اليتامى ظلما، ولا تعثوا فى الأرض مفسدين، ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين، فكلّ خير يدنى إلى الجنة ويباعد عن النار أمركم به، وكلّ شرّ يدنى إلى النّار ويباعد عن الجنة نهاكم عنه.
فلمّا استكمل رسول الله ﷺ مدّته من الدنيا، توفّاه الله، وهو مشكور سعيه، مرضىّ عمله، مغفور له ذنبه، شريف عند الله نزله، فيا لها مصيبة خصّت الأقربين، وعمّت المسلمين، ما أصيبوا قبلها بمثلها، ولن يعاينوا بعدها أختها، فلما مضى لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده، فو الله ما كان يلقى فى روعى، ولا يخطر على بالى أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد عن أهل بيته، ولا أنهم منحّوه عنى من بعده، فما راعنى إلا انثيال الناس على أبى بكر، وإجفالهم (١) إليه ليبايعوه، فأمسكت يدى، ورأيت أنى أحقّ بمقام محمد فى الناس ممن تولّى الأمر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله، وملة محمد ﷺ ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما، يكون المصاب بهما علىّ أعظم من فوات ولاية أموركم، التى إنما هى متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها كما يزول السّراب، وكما يتقشّع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر فبايعته، ونهضت معه فى تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هى العليا، ولو كره الكافرون.
فتولّى أبو بكر رضى الله عنه تلك الأمور، فيسّر، وسدّد، وقارب، واقتصد، وصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، وما طمعت أن لو حدث به حادث، وأنا حىّ، أن يردّ إلىّ الأمر الذى نازعته فيه طمع مستيقن، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، ولولا خاصّة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنه لا يدفعها عنى.
стр. 492
فلما احتضر بعث إلى عمر، فولّاه، فسمعنا وأطعنا، وبايعنا، وناصحنا، وتولّى عمر الأمر، فكان مرضىّ السّيرة، ميمون النّقيبة (١) أيام حياته، حتى إذا احتضر قلت فى نفسى: لن يعد لها عنى، ليس يدافعنى عنها، فجعلها عمر شورى، وجعلنى سادس ستّة، فلما كانوا لو لاية أحد منهم أشدّ كراهة لو لايتى عليهم، لأنهم كانوا يسمعوننى عند وفاة رسول الله ﷺ وأنا أحاجّ أبا بكر فأقول: يا معشر قريش، إنا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا من يقرأ القرآن، ويعرف السّنّة، وبدين بدين الحق، فخشى القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم فى هذا الأمر نصيب ما بقوا، فأجمعوا إجماعا واحدا، فصرفوا الولاية عنى إلى عثمان، وأخرجونى منها، رجاء أن ينالوها ويتداولوها، إذ يئسوا أن ينالوها من قبلى، ثم قالوا لى: هلمّ فبايع عثمان وإلّا جاهدناك، فبايعت مستكرها (٢)، وصبرت محتسبا، فقال قائلهم: إنك يا بن أبى طالب على هذا الأمر لحريص، فقلت لهم: أنتم أحرص منى وأبعد، أينا أحرص، أنا الذى طلبت ميراث ابن أبى وحقى الذى جعلنى الله ورسوله أولى به، أم أنتم إذ تضربون وجهى دونه، وتحولون بينى وبينه؟ فبهتوا، والله لا يهدى القوم الظالمين، اللهم إنى أستعديك (٣) على قريش، فإنهم قطعوا رحمى، وأضاعونى، وصغّروا عظيم منزلتى وفضلى، واجتمعوا على منازعتى حقّا كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: ألا إن فى الحق أن تأخذه، وفى الحق أن تمنعه، فاصبر كمدا، أو مت أسفا حنيقا (٤)، فنظرت فإذا ليس معى رافد (٥)، ولا ذابّ، ولا ناصر، ولا مساعد إلا أهل بيتى، فضننت بهم عن المنيّة، فأغضيت عينى على
стр. 493
القذى (١)، وتجرّعت ربقى على الشّجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم طعما، وآلم للقلب من حزّ الشّفار (٢)، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتمونى لتبايعونى فأبيت عليكم وأبيتم علىّ، وأمسكت يدى فنازعتمونى ودافعتمونى وبسطتم يدى فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم علىّ حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، أو أنكم قاتلىّ، فقلتم: بايعنا، لا نجد غيرك ولا رضى إلا بك، بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا، فبايعتكم، ودعوتم الناس إلى بيعتى، فمن بايع طوعا قبلته، ومن أبى لم أكرهه وتركته، فأول من بايعنى طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما، فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغنى أنهما قد خرجا من مكة متوجّهين إلى البصرة، فى جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطانى الطاعة، وسمح لى بالبيعة، فقدما على عاملى وخزّان بيت مالى، وعلى أهل مصرى الذين كلهم على بيعتى وفى طاعتى، فشتّتوا كلمتهم، وأفسدوا علىّ جماعتهم، ثم وثبوا على شيعتى، فقتلوا طائفة منهم غدرا، وطائفة صبرا (٣)، ومنهم طائفة غضبوا لله ولى، فشهروا سيوفهم وضربوا بها، حتى لقوا الله صابرين محتسبين، فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله، لحلّ لى بذلك قتل الجيش بأسره، فدع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدّة التى دخلوا بها عليهم، وقد أدال (٤) الله منهم، فبعدا للقوم الظالمين.
ثم إنى نظرت فى أمر أهل الشأم، فإذا هم أعراب وأحزاب، وأهل طمع جفاة طغاة (٥)، تجمعوا من كل أوب، ممن ينبغى أن يؤدّب، وأن يولّى عليه، ويؤخذ على
стр. 494
يديه، ليسوا من الأنصار، ولا المهاجرين، ولا التابعين بإحسان، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة، فأبوا إلا شقاقا ونفاقا، ونهضوا فى وجوه المهاجرين والأنصار، ينضحونهم (١) بالنّبل، ويشجرونهم بالرماح، فهنالك نهدت (٢) إليهم فقاتلتهم، فلما عضّهم السلاح، ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن، وإنما رفعوها مكيدة وخديعة، ووهنا وضعفا، فامضوا على حقكم وقتالكم، فأبيتم علىّ واتهمتمونى، وقلتم: اقبل منهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما فى الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجّتنا عليهم، فقبلت منهم، وكففت عنهم إذ ونيتم وأبيتم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين يحييان ما أحيا القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرّق حكمهما، ونبذا حكم القرآن، وخالفا ما فى الكتاب، واتّبعا هواهما بغير هدى من الله فجنّبهما الله السّداد، وأهوى بهما فى غمرة الضلال (٣)، وكانا أهل ذلك، فانخذلت عنا فرقة منا، فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عاثوا فى الأرض مفسدين، وقتلوا المؤمنين، أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، ثم كتاب الله بيننا وبينكم، فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم، وشدّت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين.
فلما كان ذلك من شأنهم، أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فإنه أفزع لقلوبهم، وأنهك لقواهم، وأهتك لكيدهم، فقلتم: كلّت أذرعنا وسيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت (٤) أسنّة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا، فأذن لنا فلنرجع
стр. 495
إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدّتنا، وإذا رجعت زدت فى مقاتلتنا عدّة من هلك منا ومن قد فارقنا. فإن ذلك أقوى لنا على عدونا، فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم على الكوفة، أمرتكم أن تنزلوا بالنّخيلة، وأن تلزموا معسكركم، وأن تضمّوا قواصيكم، وأن توطّنوا على الجهاد أنفسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم، فإن ذلك يرقّ قلوبكم ويلويكم، وإن أهل الحرب المصابروها، وأهل التشمير فيها الذين لا يتوجّدون (١) سهر ليلهم، ولا يتوجّعون، ولا يسأمون من ظمإ نهارهم، ولا من خمص (٢) بطونهم، ولا من نصب أبدانهم، حتى يدركوا ثأرهم، وينالوا بغيتهم ومطلبهم، فنزلت طائفة منكم معى معذرة، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية، فلا من نزل معى صبر فثبت، ولا من دخل المصر عاد إلىّ ورجع.
ولقد نظرت إلى عسكرى، وما فيه معى منكم إلا خمسون رجلا، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرتم أن تخرجوا معى إلى يومكم هذا لله آباؤكم! فما تنتظرون؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى مصركم قد افتتحت (٣) وإلى شيعتى بها قد قتلت، وإلى مسالحكم (٤) تعرى، وإلى بلادكم تغزى، وأنتم ذوو عدد كثير، وشركة، وبأس شديد، فما بالكم؟ لله أنتم! من أين تؤتون؟ وما لكم تؤفكون (٥) وأنّى تسحرون، ولو أنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا، ألا إن القوم قد اجتمعوا، وجدّوا وتناصحوا، وإنكم قد ونيتم وتفرقتم، واختلفتم، وتغاششتم، فأنتم إن اجتمعتم تسعدون.
стр. 496
فأيقظوا رحمكم الله نائمكم، وأجمعوا على حقكم، وتجرّدوا لحرب عدوكم، قد أبدت الرّغوة عن الصّريح (١)، وبان الصّبح لذى عينين، إنما تقاتلون الطّلقاء، وأبناء الطلقاء، وأولى الجفاء، ومن أسلم كرها، وكان لرسول الله ﷺ أنف (٢) الإسلام كلّه حربا، أعداء الله والسنة والقرآن، وأهل الأحزاب، والبدع، والأحداث، ومن كانت بوائقه (٣) تتّقى، وكان على الإسلام مخوفا (٤)، أكلة الرّشا وعبدة الدنيا، لقد أنهى (٥) إلىّ أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه، وشرط عليه أن يعطيه إتاوة هى أعظم مما فى يديه من سلطانه، ألا صفرت (٦) يد هذا البائع دينه بالدنيا، وتربت يد هذا المشترى نصرة غادر فاسق بأموال المسلمين، وإن منهم لمن قد شرب فيكم الخمر، وجلد حدّا فى الإسلام، يعرف بالفساد فى الدين والفعل السيئ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له على الإسلام رضيخة (٧)، فهؤلاء قادة القوم،
стр. 497
ومن تركت ذكر مساوئه من قادتهم مثل من ذكرت منهم، بل هو شرّ وأضرّ، وهؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الكبر، والفخر، والفجور، والتسلط بجبرية (١)، والتطاول بالغضب، والفساد فى الأرض، ولا تبعوا الهوى وما حكموا بالرشاد، ولأنتم على ما فيكم من تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم الحكماء، والعلماء والفقهاء والنجباء، وحملة القرآن، والمتهجّدون بالأسحار، والعبّاد، والزّهّاد فى الدنيا، وعمّار المساجد بتلاوة القرآن، أفلا تسخطون وتنقمون (٢) أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والأشرار الأراذل منكم؟
فاسمعوا قولى إذا قلت، وأطيعوا أمرى إذا أمرت، واعرفوا نصيحتى إذا نصحت، واعتقدوا حزمى إذا حزمت، والتزموا عزمى إذا عزمت، وانهضوا لنهوضى، وقارعوا من قارعت، فو الله لئن أطعتمونى لا تغوون: ولئن عصيتمونى لا ترشدون، ولا تجتمعون خذوا للحرب أهبتها، وأعدّوا لها عدّتها، فإنها قد شبّت نارها، وعلا سناها (٣) وتجرّد لكم فيها الفاسقون، كى يعذّبوا عباد الله، ويطفئوا نور الله.
عباد الله: ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء، بأولى فى الجدّ فى غيّهم وضلالهم وباطلهم، من أهل النزاهة والبر، والحق والإخبات (٤)، بالجدّ فى حقهم، وطاعة ربهم، ومناصحة إمامهم.
إنى والله لو لقيتهم وحيدا منفردا، وهم ملء الأرض ما باليت بهم ولا استوحشت منهم، وإنى من ضلالهم الذى هم فيه، والهدى الذى نحن عليه، لعلى ثقة وبيّنة، ويقين وبصيرة من ربى، وإنى إلى لقاء ربى لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكن أسفا يعترينى، وحزنا يخامرنى، أن يلى أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، والصالحين حربا، والقاسطين حزبا.
стр. 498
وايم الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم وتأليبكم، وتحريضكم، ولتركتكم إذ ونيتم وأبيتم، حتى ألقاهم بنفسى متى حمّ (١) لى لقاؤهم، فو الله إنى لعلى الحق، وإنى للشهادة لمحبّ، أنا نافر بكم إن شاء الله، فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، ولا تثّاقلوا إلى الأرض، فتقرّوا بالخسف، وتبوءوا بالذل، ويكن نصيبكم الخسر، إن أخا الحرب اليقظان، ومن ضعف أودى (٢)، ومن ترك الجهاد كان كالمغبون المهين، اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهّدنا وإياهم فى الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا ولهم من الأولى».
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٥، والإمامة والسياسة ١: ١١٣)
стр. 499
فتنة البصرة
٥٢٠ - كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص
ولما ظهر معاوية على مصر، ولّى عليها عمرو بن العاص، ثم بدا له أن يحتاز البصرة، فكتب إلى عمرو يستطلع رأيه فى ذلك.
«من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص:
سلام عليك: أما بعد، فإنى قد رأيت رأيا هممت بإمضائه، ولم يخذلنى عنه إلا استطلاع رأيك، فإن توافقنى أحمد الله وأمضه، وإن تخالفنى فإنى أستخير الله وأستهديه.
إنى نظرت فى أمر أهل البصرة فوجدت معظم أهلها لنا وليّا، ولعلىّ وشيعته عدوّا، وقد أوقع بهم علىّ الوقعة التى علمت، فأحقاد تلك الدماء ثابتة فى صدورهم لا تبرح ولا تريم (١)، وقد علمت أنّ قتلنا ابن أبى بكر، ووقعتنا بأهل مصر قد أطفأت نيران أصحاب علىّ فى الآفاق، ورفعت رءوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد، وقد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس، وليس أحد ممن يرى رأينا أكثر عددا، ولا أضرّ خلافا على علىّ من أولئك.
فقد رأيت أن أبعث إليهم عبد الله بن عامر الحضرمىّ، فينزل فى مضر، ويتودّد الأزد، ويحذر ربيعة، ويبتغى دم ابن عفان، ويذكرهم وقعة علىّ بهم التى أهلكت
стр. 500
صالحى إخوانهم وآبائهم وأبنائهم، فقد رجوت عند ذلك أن يفسد على علىّ وشيعته ذلك الفرج من الأرض، ومتى يؤتوا من خلفهم وأمامهم يضلّ سعيهم، ويبطل كيدهم، فهذا رأيى، فما رأيك؟
فلا تحبس رسولى إلا قدر مضىّ الساعة التى ينتظر فيها جواب كتابى هذا، أرشدنا الله وإياك، والسلام عليك، ورحمة الله وبركاته».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٤٩)
٥٢١ - رد عمرو على معاوية
فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية:
«أما بعد: فقد بلغنى رسولك وكتابك، فقرأته وفهمت رأيك الذى رأيته، فعجبت له، وقلت: إن الذى ألقاه فى روعك، وجعله فى نفسك هو الثائر بابن عفان والطالب بدمه، وإنه لم يك منك ولا منا منذ نهضنا فى هذه الحروب، ونادينا أهلها، ولا رأى الناس رأيا أضرّ على عدوك، ولا أسرّ لوليّك من هذا الأمر الذى ألهمته، فأمض رأيك مسدّدا، فقد وجهت الصّليب الأريب (١)، الناصح غير الظّنين، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٤٢)
٥٢٢ - كتاب معاوية إلى أهل البصرة
فلما جاء معاوية كتاب عمرو، دعا عبد الله بن عامر الحضرمىّ، وقال له:
سر على بركة الله إلى أهل البصرة، فانزل فى مضر، واحذر ربيعة، وتودّد الأزد، وانع ابن عفّان، وذكّرهم الوقعة التى أهلكتهم، ومنّ من سمع وأطاع دنيا لا تفنى، وأثرة لا يفقدها حتى يفقدنا أو نفقده، ودفع إليه كتابا، وأمره إذا قدم أن يقرأه على الناس.
стр. 501
فسار ابن الحضرمى حتى نزل البصرة فى بنى تميم، وسمع بقدومه أهلها، فاجتمع إليه رءوسهم، فخطبهم بما أمره به معاوية، وقام بعضهم فسفّه رأيه، وتبودلت الخطب فى هذا المقام، ففضّ ابن الحضرمى كتاب معاوية وقرأه عليهم، فإذا فيه:
«من عبد الله معاوية أمير المؤمنين، إلى من قرئ كتابى هذا عليه من المؤمنين والمسلمين من أهل البصرة:
سلام عليكم، أما بعد: فإن سفك الدماء بغير حلّها، وقتل النفوس التى حرّم الله قتلها، هلاك موبق (١)، وخسران مبين، لا يقبل الله ممن سفكها صرفا ولا عدلا (٢)، وقد رأيتم رحمكم الله آثار ابن عفان، وسيرته، وحبّه للعافية ومعدلته، وسدّه للثّغور، وإعطاءه فى الحقوق، وإنصافه للمظلوم، وحبّه للضعيف، حتى توثّب عليه المتوثّبون، وتظاهر (٣) عليه الظّالمون، فقتلوه مسلما محرما (٤)، ظمآن صائما، لم يسفك فيهم دما، ولم يقتل منهم أحدا، ولا يطلبونه بضربة سيف ولا سوط، وإنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه، وإلى قتال من قتله، فإنا وإياكم على أمر هدى واضح، وسبيل مستقيم، إنكم إن جامعتمونا طفئت النّائرة (٥)، واجتمعت الكلمة، واستقام أمر هذه الأمة، وأقرّ الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق، فأخذوا بجرائرهم (٦)، وما قدّمت أيديهم.
إن لكم أن أعمل فيكم بالكتاب، وأن أعطيكم فى السّنة عطاءين، ولا أحتمل فضلا من فيئكم عنكم أبدا، فسارعوا إلى ما تدعون إليه- رحمكم الله-.
стр. 502
وقد بعثت إليكم رجلا من الصالحين، كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان وعماله وأعوانه على الهدى والحق، جعلنا الله وإياكم ممن يجيب إلى الحق ويعرفه، وينكر الباطل ويجحده، والسلام عليكم ورحمة الله».
فلما قرئ عليهم الكتاب، قال معظمهم: سمعنا وأطعنا.
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٥٠)
٥٢٣ - كتاب عباس بن صحار العبدى إلى معاوية
وكان الذى سدّد لمعاوية رأيه فى تسريح ابن الحضرمىّ كتاب كتبه إليه عباس ابن صحار (١) العبدى، وممن كان يرى رأى عثمان، ويخالف قومه فى حبهم عليّا ﵇ ونصرتهم إياه، وكان الكتاب:
أما بعد، فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم، وقتلوا خليفتهم طمعا وبغيا، فقرّت بذلك العيون، وشفيت بذلك النفوس، وبردت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين، ولعدوّه مفارقين، ولكم موالين، وبك راضين، فإن رأيت أن تبعث إلينا أميرا طيبا ذكيّا ذا عفاف ودين للطلب بدم عثمان فعلت، فإنى لا إخال الناس إلا مجمعين عليك، وإن ابن عباس غائب عن المصر والسلام».
وكان الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس وقدم الكوفة على علىّ ﵇ يعزيه عن محمد بن أبى بكر.
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٥٠)
٥٢٤ - رد معاوية على عباس بن صحار
فلما قرأ معاوية كتابه، قال: لا عزمت رأيا سوى ما كتب به إلىّ هذا، وكتب إليه جوابه:
стр. 503
«أما بعد: فقد قرأت كتابك، فعرفت نصيحتك، وقبلت مشورتك، رحمك الله وسدّدك، اثبت هداك الله على رأيك الرشيد، فكأنك بالرجل الذى سألت قد أتاك، وكأنك بالجيش قد أطلّ عليك، فسررت وحييت، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٥٠)
٥٢٥ - كتاب زياد إلى ابن عباس
وأقبل الناس إلى ابن الحضرمى، وكثر تبعه، ففزع لذلك زياد وهاله، وبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدىّ، فقال: يا بن شيمان، أنت سيد قومك، وأحد عظماء هذا المصر، أفلا تجيرنى وتمنعنى وتمنع بيت مال المسلمين، فإنما أنا أمين عليه؟ فقال:
بلى، إن تحمّلت حتى تنزل فى دارى منعتك، فقال: إنى فاعل، فارتحل ليلا حتى نزل دار صبرة، وكتب إلى عبد الله بن عباس:
«للأمير عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد:
سلام عليك، أما بعد: فإن عبد الله بن عامر الحضرمى أقبل من قبل معاوية حتى نزل فى بنى تميم، ونعى ابن عفان، ودعا إلى الحرب، فبايعه تميم وجلّ أهل البصرة، ولم يبق معى من أمتنع به، فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان وقومه لنفسى ولبيت مال المسلمين، ورحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم، وإن الأزد معى، وشيعة أمير المؤمنين من فرسان القبائل تختلف إلىّ، وشيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمى والقصر خال مناومنهم، فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين، ليرى فيه رأيه، واعجل إلىّ بالذى ترى أن يكون منه فيه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
فرفع ذلك ابن عباس إلى علىّ ﵇.
وغلب ابن الحضرمى على ما يليه من البصرة وجباها، وأجمعت الأزد على زياد، وأعدّوا له منبرا وسريرا وشرطا.
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٥١، وتاريخ الطبرى ٦: ٦٤)
стр. 504
٥٢٦ - كتاب علىّ إلى زياد
وبعث علىّ ﵇ أعين بن ضبيعة المجاشعىّ إلى البصرة وكتب إلى زياد:
من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد:
سلام عليك، أما بعد، فإنى قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرّق قومه عن ابن الحضرمى، فارقب ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظنّ به، وكان فى ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما نحبّ، وإن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق والتمادى فى العصيان، فانبذ من أطاعك إلى من عصاك، فجاهدهم، فإن ظهرت فهو ما ظننت، وإن رأيت ممن قبلك تثاقلا، وخفت ألّا تبلغ ما تريد، فطاولهم وما طلهم، ثم تسمّع وأبصر، فكأن كتائب المسلمين قد أطلّت عليك، فقتل الله المفسدين الظالمين، ونصر المؤمنين المحقّين، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد ١: ص ٣٥٢، وتاريخ الطبرى ٦: ٦٤)
٥٢٧ - كتاب زياد إلى علىّ
وقدم أعين بن ضبيعة البصرة، فجمع إليه رجالا من قومه، وحثهم على الطاعة، ولزوم الجماعة، وحذرهم الخلاف والفرقة، فسمعوا له وأطاعوا، فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمى، ووافقهم عامّة يومه يناشدهم الله ألّا ينكثوا بيعتهم ولا يخالفوا إمامهم، فكفوا عنه، فانصرف عنهم، فلما أوى إلى رحله تبعه عشرة نفر، يظن الناس أنهم خوارج فقتلوه، فكتب زياد إلى علىّ ﵇:
«أما بعد يا أمير المؤمنين: فإن أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك بجدّ ومناصحة، وصدق ويقين، فجمع إليه من أطاعه من عشيرته، فحثهم على الطاعة والجماعة، وحذّرهم الخلاف والفرقة، ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه، فواقفهم عامّة النهار، فهال
стр. 505
أهل الخلاف تقدّمه، وتصدّع عن ابن الحضرمى كثير ممن كان يريد نصرته، فكان كذلك حتى أمسى، فأتى فى رحله، فبيّته نفر من هذه الخارجة المارقة، فأصيب رحمه الله تعالى، فأردت أن أناهض ابن الحضرمى عند ذلك، فحدث أمر قد أمرت صاحب كتابى هذا أن يذكره لأمير المؤمنين (١)، وقد رأيت- إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت- أن يبعث إليهم جارية بن قدامة، فإنه نافذ البصيرة مطاع فى العشيرة، شديد على عدوّ أمير المؤمنين، فإن يقدم يفرّق بينهم بإذن الله، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته».
(شرح ابن أبى الحديد م ١ ص ٣٥٣، وتاريخ الطبرى ٦: ٦٤)
٥٢٨ - كتاب علىّ إلى أهل البصرة
فبعث إليهم علىّ ﵇ جارية بن قدامة، وكتب معه كتابا إلى أهل البصرة، وفيه:
«من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابى هذا من ساكنى البصرة من المؤمنين والمسلمين:
سلام عليكم، أما بعد: فإن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البيّنة، ولا يأخذ المذنب عند أول وهلة، ولكنه يقبل التوبة، ويستديم الأناة، ويرضى بالإنابة، ليكون أعظم للحجّة، وأبلغ فى المعذرة.
وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا (٢) عنه، فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم، وأخذت بيعتكم فإن تفوا ببيعتى، وتقبلوا نصيحتى، وتستقيموا على طاعتى، أعمل فيكم بالكتاب والسنة، وقصد الحق،
стр. 506
وأقيم فيكم على سبيل الهدى، فو الله ما أعلم أن واليا بعد محمد صلى الله عليه وآله أعلم بذلك منى، ولا أعمل بقولى، أقول قولى هذا صادقا غير ذامّ لمن مضى، ولا متنقص لأعمالهم.
وإن خطت بكم الأهواء المردية، وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتى تريدون خلافى، فهأنذا قد قرّبت جيادى، ورحلت ركابى، وأيم الله لئن ألجأتمونى إلى المسير إليكم، لأوقعنّ بكم وقعة، لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لا عق، مع أنى عارف لذى الطاعة منكم فضله، ولذى النصيحة حقّه، غير متجاوز متّهما إلى برئ، ولا ناكثا إلى وفىّ.
وإنى لظانّ أن لا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا، وقد قدّمت هذا الكتاب إليكم حجّة عليكم، ولن أكتب إليكم من بعده كتابا، إن أنتم استغششتم نصيحتى، ونابذتم رسولى، حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله تعالى والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٥٣، ونهج البلاغة ٢: ٢٥)
٥٢٩ - كتاب زياد إلى علىّ
وشخص جارية بن قدامة إلى البصرة، وكلّم قومه فلم يجيبوه، وخرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه، فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم فسارت الأزد بزياد، وخرج إليهم ابن الحضرمى، فاقتتلوا ساعة، فما لبّثوا بنى تميم أن هزموهم، وحصروا ابن الحضرمى فى إحدى دور البصرة، فى عدّة من أصحابه، وحرق جارية الدار عليهم، فهلك ابن الحضرمى فى سبعين رجلا.
وسارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة ومعه بيت المال، وقالوا له:
هل بقى علينا من جوارك شئ؟ قال: لا، فانصرفوا عنه.
وكتب زياد إلى علىّ ﵇:
стр. 507
«أما بعد: فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك، فناهض جمع ابن الحضرمى، بمن نصره وأعانه من الأزد، ففضّه واضطرّه إلى دار من دور البصرة فى عدد كثير من أصحابه، فلم يخرج حتى حكم الله تعالى بينهما، فقتل ابن الحضرمى وأصحابه، منهم من أحرق بالنار، ومنهم من ألقى عليه جدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف، وسلم منهم نفر أنابوا وتابوا، فصفح عنهم، وبعدا لمن عصى وغوى، والسلام على أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته.
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٥٤)
٥٣٠ - كتاب علىّ إلى زياد
وكان علىّ ﵇ أخرج إلى زياد سعدا مولاه يحثه على حمل مال البصرة إلى الكوفة، وكان بين سعد وزياد ملاحاة (١) ومنازعة، وعاد سعد فشكاه إلى علىّ وعابه، فكتب علىّ إليه:
«أما بعد: فإن سعدا ذكر أنك شتمته ظلما، وهدّدته وجبهته (٢) تجبّرا وتكبّرا، فما دعاك إلى التكبر؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الكبر رداء الله، فمن نازع الله رداءه قضمه» وقد أخبرنى أنك تكثر من الألوان المختلفة فى الطعام فى اليوم الواحد، وتدّهن كل يوم، فما عليك لو صمت لله أياما، وتصدّقت ببعض ما عندك محتسبا، وأكلت طعامك مرارا قفارا (٣)؟ فإن ذلك شعار الصالحين، أفتطمع وأنت متمرّغ فى النعيم تستأثر به على الجار، والمسكين، والضعيف، والفقير، والأرملة، واليتيم أن يحسب لك أجر المتصدقين؟ وأخبرنى أنك تتكلم بكلام الأبرار وتعمل عمل الخاطئين، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت، وعملك أحبطت (٤)، فتب إلى ربك، يصلح لك عملك، واقتصد فى أمرك، وقدّم إلى ربك الفضل ليوم
стр. 508
حاجتك، وادّهن غبّا (١)، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «ادّهنوا غبّا ولا تدّهنوا رقما (٢)».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٧٣)
٥٣١ - رد زياد عليه
فكتب إليه زياد:
«أما بعد يا أمير المؤمنين: فإن سعدا قدم علىّ فأساء القول والعمل، فانتهرته وزجرته، وكان أهلا لأكثر من ذلك، وأما ما ذكر من الإسراف واتخاذ الألوان من الطعام والنعم، فإن كان صادقا فأثابه الله ثواب الصالحين، وإن كان كاذبا فوقاه الله أشدّ عقوبة الكاذبين، وأما قوله: إنى أصف العدل وأخالفه إلى غيره، فإنى إذن من الأخسرين، فخذ يا أمير المؤمنين بمقال قلته فى مقام قمته: «الدّعوى بلا بيّنة كالسّهم بلا نصل» فإن أتاك بشاهدى عدل، وإلّا تبيّن لك كذبه وظلمه».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٧٣)
٥٣٢ - كتاب معاوية إلى زياد بن أبيه
وروى ابن أبى الحديد عن المدائنى قال:
لما كان زمن علىّ ﵇ ولّى زيادا فارس (٣) - أو بعض أعمال فارس- فضبطها ضبطا صالحا، وجبى خراجها وحماها، وعرف ذلك معاوية فكتب إليه:
стр. 509
«أما بعد: فإنه غرّتك قلاع تأوى إليها ليلا، كما تأوى الطير إلى وكرها، وايم الله لولا انتظارى بك ما الله أعلم به، لكان لك منى ما قاله العبد الصالح (١):
«فلنأتينّهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون» وكتب فى أسفل الكتاب شعرا من جملته:
تنسى أباك وقد شالت نعامته ... إذ تخطب الناس والوالى لهم عمر (٢)
(شرح ابن أبى الحديد م: ٤ ص ٦٧)
стр. 510
٥٣٣ - كتاب علىّ إلى زياد
فكتب زياد إلى علىّ ﵇، وبعث بكتاب معاوية فى كتابه، فكتب إليه علىّ:
«أما بعد: فإنى قد ولّيتك ما وليتك، وأنا أراك لذلك أهلا، وإنه قد كانت من أبى سفيان فلتة فى أيام عمر من أمانىّ التّيه (١)، وكذب النفس، لم تستوجب بها ميراثا، ولم تستحقّ بها نسبا، وإن معاوية كالشيطان الرّجيم، يأتى المرء من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، فاحذره، ثم احذره، ثم احذره، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٦٨)
*** وروى الشريف الرضى ﵀ فى نهج البلاغة قال:
«من كتاب لعلىّ ﵇ إلى زياد بن أبيه، وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه:
وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزلّ (٢) لبّك، ويستفلّ غربك، فاحذره فإنما هو الشيطان يأتى المرء من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله (٣)، ليقتحم غفلته، ويستلب غرّته (٤)، وقد كان من أبى سفيان فى زمن عمر بن الخطاب فلتة من حديث النفس، ونزغة من نزغات الشيطان، لا يثبت بها نسب (٥)،
стр. 511
ولا يستحقّ بها إرث، والمتعلق بها كالواغل (١) المدفّع، والنّوط المذبذب».
فلما قرأ زياد الكتاب، قال: شهد بها وربّ الكعبة، ولم تزل فى نفسه حتى ادّعاه معاوية. (نهج البلاغة ٢: ٤٩)
٥٣٤ - كتاب علىّ إلى ابن عباس
وكتب علىّ إلى ابن عباس:
«أما بعد: فإن المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته (٢)، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا (٣)، وليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فانك منها (٤)، وليكن همّك فيما بعد الموت».
(نهج البلاغة ٢: ١٤، والأمالى ٢: ٩٦، وإعجاز القرآن ص ١٢١)
*** وقد روى هذا الكتاب فى نهج البلاغة أيضا بصورة أخرى، وهى:
«أما بعد: فإن المرء ليفرح بالشئ الذى لم يكن ليفوته، ويحزن على الشئ الذى لم يكن ليصيبه، فلا يكن أفضل ما نلت فى نفسك من دنياك بلوغ لذة، أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمك فيما بعد الموت». (نهج البلاغة ٢: ٩٢)
стр. 512
٥٣٥ - كتاب أبى الأسود الدؤلى إلى على
وروى أن عبد الله بن عباس كان من أحب الناس إلى عمر بن الخطاب وكان يقدّمه على الأكابر من أصحاب محمد ﷺ ، ولم يستعمله قط، فقال له يوما:
كدت أستعملك، ولكن أخشى أن تستحلّ الفئ على التأويل، فلما سار الأمر إلى على، استعمله على البصرة- بعد وقعة الجمل كما قدّمنا- فاستحلّ الفئ على تأويل قول الله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ... » واستحلّه لقرابته من رسول الله ﷺ .
ومرّ ابن عباس يوما على أبى الأسود الدؤلى، فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت المرعى، ولا أحسنت مهنته فى المشى، فكتب أبو الأسود إلى علىّ:
«أما بعد: فإن الله جل وعلا جعلك واليا مؤتمنا، وراعيا مسئولا، وقد بلوناك (١) رحمك الله، فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحا للأمة، توفّر لهم فيئهم وتظلف (٢) نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشى بشئ فى أحكامهم.
وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعنى كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هنالك، واكتب إلىّ برأيك، فما أحببت أتّبعه إن شاء الله، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٤٢، وتاريخ الطبرى ٦: ٨١)
٥٣٦ - رد علىّ على أبى الأسود
فكتب إليه على:
«أما بعد: فمثلك نصح الإمام والأمة، وأدّى الأمانة، ووالى على الحق وفارق الجور، وقد كتبت إلى صاحبك بما كتبت إلىّ فيه من أمره، ولم أعلمه بكتابك إلىّ
стр. 513
فلا تدع إعلامى بما يكون بحضرتك، مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب لله عليك، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٤٢، وتاريخ الطبرى ٦: ٨١)
٥٣٧ - كتاب على إلى ابن عباس
وكتب علىّ إلى ابن عباس:
«أما بعد: فإنه قد بلغنى عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك، وخنت المسلمين.
بلغنى أنك جردت (١) الأرض، فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إلىّ حسابك، واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٤٢، ونهج البلاغة ٢: ٤٦)
٥٣٨ - رد ابن عباس على علىّ
فكتب إليه ابن عباس:
«أما بعد: فإن كل الذى بلغك باطل، وإنى لما تحت يدىّ ضابط قائم له، وعليه حافظ، فلا تصدّق علىّ الضّنين (٢)، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٤٢، وتاريخ الطبرى ٦: ٨٢)
стр. 514
٥٣٩ - رد علىّ على ابن عباس
فكتب إليه علىّ:
«أما بعد: فإنه لا يسعنى تركك حتى تعلمنى ما أخذت من الجزية، من أين أخذته؟ وما وضعت منها، فيم وضعته؟ فاتّق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك إياه فإن المتاع بما أنت رازمه (١) قليل، وتباعته وبيلة لا تبيد، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٤٢، وتاريخ الطبرى ٦: ٨٢)
٥٤٠ - رد ابن عباس على علىّ
فلما رأى أن عليّا غير مقلع عنه، كتب إليه:
«أما بعد: فقد فهمت تعظيمك علىّ مرزئة (٢) مال، بلغك أنى رزأته أهل هذه البلاد، وايم الله لأن ألقى الله بما فى بطن هذه الأرض من عقيانها (٣) ومخبّئها، وبما على ظهرها من طلاعها ذهبا، أحبّ إلىّ من أن ألقى الله، وقد سفكت دماء هذه الأمة لأنال بذلك الملك والإمرة.
ابعث إلى عملك من أحببت، فإنى ظاعن عنه، والسلام».
ورحل ابن عباس عن البصرة، وقد حمل ما كان فى بيت مالها، حتى قدم الحجاز، فنزل مكة، واشترى من عطاء بن جبير ثلاث مولّدات حجازيات بثلاثة آلاف دينار.
(العقد الفريد ٢: ٢٤٢، تاريخ الطبرى ٦: ٨٢، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٦٤)
стр. 515
٥٤١ - كتاب علىّ إلى ابن عباس
ثم كتب علىّ إلى ابن عباس:
«أما بعد: فإنى كنت أشركتك فى أمانتى، وجعلتك شعارى (١) وبطانتى ولم يكن من أهل بيتى رجل أوثق منك فى نفسى، لمواساتى وموازرتى، وأداء الأمانة إلىّ، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب (٢)، والعدوّ قد حرب، وأمانة الناس قد خزيت (٣)، وهذه الأمة قد فنكت (٤) وشغرت، قلبت لابن عمك ظهر المجنّ (٥)، ففارقته مع المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان، وخنته مع من خان (٦)، فلا ابن عمّك آسيت (٧)، ولا الأمانة إليه أدّيت، وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنك لم تكن على بيّنة من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم، وتنوى غرّتهم (٨) عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشّدّة (٩) فى خيانة الأمة، أسرعت الكرّة، وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة
стр. 516
لأراملهم وأيتامهم، اختطاف الذئب الأزلّ (١) دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز، رحيب الصّدر بحمله، غير متأثّم من أخذه، كأنك- لا أبا لغيرك (٢) - حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمّك، فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟
أو ما تخاف نقاش الحساب؟
أيها المعدود- كان عندنا من أولى الألباب، كيف تسيغ (٣) شرابا وطعاما؟
وأنت تعلم أنك تأكل حراما، وتشرب حراما، وتبتاع الإماء، وتنكح النّساء، من مال اليتامى، والمساكين، والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرز بهم هذه البلاد.
فاتّق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل، ثم أمكننى الله منك، لا عذرنّ (٤) إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفى الذى ما ضربت به أحدا إلا دخل النار، وو الله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذى فعلت، ما كانت لهما عندى هوادة، ولا ظفرا منى بإرادة، حتى آخذ الحقّ منهما، وأزيل الباطل عن مظلمتهما، وإنى أقسم بالله ربى وربك ربّ العزة ما يسرّنى أن ما أخذت من أموالهم حلال لى أدعه ميراثا لعقبى، فما بال اغتباطك به تأكله حراما؟
فضحّ رويدا (٥)، فكأنك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثّرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذى ينادى فيه المغترّ بالحسرة، ويتمنى المضيّع التوبة، والظالم الرّجعة، ولات حين مناص»، والسلام.
(نهج البلاغة ٢: ٤٦، والعقد الفريد ٢: ٢٤٣، ومجمع الأمثال للميدانى ٢: ٣٢)
стр. 517
٥٤٢ - رد ابن عباس على علىّ
فكتب إليه ابن عباس:
«أما بعد: فقد أتانى كتابك تعظّم علىّ أمانة المال الذى أصبت من بيت مال البصرة، ولعمرى إن حقى فى بيت مال الله أكثر من الذى أخذت والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٤٣، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٦٤)
٥٤٣ - رد علىّ على ابن عباس
فكتب إليه علىّ:
«أما بعد: فإن العجب كل العجب منك أن تزيّن لك نفسك أن لك فى بيت الله من الحق أكثر ممّا لرجل من المسلمين، قد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل وادّعاؤك ما لا يكون، ينجيك من الإثم، ويحلّ لك ما حرّم الله عليك، عمرك الله (١)! إنك لأنت البعيد البعيد (٢)، وقد بلغنى أنك اتخذت مكة وطنا، وضربت بها عطنا (٣)، تشترى المولّذات من مكة والمدينة والطائف، وتختارهنّ على عينك. وتعطى فيهن مال غيرك (٤)، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربّك، واخرج إلى المسلمين من أموالهم، فعمّا قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيّب فى صدع (٥) من الأرض، غير موسّد ولا ممهّد، قد فارقت
стр. 518
الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، غنيا عما خلّفت، فقيرا إلى ما قدّمت، والسلام». (العقد الفريد ٢: ٢٤٣، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٦٤)
٥٤٤ - رد ابن عباس على علىّ
فكتب إليه ابن عباس:
«والله لئن لم تدعنى من أساطيرك لأحملنّه إلى معاوية يقاتلك به»
فكفّ عنه على. (العقد الفريد ٢: ٢٤٤)
٥٤٥ - كتاب عقيل بن أبى طالب إلى علىّ
وكتب عقيل بن أبى طالب إلى أخيه الإمام على ﵇:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله علىّ أمير المؤمنين من عقيل بن أبى طالب.
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله حارسك من كل سوء (١)، وعاصمك من كل مكروه، وعلى كلّ حال، إنى قد خرجت إلى مكّة معتمرا (٢)، فلقيت عبد الله بن سعد بن أبى سرح فى نحو من أربعين شابّا من أبناء الطّلقاء، فقلت لهم- وعرفت المنكر فى وجوههم- إلى أين يا أبناء الشّانئين (٣)؟ أبمعاوية تلحقون؟ العداوة والله لنا منكم ظاهرة غير مستنكرة قديما، تريدون بها إطفاء نور الله، وتغيير أمره، فأسمعنى القوم وأسمعتهم.
стр. 519
ثم قدمت مكة فسمعت أهلها يتحدثون أن الضّحّاك بن قيس أغار على الحيرة (١) فاحتمل من أموال أهلها ما شاء، ثم انكفأ راجعا سالما، فأفّ لحياة فى دهر جرّأ عليك الضّحّاك! وما الضّحّاك؟ وهل هو إلّا فقع بقرقرة (٢) وقد وطئت؟
وبلغنى أن أنصارك قد خذلوك، فاكتب إلىّ يابن أمّ برأيك، فإن كنت الموت تريد، تحمّلت إليك ببنى أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك إذا متّ، فو الله ما أحبّ أن أبقى فى الدنيا بعدك فواقا (٣)، وأقسم بالله الأعزّ الأجل، إن عيشا أعيشه فى هذه الدنيا بعدك لعيش غير هنئ ولا مرئ ولا نجيع (٤)، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٥٥، والأغانى ١٥: ٤٤، والإمامة والسياسة ١: ٤٣)
٥٤٦ - رد علىّ على عقيل
فكتب إليه علىّ ﵇:
«من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبى طالب:
سلام الله عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: كلأنا (٥) الله وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب إنه حميد مجيد، فقد قدم علىّ عبد الرحمن بن عبيد
стр. 520
الأزدىّ بكتابك تذكر فيه أنك لقيت عبد الله بن سعد ابن أبى سرح مقبلا من قديد (١) فى نحو من أربعين شابّا من أبناء الطّلقاء، متوجّهين إلى جهة المغرب، وإنك تنبئ عن ابن أبى سرح! طالما كاد الله ورسوله وكتابه، وصدّ عن سبيله، وبغاها عوجا (٢)، فدع ابن أبى سرح عنك، ودع قريشا وخلّهم وتركاضهم فى الضلال، وتجوالهم فى الشّقاق، وجماحهم فى التّيه، فإن قريشا قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب رسول الله ﷺ قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقّه، وجحدوا فضله، وكادوه بالعداوة، ونصبوا له الحرب، وحهدوا عليه كل الجهد، وجرّوا إليه جيش الأحزاب، وجدّوا فى إطفاء نور الله، اللهم فاجز عنى قريشا الجوازى (٣)، فقد قطعت رحمى، وتظاهرت (٤) علىّ، ودفعتنى عن حقى، وسلبتنى سلطان ابن أمى (٥)، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلى فى قرابتى من الرسول، وسابقتى فى الإسلام، إلّا أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه، ولا أظن الله يعرفه، والحمد لله على كل حال.
стр. 521
وأما ما ذكرت من غارة الضّحاك بن قيس على أهل الحيرة، فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ (١) بها أو يدنو منها، فضلا عن الغارة، ولكنه قد كان أقبل فى جريدة خيل، فأخذ على السّماوة، حتى مرّ بواقصة وشراف، والقطقطانة وما والى ذلك الصّقع، فسرّحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين، فلما بلغه ذلك شمّر هاربا ونكص نادما، فاتّبعوه فلحقوه ببعض الطريق، وقد أمعن فى السير، وقد طفّلت (٢) الشمس للإياب، فاقتتلوا شيئا كلا ولا (٣)، فما كان إلا كموقف ساعة، حتى ولى هاربا، ولم يصبر لوقع المشرفيّة (٤)، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا، ونجا جريضا (٥) بعد ما أخذ منه بالمخنّق (٦)، ولم يبق منه غير الرّمق، فلأيا بلأى (٧) ما بحا.
стр. 522
فأمّا ما سألتنى أن أكتب إليك برأيى فيما أنا فيه، فإنّ رأيى قتال المحلّين (١) حتى ألقى الله، لا يزيدنى كثرة الناس حولى عزّة، ولا تفرّقهم عنى وحشة، لأنى محقّ، والله مع المحقّ، وو الله ما أكره الموت على الحق، وما الخير كلّه إلا بعد الموت لمن كان محقّا.
وأمّا ما عرضته علىّ من مسيرك إلىّ ببنيك وبنى أبيك، فلا حاجة لى فى ذلك، فأقم راشدا محمودا، فو الله ما أحبّ أن تهلكوا معى إن هلكت، ولا تحسبنّ ان أبيك ولو أسلمه (٢) الزمان والناس متضرّعا متخشّعا، ولا مقرّا للضّيم واهنا، ولا سلس الزّمام للقائد، ولا وطئ الظّهر للراكب المقتعد، ولكنه كما قال أخو بنى سليم:
فإن تسألينى كيف أنت، فإننى ... صبور على ريب الزمان صليب (٣)
يعزّ علىّ أن ترى بى كآبة ... فيشمت عاد أو يساء حبيب
والسلام».
(الأغانى ١٥: ٤٤، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٥٥)، ونهج البلاغة ٢: ٤٣، والإمامة والسياسة ١: ٤٤)
٥٤٧ - كتاب صعصعة بن صوحان إلى عقيل بن أبى طالب
ثم غاضب عقيل أخاه ففارقه ولحق بمعاوية (٤)، وقد قال له معاوية يوما: ميّز لى
стр. 523
أصحاب علىّ، وابدأ بآل صوحان، فإنهم مخاريق (١) الكلام، فوصفهم له وصفا
стр. 524
امتدحهم فيه بما هم أهله (١)، فاتصل كلام عقيل بصعصعة بن صوحان، فكتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، ذكر الله أكبر، وبه يستفتح المستفتحون، وأنتم مفاتيح الدنيا والآخرة:
أما بعد: فقد بلغ مولاك (٢) كلامك لعدوّ الله وعدوه، فحمدت الله على ذلك وسألته أن يفئ (٣) بك إلى الدرجة العليا، والقضيب الأحمر، والعمود الأسود، فإنه عمود من فارقه فارق الدّين الأزهر، ولئن نزعت (٤) بك نفسك إلى معاوية طلبا لماله، إنك لذو علم بجميع خصاله، فاحذر أن تعلق بك ناره، فيضلّك عن المحجّة (٥)، فإن الله قد رفع عنكم أهل البيت ما وضعه فى غيركم، فما كان من فضل أو إحسان فيكم وصل إلينا، فأجلّ الله أقداركم، وحمى أخطاركم (٦)، وكتب آثاركم، فإنّ أقداركم مرضيّة، وأخطاركم محميّة، وآثاركم بدريّة، وأنتم سلّم الله إلى خلقه، ووسيلة إلى طرقه، أيد عليّة، ووجوه جليّة: وأنتم كما قال الشاعر (٧):
فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطّىّ إلا وشيجه ... وتغرس إلّا فى منابتها النخل؟
(مروج الذهب ٢: ٧٦)
стр. 525
٥٤٨ - كتاب علىّ إلى كعب بن ماك
وكتب علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه إلى كعب بن مالك أحد عماله:
«أما بعد: فاستخلف على عملك، واخرج فى طائفة من أصحابك حتى تمرّ بأرض السّواد كورة كورة، فتسألهم عن عمّالهم، وتنظر فى سيرتهم، حتى تمرّ بمن كان منهم فيما بين دجلة والفرات، ثم ارجع إلى البهقباذات (١) فتولّ معونتها، واعمل بطاعة الله فيما ولّاك منها، واعلم أن الدنيا فانية، وأن الآخرة آتية، وأن عمل ابن آدم محفوظ عليه، وأنك مجزىّ بما أسلفت، وقادم على ما قدّمت من خير، فاصنع خيرا تجد خيرا».
(كتاب الخراج ص ١٤١)
٥٤٩ - كتاب علىّ إلى بعض عماله
وروى الشريف الرضى ﵀ فى نهج البلاغة قال:
وكتب علىّ ﵇ إلى بعض عماله:
«أما بعد: فإنك (٢) ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم وأسدّ به لهاة (٣) الثّغر المخوف، فاستعن بالله على ما أهمّك، واخلط الشدة بضغث (٤) من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة، واخفض للرعية جناحك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم فى اللّحظة والنّظرة والإشارة والتحيّة، حتى لا يطمع العظماء فى حيفك، ولا ييأس الضّعفاء من عدلك، والسلام».
(نهج البلاغة ٢: ٥٤)
стр. 526
٥٥٠ - كتاب علىّ إلى سهل بن حنيف
وكتب علىّ ﵇ إلى سهل بن حنيف الأنصارى عامله على المدينة، وقد لحق قوم من أهلها بمعاوية:
«أما بعد، فقد بلغنى أن رجالا ممن قبلك يتسلّلون (١) إلى معاوية، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم، ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غيّا ولك منهم شافيا فرارهم من الهدى والحق، وإيضاعهم (٢) إلى العمى والجهل، وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها، ومهطعون (٣) إليها، وقد عرفوا العدل ورأوه، وسمعوه ووعوه، وعلموا أن الناس عندنا فى الحق أسوة، فهربوا إلى الأثرة (٤)، فبعدا لهم وسحقا، إنهم والله لم ينفروا (٥) من جور، ولم يلحقوا بعدل، وإنا لنطمع فى هذا الأمر أن يذلّل الله لنا صعبه، ويسهّل لنا حزنه، إن شاء الله، والسلام».
(نهج البلاغة ٢: ٩٥)
٥٥١ - كتاب علىّ إلى المنذر بن الجارود العبدى
وكتب علىّ ﵇ إلى المنذر بن الجارود العبدىّ، وقد كان استعمله على بعض النواحى فخان الأمانة:
«أما بعد: فإن صلاح أبيك (٦) غرّنى منك، وظننت أنك تتّبع هديه، وتسلك
стр. 527
سبيله، فإذا أنت فيما رقّى (١) إلىّ عنك لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقى لآخرتك عتادا (٢)، تعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك (٣)، ولئن كان ما بلغنى عنك حقّا، لجمل (٤) أهلك، وشسع نعلك، خير منك، ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسدّ به ثغر، أو ينفذ به أمر، أو يعلى له قدر، أو يشرك فى أمانة، أو يؤمن على جباية، فأقبل إلىّ حين يصل إليك كتابى هذا إن شاء الله».
(نهج البلاغة ٢: ٩٦)
٥٥٢ - كتاب وقف للإمام علىّ كرم الله وجهه
ووقف الإمام علىّ كرم الله وجهه لسنتين من خلافته: «عين أبى نيزر والبغيبغة (٥)» وكتب بذلك كتابا نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدّق به عبد الله على أمير المؤمنين، تصدّق بالضّيعتين المعروفتين بعين أبى نيزر، والبغيبغة، على فقراء أهل المدينة وابن السبيل، ليقى الله بهما وجهه حرّ النار يوم القيامة، لا تباعا ولا توهبا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن أو الحسين، فهما طلق (٦) لهما، وليس لأحد غيرهما».
(الكامل للمبرد ٢: ١٤١، ومعجم البلدان ٦: ٢٥٢)
стр. 528
توقيعات الخلفاء الراشدين
كتب خالد بن الوليد إلى أبى بكر الصّديق رضى الله عنهما من دومة الجندل يستأمره فى أمر العدو، فوقّع إليه:
«ادن من الموت توهب لك الحياة (١)»
*** وكتب سعد بن أبى وقّاص إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما من الكوفة يستأذنه فى بناء دار الإمارة فوقّع إليه:
«ابن ما يستر من الشمس، ويسكنّ (٢) من المطر» وفى رواية: «ابن ما يكنّك من الهواجر (٣) وأذى المطر»
*** ووقّع عمر إلى عمرو بن العاص:
«كن لرعيّتك كما تحبّ أن يكون لك أميرك».
*** ووقع عثمان فى قصّة قوم تظلّموا من مروان بن الحكم، وذكروا أنه أمر بوجء (٤) أعناقهم:
«فإن عصوك فقل إنّى برىء ممّا تعملون»
***
стр. 529
ووقع عثمان فى قصة رجل شكا عيلة (١):
«قد أمرنا لك بما يقيمك، وليس فى مال الله فضل للمسرف»
*** ووقع علىّ كرم الله وجهه إلى طلحة بن عبيد الله:
«فى بيته يؤتى الحكم»
وكتب الحسين بن علىّ إلى أبيه رضى الله عنهما فى شئ من أمر عثمان رضى الله عنه، فوقع إليه:
«رأى الشّيخ خير من مشهد الغلام»
*** ووقع فى كتاب سلمان الفارسى- وسأله كيف يحاسب الناس يوم القيامة-؟ :
«يحاسبون كما يرزقون»
*** وكتب إليه الحضين بن المنذر بصفّين: «يا أمير المؤمنين، قد أسرع السيف فى «ربيعة» وخاصّة فى أسرى منهم» فوقع إليه:
«بقيّة السيف أنمى (٢) عددا»
*** ووقع فى كتاب جاءه من الأشتر النّخعىّ، فيه بعض ما يكره:
«من لك بأخيك كلّه؟ »
*** ووقع فى كتاب صعصعة بن صوحان يسأله فى شئ:
«قيمة كل امرئ ما يحسن»
(العقد الفريد ٢: ١٨٥ وخاص الخاص ص ٦٧)
стр. 530
تم الجزء الأول بحمد الله وتوفيقه ويليه الجزء الثانى وأوله الرسائل فى العصر الأموى