سلام عليكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وأصلى على رسوله ﷺ ، أما بعد: فإن الله بحسن صنعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام دينا لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرّسل ﵈ إلى عباده، وخصّ به من انتخب من حلقه، فكان مما أكرم الله به هذه الأمة، وخصّهم به من الفضيلة، أن بعث إليهم محمدا ﷺ ، فعلّمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسّنّة لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما لا يتفرقوا، وزكّاهم لكيما يتطهّروا، ورفّهم (١) لكيما لا يجوروا، فلما قضى من ذلك ما عليه، قبضه الله ، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته.
ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا به أميرين صالحين، عملا بالكتاب والسنة، وأحسنا السيرة، ولم يعدوا السّنّة، ثم توفّاهما الله رضى الله عنهما، ثم ولى بعدهما وال، فأحدث أحداثا، فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا، ثم نقموا عليه فغيّروا، ثم جاءونى فبايعونى، فأستهدى الله بالهدى: وأستعينه على التقوى.
ألا وإنّ لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والقيام عليكم بحقه، والتنفيذ لسنّته، والنّصح لكم بالغيب، والله المستعان، وحسبنا الله، ونعم الوكيل.
وقد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة أميرا، فوازروه (٢) وكانفوه وأعينوه على الحق، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشّدة على مريبكم، والرّفق بعوامّكم وخواصّكم، وهو ممن أرضى هديه، وأرجو صلاحه ونصيحته، أسأل الله لنا ولكم عملا زاكيا (٣)، وثوابا جزيلا، ورحمة واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
стр. 457
وكتب عبيد بن أبى رافع (١) فى صفر سنة ٣٦ هـ.
ثم قام قيس بن سعد خطيبا وأمر الناس بالبيعة فبايعوا، واستقامت له مصر، وبعث عليها اعماله إلا قرية منها يقال لها خربتا (٢) فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان، فبعثوا إليه: إنا لا نقاتلك فابعث عمالك فالأرض أرضك، ولكن أقرّنا على حالنا حتى ننظر إلام يصير أمر الناس (٣)، فبعث إليهم: إنى لا أكرهكم على البيعة، وأنا أدعكم وأكفّ عنكم، فهادنهم وجبى الخراج ليس أحد من الناس ينازعه.
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٢٧، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٣، والنجوم الزاهرة ١: ٩٧)
٤٨٨ - كتاب معاوية إلى قيس بن سعد
وخرج أمير المؤمنين علىّ إلى أهل الجمل، وقيس على مصر، ورجع إلى الكوفة من البصرة وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله على معاوية، لقربه من الشأم، مخافة أن يقبل إليه علىّ فى أهل العراق، ويقبل إليه قيس بن سعد فى أهل مصر، فيقع بينهما، فكتب معاوية إلى قيس- وعلىّ يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفّين-:
«من معاوية بن أبى سفيان إلى قيس بن سعد:
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنكم إن كنتم فقمتم على عثمان بن عفان رضى الله عنه فى أثرة (٤) رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها،
стр. 458
أو شتيمة رجل، أو فى تسييره آخر أو فى استعماله الفتىّ من أهله (١)، فإنكم قد علمتم- إن كنتم تعلمون- أنّ دمه لم يكن يحلّ لكم بذلك، فقد ركبتم عظيما من الأمر، وجئتم شيئا إدّا (٢)، فتب إلى الله يا قيس بن سعد، فإنك كنت فى المجلبين (٣) على عثمان بن عفان رضى الله عنه، إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغنى شيئا.
فأمّا صاحبك فإنا استيقنّا أنه الذى أغرى به الناس، وحملهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، تابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن
стр. 459
أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لى سلطان، وسلنى غير هذا مما تحبّ، فإنك لا تسألنى شيئا إلا أوتيته، واكتب إلىّ برأيك فيما كتبت به إليك، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٢٨، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٣، والنجوم الزاهرة ١: ٩٩)
٤٨٩ - رد قيس بن سعد على معاوية
فلما جاءه كتاب معاوية أحبّ أن يدافعه ولا يبدى له أمره، ولا يتعجّل حربه، فكتب إليه:
«أما بعد: فقد بلغنى كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان رضى الله عنه، وذلك أمر لم أفارقه ولم أطف به (١)، وذكرت أن صاحبى هو الذى أغرى الناس بعثمان، ودسّهم إليه حتى قتلوه، وهذا ما لم أطّلع عليه، وذكرت أن عظم عشيرتى لم تسلم من دم عثمان، فلعمرى إن أول الناس كان فيه قياما عشيرتى، ولهم أسوة (٢) غيرهم، وأما ما سألتنى من متابعتك على الطلب بدمه، وما عرضت علىّ من الجزاء به فقد فهمته، وهذا أمر لى فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كافّ عنك، ولن يأتيك من قبلى شئ تكرهه حتى ترى، ونرى إن شاء الله، والمستخار الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٢٩، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٤، والنجوم الزاهرة ١: ٩٩)
٤٩٠ - رد معاوية على قيس
فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا، ولم يأمن أن يكون له فى ذلك مخادعا مكايدا، فكتب إليه:
«أما بعد: فقد قرأت كتابك، فلم أرك تدنو فأعدّك سلما، ولم أرك تباعد
стр. 460
فأعدّك حربا، أنت فيما هاهنا كحبل الجرور (١) وليس مثلى يصانع بالخداع، ولا يخدع بالمكايد، ومعه عدد الرجال، وبيده أعنّة الخيل (٢)، فإن قبلت الذى عرضت عليك فلك ما أعطيتك، وإن أنت لم تفعل ملأت مصر عليك خيلا ورجلا، والسلام عليك».
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٢٩، وشرح ابن أبى الحديد م ٢، ص ٢٤، والنجوم الزاهرة ١: ١٠٠)
٤٩١ - رد قيس على معاوية
فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية، ورأى أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة، أظهر له ذات نفسه، فكتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبى سفيان:
أما بعد: فإن العجب من اغترارك بى، وطمعك فىّ، واستسقاطك (٣) رأيى، أتسومنى الخروج عن طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقربهم للخلافة، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم من رسول الله ﷺ وسيلة، وأوفرهم فضيلة، وتأمرنى بالدخول فى طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزّور، وأضلّهم سبيلا، وأبعدهم من الله ورسوله ﷺ وسيلة، ولد ضالّين مضلّين، طاغوت (٤) من طواغيت إبليس.
وأما قولك (٥) إنك تملأ علىّ مصر خيلا ورجلا، فو الله إن لم أشغلك بنفسك، حتى تكون نفسك أهمّ إليك، إنك لذو جدّ (٦)، والسلام».
فلما بلغ معاوية كتاب قيس أيس منه، وثقل عليه مكانه.
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٢٩، وشرح ابن أبى الحديد ٢: ص ٢٤، والنجوم الزاهرة ١: ١٠٠)
стр. 461
٤٩٢ - كتاب معاوية إلى قيس بن سعد
وكتب معاوية إلى قيس حين يئس منه:
«أما بعد، فإنما أنت يهودى ابن يهودى (١)، تشقى نفسك ونقتلها فيما ليس لك، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك واستبدل بك (٢)، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ونكّل بك (٣)، وقد كان أبوك وتّر قوسه (٤)، ورمى غرضه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل (٥)، حتى خدله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طربدا غريبا بحوران (٦)، والسلام».
٤٩٣ - رد قيس بن سعد على معاوية
فكتب إليه قيس بن سعد:
«أما بعد، فإنما أنت وثنىّ ابن وثنىّ (٧) دخلت فى الإسلام كرها، وأقمت فيه فرقا، وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث
стр. 462
نفاقك، ولم تزل حربا لله ولرسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، وعدوا لله ولنبيه وللمؤمنين من عباده، وقد كان أبى وتّر قوسه، ورمى غرضه، فشغب عليه (١) من لم يبلغ كعبه، ولم يشقّ غباره، ونحن أنصار الدين الذى منه خرجت، وأعداء الدين الذى فيه دخلت، والسلام».
فلما قرأ معاوية كتابه غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا، فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه.
(مروج الذهب ٢: ٦٢، والبيان والتبيين ٢: ٤٣، والعقد الفريد ٢: ٢٣٥، وعيون الأخبار م ٢: ص ٢١٢، والكامل للمبرد ١: ٢٥١، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٥)
٤٩٤ - كتاب اختلقه معاوية على قيس بن سعد
ولما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره، شقّ عليه ذلك، لما يعرف من حزمه وبأسه، وأظهر للناس قبله إن قيس بن سعد قد تابعكم فادعوا الله له، وقرأ عليهم كتابه الذى لان له فيه وقاربه.
واختلق معاوية كتابا من قيس بن سعد، فقرأه على أهل الشأم، وهو:
«بسم الله الرحمن الرحيم: للأمير معاوية بن أبى سفيان من قيس بن سعد:
سلام عليك، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنّ قتل عثمان كان حدثا فى الإسلام عظيما، وقد نظرت لنفسى ودينى فلم أر يسعنى مظاهرة (٢) قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما (٣) برّا تقيّا، فنستغفر الله لذنوبنا، ونسأله العصمة لديننا، ألا وإنى قد ألفيت إليكم بالسّلم (٤)، وإنى أجبتك إلى قتال قتلة عثمان
стр. 463
رضى الله عنه، إمام الهدى المظلوم، فعوّل علىّ فيما أحببت من الأموال والرجال أعجّله إليك إن شاء الله، والسلام على الأمير ورحمة الله وبركاته».
فشاع فى أهل الشأم أن قيس بن سعد قد بايع معاوية، وسرّحت عيون علىّ إليه بذلك، فأعظمه وأكبره وتعجّب له، ودعا بنيه ودعا عبد الله بن جعفر، فقال: ما رأيكم؟
فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيسا عن مصر، قال لهم علىّ: إنى والله ما أصدّق بهذا على قيس»!
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٣٠، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٤، والنجوم الزاهرة ١: ١٠١)
٤٩٥ - كتاب قيس بن سعد إلى علىّ
فإنهم لكذلك إذ جاء كتاب من قيس بن سعد، فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنى أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن قبلى رجالا معتزلين قد سألونى أن أكفّ عنهم، وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويروا رأيهم، فقد رأيت أن أكف عنهم وألّا أتعجّل حربهم، وأن أتألّفهم فيما بين ذلك، لعل الله أن يقبل بقلوبهم، ويفرّقهم عن ضلالتهم، إن شاء الله، والسلام».
فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، ما أخوفنى أن يكون هذا ممالأة لهم منه، فمره يا أمير المؤمنين بقتالهم.
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٣٠، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٤)
٤٩٦ - رد علىّ على قيس بن سعد
فكتب إليه علىّ:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فسر إلى القوم الذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون، وإلّا فناجزهم إن شاء الله والسلام».
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٣٠، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٤)
стр. 464
٤٩٧ - رد قيس بن سعد على علىّ
فلما أتى قيس بن سعد الكتاب، لم يتمالك أن كتب إلى علىّ:
«أما بعد يا أمير المؤمنين: فقد عجبت لأمرك! أتأمرنى بقتال قوم كافّين عنك، مفرّغيك لقتال عدوك، لم يمدّوا يدا للفتنة، ولا أرصدوا لها؟ وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوّك، فأطعنى يا أمير المؤمنين واكفف عنهم، فإن الرأى تركهم، والسلام».
فلما أتاه هذا الكتاب، قال له عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد ابن أبى بكر على مصر يكفك أمرها، واعزل قيسا، فبعث علىّ محمد بن أبى بكر (١) على مصر، وعزل عنها قيسا.
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٣١، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٤)
٤٩٨ - عهد على إلى محمد بن أبى بكر
فلما قدم محمد بن أبى بكر مصر، قرأ على أهلها عهده، وفيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى محمد ابن أبى بكر، حين ولّاه مصر:
أمره بتقوى الله والطاعة فى السّرّ والعلانية، وخوف الله فى المغيب والمشهد، وباللّين على المسلم، وبالغلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذّمّة، وبالإنصاف للمظلوم، وبالشدّة على الظالم، وبالعفو عن الناس، وبالإحسان ما استطاع
стр. 465
والله يجزى المحسنين، ويعذّب المجرمين، وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة فإن لهم فى ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره، ولا يعرفون كنهه، وأمره أن يجبى خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل، لا ينتقص منه ولا يبتدع فيه، ثم يقسمه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل، وأن يلين لهم جناحه، وأن يواسى بينهم فى مجلسه ووجهه، وليكن القريب والبعيد عنده فى الحق سواء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحقّ، وأن يقوم بالقسط، ولا يتّبع الهوى. ولا يخف فى الله لومة لائم، فإن الله جلّ ثناؤه مع من اتّقاه وآثر طاعته وأمره على ما سواه».
وكتب عبد الله بن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ لغرّة شهر رمضان سنة ٣٦ هـ».
(تاريخ الطبرى ٥: ٢٣١، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٥)
صورة أخرى
وروى الشريف الرّضىّ فى نهج البلاغة قال:
ومن عهده ﵇ إلى محمد بن أبى بكر حين قلّده مصر:
«فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآس بينهم (١) فى اللّحظة والنّظرة، حتى لا يطمع العظماء فى حيفك لهم (٢)، ولا ييأس الضّعفاء من عدلك عليهم، فإن الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة والظاهرة والمستورة، فإن يعذّب فأنتم أظلم (٣)، وإن يعف فهو أكرم.
واعلموا عباد الله أنّ المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا فى دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا فى آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل
стр. 466
ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظى به المترفون، وأخذوا منها ما أخذ الجبابرة المتكبّرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ، والمتجر الرّابح، أصابوا لذة زهد الدنيا فى دنياهم، وتيقّنوا أنهم جيران الله غدا فى آخرتهم، لا تردّ لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذّة، فاحذروا عباد الله الموت وقربه، وأعدّوا له عدّته، فإنه يأتى بأمر عظيم، وخطب جليل: بخير لا يكون معه شرّ أبدا، أو شرّ لا يكون معه خير أبدا، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها (١)؟ ومن أقرب إلى النار من عاملها؟ وأنتم طرداء (٢) الموت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلّكم، الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم، فاحذروا نارا قعرها بعيد، وحرّها شديد، وعذابها جديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرّج فيها كربة، وإن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من الله، وأن يحسن ظنكم به، فاجمعوا بينهما، فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربّه، على قدر خوفه من ربه، وإن أحسن الناس ظنا بالله أشدّهم خوفا لله.
واعلم يا محمد بن أبى بكر أنّى قد ولّيتك أعظم أجنادى فى نفسى: أهل مصر، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك، وأن تنافح (٣) عن دينك، ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر، ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه، فإن فى الله خلفا من غيره، وليس من الله خلف فى غيره.
صلّ الصلاة لوقتها الموقّت لها، ولا تعجّل وقتها لفراغ، ولا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال، واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك.
ومنه: فإنه لا سواء إمام الهدى، وإمام الرّدى (٤)، وولىّ النبى، وعدوّ النبى،
стр. 467
ولقد قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنى لا أخاف على أمتى مؤمنا ولا مشركا، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه (١)، ولكنى أخاف عليكم كلّ منافق الجنان، عالم اللسان، يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون».
(نهج البلاغة ٢: ١٩)
٤٩٩ - كتاب علىّ إلى محمد بن أبى بكر وأهل مصر (٢)
وروى ابن أبى الحديد قال:
كتب على إلى محمد بن أبى بكر وأهل مصر:
«أما بعد، فإنى أوصيكم بتقوى الله والعمل بما أنتم عنه مسئولون، فأنتم به رهن، وإليه صائرون، فإن الله قال: «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» وقال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» وقال «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» فاعلموا عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير، فإن يعذّب فنحن الظالمون، وإن يغفر ويرحم فهو أرحم الراحمين، واعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة والمغفرة حينما يعمل بطاعة الله ومناصحته فى التوبة، فعليكم بتقوى الله فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها، ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها: خير الدنيا وخير الآخرة، يقول الله سبحانه: «وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ» واعلموا عباد الله أن المؤمنين المتّقين قد ذهبوا بعاجل الخير وآجله، شركوا أهل الدنيا فى دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا فى آخرتهم
стр. 468
يقول الله : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، شاركوا أهل الدنيا فى دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون، وشربوا من أفضل ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، أصابوا لذة أهل الدنيا مع أنهم غدا من جيران الله ، يتمنّون عليه لا يردّ لهم دعوة، ولا ينقص لهم لذّة، أما فى هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل؟
واعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم ربكم، وحفظتم نبيّكم فى أهل بيته، فقد عبدتموه بأفضل ما عبد، وذكرتموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما شكر، وأخذتم بأفضل الصبر، وجاهدتم بأفضل الجهاد، وإن كان غيركم أطول صلاة منكم، وأكثركم صياما، إذ كنتم أتقى لله، وأنصح لأولياء الله من آل محمد صلى الله عليه وآله وأخشع، واحذروا عباد الله الموت ونزوله، وخذوا له عدّته، فإنه يدخل بأمر عظيم: خير لا يكون معه شرّ أبدا، أو شر لا يكون معه خير أبدا، وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أىّ المنزلتين يصير: إلى الجنة أم إلى النار؟ أعدوّ هو لله أم ولىّ له؟ فإن كان وليّا فتحت له أبواب الجنة، وشرع له طريقها، ونظر إلى ما أعدّ الله لأوليائه فيها، وفرّغ من كل شغل، ووضع عنه كل ثقل (١)، وإن كان عدوا لله فتحت له أبواب النار، وسهّل له طريقها، ونظر إلى ما أعدّ الله فيها لأهلها، واستقبل كل مكروه، وفارق كل سرور، قال الله تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ».
стр. 469
واعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت، فاحذروه وأعدّوا له عدّته، فإنكم طرداء الموت، إن أقمتم أخذكم، وإن هربتم أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلّكم، معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم إليه أنفسكم من الشّهوات، فإنه كفى بالموت واعظا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللّذات»، واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشدّ من الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه، واحذروا القبر وضمّته، وضيقه وظلمته، فإنه الذى يتكلم كل يوم يقول: «أنا بيت التراب، وأنا بيت الغربة، وأنا بيت الدّود» والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النّار، وأن المسلم إذا مات قالت له الأرض: مرحبا وأهلا، قد كنت ممن أحبّ أن تمشى على ظهرى، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعى بك، فتتّسع له مدّ بصره (١)، وإذا دفن الكافر. قالت له الأرض: لا مرحبا ولا أهلا، قد كنت ممن أبغض أن تمشى على ظهرى، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعى بك، فتنضمّ عليه حتى تلتقى أضلاعه، واعلموا أن المعيشة الضّنك التى قال سبحانه: «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (٢)» هى عذاب القبر، وأنه يسلّط على الكافر فى قبره حيّات عظام تنهش لحمه حتى يبعث، لو أن تنّينا (٣) منها نفخ الأرض ما أنبت الزرع أبدا.
واعلموا عباد الله أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التى يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به، ولا صبر لكم عليه، فتعملوا بما أحبّ الله سبحانه، وتتركوا ما كره فافعلوا، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
واعلموا عباد الله أن ما بعد القبر أشدّ من القبر، يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر
стр. 470
فيه الكبير، وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت، واحذروا يوما عبوسا قمطريرا (١)، كان شرّه مستطيرا (٢)، أما إن شرّ ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب، والسّبع الشّداد، والجبال الأوتاد، والأرضون المهاد (٣)، وانشقّت السّماء فهى يومئذ واهية، وتغيّرت، فكانت وردة كالدّهان (٤) وكانت الجبال سرابا بعد ما كانت صمّا صلابا، يقول الله سبحانه: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» فكيف بمن يعصيه بالسّمع والبصر واللسان، واليد، والرجل، والفرج، والبطن، إن لم يغفر الله ويرحم؟
واعلموا عباد الله أنّ ما بعد ذلك اليوم أشدّ وأدهى: نار قعرها بعيد، وحرّها شديد، وعذابها جديد، ومقامعها (٥) حديد، وشرابها صديد، لا يفتر عذابها، ولا يموت ساكنها، دار ليست لله سبحانه فيها رحمة، ولا يسمع فيها دعوة، ومع هذا رحمة الله التى وسعت كلّ شئ لا تعجز عن العباد، وجنّة عرضها كعرض السماء والأرض خير لا يكون معه شرّ أبدا، وشهوة لا تنفدا أبدا، ولذّة لا تفنى أبدا، ومجمع لا يتفرّق أبدا، قوم قد جاوروا الرحمن، وقام بين أيديهم الغلمان، بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والرّيحان، وأن أهل الجنة يزورون الجبّار سبحانه فى كل جمعة فيكون أقربهم منه على منابر من نور، والذين يلونهم على منابر من ياقوت، والذين يلونهم على منابر من مسك، فبيناهم كذلك ينظرون نور الله ﷻ ، وينظر الله فى وجوههم، إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النّعمة واللّذّة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، ومع هذا ما هو أفضل منه: رضوان الله الأكبر، أما إنّا لو لم نخوّف
стр. 471
إلا ببعض ما خوّفنا به لكنا محقوقين أن يشتدّ خوفنا مما لا طاقة لنا به، ولا صبر لقوّتنا عليه، وأن يشتدّ شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه، ولا بدّ لنا منه، فإن استطعتم عباد الله أن يشتدّ خوفكم من ربكم فافعلوا، فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه، وإنّ أحسن الناس لله طاعة أشدّهم له خوفا.
وانظر يا محمد: صلاتك كيف تصلّيها، فإنما أنت إمام ينبغى لك أن تتمّها، وأن تحفظها بالأركان، وأن تصلّيها لوقتها، فإنه ليس من إمام يصلّى يقوم فيكون فى صلاته وصلاتهم نقص، إلا كان إثم ذلك عليه، ولا ينقص من صلاتهم شئ.
واعلم أن كل شئ من عملك يتبع صلاتك، فمن ضبّع الصلاة فهو لغيرها أشدّ تضييعا، ووضوءك من تمام الصلاة فأت به على وجهه، فالوضوء نصف الإيمان، أسأل الله الذى يرى ولا يرى، وهو بالمنظر الأعلى، أن يجعلنا وإياك ممن يحبّه ويرضاه، حتى يبعثنا على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه، وعلى كل شئ اختاره لنا فى دنيانا وديننا، وأولانا وأخرانا، وأن يجعلنا من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فإن استطعتم يأهل مصر أن تصدق أقوالكم وأفعالكم، وأن يتوافق سرّكم وعلانيتكم، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا، رحمكم الله وعصمنا وإياكم، وسلك بنا وبكم المحجّة (١) البيضاء، وإياكم ودعوة الكذّاب ابن هند، وتأمّلوا واعلموا أنه لا سواء، وإمام الهدى وإمام الرّدى، ووصىّ النبى، وعدوّ النبى، جعلنا الله وإياكم ممن يحبّ ويرضى، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «إنى لا أخاف على أمتى مؤمنا ولا مشركا، أمّا المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيخزيه الله بشركه، ولكنى أخاف عليكم كل منافق اللسان يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون».
стр. 472
واعلم يا محمد أن أفضل الفقه الورع فى دين الله، والعمل بطاعته، فعليك بتقوى الله فى سرّ أمرك وعلانيتك، وأوصيك بسبع هنّ جوامع الإسلام: اخش الله ولا تخش الناس فى الله، وخير القول ما صدّقه العمل، ولا تقض فى أمر واحد بقضاءين مختلفين فيتناقض أمرك، وتزيغ عن الحق، وأحبّ لعامّة رعيتك ما تحبّه لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، وأصلح أحوال رعيتك، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تخف لومة لائم، وانصح لمن استشارك، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم، جعل الله خلّتنا (١) وودّنا خلّة المتقين وودّ المخلصين، وجمع بيننا وبينكم فى دار الرّضوان إخوانا على سرر متقابلين، إن شاء الله».
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٦)
٥٠٠ - كتاب علىّ إلى أهل مصر
وروى ابن أبى الحديد قال:
كتب علىّ ﵇ إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبى بكر إليهم كتابا يخاطبهم فيه ويخاطب محمدا أيضا فيه:
«أما بعد: فإنى أوصيكم بتقوى الله فى سرّ أمركم وعلانيته، وعلى أى حال كنتم عليها، وليعلم المرء منكم أن الدنيا دار بلاء وفناء، والآخرة دار جزاء وبقاء، فمن استطاع أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى فليفعل، فإن الآخرة تبقى والدنيا تفنى، رزقنا الله وإياكم بصرا لما بصّرنا وفهما لما فهّمنا، حتى لا نقصّر عما أمرنا، ولا نتعدّى إلى ما نهانا
واعلم يا محمد: أنك وإن كنت محتاجا إلى نصيبك من الدنيا، إلا أنك إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن عرض لك أمران: أحدهما للآخرة، والآخر للدنيا، فابدأ
стр. 473
بأمر الآخرة، ولتعظم رغبتك فى الخير، ولتحسن فيه نيّتك، فإن الله يعطى العبد على قدر نيّته، وإذا أحبّ الخير وأهله ولم يعمله كان إن شاء الله كمن عمله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال حين رجع من تبوك: «إن بالمدينة لأقواما: ما سرتم من مسير، ولا هبطتم من واد إلا كانوا معكم، ما حبسهم إلا المرض، يقول: كانت لهم نية».
ثم اعلم يا محمد أنّى قد ولّيتك أعظم أجنادى: أهل مصر، وولّيتك ما ولّيتك من أمر الناس، فأنت محقوق أن تخاف فيه على نفسك، وتحذر فيه على دينك، ولو كان ساعة من نهار، فإن استطعت أن لا تسخط ربّك لرضا أحد من خلقه فافعل، فإن فى الله خلفا من غيره، وليس فى شئ خلف منه، فاشتدّ على الظالم، ولن لأهل الخير، وقرّبهم إليك، واجعلهم بطانتك وإخوانك، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٦)
٥٠١ - كتاب محمد بن أبى بكر إلى معاوية
وروى أن محمد بن أبى بكر لما وصل إلى مصر كتب إلى معاوية كتابا فيه:
«من محمد بن أبى بكر إلى الغاوى (١) معاوية بن صخر: سلام على أهل طاعة الله ممن هو سلم لأهل ولاية الله، أما بعد، فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته، خلق خلقه بلا عبث منه. ولا ضعف فى قوته، ولا حاجة به إلى خلقهم، لكنه خلقهم عبيدا وجعل منهم غويّا ورشيدا، وشقيّا وسعيدا، ثم اختار على علم فاصطفى وانتخب منهم محمدا ﷺ ، فاختصه برسالته، واختاره لوحيه، وأتمنه على أمره، وبعثه رسولا ومبشّرا ونذيرا مصدّقا لما بين يديه من الكتب، ودليلا على الشرائع، فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة والموعظة الحسنة فكان أوّل من أجاب وأناب وآمن وصدّق
стр. 474
وأسلم وسلّم، أخوه وابن عمه على بن أبى طالب صدّقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقاه بنفسه كلّ هول، وواساه بنفسه فى كل خوف، وحارب حربه، وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه فى ساعات الأزل (١) ومقامات الرّوع، حتى برّز سابقا لا نظير له فى جهاده، ولا مقارب له فى فعله.
وقد رأيتك تساميه، وأنت أنت، وهو هو السابق المبرّز فى كل خير، أول الناس إسلاما، وأصدق الناس نية، وأفضل الناس ذرّيّة، وخير الناس زوجة، وأفضل الناس ابن عم، أخوه الشارى (٢) لنفسه يوم مؤنة، وعمّه سيّد الشّهداء يوم أحد، وأبوه الذابّ عن رسول الله ﷺ وعن حوزته، وأنت اللعين ابن اللعين (٣)، ولم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل (٤)، وتجهدان فى إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلّبان عليه القبائل، على هذا مات أبوك وعلى ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من تدنى ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق والشقاق لرسول الله ﷺ ، والشاهد لعلى مع فضله المبين وسابقته القديمة أنصاره الذين معه، الذين ذكرهم الله تعالى فى القرآن ففضلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب يجالدون حوله بأسيافهم، ويهريقون دماءهم دونه، يرون الحق فى اتّباعه، والشقاء (٥) فى خلافه،
стр. 475
فكيف يا لك الويل تعدل (١) نفسك بعلىّ وهو وارث رسول الله ﷺ وآله ووصيّه وأبو ولده، وأول الناس له اتّباعا، وأقربهم به عهدا، يخبره بسرّه، ويطلعه (٢) على أمره، وأنت عدوه وابن عدوه.
فتمتّع فى دنياك ما استعطت بباطلك، وليمددك بن العاص فى غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، وسوف يتبيّن لك لمن تكون العاقبة العليا! واعلم أنك إنما تكايد ربّك الذى قد أمنت كيده، وأيست من روجه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه فى غرور، والسلام على من اتبع الهدى.
(مروج الذهب ٢: ٥٩، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٣)
٥٠٢ - رد معاوية على محمد بن أبى أبى بكر
فكتب إليه معاوية:
«من معاوية بن صخر إلى الزّارى (٣) على أبيه محمد بن أبى بكر: سلام على أهل طاعة الله.
أما بعد: فقد أتانى كتابك تذكر فيه ما الله أهله فى عظمته وقدرته وسلطانه، وما أصفى (٤) به رسول الله ﷺ وعلى آله مع كلام كثير ألفّته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف، ذكرت فيه فضل ابن أبى طالب وقديم سوابقه وقرابته من رسول الله ﷺ ، ونصرته له، ومواساته إياه فى كل هول وخوف، فكان احتجاجك علىّ وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فأحمد ربّا صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك معنا فى حياة نبيّنا نعرف حقّ ابن أبى طالب لازما لنا، وفضله مبرّزا علينا، فلما اختار الله لنبيه عليه
стр. 476
الصلاة والسلام ما عنده، وأتمّ له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج (١) حجّته، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه، كان أبوك وفاروقه أول من ابتزّه حقّه (٢)، وخالفه على أمره، على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكّأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم، ثم إنه بايعهما وسلّم لهما، وأقاما لا يشركانه فى أمرهما (٣)، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضهما الله، وانقضى أمرهما، ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما، وسار بسيرتهما، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصى، من أهل المعاصى، فطلبتما له الغوائل، حتى بلغتما فيه مناكما.
فخذ حذرك يا بن أبى بكر، فسترى وبال أمرك، وقس شبرك بفترك تقصر عن أن توازى أو تساوى من يزن الجبال حلمه، ولا تلين على قسر (٤) قناته، ولا يدرك ذو مدى (٥) أناته، أبوك مهّد له مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن بك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله، وإن يكن جورا فأبوك أسّه (٦)، ونحن شركاؤه، فبهديه أخذنا وبفعله اقتدينا، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبى طالب، ولسلّمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا، فاحتذينا مثاله، واقتدينا بفعاله، فعب أباك بما بدا لك أو دع، والسلام على من أناب، ورجع من غوايته وتاب».
(مروج الذهب ٢: ٦٠، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٤)
стр. 477
٥٠٣ - كتاب علىّ إلى الأشتر
وفسدت مصر على محمد بن أبى بكر، وبلغ عليّا وثوب أهلها عليه (١)، وكان علىّ حين انصرف من صفين رد مالك بن الحارث الأشتر على عمله بالجزيرة، فلما انقضى أمر الحكومة كتب علىّ إلى الأشتر- وهو يومئذ بنصيبين (٢):
«السلام عليك يا مالك، أما بعد: فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة (٣) الأثيم، وأسدّ به الثّغر المخوف، وكنت قد وليت محمد بن أبى بكر مصر، فخرجت عليه بها خوارج، وهو غلام حدث السّن غرّ ليس بذى تجربة للحرب، ولا بمجرّب للأشياء، فأقدم علىّ للننظر فيما ينبغى، واستخلف على عملك أهل الثّقة والنصيحة من أصحابك، والسلام».
فأقبل إليه، فقال له: ليس لها غيرك، وولاه إياه، فخرج الأشتر إلى مصر، ولكنه مات بالعريش مسموما (٤).
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٤، شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٩، والنجوم الزاهرة ١: ١٠٣)
стр. 478
٥٠٤ - كتاب على إلى أهل مصر
عن مولى للأشتر قال: لما هلك الأشتر وجدنا فى ثقله (١) رسالة علىّ إلى أهل مصر:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصى فى أرضه (٢) وذهب بحقّه، فضرب الجور سرادقه على البرّ والفاجر، والمقيم والظاعن، فلا معروف يستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه.
سلام عليكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الرّوع حذار الدّوائر (٣)، أشدّ على الفجّار، من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ، فإنه سيف من سيوف الله، لا كليل الظّبة (٤) ولا نابى الصّريبة، حكيم فى السّلم، رزين فى الحرب، ذو رأى أصيل، وصبر جميل، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يقدم، ولا يحجم، ولا يؤخّر، ولا يقدّم إلا عن أمرى،
стр. 479
وقد آثرتكم به على نفسى لنصيحته لكم، وشدة شكيمته (١) على عدوكم، عصمكم الله بالهدى، وثبّتكم على اليقين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
(تاريخ الظبرى ٦: ٥٥، ونهج البلاغة ٢: ٤٥، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٩ وص ٣٠)
٥٠٥ - كتاب آخر إلى أهل مصر
وروى الشريف الرضىّ فى نهج البلاغة أيضا أن عليّا ﵇ كتب إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها:
«أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله نذيرا للعالمين، ومهيمنا (٢) على المرسلين، فلما مضى ﵇ تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو الله ما كان يلقى فى روعى (٣)، ولا يخطر ببالى أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله عن أهل بيته، ولا أنهم منحّوه (٤) عنى من بعده، فما راعنى إلا انثيال الناس على فلان (٥) يبايعونه فأمسكت يدى، حتى رأيت راجعة الناس (٦) قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما، تكون المصيبة به علىّ أعظم من فوت ولا يتكم التى إنما هى متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشّع (٧) السحاب، فنهضت فى تلك الأحداث، حتى زاح (٨) الباطل وزهق، واطمأنّ الدّين وتنهنه (٩)». ومنه:
стр. 480
«إنى والله لو لقيتهم واحدا، وهم طلاع (١) الأرض كلها، ما باليت ولا استوحشت، وإنى من ضلالهم الذى هم فيه، والهدى الذى أنا عليه، لعلى بصيرة من نفسى، ويقين من ربى، وإنى إلى لقاء الله لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكنى آسى (٢) أن يلى أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجّارها، فيتخذوا مال الله دولا (٣) وعباده خولا، والصالحين حربا، والفاسقين حزبا، فإن منهم الذى قد شرب فيكم الحرام، وجلد حدّا فى الإسلام (٤)، وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرّضائخ (٥)، فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم (٦) وتأنيبكم، وجمعكم وتحريضكم، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم.
стр. 481
ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى أمصاركم قد افتتحت، وإلى ممالككم تزوى (١) وإلى بلادكم تغزى؟ انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم، ولا تثّاقلوا إلى الأرض، فتقروا (٢) بالخسف، وتبوءوا بالذل، ويكون نصيبكم الأخسّ، وإنّ أخا الحرب الأرق، ومن نام لم ينم عنه، والسلام».
(نهج البلاغة ٢: ٨٦)
٥٠٦ - كتاب على إلى محمد بن أبى بكر
ولما بلغ محمد بن أبى بكر أن عليّا قد بعث الأشتر شقّ عليه، فكتب علىّ إليه حين بلغه موجدته لقدوم الأشتر عليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى محمد بن أبى بكر.
سلام عليك، أما بعد: فقد بلغنى موجدتك (٣) من تسريحى الأشتر إلى عملك، وإنى لم أفعل ذلك استبطاء لك فى الجهاد، ولا استزادة لك منى فى الجدّ، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك، لولّيتك ما هو أيسر عليك مئونة، وأعجب إليك منه ولاية.
ألّا إن الرجل الذى كنت ولّيته أمر مصر، كان لنا رجلا مناصحا، وعلى عدونا شديدا ناقما، فرحمه الله، فلقد استكمل أيّامه، ولا قى حمامه (٤) ونحن عنه راضون، أولاه الله رضوانه، وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب، فأصحر (٥) لعدوك، وامض على بصيرتك، وشمّر لحرب من حاربك، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة
стр. 482
والموعظة الحسنة، وأكثر ذكر الله، والاستعانة به، والخوف منه، يكفك ما أهمّك، ويعنك على ما ولّاك، وأعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته، والسلام عليك».
(نهج البلاغة ٢: ٤٢ وتاريخ الطبرى ٦: ٥٥، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٠)
٥٠٧ - رد محمد بن أبى بكر على علىّ
فكتب إليه محمد بن أبى بكر جواب كتابه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله علىّ أمير المؤمنين من محمد بن أبى بكر، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله غيره، أما بعد: فإنى قد انتهى إلىّ كتاب أمير المؤمنين: وفهمته وعرفت ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضى منى برأى أمير المؤمنين، ولا أجهد على عدوه، ولا أرأف بوليّه منى.
وقد خرجت فعسكرت، وآمنت الناس، إلا من نصب لنا حربا، وأظهر لنا خلافا، وأنا متّبع أمر أمير المؤمنين، وحافظه، وملتجئ إليه، وقائم به، والله المستعان على كل حال، والسلام عليك».
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٥، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٠)
٥٠٨ - كتاب معاوية إلى مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج
وكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلّد الأنصارى، وإلى معاوية بن حديج الكندى وكانا بمصر قد خالفا عليّا كما قدمنا:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن الله قد ابتعثكما (١) لأمر عظيم، أعظم به أجر كما، ورفع به ذكر كما، وزيّنكما به فى المسلمين (٢)، طلبتما بدم الخليفة
стр. 483
المظلوم، وغضبتما لله إذ ترك حكم الكتاب، وجاهدتما أهل البغى والعدوان، فأبشروا برضوان الله، وعاجل نصرة أولياء الله، والمواساة لكما فى الدنيا وسلطاننا، حتى ينتهى ذلك إلى ما يرضيكما، ونؤدّى به حقكما، فألزما أمركما، وجاهدا عدوكما، وادعوا المدبر إلى هدا كما، فكأنّ الجيش قد أطلّ عليكما، فانقشع كل ما تكرهان، وكان كل ما تهويان، والسلام عليكما، ورحمة الله».
(تاريخ الطبرى ٦: ٧٥، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣١)
٥٠٩ - رد مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج على معاوية
فكتب مسلمة عن نفسه، وعن معاوية بن حديج:
«أما بعد: فإن هذا الأمر الذى بذلنا (١) له أنفسنا، واتّبعنا أمر الله فيه، أمر نرجو به ثواب ربّنا، والنصر على من خالفنا، وتعجيل النّقمة لمن سعى على إمامنا، وطأطأ (٢) الرّكض فى مهادنا، ونحن بهذا الحيّز من الأرض قد نفينا من كان به من أهل البغى، وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل.
وقد ذكرت المواساة فى سلطانك ودنياك، وتالله إن ذلك لأمر ماله نهضنا، ولا إياه أردنا، فإن يجمع الله لنا ما نطلب، ويؤتنا ما تمنّينا، فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين، وقد يؤتيهما الله جميعا عالما من خلقه، كما قال فى كتابه- ولا خلف لموعوده-:
«فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».
عجّل علينا خيلك ورجلك، فإن عدونا قد كان علينا حربا، وكنا فيهم قليلا، فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحنا لهم مقرنين (٣)، فإن يأتنا الله بمدد من قبلك، يفتح الله عليكم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك».
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٧، والنجوم الزاهرة ١: ١٠٨، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣١)
стр. 484
٥١٠ - كتاب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبى بكر
فبعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر فى ستة آلاف، (سنة ٣٨ هـ) وسار عمرو حتى نزل أدانى أرض مصر، فاجتمعت العثمانيّة إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبى بكر:
«أما بعد: فتنحّ عنّى بدمك يا بن أبى بكر، فإنى لا أحبّ أن يصيبك منى ظفر (١)، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك، وندموا على اتّباعك، فهم مسلموك (٢) لو قد التقت حلقتا البطلان (٣)، فاخرج منها فإنى لك من النّاصحين، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٨، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٣: ١٤٢، والنجوم الزاهرة ١: ١٠٩، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٢)
٥١١ - كتاب معاوية إلى محمد بن أبى بكر
وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه، وهو:
«أما بعد: فإنّ غبّ (٤) البغى والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النّقمة فى الدنيا، ومن التّبعة الموبقة (٥) فى الآخرة، وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا، ولا أسوأ له عيبا، ولا أشدّ عليه خلافا منك، سعيت عليه فى الساعين، وساعدت عليه مع المساعدين، وسفكت دمه مع السافكين، ثم أنت تظن أنى عنك نائم، أو ناس لك، حتى تأتى فتأمّر على بلاد أنت فيها جارى، وجلّ أهلها أنصارى، يرون رأيى، ويرقبون قولى (٦)، ويستصر خوننى (٧)
стр. 485
عليك، وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك، يستسقون (١) دمك، ويتقربون إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهدا ليمثّلنّ بك، ولو لم يكن منهم (٢) إليك ما عدا قتلك، ما حذّرتك ولا أنذرتك، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان، يوم يطعن بمشاقصك (٣) بين خششائه وأوداجه، ولكن أكره أن أمثّل بقرشىّ، ولن يسلّمك الله من القصاص أبدا أينما كنت، والسلام»:
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٨، والنجوم الزاهرة ١: ١٠٩، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٢)
٥١٢ - كتاب محمد بن أبى بكر إلى علىّ
فطوى محمد بن أبى بكر كتابيهما، وبعث بهما إلى علىّ، وكتب معهما:
«أما بعد يا أمير المؤمنين: فإن ابن العاص نزل أدانى أرض مصر، واجتمع إليه من أهل البلد من كان يرى رأيهم، وقد جاء فى جيش لجب (٤) جرّار (٥)، وقد رأيت ممن قبلى بعض الفشل، فإن كان لك فى أرض مصر حاجة، فأمدّنى بالرجال والأموال، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٨، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٢)
стр. 486
٥١٣ - رد علىّ على محمد بن أبى بكر
فكتب إليه علىّ:
«أما بعد: فقد جاءنى كتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل أدانى أرض مصر فى لجب من جيشه جرّار، وأن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك، وذكرت أنك قد رأيت فى بعض من قبلك فشلا، فلا تفشل وإن فشلوا، حصّن قريتك، واضمم إليك شيعتك، وأذك (١) الحرس فى عسكرك، واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنّجدة (٢) والبأس، فإنى نادب إليك الناس على الصّعب والذّلول، فاصبر لعدوك، وامض على بصيرتك، وقاتلهم على نيّتك، وجاهدهم صابرا محتسبا، وإن كانت فئتك أقلّ الفئتين، فإن الله قد يعز القليل، ويخذل الكثير.
وقد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عمرو، المتحابّين فى عمل المعصية، والمتوافقين المرتشيين فى الحكومة، المنكرين فى الدنيا (٣)، قد استمتعوا بخلاقهم (٤) كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالا ما شئت والسلام».
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٨، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٢)
٥١٤ - رد محمد بن أبى بكر على معاوية
فكتب محمد بن أبى بكر إلى معاوية جواب كتابه:
«أما بعد: فقد أتانى كتابك تذكّرنى من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه، وتأمرنى بالتّنحّى عنك، كأنك لى ناصح، وتخوّفنى المثلة، كأنك علىّ شفيق، وأنا
стр. 487
أرجو أن تكون لى الدائرة عليكم، فأجتاحكم (١) فى الوقعة، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر فى الدنيا، فكم لعمرى من ظالم قد نصرتم، وكم من مؤمن قد قتلتم ومثّلتم به، وإلى الله مصيركم ومصيرهم، وإلى الله مردّ الأمور وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٨، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٢)
٥١٥ - رد محمد بن أبى بكر على عمرو بن العاص
وكتب محمد إلى عمرو بن العاص جواب كتابه:
«أما بعد: فقد فهمت ما ذكرت فى كتابك يا بن العاص، زعمت أنك تكره أن يصيبنى منك ظفر، فأشهد بالله إنك لمن المبطلين، وتزعم أنك لى نصيح، وأقسم إنك عندى ظنين (٢)، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيى وأمرى وندموا على اتباعى، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبنا الله رب العالمين، وتوكّلنا على الله العزيز الرحيم، رب العرش العظيم، والسلام».
ثم نشب القتال بين الفريقين، ودارت الدائرة على جيش محمد بن أبى بكر، وأسلمه أصحابه وتفرقوا عنه حين بلغهم قتل كنانة بن بشر، حتى بقى محمد وما معه أحد منهم، فلما رأى ذلك خرج يمشى فى الطريق، حتى انتهى إلى خربة فأوى إليها، وخرج معاوية ابن حديج فى طلبه حتى اهتدى إليه فاستخرجه وقتله، ثم ألقاه فى جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار.
(تاريخ الطبرى ٦: ٥٩، وشرح ابن أبى الحديد م: ٢ ص ٣٢)
стр. 488
٥١٦ - كتاب عمرو بن العاص إلى معاوية
وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية:
«أما بعد: فإنا لقينا محمد بن أبى بكر، وكنانة بن بشر فى جموع جمّة من أهل مصر، فدعوناهم إلى الهدى والسنة وحكم الكتاب، فرفضوا الحق، وتورّكوا (١) فى الضلال، فجاهدناهم، واستنصرنا الله عليهم، فضرب الله وجوههم وأدبارهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر وأمائل القوم، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك».
(تاريخ الطبرى ٦: ٦٠، وشرح ابن أبى الحديد م ٢ ص ٣٤)
٥١٧ - كتاب علىّ إلى ابن عباس
وكتب علىّ ﵇: إلى عبد الله بن عباس- وهو بالبصرة- بعد مقتل محمد بن أبى بكر بمصر:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبى بكر ﵀ قد استشهد، فعند الله نحتسبه وندّخره ولدا (٢) ناصحا، وعاملا كادحا وسيفا قاطعا، وركنا دافعا، وقد كنت حثثت الناس على لحاقه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرّا وجهرا، وعودا وبدءا، فمنهم الآتى كارها ومنهم المعتلّ كاذبا، ومنهم القاعد خاذلا، أسأل الله أن يجعل لى منهم فرجا ومخرجا
стр. 489
وأن يريحنى منهم عاجلا، فو الله لولا طمعى عند لقائى عدوىّ فى الشهادة، وتوطينى نفسى على المنيّة، لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا، ولا ألتقى بهم أبدا، عزم الله لنا ولك على الرّشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كل شئ قدير، والسلام».
(نهج البلاغة ٢: ٤٣، وتاريخ الطبرى ٦: ٦٣، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٣٥)
٥١٨ - رد ابن عباس على علىّ
فكتب إليه ابن عباس:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله على بن أبى طالب أمير المؤمنين من عبد الله ابن عباس، سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد بلغنى كتابك تذكر فيه افتتاح مصر، وهلاك محمد بن أبى بكر، فالله المستعان على كل حال، ورحم الله محمد بن أبى بكر، وأجرك يا أمير المؤمنين، وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيّتك التى ابتليت بها فرجا ومخرجا، وأنا أسأل الله أن يعلى كلمتك، وأن يعزّك بالملائكة عاجلا بالنّصرة، واعلم أن الله صانع لك، ومعزّك، ومجيب دعوتك، وكابت (١) عدوك.
وأخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تثاقلوا ثم ينشطون، فارفق بهم يا أمير المؤمنين، وداجنهم (٢) ومنّهم، واستعن بالله عليهم، كفاك الله ألمهم (٣)، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٦: ٦٣، وشرح ابن أبى الحديد م ٢، ص ٣٥)
стр. 490
٥١٩ - كتاب علىّ إلى أهل العراق
ودخل على علىّ ﵇ بعض أهل العراق، فسألوه عن أبى بكر وعمر، وقالوا: بيّن لنا قولك فيهما، وفى عثمان، فقال لهم: أو قد تفرغتم لهذا، وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتى فيها قد قتلت؟ إنى مخرج إليكم كتابا أنبئكم فيه ما سألتمونى عنه، فاقرءوه على شيعتى، فأخرج إليهم كتابا فيه (١):
«أما بعد: فإن الله بعث محمدا ﷺ نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الأمة، وأنتم معاشر العرب يومئذ على شرّ دين، وفى شرّ دار، منيخون على حجارة خشنة صمّ (٢)، وشوك مبثوث فى البلاد، تشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الخبيث، تسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل سبلكم خائفة، والأصنام فيكم منصوبة، ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، فمنّ الله عليكم بمحمد فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم تعرفون وجهه ونسبه، فعلّمكم الكتاب، والحكمة، والفرائض، والسّنن، وأمركم بصلة أرحامكم، وحقن دمائكم، وإصلاح ذات بينكم، وأن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، وأن توفّوا بالعهد، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وأن تعاطفوا، وتبارّوا، وتباذلوا، وتراحموا، ونهاكم عن التناهب والتظالم، والتحاسد، والتباغى، والتقاذف، وعن شرب الخمر، وعن بخس المكيال، ونقص الميزان، وتقدّم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا تزنوا، ولا تربوا، ولا تأكلوا أموال
стр. 491
اليتامى ظلما، ولا تعثوا فى الأرض مفسدين، ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين، فكلّ خير يدنى إلى الجنة ويباعد عن النار أمركم به، وكلّ شرّ يدنى إلى النّار ويباعد عن الجنة نهاكم عنه.
فلمّا استكمل رسول الله ﷺ مدّته من الدنيا، توفّاه الله، وهو مشكور سعيه، مرضىّ عمله، مغفور له ذنبه، شريف عند الله نزله، فيا لها مصيبة خصّت الأقربين، وعمّت المسلمين، ما أصيبوا قبلها بمثلها، ولن يعاينوا بعدها أختها، فلما مضى لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده، فو الله ما كان يلقى فى روعى، ولا يخطر على بالى أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد عن أهل بيته، ولا أنهم منحّوه عنى من بعده، فما راعنى إلا انثيال الناس على أبى بكر، وإجفالهم (١) إليه ليبايعوه، فأمسكت يدى، ورأيت أنى أحقّ بمقام محمد فى الناس ممن تولّى الأمر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله، وملة محمد ﷺ ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما، يكون المصاب بهما علىّ أعظم من فوات ولاية أموركم، التى إنما هى متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها كما يزول السّراب، وكما يتقشّع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر فبايعته، ونهضت معه فى تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هى العليا، ولو كره الكافرون.
فتولّى أبو بكر رضى الله عنه تلك الأمور، فيسّر، وسدّد، وقارب، واقتصد، وصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، وما طمعت أن لو حدث به حادث، وأنا حىّ، أن يردّ إلىّ الأمر الذى نازعته فيه طمع مستيقن، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، ولولا خاصّة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنه لا يدفعها عنى.
стр. 492
فلما احتضر بعث إلى عمر، فولّاه، فسمعنا وأطعنا، وبايعنا، وناصحنا، وتولّى عمر الأمر، فكان مرضىّ السّيرة، ميمون النّقيبة (١) أيام حياته، حتى إذا احتضر قلت فى نفسى: لن يعد لها عنى، ليس يدافعنى عنها، فجعلها عمر شورى، وجعلنى سادس ستّة، فلما كانوا لو لاية أحد منهم أشدّ كراهة لو لايتى عليهم، لأنهم كانوا يسمعوننى عند وفاة رسول الله ﷺ وأنا أحاجّ أبا بكر فأقول: يا معشر قريش، إنا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا من يقرأ القرآن، ويعرف السّنّة، وبدين بدين الحق، فخشى القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم فى هذا الأمر نصيب ما بقوا، فأجمعوا إجماعا واحدا، فصرفوا الولاية عنى إلى عثمان، وأخرجونى منها، رجاء أن ينالوها ويتداولوها، إذ يئسوا أن ينالوها من قبلى، ثم قالوا لى: هلمّ فبايع عثمان وإلّا جاهدناك، فبايعت مستكرها (٢)، وصبرت محتسبا، فقال قائلهم: إنك يا بن أبى طالب على هذا الأمر لحريص، فقلت لهم: أنتم أحرص منى وأبعد، أينا أحرص، أنا الذى طلبت ميراث ابن أبى وحقى الذى جعلنى الله ورسوله أولى به، أم أنتم إذ تضربون وجهى دونه، وتحولون بينى وبينه؟ فبهتوا، والله لا يهدى القوم الظالمين، اللهم إنى أستعديك (٣) على قريش، فإنهم قطعوا رحمى، وأضاعونى، وصغّروا عظيم منزلتى وفضلى، واجتمعوا على منازعتى حقّا كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: ألا إن فى الحق أن تأخذه، وفى الحق أن تمنعه، فاصبر كمدا، أو مت أسفا حنيقا (٤)، فنظرت فإذا ليس معى رافد (٥)، ولا ذابّ، ولا ناصر، ولا مساعد إلا أهل بيتى، فضننت بهم عن المنيّة، فأغضيت عينى على
стр. 493
القذى (١)، وتجرّعت ربقى على الشّجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم طعما، وآلم للقلب من حزّ الشّفار (٢)، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتمونى لتبايعونى فأبيت عليكم وأبيتم علىّ، وأمسكت يدى فنازعتمونى ودافعتمونى وبسطتم يدى فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم علىّ حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، أو أنكم قاتلىّ، فقلتم: بايعنا، لا نجد غيرك ولا رضى إلا بك، بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا، فبايعتكم، ودعوتم الناس إلى بيعتى، فمن بايع طوعا قبلته، ومن أبى لم أكرهه وتركته، فأول من بايعنى طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما، فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغنى أنهما قد خرجا من مكة متوجّهين إلى البصرة، فى جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطانى الطاعة، وسمح لى بالبيعة، فقدما على عاملى وخزّان بيت مالى، وعلى أهل مصرى الذين كلهم على بيعتى وفى طاعتى، فشتّتوا كلمتهم، وأفسدوا علىّ جماعتهم، ثم وثبوا على شيعتى، فقتلوا طائفة منهم غدرا، وطائفة صبرا (٣)، ومنهم طائفة غضبوا لله ولى، فشهروا سيوفهم وضربوا بها، حتى لقوا الله صابرين محتسبين، فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله، لحلّ لى بذلك قتل الجيش بأسره، فدع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدّة التى دخلوا بها عليهم، وقد أدال (٤) الله منهم، فبعدا للقوم الظالمين.
ثم إنى نظرت فى أمر أهل الشأم، فإذا هم أعراب وأحزاب، وأهل طمع جفاة طغاة (٥)، تجمعوا من كل أوب، ممن ينبغى أن يؤدّب، وأن يولّى عليه، ويؤخذ على
стр. 494
يديه، ليسوا من الأنصار، ولا المهاجرين، ولا التابعين بإحسان، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة، فأبوا إلا شقاقا ونفاقا، ونهضوا فى وجوه المهاجرين والأنصار، ينضحونهم (١) بالنّبل، ويشجرونهم بالرماح، فهنالك نهدت (٢) إليهم فقاتلتهم، فلما عضّهم السلاح، ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن، وإنما رفعوها مكيدة وخديعة، ووهنا وضعفا، فامضوا على حقكم وقتالكم، فأبيتم علىّ واتهمتمونى، وقلتم: اقبل منهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما فى الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجّتنا عليهم، فقبلت منهم، وكففت عنهم إذ ونيتم وأبيتم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين يحييان ما أحيا القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرّق حكمهما، ونبذا حكم القرآن، وخالفا ما فى الكتاب، واتّبعا هواهما بغير هدى من الله فجنّبهما الله السّداد، وأهوى بهما فى غمرة الضلال (٣)، وكانا أهل ذلك، فانخذلت عنا فرقة منا، فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عاثوا فى الأرض مفسدين، وقتلوا المؤمنين، أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، ثم كتاب الله بيننا وبينكم، فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم، وشدّت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين.
فلما كان ذلك من شأنهم، أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فإنه أفزع لقلوبهم، وأنهك لقواهم، وأهتك لكيدهم، فقلتم: كلّت أذرعنا وسيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت (٤) أسنّة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا، فأذن لنا فلنرجع
стр. 495
إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدّتنا، وإذا رجعت زدت فى مقاتلتنا عدّة من هلك منا ومن قد فارقنا. فإن ذلك أقوى لنا على عدونا، فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم على الكوفة، أمرتكم أن تنزلوا بالنّخيلة، وأن تلزموا معسكركم، وأن تضمّوا قواصيكم، وأن توطّنوا على الجهاد أنفسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم، فإن ذلك يرقّ قلوبكم ويلويكم، وإن أهل الحرب المصابروها، وأهل التشمير فيها الذين لا يتوجّدون (١) سهر ليلهم، ولا يتوجّعون، ولا يسأمون من ظمإ نهارهم، ولا من خمص (٢) بطونهم، ولا من نصب أبدانهم، حتى يدركوا ثأرهم، وينالوا بغيتهم ومطلبهم، فنزلت طائفة منكم معى معذرة، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية، فلا من نزل معى صبر فثبت، ولا من دخل المصر عاد إلىّ ورجع.
ولقد نظرت إلى عسكرى، وما فيه معى منكم إلا خمسون رجلا، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرتم أن تخرجوا معى إلى يومكم هذا لله آباؤكم! فما تنتظرون؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى مصركم قد افتتحت (٣) وإلى شيعتى بها قد قتلت، وإلى مسالحكم (٤) تعرى، وإلى بلادكم تغزى، وأنتم ذوو عدد كثير، وشركة، وبأس شديد، فما بالكم؟ لله أنتم! من أين تؤتون؟ وما لكم تؤفكون (٥) وأنّى تسحرون، ولو أنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا، ألا إن القوم قد اجتمعوا، وجدّوا وتناصحوا، وإنكم قد ونيتم وتفرقتم، واختلفتم، وتغاششتم، فأنتم إن اجتمعتم تسعدون.