← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بأعور، وأنَّكم لن تروا ربكم حتَّى تموتوا" (١). فصل وأمَّا حديث الرجل من أصحاب النَّبي ﷺ : فقال الصَّغاني: حدثنا روح بن عبادة حدثنا عباد بن منصور قال: سمعتُ عدي بن أرطاة يخطب على المنبر بالمدائن، فجعل يَعِظُ حتَّى بكى وأبكانا، ثمَّ قال: كونوا كرجلٍ قال لابنه وهو يَعِظُهُ: يا بُني أوصيك أنْ لا تصلي صلاة إلَّا ظننت أنَّكَ لا تصلي بعدها غيرها حتَّى تموت، وتعالَ بَنِيَّ نعملُ عَمَل رجلين كأنَّهما قد وقفا على النَّارِ، ثمَّ سألا الكَرَّة، ولقد سمعت فلانًا -نسي عَبَّادٌ اسمَه- ما بيني وبين رسول اللَّه ﷺ غيرُه فقال: إنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ للَّه ملائكةً ترعُدُ فرائصُهم من مخافته، ما منهم مَلكٌ تقطرُ دمعته من عينه إلَّا وقعت مَلَكًا (٢) يسبح اللَّه، قال: وملائكة سجودٌ منذ خلق اللَّه السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفٌ لم ينصرفوا عن مصافِّهم، ولا ينصرفون إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة وتجلَّى لهم ربُّهم،

стр. 737

فنظروا إليه قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك" (١). فصل وهَاكَ بعض ما قاله أصحاب رسول اللَّه ﷺ والتابعون وأئمة الإسلام بعدهم. قول أبي بكر الصديق ﵁: قال أبو إسحاق: عن عامرٍ بن سعد بَعْدَهم. "قرأ أبو بكر الصديق: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فقالوا: ما الزِّيادة يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: النَّظرُ إلى وجه الرَّبِّ ﵎" (٢). قول علي بن أبي طالب ﵁: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة الهمْداني، حدثنا صالح بن أبي خالد العنبري، عن أبي الأحوص، عن

стр. 738

أبي إسحاق الهمْداني، عن عُمَارة بن عبدٍ (١) ، قال: سمعتُ عليًّا يقول: "من تمامِ النِّعمة دخول الجنَّة، والنظرُ إلى وجه اللَّه ﵎ في جنته" (٢) . قول حذيفة بن اليمان: وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة: "الزيادة: النظرُ إلى وجه اللَّهِ ﵎" (٣) . قولُ عبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عباس: ذكر أبو عوانة عن هلال عن عبد اللَّه بن عُكَيم قال: سمعتُ عبد اللَّه ابن مسعود يقول: في هذا المسجد - مسجد الكوفة - يبدأ باليمين قبل أنْ يُحدِّثنا فقال: "واللَّه ما منكم من إنسانٍ إلَّا إنَّ ربه سيخلو به يوم

стр. 739

القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدرِ. قال فيقول: ما غرَّك بي يا ابن آدم ثلاثَ مرَّاتٍ، ماذا أجبتَ المرسلينَ ثلاثًا، كيف عملتَ فيما عَلِمْتَ" (١) . وقال ابن أبي داود: أخبرنا أحمد بن الأزهر حدثنا إبراهيم بن الحكم حدثنا أبي عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: كل من دخل الجنَّة يرى اللَّهَ ؟ قال: نعم" (٢) . وقال أسباط بن نصر: عن إسماعيل السُّدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ﵄، وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود ﵁: "الزيادة: النظرُ إلى وجه اللَّه" (٣) . قولُ معاذ بن جبل: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا إسحاق بن أحمد الخراز حدثنا إسحاق بن سليمان الرَّازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون أبي (٤) حمزة قال: كنتُ جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال

стр. 740

له أبو عفيفٍ، فقال له شقيق بن سَلَمَة: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ ابن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: "يُحشرُ النَّاسُ يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ، فينادى أين المُتَّقُون، فيقومون في كَنَف من الرَّحمن لا يحتجب اللَّه منهم، ولا يستتر، قلتُ: من المتقون؟ قال: قوم اتقَّوا الشركَ، وعبادة الأوثان، وأخلصوا للَّه بالعبادة فيمُرُّون إلى الجنَّة" (١) . قول أبي هريرة: قال ابن وهب: أخبرنا ابن لهيعة عن أبي النضر أنَّ أبا هريرة ﵁ كان يقول: "لن تروا ربكم حتَّى تذوقوا الموت" (٢) . قول عبد اللَّه بن عمر: قال حسين الجعفي، عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر ﵄ قال: "إنَّ أدنى أهلِ الجنَّة منزلةً من ينظرُ إلى

стр. 741

ملكه ألفي عام يرى أدناهُ كما يرى أقصاهُ، وإنَّ أفضلهم منزلةً لمن ينظرُ إلى وجه اللَّهِ في كلَّ يومٍ مرَّتين" (١) . قول فضالة بن عبيد: ذكر الدارمي عن محمد بن مهاجر عن ابن حَلْبَس عن أُمِّ الدرداء أنَّ فضالة بن عبيد كان يقول: "الَّلهم إنِّي أسألك الرِّضا بعد القضاء، وبردَ العيش بعد الموتِ، ولذَّةَ النَّظرِ إلى وجهك" وقد تقدَّم (٢) . قولُ أبي موسى الأشعري: قال وكيع: عن أبي بكر الهذلي عن أبي تميمة عن أبي موسى ﵁ قال: "الزيادةُ: النظرُ إلى وجه اللَّه" (٣) . وروى يزيد بن هارون وابن أبي عدي وابن عُليَّة (٤) ، عن التيمي عن أسلم العجلي عن أبي مُراية عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنَّه كان يحدث النَّاس فشخصوا بأبصارهم (٥) فقال: ما صرفَ أبصاركم عنِّي؟ قالوا: الهلال، قال: فكيف بكم إذا رأيتم اللَّه جهرة؟ " (٦) .

стр. 742

قول أنس بن مالك: قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يمان حدثنا شريك عن أبي اليقظان عن أنس بن مالك ﵁ في قوله : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) ﴾ [ق: ٣٥] قال: "يظهر لهم الربُّ ﵎ يوم القيامة" (١) . قول جابر بن عبد اللَّه: قال مروان بن معاوية عن الحكم بن أبي خالد عن الحسن عن جابر ﵁ قال: إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأُدِيْم عليهم بالكرامة جاءتهم خيولٌ من ياقوتٍ أحمر لا تبول ولا تروث، لها أجنحة، فيقعدون عليها، ثمَّ يأتون الجبار فإذا تجلَّى لهم خرُّوا سُجَّدًا، فيقول: يا أهل الجنَّة ارفعوا رؤوسكم فقد رضيتُ عنكم رضًا (٢) لا سخطَ بعده" (٣) .

стр. 743

قال الطبري: "فتحصَّل في الباب ممَّن روى عن رسول اللَّه ﷺ من الصحابة حديث الرؤية ثلاثةٌ وعشرون نفسًا: منهم علي، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وجرير، وأبو موسى، وصهيب، وجابر، وابن عباس، وأنس، وعمار ابن ياسر، وأُبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وحذيفة بن اليمان، وعبادة بن الصامت (١) ، وعدي بن حاتم، وأبو رزين العقيلي، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عُبيد، وبريدة بن الحصيب، ورجلٌ من أصحاب النَّبي ﷺ " (٢) . وقال الدَّارقطني: "أخبرنا محمد بن عبد اللَّه حدثنا جعفر بن محمد ابن الأزهر حدثنا مفضل بن غسَّان، قال: سمعتُ يحيى بن معين يقول: عندي سبعة عشر حديثًا في الرؤية، كلها صحاح" (٣) . وقال البيهقي: "روينا في "إثبات الرؤية" عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عباس وأبي موسى وغيرهم، ولم يُرو عن أحدٍ منهم نفيها، ولو كانوا فيها مختلفين، لنُقِلَ اختلافهم في ذلك (٤) إلينا، كما أنَّهم لما اختلفوا في الحلال والحرام والشرائع والأحكام نُقِلَ اختلافهم في ذلك إلينا، وكما أنَّهم لما اختلفوا في رؤية اللَّه سبحانه بالأبصار في الدنيا نقل اختلافهم في ذلك إلينا،

стр. 744

فلما نُقِلت (١) رؤية اللَّه سبحانه بالأبصار في الآخرة عنهم، ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف، كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا = علمنا أنَّهم كانوا على (٢) القول برؤية اللَّهِ تعالى بالأبصارِ في الآخرة مُتَّفقين مجتمعين" (٣). فصل وأمَّا التابعون ويَزَك (٤) الإسلام، وعصابة الإيمان: من أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التصوف، فأقوالهم أكثر من أنْ يحيط بها إلَّا اللَّهُ . * قال سعيد بن المسيب: "الزيادة: النظرُ إلى وجه اللَّهِ" (٥). رواه مالك، عن يحيى عنه. * وقال الحسن: "الزيادة: النظرُ إلى وجه اللَّه" (٦). رواهُ ابن أبي حاتم عنه.

стр. 745

* وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "الزيادة: النظر إلى وجه اللَّهِ تعالى" (١) . رواهُ حماد بن زيد عن ثابت عنه. * وقاله عامر بن سعد البجلي، ذكره سفيان عن أبي إسحاق عنه (٢) . * وقاله عبد الرحمن بن سابط. رواه جرير عن ليث عنه (٣) .

стр. 746

وقاله عكرمة (١) ، ومجاهد (٢) ، وقتادة (٣) ، والسُّدي (٤) ، والضحاك (٥) وكعب (٦) . * وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمَّاله: "أمَّا بعدُ: فإنِّي أوصيك بتقوى اللَّهِ، ولزوم طاعته، والتمسك بأمرهِ، والمعاهدة على

стр. 747

ما حملك اللَّهُ من دينه، واسْتَحْفَظَك من كتابه، فإنَّ بتقوى اللَّه نجا أولياء اللَّهِ من سخطه، وبها رافقوا أنبياءه، وبها نضرت وجوههم، ونظروا إلى خالقهم، وهي عصمة في الدنيا من الفتن، ومن كبت (١) يوم القيامة" (٢) . * وقال الحسنُ: "لو علم العابدون في الدنيا أنَّهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا" (٣) . * وقال الأعمش وسعيد بن جبير: "إنَّ أشرفَ أهل الجنَّة لمن ينظر إلى اللَّهِ ﵎ غدوةً وعشية" (٤) . * وقال كعب: "ما نظر اللَّه سبحانه إلى الجنَّة قط (٥) إلَّا قال: طِيبي لأهلك، فزادت ضعفًا على ما كانت، حتَّى يأتيها أهلها، وما من يومٍ كان لهم عيد في الدنيا إلَّا يخرجون في مقداره في رياض الجنَّة، فيبرز

стр. 748

لهم الرب ﵎، فينظرون إليه، وتَسْفِي عليهم الريحُ المسكَ، ولا يسألون الرَّبَّ ﵎ شيئًا إلَّا أعطاهم حتَّى يرجعوا، وقد ازدادوا على ما كانوا من الحسن والجمال سبعين ضعفًا، ثمَّ يرجعون إلى أزواجهم، وقد ازْدَدْنَ مثل ذلك" (١) . * وقال هشام بن حسان: "إنَّ اللَّهَ يتجلَّى لأهل الجنَّة، فإذا رآه أهل الجنَّة نَسُوا نعيم الجنَّة" (٢) . * وقال طاووس: "أصحاب المراء والمقاييس لا يزالُ بهم المراء والمقاييس حتَّى يجحدوا الرؤية، ويخالفوا السنة" (٣) . * وقال شريك عن أبي إسحاق السبيعي: "الزيادة: النظرُ إلى وجه الرحمن ﵎" (٤) . * وقال حماد بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّه تَلَى هذه

стр. 749

الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: "إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّةَ أعطوا فيها ما سألوا (١) وما شاؤوا، فيقول اللَّه لهم: إنَّه قد بقيَ من حقِّكم شيءٌ لم تعطوه، فيتجلَّى لهم ربُّهم، فلا يكونُ ما أعطوا عند ذلك بشيء، فالحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظرُ إلى ربهم : ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بعد نظرهم إلى ربهم ﵎" (٢) . * وقال علي بن المديني (٣) : سألتُ عبد اللَّه بن المبارك عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] قال عبد اللَّه: "من أراد النظر إلى وجه خالقه، فليعمل عملًا صالحًا، ولا يُخْبِرْ به أحدًا" (٤) . * وقال نُعَيْم بن حمَّاد: سمعتُ ابن المبارك يقول: "ما حجبَ اللَّهُ أحدًا عنه إلَّا عذَّبه، ثمَّ قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)

стр. 750

ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧] قال: بالرؤية". ذكره ابن أبي الدنيا (١) ، عن يعقوب بن إسحاق عن نُعيم. وقال عبَّاد بن العوَّام: "قَدِمَ علينا شريك بن عبد اللَّه منذ خمسين سنة، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: "إنَّ اللَّهَ ينزلُ إلى سماء الدنيا"، "وإنَّ أهل الجنَّة يرون ربهم". فحدَّثني بنحو عشرة أحاديث في هذا وقال: أما نحنُ، فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فهم عمَّن أخذوا؟ " (٢) . وقال عقبة بن قَبِيْصة (٣) : "أتينا أبا نُعَيم يومًا، فنزل إلينا من الدرجة التي في دَارهِ فجلسَ في وسطها كأنَّه مغضب، فقال: حدَّثنا سفيان بن سعيد ومنذر الثوري وزهير بن معاوية، وحدثنا حسن بن صالح بن حي، وحدثنا شريك بن عبد اللَّه النخعي، هؤلاء أبناء المهاجرين يُحَدِّثوننا عن رسول اللَّه ﷺ أنَّ اللَّه ﵎ يُرى في الآخرة، حتَّى جاءَ ابن يهوديٍّ صبَّاغٍ يزعم أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُرى -يعني بشر المرِّيسيّ (٤) -.

стр. 751

فصل: في المنقول عن الأئمة الأربعة، ونظرائهم وشيوخهم وأتباعهم على طريقتهم ومنهاجهم ذكرُ قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس: قال أحمد بن صالح المصري: حدثنا عبد اللَّه بن وهب قال: قال مالك بن أنس: "النَّاسُ ينظرون إلى اللَّهَ يوم القيامة بأعينهم" (١). وقال الحارث بن مسكين: حدثنا أشهب قال: سُئِلَ مالك عن قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] أتنظرُ إلى اللَّهِ ؟ قال: نعم، فقلتُ إنَّ أقوامًا يقولون: تنتظرُ ما عنده، قال: بل تنظر إليه نظرًا، وقد قال: موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] " (٢). وذكر الطبري وغيره أنَّهُ قيل لمالك: "إنَّهم يزعمون أنَّ اللَّهَ لا يُرى، فقال مالك: السيف السيف" (٣). ذكر قول ابن الماجشون: قال أبو حاتم الرَّازي: قال أبو صالح كاتب الليث: أملى عليَّ

стр. 752

عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وسألته عمَّا جحدت الجَهْمِيَّة فقال: "لم يزلْ يملي لهم الشيطان حتَّى جحدوا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقالوا: لا يراه أحدٌ يوم القيامة، فجحدوا -واللَّه- أفضل كرامةِ اللَّه التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظرِ إلى وجهه، ونضرته إيَّاهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، فوربِّ السماء والأرضِ ليجعلنَّ رؤيته يوم القيامة للمخلصين له ثوابًا لينضِّر بها وجوههم دون المجرمين، وتفلج بها حُجَّتهم على الجاحدين، وهم عن ربِّهم يومئذٍ لمحجوبون، لا يرونه كما زعموا أنَّهُ لا يرى، ولا يكلمهم ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم" (١). ذكر قول الأوزاعي: ذكر ابن أبي حاتم عنه قال: "إنِّي لأرجو أنْ يحجب اللَّه جَهْمًا وأصحابه عن أفضل ثوابه الَّذي وعده أولياءَه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] فجحدَ جهْم وأصحابه أفضل ثوابه الَّذي وعد أولياءَه" (٢). ذكر قول الليث بن سعد: قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي (٣) الحارث، حدثنا

стр. 753

الهيثم بن خارجة، قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: "سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: تُمَرُّ بلا كيف" (١). قول سفيان بن عيينة: ذكر الطبري وغيره عنه أنَّه قال: "من لم يقل: إنَّ القرآن كلام اللَّه، وإنَّ اللَّهَ يرى في الجنَّة فهو جهمي" (٢). وذكر عنه ابن أبي حاتم أنَّه قال: "لا يُصَلَّى خلفَ الجهمي، والجهميُّ الَّذي يقول: لا يرى ربه يوم القيامة" (٣). قول جرير بن عبد الحميد: ذكر ابن أبي حاتم عنه أنَّه ذُكِرَ له حديث ابن سابط في الزيادة: أنَّها النظر إلى وجه اللَّهِ فأنكره رجلٌ فصاح به، فأخرجه من مجلسه" (٤). قول عبد اللَّه بن المبارك: ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم عنه، أنَّ رجلًا من الجهمية قال له:

стр. 754

"يا أبا عبد الرحمن خدارا بآن جهان جون بِيْنَنْد (١)، ومعناهُ: كيفَ يُرى اللَّه يوم القيامة؟ فقال: بالعين" (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني يعقوب بن إسحاق قال: سمعت: نُعَيم ابن حماد يقول: سعت ابن المبارك يقول: "ما حجب اللَّه عنه أحدًا إلَّا عذَّبه ثمَّ قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧] قال ابن المبارك: بالرؤية" (٣). قول وكيع بن الجراح: ذكر ابن أبي حاتم عنه، أنَّه قال: "يراهُ ﵎ المؤمنون في الجنَّة، ولا يراهُ إلا المؤمنون" (٤). قول قتيبة بن سعيد: ذكر ابن أبي حاتم عنه، قال: "قول الأئمة المأخوذ به (٥) في الإسلام والسنَّة: الإيمان بالرؤية والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن

стр. 755

رسول اللَّه ﷺ في الرؤية" (١). قول أبي عبيد القاسم بن سلَّام: ذكر ابن بطَّة وغيره عنه أنَّه ذُكِرَت عنده هذه الأحاديث التي في الرؤية فقال: "هي عندنا حق، رواها الثقات عن الثقات إلى أنْ صارت إلينا، إلَّا أنا إذا قيل لنا: فسِّروها لنا، قلنا: لا نفسِّر منها شيئًا، ولكن نُمْضيها كما جاءت" (٢). قول أسود بن سالم شيخ الإمام أحمد: قال المَرُّوذي: حدثنا عبد الوهَّاب الورَّاق قال: سألت أسود بن سالم عن أحاديث الرؤية، فقال: "أحلف عليها بالطلاق وبالمشي أنَّها حق" (٣). قول محمد بن إدريس الشافعي: قد تقدَّم رواية الربيع عنه أنَّه قال: "في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]: لمَّا حجبَ هؤلاء في السَّخَط، كان في هذا دليل على (٤): أنَّ أولياءه يرونه في الرِّضى، قال الربيع: فقلتُ: يا أبا عبد اللَّه، وتقول به؟ قال: نعم، وبه أدينُ اللَّه، لو لم يوقن

стр. 756

محمد بن إدريس أنَّه يرى اللَّه لَمَا عَبَدَهُ" (١). وقال ابن بطَّة: حدثنا ابن الأنباري، حدثنا أبو القاسم الأنماطي صاحب المُزَني قال: قال الشافعي: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] دلالة على أنَّ أولياءه يرونه يوم القيامة بأبصار وجوههم" (٢). قول إمام السنَّة أحمد بن حنبل: قال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمد: "أليس ربنا ﵎ يراهُ أهل الجنَّة؟ أليسَ تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح، قال ابن منصور: وقال إسحاق بن راهويه: صحيح ولا يدعه إلَّا مبتدع، أو ضعيف الرَّأي" (٣). وقال الفضل بن زياد: "سمعتُ أبا عبد اللَّه، وقيل له: تقول بالرؤية؟ فقال: من لم يقل بالرؤية فهو جهمي" (٤). قال: "وسمعتُ أبا عبد اللَّه (٥)، وبلغه عن رجل أنَّه قال: إنَّ اللَّه لا يُرى في الآخرة: فغضب غضبًا شديدًا، ثمَّ قال: من قال: إنَّ اللَّه لا يرى في الآخرة فقد كفر، عليه لعنة اللَّه وغضبه، مَنْ كَانَ مِنَ النَّاس،

стр. 757

أليسَ يقول اللَّه : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾ [القيامة: ٢٢, ٢٣]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ﴾ (١) . وقال أبو داود: "وسمعتُ أحمد، وذُكِرَ له عن رجلٍ في شيءٍ في الرؤية فغضب وقال: من قال: إنَّ اللَّهَ لا يرى فهو كافر" (٢) . قال أبو داود: "وسمعتُ أحمد وقيل له: في رجل يُحدِّث بحديث عن رجل عن أبي العطوف: إنَّ اللَّهَ لا يُرى في الآخرة، فقال: لعَنَ اللَّهُ من يُحدِّثُ بهذا الحديثِ اليوم، ثمَّ قال: أخزى اللَّهُ (٣) هذا" (٤) . وقال أبو بكر المرُّوذي: "قيل لأبي عبد اللَّه: تعرفُ عن يزيد بن هارون، عن أبي العطوف، عن أبي الزبير، عن جابر: "إنِ استقرَّ الجبل فسوف تراني، وإنْ لم يستقر فلا تراني في الدنيا، ولا في الآخرة" (٥) ، فغضبَ أبو عبد اللَّه غضبًا شديدًا حتَّى تبيَّن في وجهه، وكان قاعدًا والنَّاسُ حوله، فأخذَ نعله وانتعل، وقال: أخزى اللَّه هذا، لا ينبغي أنْ

стр. 758

يُكْتَب، ودفع أنْ يكون يزيد بن هارون رواهُ أو حدَّث به، وقال: هذا جَهْمي كافرٌ خالف قول اللَّهُ (١) : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ﴾ [المطففين: ١٥] خَزَى اللَّهُ هذا الخبيث". قال أبو عبد اللَّه: "ومن زعمَ أنَّ اللَّهَ لا يُرى في الآخرة فقد كفر" (٢) . وقال أبو طالب: "قال أبو عبد اللَّه: قول اللَّهُ : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) ﴾ [الفجر: ٢٢] فمن قال: إنَّ اللَّه لا يُرى فقد كفر" (٣) . وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: "سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: من لم يؤمن بالرؤية فهو جهْمي، والجهمي: كافر" (٤) . وقال يوسف بن موسى القطان: "قيل لأبي عبد اللَّه: أهلُ الجنَّة ينظرون إلى ربِّهم ﵎ ويُكلَّمونه ويكلِّمهم؟ قال: نعم، ينظرُ إليهم، وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه كيف شاء وإذا شاء" (٥) . وقال حنبل بن إسحاق: "سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: القومُ يرجعون

стр. 759

إلى التعطيل في أقوالهم، ينكرون الرؤية والآثار كلها، وما ظننتهم على هذا حتَّى سمعت مقالاتهم". قال حنبل: "وسمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: من زعم أنَّ اللَّهَ لا يُرى في الآخرة (١) فقد ردَّ على اللَّهِ وعلى الرسول، ومن زعمَ أنَّ اللَّهَ لم يتخذ إبراهيم خليلًا فقد كفر، وردَّ على اللَّه قوله، قال أبو عبد اللَّه: فنحنُ نؤمنُ بهذه الأحاديث، ونُقِرُّ بها ونمرُّها كما جاءتْ" (٢) . وقال الأثرم: "سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: فأما من قالَ: إنَّهُ لا يرى اللَّه في الآخرة فهو جهمي، قال أبو عبد اللَّه: وإنَّما تكلَّم من تكلَّم في رؤية الدنيا (٣) ". وقال إبراهيم بن زياد الصائغ: "سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: الرؤية من كذَّب بها فهو زنْدِيْق". وقال حنبل: "سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: أدركنا النَّاسُ وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئًا -أحاديث الرؤية- وكانوا يحدثون بها على الجملة، يُمِرُّونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين" (٤) . وقال أبو عبد اللَّه: "قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]. فكلَّم اللَّه موسى

стр. 760

من وراء حجاب، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فأخبر اللَّه أنَّ موسى يراهُ في الآخرة، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ﴾ [المطففين: ١٥]، ولا يكون حجاب إلَّا لرؤية أخبر اللَّه سبحانه أنَّ من شاء اللَّه ومن أراد يراهُ، والكفار لا يرونه" (١) . قال حنبل: "وسمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: قال اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. والأحاديث التي تُرْوى في النظر إلى اللَّه تعالى -حديث جرير بن عبد اللَّه وغيره- "وتنظرون إلى ربِّكم"، أحاديث صِحَاح، وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: النظرُ إلى اللَّه تعالى، قال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها، ونعلمُ أنَّها حقٌّ: أحاديث الرؤية، ونؤمن بأنَّ اللَّهَ يُرَى، نَرَى ربنا يوم القيامة، لا نشكُّ فيه ولا نرتاب" (٢) . قال: "وسمعتُ أبا عبد اللَّه يقول: من زعمَ أنَّ اللَّهَ لا يرى في الآخرة فقد كفر باللَّهِ وكذَّب بالقرآن، وردَّ على اللَّه أمره، يُستتاب؛ فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ" (٣) . قال حنبل: "قلتُ لأبي عبد اللَّه: في أحاديث الرؤية فقال: هذه صحاح نؤمن بها، ونقرُّ بها، وكل ما روي عن النَّبي ﷺ إسنادهُ جيِّد

стр. 761

أقررْنا به" (١). قال أبو عبد اللَّه: "إذا لم نقر بما جاء عن النَّبي ﷺ ، ودفعناهُ رددنا على اللَّهِ أمره. قال اللَّهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] " (٢). قول إسحاق بن راهويه: ذكر الحاكم وشيخ الإسلام وغيرهما عنه، أنَّ عبد اللَّه بن طاهر أمير خراسان سأله، فقال: يا أبا يعقوب، هذه الأحاديث التي تَرْوُوْنها في النزول والرؤية ما هُنَّ؟ فقال رواها من روى الطهارة، والغُسل والصلاة والأحكام، وذكر أشياء، فإنْ يكونوا في هذه عدولًا، وإلَّا فقد ارتفعت الأحكام، وبطل الشرع، فقال: شفاك اللَّه كما شفيتني، أو كما قال" (٣). قول جميع أهل الإيمان: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه (٤): "إنَّ المؤمنين لم يختلفوا أنَّ جميع المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين".

стр. 762

قول المزني: ذكر الطبري في "السنة" عن إبراهيم بن أبي داود المصري، قال: كُنَّا عند نُعَيم بن حمَّاد جلوسًا، فقال نعيم للمُزَني: ما تقول في القرآن؟ فقال: أقول، إنَّهُ كلامُ اللَّهُ، فقال: غير مخلوق؟ فقال: غير مخلوق، قال: وتقول: إنَّ اللَّهَ يرى يوم القيامة؟ قال: نعم، فلما افترق النَّاس قام إليه المزني فقال: يا أبا عبد اللَّه، شهرتني على رؤوس النَّاس، فقال: إنَّ النَّاس قد أكثروا فيك، فأردت أن أُبَرِّئك" (١). قول جميع أهل اللغة: قال أبو عبد اللَّه بن بطَّة: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد، صاحب اللغة يقول: سمعت - أبا العباس أحمد بن يحيى - ثعلبًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٣ - ٤٤]. أجمع أهل اللغة على (٢) أنَّ اللقاء ها هنا لا يكونُ إلَّا معاينة ونظرًا بالأبصارِ" (٣). وحسبك بهذا الإسناد صِحَّةً، والِّلقاء ثابتٌ بنصِّ القرآن كما تقدم (٤). وبالتواتر عن النَّبي ﷺ ، وكلُّ أحاديث اللقاء صحيحة: فحديث أنس في قصة بئر معونة: "إنَّا قد لقينا ربَّنَا فَرَضِيَ

стр. 763

عَنَّا وأَرْضانَا" (١) . وحديث عبادة وعائشة وأبي هريرة وابن مسعود: "من أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءهُ" (٢) . وحديثُ أنس: "إنَّكُم ستلقون بعدي أَثرَةً فاصْبرُوا حتَّى تَلْقَوا اللَّه ورسولَهُ" (٣) . وحديث أبي ذرٍّ: "لو لقيتني بِقُرَابِ الأرضِ خطَايَا، ثُمَّ لقيتني لا تشركُ بي شيئًا لقيتُكَ بقُرابها مغفرة" (٤) . وحديثُ أبي موسى: "من لقيَ اللَّهَ لا يشركُ به شيئًا دَخَلَ الجنَّة" (٥) .

стр. 764

وغير ذلك من أحاديث الِّلقاءه التي أطردت (١) كلها بلفظٍ واحدٍ. فصل: في وعيد منكر (٢) الرؤية قد تقدم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، وقول عبد اللَّه بن المبارك: ما حجب اللَّهُ عنه أحدًا إلَّا عذَّبه، ثمَّ قرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففين: ١٦ - ١٧]، قال: بالرؤية" (٣). وروى مسلم في "صحيحه" (٤) من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يومَ القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمسِ في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا، قال: هل تضارون في رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالَّذي نفسي بيده لا تضارون فى رؤية ربِّكم إلَّا كما تُضارُّون فى رؤية أحدهما، فَيَلْقَى العبد، فيقول: أيْ فُل: ألمْ أُكْرِمْكَ وأسَوِّدْك وأُزوِّجْكَ، وأُسخِّرْ لكَ الخيل والإبل، وأذَرْكَ تَرأسُ وتربعُ؟ فيقول:

стр. 765

بلى، فيقولُ: أفظننتَ أنَّكَ مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإنِّي أنساكَ كما نسيتني، ثمَّ يلقى الثاني، فيقول: أي فُل، ألمْ أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيلَ والإبل، وأذَرْكَ ترأس وتربَعُ فيقول: بلى، أي ربِّ، فيقول: أفظننتَ أنَّكَ مُلاقيَّ فيقول: لا، فيقول إنِّي أنساكَ كما نسيتني، ثمَّ يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربِّ آمنت بك، وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمْتُ وتصدقتُ، ويثني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: ها هنا إذًا، ثمَّ يُقال: الآن نبعث شاهدنا عليك، فيتفكر في نفسه من الَّذي يشهدُ عليَّ؟ فيُختمُ على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذُه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الَّذي يسخط اللَّهُ عليه". فاجْمَعْ بين قوله: "إنَّكم سترون ربَّكم"، وقوله لمن ظنَّ أنَّه غيرَ ملاقيه: "فإنِّي أنساكَ كما نسيتني"، وإجماع أهل اللغة أنَّ اللقاء: المعاينة بالأبصارِ = يحصلْ لك العلمُ بأنَّ منكر الرؤية أحقُّ بهذا الوعيد. ومن تراجم أهل السنَّة على هذا الحديث: بابٌ: في الوعيد لمنكر (١) الرؤية، كما فعل شيخ الإسلام وغيره، وباللَّه التوفيق. فصل قد دلَّ القرآن والسنَّة المتواترة وإجماعُ الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث عصابة الإسلام، ويَزَك الإيمان، وخاصَّة رسول اللَّه ﷺ = على

стр. 766

أنَّ اللَّه يُرى في القيامة بالأبصارِ عِيَانًا، كما يُرى القمرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وكما تُرى الشمس في الظهيرة، فإنْ كان لما أخبر به اللَّه ورسوله عنه من ذلك حقيقة -وإنَّ له واللَّه حقَّ الحقيقة- فلا يمكن أنْ يروهُ إلَّا من فوقهم، لاستحالة أن يروهُ أسفل منهم، أو خلفهم، أو أمامهم، أو عن يمينهم وشمالهم، وإنْ لم يكن لِمَا أخبر به حقيقة - كما يقوله: أفراخ الصابئة، والفلاسفة والمجوس، والفِرعونية - بطل الشرع والقرآن، فإنَّ الَّذي جاء بهذه الأحاديث، هو الَّذي جاء بالقرآن والشريعة، والَّذي بلَّغها هو الَّذي بلَّغ الدِّين، فلا يجوزُ أنْ يُجعل كلام اللَّهِ ورسوله عِضِين، بحيث (١) يؤمن ببعض معانيه، ويُكْفر ببعضها، فلا يجتمع في قلب العبدِ بعد الاطلاع على هذه الأحاديث، وفهم معناها إنكارها، والشهادة بأنَّ محمدًا رسول اللَّه أبدًا: و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]. والمنحرفون في باب رؤية الربِّ ﵎ نوعان: أحدهما: من يزعم أنَّه يُرى في الدنيا، ويحاضر ويُسَامر. والثاني: من يزعم أنَّه لا يُرى في الآخرة ألبتَّة، ولا يُكلِّم عباده. وما أخبر اللَّهُ به رسوله وأجمع عليه الصحابة والأئمة يُكذِّبُ الفريقين، وباللَّه التوفيق.

стр. 767

الباب السادس والستون: في تكليمه سبحانه لأهل الجنَّة، وخطابه لهم ومحاضرته إيَّاهم، وسلامه عليهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وقال في حقِّ الَّذين يكتمون ما أنزلَ اللَّهُ من الهُدَى والبيِّنات: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]. فلو كان لا يكلِّم عباده المؤمنين، لكانوا في ذلك هم وأعداء اللَّه (١) سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنَّه لا يكلمهم فائدةً أصلًا، إذْ تكليمه لعباده عند الفرعونية والمعطِّلة مثل أنْ يُقال: يؤاكلهم ويشاربهم، ونحو ذلك، تعالى اللَّهُ عمَّا يقولون. وقد أخبر سبحانه أنَّه يسلِّمُ على أهل الجنَّة، وأنَّ ذلك السلام حقيقة، وهو قولٌ من ربٍّ رحيم (٢)، وتقدَّم تفسيرُ النَّبي ﷺ لهذه الآية في حديث جابر في الرؤية، وأنَّه يشرف عليهم من فوقهم، ويقول: "سَلَامٌ عليكم يا أهل الجنَّة" (٣) فيرونه عيانًا، وفي هذا إثبات الرؤية

стр. 768

والتكليم والعُلو، والمعطلة تنكر هذه الأمور الثلاثة وتكفِّر القائل بها. وتقدم حديث أبي هريرة ﵁ في سوق الجنَّة وقول النَّبي ﷺ : "ولا يبقى أحدٌ في ذلك المجلس إلَّا حاضره اللَّه محاضرة، فيقول: يا فلان أتذكر يومَ فعلت كذا وكذا" الحديث (١) . وتقدم حديث عدي بن حاتم: "ما منكم إلَّا مَنْ سيُكلِّمه ربُّهُ يومَ القيامة" (٢) . وحديث أبي هريرة في الرؤية وفيه "فيقول ﵎ للعبدِ: "ألم أكرمك وأسودك" (٣) الحديث. وحديث بريدة: "ما منكم من أحدٍ إلَّا سيخلو به ربُّه ليس بينه وبينه تَرجُمانٌ ولا حِجابٌ" (٤) الحديث. وحديث أنس في يوم المزيد، ومخاطبته فيه لأهل الجنَّة مرارًا (٥) . وبالجملة فتأمَّل أحاديث الرؤية تجد في أكثرها ذِكْرُ التَّكْلِيم. قال البخاري في "صحيحه" (٦) : "بابُ كلامِ الرب ﵎ مع أهل الجنَّة". وساق فيه عدَّة أحاديث.

стр. 769

فأفضل نعيم أهل الجنَّة رؤية وجهه ﵎، وتكليمه لهم، فإنكار ذلك إنكار لروح الجنَّة، وأعلى نعيمها وأفضله، الَّذي ما طابت لأهلها إلَّا به، واللَّه المستعان.

стр. 770

الباب السابع والستون: في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد هذا مما يُعْلَم بالاضطرار أن الرسول ﷺ أخبر به، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨] أي: غير مقطوع. ولا تنافي بين هذا وبين قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، واختلف السلف في هذا الاستثناء: * فقال معمر عن الضحاك: "هو في الذين يخرجون من النار، فيدخلون الجنة، يقول سبحانه: إنهم خالدون في الجنة ما دامت السماوات والأرض، إلا مُدَّة مكثهم في النار" (١). قلت: وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون الإخبار عن الذين سُعِدُوا وقع عن قوم مخصوصين، وهم هؤلاء. والثاني: - وهو الأظهر - أن يكون وقع عن جملة السعداء، والتخصيص بالمذكورين هو في الاستثناء، وما دل عليه. وأحسن من هذين التقديرين: أن تُردَّ المشيئة إلى الجميع، حيث

стр. 771

لم يكونوا في الجنة في الموقف. وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص. * وقالت فرقة أخرى: هو استثناءٌ استثناهُ الرب تعالى ولا يفعله، كما تقول: واللَّه لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك. وأنت لا تراه؛ بل تجزم بضربه. * وقالت فرقة أُخرى: العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله، ومع ما هو أكثر منه، كان معنى "إلَّا" في ذلك ومعنى الواو سواء. والمعنى على هذا: سوى ما شاء اللَّه من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض. هذا قول الفرَّاء (١) ، وسيبويه (٢) : يجعل "إلَّا" بمعنى لكن. قالوا: ونظير ذلك أن يقول: لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها: أي سوى الألفين. قال ابن جرير: "وهذا أحب الوجهين إليَّ؛ لأن اللَّه تعالى لا خُلْف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ [هود: ١٠٨] (٣) . قالوا: ونظيره أن يقول: أسكنتك داري حولًا إلا ما شئت، أي: سوى ما شئت، أو لكن ما شئت من الزيادة عليه.

стр. 772

* وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مُدَّة احتباسهم عن الجنَّة، ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ إلى أنْ يصيروا إلى الجنَّة، ثمَّ هو خلودُ الأبد، فلم يغيبوا عن الجنَّة إلَّا بقدر إقامتهم في البرزخ. * وقالت فرقة أخرى: العزيمة قد وقعت لهم من اللَّه بالخلود الدَّائم، إلَّا أنْ يشاء اللَّه (١) خلاف ذلك = إعلامٌ لهم بأنهم مع خلودهم في مشيئته، وهذا كما قال لنبيه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، وقوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: ١٦]، ونظائره. يخبر عباده سبحانه أنَّ الأمور كلَّها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. * وقالت فرقة أخرى: المراد بمُدَّة دوام السموات والأرضِ في هذا العالم. فأخبر سبحانه أنَّهم خالدون في الجنَّة مُدَّة دوام السموات والأرضِ إلَّا ما شاء اللَّهُ أنْ يزيدهم عليه. ولعلَّ هذا قول من قال: إنَّ "إلَّا" بمعنى "سِوى"، ولكن اختلفت عبارته، وهذا اختيار ابن قتيبة (٢) . قال: "المعنى: خالدين فيها مُدَّة العالم سوى ما شاء أنْ يزيدهم من الخلود على مدَّة العالم". * وقالت فرقة أخرى (٣) : "ما" بمعنى: "مَنْ"،

стр. 773

كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] والمعنى: إلَّا من شاء ربك أن يدخله النَّار بذنوبه من السعداء. والفرقُ بين هذا القول، وبين أوَّل الأقوال: أنَّ الاستثناء على ذلك القول من المُدَّة، وعلى هذا القول من الأعيان. * وقالت فرقة أخرى: المراد بالسماوات والأرض: سماءُ الجنَّة وأرضها، وهما باقيتان ابدًا، وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] إنْ كانت "ما": بمعنى: "مَنْ" فهم الَّذين يدخلون النَّار، ثمَّ يخرجون منها، وإنْ كانت بمعنى: "الوقت" فهو مُدَّة احتباسهم في البرزخ والموقف. قال الجُعْفِي: "سألتُ عبد اللَّه بن وهب عن هذا الاستثناء؟، فقال: سمعتُ فيه أنَّه قَدْرَ وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أنْ يقضى بين النَّاس". * وقالت فرقة أخرى: الاستثناء راجعٌ إلى مدَّة لبثهم في الدنيا. وهذه الأقوال متقاربة، ويمكن الجمع بينها بأنْ يُقالَ: أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنَّة كلَّ وقتٍ، إلَّا وقتًا يشاءُ ألَّا يكونوا فيها، وذلك يتناول وقتَ كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وفي موقف القيامة، وعلى الصراط، وكون بعضهم في النَّار مدَّة، وعلى كلِّ تقدير فهذه الآية من المتشابه، وقوله تعالى فيها: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ مُحْكم، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]، وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]. وقد أكَّدَ اللَّه سبحانه خلود أهل الجنَّة بالتأبيد في عدَّة مواضع من

стр. 774

القرآن، وأخبر أنَّهم: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضَمَمْتَه إلى الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] تبيَّن لك المراد من الآيتين، واستثناء الوقت الَّذي لم يكونوا فيه في الجنَّة من مدَّة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتةٌ تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنَّة تقدَّم على خلودهم فيها. وباللَّه التوفيق. وقد تقدَّم قول النَّبي ﷺ : "من يدخل الجنَّة ينعم لا يبؤس، ويخلد لا يموت" (١) . وقوله: "ينادي منادٍ يا أهل الجنَّة، إنَّ لكم أنْ تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وأنْ تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وأنْ تحيوا فلا تموتوا أبدًا" (٢) . وثبت في "الصحيحين" (٣) من حديث أبي سعيد الخدري عن النَّبي ﷺ قال: "يُجاءُ بالموتِ في صورة كبشٍ أملح، فيوقفُ بين الجنَّة والنَّارِ، ثمَّ يُقال: يا أهل الجنَّة، فيطَّلعون مشفقين، ويُقال: يا أهل النَّار، فيطلعون فرحين، فيقال (٤) : هل تعرفون هذا، فيقولون: نعم، هذا الموتُ، فيذبح بين الجنَّة والنَّار، ويُقال: يا أهل الجنَّة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النَّار خلودٌ فلا موت".

стр. 775

فصل وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ الجنَّة والنَّار فانِيتَانِ غير أبديَّتين، بل كما هما حَادِثَتَان، فهما فانيتان. والقول الثاني: إنَّهما باقيتان، دائمتان لا يفنيان أبدًا. والقول الثالث: إنَّ الجنَّة باقية أبديَّة، والنار فانية. ونحن نذكر هذه الأقوال، ومن قالها، وما احتجَّ به أرباب كلِّ قول، ونردُّ ما خالف كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﷺ . * فأمَّا القولُ بفنائهما فهو قول قاله: جهم بن صفوان، إمام المعطلة الجهمية، وليس له فيه سلف قطُّ من الصحابة ولا من التابعين، ولا أحدٌ من أئمة الإسلام، ولا قال به أحدٌ من أهل السنَّة، وهذا القول ممَّا أنكرهُ عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفَّروهم به، وصاحوا بهم من أقطار الأرضِ، كما ذكر عبد اللَّه بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" (١) عن خارجة بن مصعب أنَّه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب اللَّه : يقول اللَّهُ سبحانه: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وهم يقولون: لا يدوم، ويقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤] وهم يقولون: يَنْفَدُ، ويقول اللَّهُ : ﴿مَا
следующие страницы →