من هذه البحور كلها، وقد أنزل سبحانه في ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية".
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية؛ يقول سبحانه لو كان البحر مدادًا لكلمات اللَّه، والشجر كلها أقلام لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وكلمات اللَّه تعالى باقية لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي، بل هو كما أثنى على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما يقول، ثم إن مثل نعيم الدنيا أوَّله وآخره في نعيم الآخرة كحبة من (٢) خردل في خلال الأرض كلها" (٣) .
стр. 782
فصل
وأما أبديَّة النار ودوامها: فقال شيخ الإسلام: "فيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين" (١).
قلت: ها هنا أقوال سبعة:
أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبدًا، بل كل من دخلها مخلد فيها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.
والثاني: أن أهلها يعذبون فيها مُدَّةً، ثم تنقلب عليهم، وتبقى طبيعةٌ نارية لهم، يتلذَّذون بها لموافقتها لطبيعتهم. وهذا قول إمام الإتحادية ابن عربي الطائي.
قال في "فصوصه" (٢): "الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثنى عليها بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] لم يقل: وعيده، بل قال: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦] مع أنه توعَّدَ على ذلك، وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد، وقد زال الإمكان في حق الحق، لما فيه من طلب المرجِّح:
стр. 783
فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وما لوعيد الحقِ عينٌ تُعَاين
وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد والأمر واحد ... وبينهما عند التجلِّي تباين
يُسَمَّى عذابًا من عذوبة طعمه ... وذاك له كالقشر والقشرُ صاين"
وهذا في طرف، والمعتزلة الذين يقولون: لا يجوز على اللَّه أن يُخْلِفَ وعيده، بل يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب= في طرف، فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلًا، وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلًا. والفريقان مخالفان لما عُلِمَ بالاضطرار أن الرسول جاء به، وأخبر به عن اللَّه .
الثالث: قول من يقول: إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون. وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ فأكذبهم فيه (١) ، وقد أكذبهم اللَّه تعالى في القرآن فيه:
فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
стр. 784
خَالِدُونَ (٨١) ﴾ [البقرة: ٨٠, ٨١].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٤].
فهذا القول إنما هو قول أعداء اللَّه اليهود، فهم شيوخ أربابه والقائلين به.
وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام على فساده، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة.
الرابع: قول من يقول: يخرجون منها وتبقى نارًا على حالها ليس فيها أحدٌ يُعَذَّبُ، حكاه شيخ الإسلام (١) .
والقرآن والسنة أيضًا يردان هذا القول كما تقدم.
стр. 785
الخامس: قول من يقول: بل (١) تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة بعد أن لم تكن، وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وأبديته.
وهذا قول جهم بن صفوان وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار.
السادس: قول من يقول: تفنى حياتهم وحركاتهم ويصيرون جمادًا، لا يتحركون ولا يحسُّون بألم.
وهذا قول أبي الهُذَيل العلَّاف إمام المعتزلة، طَرْدًا لامتناع حوادث لا نهاية لها. والجنة والنار عنده سواء في هذا الحكم.
السابع: قول من يقول: بل يفنيها ربها وخالقها ﵎، فإنه جعل لها أمَدًا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها.
قال شيخ الإسلام: "وقد نُقِلَ هذا القول عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد وغيرهم.
وقد روى عَبْد بن حُمَيد -وهو من أجل علماء الحديث- في "تفسيره" المشهور: حدثنا سليمان (٢) بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن قال: قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (٣) ، لكان لهم على
стр. 786
ذلك (١) يوم يخرجون فيه" (٢) .
وقال: حدثنا حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه" (٣) .
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) ﴾ [النبأ: ٢٣]، فقد رواه عَبْدٌ -وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة- عن هذين الجليلين: سليمان بن حرب، وحجاج بن منهال كلاهما، عن حماد بن سلمة -وحَسْبُك به- وحماد يرويه عن ثابت وحميد، وكلاهما يرويه عن الحسن. وحسبك بهذا الإسناد جلالة.
والحسن وإن لم يسمع من عمر، فإنما رواه عن بعض التابعين، ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لَمَا جزم به وقال: قال عمر بن الخطاب، ولو قُدِّرَ أنه لم يُحْفَظ عن عمر، فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد، مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا، فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب اللَّه وسنة رسوله وإجماع الأئمة، لكانوا أول منكر له.
стр. 787
قال: ولا ريب أنَّ مَنْ قال هذا القول عن عمر، ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها، فأما قوم أصيبوا بذنوبهم، فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها، وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج، ولا قريبًا منه.
ولفظ "أهل النار" لا يختص بالموحِّدين، بل هو مختص بمن عداهم، كما قال ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون" (١) ، ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] بل ما أخبر اللَّه به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه، لكن إذا انقضى أجلها وفنيت كما تفنى الدنيا لم يبق نارًا ولم يبق فيها عذاب.
قال أرباب هذا القول: في "تفسير علي بن أبي (٢) طلحة الوالبي": عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. قال: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللَّه في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا" (٣) .
قالوا: وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصًّا بأهل القبلة، فإنه سبحانه قال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ
فالاستثناء وقع في الآية التي أخبرت عن دخول أولياء الشيطان (١) النار. فَمِنْ ها هنا قال ابن عباس: "إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللَّه في خلقه".
قالوا: وقول من قال إن "إلا" بمعنى "سوى"، أي: سوى ما شاء اللَّه أن يزيدهم من أنواع العذاب وزمنه = لا تخفى منافرته للمستثنى والمستثنى منه، وإن الذي يفهمه المخاطب: مخالفة ما بعد "إلا" لما قبلها.
قالوا: وقول من قال: إنه لإخراج ما قبل دخولهم إليها من الزمان؛ كزمان البرزخ والموقف، ومدَّة الدنيا أيضًا = لا يساعد عليه وجه الكلام، فإنَّه استثناء من جملة خبريَّة مضمونها: أنَّهم إذا دخلوا النَّارَ لبثوا فيها مدَّة دوام السماوات والأرضِ إلَّا ما شاء اللَّهُ (٢) ، وليس المراد الاستثناء قبل الدخول، هذا ما لا يفهمه المخاطب، ألَا ترى أنَّه سبحانه يخاطبهم بهذا في النَّار حين يقولون: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فيقول لهم حينئذٍ: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وفي قولهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ نوعُ اعترافٍ واستسلام وتحسُّر، أي: استمتع الجن بنا، واستمتعنا بهم، فاشتركنا
стр. 790
في الشرك ودواعيه وأسبابه، وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك، وانقضت آجالنا، وذهبت أعمارنا في ذلك، ولم نكتسب فيها رضاك، وإنَّما كان غاية أمرنا في مُدَّة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض.
فتأمل ما في هذا من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه، وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم، وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم، هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض، ولم يستمتعوا بعبادة ربهم، ومعرفته وتوحيده، ومحبته وإيثار مرضاته.
وهذا من نمط قولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١٠, ١١].
وقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥]، ونظائره.
والمقصود أنَّ قوله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصًّا بهم، أو شاملًا لهم ولعصاة الموحِّدين، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له.
ولمَّا رأت طائفة ضعف هذا القول، قالوا: الاستثناء يرجع إلى مُدَّة البرزخ والموقف. وقد تبيَّن ضعف هذا القول.
ورأت طائفة أخرى: أنَّ الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار.
قالوا: والمعنى: أنكم في النار أبدًا إلا ما شاء اللَّه أن يعذبكم
стр. 791
بغيرها، وهو الزمهرير.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) ﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٣].
قالوا: والأبد: لا يُقدَّر بالأحقاب.
وقد قال ابن مسعود في هذه الآية: "لَيأتينَّ على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا" (١) . وعن أبي هريرة مثله (٢) ، حكاه البغوي عنهما. ثم قال: "ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان" (٣) .
قالوا: قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبد اللَّه بن عمرو، وقد سأل حربٌ إسحاق بن راهويه عن هذه الآية (٤) ، فقال: سألت إسحاق، قلت: قول اللَّه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] فقال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن.
حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: قال أبي:
стр. 792
حدثنا أبو نضرة، عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النَّبي ﷺ قال: "أتت هذه الآية على القرآن كله (١) : ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ". قال المعتمر: قال أبي: كل وعيد في القرآن" (٢) .
حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي بَلْج (٣) سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: "ليأتين على جهنَّم يوم تصطفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا" (٤) .
стр. 793
حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن يحيى بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: ما أنا بالذي لا أقول: إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ: " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) ﴾ [هود: ١٠٦] " (١) .
قال عبيد اللَّه: كان أصحابنا يقولون: يعني به الموحِّدين.
حدثنا أبو مَعْنٍ، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد اللَّه، أو بعض أصحابه في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]. قال: "هذه الآية أتت (٢) على القرآن كله" (٣) .
стр. 794
وقد حكى ابن جرير هذا القول في "تفسيره" (١) عن جماعة من السلف، فقال: وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار، وكل من دخلها. ذكر من قال ذلك -ثم ذكر الآثار التي نذكرها-:
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو أبي سعيد، أو عن رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾ قال: "هذه الآية تأتي على القرآن كله"، يقول: حيث كان في القرآن "خالدين فيها" تأتي عليه"،. قال: "وسمعت أبا مجلز يقول: جزاؤه جهنم (٢) ، فإن شاء اللَّه تجاوز عن عذابه" (٣) .
وقال ابن جرير: "حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرازق، فذكره. قال: وحُدِّثت عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: "لا يموتون وما هم منها بمخرجين ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك. قال: استثنى اللَّه، قال: أمر النار أن تأكلهم".
قال: وقال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعدما يلبثون فيها أحقابًا".
стр. 795
حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي، قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانًا، وأسرعهما خرابًا" (١) .
وحكى ابن جرير في ذلك قولًا آخر، فقال: "وقال آخرون: أخبرنا اللَّه سبحانه بمشيئته لأهل الجنة، فعرفنا معنى ثنياه بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ أنَّها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض، قالوا: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار، وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.
حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ حتَّى بلغ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ فقال: أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" (٢) .
وقال (٣) ابن مردويه في "تفسيره": حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا خير بن عرفة، حدثنا يزيد بن مروان الخلال، حدثنا أبو خليد، حدثنا سفيان -يعني: الثوري- عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)
стр. 796
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧]. قال رسول اللَّه ﷺ : "إن شاء اللَّه أن يخرج ناسًا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فَعَل" (١) .
وهذا الحديث يدل على أن الاستثناء إنما هو للخروج من النار بعد دخولهم خلافًا لمن زعم: أنه لما قبل الدخول؛ ولكن إنما يدل على إخراج بعضهم من النار، وهذا حق بلا ريب، وهو لا ينفي انقطاعها وفناء عذابها، وأكلها لمن فيها، وأنهم يُعَذَّبون فيها دائمًا ما دامت كذلك، وما هم منها بمخْرَجين، فالحديث دل على أمرين:
أحدهما: أنَّ بعض الأشقياء إن شاءَ اللَّهُ يخرجهم من النار -وهي نار- فَعَلَ، وأن الاستثناء أنما هو فيما بعد دخولها، لا فيما قبله.
وعلى هذا، فيكون معنى الاستثناء: إلا ما شاء ربك من الأشقياء، فإنهم لا يخلدون فيها، ويكون الأشقياء نوعين: نوعًا يخرجون منها، ونوعًا يخلدون فيها، فيكونون من الذين شقوا أوّلًا، ثم يصيرون من الذين سُعِدوا، فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين.
قالوا: وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً
стр. 797
وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٨].
فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته، ولا يُقَدَّر الأبدي بمدة الأحقاب (١) ولا غيرها، كما لا يقدَّر به القديم، ولهذا قال عبد اللَّه ابن عمرو: فيما رواه (٢) شعبة، عن أبي بلج، سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا" (٣).
فصل
والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق:
أحدها: اعتقاد الإجماع، فكثير من الناس يعتقدون أنَّ هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه، وأن الاختلاف فيه حادث، وهو من أقوال أهل البدع.
الطريق الثاني: أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية، فإنه أخبر: أنه عذاب مقيم، وأنه لا يُفَتَّر عنهم، وأنه لن يزيدهم إلا عذابًا، وأنهم خالدين فيها أبدًا، وما هم بخارجين من النار، وما هم منها بمخرجين، وأن اللَّه حرم الجنة على الكافرين، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط، وأنهم لا يقضى عليهم
стр. 798
فيموتوا، ولا يُخَفَّف عنهم من عذابها، وأن عذابها كان غرامًا، أي: مقيمًا لازمًا.
قالوا: وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره.
الطريق الثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج مَنْ في قلبه مثقال ذرة مِنْ إيمانٍ دون الكفار، وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.
الطريق الرابع: أنَّ الرسول وقَّفْنَا على ذلك وعَلِمْنَاهُ من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقلٍ معينٍ، كما عَلِمْنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها.
الطريق الخامس: أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما لا تفنيان، بل هما دائمتان، وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع.
الطريق السادس: أنَّ العقلَ يقضي بخلود الكفار في النَّارِ.
وهذا مبنيٌ على قاعدةٍ وهي: أنَّ المعاد (١) وثواب النفوس المطيعة، وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو ممَّا يُعلم بالعقل، أو لا يُعْلَم إلَّا بالسمعِ؟
стр. 799
فيه طريقان لنظَّار المسلمين، وكثير منهم يذهب إلى أنَّ ذلك يُعلَم بالعقل مع السمع، كمَّا دلَّ عليه القرآن في غير موضع، كإنكارهِ سبحانه على من زعم أنَّه يُسَوِّي بين الأبرار والفجار في المحيا والممات، وعلى من زعم أنَّه خلق خلقه عبثًا، وأنَّهم إليه لا يُرجعون، وأنَّه يتركهم سُدى، أي: لا يثيبهم ولا يعاقبهم، وأنَّ ذلك يقدحُ في حكمته وكماله، وأنَّه نِسْبةُ له (١) إلى ما لا يليقُ به، وربما قرَّروهُ بأنَّ النفوس البشرية باقيةٌ، واعتقاداتها وإراداتها صفة لازمةٌ لها لا تفارقها وإن ندمت عليها، لمَّا رأت العذاب، فلم تندم عليها لقبحها وكراهة ربها لها، بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أوَّلًا.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] (٢) .
فهؤلاء قد ذاقوا العذابَ وباشروه، ولم يزل سببه ومُقْتضِيْهِ من نفوسهم، بل خبثها وكفرها قائم بها، لم يفارقها بحيث لو رُدُّوا لعادوا كفارًا كما كانوا، وهذا يدلّ على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل، كما جاء به السمع.
قال أصحاب الفناء: بالكلام على هذه الطرق: يَبِيْنُ الصوابُ في هذه المسألة.
стр. 800
فأما الطريق الأول: فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم، وإنما يظن الإجماعَ في هذه المسألة من لم يعرف النزاع - وقد عُرِفَ النزاعُ فيها قديمًا وحديثًا - بل لو كلف مُدَّعِي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنَّه قال: إن النار لا تفنى أبدًا، لم يجد إلى ذلك سبيلًا.
ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فأوْجِدوا لنا (١) عن واحد منهم خلاف ذلك، بل التابعون حكي عنهم هذا وهذا.
قالوا: والإجماع المُعْتدُّ به نوعان متفق عليهما، ونوع ثالث مختلف فيه، ولم يوجد واحد منها (٢) في هذه المسألة.
النوع الأول: يكون معلومًا من ضرورة الدين، كوجوب أركان الإِسلام، وتحريم المحرمات الظاهرة.
الثاني: ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه.
الثالث: أن يقول بعضهم القول، وينتشر في الأمة، ولا ينكره أحد.
فأين معكم واحد من هذه الأنواع؟! ولو أن قائلًا ادعى الإجماع من هذا الطَّرَفِ واحتج بأن الصحابة صح عنهم ذلك ولم ينكر أحد منهم عليه = لكان أسعد بالإجماع منكم.
стр. 801
قالوا: وأما الطريق الثاني: وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها، فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك؟! نعم، الذي دلّ عليه القرآن أن الكفار خالدين في النار أبدًا، وأنهم غير خارجين منها، وأنهم لا يُفَتَّر عنهم عذابها، وأنهم لا يموتون فيها، وأن عذابهم فيها مقيم، وأنه غرام لازم لهم، وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وليس هذا مورد النزاع، وإنما النزاع في أمر آخر، وهو: أنَّه هل النار أبدية أو مما كُتِبَ عليها الفناء؟ وأما كون الكفار لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم من عذابها، ولا يُقْضَى عليهم فيموتوا، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط = فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة، وإنما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والإتحادية، وبعض أهل البدع. وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية، ولا يخرجون منها مع بقائها البتة، كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها. فالفرق بين من يخرج من الحبس -وهو حبس على حاله- وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
قالوا: وأما الطريق الثالث: وهو مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من النار دون أهل الشرك، فهي حق لا شك فيه، وهي إنما تدل على ما قلناه من خروج الموحِّدين منها، وهي دار عذاب لم تَفْنَ، ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية، والنصوص دلت على هذا وعلى هذا.
قالوا: وأما الطريق الرابع: وهو أن رسول اللَّه ﷺ وقفنا على ذلك
стр. 802
ضرورة، فلا ريب أنَّه من المعلوم من دينه بالضرورة، أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية، هذا معلوم من دينه بالضرورة، وأما كونها أبدية لا انتهاء لها ولا تفنى كالجنة، فأين في القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك؟
قالوا: وأما الطريق الخامس: وهو أن في عقائد أهل السنة: أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا. فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهيمية والمعتزلة، وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد من أئمة المسلمين، وأما فناء النار وحدها فقد أوجدناكم من قال به من الصحابة، وتفريقهم بين الجنة والنار، فكيف يكون القول به من أقوال أهل البدع، مع أنَّه لا يُعْرَف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين، فقولكم: إنه من أقوال أهل البدع كلامُ من لا خِبْرَة له بمقالات بني آدم، وآرائهم واختلافهم.
قالوا: والقول الذي يُعَدُّ من أقوال أهل البدع: ما خالف كتاب اللَّه، أو سنة رسوله، أو إجماع الأمة، إما الصحابة (١) أو من بعدهم، وأما قول يوافق الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فلا يُعَدُّ من أقوال أهل البدع، وإن دانوا به واعتقدوه، فالحق يجب قبوله ممن قاله، والباطل يجب ردُّهُ على من قاله، وكان معاذ بن جبل يقول: "اللَّه حَكَم قسط، هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر،
стр. 803
فيوشك أحدهم أن يقول: قرأت القرآن، فما أظن أن يتبعوني حتى أبتُدِعَ لهم غيره، فإياكم وما ابتُدِعَ، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نورًا، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ فاحذروا زيغته، ولا يصدنكم عنه، فإنَّه يوشك أن يفيء، ويراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة" (١) .
فالذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم، هو الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه السلف: أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها، ولا يُخَفَّف عنهم عذابها، ولا يُفَتَّر عنهم، وأنهم خالدون فيها، ومن ذكر منهم أن النار لا تفنى أبدًا؛ فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال بفنائها، ولم تبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها.
قالوا: وأما الطريق السادس: وهو حكم العقل (٢) بتخليد أهل النار فيها، فإخبار عن العقل بما ليس عنده، فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق.
стр. 804
وأما أصل الثواب والعقاب: فهل يعلم بالعقل مع السمع، أو لا يُعْلم إلا بالسمع وحده؟ ففيه قولان لِنظَّار المسلمين من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.
والصحيح أن العقل دلّ على المعاد والثواب والعقاب إجمالًا، وأما تفصيله فلا يُعْلَم إلا بالسمع، ودوام الثواب والعقاب مما لا يدلّ عليه العقل (١) بمجرده، وإنما عُلِم (٢) بالسمع، وقد دلّ السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين، وأما عقاب العصاة فقد دلّ السمع أيضًا دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحِّدين، وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار، فهذا مُعْتَرَك النِّزَال، فمن كان السمع من جانبه فهو أسعد بالصواب (٣). وباللَّه التوفيق.
فصل
ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار شرعًا وعقلًا، وذلك يظهر من وجوه:
أحدها: أن اللَّه أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه، وأنه لا نفاد له ولا انقطاع، وأنه غير مجذوذ. وأما النار فلم يخبر عنها بأكثر من خلود أهلها فيها، وعدم خروجهم منها، وأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأنها موصدة عليهم، وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها
стр. 805
أعيدوا فيها، وأن عذابها لازم لهم، وأنه مقيم عليهم لا يفتر عنهم، والفرق بين الخبرين ظاهر.
الوجه الثاني: أن النار قد أخبر في ثلاث آيات عنها بما يدلّ على عدم أبديتها.
الأولى: قوله : ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
الثانية: قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧].
الثالثة: قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣].
ولولا الأدلة القَطْعِية الدالة على أبدِيَّة الجنة ودوامها لكان حكم الاستثناء في الموضعين واحدًا، كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثناءين، فإنَّه قال في أهل النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾، فعلمنا أنَّه يريد أن يفعل فعلاً لم يخبرنا به، وقال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨] فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدًا. فالعذاب مؤقَّت مُعلَّق، والنعيم ليس بمؤقت ولا معلق.
الوجه الثالث: أنَّه قد ثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيرًا قط من المُعَذَّبين الذين يخرجهم اللَّه من النار، وأما النار فلا يدخلها من لم يعمل سوءًا قط، ولا يعذب بها إلا من عصاه.
الوجه الرابع: أنَّه قد ثبت أن اللَّه سبحانه ينشئ للجنة خلقًا آخر يوم
стр. 806
القيامة يسكنهم إياها، ولا يفعل ذلك بالنار، وأما الحديث الذي ورد في "صحيح البخاري" (١) في قوله: "وأما النار فينشئ اللَّه لها خلقًا آخرين" فغلط وقع من بعض الرواة (٢) ، انقلب عليه الحديث، وإنما هو
стр. 807
ما ساقه البخاري في الباب نفسه: "وأما الجنة فينشئ اللَّه لها خلقًا آخرين" وذكره البخاري ﵀ مُبَيِّنًا أن الحديث انقلب لفظه على من رواه بخلاف هذا، فذكر هذا وهذا (١) ، والمقصود أنَّه لا تقاس النار بالجنة في التأبيد مع هذه الفروق. يوضِّحه:
الوجه الخامس: أن الجنة من موجب رحمته ورضاه، والنار من غضبه وسخطه، ورحمته سبحانه تغلب غضبه وتسبقه، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنَّه قال: "لما خلق (٢) اللَّه الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش إنَّ رحمتي تغلب غضبي" (٣) ، وإذا كان رضاه قد سبق غضبه، وهو
стр. 808
يغلبه، كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه، وما هو من موجب غضبه = ممتنعًا. يوضحه:
الوجه السادس: أن ما كان بالرحمة وللرحمة، فهو مقصود لذاته قصد الغايات، وما كان من موجب الغضب والسخط، فهو مقصود لغيره قصد الوسائل، فهو مسبوق ومغلوب مراد لغيره، وما كان بالرحمة فغالب سابق مراد لنفسه. يوضحه:
الوجه السابع: وهو أنَّه سبحانه قال للجنة: "أنت رحمتي أرحم بكِ من أشاء" وقال للنار: "أنت عذابي أُعذِّبُ بك من أشاء" (١) ، وعذابه مفعول منفصل، وهو ناشئٌ عن غضبه، ورحمته ها هنا: هي الجنة، وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن، فها هُنا أربعة أمور: رحمة هي وصْفُهُ سبحانه، وثواب منفصل هو ناشئٌ عن رحمته، وغضب يقوم به سبحانه، وعقاب منفصل ينشأ عنه. فإذا غلبت صفة الرحمة صفة الغضب، فلأنْ يغلب ما كان بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى، فلا تقاوِم النارُ التي نشأت عن الغضب الجنةَ التي نشأت عن الرحمة. يوضحه:
الوجه الثامن: أن النار خلقت تخويفًا للمؤمنين، وتطهيرًا للخطَّائين المجرمين (٢) ، فهي طُهْرة من الخبث الَّذي اكتسبته النفس في
стр. 809
هذا العالم، فإنْ تطهَّر ها هنا بالتوبة النصوح، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة لم تحتج إلى تطهير هناك، وقيل لها مع جملة الطَّيبين: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وإنْ لم تتطهر في هذه الدَّار، ووافقت الدَّار الأخرى بِدَرَنِهَا ونجاستها وخبثها أُدْخلت النَّار طُهْرة لها، ويكونُ مكثها في النَّار بحسب زوال ذلك الدَّرن والخبث والنجاسة التي لا يغسلها الماء، فإذا تطهَّرت الطُّهر التام أُخرجت من النَّارِ، واللَّهُ سبحانه خلق عباده حُنَفاء، وهي فطرة اللَّه التي فطر النَّاسَ عليها، فلو خُلُّوا وفِطَرهم لما نشؤوا إلَّا على التوحيد، ولكن عَرَض لأكثر الفِطَر ما غيَّرها، ولهذا كان نصيب النَّارِ أكثر من نصيب الجنَّة، وكان هذا التغيير مراتب لا يحصيها إلَّا اللَّه، فأرسل اللَّه رسوله، وأنزل كتبه يُذكِّر عباده بفطرته التي فطرهم عليها، فعرف الموفَّقون الَّذين سبقت لهم من اللَّهِ الحسنى صِحَّة ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب بالفطرة الأولى، فتوافق عندهم شرع اللَّهِ ودينه الَّذي أرسل به رسله وفطرته التي فطرهم عليها، فمنعتهم الشريعة المنزلة، والفطرة المكمِّلة، أنْ تكتسب نفوسهم خُبثًا ونجاسة ودرنًا يعلق بها ولا يفارقها، بل كلما ألمَّ بهم شيء من ذلك ومَسَّهم طائف من الشيطان غاروا عليه بالشِّرْعة (١) والفطرة، فأزالوا موجبه وأثره، وكمل لهم الرب تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مما يحبون أو يكرهون، تمحص عنهم تلك الآثار التي شَوَّشت الفطرة، فجاء مقتضى الرحمة، فصادف مكانًا قابلًا مستعدًّا لها ليس فيه شيء يُدافعه، فقال: ها هنا أُمِرْت، وليس للَّه
стр. 810
سبحانه غرض في تعذيب عباده بغير موجب، كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]، واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة، ونقلها مما خلقت عليه إلى ضِدِّه، حتى استحكم الفساد وتم التغيير، فاحتاجوا إلى إزالة ذلك إلى تغيير آخر، وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم تنقلهم آيات اللَّه المتلُوَّة والمخلوقة، وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه الدار، فأتاح لهم آيات أُخر وأقضيةً وعقوباتٍ فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار، فإذا زال موجب العذاب وسببه؛ زال العذاب، وبقي مقتضى الرحمة لا معارضَ له.
فإن قيل: هذا حق، ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارِضًا: كمعاصي الموحِّدين، أمَّا إذا كان لازمًا: كالكفر والشرك، فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في مواضع من كتابه.
منها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فهذا إخبارٌ بأنَّ نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، وأنها غير قابلة للإيمان أصلًا.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢] فأخبر سبحانه أنَّ ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول، حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل، وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم، فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا