← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فهرس الأمثال التى ورد شرحها فى الهامش (عدا أمثال أكثم بن صيفى الواردة فى رسالتيه من ص ٢٥ إلى ص ٣٠) رقم الصفحة ١٤ خذه ولو بقرطى مارية ١٤ جزاء سنمار ٢٤ لا أفعل كذا ما بلّ بحر صوفة ٣٦ إن بينهم عيبة مكفوفة ٧٢ أخذه برمته ٩٥ يدب له الضراء ويمشى له الخمر ٩٥ ما يقعقع له بالشنان ٩٦ ما له سبد ولا لبد ٩٦ ما أصاب عنده هلة ولا بلة ١٠١ لبست له جلد النمر ١٠١ أسرى من أنقد بات بليلة أنقد ١٠١ إن العوان لا تعلم الخمرة ١٠٣ لا ناقتى فى هذا ولا جملى ١٠٤ إحدى لياليك فهيسى هيسى ١٣٧ جاء بالشوك والشجر ١٦٣ جاءوا بقضهم وقضيضهم ٢٥٢ الحق أبلج والباطل لجلج رقم الصفحة ٢٧٦ بلغ السيل الزبى ٢٧٦ جاوز الحزام الطببين ٣٣١ ما يدرى أيخثر أم يذيب ٣٣٢ كالأشقر، إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر ٣٤٧ كدابغة وقد حلم الأديم ٣٤٨ كانت عليهم كراغية الهكر ٣٥٠ استنوق الجمل ٣٥٢ دونه خرط القتاد ٣٥٦ حذو النعل بالنعل ٣٦١ أذل من فقع بقرقرة ٣٦٢ أذل من بيضة البلد ٣٨٩ ضرب وجه الأمر وعينه ٣٩٣ كمستبضع التمر إلى هجر ٣٩٤ حنّ قدح ليس منها ٤٠٠ رب ملوم لا ذنب له ٤٠١ لبث قليلا يلحق الهيجا حمل- ضح رويدا

стр. 562

رقم الصفحة ٤١٦ شق عصاهم ٤٢٨ وافق شن طبقة ٤٤٤ أعزّ من بيض الأنوق ٤٧٩ إن لله جنودا منها العسل ٤٨٦ التقت حلقتا البطان ٤٩٨ أبدت الرغوة عن الصريح رقم الصفحة ٤٩٨ صرح المخض عن الزبد ٥١٧ قلب له ظهر المجن ٥٢٣ حال الجريض دون القريض ٥٢٣ بلغ منه المخنق ٥٢٩ أذل من النعل ٥٢٩ لا أذل من الشسع

стр. 563

الجزء الثاني مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسمك ربى أبتدئ، وبحولك أستعين، وبتوفيقك أسدّد، وعلى صفيّك المختار سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله، وصحبه الأبرار، أصلّى أفضل صلاة، وأسلّم أزكى سلام. وبعد: فهأنذا أقدّم بين يدى القراء الجزء الثانى من «جمهرة رسائل العرب». حاويا ما استوعبه جهدى من الرسائل فى العصر الأموى، وسيرونه حافلا ممتعا كما رأوا سابقه. وكذلك سيرون تالييه إن شاء الله. وكان من بين المآخذ التى نقلت عنها رسائل هذا العصر، كتاب: «اختيار المنظوم والمنثور، لأبى الفضل أحمد بن أبى طاهر طيفور، المتوفى سنة ٢٨٠ هـ». وقد ذكره ابن النديم فى الفهرست فى أثناء ترجمة صاحبه- ص ٢٠٩ - قال: «وله من الكتب المصنفة، كتاب المنظوم والمنثور، أربعة عشر جزءا، والذى بيد الناس ثلاثة عشر جزءا». وقد أكلت ضباع الضّياع جلّ هذا الكتاب، ولم يصل إلينا منه إلا أجزاء ثلاثة: الحادى عشر، والثانى عشر، والثالث عشر، ومن تلك الأجزاء نسختان خطيتان محفوظتان فى دار الكتب المصرية، إحداهما رقم ٥٨١ أدب، والأخرى رقم ١٨٦٠ أدب.

стр. 564

وفى الجزأين الأخيرين قليل من رسائل الأمويين، وبحر زاخر من رسائل العباسيين- وسترد فى الجزء الثالث إن شاء الله- وينفرد ذلك الكتاب بأن معظم ما ورد فيه لم يرد فيما بين أيدينا فى عصرنا هذا من كتب الأدب والتاريخ. وأودّ أن أنبه هنا إلى أن أرقام الصفحات التى ذيّلت بها الرسائل المنقولة عنه، فى هذا الجزء وما بعده، هى صفحات النسخة الثانية، إذ نسخت منها- بيدى- ابتداء، لكبر خطها وانفراج سطورها، ثم عارضت ما نسخته بالنسخة الأولى. ومن الكتب الأدبية النفيسة التى اطلعت عليها فى دار الكتب المصرية أيضا، كتاب: «نثر الدرر للوزير زين الكفاة أبى سعد منصور بن الحسين الآبى (١) المتوفى سنة ٤٢٢ هـ». وهو فى سبعة أجزاء، تقع فى ٨٣٢ صفحة، ومنه نسخة بالدار مصورة بالتصوير الشمسى رقم ٤٤٢٨ أدب (٢) ويخيّل إلىّ أن أبا إسحق الحصرى القيروانى المتوفى سنة ٤٥٣ هـ قد وضع كتابه: «زهر الآداب». على غرار هذا الكتاب. وفيه رسائل قليلة للأمويين والعباسيين، وقد أشرت إلى نبذة يسيرة وردت فيه، فى أواخر رسالة مروان بن محمد إلى بعض الخوارج، وكان بودّى أن أنقل ما حواه من الرسائل، بيد أنه حال بينى وبين ذلك حائلان: رداءة الخط، وسوء التصوير، فقد غشّى أكثر صفحاته بظلّ أسود كثيف من أثر التصوير، مما حسر معه بصرى عن تبيّن الحروف بجلاء ووضوح، ولما كان ديدنى أن أباشر عملى بنفسى، دون أن أركن فيه إلى أحد سواى، لم يسعنى أن أعهد إلى النسّاخ بنسخها منه، إذا كانت عاقبة الاستنساخ أن أعتهد ما نسخ، وأراجعه ثانية فى دقّة واستثبات، وأرجو أن

стр. 565

تتاح لبعض أدبائنا الأماثل فرصة موفّقة، فينشر للناس هذا السّفر الجليل، مميطا عنه اللثام، معبّدا إليه السبيل. والله أسأل أن يمنحنا شرف الدّءوب على خدمة لغة قرآنه ونبيّه، وأن يزوى عنا ما قد يعتورنا من الملال والكلال، فى إحياء كنوزها الدفينة، واجتلاء جواهرها المستجنّة، وأن يرزقنا ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخره، عليه توكّلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير. أحمد زكى صفوت وحرر بالقاهرة فى رجب ١٣٥٦ هـ سبتمبر ١٩٣٧ م

стр. 566

فهرس مآخذ الرسائل فى هذا الجزء الأغانى: لأبى الفرج الأصبهانى: الجزء الثانى- الخامس- السادس- الثامن- الحادى عشر- السادس عشر- الثامن عشر تاريخ الأمم والملوك: لأبى جعفر بن جرير: الجزء الرابع- السادس- السابع- الثامن الطبرى: التاسع تاريخ الكامل: لعز الدين بن الأثير: الجزء الثالث- الرابع صبح الأعشى: لأبى العباس القلقشندى: الجزء الأول- السادس- التاسع- العاشر الكامل: للمبرد: الجزء الأول- الثانى العقد الفريد: لابن عبد ربه: الجزء الأول- الثانى الثالث زهر الآداب: لأبى إسحق الحصرى: الجزء الأول- الثالث البيان والتبيين: للجاحظ: الجزء الأول- الثانى- الثالث وفيات الأعيان لابن خلكان: الجزء الأول- الثانى شرح نهج البلاغة: لابن أبى الحديد: المجلد الأول- الثالث- الرابع صحيح الإمام البخارى: الجزء الأول مروج الذهب: للمسعودى الجزء الثانى معجم البلدان: لياقوت الحموى: الجزء الثانى- السادس الإمامة والسياسة: لابن قتيبة: الجزء الأول- الثانى نهاية الأرب: لشهاب الدين النويرى: الجزء السابع الأمالى لأبى على القالى: الجزء الثانى- ذيل الأمالى مجمع الأمثال: لأبى الفضل الميدانى: الجزء الثانى جمهرة الأمثال: لأبى هلال العسكرى: الجزء الثانى

стр. 567

عيون الأخبار: لابن قتيبة: الجزء الخامس تهذيب تاريخ ابن عساكر: الجزء الأول المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المقريزى: الجزء الأول اختيار المنظوم والمنثور لابن طيفور: الجزء الثانى عشر- الثالث عشر نثر الدرر: لمنصور بن الحسين الآبىّ: الجزء الثالث غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص: الفاضحة للوطواط المنية والأمل: لأحمد بن يحيى المرتضى: ثمرات الأوراق: لابن حجة الحموى: كتاب الخراج: لأبى يوسف: سرح العيون، شرح رسالة ابن زيدون: لابن نباتة المصرى: أدب الكتاب: لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى: سيرة عمر بن عبد العزيز: لابن الجوزى: الحسن البصرى: لابن الجوزى: فتوح البلدان: للبلاذرى: الفخرى: لابن طباطبا: كتاب الوزراء والكتاب: لابن عبدوس الجهشيارى: مقدمة ابن خلدون: خاص الخاص: للثعالبى: مفتاح الأفكار: للشيخ أحمد مفتاح: رسائل البلغاء: لمحمد كرد على بك:

стр. 568

الباب الثالث الرّسائل فى العصر الأموى خلافة الحسن ومعاوية ١ - كتاب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن علىّ رضى الله عنهما كتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن على رضى الله عنهما إذ ولّاه الناس أمرهم بعد الإمام على كرم الله وجهه فى رمضان سنة ٤٠ هـ. «أما بعد، فإن المسلمين ولّوك أمرهم بعد علىّ ﵇، فشمّر للحرب (١)، وجاهد عدوّك، وقارب أصحابك، واستر من الظنين ذنبه بما لا يثلم دينك (٢)، وولّ (٣) أهل البيوتات والشرف، تستصلح بهم عشائرهم، حتى يكون الناس جماعة،

стр. 569

فإن بعض ما يكره الناس- ما لم يتعدّ الحقّ، وكانت عواقبه تؤدى إلى ظهور العدل، وعزّ الدين- خير من كثير مما يحبه الناس، إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور، وذلّ المؤمنين، وعزّ الفاجرين، واقتد بما جاء عن أئمة العدل، فقد جاء عنهم: «إنه لا يصلح الكذب إلا فى حرب أو إصلاح بين الناس، فإن الحرب خدعة (١)» ولك فى ذلك سعة، إذا كنت محاربا، ما لم تبطل حقّا. واعلم أن عليّا أباك إنما رغّب الناس عنه إلى معاوية أنه آسى (٢) بينهم فى الفىء، وسوّى بينهم فى العطاء، فثقل عليهم. واعلم أنك تحارب من حارب الله ورسوله فى ابتداء الإسلام، حتى ظهر أمر الله، فلما وحّد الربّ، ومحق الشّرك، وعزّ الدين، أظهروا الإيمان، وقرءوا القرآن مستهزئين بآياته، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى، وأدّوا الفرائض وهم لها كارهون، فلما رأوا أنه لا يعزّ فى الدين إلا الأتقياء الأبرار، توسّموا بسيمى الصالحين، ليظن المسلمون بهم خيرا، فما زالوا بذلك حتى شركوهم فى أماناتهم، وقالوا حسابهم على الله، فإن كانوا صادقين فإخواننا فى الدين، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم، والله ما زادهم طول العمر إلا غيّا، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا، فجاهدهم ولا ترض دنيّة، ولا تقبل خسفا (٣)، فإن عليّا لم يجب إلى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب، وإنهم يعلمون أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل، فلما حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله، ولا تخرجنّ من حقّ أنت أولى به، حتى يحول الموت دون ذلك، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٤ ص: ٨، والعقد الفريد ١: ٩، ٢: ٢٤٤)

стр. 570

٢ - كتاب الحسن إلى معاوية ودسّ معاوية رجلا من حمير إلى الكوفة، ورجلا من بنى القين إلى البصرة، يكتبان إليه بالأخبار فدلّ على الحميرىّ وعلى القينىّ فأخذا وقتلا، وكتب الحسن ﵇ إلى معاوية: «أما بعد: فإنك دسست إلىّ الرجال، كأنك تحبّ اللّقاء، لا أشك فى ذلك، فتوقّعه إن شاء الله، وبلغنى أنك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى (١)، وإنما مثلك فى ذلك كما قال الأول: فإنّا ومن قد مات منّا لكالّذى ... يروح فيمسى فى المبيت ليغتدى فقل للذى يبغى خلاف الذى مضى ... تجهّز لأخرى مثلها فكأن قد (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١١) ٣ - رد معاوية على الحسن فأجابه معاوية: أما بعد: فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن، ولم أشمت ولم آس (٢)، وإن عليّا أباك لكما قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: فأنت الجواد وأنت الذى ... إذا ما القلوب ملأن الصدورا جدير بطعنة يوم اللّقا ... يضرّب منها النساء النّحورا وما مزبد من خليج البحا ... ر يعلو الإكام ويعلو الجسورا (٣) بأجود منه بما عنده ... فيعطى الألوف ويعطى البدورا (٤) (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١١)

стр. 571

٤ - كتاب ابن عباس إلى معاوية وكتب عبد الله بن عباس من البصرة إلى معاوية: «أما بعد: فإنك ودسّك أخا بنى القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل ما ظفرت به من يمانيتك لكما قال أميّة بن الأسكر (١): لعمرك إنّى والخزاعىّ طارقا ... كنعجة غادت حتفها تتحفّر (٢) أثارت عليها شفرة بكراعها ... فظلّت بها من آخر الليل تنحر (٣) شمتّ بقوم هم صديقك أهلكوا ... أصابهم يوم من الدهر أعسر (الأغانى ١٨: ١٦٢، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٢) ٥ - رد معاوية على ابن عباس فأجابه معاوية: «أما بعد: فإن الحسن بن علىّ قد كتب إلىّ بنحو مما كتبت به، وأنّبنى بما لم يحقّق سوء ظن ورأى فىّ، وإنك لم تصب مثلى ومثلكم، وإنما مثلنا كما قال طارق الخزاعى يجيب أميّة عن هذا الشعر:

стр. 572

فو الله ما أدرى (وإنى لصادق) ... إلى أىّ من يظنّنى أتعذّر (١) أعنّف أن كانت زبينة أهلكت ... ونال بنى لحيان شرّ فأنفروا (٢) (الأغانى ١٨: ١٦٢، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٢) ٦ - كتاب الحسن إلى معاوية وكتب الحسن ﵇ إلى معاوية: «من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان، أما بعد: فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، فأظهر به الحقّ، وقمع به الشّرك، وأعزّ به العرب عامّة، وشرّف به قريشا خاصّة، فقال: «وإنّه لذكر لك ولقومك» فلما توفاه الله تنازعت العرب فى الأمر بعده، فقالت قريش: نحن عشيرته وأولياؤه، فلا تنازعونا سلطانه، فعرفت العرب لقريش ذلك، وجاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب، فهيهات! ما أنصفتنا قريش، وقد كانوا ذوى فضيلة فى الدين، وسابقة فى الإسلام، ولا غرو (٣) إلا منازعتك إيانا الأمر بغير حق فى الدنيا معروف، ولا أثر فى الإسلام محمود، فالله الموعد، نسأل الله معروفه أن لا يؤتينا فى هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده فى الآخرة. إن عليّا لما توفاه الله ولّانى المسلمون الأمر بعده، فاتق الله يا معاوية، وانظر لأمة محمد صلى الله عليه وآله ما تحقن به دماءها، وتصلح به أمرها، والسلام. وبعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التّيمىّ (تيم الرّباب) وجندب الأزدى، فقدما على معاوية، فدعواه إلى بيعة الحسن ﵇، فلم يجبهما. وكتب جوابه: (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٩)

стр. 573

٧ - رد معاوية على الحسن «أما بعد: فقد فهمت ما ذكرت به رسول الله ﷺ ، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده، فصرّحت بتهمة أبى بكر الصديق وعمر وأبى عبيدة الأمين وصلحاء المهاجرين، فكرهت لك ذلك. إن الأمة لمّا تنازعت الأمر بينها، رأت قريشا أخلقها به، فرأت قريش والأنصار وذوو الفضل والدين من المسلمين أن يولّوا من قريش أعلمها بالله، وأخشاها له، وأقواها على الأمر، فاختاروا أبا بكر ولم يألوا (١)، ولو علموا مكان رجل غير أبى بكر يقوم مقامه ويذبّ عن حرم الإسلام ذبّه، ما عدلوا بالأمر إلى أبى بكر، والحال اليوم بينى وبينك على ما كانوا عليه، فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأكيد للعدو، وأقوى على جمع الفئ، لسلّمت لك الأمر بعد أبيك، فإن أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما، فطالب الله بدمه، ومن يطلبه الله فلن يفوته، ثم ابتزّ الأمة أمرها، وفرّق جماعتها، فخالقه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد والقدم فى الإسلام، وادعى أنهم نكثوا بيعته، فقاتلهم، فسفكت الدماء، واستحلّت الحرم، ثم أقبل إلينا لا يدّعى علينا بيعة، ولكنه يريد أن يملكنا اغترارا، فحاربناه وحاربنا، ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلا واخترنا رجلا ليحكما بما تصلح عليه الأمة، وتعود به الجماعة والألفة، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقا، وعليه مثله، على الرّضا بما حكما، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت وخلعاه، فو الله ما رضى بالحكم، ولا صبر لأمر الله، فكيف تدعونى إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك وقد خرج منه، فانظر لنفسك ولدينك، والسلام». ثم قال للحارث وجندب: ارجعا فليس بينى وبينكم إلا السيف. (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٩)

стр. 574

صورة أخرى لكتاب الحسن إلى معاوية وروى كتاب الحسن السابق إلى معاوية بصورة أخرى وهى: كتب الحسن ﵇ إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدىّ: «من الحسن بن على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله ﷻ بعث محمدا رحمة للعالمين ومنّة للمؤمنين، وكافة للناس أجمعين «لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ» فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله؛ حتى توفاه الله غير مقصّر ولا وان، بعد أن أظهر الله به الحقّ ومحق به الشّرك، وخصّ به قريشا خاصة، فقال له: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» فلما توفّى تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة فى ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت (١) لهم وسلّمت إليهم، ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى محاجّتهم وطلب النّصف (٢) منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومرا غمتنا (٣)، والعنت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولى النصير. ولقد كنا تعجّبنا لتوثّب المتوثبين علينا فى حقنا وسلطان بيتنا، وإن كانوا ذوى فضيلة وسابقة فى الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب (٤) فى ذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى

стр. 575

ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل فى الدين معروف، ولا أثر فى الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكتابه، والله حسيبك، فستردّ وتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينّ عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلام للعبيد. إن عليّا لما مضى لسبيله- رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيا- ولّانى المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا فى الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به فى الآخرة مما عنده من كرامة، وإنما حملنى على الكتاب إليك الإعذار فيما بينى وبين الله فى أمرك ولك فى ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصلاح للمسلمين، فدع التمادى فى الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتى، فإنك تعلم أنى أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أوّاب (١) حفيظ ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغى واحقن دماء المسلمين، فو الله مالك خير فى أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل فى السّلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النائرة (٢) بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادى فى غيك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٢) صورة أخرى لرد معاوية على الحسن وروى أيضا: رد معاوية على الحسن بصورة أخرى وهى: فكتب معاوية إليه: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن على: سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فقد بلغنى كتابك، وفهمت ما ذكرت به

стр. 576

محمدا رسول الله من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كلّه، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، وقد والله بلّغ وأدّى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من الهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الجهالة والضّلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيّا عن أمته، وصلوات الله عليه يوم ولد، ويوم بعث، ويوم قبض، ويوم يبعث حيا، وذكرت وفاة النبى ﷺ ، وتنازع المسلمين الأمر بعده، وتغلّبهم على أبيك، فصرّحت بتهمة أبى بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبى عبيدة الأمين، وحوارىّ (١) رسول الله ﷺ وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك، إنك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظّنين ولا المسئ ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد، والذكر الجميل. إن هذه الأمة لما اختلفت بينها، لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيكم، ولا مكانكم فى الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامّهم أن يولّوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما، وأعلمها بالله، وأحبّها له، وأقواها على أمر الله، فاختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأى ذوى الدين والفضل والناظرين للأمة، فأوقع ذلك فى صدوركم لهم التّهمة، ولم يكونوا متّهمين، ولا فيما أتوا بالمخطئين، ولو رأى المسلمون أن فيكم من يغنى غناءه (٢). ويقوم مقامه، ويذبّ عن حريم الإسلام ذبّه، ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه، ولكنهم عملوا فى ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام وأهله، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرا. وقد فهمت الذى دعوتنى إليه من الصلح، والحال فيما بينى وبينك اليوم مثل الحال التى كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبى ﷺ ، فلو علمت أنك أضبط منى للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال،

стр. 577

وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتنى إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكن قد علمت أنى أطول منك ولاية، وأقدم منك بهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سنا، فأنت أحقّ أن تجيبنى إلى هذه المنزلة التى سألتنى، فادخل فى طاعتى ولك الأمر من بعدى، ولك ما فى بيت مال العراق من مال، بالغا ما يبلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أىّ كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك، ويحملها إليك فى كل سنة، ولك ألا يستولى عليك بالإساءة، ولا تقضى دونك الأمور، ولا تعصى فى أمر أردت به طاعة الله، أعاننا الله وإياك على طاعته، إنه سميع مجيب الدعاء، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٣) ٨ - كتاب معاوية إلى الحسن وكتب معاوية إلى الحسن رضى الله عنه: «أما بعد: فإن الله يفعل فى عباده ما يشاء لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيّتك على أيدى رعاع من الناس، وأيس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتنى، وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت، وأكون فى ذلك كما قال أعشى بنى قيس ابن ثعلبة: وإن أحد أسدى إليك أمانة ... فأوف بها، تدعى إذا متّ وافيا ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ... ولا تجفه إن كان فى المال فانيا (١) ثم الخلافة لك من بعدى، فأنت أولى الناس بها، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٣)

стр. 578

٩ - رد الحسن على معاوية فأجابه الحسن: «أما بمد: فقد وصل إلىّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، وتركت جوابك خشية البغى عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتّبع الحق تعلم أنى من أهله، وعلىّ إثم أن أقول فأكذب، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٣) ١٠ - كتاب معاوية إلى عماله فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحى بنسخة واحدة: «من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذى كفاكم مؤنة (١) عدوكم، وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلىّ بن أبى طالب رجلا من عباده فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إلىّ حين يأتيكم كتابى هذا بجهدكم وجندكم، وحسن عدّتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغى والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». وأقبل معاوية بجيشه قاصدا إلى العراق. (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ١٣)

стр. 579

١١ - الصلح بين الحسن ومعاوية وتجهز الحسن ﵇ للقاء معاوية، وخرج بأصحابه إلى المدائن، ولكنهم رأوا منه أنه يجنح إلى موادعة معاوية ومصالحته، فثاروا به وأساءوا إليه (١)، فازداد لهم بغضا، وازداد منهم ذعرا، ورأى الأمر قد تفرق عنه، فبعث إلى معاوية يطلب الصلح، وبعث معاوية إليه رسولين قدما عليه المدائن، فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف فى أشياء اشترطها. قال الطبرى: «كاتب الحسن معاوية وأرسل إليه بشروط، قال: إن أعطيتنى هذا فأنا سامع مطيع، وعليك أن تفى لى به، ووقعت صحيفة الحسن فى يد معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه: أن اشترط فى هذه الصحيفة التى ختمت أسفلها ما شئت فهو لك، فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التى سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن ﵇، التى كتب إليه يسأله ما فيها.

стр. 580

فلما التقى معاوية والحسن ﵇، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التى شرط فى السّجلّ الذى ختم معاوية فى أسفله، فأبى معاوية أن يعطيه ذلك، فقال: لك ما كنت كتبت إلىّ أوّلا تسألنى أن أعطيكه، فإنى قد أعطيتك حين جاءنى كتابك، قال الحسن ﵇: وأنا قد اشترطت حين جاءنى كتابك، وأعطيتنى العهد على الوفاء بما فيه، فاختلفا فى ذلك فلم ينفّذ للحسن ﵇ من الشروط شيئا». وسلم الحسن ﵇ الأمر إلى معاوية، ودخل معاوية الكوفة وبايعه أهلها بالخلافة لخمس بقين من ربيع الأول، ويقال من جمادى الأولى سنة ٤١ هـ. (تاريخ الطبرى ج: ٦ ص ٩٢ - ٩٣) ١٢ - كتاب الحسن إلى معاوية بعد الصلح ولما سلم الحسن بن علىّ رضى الله عنه الأمر إلى معاوية، سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال الخوارج، فكتب إليه: «لو آثرت أن أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإنى تركتك لصلاح الأمة، وحقن دمائها». (الكامل لابن الأثير ٣: ١٦٣) *** وروى أبو العباس المبرّد قال: دخل معاوية الكوفة مع الحسن بن علىّ صلوات الله عليه بعد أن بايعه الحسن والحسين ﵉، وقيس بن سعد بن عبادة، ثم خرج الحسن يريد المدينة، فوجّه إليه معاوية، وقد تجاوز فى طريقه، يسأله أن يكون المتولّى لمحاربة الخوارج (١)، فقال الحسن: «والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، وما أحسب ذلك يسعنى، أفأقاتل عنك قوما أنت والله أولى بالقتال منهم». (الكامل للمبرد ٢: ١٥٦)

стр. 581

١٣ - كتاب معاوية إلى ابن عباس وكتب معاوية إلى ابن عباس رضى الله عنه، عند صلح الحسن ﵇ له كتابا يدعوه فيه إلى بيعته، ويقول له فيه: «ولعمرى لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا، وأن يكون رأيا صوابا، فإنك من السّاعين عليه، والخاذلين له، والسّافكين دمه، وما جرى بينى وبينك صلح فيمنعك منى، ولا بيدك أمان». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥٨) ١٤ - رد ابن عباس على معاوية فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه: «وأمّا قولك: إنّى من الساعين على عثمان، والخاذلين له، والسافكين دمه، وما جرى بينى وبينك صلح فيمنعك منى، فأقسم بالله لأنت المتربّص بقتله، والمحبّ لهلاكه، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه (١) يستغيث بك ويستصرخ، قما حفلت به (٢)، حتى بعثت إليه معذّرا بأخرة (٣)، أنت تعلم أنهم لن يتركوه حتى يقتل، فقتل كما كنت أردت، ثم علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا (٤) بيننا وبينك، فطفقت تنعى عثمان وتلزمنا دمه، وتقول: قتل مظلوما، فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين، ثم لم تزل مصوّبا ومصعّدا (٥)،

стр. 582

وجاثما ورابضا (١)، تستغوى الجهّال، وتنازعنا حقّنا بالسفهاء، حتى أدركت ما طلبت، وإن أدرى لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥٨) ١٥ - كتاب معاوية إلى الحسين بن علىّ قال صاحب زهر الآداب: وكان لمعاوية بن أبى سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه أن الحسين بن علىّ رضى الله عنه أعتق جارية له وتزوجها، فكتب معاوية إلى الحسين: «من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن على: أما بعد، فإنه بلغنى أنك تزوجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممن تستحسنه للولد، وتمجد به فى الصّهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت». ١٦ - رد الحسين على معاوية فكتب إليه الحسين بن علىّ رضى الله عنه: أما بعد، فقد بلغنى كتابك وتعييرك إياى بأنى تزوجت مولاتى، وتركت أكفائى من قريش، فليس فوق رسول الله ﷺ منتهى فى شرف، ولا غاية فى نسب (٢)، وإنما كانت ملك يمينى، خرجت عن يدى بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى، ثم ارتجعتها على سنة نبيه ﷺ ، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة فلا لوم على امرئ مسلم إلا فى أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية».

стр. 583

فلما قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد فقرأه وقال: لشدّ ما فخر عليك الحسين! قال: لا، ولكنها ألسنة بنى هاشم الحداد، التى تفلق الصّخر، وتغرف من البحر. (زهر الآداب ١: ٧٢) *** وروى صاحب العقد هذا الخبر قال: تزوج علىّ (زين العابدين) بن الحسين جارية له وأعتقها، فبلغ ذلك عبد الملك ابن مروان، فكتب إليه يؤنّبه، فكتب إليه علىّ: «إن الله رفع بالإسلام الخسيسة، وأتمّ به النقيصة، وأكرم به من اللؤم، فلا عار على مسلم، وهذا رسول الله ﷺ قد تزوج أمته (١)، وامرأة عبده (٢)».

стр. 584

فقال عبد الملك: إن علىّ بن الحسين يشرف من حيث يتّضع الناس. (العقد الفريد ٣: ٢٤٣) ١٧ - كتاب الحسين بن على إلى معاوية وروى ابن أبى الحديد عن المدائنى قال: قال معاوية يوما لعقيل بن أبى طالب: هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال: نعم، جارية عرضت علىّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفا، فأحبّ معاوية أن يمازحه فقال: وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفا، وأنت أعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهما؟ قال: أرجو أن أطأها فتلد لى غلاما إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف، فضحك معاوية وقال: مازحناك يا أبا يزيد، وأمر فابتيعت له الجارية التى أولدها ابنه «مسلما»، فلما أتت على مسلم ثمانى عشرة سنة، وقد مات عقيل أبوه، قال لمعاوية: يا أمير المؤمنين إن لى أرضا بمكان كذا من المدينة، وإنى أعطيت بها مائة ألف، وقد أحببت أن أبيعك إياها، فادفع إلىّ تمنها، فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه، فبلغ ذلك الحسين ﵇، فكتب إلى معاوية: «أما بعد: فإنك غررت غلاما من بنى هاشم، فابتعت منه أرضا لا يملكها، فاقبض من الغلام ما دفعته إليه، واردد إلينا أرضنا». ١٨ - رد معاوية على الحسين فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره ذلك وأقرأه كتاب الحسين ﵇، وقال: اردد علينا مالنا وخذ أرضك، فإنك بعت مالا تملك، فقال مسلم: أمّا دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا، فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب برجليه، وقال: يا بنى هذا والله كلام قاله لى أبوك حين ابتعت له أمّك، ثم كتب إلى الحسين:

стр. 585

«إنى قد رددت عليكم الأرض، وسوّغت (١) مسلما ما أخذ» فقال الحسين ﵇: «أبيتم يا آل أبى سفيان إلا كرما». (شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٨٢) ١٩ - كتاب الحسين بن على إلى معاوية وكان مال حمل من اليمن إلى معاوية، فلما مرّ بالمدينة وثب عليه الحسين بن على ﵇، فأخذه وقسمه فى أهل بيته ومواليه، وكتب إلى معاوية: «من الحسين بن علىّ إلى معاوية بن أبى سفيان: أما بعد: فإن عيرا (٢) مرّت بنا من اليمن تحمل مالا وحللا، وعنبرا وطيبا إليك، لتودعها خزائن دمشق، وتعلّ بها بعد النّهل (٣) بنى أبيك، وإنى أحتجت إليها فأخذتها، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٣٢٧) ٢٠ - رد معاوية على الحسين فكتب إليه معاوية: «من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسين بن علىّ: سلام عليك، أما بعد: فإن كتابك ورد علىّ، تذكر أن عيرا مرت بك من اليمن، تحمل مالا وحللا، وعنبرا وطيبا إلىّ، لأودعها خزائن دمشق، وأعلّ بها بعد النّهل بنى أبى، وأنك احتجت إليها فأخذتها، ولم تكن جديرا بأخذها، إذ نسبتها إلىّ، لأن الوالى أحقّ بالمال، ثم عليه المخرج منه، وايم الله لو تركت ذلك حتى صار إلىّ، لم أبخسك حظّك منه، ولكنى قد ظننت يا بن أخى أن فى رأسك نزوة (٤)،

стр. 586

وبودّى أن يكون ذلك فى زمانى، فأعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكنى والله أتخوف أن تبتلى بمن لا ينظرك فواق (١) ناقة، وكتب فى أسفل كتابه: يا حسين بن علىّ: ليس ما ... جئت بالسائغ يوما فى العلل (٢) أخذك المال ولم تؤمر به ... إنّ هذا من حسين لعجل قد أجزناها ولم نغضب لها ... واحتملنا من حسين ما فعل يا حسين بن علىّ ذا الأمل ... لك بعدى وثبة لا تحتمل وبودّى أننى شاهدها ... فأليها منك بالخلق الأجل (٣) إننى أرهب أن تصلى بمن ... عنده قد سبق السيف العذل (٤) (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٣٢٧) ٢١ - كتاب محمد بن الحنفية إلى الحسين بن على وجرى بين الحسين بن علىّ وبين أخيه محمد (٥) بن الحنفيّة رضى الله عنهما كلام، وافترقا متغاضبين، فلما وصل محمد إلى منزله كتب إلى الحسين بعد البسملة:

стр. 587

«من محمد بن علىّ إلى أخيه الحسين بن علىّ، أما بعد، فإن لك شرفا لا أبلغه، وفضلا لا أدركه، فإن أمّى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ولو كان ملء الأرض نساء مثل أمّى ما وفين بأمّك، فإذا قرأت رقعتى هذه فالبس رداءك ونعليك، وسر إلىّ لترضينى، وإياك أن أسبقك إلى هذا الفضل الذى أنت أولى به منى، والسلام». فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء إليه وترضّاه (١). (غرر الخصائص الواضحة: ص ٣٨٣) ٢٢ - كتاب الحسن بن علىّ إلى أهل البصرة وكتب الحسن بن على ﵉ إلى أهل البصرة كتابا قال فيه: «من لم يؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر، إن الله لا يطاع استكراها، ولا يعصى لغلبة، لأنه المليك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا، وإن عملوا بالمعصية فلو شاء حال بينهم وبين ما فعلوا، فإذا لم يفعلوا فليس هو الذى أجبرهم على ذلك، فلو أجبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصى لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم لكان عجزا فى القدرة، ولكن له فيهم المشيئة التى غيّبها عنهم، فإن عملوا بالطاعات كانت له المنّة عليهم، وإن عملوا بالمعصية كانت له الحجّة عليهم». (المنية والأمل ص ١٠)

стр. 588

٢٣ - كتاب ابن عباس إلى مجبرة الشام وكتب عبد الله بن عباس إلى مجبرة (١) الشأم: «أما بعد، أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضلّ المتقون، وتنهون الناس عن المعاصى وبكم ظهر العاصون؟ يا أبناء سلف المقاتلين، وأعوان الظالمين، وخزّان مساجد الفاسقين، وعمّار سلف الشياطين، هل منكم إلا مفتر على الله يحمل أجرامه (٢) عليه، وينسها علانية إليه، وهل منكم إلا من السيف قلادته، والزور على الله شهادته؟ أعلى هذا تواليتم، أم عليه تماليتم (٣)؟ حظّكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأكبر، عمدتم إلى موالاة من لم يدع لله مالا إلا أخذه، ولا منارا إلا هدمه، ولا مالا ليتيم إلا سرقه أو خانه، فأوجبتم لأخبث خلق الله أعظم حقّ الله، وتخاذلتم أهل الحق حتى ذلّوا وقلّوا، وأعنتم أهل الباطل حتى عزّوا وكثروا، فأنيبوا إلى الله وتوبوا، تاب الله على من تاب، وقبل من أناب». (المنية والأمل ص ٩) ٢٤ - كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص- وبلغه عنه أمر-: «وفّقك الله لرشدك، بلغنى كلامك فإذا أوله بطر وآخره خور، ومن أبطره الغنى أذلّه الفقر، وهما ضدّان مخادعان للمرء عن عقله، وأولى الناس بمعرفة الدواء من يبين له الداء، والسلام».

стр. 589

٢٥ - رد عمرو على معاوية فأجابه عمرو: «طاولتك النّعم، وطاولت بك، علوّ إنصافك يؤمن سطوة جورك، ذكرت أنى نطقت بما تكره، وأنا مخدوع، وقد علمت أنى ملت إلى محبتك ولم أخدع، ومثلك شكر مسعى معتذر، وعفا زلّة معترف». (العقد الفريد ٢: ٢٠١) ٢٦ - كتب بين معاوية وبسر بن أبى أرطاة وبين زياد ابن أبيه روى الطبرى قال: «صالح الحسن ﵇ معاوية، وشخص إلى المدينة، فبعث معاوية بسر ابن أبى أرطاة إلى البصرة فى رجب سنة ٤١ هـ، وزياد متحصّن بفارس (١)، فكتب معاوية إلى زياد: «إنّ فى يديك مالا من مال الله، وقد وليت ولاية، فأدّ ما عندك من المال»: فكتب إليه زياد: «إنه لم يبق عندى شىء من المال، وقد صرفت ما كان عندى فى وجهه، واستودعت بعضه قوما، لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين (٢) رحمة الله عليه». فكتب إليه معاوية «أن أقبل إلىّ ننظر فيما وليت وجرى على يديك، فإن استقام بيننا أمر فهو ذاك، وإلا رجعت إلى مأمنك».

стр. 590

فلم يأته زياد، فأخذ بسر بنى زياد الأكابر منهم فحبسهم (عبد الرحمن وعبيد الله وعبّادا) وكتب إلى زياد: «لتقدمنّ على أمير المؤمنين أو لأقتلنّ بنيك» فكتب إليه زياد: «لست بارحا من مكانى الذى أنا به حتى يحكم الله بينى وبين صاحبك، فإن قتلت من فى يديك من ولدى، فالمصير إلى الله سبحانه، ومن ورائنا وورائكم الحساب، وسيعلم الّذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون». فهمّ بقتلهم، فأتاه أبو بكرة (١) فقال: أخذت ولدى وولد أخى غلمانا بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب علىّ حيث كانوا، فليس لك على هؤلاء ولا على أبيهم سبيل، فقال: إنّ على أخيك أموالا قد أخذها، فامتنع من أدائها، قال: ما عليه شىء، فاكفف عن بنى أخى حتى آتيك بكتاب من معاوية بتخليتهم، فأجّله أياما، قال له: إن أتيتنى بكتاب معاوية بتخليتهم، وإلا قتلتهم، أو يقبل زياد إلى أمير المؤمنين، فأتى أبو بكرة معاوية فكلمه فى زياد وبنيه، وكتب معاوية إلى بسر بالكف عنهم وتخلية سبيلهم فخلاهم. وفى رواية أخرى للطبرى أيضا قال: كتب بسر إلى زياد: «لئن لم تقدم لأصلبنّ بنيك» فكتب إليه: «إن تفعل فأهل ذاك أنت، إنما بعث بك ابن آكلة الأكباد (٢)» فركب أبو بكرة إلى معاوية فقال: يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال، قال: وما ذاك

стр. 591

يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل أولاد زياد، فكتب معاوية إلى بسر أن خلّ من بيدك من ولد زياد، وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل علىّ ﵇ يتوعده. (تاريخ الطبرى ٦: ٩٦) ٢٧ - كتاب معاوية إلى زياد وروى ابن أبى الحديد قال: كان علىّ ﵇ قد ولّى زيادا قطعة من أعمال فارس، واصطنعه لنفسه، فلما قتل علىّ ﵇ بقى زياد فى عمله، وخاف معاوية جانبه، وعلم صعوبة ناحيته، وأشفق من ممالأته الحسن بن علىّ ﵇، فكتب إليه: «من أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان إلى زياد بن عبيد (١)، أما بعد: فإنك عبد قد كفرت النعمة، واستدعيت النّقمة، ولقد كان الشكر أولى بك من الكفر، وإن الشجرة لتضرب بعرقها، وتتفرّع من أصلها، إنّك- لا أمّ لك (٢) بل لا أب لك- قد هلكت وأهلكت (٣)، وظننت أنك تخرج من قبضتى،

стр. 592

ولا ينالك سلطانى! هيهات! ما كلّ ذى لبّ يصيب رأيه، ولا كلّ ذى رأى ينصح فى مشورته، أمس عبد، واليوم أمير! خطّة ما ارتقاها مثلك يا بن سميّة! وإذا أتاك كتابى هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة، وأسرع الإجابة، فإنك إن تفعل فدمك حقنت، ونفسك تداركت، وإلا اختطفتك بأضعف ريش (١)، ونلتك بأهون سعى، وأقسم قسما مبرورا أن لا أوتى بك إلا فى زمّارة (٢)، تمشى حافيا من أرض فارس إلى الشأم، حتى أقيمك فى السوق، وأبيعك عبدا، وأردّك إلى حيث كنت فيه، وخرجت منه، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م: ٤ ص ٦٨) ٢٨ - رد زياد على معاوية فلما ورد الكتاب على زياد غضب غضبا شديدا، وكتب إلى معاوية: «أما بعد: فقد وصل إلىّ كتابك يا معاوية، وفهمت ما فيه، فوجدتك كالغريق يغطّيه الموج فيتشبّث بالطّحلب (٣)، ويتعلق بأرجل الضفادع، طمعا فى الحياة، إنما بكفر النّعم، ويستدعى النّقم من حادّ (٤) الله ورسوله وسعى فى الأرض فسادا. فأمّا سبّك لى فلولا حلم ينهانى عنك، وخوفى أن أدعى سفيها، لأثرت (٥) لك مخازى لا يغسلها الماء، وأمّا تعييرك لى بسميّة، فإن كنت ابن سمية فأنت ابن حمامة (٦) وأمّا زعمك أنك تختطفنى بأضعف ريش، وتتناولنى بأهون سعى، فهل رأيت بازيا

стр. 593

يفزعه صغير القنابر (١)؟ أم هل سمعت بذئب أكله خروف؟ فامض الآن لطيّتك (٢)، واجهد جهدك (٣)، فلست أنزل إلا بحيث تكره، ولا أجتهد إلا فيما يسوءك، وستعلم أيّنا الخاضع لصاحبه، الطالع إليه، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٦٨) ٢٩ - رد معاوية على زياد فلما ورد كتاب زياد على معاوية غمّه وأحزنه (٤)، ثم كتب إليه مع المغيرة ابن شعبة:

стр. 594

«من أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان إلى زياد بن أبى سفيان (١)، أما بعد: فإن المرء ربّما طرحه الهوى فى مطارح العطب، وإنك للمرء المضروب به المثل: قاطع الرّحم، وواصل العدوّ، حملك سوء ظنّك بى، وبغضك لى على أن عققت قرابتى، وقطعت رحمى، وبتتّ (٢) نسبى وحرمتى، حتى كأنك لست أخى، وليس صخر ابن حرب أباك وأبى! وشتان ما بينى وبينك، أطلب بدم ابن أبى العاص (٣) وأنت تقاتلنى، ولكن أدركك عرق الرّخاوة من قبل النساء، فكنت كتاركة بيضها بالعراء (٤): وملحفة بيض أخرى جناحها، وقد رأيت أن أعطف عليك، ولا أؤاخذك بسوء سعيك، وأن أصل رحمك، وأبتغى الثواب فى أمرك، فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر فى طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه، لما ازددت منهم إلا بعدا، فإن بنى عبد شمس أبغض إلى بنى هاشم من الشّفرة إلى الثور الصّريع وقد أوثق للذبح، فارجع رحمك الله إلى أصلك، واتّصل بقومك، ولا تكن

стр. 595

كالموصول يطير بريش غيره، فقد أصبحت ضالّ النسب، ولعمرى ما فعل بك ذلك إلا اللّجاج، فدعه عنك فقد أصبحت على بيّنة من أمرك، ووضوح من حجّتك، فإن أحببت جانبى ووثقت بى فإمرة بإمرة، وإن كرهت جانبى ولم تثق بقولى، ففعل جميل، لا علىّ ولا لى، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٦٩) ٣٠ - رد زياد على معاوية فكتب إليه زياد جواب كتابه: «أما بعد: فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة بن شعبة وفهمت ما فيه، فالحمد لله الذى عرّفك الحقّ وردّك إلى الصّلة، ولست ممن يجهل معروفا، ولا يغفل حسبا، ولو أردت الآن أن أجيبك بما أوجبته الحجّة، واحتمله الجواب، لطال الكتاب، وكثر الخطاب، ولكنك إن كنت كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح ونية حسنة، وأردت بذلك برّا، فستزرع فى قلبى مودة وقبولا، وإن كنت إنما أردت مكيدة ومكرا وفساد نيّة، فإن النفس تأبى ما فيه العطب، ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعيا به الخطيب المدره (١)، فتركت من حضر لا أهل ورد ولا صدر (٢)، كالمتحيّرين بمهمه (٣) صل بهم الدليل، وأنا على أمثال ذلك قدير».

стр. 596

وكتب فى أسفل الكتاب: «إذا معشرى لم ينصفونى وجدتنى ... أدافع عنى الضّيم ما دمت باقيا وكم معشر أعيت قناتى عليهم ... فلاموا وألفونى لدى العزم ماضيا وهمّ به ضاقت صدور فرجته ... وكنت بطبّى للرجال مداويا أدافع بالحلم الجهول مكيدة ... وأخفى له تحت الضلوع الدّواهيا (١) فإن تدن منى أدن منك، وإن تبن ... تجدنى إذا لم تدن منّى نائيا» (٢) فأعطاه معاوية جميع ما سأله، وكتب إليه بخط يده ما وثق به فدخل إليه الشأم، فقربه وأدناه وأقره على ولايته، ثم استعمله على العراق. (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٦٩) ٣١ - كتاب الحسن بن على إلى زياد ابن أبيه وكان سعيد بن أبى سرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلىّ بن أبى طالب ﵇، فلما قدم زياد الكوفة (٣) طلبه وأخافه، فأتى الحسن بن علىّ ﵇ مستجيرا به، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم، وأخذ ماله ونقض داره، فكتب الحسن بن علىّ ﵇ إلى زياد: من الحسن بن على إلى زياد: «أما بعد، فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله، وحبست أهله وعياله (٤)، فإن أتاك كتابى هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله، وشفّعنى فيه فقد أجرته، والسلام (٥)».

стр. 597

٣٢ - رد زياد على الحسن فغضب زياد إذ قدّم نفسه عليه ولم ينسبه إلى أبى سفيان، وكتب إليه: «من زياد بن أبى سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أما بعد: فقد أتانى كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلى وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة (١)، وتأمرنى فيه بأمر المطاع المسلّط على رعيته، كتبت إلىّ فى فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأى، ورضا منك بذلك، وأيم الله لا تسبقنى به ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك غير رفيق بك، ولا مرع عليك، فإنّ أحبّ لحم علىّ أن آكله للّحم الذى أنت منه، فسلّمه بجريرته (٢) إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفّعتك، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبّه أباك الفاسق، والسلام (٣)». ٣٣ - رد الحسن على زياد فلما ورد الكتاب على الحسن ﵇ قرأه وتبسم، وكتب بذلك إلى معاوية، وجعل كتاب زياد عطفه (٤)، وبعث به إلى الشأم، وكتب جواب كتابه كلمتين لا ثالثة لهما: «من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سميّة، أما بعد: فإن رسول الله ﷺ قال: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر (٥)، والسلام».

стр. 598

٣٤ - كتاب معاوية إلى زياد فلما قرأ معاوية كتاب زياد إلى الحسن ضاقت به الشام، وكتب إلى زياد: «أما بعد، فإن الحسن بن علىّ بعث إلىّ بكتابك إليه، جوابا عن كتاب كتبه إليك فى ابن أبى سرح، فأكثرت العجب منك، وعلمت أنّ لك رأيين، أحدهما من أبى سفيان، والآخر من سميّة، فأما الّذى من أبى سفيان فحلم وحزم، وأما الذى من سمية فما يكون من رأى مثلها، من ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه وتعرض له بالفسق، ولعمرى إنك لأولى بالفسق من أبيه، فأمّا أن الحسن بدأ بنفسه ارتفاعا عليك، فإن ذلك لا يضعك لو عقلت، وأما تسلّطه عليك بالأمر فحقّ لمثل الحسن أن يتسلّط، وأمّا تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك، فحظّ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك، فإذا ورد عليك كتابى فخلّ ما فى يديك لسعيد بن أبى سرح، وابن له داره، واردد عليه ماله، ولا تعرّض له، فقد كتبت إلى الحسن «﵇» أن يخيّره: إن شاء أقام عنده، وإن شاء رجع إلى بلده، ولا سلطان لك عليه لا بيد ولا لسان، وأما كتابك إلى الحسن «﵇» باسمه واسم أمه، ولا تنسبه إلى أبيه، فإن الحسن ويحك من لا يرمى به الرّجوان (١)، وإلى أىّ أم وكلته لا أمّ لك؟

стр. 599

أما علمت أنها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ؟ فذاك أفخر له لو كنت تعلمه وتعقله (١)! » وكتب فى أسفل الكتاب شعرا من جملته: أما حسن فابن الذى كان قبله ... إذا سار سار الموت حيث يسير وهل يلد الرّيبال إلا نظيره ... وذا حسن شبه له ونظير (٢) ولكنه لو يوزن الحلم والحجا ... بأمر لقالوا يذبل وثبير (٣) (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٧٢، وص ٧، والعقد الفريد ٣: ٥) ٣٥ - كتاب زياد إلى معاوية وقال زياد: ما غلبنى أمير المؤمنين معاوية فى شىء من السياسة إلا مرة واحدة: استعملت رجلا فكسر خراجه فخشى أن أعاقبه، ففرّ إليه واستجار به فأمّنه، فكتبت إليه: «إن هذا فساد لعملى إذا طلبت أحدا لجأ إليك فتحرّم بك (٤)». ٣٦ - رد معاوية عليه فكتب إلىّ: «إنه لا ينبغى لنا أن نسوس الناس بسياسة واحدة، فيكون مقامنا مقام رجل واحد، لا نلن جميعا فيمرح الناس فى المعصية، ولا نشتدّ جميعا، فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة فيستريح الناس فيما بيننا». (العقد الفريد ١: ١٥، و ٣: ٥)

стр. 600

٣٧ - كتاب معاوية إلى زياد وكتب معاوية إلى زياد: «أما بعد فاعزل حريث بن جابر عن العمل، فإنى لا أذكر مقاماته بصفّين إلا كانت حزازة فى صدرى». ٣٨ - رد زياد عليه فكتب إليه زياد: «أما بعد: فخفّض عليك: يا أمير المؤمنين، فإن حريثا قد سبق شرفا، لا يرفعه معه عمل، ولا يضعه معه عزل». (شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٧٤) ٣٩ - كتاب زياد إلى الحكم بن عمرو الغفارى ولما ولى زياد البصرة استعمل الحكم بن عمرو الغفارى على خراسان (سنة ٤٥ هـ) ثم كتب إليه (سنة ٥٠ هـ) «إن أهل جبل الأشلّ (١) سلاحهم اللّبود (٢)، وآنيتهم الذهب» فغزاهم وغنم منهم غنيمة عظيمة، وورد على زياد الخبر بما غنم، فكتب إليه: «إن أمير المؤمنين كتب إلىّ أن أصطفى له كلّ صفراء وبيضاء والرّوائع (٣)، فلا تحركنّ شيئا حتى تخرج ذلك» (٤). ٤٠ - رد الحكم عليه فكتب إليه الحكم: «أما بعد فإن كتابك ورد، تذكر أن أمير المؤمنين كتب إلىّ أن أصطفى له كل صفراء وبيضاء والروائع، ولا تحركنّ شيئا، وإنى وجدت كتاب
следующие страницы →