← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

محاسن الأمور والمعرفة بمساوئها، ولكن أنصت لمحدّثك، وأرعه سمعك، حتى يعلم أنك قد فهمت حديثه، وأحطت معرفة بقوله، فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته وبعد علم بطلبته، وإلّا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعلّل (١) من حديثه بالتبسّم والإغضاء، فأجزى (٢) عليك الجواب، وقطع عنك ألسن العتب. إياك وأن يظهر منك تبرّم بطول مجلسك، وتضجّر ممّن حضرك، وعليك بالتثبّت عند سورة الغضب، وحميّة الأنف، وملال الصبر فى الأمر تستعجل به، ولعمل تأمر بإنفاذه، فإن ذلك سخف شائن (٣)، وخفّة مردية، وجهالة بادية، وعليك بثبوت المنطق، ووقار المجلس، وسكون الريح، والرفض لحشو الكلام، والترك لفضوله، والإغرام (٤) بالزيادات فى منطقك، والترديد للفظك من نحو: اسمع، وافهم عنى، ويا هناه (٥)، وألا ترى. أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصّرة بأهل العقل، الشائنة لذوى الحجا فى المنطق (٦)، المنسوبة إليهم بالعىّ، المردية لهم فى الذّكر. وخصال من معايب الملوك، والسّوقة عنها غبيّة النظر (٧) إلّا من عرفها من أهل الأدب، وقلّما حامل لها، مضطلع (٨) بها، صابر على ثقلها، آخذ لنفسه

стр. 982

بجوامعها، فانفها عن نفسك بالتحفظ منها، واملك عليها اعتيادك (١) إياها معتنيا بها، منها كثرة التنخّم والتبصّق والتنخّع والثّؤباء والتمطّى والجشاء وتحريك القدم وتنقيض الأصابع والعبث بالوجه واللحية والشارب والمخصرة وذؤابة السيف، والإيماض بالنظر والإشارة بالطّرف إلى أحد من خدمك بأمر إن أردته، والسّرار فى مجلسك، والاستعجال فى طعمك وشربك، وليكن طعمك متّدعا (٢)، وشربك أنفاسا، وجرعك مصّا، وإياك والتسرع إلى الأيمان فيما صغر أو كبر من الأمور، والشتيمة بقول: يا هناه (٣)، أو الغميزة (٤) لأحد من خدمك وخاصّتك، بتسويغهم مقارفة الفسوق بحيث محضرك أو دارك وفناؤك، فإن ذلك كله مما يقبح ذكره، ويسوء موقع القول فيه، وتحمل عليك معايبه، وينالك شينه، وينشر عنك سوء نبئه، فاعرف ذلك متوقّيا له، واحذره مجانبا لسوء عاقبته. استكثر من فوائد الخير، فإنها تنشر المحمدة، وتقيل العثرة، واصطبر على كظم الغيظ، فإنه يورث الراحة (٥)، ويؤمّن الساحة، وتعهّد العامّة بمعرفة دخلهم، وتبطّن (٦) أحوالهم، واستثارة دفائنهم، حتى تكون منها على مرأى العين، ويقين الخبرة، فتنعش عديمهم، وتجبر كسيرهم، وتقيم أودهم، وتعلّم جاهلهم، وتستصلح

стр. 983

فاسدهم، فإن ذلك من فعلك بهم يورثك العزّة، ويقدّمك فى الفضل، ويبقى لك لسان صدق فى العاقبة (١)، ويحرز لك ثواب الآخرة، ويردّ عليك عواطفهم المستنفرة منك، وقلوبهم المتنحيّة (٢) عنك. قس (٣) بين منازل أهل الفضل فى الدين والحجا والرأى والعقل والتدبير والصّيت فى العامة، وبين منازل أهل النّقص فى طبقات الفضل وأحواله، والخمول عند مباهاة النسب (٤)، وانظر بصحبة أيّهم تنال من مودّته الجميل، وتستجمع لك أقاويل العامّة على التفضيل، وتبلغ درجة الشرف فى أحوالك المتصرّفة بك، فاعتمد عليهم مدخلا لهم فى أمرك، وآثرهم بمجالستك لهم مستمعا منهم، وإياك وتضييعهم مفرّطا، وإهمالهم مضيّعا. هذه جوامع خصال قد لخّصها لك أمير المؤمنين مفسّرا، وجمع لك شواذّها (٥) مؤلّفا، وأهداها إليك مرشدا، فقف عند أوامرها، وتناه عن زواجرها، وتثبّت فى مجامعها، وخذ بوثائق عراها، تسلم من معاطب الرّدى، وتنل أنفس الحظوظ، ورغيب (٦) الشرف، وأعلى درج الذّكر، وتؤثّل سطوة العز (٧)، والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع المزيد، وبلوغ الأمل، وأن يجعل عاقبة ذلك بك إلى غبطة يسوّغك إياها، وعافية يحلّك أكنافها، ونعمة يلهمك شكرها، فإنه الموفّق للخير، والمعين على الإرشاد، منه تمام الصالحات، وهو مؤتى الحسنات، عنده مفاتيح الخير وبيده الملك، وهو على كل شىء قدير.

стр. 984

فإذا أفضيت نحو عدوّك، واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل دعامتك التى تلجأ إليها، وثقتك التى تأمل النجاة بها، وركنك الذى ترتجى به منالة الظفر، وتكتهف (١) به لمعالق الحذر، تقوى الله ، مستشعرا لها بمراقبته، والاعتصام بطاعته، متّبعا لأموه، مجتنبا لسخطه، محتذيا سنّته، والتوقّى لمعاصيه فى تعطيل حدوده، وتعدّى شرائعه، متوكّلا عليه فيما صمدت (٢) له، واثقا بنصره فيما توجّهت نحوه، متبرّئا من الحول والقوة فيما نالك من ظفر، وتلقّاك من عز، راغبا فيما أهاب (٣) بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد، ورمى بك إليه، محمود الصبر فيه عند الله من قتال عدوّ الله للمسلمين، أكلبه (٤) عليهم، وأظهره عداوة لهم، وأفدحه ثقلا لعامّتهم، وآخذه بربقهم (٥)، وأعلاه عليهم بغيا، وأظهره فيهم فسقا وجورا، وأشدّه على فيئهم الذى أصاره الله لهم (٦) وفتحه عليهم مئونة وكلّا (٧) والله المستعان عليهم، والمستنصر على جماعتهم، عليه يتوكل أمير المؤمنين، وإياه يستصرخ عليهم، وإليه يفوّض أمره، وكفى بالله وليّا وناصرا ومعينا، وهو القوى العزيز. ثم خذ من معك من تبّاعك (٨) وجندك بكفّ معرّتهم، وردّ مستعلى جورهم (٩)، وإحكام خللهم، وضمّ منتشر قواصيهم، ولمّ شعث أطرافهم،

стр. 985

وخذهم (١) بمن مرّوا به من أهل ذمتك وملّتك بحسن السّيرة، وعفّة الطّعمة، ودعة الوقار، وهدى الدّعة، وجمام (٢) النفس، محكما ذلك منهم، متفقّدا لهم فيه تفقّدك إياه من نفسك. ثم اصمد (٣) لعدوّك المتسمّى بالإسلام خارجا من جماعة أهله، المنتحل ولاية الدين مستحلّا لدماء أوليائه، طاعنا عليهم، راغبا عن سنّتهم، مفارقا لشرائعهم، ببغيهم الغوائل، وينصب (٤) لهم المكايد، أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم، وأطلب لغرّات فرصهم من التّرك (٥) وأمم الشّرك وطواغى الملل، يدعو إلى المعصية والفرقة والمروق من دين الله إلى الفتنة، مخترعا بهواه للأديان المنتحلة، والبدع المتفرّقة، خسارا وتخسيرا، وضلالا وإضلالا، بغير هدى من الله ولا بيان، ساء ما كسبت يداه، وما الله بظلّام للعبيد، وساء ما سوّلت له نفسه الأمّارة بالسوء، والله من ورائه بالمرصاد، وسيعلم الّذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون. حصّن (٦) جندك، واشكم نفسك بطاعة الله فى مجاهدة أعدائه، وارج نصره، وتنجّز موعوده، متقدّما فى طلب ثوابه على جهادهم، معتزما فى ابتغاء الوسيلة إليه على لقائهم، فإنّ طاعتك إياه فيهم، ومراقبتك له، ورجاءك نصره، مسهّل لك وعوره (٧)، وعاصمك من كل سبّة (٨)، ومنجيك من كل هوّة، وناعشك (٩) من كل صرعة، ومقيلك من كل كبوة، ودارئ (١٠) عنك كلّ شبهة، ومذهب عنك لطخة

стр. 986

كلّ شك، ومقوّيك بكل أيد (١) ومكيدة، ومعزّك فى كل معترك (٢) قتال، ومؤيّدك فى كل مجمع لقاء، وكالؤك عند كلّ فتنة مغشية (٣)، وحافظك (٤) من كل شبهة مردية، والله وليّك وولىّ أمير المؤمنين فيك، والمستخلف على جندك ومن معك (٥). اعلم أن الظّفر ظفران: أحدهما- وهو أعمّ منفعة، وأبلغ فى حسن الذكر قالة، وأحوطه سلامة وأتمّه عافية، وأعوده (٦) عاقبة، وأحسن فى الأمور موردا، وأعلاه فى الفضل (٧) شرفا، وأصحّه فى الرويّة (٨) حزما، وأسلمه عند العامّة مصدرا- ما نيل بسلامة الجنود، وحسن الحيلة، ولطف المكيدة، ويمن النّقيبة (٩)، واستنزال طاعة ذوى الصّدوف (١٠) بغير إخطار (١١) الجيوش فى وقدة جمرة الحرب، ومنازلة (١٢) الفرسان فى معترك الموت، وإن ساعدك الحظّ، ونالك مزيّة السعادة فى الشرف، ففى مخاطرة التّلف مكروه المصائب، وعضاض السيوف، وألم الجراح، وقصاص الحروب وسجالها (١٣) بمغاورة أبطالها، على أنك لا تدرى لأىّ الفريقين

стр. 987

يكون الظفر فى البديهة، ومن المغلوب يالدّولة (١)؟ ولعلك أن تكون المطلوب بالتمحيص، فحاول إصابة أبلغهما فى سلامة جندك ورعيّتك، وأشهرهما صيتا فى بدوّ تدبيرك ورأيك (٢)، وأجمعهما لألفة وليّك وعدوّك، وأعونهما على صلاح رعيّتك وأهل ملتك، وأقواهما شكيمة فى حزمك، وأبعدهما من وصم عزمك، وأعلقهما بزمام النجاة فى آخرتك (٣)، وأجزلهما ثوابا عند ربك، وابدأ بالإعذار إلى عدوك، والدّعاء لهم إلى مراجعة الطاعة، وأمر الجماعة، وعزّ (٤) الألفة، آخذا بالحجة عليهم، متقدما بالإنذار لهم، باسطا أمانك لمن لجأ إليك منهم، داعيا لهم بألين لفظك (٥)، وألطف حيلك، متعطّفا برأفتك عليهم، مترفّقا بهم فى دعائك، ومشفقا عليهم من غلبة الغواية لهم، وإحاطة الهلكة بهم، منفذا رسلك إليهم بعد الإنذار، تعدهم إعطاء كل رغبة يهشّ إليها طمعهم فى موافقة الحق، وبسط كلّ أمان سألوه لأنفسهم ومن معهم ومن تبعهم، موطّنا نفسك فيما تبسط لهم من ذلك على الوفاء بوعدك، والصبر على ما أعطيتهم من وثائق عهدك، قابلا توبة نازعهم (٦) عن الضلالة، ومراجعة مسيئهم إلى الطاعة، مرصدا للمنحاز إلى فئة المسلمين وجماعتهم إجابة إلى ما دعوته إليه، وبصّرته إياه من حقّك وطاعتك، بفضل المنزلة، وإكرام المثوى، وتشريف الجاه (٧) وليظهر من أثرك عليه وإحسانك إليه ما يرغب فى مثله الصّادف عنك، المصرّ على خلافك ومعصيتك، ويدعو إلى الاعتلاق بحبل النجاة، وما هو أملك به فى الاعتصام عاجلا، وأنجى له من العقاب آجلا، وأحوط على دينه ومهجته بدءا وعاقبة، فإن ذلك مما تستدعى به من الله نصره عليهم، وتعتضد (٨) به فى تقدمة الحجّة إليهم، معذرا ومنذرا إن شاء الله.

стр. 988

ثم أذك (١) عيونك على عدوّك، متطلعّا لعلم أحوالهم التى يتقلّبون فيها، ومنازلهم التى هم بها، ومطامعهم التى قد مدّوا أعناقهم نحوها، وأىّ الأمور أدعى لهم إلى الصلح، وأقودها لرضاهم إلى العافية، وأسهلها لاستنزال طاعتهم (٢)، ومن أىّ الوجوه مأتاهم. أمن قبل الشدة والمنافرة والمكيدة والمباعدة والإرهاب والإيعاد، أو الترغيب والإطماع؟ متثبّتا (٣) فى أمرك، متخيّرا فى رويّتك، مستمكنا من رأيك، مستشيرا لذوى النصيحة، الذين قد حنّكتهم السّنّ، وخبطتهم التجربة (٤)، ونجذّتهم (٥) الحروب، متشزّنا (٦) فى حربك، آخذا بالحزم فى سوء الظن، معدّا للحذر، محترسا من الغرّة، كأنك- فى مسيرك كلّه ونزولك أجمع (٧) - مواقف لعدوك رأى عين، تنتظر حملاتهم، وتتخوّف كرّاتهم (٨)، معدّا أقوى مكايدك، وأوهب عتادك (٩)، وأنكأ جدّك، وأجدّ تشميرك، معظّما أمر عدوك لأعظم مما بلغك، حذرا يكاد يفرط، لتعدّ له من الاحتراس عظيما، ومن المكيدة قويا، من غير أن يفتأك (١٠) ذلك عن إحكام أمورك، وتدبير رأيك، وإصدار رويتك، والتأهب لما يحزبك (١١)، مصغّرا له بعد استشعار الحذر، واضطمار (١٢) الحزم، وإعمال الرويّة، وإعداد الأهبة، فإن ألفيت عدوّك كليل

стр. 989

الحدّ، وقم الحزم (١)، نضيض (٢) الوفر، لم يضرّك ما اعتددت له من قوة، وأخذت له من حزم، ولم يزدك ذلك إلا جرأة عليه، وتسرّعا إلى لقائه، وإن ألفيته متوقّد الجمر (٣) مستكثف الجمع، قوىّ التّبع، مستعلى سورة الجهل، معه من أعوان الفتنة وتبع إبليس من يوقد لهب الفتنة مسعّرا، ويتقدم إلى لقاء أبطالها متسرّعا، كنت لأخذك بالحزم، واستعدادك بالقوة، غير مهين الجند، ولا مفرّط فى الرأى، ولا متلّهف على إضاعة تدبير، ولا محتاج إلى الإعداد، وعجلة التأهّب مبادرة تدهشك، وخوفا يقلقك، ومتى تغترّ بترقيق المرقّقين (٤)، وتأخذ بالهوينى فى أمر عدوك لتصغير المصغّرين، ينتشر عليك رأيك، ويكون فيه انتقاض (٥) أمرك، ووهن تدبيرك، وإهمال الحزم فى جندك، وتضييع له، وهو ممكن الإصحار، رحب المطلب، قوى العمصة، فسيح المضطرب، مع ما يدخل رعيّتك من الاغترار والغفلة عن إحكام أحراسهم (٦)، وضبط مراكزهم، لما يرون فيه من استنامتك (٧) إلى الغرّة، وركونك إلى الأمن، وتهاونك بالتدبير، فيعود ذلك عليك فى انتشار الأطراف، وضياع الأحكام، ودخول الوهن، بما لا يستقال محذوره، ولا يدفع مخوفه. احفظ من عيونك وجواسيسك ما يأتونك به من أخبار عدوّك، وإياك ومعاقبة أحد منهم على خبر إن أتاك به اتّهمته فيه، أو سؤت به ظنا، وأتاك غيره بخلافه، أو أن تكذّبه فيه فتردّه عليه، ولعله أن يكون قد محضك النصيحة وصدقك الخبر،

стр. 990

وكذبك الأول، أو خرج جاسوسك الأول متقدما قبل وصول هذا من عند عدوك. وقد أبرموا لك أمرا، وحاولوا لك مكيدة، وأرادوا (١) منك غرّة، فازدلفوا (٢) إليك فى الأهبة، ثم انتقض بهم رأيهم، واختلف عنهم جماعتهم، فأوردوا (٣) رأيا، وأحدثوا مكيدة، وأظهروا قوة، وضربوا موعدا، وأمّوا مسلكا لمدد (٤) أتاهم، أو قوة حدثت لهم، أو بصيرة فى ضلالة شغلتهم، فالأحوال بهم متنقّلة فى الساعات، وطوارق الحادثات، ولكن البسهم (٥) جميعا على الانتصاح، وارضخ لهم المطامع (٦) فإنك لن تستعبدهم بمثلها، وعدهم جزالة المثاوب (٧) فى غير ما استنامة منك إلى ترقيقهم أمر عدوك، والاغترار إلى ما يأتونك (٨) به، دون أن تعمل رويّتك فى الأخذ بالحزم، والاستكثار من العدّة، واجعلهم أوثق من تقدر عليه، وآمن من تسكن إلى ناحيته، ليكون ما يبرم عدوّك فى كل يوم وليلة عندك، إن استطعت ذلك، فتنقض عليهم برأيك وتدبيرك ما أبرموا (٩)، وتأتيهم من حيث أمنوا (١٠) وتأخذ لهم أهبة ما عليه أقدموا (١١)، وتستعد لهم بمثل ما حذروا. واعلم أن جواسيسك وعيونك ربّما صدقوك، وربما غشوك، وربما كانوا لك وعليك، فنصحوا لك وغشوا عدوك، وغشوك ونصحوا عدوك، وكثيرا ما يصدقونك ويصدقونه، فلا تبدرنّ منك فرطة عقوبة إلى أحد منهم، ولا تعجل بسوء الظن

стр. 991

إلى من اتّهمته على ذلك، واستنزل نصائحهم بالمياحة والمنالة (١)، وابسط من آمالهم فيك، من غير أن ترى أحدا منهم أنك أخذت من قوله أخذ العامل به والمتّبع له، أو عملت على رأيه عمل الصادر عنه، أو رددته عليه ردّ المكذّب به، المتهم له، المستخفّ بما أتاك منه فتفسد بذلك نصيحته، وتستدعى غشّه، وتجترّ عداوته، واحذر أن يعرفوا فى عسكرك، أو يشار إليهم بالأصابع. وليكن منزلهم على كاتب رسائلك. وأمين سرّك. ويكون هو الموجّه لهم. والمدخل عليك من أردت مشافهته منهم. واعلم أن لعدوّك فى عسكرك عيونا راصدة. وجواسيس كامنة (٢). وأنه لن يقع رأيه عن مكيدتك بمثل ما تكايده (٣) به، ويحتال لك كاحتيالك له. ويعدّ لك كإعدادك له فيما تزاوله منه. ويحاولك كمحاولتك إياه فيما تقارعه عنه (٤). فاحذر أن يشهر رجل من جواسيسك فى عسكرك. فيبلغ ذلك عدوّك. ويعرف موضعه. فيعدّ له المراصد. ويحتال له بالمكايد، فإن ظفر به فأظهر عقوبته. كسر ذلك ثقات عيونك وخذلهم (٥) عن تطلّب الأخبار من معادنها. واستقصائها من عيونها واستعذاب اجتنائها من ينابيعها (٦). حتى يصيروا إلى أخذها مما عرض (٧) من غير الثّقة ولا المعاينة لقطا لها (٨) بالأخبار الكاذبة. والأحاديث المرجفة. واحذر أن يعرف بعض عيونك بعضا، فإنك لا تأمن تواطؤهم عليك، وممالأتهم (٩)

стр. 992

عدوّك، واجتماعهم على غشك، وتطابقهم على كذبك، وإصفاقهم (١) على خيانتك، وأن يورّط بعضهم بعضا عند عدوك، فأحكم أمرهم فإنهم رأس مكيدتك، وقوام تدبيرك، وعليهم مدار حربك، وهو أول ظفرك، فاعمل على حسب ذلك، وحيث رجاؤك (٢) به، تنل أملك من عدوك، وقوتك على قتاله، واحتيالك لإصابة غرّاته (٣) وانتهاز فرصه إن شاء الله. فإذا أحكمت ذلك وتقدّمت فى إتقانه، واستظهرت بالله وعونه، فولّ شرطتك وأمر عسكرك أوثق قوّادك عندك، وأظهرهم (٤) نصيحة، وأنفذهم بصيرة فى طاعتك، وأقواهم شكيمة فى أمرك، وأمضاهم صريمة (٥)، وأصدقهم عفافا، وأجزأهم غناء (٦)، وأكفاهم أمانة، وأصحّهم ضميرا، وأرضاهم فى العامة دينا، وأحمدهم عند الجماعة (٧) خلقا، وأعطفهم على كافّتهم رأفة، وأحسنهم لهم نظرا، وأشدّهم فى دين الله وحقّه صلابة، ثم فوّض إليه مقوّيا له، وابسط من أمله، مظهرا عنه الرضا، حامدا منه الابتلاء، وليكن عالما بمراكز الجنود، بصيرا بتقدّم المنازل، مجرّبا، ذا رأى وتجربة وحزم فى المكيدة، له نباهة فى الذّكر، وصيت فى الولاية، معروف البيت، مشهور الحسب، وتقدّم إليه فى ضبط معسكره، وإذ كاء أحراسه فى آناء ليله ونهاره، ثمّ حذّره أن يكون منه إذن لجنوده فى الانتشار والاضطراب والتقدم لطلائعك (٨)، فتصاب لهم غرّة يجترئ بها عدوّك عليك، ويسرع إقداما إليك، ويكسر من إياد (٩) جندك،

стр. 993

ويوهن من قوتهم، فإن إصابة (١) عدوّك الرجل الواحد من جندك وعبيدك مطمع لهم فيك، مقوّ لهم على شحذ أتباعهم عليك، وتصغيرهم أمرك، وتوهينهم تدبيرك، فحذّره ذلك وتقدّم إليه فيه، ولا يكونن منه إفراط فى التضييق عليهم، والحصر لهم، فيعمّهم أزله (٢)، ويشملهم ضنكه، ويسوء عليه حالهم (٣)، وتشتد به المؤنة عليهم، وتخبث له ظنونهم، وليكن موضع إنزاله إياهم ضامّا لجماعتهم، مستديرا بهم جامعا لهم (٤)، ولا يكون منبسطا منتشرا متبدّدا، فيشق ذلك على أصحاب الأحراس، وتكون فيه النّهزة (٥) للعدو، والبعد من المادّة، إن طرق طارق فى فجآت الليل وبغتاته، وأوعز إليه فى أحراسه، وتقدّم (٦) إليه فيهم كأشدّ التقدّم، وأبلغ الإيعاز، ومره فليولّ عليهم رجلا ركينا مجرّبا جرئ الإفدام ذاكى (٧) الصّرامة، جلد الجوارح، بصيرا بمواضع أحراسه. غير مصانع ولا مشفّع للناس فى التنحى إلى الرفاهية والسّعة وتقدّم العسكر أو التأخر عنه. فإن ذلك مما يضعف الوالى ويوهنه لاستنامته إلى من ولّاه ذلك. وأمنه به على جيشه. واعلم أنّ مواضع الأحراس من معسكرك. ومكانها من جندك. بحيث الغناء والردّ عليهم، والحفظ لهم. والكلاءة لمن بغتهم طارقا. أو أرادهم مخاتلا. ومراصدها المنسلّ منها. والآبق (٨) من أرقّائهم وأعبدهم. وحفظها من العيون والجواسيس من عدوهم. واحذر أن تضرب على يديه أو تشكمه عن الصّرامة بمؤامرتك (٩) فى كل

стр. 994

أمر حادث وطارئ. إلا فى المهمّ النازل والحدث العام. فإنك إذا فعلت ذلك به، دعوته إلى نصحك. واستوليت على محض (١) ضميره فى طاعتك. وأجهد نفسه فى تزيينك (٢). وأعمل رأيه فى بلوغ موافقتك وإعانتك (٣). وكان ثقتك وردأك (٤) وقوتك ودعامتك. وتفرغت أنت لمكايدة عدوك. مريحا نفسك من همّ ذلك والعناية به. ملقيا عنك مؤنة باهظة. وكلفة (٥) فادحة. إن شاء الله. ثم اعلم أن القضاء من الله بمكان ليس به شىء من الأحكام: ولا بمثل (٦) محلّه أحد من الولاة. لما يجرى على يديه من مغاليظ الأحكام ومجارى الحدود. فليكن من تولّيه القضاء فى عسكرك من ذوى الخير فى القناعة والعفاف والنّزاهة والفهم والوقار والعصمة والورع. والبصر بوجوه القضايا ومواقعها. قد حنّكته السن. وأيّدته (٧) التجربة. وأحكمته الأمور. ممن لا يتصنّع للولاية. ويستعدّ للنّهزة وبجترئ على المحاباة فى الحكم. والمداهنة فى القضاء. عدل الأمانة. عفيف الطّعمة (٨). حسن الإنصات (٩) فهم القلب. ورع الضمير. متخشّع السّمت (١٠). بادى (١١) الوقار. محتسبا (١٢) للخير. ثم أجر عليه ما يكفيه ويسعه ويصلحه، وفرّغه لما حمّلته وأعنه على ما ولّيته، فإنك قد عرّصته لهلكة الدنيا وبوار (١٣) الآخرة، أو شرف العاجلة وحظوة الآجلة، إن حسنت نيّته، وصدقت رويته، وصحّت سريرته، وسلّط حكم الله على رعيته، مطلقا عنانه (١٤)، منفّذا قضاء الله فى خلقه؛ عاملا بسنّته فى شرائعه، آخذا بحدوده

стр. 995

وفرائضه، واعلم أنه من جندك ومعسكرك بحيث ولايتك وفى الموضع الجارية أحكامه (١) عليهم، النافذة أقضيته بينهم، فاعرف من توليه ذلك وتسنده إليه إن شاء الله. ثم تقدّم فى طلائعك، فإنها أول مكيدتك، ورأس حربك، ودعامة أمرك، فانتخب لها من كل قادة وصحابة: رجالا ذوى نجدة وبأس، وصرامة وخبرة، حماة كفاة، قد صلوا (٢) بالحرب، وتذاوقوا سجالها، وشربوا مرار كئوسها، وتجرّعوا غصص درّتها (٣) وزبنتهم (٤) بتكرار عواطفها، وحملتهم على أصعب مراكبها، وذللّتهم بثقاف أودها (٥)، ثم انتقهم (٦) على عينك، واعرض كراعهم (٧) بنفسك، وتوخّ فى انتقائك ظهور الجلد، وشهامة الخلق، وكمال الآلة (٨)، وإياك أن تقبل من دوابهم إلا إناث الخيول مهلوبة (٩)، فإنها أسرع طلبا وأنجى مهربا، وألين معطفا (١٠)، وأبعد فى اللّحوق غاية، وأصبر فى معترك الأبطال إقداما، وخذهم (١١) من السلاح بأبدان الدّروع، ماذيّة الحديد، شاكّة (١٢) النّسج، متقاربة الحلق، متلاحمة المسامير وأسوق الحديد، مموّهة الرّكب، محكمة الطّبع (١٣)، خفيفة الصّوغ،

стр. 996

وسواعد طبعها هندىّ، وصوغها فارسىّ، رقاق المعاطف بأكفّ وافية (١)، وعمل محكم، ويلق (٢) البيض مذهبة ومجرّدة، فارسيّة الصّوغ، خالصة الجوهر، سابغة (٣) الملبس، واقية الجنن (٤)، مستديرة الطّبع، مبهمة السّرد (٥)، وافية الوزن، كتريك (٦) النعام فى الصّنعة، واستدارة التّقبيب، واستواء الصّوغ (٧) معلمة بأصناف الحرير وألوان الصّبغ، فإنها أهيب لعدوهم، وأفتّ (٨) لأعضاد من لقيهم، والمعلم (٩) مخشىّ محذور له بديهة رادعة (١٠)، وهيبة هائلة (١١)، معهم السيوف الهندية، وذكور (١٢) البيض اليمانية، رقاق الشّفرات، مسمومة الشحذ غير كليلة الحدّ (١٣)، مشطّبة الضرائب (١٤)، معتدلة الجواهر، صافية الصفائح، لم يدخلها وهن الطبع، ولا عابها أمت (١٥) الصّوغ،

стр. 997

ولا شانها خفّة الوزن، ولا فدح حاملها بهور (١) الثّقل، قد أشرعوا لدن القنا (٢)، طوال الهوادى؛ مقوّمات الأود (٣)، زرق الأسنّة، مستوية الثّعالب (٤)، وميضها متوقّد، وسنخها (٥) متلهب، معاقص عقدها منحوتة (٦)، ووصوم (٧) أودها مقوّمة، وأحباسها مختلفة، وكعوبها جعدة (٨)، وعقدها حبكة (٩)، شطبة الأسنان (١٠)، محكمة الجلاء (١١)، مموّهة الأطراف، مستحدة الجنبات، دقاق الأطراف، ليس فيها التواء أود، ولا أمت وصم؛ ولا بها مسقط عيب، ولا عنها وقوع أمنيّة، مستحقى (١٢) كنائن النّبل وقسىّ الشّوحط والنّبع، أعرابيّة التّعقيب (١٣)، روميّة النّصول، مسمومة

стр. 998

الصّوغ، ولتكن سهامها على خمس قبضات سوى النّصول (١)، فإنها أبلغ فى الغاية، وأنفذ فى الدروع، وأشكّ (٢) فى الحديد، سامطين حقائبهم على متون خيولهم، مستخفّين من الآلة والأمتعة والزاد، إلّا ما لا غناء بهم عنه. واحذر أن تكل مباشرة عرضهم وانتخابهم إلى أحد من أعوانك أو كتّابك فإنك إن وكلته إليهم أضعت مواضع الحزم، وفرّطت حيث الرأى، ووقفت دون عزم الروية (٣)، ودخل عملك ضياع الوهن، وخلص إليك عيب المحاباة، وناله فساد المداهنة، وغلب عليه من لا يصلح أن يكون طليعة للمسلمين، ولا عدّة ولا حصنا يدّرئون به، ويكتهفون بموضعه (٤). واعلم أن الطلائع حصون المسلمين وعيونهم، وهم أول مكيدتك، وعروة أمرك، وزمام حربك، فليكن اعتناؤك بهم وانتقاؤك إياهم (٥) بحيث هم من مهمّ عملك، ومكيدة حربك، ثم انتخب للولاية عليهم رجلا بعيد الصّوت (٦)، مشهور الاسم، ظاهر الفضل (٧)، نبيه الذّكر، له فى العدوّ وقعات معروفات، وأيام طوال وصولات متقدّمات، قد عرفت نكايته، وحذرت شوكته، وهيب صوته، وتنكّب لقاؤه، أمين السّريرة، ناصح الجيب (٨)، قد بلوت منه ما يسكنك إلى ناحيته، من لين الطّاعة (٩)، وخالص المودّة، ونكاية (١٠) الصّرامة، وغلوب الشّهامة، واستحماع القوة، وحصافة التدبير، ثم تقدّم إليه فى حسن

стр. 999

سياستهم، واستنزال طاعتهم، واجتلاب مودتهم، واستعذاب (١) ضمائرهم، وأجر عليهم وعليه أرزاقا تسعهم، وتمد من أطماعهم، سوى أرزاقهم فى العامة، فإن ذلك من القوة لك عليهم، والاستنامة إلى ما قبلهم. واعلم أنهم فى أهمّ الأماكن لك، وأعظمها غناء عنك وعمّن معك، وأقمعها كبتا لمحادّك، وأشجاها غيظا لعدوك (٢)، ومن يكن فى الثقة، والجلد، والبأس، والطاعة، والقوة، والنصيحة، والعدّة والنّجدة، حيث وصف لك أمير المؤمنين وأمرك (٣) به، يضع عنك مئونة الهمّ، ويرخ من خناقك (٤) روع الخوف، وتلتجئ إلى أمر منيع (٥)، وظهر قوى، ورأى حازم، تأمن به فجآت عدوك، وغرّات بغتاتهم، وطوارق أحدائهم (٦)، ويصير إليك علم أحوالهم ومتقدمات خيولهم، فانتخبهم رأى عين، وقوّهم بما يصلحهم من المنالات والأطماع والأرزاق، واجعلهم منك بالمنزل الذى هم به من محارز علاقتك (٧)، وحصانة كهوفك، وقوة سيّارة عسكرك. وإياك أن تدخل فيهم أحدا بشفاعة، أو تحتمله على هوادة، أو تقدّمه لأثرة، أو أن يكون مع أحد منهم بغل نفل (٨)، أو أفضل من ظهر، أو ثقل فادح، فتشتد عليهم مؤنة أنفسهم، ويدخلهم كلال السّآمة فيما يعالجون من أثقالهم، ويشتغلون به عن عدوهم، إن دهمهم منه رائع (٩)، أو فجأهم منه طليعة، فتفقّد ذلك محكما له،

стр. 1000

وتقدّم فيه آخذا بالحزم فى إمضائه، أرشدك الله لإصابة الحظ، ووفّقك ليمن التدبير، وقصد بك لأسهل الرأى وأعوده نفعا فى العاجل والآجل، وأكبته لعدوك وأشجاه لهم، وأردعه لعاديتهم (١). ولّ درّاجة (٢) عسكرك وإخراج أهله إلى مصافّهم ومراكزهم رجلا من أهل بيوتات الشرف، محمود الخبرة، معروف النجدة، ذا سنّ وتجربة، ليّن الطاعة، قديم النصيحة، مأمون السريرة، له بصيرة فى الحق نافذة تقدّمه، ونيّة صادقة عن الإدهان (٣) تحجزه، واضمم إليه عدّة نفر من ثقات جندك وذوى أسنانهم يكونون شرطة معه، ثم تقدّم إليه فى إخراج المصافّ، وإقامة الأحراس، وإذ كاء العيون، وحفظ الأطراف، وشدة الحذر، ومره فليضع القواد بأنفسهم مع أصحابهم فى مصافّهم، كلّ قائد بإزاء موضعه، وحيث منزله، قد شدّ (٤) ما بينه وبين صاحبه بالرّماح (٥) شارعة، والتّراس موضونة (٦) والرجال راصدة، ذاكية الأحراس، وجلة الرّوع، خائفة طوارق العدو وبياته (٧)، ثم مره فليخرج كلّ ليلة قائدا فى أصحابه أو عدّة منهم إن كانوا كثيرا، على غلوة (٨) أو غلوتين من عسكرك، منتبذا (٩) عنك، محيطا بمنزلك، ذاكية أحراسه، قلقة التّردّد، مفرطة الحذر، معدّة للرّوع، متأهّبة للقتال، آخذة على أطراف العسكر ونواحيه، متفرقين فى اختلافهم كردوسا كردوسا (١٠)، يستقبل بعضهم بعضا فى الاختلاف، ويكسع تال (١١) متقدّما فى التردد

стр. 1001

واجعل ذلك بين قوادك وأهل عسكرك نوبا معروفة، وحصصا مفروضة، لا تعر (١) منها مزدلفا منك بمودّة، ولا تتحامل فيه على أحد بموجدة، إن شاء الله تعالى. فوّض إلى أمراء أجنادك وقوّاد خيلك أمور أصحابهم، والأخذ على قافية (٢) أيديهم، رياضة منك لهم على السمع والطاعة لأمرائهم، والاتباع لأمرهم، والوقوف عند نهيهم، وتقدّم إلى أمراء الأجناد فى النوائب التى ألزمتهم إياها، والأعمال التى استنجدتهم لها، والأسلحة والكراع التى كتبتها عليهم، واحذر اعتلال أحد من قوادك عليك بما يحول بينك وبين تأديب جندك، وتقويمهم لطاعتك، وقمعهم عن الإخلال بمراكزهم لشىء مما وكّلوا به من أعمالهم، فإن ذلك مفسدة للجند، مفثأة للقوّاد عن الجد والإيثار للمناصحة (٣)، والتقدم فى الأحكام. واعلم أن فى استخفافهم بقوادهم، وتضييعهم أمر رؤسائهم، دخولا للضّياع على أعمالك، واستخفافا بأمرك الذى يأتمرون به، ورأيك الذى ترتئى، وأوعز إلى القّوّاد أن لا يقدم أحد منهم على عقوبة أحد من أصحابه إلّا عقوبة تأديب وتقويم ميل، وتثقيف أود، فأمّا عقوبة تبلغ تلف المهج وإقامة حدّ فى قطع، أو إفراط فى ضرب، أو أخذ مال، أو عقوبة فى شعر (٤)، فلا يليّن ذلك من جندك أحد غيرك، أو صاحب شرطتك، بأمرك، وعن رأيك، وإذنك، ومتى لم تذلّل الجند لقوادهم؟ وتضرعهم (٥) لأمرائهم، توجب عليك لهم الحجّة بتضييع- إن كان منهم- لأمرك، أو خلل- إن تهاونوا به- من عملك، أو عجز- إن فرط منهم- فى شىء وكلّتهم به أو أسندته إليهم، ولا تجد إلى الإقدام عليهم باللوم وعضّ العقوبة مجازا

стр. 1002

تصل به إلى تعنيفهم، بتفريطك فى تذليل أصحابهم لهم، وإفسادك إياهم عليك وعليهم، فانظر فى ذلك نظرا محكما، وتقدّم فيه برفقك تقدّما بليغا، وإياك أن يدخل حزمك وهن، أو يشوب عزمك إيثار، أو يخلط رأيك ضياع، والله يستودع أمير المؤمنين نفسك ودينك (١). إذا كنت من عدوك على مسافة دانية، وسنن (٢) لقاء مختصر، وكان من عسكرك مقتربا، قد شامت (٣) طلائعك مقدّمات ضلالته، وحماة فتنته، فتأهّب أهبة المناجز، وأعدّ إعداد الحذر، وكتّب خيولك، وعبّ جنودك، وإياك والمسير إلا فى مقدّمة وميمنة وميسرة وساقة (٤)، قد شهروا الأسلحة، ونشروا البنود (٥) والأعلام، وعرّف جندك مراكزهم سائرين تحت ألويتهم، قد أخذوا أهبة القتال، واستعدوا للّقاء، ملتجئين (٦) إلى مواقفهم، عارفين بمواضعهم فى مسيرهم ومعسكرهم، وليكن ترحّلهم وتنزّلهم على راياتهم وأعلامهم ومراكزهم، قد عرّف كلّ قائد منهم أصحابه مواقفهم، من الميمنة والميسرة والقلب والسّافة والطّليعة، لازمين لها، غير مخلّين بما استنجدتهم له، ولا متهاونين بما أهبت بهم إليه، حتى تكون عساكرك فى كل منهل تصل إليه، ومسافة تجتازها (٧)، كأنها عسكر واحد فى اجتماعها على العدوّ وأخذها بالحزم، ومسيرها على راياتها، ونزولها على مراكزها، ومعرفتها بمواضعها، إن أضلّت دابة موضعها، عرف أهل العسكر: من أى المراكز هى؟ ومن صاحبها؟ وفى أى المحل حلوله منها؟ فردّت إليه هداية معروفة بسمت صاحب قيادتها (٨)، فإن

стр. 1003

تقدّمك فى ذلك، وإحكامك له، طارح عن جندك مئونة الطلب، وعناية المعرفة، وابتغاء الضّالّة. ثم اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك فى نفسك صرامة ونفاذا، ورضا فى العامة، وإنصافا من نفسه للرعية، وأخذا بالحق فى المعدلة، مستشعرا تقوى الله وطاعته، آخذا بهديك وأدبك، واقفا عند أمرك ونهيك، معتزما على مناصحتك وتزيينك، نظيرا لك فى الحال، وشبيها بك فى الشّرف، وعديلا فى الموضع، ومقاربا فى الصّيت (١)، ثم أكثف (٢) معه الجمع، وأيّده بالقوة، وقوّة بالظهر، وأعنه بالأموال، واعمده (٣) بالصلاح، ومره بالعطف على ذوى الضعف من جندك، ومن أزحفت (٤) به دابته، وأصابته نكبة من مرض أو رجلة (٥) أو آفة، من غير أن يأذن لأحد منهم فى التنحّى عن عسكره، أو التخلّف بعد ترحّله، إلا لمجهود سقما، أو لمطروق بآفة جائحة، ثم تقدّم إليه محذّرا، ومره زاجرا، وانهه مغلظا، فى الشدة على من مرّ به منصرفا عن معسكرك من جندك بغير جوازك، شادّا لهم أسرا، وموقرهم (٦) حديدا، ومعاقبهم موجعا، وموجّههم إليك فتنهكهم (٧) عقوبة، وتجعلهم لغيرهم من جندك عظة. واعلم أنه إن لم يكن بذلك الموضع من تسكن إليه، واثقا بنصيحته، عارفا ببصيرته (٨)، قد بلوت منه أمانة تسكنك إليه، وصرامة تؤمنك مهانته، ونفاذا فى أمرك يرخى عنك خناق الخوف فى إضاعته، لم يأمن أمير المؤمنين تسلل الجند عنك

стр. 1004

لواذا (١)، ورفضهم مراكزهم، وإخلالهم بمواضعهم، وتخلّفهم عن أعمالهم، آمنين تغيير ذلك عليهم، والشدة على من اجترمه (٢) منهم، فأوشك ذلك فى وهنك، وخذل من قوتك، وقلّل من كثرتك. اجعل خلف ساقتك رجلا من وجوه قوّادك، جليدا ماضيا، عفيفا صارما، شهم الرأى، شديد الحذر، شكيم القوة، غير مداهن فى عقوبة، ولا مهين (٣) فى قوة، فى خمسين فارسا من خيلك، يحشر إليك جندك، ويلحق بك من يتخلّف عنك، بعد الإبلاغ فى عقوبتهم، والنّهك لهم، والتنكيل بهم، وليكن بعقوتك (٤) فى المنزل الذى ترتحل عنه، والمنهل الذى تتقوّض منه، مفرطا فى النقض له، والتتبع لمن تخلف عنك به، مشتدا فى أهل المنزل وساكنه بالتقدّم، موعزا إليهم فى إزعاج الجند عن منازلهم وإخراجهم من مكامنهم، وإيعاد العقوبة الموجعة والنّكال المبسل (٥) فى الأشعار والأبشار، واستصفاء الأموال، وهدم العقار، لمن آوى منهم أحدا، أو ستر موضعه، وأخفى محلّه، وحذّره عقوبتك إياه فى الترخيص لأحد، والمحاباة لذى قرابة والاختصاص بذلك لذى أثرة وهوادة، وليكن فرسانه منتخبين فى القوة، معروفين بالنجدة، عليهم سوابغ الدروع، دونها شعار الحشو وجبب الاستجنان (٦)، متقلدين سيوفهم، سامطين كنائنهم، مستعدّين لهيج أن يبدههم، أو كمين أن يظهر لهم وإياك أن تقبل فى دوابهم إلا فرسا قويا، أو برذونا وثيجا (٧)، فإن ذلك من أقوى القوة

стр. 1005

لهم، وأعون الظهير (١) على عدوهم، إن شاء الله. ليكن رحيلك إبّانا (٢) واحدا، ووقتا معلوما، لتخفّ المئونة بذلك على جندك، ويعلموا أوان رحيلهم، فيقدّموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم، وأعلاف دوابّهم، وتسكن أفئدتهم إلى الوقت الذى وقفوا عليه. ويطمئن ذوو الرأى (٣) إلى إبان الرحيل ومتى يكن رحيلك مختلفا، تعظم المؤنة عليك وعلى جندك، ويخلّوا بمراكزهم (٤)، ولا يزال ذوو السّفه والنّزق يترحّلون بالإرجاف (٥)، وينزلون بالتوهّم، حتى لا ينتفع ذو رأى بنوم ولا طمأنينة. إياك أن تظهر استقلالا، أو تنادى (٦) برحيل من منزل تكون فيه، حتى تأمر صاحب تعبئتك بالوقوف بأصحابه على معسكرك، أخذا بفوّهة جنبتيه (٧) بأسلحتهم، عدّة لأمر إن حضر، أو مفاجأة من طليعة للعدو إن رأت منكم نهزة، أو لمحت عندكم غرّة، ثم مر الناس بالرحيل، وخيلك واقفة، وأهبتك معدّة، وجنّتك واقية، حتى إذا استقللتم (٨) من معسكركم، وتوجّهتم من منزلكم، سرتم على تعبيتكم، بسكون ريح، وهدوّ حملة، وحسن دعة. فإذا انتهيت إلى منهل أردت نزوله، أو هممت بالمعسكر به، فإياك ونزوله إلا بعد العلم بأهله، والمعرفة بمرافقه، ومر صاحب طليعتك أن يعرف (٩) لك أحواله، ويستثير لك علم دفينه، ويستبطن علم أموره، ثم ينهيها إليك على ما صارت إليه لتعلم: كيف احتماله لعسكرك؟ وكيف ماؤه وأعلافه (١٠)، وكيف موضع عسكرك منه؟ وهل لك

стр. 1006

- إن أردت مقاما به، أو مطاولة عدوك ومكايدته فيه- قوة تحملك، ومدد يأتيه، فإنك إن لم تفعل ذلك لم تأمن أن تهجم على منزل يعجزك ويزعجك منه ضيق مكانه، وقلة مياهه، وانقطاع موادّه، إن أردت بعدوك مكيدة، أو احتجت من أمرهم إلى مطاولة، فإن ارتحلت منه كنت غرضا لعدوك؛ ولم تجد إلى المحاربة والأخطار سبيلا، وإن أقمت به أقمت على مشقة وحصر، وفى أزل وضيق، فاعرف ذلك وتقدّم فيه. فإذا أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التى وكّلت بالناس (١)، فوقفت خيله، متنحّية من معسكرك، عدّة لأمر إن غالك (٢)، ومفزعا لبديهة إن راعتك، فقد أمنت بحمد الله وقوته (٣) فجأة عدوك، وعرفت موقعها من حرزك (٤)، حتى يأخذ الناس منازلهم، وتوضع الأثقال مواضعها، ويأتيك خبر طلائعك، وتخرج دبّابتك (٥) من معسكرك درّاجة ودبّابا (٦) محيطين بعسكرك، وعدّة لك إن احتجت إليهم؛ وليكن دبّاب جندك أهل جلد وقوة، قائدا أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم، فى كل ليلة ويوم، نوبا بينهم، فإذا غربت الشمس، ووجب (٧) نورها، أخرج إليهم صاحب تعبئتك أبدا لهم، عسسا بالليل فى أقرب من مواضع دبّابى النهار، يتعاور ذلك قوادك جميعا، بلا محاباة لأحد منهم فيه ولا إدهان إن شاء الله. إياك أن يكون منزلك إلا فى خندق وحصن تأمن به بيات عدوك، وتستنيم فيه إلى الحزم من مكيدتك، إذا وضعت الأثقال، وحطّت أبنية أهل العسكر، لم يمدد طنب (٨)، ولم يرفع خباء، ولم ينصب بناء، حتى تقطع لكل قائد ذرعا معلوما من

стр. 1007

الأرض بقدر أصحابه، فيحتفروه عليهم خندقا، يطيفونه بعد ذلك بخنادق الحسك (١)، طارحين لها دون اشتجار الرماح (٢)، ونصب التّرسة، لها بابان قد وكّلت بحفظ كل باب منهما رجلا من قوادك، فى مائة رجل من أصحابه، فإذا فرغ من الخندق كان ذلك القائدان بمن معهما من أصحابهما أهل ذلك المركز، وموضع تلك الخيل، وكانوا هم البوابين والأحراس لذينك الموضعين (٣)، قد كفوهما وضبطوهما، وأعفيوا من أعمال العسكر ومكروهه غيرهما. واعلم أنك إذا كنت على خندق أمنت (٤) بإذن الله وقوته طوارق عدوّك وبغتاتهم، فإن راموا تلك منك، كنت قد أحكمت ذلك وأخذت بالحزم فيه، وتقدمت فى الإعداد له، ورتقت مخوف الفتق منه، وإن تكن العافية (٥) استحقبت حمد الله عليها، وارتبطت شكره بها، ولم يضررك أخذك بالحزم، لأن كل كلفة ونصب ومئونة إنفاق ومشقّة عمل، مع السّلامة، غنم وغير خطر بالعاقبة، إن شاء الله. فإن ابتليت ببيات عدوك، أو طرقك رائعا (٦) فى ليلك، فليلفك حذرا معدا مشمّرا عن ساقك، حاسرا عن ذراعك، متشزّنا لحربك، قد تقدّمت درّاجتك

стр. 1008

إلى مواضعها، على ما وصف (١) لك أمير المؤمنين ودبابتك فى أوقاتها التى قدّر لك، وطلائعك حيث أمرك، وجندك على ما عبّأ لك، قد خطرت عليهم بنفسك، وتقدّمت إلى جندك إن طرقهم طارق، أو فاجأهم عدو، ألّا يتكلّم أحد منهم رافعا صوته بالتكبير، مغرقا فى الإجلاب، معلنا بالإرهاب لأهل (٢) الناحية التى يقع بها العدوّ طارقا، وليشرعوا رماحهم مادّين (٣) لها فى وجوههم، ويرشقونهم بالنّبل مكتنّين (٤) بترستهم، لازمين لمراكزهم، غير مزيلى (٥) قدم عن موضعها، ولا متجاوزين (٦) إلى غير مركزهم، وليكبّروا ثلاث تكبيرات متواليات، وسائر الجند هادون، لتعرف موضع (٧) عدوك من معسكرك، فتمدّ أهل تلك الناحية بالرجال من أعوانك وشرطتك، ومن انتخبت قبل ذلك عدّة للشدائد بحضرتك، وتدسّ إليهم النشّاب والرماح. وإياك أن يشهروا سيفا يتجالدون به، وتقدّم إليهم أن لا يكون قتالهم فى تلك المواضع لمن طرقهم إلا بالرماح، مسندين لها إلى صدورهم، والنّشّاب راشقين به وجوههم، قد ألبدوا (٨) بالتّرسة، واستجنّوا بالبيض، وألقوا عليهم سوابغ الدروع وجباب الحشو، فإن صدّ العدو عنهم حاملين على ناحية أخرى، كبّر أهل تلك الناحية التى يقع فيها كفعل الناحية الأولى (٩)، وبقيّة العسكر سكوت، والناحية التى صدّ عنها العدو لازمة لمراكزها منتطقة الهدو، ساكنة الريح (١٠)، ثم عملت فى تقويتهم وإمدادهم بمثل صنيعك بإخوانهم.

стр. 1009

وإياك أن تخمد نار رواقك (١)، وإذا وقع العدو فى معسكرك، فأججها ساعرا لها، وأوقدها حطبا جزلا، يعرف بها أهل العسكر، مكانك وموضع رواقك، فيسكن نافر قلوبهم، ويقوى واهن قوتهم، ويشتدّ منخذل ظهورهم، ولا يرجمون بك الظنون، ويجعلون لك آراء السّوء ويرجفوون بك آناء الخوف (٢)، وذلك من فعلك رادّ عدوّك بغيظه، لم يستفلل منك ظفرا (٣)، ولم يبلغ من نكايتك سرورا إن شاء الله. فإن انصرف عنك عدوّك، ونكل عن الإصابة من جندك، وكانت بخيلك قوة على طلبه، أو كانت لك من فرسانك خيل معدّة، وكتيبة منتخبة، وقدرت أن تركب بهم أكساءهم (٤)، وتحملهم على سننهم، فأتبعهم جريدة (٥) خيل عليها الثقات من فرسانك، وأولو النجدة من حماتك، فإنك ترهق (٦) عدوك، وقد أمن بياتك، وشغل بكلاله عن التحرّز منك، والأخذ بأبواب معسكره، والضبط لمحارسه عليك موهنة حماتهم، لغبة (٧) أبطالهم. لما ألفوكم عليه من التّشمير والجد قد عقر (٨) الله فيهم. وأصاب منهم؛ وجرح من مقاتلتهم، وكسر من أمانىّ ضلالهم وردّ من مستعلى جماحهم. وتقدّم إلى من توجّهه فى طلبهم، وتتبعه أكساءهم، أن يكونوا وهم فى سكون الريح، وقلة الرّفث (٩)، وكثرة التسبيح والتهليل، واستنصار الله بقلوبهم

стр. 1010

وألسنتهم سرّا وجهرا، بلا لجب ضجّة، ولا ارتفاع ضوضاء، دون أن يردوا على مطلبهم، وينتهزوا فرصتهم، ثمّ ليشهروا السّلاح، وينتضوا السّيوف، فإنّ لها هيبة رائعة، وبديهة مخوفة، لا يقوم لها فى بهمة (١) الليل وحندسه إلا البطل المحارب، وذو البصيرة المحامى، والمستميت المقاتل، وقليل ما هم عند تلك الحميّة، وفى ذلك الموضع (٢). ليكن أول ما تتقدم به فى التهيؤ لعدوك، والاستعداد للقائه، انتخابك من فرسان عسكرك، وحماة جندك، ذوى البأس والحنكة، والجلد (٣)، والصّرامة ممن قد اعتاد طراد الكماة (٤)، وكشر (٥) عن ناجذه فى الحرب، وقام على ساق فى منازلة الأقران، ثقف الفروسية (٦)، مستجمع القوة، مستحصد المريرة (٧) صبورا على أهوال الليل، عارفا بمناهز الفرص، لم تمهنه (٨) الحنكة ضعفا، ولا بلغت به السن كلالا (٩) ولا أسكرته غرّة الحداثة جهلا، ولا أبطرته نجدة الأغمار (١٠) صلفا، جريئا على مخاطرة التلف، مقدما على ادّراع الموت، مكابرا لمرهوب (١١) الهول، متقحّما مخشىّ الحقوف، خائضا غمرات المهالك، برأى يؤيّده الحزم ونيّة لا يخالجها الشكّ، وأهواء مجتمعة، وقلوب مؤتلفة (١٢)، عارفين بفضل الطاعة وعزّها وشرفها، وحيث محلّ أهلها من التأييد والظفر والتمكين، ثم اعرضهم رأى عين على كراعهم وأسلحتهم، ولتكن دوابّهم إناث عتاق الخيل، وأسلحتهم سوابغ الدّروع وكمال آلة المحارب،

стр. 1011

متقلّدين سيوفهم المستخلصة من جيد الجوهر وصافى الحديد، المتخيّرة من معادن الأجناس، هنديّة الحديد أو تبّتيّة (١)، يمانية الطّبع، رقاق المضارب، مسمومة (٢) الشّحذ، مشطّبة الضريبة، ملبدين بالتّرسة الفارسية. صينيّة التعقيب، معلمة، المقابض بحلق الحديد، أنحاؤها مربّعة، ومخارزها بالتجليد مضاعفة، ومحملها (٣) مستخف، وكنائن النبل وجعاب القسىّ قد استحقبوها، وقسىّ الشّريان (٤) والنّبع، أعرابية الصنعة، مختلفة الأجناس، محكمة العمل، مقوّمة التثقيف (٥)، ونصول النبل مسمومة، وعملها مصّيصىّ (٦)، وتركيبها عراقىّ، وترييشها بدوىّ، مختلفة الصوغ فى الطبع، شتّى الأعمال فى التّشطيب والتجنيح والاستدارة (٧)، ولتكن الفارسية مقلوبة المقابض، منبسطة السّية (٨) سهلة الانعطاف، مقرّبة الانحناء، ممكنة الرمى، واسعة الأسهم، فرضها (٩) سهلة الورود، ومعاطفها غير مقتربة (١٠) المواتاة. ثم ولّ على كل مائة رجل منهم رجلا من أهل خاصّتك وثقاتك ونصحائك، له صيت فى الرياسة، وقدم فى السابقة، وأوّليّة فى المشايعة (١١)، وتقدّم إليه فى ضبطهم وكفّ معرّتهم (١٢)، واستنزال نصائحهم، واستعداد طاعتهم، واستخلاص ضمائرهم، وتعاهد كراعهم وأسلحتهم، معفيا لهم من النوائب التى تلزم أهل العسكر وعامة

стр. 1012

جندك، واجعلهم عدّة لأمر إن حزبك (١) أو طارق إن أتاك (٢). ومرهم أن يكونوا على أهبة معدّة، وحذر ناف لسنة الغفلة عنهم (٣)، فإنك لا تدرى: أىّ الساعات من ليلك ونهارك تكون إليهم حاجتك؟ فليكونوا كرجل واحد فى التّشمير والتّرادف (٤) وسرعة الإجابة فإنك عسيت أن لا تجد عند جماعة جندك فى مثل تلك الرّوعة والمباغتة- إن احتجت إلى ذلك منهم- معونة كافية. ولا أهبة معدّة. بل ذلك كذلك. فليكن هؤلاء القوم الذين تنتخب عدّتك. وقوّتك. بعوثا قد وظّفتها (٥) على القواد الذين ولّيتهم أمورهم. فسميّت أوّلا. وثانيا. وثالثا. ورابعا. وخامسا إلى عشرة: فإن اكتفيت فيما يبدهك ويطرقك ببعث واحد. كان معدّا لم تحتج إلى انتخابهم (٦) فى ساعتك تلك. فقطّع البعث عليهم عند ما يرهقك. وإن احتجت إلى اثنين أو ثلاثة وجّهت منهم إرادتك أوما ترى قوتك (٧). إن شاء الله. وكّل بخزائنك ودواوينك رجلا ناصحا أمينا (٨) ذا ورع حاجز. ودين فاضل. وطاعة خالصة. وأمانة صادقة (٩). واجعل معه خيلا يكون مسيرها ومنزلها وترحّلها مع خزائنك وحولها. وتقدّم إليه فى حفظها. والتوقّى (١٠) عليها. واتّهام كلّ من تسند إليه شيئا منها على إضاعته والتهاون به، والشدة على من دنا منها فى مسير، أو ضامّها فى منزل، أو خالطها فى منهل (١١)، وليكن عامّة الجند والجيش- إلا من استتخلصت (١٢) للمسير معها- متنحّين عنها، مجانبين لها فى المسير والمنزل، فإنه ربما كانت

стр. 1013

الجولة، وحدثت الفزعة، فإن لم يكن للخزائن ممّن يوكّل بها أهل حفظ لها وذبّ عنها. وحياطة دونها. وقوّة على من أراد انتهابها (١). أسرع الجند إليها. وتداعوا نحوها. حتى يكاد يترامى ذلك بهم إلى انتهاب العسكر. واضطراب الفتنة، فإن أهل الفتن وسوء السيرة كثير، وإنما همّتهم الشر، فإياك وأن يكون لأحد فى خزائنك ودواوينك وبيوت أموالك مطمع. أو يجد سبيلا إلى اغتيالها ومرزئتها (٢)، إن شاء الله. اعلم أن أحسن مكيدتك أثرا فى العامة. وأبعدها صيتا فى حسن القالة. ما نلت الظفر فيه بحزم الروية. وحسن السيرة (٣)، ولطف الحيلة، فلتكن رويّتك فى ذلك وحرصك على إصابته بالحيل، لا بالقتال وأخطار التلف، وادسس إلى عدوك، وكاتب رءوسهم وقادتهم، وعدهم المنالات، ومنّهم الولايات، وسوّغهم التّراث (٤) وضع عنهم الإحن (٥)، واقطع أعناقهم بالمطامع، واستدعهم بالمثاوب (٦) واملأ قلوبهم بالترهيب، إن أمكنتك منهم الدوائر، وأصارتهم (٧) إليك الرواجع وادعهم إلى الوثوب بصاحبهم أو اعتزاله إن لم يكن لهم بالوثوب عليه طاقة، ولا عليك (٨) أن تطرح إلى بعضهم كتبا كأنها جوابات كتب لهم إليك، وتكتب على ألسنتهم كتبا إليك تدفعها إليهم، وتحمل بها صاحبهم عليهم، وتسنزلهم عنده بمنزلة التّهمة ومحل الظّنة (٩) فلعلّ مكيدتك فى ذلك أن يكون فيها افتراق كلمتهم، وتشتيت جماعتهم، وإحن (١٠) قلوبهم، وسوء الظن من واليهم بهم، فيوحشهم منه خوفهم

стр. 1014

إياه على أنفسهم إذا أيقنوا باتهامه (١) إياهم، فإن بسط يده بقتلهم، وأولغ سيفه فى دمائهم، وأسرع الوثوب بهم، أشعرهم جميعا الخوف، وشملهم الرعب، ودعاهم إليك الهرب، فتهافتوا نحوك بالنصيحة، وأمّوك بالطلب (٢) وإن كان متأنّيا محتملا، رجوت أن تستميل إليك بعضهم، وتستدعى بالطمع ذوى الشّره (٣) منهم، وتنال بذلك ما تحبّ من أخبارهم إن شاء الله. إذا تدانى الصّفّان، وتواقف الجمعان، واحتضرت الحرب، وعبّأت أصحابك لقتال عدوهم، فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والتوكل على الله ، والتفويض إليه، ومسألته توفيقك وإرشادك، وأن يعزم لك على الرشد المنجى (٤)، والعصمة الكالئة، والحياطة الشاملة. ومر جندك بالصمت وقلة التلفّت عند المصاولة (٥)، وكثرة التكبير فى نفوسهم، والتسبيح بضمائرهم، وألّا يظهروا تكبيرا إلا فى الكرّات والحملات، وعند كل زلفة يزدلفونها، فأمّا وهم وقوف فإن ذلك من الفشل والجبن وليذكروا الله فى أنفسهم، ويسألوه نصرهم وإعزازهم (٦) وليكثروا من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله العلى العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا الباغى، واكفنا شوكته المستحدّة، وأيّدنا بملائكتك الغالبين، واعصمنا بعونك من الفشل والعجز، إنك أرحم الراحمين. وليكن فى عسكرك مكبّرون بالليل والنهار قبل المواقتة، وقوم موقوفون (٧) يحضّونهم على القتال، ويحرّضونهم على عدوهم، ويصفون لهم منازل الشهداء وثوابهم

стр. 1015

ويذكرونهم الجنة ودرجاتها، ونعيم أهلها (١) وسكانها، ويقولون: اذكروا الله يذكركم، واستنصروه ينصركم، والتجئوا إليه يمنعكم (٢)، وإن استطعت أن تكون أنت المباشر لتعبئة جندك، ووضعهم مواضعهم من راياتك (٣)، ومعك رجال من ثقات فرسانك ذوو سنّ وتجربة ونجدة على التعبئة التى أمير المؤمنين واصفها لك فى آخر كتابه هذا فافعل إن شاء الله تعالى. أيّدك الله بالنصر، وغلب لك على القوة، وأعانك على الرشد، وعصمك من الزّيغ، وأوجب لمن استشهد (٤) معك ثواب الشهداء، ومنازل الأصفياء، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب سنة تسع وعشرين ومائة (٥). (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٠١، وصبح الأعشى ١٠: ١٩٥، ومفتاح الأفكار ص ٢٣٠) ٥٠٦ - رسالة عبد الحميد إلى الكتاب وكتب عبد الحميد رسالة إلى الكتّاب يوصيهم فيها، قال: «أما بعد، حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفّقكم وأرشدكم، فإن الله جعل النّاس بعد الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن بعد الملوك المكرّمين، أصنافا، وإن كانوا فى الحقيقة سواء، وصرّفهم فى صنوف الصناعات وضروب المحاولات، إلى أسباب معايشهم (٦)، وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتّاب فى أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءة (٧) والعلم والرواية (٨)،

стр. 1016

بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم وتعمر بلادهم (١)، لا يستغنى الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التى بها يسمعون، وأبصارهم التى بها يبصرون، وألسنتهم التى بها ينطقون، وأيديهم التى بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصّكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه (٢) من النعمة عليكم. وليس أحد من أهل الصناعات كلّها، أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة، منكم أيّها الكتّاب إذا كنتم على ما يأتى فى هذا الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذى يثق به فى مهمات أموره. أن يكون حليما فى موضع الحلم، فهيما فى موضع الحكم، مقداما فى موضع الإقدام، محجاما فى موضع الإحجام، مؤثرا للعفاف، والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيّا عند الشدائد، عالما بما يأتى من النوازل، يضع الأمور مواضعها، والطوارق أماكنها، قد نظر فى كل فنّ من فنون العلم فأحكمه فإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفى به، يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته، ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره، فيعدّ لكل أمر عدّته وعتاده (٣)، ويهيّئ لكل وجه هيئته وعادته. فتنافسوا يا معشر الكتاب، فى صنوف الآداب، وتفقّهوا فى الدين؛ وابدوءوا بعلم كتاب الله والفرائض، ثم العربيّة، فإنها ثقاف (٤) ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط؛ فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسموا إليه هممكم، ولا تضيّعوا النظر فى الحساب، فإنه قوام كتّاب الخراج، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع:

стр. 1017

سنيّها (١) ودنيّها، وسفساف (٢) الأمور ومحاقرها، فإنها مذلّة للرّقاب، مفسدة للكتّاب، ونزّهوا صناعتكم عن الدّناءات (٣)، واربئوا (٤) بأنفسكم عن السّعاية والنميمة، وما فيه أهل الجهالات، وإياكم والكبر والصّلف (٥) والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة، وتحابّوا فى الله فى صناعتكم، وتواصوا عليها بالذى هو أليق بأهل الفضل والعدل والنّبل من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه، حتى يرجع إليه حاله، ويثوب (٦) إليه أمره، وإن أقعد أحدكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه. فزوروه وعظّموه، وشاوروه، واستظهروا (٧) بفضل تجربته، وقدم (٨) معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه، أحفظ (٩) منه على ولده وأخيه، فإن عرضت فى الشغل محمدة، فلا يضيفها (١٠) إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمّة فليحملها هو من دونه، وليحذر السّقطة والزّلّة، والملل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم معشر الكتاب. أسرع منه إلى الفراء. وهو لكم أفسد منه لها. فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه الرجل (١١) يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقّه. فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره. واحتماله وصبره (١٢). ونصيحته وكتمان سره، وتدبير أمره، ما هو جزاء لحقه، ويصدّق ذلك بفعاله (١٣) عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى مالديه. فاستشعروا ذلكم- وفّقكم الله- من أنفسكم فى حالة الرّخاء والشدة، والحرمان والمواساة والإحسان، والسّرّاء والضّرّاء، فنعمت الشّيمة هذه لمن وسم بها، من أهل

стр. 1018

هذه الصناعة الشريفة، فإذا ولّى الرجل منكم، أو صيّر إليه من أمر خلق الله وعياله أمر، فليراقب الله ، وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عيال الله، وأحبّهم إليه أرفقهم بعياله، ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفىء موفّرا، وللبلاد عامرا وللرّعية متألّفا، وعن إيذائهم متخلفا، وليكن فى مجلسه متواضعا حليما، وفى سجلّات خراجه، واستقضاء حقوقه رفيقا، وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه، فإذا عرف حسنها وقبيحها، أعانه على ما يوافقه من الحسن، واحتال لصرفه عما يهواه من القبيح، بألطف حيلة وأجمل وسيلة، وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها، التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا (١) لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا (٢) اتّقاها من قبل يديها، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها فى طريقها، فإن استمرت عطفها يسيرا، فيسلس له قيادها، وفى هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم، وجرّبهم (٣) وداخلهم. والكاتب بفضل أدبه، وشريف صنعته، ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره، ويفهم عنه أو يخاف سطوته، أولى بالرّفق بصاحبه، ومداراته، وتقويم أوده، من سائس البهيمة التى لا تحير (٤) جوابا، ولا تعرف صوابا، ولا تفهم خطابا، إلا بقدر ما يصيّرها إليه صاحبها الراكب عليها، ألا فأمعنوا (٥) - رحكم الله- فى النظر، وأعملوا فيه ما أمكنكم من الرويّة والفكر، تأمنوا (٦) بإذن الله ممن صحبتموه النّبوة، والاستثقال والجفوة، ويصير منكم إلى الموافقة، وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة، إن شاء الله تعالى.

стр. 1019

ولا يجاوزنّ الرجل منكم- فى هيئة مجلسه، وملبسه ومركبه، ومطعمه ومشربه، وبنائه (١)، وخدمه، وغير ذلك من فنون أمره- قدر حقه، فإنكم- مع ما فضّلكم الله به من شرف صنعتكم- خدمة لا تحملون فى خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير، واستعينوا على عفافكم بالقصد فى كل ما ذكرته لكم، وقصصته عليكم، واحذروا متالف السّرف، وسوء عاقبة التّرف، فإنهما يعقبان الفقر، ويذلّان الرقاب، ويفضحان أهلهما، ولا سيما الكتّاب وأرباب الآداب، وللأمور أشباه، وبعضها دليل على بعض، فاستدلّوا على مؤتنف (٢) أعمالكم، بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجّة، وأصدقها حجّة، وأحمدها عاقبة. واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهى الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته (٣)، فليقصد الرجل منكم فى مجلسه قصد الكافى من منطقه، وليوجز فى ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه، فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره، وليضرع إلى الله فى صلة توفيقه، وإمداده بتسديده، مخافة وقوعه فى الغلط المضرّ ببدنه وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظانّ، أو قال قائل: إن الذى برز من جميل صنعته، وقوة حركته، إنما هو بفضل حيلته، وحسن تدبيره، فقد تعرض بظنه (٤) أو مقالته إلى أن يكله الله إلى نفسه، فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمّله غير خاف. ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور، وأحمل لعبء التدبير، من مرافقه فى صناعته، ومصاحبه فى خدمته، فإن أعقل الرجلين عند ذوى الألباب، من رمى

стр. 1020

بالعجب وراء ظهره، ورأى أن صاحبه أعقل منه، وأحمد (١) فى طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جلّ ثناؤه، من غير اغترار برأيه، ولا تزكية لنفسه، ولا تكاثر على أخيه أو نظيره، وصاحبه وعشيره، وحمد الله واجب على الجميع، وذلك بالتواضع لعظمته، والتذلّل لعزّته، والتحدّث بنعمته. وأنا أقول فى كتابى هذا ما سبق به المثل: «من يلزم النصيحة (٢) يلزمه العمل» وهو جوهر هذا الكتاب، وغرّة كلامه، بعد الذى فيه من ذكر الله ، فلذلك جعلته آخره، وتمّمته به، تولّانا الله وإياكم يا معشر الطّلبة والكتبة، بما يتولّى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». (صبح الأعشى ١: ٨٥، ومقدمة ابن خلدون ص ٢٧٥، وكتاب الوزراء والكتاب ص ٧٠) ٥٠٧ - رسالة عبد الحميد فى الشطرنج «أما بعد: فإن الله شرع دينه بإنهاج (٣) سبله، وإيضاح معالمه بإظهار فرائضه، وبعث رسله إلى خلقه دلالة لهم على ربوبيّته، واحتجاجا عليهم برسالاته، وتقدّما إليهم بإنذاره ووعيده، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حىّ عن بيّنة، ثم ختم بنبيه ﷺ وحيه، وقفّى به رسله، وابتعثه لإحياء دينه الدارس (٤)، مرتضيا له على حين انطمست الأعلام مختفية، وتشتّتت السّبل متفرقة، وعفت آثار الدين دارسة، وسطع رهج (٥) الفتن، واعتلى قتام الظّلم، واستنهد (٦)
следующие страницы →