← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم وتعمر بلادهم (١)، لا يستغنى الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التى بها يسمعون، وأبصارهم التى بها يبصرون، وألسنتهم التى بها ينطقون، وأيديهم التى بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصّكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه (٢) من النعمة عليكم. وليس أحد من أهل الصناعات كلّها، أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة، منكم أيّها الكتّاب إذا كنتم على ما يأتى فى هذا الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذى يثق به فى مهمات أموره. أن يكون حليما فى موضع الحلم، فهيما فى موضع الحكم، مقداما فى موضع الإقدام، محجاما فى موضع الإحجام، مؤثرا للعفاف، والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيّا عند الشدائد، عالما بما يأتى من النوازل، يضع الأمور مواضعها، والطوارق أماكنها، قد نظر فى كل فنّ من فنون العلم فأحكمه فإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفى به، يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته، ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره، فيعدّ لكل أمر عدّته وعتاده (٣)، ويهيّئ لكل وجه هيئته وعادته. فتنافسوا يا معشر الكتاب، فى صنوف الآداب، وتفقّهوا فى الدين؛ وابدوءوا بعلم كتاب الله والفرائض، ثم العربيّة، فإنها ثقاف (٤) ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط؛ فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسموا إليه هممكم، ولا تضيّعوا النظر فى الحساب، فإنه قوام كتّاب الخراج، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع:

стр. 1017

سنيّها (١) ودنيّها، وسفساف (٢) الأمور ومحاقرها، فإنها مذلّة للرّقاب، مفسدة للكتّاب، ونزّهوا صناعتكم عن الدّناءات (٣)، واربئوا (٤) بأنفسكم عن السّعاية والنميمة، وما فيه أهل الجهالات، وإياكم والكبر والصّلف (٥) والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة، وتحابّوا فى الله فى صناعتكم، وتواصوا عليها بالذى هو أليق بأهل الفضل والعدل والنّبل من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه، حتى يرجع إليه حاله، ويثوب (٦) إليه أمره، وإن أقعد أحدكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه. فزوروه وعظّموه، وشاوروه، واستظهروا (٧) بفضل تجربته، وقدم (٨) معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه، أحفظ (٩) منه على ولده وأخيه، فإن عرضت فى الشغل محمدة، فلا يضيفها (١٠) إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمّة فليحملها هو من دونه، وليحذر السّقطة والزّلّة، والملل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم معشر الكتاب. أسرع منه إلى الفراء. وهو لكم أفسد منه لها. فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه الرجل (١١) يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقّه. فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره. واحتماله وصبره (١٢). ونصيحته وكتمان سره، وتدبير أمره، ما هو جزاء لحقه، ويصدّق ذلك بفعاله (١٣) عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى مالديه. فاستشعروا ذلكم- وفّقكم الله- من أنفسكم فى حالة الرّخاء والشدة، والحرمان والمواساة والإحسان، والسّرّاء والضّرّاء، فنعمت الشّيمة هذه لمن وسم بها، من أهل

стр. 1018

هذه الصناعة الشريفة، فإذا ولّى الرجل منكم، أو صيّر إليه من أمر خلق الله وعياله أمر، فليراقب الله ، وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عيال الله، وأحبّهم إليه أرفقهم بعياله، ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفىء موفّرا، وللبلاد عامرا وللرّعية متألّفا، وعن إيذائهم متخلفا، وليكن فى مجلسه متواضعا حليما، وفى سجلّات خراجه، واستقضاء حقوقه رفيقا، وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه، فإذا عرف حسنها وقبيحها، أعانه على ما يوافقه من الحسن، واحتال لصرفه عما يهواه من القبيح، بألطف حيلة وأجمل وسيلة، وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها، التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا (١) لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا (٢) اتّقاها من قبل يديها، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها فى طريقها، فإن استمرت عطفها يسيرا، فيسلس له قيادها، وفى هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم، وجرّبهم (٣) وداخلهم. والكاتب بفضل أدبه، وشريف صنعته، ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره، ويفهم عنه أو يخاف سطوته، أولى بالرّفق بصاحبه، ومداراته، وتقويم أوده، من سائس البهيمة التى لا تحير (٤) جوابا، ولا تعرف صوابا، ولا تفهم خطابا، إلا بقدر ما يصيّرها إليه صاحبها الراكب عليها، ألا فأمعنوا (٥) - رحكم الله- فى النظر، وأعملوا فيه ما أمكنكم من الرويّة والفكر، تأمنوا (٦) بإذن الله ممن صحبتموه النّبوة، والاستثقال والجفوة، ويصير منكم إلى الموافقة، وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة، إن شاء الله تعالى.

стр. 1019

ولا يجاوزنّ الرجل منكم- فى هيئة مجلسه، وملبسه ومركبه، ومطعمه ومشربه، وبنائه (١)، وخدمه، وغير ذلك من فنون أمره- قدر حقه، فإنكم- مع ما فضّلكم الله به من شرف صنعتكم- خدمة لا تحملون فى خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير، واستعينوا على عفافكم بالقصد فى كل ما ذكرته لكم، وقصصته عليكم، واحذروا متالف السّرف، وسوء عاقبة التّرف، فإنهما يعقبان الفقر، ويذلّان الرقاب، ويفضحان أهلهما، ولا سيما الكتّاب وأرباب الآداب، وللأمور أشباه، وبعضها دليل على بعض، فاستدلّوا على مؤتنف (٢) أعمالكم، بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجّة، وأصدقها حجّة، وأحمدها عاقبة. واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهى الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته (٣)، فليقصد الرجل منكم فى مجلسه قصد الكافى من منطقه، وليوجز فى ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه، فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره، وليضرع إلى الله فى صلة توفيقه، وإمداده بتسديده، مخافة وقوعه فى الغلط المضرّ ببدنه وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظانّ، أو قال قائل: إن الذى برز من جميل صنعته، وقوة حركته، إنما هو بفضل حيلته، وحسن تدبيره، فقد تعرض بظنه (٤) أو مقالته إلى أن يكله الله إلى نفسه، فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمّله غير خاف. ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور، وأحمل لعبء التدبير، من مرافقه فى صناعته، ومصاحبه فى خدمته، فإن أعقل الرجلين عند ذوى الألباب، من رمى

стр. 1020

بالعجب وراء ظهره، ورأى أن صاحبه أعقل منه، وأحمد (١) فى طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جلّ ثناؤه، من غير اغترار برأيه، ولا تزكية لنفسه، ولا تكاثر على أخيه أو نظيره، وصاحبه وعشيره، وحمد الله واجب على الجميع، وذلك بالتواضع لعظمته، والتذلّل لعزّته، والتحدّث بنعمته. وأنا أقول فى كتابى هذا ما سبق به المثل: «من يلزم النصيحة (٢) يلزمه العمل» وهو جوهر هذا الكتاب، وغرّة كلامه، بعد الذى فيه من ذكر الله ، فلذلك جعلته آخره، وتمّمته به، تولّانا الله وإياكم يا معشر الطّلبة والكتبة، بما يتولّى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». (صبح الأعشى ١: ٨٥، ومقدمة ابن خلدون ص ٢٧٥، وكتاب الوزراء والكتاب ص ٧٠) ٥٠٧ - رسالة عبد الحميد فى الشطرنج «أما بعد: فإن الله شرع دينه بإنهاج (٣) سبله، وإيضاح معالمه بإظهار فرائضه، وبعث رسله إلى خلقه دلالة لهم على ربوبيّته، واحتجاجا عليهم برسالاته، وتقدّما إليهم بإنذاره ووعيده، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حىّ عن بيّنة، ثم ختم بنبيه ﷺ وحيه، وقفّى به رسله، وابتعثه لإحياء دينه الدارس (٤)، مرتضيا له على حين انطمست الأعلام مختفية، وتشتّتت السّبل متفرقة، وعفت آثار الدين دارسة، وسطع رهج (٥) الفتن، واعتلى قتام الظّلم، واستنهد (٦)

стр. 1021

الشّرك، وأسدف (١) الكفر، وظهر أولياء الشيطان، لطموس الأعلام، ونطق زعيم الباطل؛ لسكتة الحق، واستطرق (٢) الجور، واستنكح الصّدوف عن الحق، واقمطرّ سلهب (٣) الفتنة، واستضرم (٤) لقاحها، وطبّقت الأرض ظلمة كفر وغبابة فساد، فصدع (٥) بالحق مأمورا، وبلّغ الرسالة معصوما، ونصح الإسلام وأهله، دالّا لهم على المراشد، وقائدا لهم إلى الهداية، ومنيرا لهم أعلام الحق، ضاحية (٦)، مرشدا لهم إلى استفتاح باب الرحمة، وإعلان عروة النجاة، موضّحا لهم سبل الغواية (٧)، زاجرا لهم عن طريق الضلالة، محذّرا لهم الهلكة، موعزا إليهم فى التّقدمة (٨)، ضاربا لهم الحدود على ما يتقون من الأمور ويخشون، وما إليه يسارعون ويطلبون، صابرا نفسه على الأذى والتكذيب، داعيا لهم بالترغيب والترهيب، حريصا عليهم، متحنّنا على كافّتهم، عزيزا عليه عنتهم (٩)، رءوفا بهم رحيما، تقدّمه شفقته عليهم وعنايته برشدهم، إلى تجريد الطلب إلى ربه، فيما فيه بقاء النعمة عليهم، وسلامة أديانهم، وتخفيف أواصر (١٠) الأوزار عنهم، حتى قبضه الله إليه ﷺ ناصحا متنصّحا (١١)، أمينا مأمونا، قد بلّغ الرسالة، وأدّى النصيحة، وقام بالحق، وعدّل عمود الدين. حتى اعتدل ميله، وأذلّ الشرك وأهله، وأنجز الله له وعده، وأراه صدق أسبابه فى إكماله للمسلمين دينه، واستقامة سنّته فيهم، وظهور شرائعه عليهم، قد أبان لهم موبقات (١٢) الأعمال، ومفظعات الذنوب، ومهبطات الأوزار، وظلم

стр. 1022

الشّبهات، وما يدعو إليه نقصان الأديان، وتستويهم به الغوايات، وأوضح لهم أعلام الحق، ومنازل المراشد، وطرق الهدى، وأبواب النجاة، ومعالق العصمة، غير مدّخر لهم نصحا، ولا مبتغ فى إرشادهم غنما. فكان مما قدّم إليهم فيه نهيه، وأعلمهم سوء عاقبته، وحذّرهم إصره (١) وأوعز إليهم ناهيا وواعظا وزاجرا، الاعتكاف على هذه التماثيل من الشّطرنج (٢)، والمواصلة عليها؛ لما فى ذلك من عظيم الإثم، وموبق الوزر، مع مشتغلتها عن طلب المعاش، وإضرارها بالعقول، ومنعها من حضور الصّلوات فى مواقيتها مع جميع المسلمين. وقد بلغ أمير المؤمنين أن ناسا ممن قبلك من أهل الإسلام قد ألهجهم (٣) الشيطان بها، وجمعهم عليها، وألّف بينهم فيها، فهم معتكفون عليها من لدن صبحهم إلى ممساهم (٤)، ملهية لهم عن الصلوات، شاغلة لهم عما أمروا به من القيام بسنن دينهم، وافترض عليهم من شرائع أعمالهم، مع مداعبتهم فيها، وسوء لفظهم عليها، وإن ذلك من فعلهم ظاهر فى الأندية والمجالس، غير منكر ولا معيب، ولا مستفظع عند أهل الفقه، وذوى الورع والأديان والأسنان منهم، فأكبر أمير المؤمنين ذلك وأعظمه، وكرهه واستكبره، وعلم أن الشيطان عند ما يئس من بلوغ إرادته فى معاصى

стр. 1023

الله بمصر المسلمين ومجمعهم صراحا (١) وجهارا، أقدم بهم على شبهة مهلكة، وزين لهم ورطة موبقة، وغرّهم بمكيدة حيله، إرادة لاستهوائهم بالخدع، واحتيالهم (٢) بالشّبه والمراصد الخفيّة المشكلة، وكل مقيم على معصية الله صغرت أو كبرت مستحلّا لها مشيدا (٣) بها، مظهرا لارتكابه إياها، غير حذر من عقاب الله عليها، ولا خائف مكروها فيها، ولا رعيب (٤) من حلول سطوته عليها، حتى تلحقه المنية، فتختلجه وهو مصرّ عليها، غير تائب إلى الله منها، ولا مستغفر من ارتكابه إياها، فكم قد أقام على موبقات الآثام وكبائر الذنوب حتى حدّه مخترم (٥) أيامه. وقد أحب أمير المؤمنين أن يتقدم إليهم فيما بلغه عنهم، ويوعز إليهم ويعلمهم ما فى أعناقهم عليها، وما لهم فى قبول ذلك (٦) من الحظ، وعليهم فى تركه من الوزر، فآذن (٧) بذلك فيهم، وأشده فى أسواقهم. وجميع أنديتهم، وأوعز إليهم فيه، وتقدّم إلى عامل شرطتك: فى إنهاك (٨) العقوبة لمن رفع إليه من أهل الاعتكاف عليها، والإظهار للّعب بها، وإطالة حبسه فى ضيق وضنك، وطرح اسمه من ديوان أمير المؤمنين، وأفطمهم عما لهجوا (٩) به من ذلك، والتمس بشدتك عليهم فيه وإنها كك بالعقوبة عليه ثواب الله وجزاءه، واتباع أمير المؤمنين ورأيه، ولا يجدنّ أحد عندك هوادة فى التقصير فى حق الله ، والتعدى لأحكامه،

стр. 1024

فتحلّ بنفسك ما يسوءك عاقبته ومغبّته، وتتعرض به لغير الله ونكاله، واكتب إلى أمير المؤمنين ما يكون منك إن شاء الله. والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ٢: ٢٢٢) ٥٠٨ - رسالة عبد الحميد فى وصف الصيد ومن رسائله رسالته التى وصف بها الصيد: «أطال الله بقاء أمير المؤمنين مؤيّدا بالعز، مخصوصا بالكرامة، ممتّعا بالنعمة، إنه لم يلقّ أحد من المقتنصين، ولا منح متطرّف من المتصيّدين، إلا دون ما لقّانا الله به من اليمن والبركة، ومنحنا من الظفر والسعادة فى مسيرنا، من كثرة الصيد، وحسن المقتنص، وتمكين الجاسة (١) وقرب الغاية، وسهولة المورد، وعموم القدورة (٢)، إلا ما كان من محاولة الطلب، وشدة النّصب، لنافر الصيد، وفائتة (٣) الطّريدة، التى أمعنّا فى الطلب لها، وأعجزنا البهر عن اللّحاق بها، لتفاوت سبقها، ومنقطع هربها ومتفرّق سبلها، ثم آل بنا ذلك إلى حسن الظفر، وتناول الأرب، ونهاية الطرب. وإنى أخبر أمير المؤمنين أنا خرجنا إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّوارى، أكرمها أجناسا، وأعظمها أجساما، وأحسنها ألوانا، وأحدّها أطرافا، وأطولها أعضاء، قد ثقّفت بحسن الأدب، وعوّدت شدة الطلب، وسبرت (٤) أعلام المواقف، وخبرت المجاثم، مجبولة على ما عوّدت، ومقصورة على ما أدّبت، ومعنا من

стр. 1025

نفائس الخيل المخبورة الفراهة (١)، من الشّهرية (٢) الموصوفة بالنّجابة، والجرى والصّلابة، فلم نزل بأخفض سير، وأثقف طلب، وقد أمطرتنا السماء مطرا متداركا فربت منه الأرض، وزهر البقل، وسكن القتام (٣) من مثار السّنابك، ومتشعّبات الأعاصير، مهلة أن سرنا غلوات (٤)، ثم برزت الشمس طالعة، وانكشفت من السحاب مسفرة، فتلألأت الأشجار، وضحك النّوّار (٥)، وانجلت الأبصار، فلم نر منظرا أحسن حسنا، ولا مرموقا أشبه شكلا، من ابتسام نور الشمس عن اخضرار زهرة الرياض، والخيل تمرح بنا نشاطا، وتجتذبنا أعنّتها انبساطا، ثم لم نلبث أن علتنا ضبابة تقصر (٦) طرف الناظر، وتخفى (٧) سبل السلام، تغشانا تارة وتنكشف أخرى، ونحن بأرض دمثة (٨) التراب، أشبة الأطراف، مغدقة (٩) الفجاج، مملوءة صيدا من الظباء والثعالب والأرانب، فأدّانا المسير إلى غابة دونها مألف الصيد، ومجتمع الوحش، ونهاية الطلب، قد جاوزناها ونحن على سبيل الطلب ممعنون، وبكل حرّة (١٠) جونة متفرقون، فرجع بنا العود على البدء، وقد انجلت الضبابة، وامتدّ البصر، وأمكن النظر، فإذا نحن برعلة (١١) من ظباء، وخلفة (١٢) آرام يرتعن

стр. 1026

آنسات، قد أحالتهن الضبابة عن شخصنا، وأذهلهن أنيق الرياض عن السمّاع حسّنا، فلم نعج (١) إلا والضوارى لائحة لهن من بعد الغاية، ومنتهى نظر الشّاخص، ثم مدّت الجوارح أجنحتها، واجتذبت الضوارى مقاودها، فأمرت بإرسالها على الثقة بمحضرها (٢)، وسرعة الجوارح فى طلبها، فمرّت تحفّ حفيف الريح عند هبوبها، تسفّ الأرض سفّا، كاشفة عن آثارها، طالبة لخيارها، حارشة (٣) بأظفارها، قد مزّقتها تمزيق الريح الجراد، فمن صائح بها وناعر، وهاتف بها وناعق، يدعو الكلب باسمه، ويفديه بأبيه وأمه، وراكض تحت مفرّه، وخافق يطلبه الرمح، وطامح يمنعه، وسانح قد عارضه بارح (٤)، قد حيّرتنا الكثرة، وألهجتنا القدرة حتى امتلأت أيدينا من صنوف الصيد، والله المنعم الوهاب. ثم ملنا يا أمير المؤمنين بهداية دليل قد أحكمته التجارب، وخبر أعلام المذانب (٥)، إلى غدير أفيح (٦)، وروضة خضرة، مستأجمة بتلاوين الشجر، ملتفّة بصنوف الخمر (٧)، مملوءة من أنواع الطير. لم يذعرهن صائد، ولا اقتنصهن قانص، فخفق لها بطبول، وصفر بنفير الحتف، فثار منها ما ملأ الأفق كثرتها، وراعت الجوارح خفقات أجنحتها، ثم انبرت البزاة لها صائدة، والصقور كاسرة، والشواهين ضارية، يرفعن الطلب لها ويخفضن الظفر بها، حتى سئمنا من الذبح، وامتلأنا من النّضيح (٨)، كأنا كتيبة ظفرت ببغيتها، وسريّة نصرت على عدوها، وألحقت ضعيفها بقويها، وغلبت محسنها بمسيئها لا نملك أنفسنا مرحا، ولا نستفيق من الجذل بها فرحا، بقيّة يومنا، والله المنعم الوهّاب.

стр. 1027

ثم غدونا يا أمير المؤمنين إلى أرض وصف لنا صيدها بالكثرة، ورياضها بالنزهة، فزلّ واصفها عن الطريقة، واعتمد بنا على غير الحقيقة، فأتيناها فلم نر صيدا ولا عشبا، ولا نزهة ولا حسنا، فجعلنا نسلك منها حزونا (١) ووعورا، وجدوبا وقفر، حتى قصّر بنا اليأس عن الطلب، وقطع بنا عن الطمع النّصب. فبينا نحن كذلك إذ بدا لنا جأب (٢) قد أوفى بنا على حائل (٣) بهادل غابة، من ورائها حمير وحش كثيرة فأممناها، فلما تطرّفنا مشيا (٤) وتقريبا إلى عاناته، توالى نهيقه، وكثر شهيقه، فالتفتن إليه، فرمقن بأعينهن منّا ما استكثرن شخصه، واستهولن أمره، حتى إذا كنا بمرأى ومسمع انجذبن مولّيات، وهربن مسيّبات (٥)، فأجهدنا الركض فى طلبهن، نتبع آثارهنّ، ونستشفّ (٦) يلاء بين أحفار ودكادك وخناذيذ (٧)، حتى أشفى (٨) بنا الطلب لها على واد هائل سائل بجنبتيه غابة أشبة قد سبقن إليها، واستخفين فيها، فنظمناها بالخيل نظم الخرز، ثم أوغلت عدة فرسان فى نفضها ومعرفة أحوالها، والطبول خافقة، والأصوات شاهقة، فكان وكان، والحمد لله على كل حال». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٢٤)

стр. 1028

٥٠٩ - كتابه إلى أخيه وكتب عبد الحميد فى مولود ولد له- وهو أول مولود كان- إلى أخ له: «أما بعد، فإنى (١) ما أتعرّف من مواهب الله نعمة خصصت بمزيتها، وأصفيت (٢) بخصيصتها (٣)، كانت أسرّ لى من هبة الله لى ولدا سميته «فلانا»، وأمّلت ببقائه بعدى حياة ذكرى، وحسن خلافة فى حرمتى، وإشراكه إياى فى دعائه، شافعا لى إلى ربه (٤) عند خلواته فى صلاته وحجه، وكل موطن من مواطن طاعته، فإذا نظرت إلى شخصه تحرّك به وجدى، وظهر به سرورى، وتعطّفت عليه منى أنسة (٥) الولد، وتولّت عنى به وحشة الوحدة، فأنا به جذل (٦) فى مغيبى ومشهدى أحاول مسّ جسده بيدى فى الظّلم، وتارة أعانقه وأرشفه. ليس يعدله عندى عظيمات الفوائد ولا منفسات (٧) الرغائب، سرّنى به واهبه لى على حين حاجتى. فشدّ به أزرى (٨) وحمّلنى من شكره فيه ما قد آدنى (٩) بثقل حمل النّعم السالفة إلىّ به، المقرونة سرّاؤها فى العجب بتارات ما يدركنى به من رقّة الشفقة عليه، مخافة مجاذبة المنايا إياه، ووجلا من عواصف الأيام عليه.

стр. 1029

فأسأل الله الذى امتن علينا بحسن صنعه فى الأرحام، تأديبه بالزكاء (١)، وحرسه بالعافية، وأن يرزقنا شكر ما حمّلنا فيه وفى غيره، وأن يجعل ما يهب لنا من سلامته، والمدّة فى عمره، موصولا بالزيادة، مقرونا بالعافية، محوطا من المكروه، فإنه المنّان بالمواهب، والواهب للمنى، لا شريك له، حملنى على الكتاب إليك لعلم ما سررت به، علمى بحالك فيه، وشركتك إياى فى كل نعمة أسداها إلىّ ولىّ النعم، وأهل الشكر أولى بالمزيد من الله جل ذكره، والسلام عليك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٤) ٥١٠ - تحميد لعبد الحميد وله تحميد فى أبى العلاء الحرورىّ: «الحمد لله الناصر لدينه وأوليائه وخلفائه، المظهر للحق وأهله. والمذلّ لأعدائه أهل البدعة والضلالة الذى لم يجمع بين حق وباطل، وأهل طاعة ومعصية، إلا جعل النّصرة والفلج (٢) والعاقبة لأهل حقه وطاعته. وجعل الخزى والذّلة والصّغار (٣) على أهل الباطل والخلاف والمعصية. حمدا يتقبّله ويرضاه ويوجب به لأمير المؤمنين وأهل طاعته الزيادة التى وعد من شكره (٤) والحمد لله على ما يتولّى من إعزاز أمير المؤمنين ونصره وإفلاجه (٥) وإظهار حقه. على ما وقع بأعدائه وأهل معصيته والخلاف عليه، من سطواته ونقماته وبأسه فيما ولّى أمير المؤمنين من موالاة من والاه وعداوة من بغى عليه وعاداه. لا يكله فى شىء من الأمور إلى نفسه، ولا إلى حوله وقوّته ومكيدته. فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٤)

стр. 1030

٥١١ - تحميد له فى فتح وله تحميد فى فتح: «الحمد لله العلىّ مكانه، المنبر برهانه، العزيز سلطانه، الثابتة كلماته، الشافية آياته، النافذ قضاؤه، الصادق وعده، الذى قدر على خلقه بملكه (١) وعزّ فى سمواته بعظمته، ودبر الأمور بعلمه، وقدّرها بحكمه، على ما يشاء من عزمه، مبتدعا لها بإنشائه إياها، وقدرته عليها، واستصغاره عظيمها، نافذا إرادته فيها، لا تجرى إلا على تقديره، ولا تنتهى إلا إلى تأجيله، ولا تقع إلا على سبق من حتمه، كل ذلك بلطفه وقدرته وتصريف وحيه، لا معدل لها عنه، ولا سبيل لها غيره، ولا يعلم أحد بخفاياها ومعادها إلا هو، فإنه يقول فى كتابه الصادق: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ). (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٤) ٥١٢ - وله فى فتح ولعبد الحميد فى فتح يعظّم فيه أمة الإسلام بمحمد ﷺ : «أما بعد، فالحمد لله الذى اصطفى الإسلام دينا، رضى شرائعه، وبيّن أحكامه، ونوّر هداه، ثم كنفه (٢) بالعزّ المؤيّد، وأيّده بالظّفر القاهر، وآزره بالسعادة المنتجبة (٣)، وجعل من قام به داعيا إليه، من جنده الغالبين، وأنصاره المسلّطين، كلما قهر بهم مناوئا (٤) أورثهم رباعهم المأهولة، وأموالهم النّريّة، ودارهم الفسيحة، ودولتهم المطوّلة، أمرا حتمه على نفسه، ثم جعل من عاندهم، وابتغى غير سبيلهم مسلما (٥)

стр. 1031

قد استهوته ذلّة الكفر بظلمها، وحيرة الجهالة بحوارها، وتيه الشقاء بمغاويه، وكلما ازدادوا لدعوة الحق إباء، ازداد الحقّ إليهم ازدلافا، وعليهم عكوفا، وفيهم إقامة إلى أن يحلّ بهم عزّ الغلبة، ونجاة المجتاز (١)، داعين فيما شوّقهم إليه، محافظين على ما ندبهم له. قد بذلوا فى طاعة الله دماءهم، وقبلوا المعروض عليهم فى مبايعة ربهم لهم بأنفسهم الجنة، محمود صبرهم، مسهّل بهم عزمهم إلى خير الدنيا والآخرة. والحمد لله الذى أكرم محمدا ﷺ بما حفظ له من أمور أمته، أن اختار لمواريث نبوّته ما أصار إلى أمير المؤمنين من تطويقه ما حمل، بحسن نهوض به وشحّ عليه، ومنافسة فيه، أن فعل وفعل. الحمد لله الذى تمّم وعده لرسوله، وخليفته فى أمّة نبيه، مسدّدا له فيما اعتزم عليه والحمد لله المعزّ لدينه، المتولّى نصر أمة نبيه، المتخلّى عمن عاداهم وناوأهم، حمدا يزيد به من رضا شكره، وحمدا يعلو حمد الحامدين من أوليائه الذين تسكاملت عليهم نعمه فلا توصف، وجلّت أياديه فلا تحصى، الذى حمّلنا مالا قوة بنا على شكره إلا بعونه، وبالله يستعين أمير المؤمنين على ذلك، وإليه يرغب، إنه على كل شىء قدير». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٥) ٥١٣ - تحميد له وله أيضا: «أما بعد، فالحمد لله الذى اصطفى الإسلام لنفسه، وارتضاه دينا لملائكته، وأهل طاعته من عباده، وجعله رحمة وكرامة ونجاة وسعادة لمن هدى به من خلقه وأكرمهم وفضّلهم وجعلهم بما أنعم عليهم منه أولياءه المقرّبين، وحزبه الغالبين،

стр. 1032

وجنده المنصورين، وتوكّل لهم بالظهور والفلج، وقضى لهم بالعلوّ والتمكين، وجعل من خالفه وعزب (١) عنه، وابتغى سبيل غيره، أعداءه الأفلّين، وأولياء الشيطان الأخسرين، وأهل الضلالة الأسفلين مع ما عليهم فى دنياهم من الذلّ والصّغار فأعجل لهم فيها من الخذلان والانتقام، إلى ما أعدّ لهم فى آخرتهم من الخزى والهوان المقيم والعذاب الأليم، إنه عزيز ذو انتقام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٦) ٥١٤ - كتابه إلى مروان فى حاجة وله إلى مروان فى حاجة: «إن الله بنعمته علىّ، لمّا رزقنى المنزلة من أمير المؤمنين، جعل معها شكرها مقرونا بها، فهى تنمى (٢) بالزيادة، والشكر مصاحب لها، فليست تدخلنى وحشة من إنباء (٣) حاجتى، وأنا أعلم أنه لو وصل إلى أمير المؤمنين علم حالى أغنانى عن استزادته، ولكنى تكنّفتنى مؤن استنفضت (٤) ما فى يدى، وكنت للخلف من الله منتظرا، فإنى إنما أتقلّب فى نعمه، وأتمرّغ فى فوائده، وأعتصم بسالف معروفه كان عندى». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٤) ٥١٥ - كتابه فى الوصاة بشخص وكتب إلى بعض الرؤساء فى الوصاة بشخص: «حقّ موصّل كتابى إليك (٥) كحقّه علىّ، إذ جعلك موضعا لأمله، ورآنى أهلا لحاجته، وقد أنجزت حاجته، فصدّق أمله». (سرح العيون ص ١٦٤، ووفيات الأعيان ١: ٣٠٧، ونهاية الأرب ٧: ٢٦٠)

стр. 1033

٥١٦ - كتابه فى فتنة بعض العمال وكتب فى فتنة بعض العمال من رسالة: «حتى اعترانى حنادس (١) جهالة، ومهاوى سبل ضلالة، ذلّلا لسياقه، وسلّمانى قياده إلى نزل (٢) من حميم، وتصلية جحيم، سوى ما أنتجت الحفيظة (٣)، فى نفسه من عوائد الحسك، وقدحت الفتنة فى قلبه من نار الغضب، مضادّة لله تعالى بالمناصبة (٤)، ومبارزة لأمير المؤمنين بالمحاربة، ومجاهدة للمسلمين بالمخالفة، إلى أن أصبح بفلاة قفر، وتيه صفر (٥)، بعيدة المناط (٦)، يقطع دونها النّياط (٧)، وكذلك يفعل الله بالظالمين، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون». (سرح العيون ص ١٦٤) ٥١٧ - كتابه عن مروان إلى بعض عماله وروى صاحب وفيات الأعيان قال: وقال له مروان يوما- وقد أهدى إليه بعض العمال عبدا أسود فاستقلّه-: اكتب إلى هذا العامل كتابا مختصرا، وذمّه على ما فعل، فكتب إليه: «لو وجدت لونا شرّا من السّواد، وعددا أقلّ من الواحد، لأهديته، والسلام».

стр. 1034

وروى صاحب العقد الفريد قال: وبعث إلى مروان بن محمد قائد من قواده بغلام أسود، فأمر عبد الحميد الكاتب أن يكتب إليه يلحاه (١) ويعنّفه، فكتب وأكثر، فاستثقل ذلك مروان، وأخذ الكتاب فوقع فى أسفله: «أما إنك لو علمت عددا أقلّ من واحد، ولونا شرّا من السواد، لبعثت به». وروى صاحب الأغانى قال: واستهدى حمّاد الراوية من صديق له نبيذا، فأهدى إليه دستيجة (٢) نبيذ، فكتب إليه: «لو عرفت فى العدد أقل من واحد، وفى الألوان شرّا من السواد، لأهديته إلىّ». (وفيات الأعيان ١: ٣٠٧، وسرح العيون ص ١٦٣، والعقد الفريد ٢: ١٦٥، والأغانى ٥: ١٦١)

стр. 1035

الدعوة العباسية ٥١٨ - بين محمد بن على بن عبد الله بن عباس وبين من استجاب لدعوته من أهل خراسان بدأت الدعوة العباسية سنة ١٠٠ هـ، فوجّه محمد بن على بن عبد الله بن عباس فى هذه السنة من أرض الشّراة (١)، ميسرة إلى العراق، ووجّه جماعة من شيعته إلى خراسان، وعليها يومئذ الجرّاح بن عبد الله الحكمى من قبل عمر بن عبد العزيز، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا، ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن على، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى محمد بن على. وفى سنة ١٠٣ أو سنة ١٠٤ هـ بعث محمد بن على رسوله إلى خراسان، فاستجاب له سبعون رجلا، اختار منهم اثنى عشر رجلا نقباء، منهم سليمان بن كثيّر الخزاعىّ وقحطبة بن شبيب الطائىّ، فكتب إليهم محمد بن على كتابا، ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها، ثم توفى سنة ١٢٦ هـ فدعا الدّعاة إلى ابنه إبراهيم الإمام (٢). (تاريخ الطبرى ٨: ١٣٥ و ٩: ٩٨)

стр. 1036

٥١٩ - كتاب إبراهيم بن محمد إلى شيعته بخراسان وفى سنة ١٢٨ هـ وجّه إبراهيم بن محمد أبا مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراسانى (١) إلى خراسان، وكتب إلى أصحابه: «إنى قد أمرته بأمرى، فاسمعوا منه واقبلوا قوله، فإنى قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك. فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه

стр. 1037

أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: إنى قد عرضت هذا الأمر على غير واحد، فأبوه علىّ وأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبى مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة (١). (تاريخ الطبرى ٩: ٧٥) ٥٢٠ - كتاب إبراهيم بن محمد إلى أبى مسلم الخراسانى وكتابه إلى سليمان بن كثير وفى سنة ١٢٩ هـ كتب إبراهيم بن محمد إلى أبى مسلم يأمره بالقدوم عليه، ليسأله عن أخبار الناس، فخرج فى النصف من جمادى الآخرة مع سبعين من النقباء، فلما بلغ قومس (٢) أتاه كتاب من إبراهيم إليه، وكتاب إلى سليمان بن كثيّر، وكان فى كتاب أبى مسلم: «إنى قد بعثت إليك براية النصر، فارجع من حيث ألفاك كتابى، ووجّه إلىّ قحطبة بما معك يوافنى به فى الموسم». فوجّه أبو مسلم قحطبة إلى الإمام وانصرف إلى خراسان، فقدم «مرو» فى أول يوم من رمضان سنة ١٢٩ هـ، ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، وكان فيه أن: «أظهر دعوتك، ولا تربّص (٣)، فقد آن ذلك»:

стр. 1038

فبثّ أبو مسلم دعاته فى الناس، وأعلن (١) بالدعوة (لخمس بقين من رمضان سنة ١٢٩ هـ) ولبسوا السّواد». (تاريخ الطبرى ٧: ٨٢) ٥٢١ - كتاب أبى مسلم إلى نصر بن سيار وكان أبو مسلم إذا كتب إلى نصر بن سيار والى خراسان من قبل مروان بن محمد الأموى، يكتب: للأمير نصر ... فلما قوى بمن اجتمع إليه من الشيعة، بدأ بنفسه، وكتب إلى نصر- وهو أول كتاب صدر عن أبى مسلم إليه-: أما بعد: فإن الله تباركت أسماؤه، وتعالى ذكره، عيّر أقواما فى القرآن (٢)، فقال: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا». فلما ورد الكتاب إلى نصر تعاظمه (٣) أمره، وأنه بدأ بنفسه، وكسر له إحدى عينيه، وقال: هذا كتاب له جواب، وكتب إلى مروان بن محمد يستصرخه (٤)، وإلى يزيد بن عمر بن هبيرة والى العراق يستنجده، فقعدا عنه حتى أفضى ذلك إلى خروج الأمر عن بنى أمية. (تاريخ الطبرى ٩: ٨٤» وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣١٣)

стр. 1039

٥٢٢ - كتاب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد ولما أظهر أبو مسلم الدعوة بمرو كتب نصر إلى مروان: أرى جذعا، إن يثن لم يقو رائض ... عليه، فبادر قبل أن يثنى الجذع (١) وكان مروان مشغولا عنه بحروب الخوارج بالجزيرة وغيرها، فلم يجبه عن كتابه، وأبو مسلم يوم ذاك فى خمسين رجلا. (وفيات الأعيان ١: ٢٨٢) ٥٢٣ - كتاب نصر إلى مروان واشتدت شوكة أبى مسلم، واستمكن أمره، وفرّق رسله فى كور خراسان، يدعو الناس إلى آل الرسول، فأجابوه، وكان نصر بن سيار يكتب إلى مروان (٢) بخبرهم، وتمضى كتبه إلى ابن هبيرة لينفذها إلى أمير المؤمنين فكان يحبسها ولا ينفذها، لئلّا يقوم لنصر بن سيار قائمة عند الخليفة- وكان فى ابن هبيرة حسد شديد- فلما طال بنصر ذلك، ولم يأته جواب من مروان، كتب كتابا وأمضاه إلى مروان على غير طريق ابن هبيرة، يعلمه بحال أبى مسلم وخروجه، وكثرة من معه ومن تبعه، وأنه كشف عن أمره وبحث عن حاله، فوجده يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس (وهو أخو السّفّاح والمنصور) وضمّن كتابه أبياتا من الشعر وهى:

стр. 1040

أرى خلل الرّماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام (١) فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أوّلها الكلام (٢) فإن لم تطفئؤها نجن حربا ... مشمّرة يشيب لها الغلام (٣) أقول من التعجّب: ليت شعرى ... أأيقاظ أميّة أم نيام؟ (٤) فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل: قوموا فقد حان القيام (٥) فصرّى عن رحالك، ثم قولى: ... على الإسلام والعرب السلام! (٦) ٥٢٤ - رد مروان عليه فكتب إليه مروان: «إن الشاهد يرى مالا يرى الغائب، فلحسم ذلك الثّؤلول (٧) الذى نجم عندكم».

стр. 1041

فلما ورد الكتاب على نصر، قال لخواصّ أصحابه: أمّا صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده. (العقد الفريد ٢: ٢٩٧، ومروج الذهب ٢: ٢٠٢، ووفيات الأعيان ٢: ٢٨٢، وتاريخ الطبرى ٩: ٩٢، والإمامة والسياسة ٢: ٩٦، والفخرى ص ١٢٨) ٥٢٥ - كتاب نصر إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ولما يئس نصر بن سيّار من إنجاد مروان، كتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمدّه، ويسأله النّصرة على عدوه، وضمّن كتابه أبياتا من الشعر وهى: أبلغ يزيد (وخير القول أصدقه ... وقد تبيّنت أن لا خير فى الكذب) بأنّ أرض خراسان رأيت بها ... بيضا لو افرخ قد حدّثت بالعجب فراخ عامين، إلا أنّها كبرت ... لمّا يطرن وقد سربلن بالزّعب (١) فإن يطرن ولم يحتل لهنّ بها ... يلهبن نيران حرب أيّما لهب فلم يجبه يزيد، وتشاغل بدفع فتن العراق. (مروج الذهب ٢: ٢٠٣، وتاريخ الطبرى ٩: ٩٢) ٥٢٦ - كتب من أبى مسلم إلى قحطبة بن شبيب وكتب بين نصر بن سيار ومروان بن محمد وابن هبيرة ومضى أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرو الذى كان ينزله عمّال خراسان، (وذلك لتسع خلون من جمادى الأولى سنة ١٣٠ هـ) وهرب نصر بن سيار عن مرو. ثم كتب أبو مسلم إلى قحطبة بن شبيب يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار ومن لجأ إليه من أهل خراسان، فزحف إليه، واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل تميم بن نصر فى المعركة، وقتل معه منهم مقتلة عظيمة، واستبيح عسكرهم.

стр. 1042

وكتب أبو مسلم إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصر بن سيّار- وكان قد نزل بنيسابور- فلما بلغه ذلك ارتحل هاربا حتى نزل قومس، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده. وكتب نصر وهو نازل فى قومس إلى ابن هبيرة يستمدّه وهو بواسط، مع ناس من وجوه أهل خراسان يعظم الأمر عليه، فحبس بن هبيرة رسله، فكتب نصر إلى مروان: «إنى وجّهت إلى ابن هبيرة قوما من وجوه أهل خراسان، ليعلموه أمر الناس من قبلنا، وسألته المدد، فاحتبس رسلى ولم يمدّنى بأحد، وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره، فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فناء». فكتب مروان إلى ابن هبيرة أن يمدّ نصرا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، وكتب إلى ابن هبيرة «يسأله أن يعجّل إليه الجند، فإنّ أهل خراسان قد كذبتهم حتى ما رجل منهم يصدّق لى قولا، فأمدّنى بعشرة آلاف قبل أن تمدّنى بمائة ألف ثم لا تغنى شيئا». وتفرق عن نصر أصحابه فسار من قومس إلى نباتة بن حنظلة عامل ابن هبيرة على جرجان، وأقبل قحطبة إلى جرجان، فنزل بإزاء نباتة، وأهل الشأم فى عدّة لم ير الناس مثلها، فلما رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه، وبلغ قحطبة، فقام فيهم خطيبا وحضّهم على الثبات. وورد إلى قحطبة كتاب أبى مسلم: «من أبى مسلم إلى قحطبة، بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فناهض عدوّك، فإن الله ناصرك، فإذا ظهرت عليهم فأثخن فى القتل». فالتقوا فى مستهلّ ذى الحجّة سنة ١٣٠ هـ، وصبر بعضهم لبعض، فقتل نباتة،

стр. 1043

وانهزم أهل الشأم وقتل منهم عشرة آلاف، وبعث قحطبة إلى أبى مسلم برأس نباتة وابنه حيّة. وسار نصر بن سيار حتى أتى الرّىّ، وخرج عنها، فنزل «ساوة» بين همذان والرّىّ، فمات بها كمدا فى ربيع الأول سنة ١٣١ هـ. (تاريخ الطبرى ٩: ٩٨، ١١٢) ٥٢٧ - كتاب نصر إلى مروان ولما خرج نصر بن سيّار عن خراسان، وصار بين خراسان والرّىّ، كتب كتابا إلى مروان يذكر فيه خروجه عن خراسان، وأن هذا الأمر الذى أزعجه سينمو حتى يملأ البلاد، وضمّن ذلك أبياتا من الشعر وهى: إنّا وما نكتم من أمرنا ... كالثّور إذ قرّب للنّاخع (١) أو كالتى يحسبها أهلها ... عذراء بكرا وهى فى التاسع كنا نرفّيها، فقد مزّقت ... واتّسع الخرق على الراقع (٢) كالثّوب إذ أنهج فيه البلى ... أعيا على ذى الحيلة الصانع (٣) فلم يستتمّ مروان قراءة هذا الكتاب حتى مثل أصحابه بين يديه ممن كان قد وكّل بالطريق، وقد جاءوه برسول من خراسان معه كتاب من أبى مسلم إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره فيه خبره وما آل إليه أمره، فلما تأمّل مروان كتاب أبى مسلم، قال للرسول: لا ترع، كم دفع لك صاحبك؟ قال: كذا وكذا، قال: فهذه عشرة آلاف درهم لك، وإنما دفع إليك شيئا يسيرا، وامض بهذا الكتاب إلى إبراهيم، ولا تعلمه بشىء مما جرى، وخذ جوابه فأتنى به، ففعل الرسول ذلك، فتأمل مروان

стр. 1044

جواب إبراهيم إلى أبى مسلم بخطّه: يأمره فيه بالجد والاجتهاد، والحيلة على عدوه، وغير ذلك من أمره ونهيه، وكان فيه أبيات من الرّجز منها: دونك أمرا قد بدت أشراطه ... إن السبيل واضح صراطه * لم يبق إلا السيف واختراطه (١) * فاحتبس مروان الرسول، وكتب إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك، وهو على دمشق: يأمره أن يكتب إلى عامل البلقاء (٢) فيسير إلى الحميمة، ليأخذ إبراهيم ابن محمد، فيشدّه وثاقا، ويبعث به إليه فى خيل كثيفة، وحمل إبراهيم بن محمد إلى الوليد، فحمله إلى مروان، فقرّره بما كان من أمره مع أبى مسلم، فأنكر، فقال له مروان: يا منافق: أليس هذا كتابك إلى أبى مسلم جوابا عن كتابه إليك؟ وأخرج إليه الرسول، وقال: أتعرف هذا؟ فلما رأى ذلك إبراهيم أمسك وعلم أنه أتى من مأمنه، وأمر به مروان فحبس شهرين فى حرّان (٣). ثم دخل عليه السجن جماعة من موالى مروان من العجم وغيرهم فقتلوه سنة ١٣٢ هـ (٤). (مروج الذهب ٢: ٢٠٤)

стр. 1045

٥٢٨ - كتاب عبد الحميد عن مروان إلى أبى مسلم الخراسانى وذكروا أن عبد الحميد بن يحيى كتب عن مروان بن محمد إلى أبى مسلم الخراسانىّ كتابا حمل على جمل لكبر حجمه- وقيل: إنه لم يكن فى الطول إلى هذه الغاية، وقد حمل على جمل تعظيما لأمره- وقد نفث فيه حواشى صدره، وضمّنه غرائب عجره وبجره (١)، وضمّنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبى مسلم، وقال لمروان: قد كتبت كبتابا متى قرأه بطل تدبيره، فإن نجع (٢) فذاك، وإلا فالهلاك، ويقال: إن أول الكتاب كان: «لو أراد الله بالنملة صلاحا لما أنبت لها جناحا». ٥٢٩ - رد أبى مسلم عليه فلما ورد الكتاب على أبى مسلم، لم يقرأه، وأمر بنار فأحرقه بها، وكتب على جذاذة (٣) منه إلى مروان: محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة ... يهون عليها العتب من كل عاتب (٤) وردّه، فأيس الناس من معالجته. (سرح العيون ص ١٦٣، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣١٣، ونهاية الأرب ٧: ٢٥٤)

стр. 1046

٥٣٠ - من رسالة لعبد الحميد عن مروان ولعبد الحميد من رسالة كتب بها عن مروان لفرق العرب، حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد قائمين بالدولة العباسية: «فلا تمكنّوا ناصية الدولة العربية، من يد الفئة العجمية، واثبتوا ريثما تنجلى هذه الغمرة (١)، ونصحو من هذه السّكرة، فسينضب (٢) السّيل، وتمحى آية اللّيل، والله مع الصابرين، والعاقبة للمتقين». وجاء فى سرح العيون: وكتب يعرّض بشعار بنى العباس الأسود من رسالة: «فرويدا حتى ينضب السيل، وتمحى آية الليل». (رسائل البلغاء ص ١٧٢، وسرح العيون ص ١٦٤) ٥٣١ - كتاب عبد الحميد إلى أهله وكتب عبد الحميد من رسالة إلى أهله وهو منهزم مع مروان: «أما بعد: فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، فمن ساعده الحظّ فيها سكن إليها، ومن عضّته بنابها ذمّها ساخطا عليها، وشكاها مستزيدا (٣) لها، وقد كانت إذا قتنا أفاويق (٤) استحليناها، ثم جمحت (٥) بنا نافرة، ورمحتنا مولّية، فملح عذبها، وخشن ليّنها، فأبعدتنا عن الأوطان، وفرّقتنا عن الإخوان،

стр. 1047

قالدار نازحة (١) والطير بارحة (٢)، وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا، وإليكم وجدا، فإن تتمّ البليّة إلى أقصى مدّتها، يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم، نرجع إليكم بذلّ الإسار (٣)، والذلّ شرّ جار، نسأل الله الذى يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة، فى دار آمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان، فإنه رب العالمين، وأرحم الراحمين (٤)». (سرح العيون ص ١٦٥) ٥٣٢ - كتاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه كتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب إلى بعض إخوانه: «أما بعد، فقد عاقنى الشّكّ فى أمرك عن عزيمة الرأى فيك، وذلك أنك

стр. 1048

ابتدأتنى بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتنى جفاء عن غير جريرة (١)، فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وآيسنى (٢) آخرك من وفائك، فلا أنا فى اليوم (٣) مجمع لك اطّراحا، ولا أنا فى غد وانتظاره منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأى فى أمرك عن عزيمة الشك فيك (٤)، فاجتمعنا (٥) على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام». (البيان والتبيين ٢: ٤١، وزهر الآداب ١: ٩٨، والعقد الفريد ٢: ١٩٤، وغرر الخصائص الواضحة ٤٧٠) ٥٣٣ - كتابه إلى أبى مسلم الخراسانى وكتب من الحبس إلى أبى مسلم صاحب الدعوة (٦). «من الأسير فى يديه، بلا ذنب إليه، ولا خلاف عليه، أمّا بعد، فآتاك الله

стр. 1049

حفظ الوصيّة (١)، ومنحك نصيحة الرّعيّة، وألهمك عدل القضيّة (٢)، فإنّك مستودع الودائع، ومولى الصّنائع (٣)، فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك، فالودائع عاريّة، والصنائع مرعيّة، وما النّعم عليك وعلينا فيك بمنزور (٤) نداها، ولا بمبلوغ مداها فنبّه للتفكير قلبك، واتّق الله ربّك، وأعط من نفسك من هو تحتك ما تحبّ أن يعطيك من هو فوقك، من العدل والرّأفة والأمن من المخافة. فقد أنعم الله عليك بأن فوّض أمرنا إليك، فاعرف لنا لين شكر المودّة، واغتفار مسّ الشّدة، والرّضا بما رضيت، والقناعة بما هويت، فإنّ علينا من سمك (٥) الحديد وثقله أذى شديدا مع معالجة الأغلال، وقلّة رحمة العمّال، الذين تسهيلهم الغلظة، وتيسيرهم الفظاظة، وإيرادهم علينا الغموم، وتوجيههم إلينا الهموم، زيارتهم الحراسة، وبشارتهم الإياسة، فإليك بعد الله نرفع كربة الشّكوى، ونشكو شدة البلوى، فمتى تمل إلينا طرفا، وتولنا منك عطفا، تجد عندنا نصحا صريحا، وودّا صحيحا، لا يضيّع مثلك مثله،

стр. 1050

ولا ينفى مثلك أهله، فارع حرمة من أدركت بحرمته، واعرف حجّة من فلجت (١) بحجّته فإن الناس من حوضك رواء (٢)، ونحن منه ظماء، يمشون فى الأبراد ونحن نحجل فى الأقياد (٣)، بعد الخير والسّعة، والخفض والدّعة، والله المستعان، وعليه التّكلان، صريخ (٤) الأخيار، منجّى الأبرار، الناس من دولتنا فى رخاء، ونحن منها فى بلاء، حين أمن الخائفون، ورجع الهاربون، رزقنا الله منك التّحنّن، وظاهر علينا من التمنّن، فإنك أمين مستودع، ورائد مصطفى (٥)، والسلام ورحمة الله» (البيان والتبيين ٢: ٤٢، والأغانى ١١: ٧١)

стр. 1051

التوقيعات معاوية كتب عبد الله بن عامر (١) إلى معاوية فى أمر عاتبه فيه، فوقّع فى أسفل كتابه: «بيت أميّة فى الجاهلية أشرف من بيت حبيب فى الإسلام، فأنت تراه». ووقّع فى كتاب عبد الله بن عامر يسأله أن يقطعه مالا بالطائف: «عش رجبا تر عجبا (٢)». وكتب زياد إلى معاوية يخبره بطعن عبد الله بن عباس فى خلافته (٣)، فوقع فى كتابه: «إن أبا سفيان وأبا الفضل (٤) كانا فى الجاهلية فى مسلاخ (٥) واحد، وذلك حلف (٦) لا يحلّه سوء رأيك».

стр. 1052

وكتب إليه ربيعة بن عسل اليربوعى يسأله أن يعينه فى بناء داره بالبصرة باثنى عشر ألف جذع: «أدارك فى البصرة أم البصرة فى دارك؟ ». ووقّع معاوية: «نحن الزمان: من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع». وكتب إليه الحسن بن على رضى الله عنهما كتابا أغلظ له فيه القول، فوقّع إليه: «ليت طول حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك». وكتب زياد إلى سعيد بن العاص يخطب إليه، فوقع فى كتابه: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى». يزيد بن معاوية وكتب مسلم بن عقبة المرّى إلى يزيد بالذى صنع بأهل الحرّة، فوقّع فى أسفل كتابه: «فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ». وكتب عبد الله بن جعفر إلى يزيد يستوهبه جماعة من أهل المدينة، فوقع إليه: «من عرفت فهو آمن». وكتب إليه يسأله أن يقضى عنه ذمام نفر من بطانته وخاصّته، فوقع فى كتابه: «احكم لهم بآمالهم إلى منتهى آجالهم»، فحكم لهم بتسعمائة ألف فأجازها. ووقّع فى كتاب مسلم بن زياد عامله على خراسان، وقد استبطأه فى الخراج. «قليل العقاب يحكم مرائر الأسباب، وكثيرة يقطع أواخى الانتساب (١)».

стр. 1053

ووقع إلى عبد الرحمن بن زياد وهو عامله على خراسان: «القرابة واشجة، والأفعال متباينة، فخذ لرحمك من فعلك (١)». وإلى عبيد الله بن زياد: «أنت أحد أعضاء ابن عمك، فاحرص أن تكون كلّها». عبد الملك بن مروان ووقع عبد الملك بن مروان فى كتاب أتاه من الحجاج يشكو إليه نفرا من بنى هاشم ويحرضه على قتلهم: «جنّبنى دماء بنى عبد المطلب، فليس فيها شفاء من الطّلب (٢)». وكتب إليه الحجاج يخبره بسوء طاعة أهل العراق، وما يقاسى منهم، ويستأذنه فى قتل أشرافهم، فوقع له: «إن من يمن السائس أن يأتلف به المختلفون، ومن شؤمه أن يختلف به المؤتلفون». وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشكو إليه أهل العراق، فوقّع: «ارفق بهم، فإنه لا يكون مع الرفق ما تكره، ومع الخرق ما تحب». ووقع إليه فى أهل السّواد: «أبق لهم لحوما، يعقدوا بها شحوما». ووقع فى كتاب متنصّح (٣): «إن كنت صادقا أثبناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أقلناك». ووقع فى كتاب الحجاج يخبره بقوّة ابن الأشعث: «بضعفك قوى، وبخوفك خلع».

стр. 1054

ووقع فى كتاب ابن الأشعث: «فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا، وينوى من سفاهته كسرى» (١) ووقع أيضا فى كتاب: «كيف يرجون سقاطى بعد ما ... شمل الرأس مشيب وصلع؟ » (٢) الوليد بن عبد الملك وكتب الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك لمّا بلغه أنه خرق (٣) فيما خلّف له عبد الملك، ينكر ذلك عليه ويعرّفه أنه غير صواب، فوقع فى كتابه: «لأجمعنّ المال جمع من يعيش أبدا، ولأفرّقنّه تفريق من يموت غدا». ووقع إلى عمر بن عبد العزيز: «قد رأب الله بك الداء، وأوذم بك السّقاء (٤)». سليمان بن عبد الملك وكتب قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبد الملك يتهدّده بالخلع، فوقع فى كتابه: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع (٥) ووقّع فى كتابه أيضا: «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» *. ووقّع إلى قتيبة أيضا جواب وعيده: «وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً».

стр. 1055

وكتب مسلمة بن عبد الملك إلى أخيه سليمان من الصّائفة (١) بما كان منه من حسن الأثر فى بلاد الروم، فوقع فى كتابه: «ذلك بالله لا بمسلمة». عمر بن عبد العزيز وقال صاحب العقد: كتب بعض العمال إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه فى مرمّة مدينته فوقع أسفل كتابه: «ابنها بالعدل، ونقّ طرقها من الظلم (٢)». ووقع إلى بعض عماله فى مثل ذلك: «حصّنها ونفسك بتقوى الله». وقال الثعالبى فى خاصّ الخاص: كتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز يخبره أنها احتاجت إلى حصن، فوقّع: «حصّنها بالعدل والسلام». *** وإلى رجل ولّاه الصّدقات، وكان دميما فعدل وأحسن: «ولا أقول للّذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا». وكتب إليه صاحب العراق يخبره عن سوء طاعة أهلها، فوقع له: «ارض لهم ما ترضى لنفسك، وخذ بجرائمهم بعد ذلك».
следующие страницы →