وقال بعضهم: ذو القدرة على نفسه والأصيل في رأيه يزداد اتساعا في الجميل وانبساطا فى المعروف وتكرما في اخلاقه اذا توافت آماله اليه، لا سيما اذا نال سلطانا فان السلطان يبدى مكنون الجوهر، وعنده يسقط الشك والدعوى الكاذبة وتصير سريرة أخلاق صاحبة علانية.
ولآخر: الانسان ملول لما ظفر ومستطرف لما منع منه، وكل ما استحدثت النفس هوى اخلقت فيه البدن وبعثت له العناية (١) وتولع به الاشفاق عليه، وذلك امتهان المروءة وليس كل من حنت عليه النفس يستحق هبة المودة ولا يؤتمن على المؤانسة فالبسوا للناس الحشمة في الباطن وعاشروهم بالبشر في الظاهر يختبرهم المحن (٢)، وتلقوا الرغائب منهم فيكم بالقبول، واكتموهم الانقباض فانه من جرى مع هواه طلقا جعل للأئمة والعدل عليه طرقا، ومن سعى بدليل من التدبير لم يقعد به الدرك (٣) الا سابق قضاء لا يملك.
وقال آخر: ارع حق من عظمك لغير فاقة اليك بإعطائه اياك ما تحب، واستعن على شكره باخوانك، فإن ذلك من حق الحرمة (٤) عليك.
من كانت له خصلة حسنة فليواظب عليها، وليتمسك بها، فان لها دولة تعيد اليها ما ادبر عنها.
آخر: من كانت فيه خلة حسنة لم يبعد من الرجاء فيه وان كثرت سيئاته، وانما اليأس ممن لا يعود الخير نفسه.
وقال آخر: من ترك ما لا يضره تركه وينفعه ذكره عظم عند الناس قدره.
آخر: امنع الناس من عرضك بما لا ينكرون من فعلك، واطلب التعظيم في قلوبهم بصيانة نفسك، واستبق مروءتك بالغنى عنهم وتألف ودهم بالبشر لهم، واحتجب من بغيهم بترك الاستطالة، واستتر من الشامتين
стр. 37
بحسن العزاء عند النوائب، ومن احب ان يكتم فقره فلا يقبل معروف من يلتمس مكافأته، وأنا زعيم لمن ترك فضول القول باجلال والى النهى له.
وقال آخر: لا تشعر قلبك الهم بما فات فيشتغل ذهنك عن الاستعداد لما تأتى به الأيام، وكن بحسن الظن بما عند الله اوثق منك بما في يدك فانك تضن بما في يدك وذلك على الله يسير، وفى كل حركة وساعة امر حادث وقدر جار بتبديل الأحوال وانتقال الدول.
وقال آخر: تجنبوا المنى فانها تذهب بهجة ما خولتم وتستصغرون مواهب الله عندكم، وتعقبكم الحسرات على ما وهمتموه منها انفسكم وهى مكيدة من مكايد ابليس للعبد، وختل له عن الشكر واستدراج الى استصغار عظيم المواهب.
وقال: من اظهر لك بشرا وهو يكنّ بغيا فقد تلقاك بما تحب، وأخفى ما تكره فان كان يقدر على دفعه فان ما احتجن من الأذى، وأظهر لك ما تهوى وآثرك بحسن المكاشرة على حظه من السلامة، وحسب امرئ من عدوه ان عرف ذلك منه، وان من عرفك عداوته فقد بصرك مواقع نبله ومن فهم عنه لم تنله سهامه.
آخر: يجب على ذى السعة في رأيه والفضل في خصاله ان يتطول (١) على حساده بنظره، ويتحرى لهم المنافع فانه بلاء غرسه الله له فيهم ثم لم يسلطهم عليه فهم يعذبون بحركات الحسد في وقت مسرته بما اكرم به.
وقال آخر: الحقد غصة لا يسيغها الا الظفر، والحسد شجى قادح لا يدفعه عن صاحبه الا بلوغ أمله فيمن قصده بحسده وأنى له بذلك، وقد قيل: من كنت سببا لبلائه فالواجب عليك التلطف له في علاجه من دائه.
стр. 38
آخر: من انتشر له الصوت بفضل ادب ونظرت اليه العيون بالاجلال فليكن بما علم عند من يعاشره (١) كمن لا ينسب الى علم في الانبساط اليهم وترك الاستطالة عليهم فانه قيل: فضيلة العالم بتواضعه تزيد رفعة في قدر علمه.
آخر: من ملك نفسه ودبر خصاله وقمع شهواته وقهر نوازعه وأعمل رأيه فيما يصلحه فلم يطع رغبته الا فيما فيه حظه، أملناه لصلاح ما بعد منه، واستحق ان يؤمن على تدبير الرعية ويلقى اليه مقاليد السر فانه قيل: من قوى على مجاهدة نفسه وقمع شرته ذلت له صعاب الأمور ودانت لطاعته القلوب.
آخر: لا راحة لحريص، ولا غنى لذى طمع، والمرء عند من رجا وبئس الشعار الحسد، والافتقار يمحق الأقدار، والبطر يسلب النعمة، والإنصاف يؤلف القلوب، وأخوك من آساك، والغدر من صغر القدر والوفاء من كرم السجية، والاستطالة لسان الجهالة، وكثرة الكلام يكسب الملال وان كان حكما، والصبر جُنة الأشراف، واظهار الفاقة من خمول الهمة، والناس اشباه في الخلق، وانما يتفاضلون في الرخاء والشدة.
آخر: لا تعدن معروفا اصبته معروفا ولا حظا نلته نفيسا كان بعد ابتذال قدرك واخلاق وجهك، فان الذى فقدت من عز الصيانة اكثر من قدر الفائدة، وقيمة ما بذلت من قدرك اعظم مما احرزت من قضاء وطر نفسك.
وقال: إن شكر الكريم يقابل كل فعل جسيم، وما قدر عرض تفيده راغبا اليك عند ما جعل لك من الطول عليه والخضوع لديه، ومن قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه وجلالته.
стр. 39
وقال آخر: ان نظر الراغب اليك فيما يلتمسه لديك نظر تعبد بالمسألة وايجاب لحكمك عليه بقضاء الحاجة فان منحته ما سأل ملكته به وإن رددته عنك خرج من حكمك عليه.
وقال آخر: ما عز اثبت اركانا ولا ابذخ بنيانا من بث المكارم واكتساب الشكر، وذلك ان عز التعظيم بالفعل الجميل باق في قلوب الرجال ومخلد في ايام الازمان، ومن تحصن بالجود واتجر بالمعروف ظفر بمن ناواه (١) وربح ثواب الله، من عمر مودة لئيم حصد من استنباطها ندما، وتعجل ذلة الاحتكام عليه، وللّئيم تماد في العدوان عند الاغضاء عنه ومعاودة للمكروه حتى يردع بما يشبهه.
وقال آخر: استعطاف المتجنى مؤونة على الانصاف وظلم للعهد، وانما يحسن (٢) التفضل بين الأوداء على التباذل بصحة النيات وسلامة الغيب في المعاملة، ومن اكتسب ما يجب منك بغير عدل عليك عرض نفسه لاتهام ما يضمر واستكراه ما استزاد من البر.
آخر: الصفح بين الاخوان مكرمة ومكافأتهم على الذنوب بالإساءة دناءة، احترس بكرمك من طاعة همك وبصبرك من دواعى شهواتك، فان كل قلب منهمك في دواعى ما يوافقه، وانما تفاضل الناس في الخصال على قدر الدواعى وكتمان الحركات، واختيار التوقي على راحة الإباحة، سكون الغوائل في الشيم لفراغها من الخيرات وخروج التوفيق عنها وتمكن الشيطان للجولان فيها وهى اسباب الشقوة وعواقب الخذلان، الكريم يلين اذا استعطف واللئيم يقسو اذا لوظف (٣).
وقال آخر: الحياء لباس سابغ وحجاب واقع وستر من المساوى واق وحليف للدين وموجب للصنيع ورقيب للعصمة وعين كالئة تذود
стр. 40
عن الفساد وتنهى عن الفحشاء والأدناس، خير المودة تعاطف القلوب وائتلاف الارواح وحنين النفوس الى مياثة السرائر والاسترواح للمسكنات في الغرائز ووحشة الأشخاص عند تباين اللقاء، وظهور السرور بكثرة التزاور، على حسب مشاكلة الجواهر يكون الاتفاق في الخصال، العتاب حدائق المتحابين وثمار الأوداء ودليل الصبر والصفاء وحركات الشوق ومستراح الوجد ولسان الاشفاق.
وقال: التجنى رسول القطيعة وداعى القلى وسبب السلوان وأول التجافى ومنزل التهاجر.
وقال آخر: اجعل الحلم عدة للسفيه وجنة من ابتهاج الحاسد فانك لم تقابل سفيها بالاعراض عنه والاستخفاف بعقله الا اذللته في نفسه وسلطت عليه الانتصار من غيرك وإذا كافأته بمثل ما لك (١) وزنت قدره بقدرك ولم تنصر عليه، العجلة مكسبة للمذلة وزمام الى الفدامة وسلب للمروءة ومرارة لأهل الحجى ودليل على ضعف العقدة ومنفرة لأهل الثقة، والجود خلة آثرت عذوبة الثناء على لذة المال فهو من امهات المحاسن، ومن الكرم بسبيل خاصة وبمكان رفيع من القلوب، ليس من جهل الناس بقدر الفضل قصروا عنه ولكن من استثقال فرائضه حادوا عن التمسك به وهم على تبجيل اهله مجتمعون.
باب آخر
اقبح عمل المقتدرين سرعة الانتقام، من ضاق قلبه اتسع لسانه، ما حار من استخار ولا ندم من استشار (٢)، اذا قدم الاخاء سمج الثناء.
قال: واعتذر بعض البلغاء إلى بعض الأمراء فقال: ان دالتى عليك وإن كانت احاطت بحرمتى فان فضلك يحيط بهما وكرمك يوفى عليهما
стр. 41
وقد وثقت اذ رددتنى الى مكانى من قلبك انى قد وضعت نفسى بحيث احب من رجائى واملى عندك ونزلت بمنزلة آمن فيها من نوائب الدهر على فان رأيت ان تحلنى من جميل رأيك بحيث احللت نفسى من أملك ورجائك.
باب
كتب ابو بكر الصديق رضى الله عنه الى عكرمة بن ابى جهل وهو عامله بعمان: اياك ان توعد في معصية بأكثر من عقوبتها فانك ان فعلت أثمت وان تركت كذبت.
وكتب عمر بن الخطاب الى ابى عبيدة بن الجراح: اما بعد فانه لا يقوم بأمر الله تعالى فى الناس الا حصيف العقدة، بعيد الغرة ولا يحنق على جرة ولا يطلع الناس منه على عورة ولا تأخذه في الله لومة لائم.
ذكر رجل من الخوراج اخا له، فقال: ﵀ فانه كان لا يلتمس محمدة الناس ولا يكتسب ذمهم.
قال ابو مسلم: الأم (١) الأعراض عرض لا يرتع فيه حمد ولا ذم.
قال: قال دهقان لرجل اولاه معروفا: جعل الله لك دينا مغبوطا ومالا محسودا.
قال: وحضر اعرابى وليمة فرأى نعمة، فقال: النعم ثلاث: نعمة في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتى غير محتسبة، فأدام الله لك ما انت فيه، وحقق ظنك فيما ترجوه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه.
قال: وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس عيشا؟ قال: من بعدت همته واتسعت أمنيته وضاقت مقدرته.
قال المنصور للمهدى: استدم النعمة بالشكر والطاعة بالتألف والمقدرة بالعفو، والنصر بالتواضع والرحمة للناس.
стр. 42
قال: وكان يحيى بن خالد يقول: الدالة تفسد الحرمة القديمة، والتضر المحبة المتأكدة.
وقال المغيرة بن شعبة: النعمة التى يعاش فيها نعمة محروسة ليس عليها ثائر (١) يغتالها ولا ذو حسد يحتال في غيرها.
قال العتابى: حظ الطالبين من الدرك على حسب ما استصحبوا من الصبر، وكان يقال: اذا اخذت عفو القلوب زكا ريعك، وإن استقصيت أكديت.
اخبرنا محمد قال اخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن مصعب بن عبد الله الزبيرى عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم عن ابيه عن جده قال قال عمر ﵁: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا.
قال: وذم اعرابى رجلا فقال: كان صغير القدر، قصير الشبر، قليل البشر، ضيق الصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر.
قال: وقال بعض الحكماءك: العى الصامت أن تعجز عن بلوغ حاجتك، والعى الناطق أن تتكلم بأكثر من مبلغ حاجتك.
وكتب بعض الناس الى بعض الملوك: حملت حاجتى فلانا لأن شكري (٢) ضعف عن جميل رأيك بل احببت ان يكونوا أعوانا على شكرك وشهودا لى على فضلك.
قال: وقال ابراهيم بن اسماعيل بن داود: حضر الفضل بن الربيع وليمة وكنت معه وحضرها وجوه الناس، فأخذوا من الحديث في أغثه ومن الكلام في أسخفه، فقال الفضل: إنى أرى النعم مسخوطا عليها فمن ثم صارت عند غير اهلها، قال ابراهيم فقلت:
إنى أرى الملك والسلطان حازهما * قوم بأمثالهم لا تحسن النّعم
فأصبح الناس بالمعروف قد فجعوا * وأصبح اللؤم مغمورا به الكرم
стр. 43
قال الحسن: الخير الذى لا شر فيه الشكر مع النعمة والصبر عند النازلة.
باب
قام عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لو لم نزع الناس عن الباطل لم نقم بالحق.
سئل العباس بن الحسن العلوى عن جليس له فقال: لجليسه لطيب عشرته أطيب طربا من الإبل الى الحداء، ومن الثمل الى الغِناء.
ذكر لرجل من البلغاء جليس له فقال: لهو احلى من رخص السعر، وأمن السبل، وإدراك الأمانى، وبلوغ الآمال.
وذم العباس (١) رجلا: ما الحمام على الإصرار والدين على الاقتار وشدة السّقم فى الاسفار بآلم من لقاء فلان. وذكر عنده رجل قد فارقه فقال: دعنى أتذوق طعم فراقه فهو والله! الذى لا تشجى له النّفس، ولا تدمع عليه العين، ولا يكثر فى أثره الالتفات، ولا يدعى له عند فراقه بالسلامة.
ووصف بعض البلغاء رجلا فقال: ما رأيت اضرب لمثل ولا أركب لجمل ولا أصعد في قال منه.
ومر بعض العباد بباب ملك فقال: باب حديد وموت عتيد ونزع شديد وسفر بعيد. قال: وقال أعرابى لرجل: رأيت (٢) فلانا فانه ما نظر في قفا محروم قط.
قال: وقيل لعبد الله بن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحى اليه، فقال: إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم، ناول عمرو رجلا شيئا، فقال له: بل اغنانى الله عنهم.
قال: رأى عثمان بن عفان عامر بن عبد الله ملتفا في كسائه ببابه،
стр. 44
وكان دميما فأنكره فقال: يا اعرابى! اين ربك؟ قال: بالمرصاد فأفحمه.
هنأ رجل رجلا في يوم فطر فقال: قبل الله منك الفرض والسنة، واستقبل بك الخير والنعمة.
قال: أمر ملك من الملوك بقتل رجل فقال: ايها الملك ان قتلتني وأنا صادق في عذرى عظم عنتك، وإن تركتنى وأنا كاذب قل وزرك وأنت وراء ما تريد، والعجلة موكل بها الزلل، فعفا عنه.
كتب عبد الملك بن مروان الى الحجاج في ايام ابن الأشعث: إنك اعز ما تكون بالله احوج ما تكون اليه فاذا عززت بالله فاعف له فانك به تعز وإليه ترجع.
قال: دخل الشعبي على ابن هبيرة وبين يديه رجل يريد قتله فقال: اصلح الله الأمير انك على رد ما لم تفعل اقدر منك على رد ما فعلت، فقال: صدقت يا شعبى ردوه الى محبسه.
باب
قال: دعا اعرابى فقال: اللهم إن كان وجهى قد اخلق عندك لكثرة ذنوبى فانى اسألك بجدة وجهك الا وهبتنى لمن أحببت من عبادك.
قال: دعا اعرابى: اللهم إنى اعوذ من فقر ملب (١) ومن ضرع الى غير محب.
وقال آخر: اللهم إنى أعوذ بك من الفقر الا اليك، ومن الذل الا لك. قال: دعا اعرابى فقال: اللهم سلّ قلبى عن شىء لا أتزوده اليك، ولا أنتفع به يوم القاك، واولى رجل أعرابيا بلاء حسنا، فقال: لا ابتلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.
قال: ودعا أعرابى فقال: استغفر الله لا اصر ولا استكبر ولا استحسر اللهم إن بى اليك لفقرا وإن بك على لقدرا، اللهم غفرا، وقال: اللهم
стр. 45
تظاهرت منك النعم وكثرت عندك الذنوب فأحمدك على النعم التي لا يحصيها غيرك وأستغفرك من الذنوب التى لا يحيط بها إلا عفوك.
دعا آخر فقال: اللهم اجعل لى قلبا يخشاك كأنه يراك اللهم إنى ادعوك دعاء قليل حيلته متظاهرة ذنوبه ضنين على نفسه.
آخر: اللهم إن ذنوبى لم تبق لى الا رجاء عفوك وما اسألك الا ما لا استحق وأرغب اليك فيما لا استوجب فعد بطولك على.
آخر: اللهم انى اسألك من القناعة ما يكثر قليل المستفاد ويهون علىّ الأسف على فات فلا تحرمنى من الشكر ما استوجب به الزيادة.
آخر: اللهم إنى اعوذ بك من نزول الشر، وحلول الحذر، وضيق الصدر، وتوابع الإثم، وسوء الفهم، وشماتة ابن عم.
لآخر: اللهم لا تصعر خدى، ولا تبخس حظى، ولا تشمت بى عدوى ولا تسؤ في صديقى.
لآخر: اللهم إنى اعوذ بك من الهوام الهائلة، والسباع الضارية، واللصوص العادية، والسلاطين الجائرة، والشياطين الماردة.
لآخر: اللهم أغننى بالافتقار اليك ولا تفقرنى بالاستغناء عنك.
آخر: اللهم اعنى على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالعصمة.
باب من كلام الحكماء
إن ادنى ما ينالك ممن خيبت أمله ارتجاعه باللائمة على نفسه وسوء الاختيار اذا ملك واكتئاب صديقه لخيبة اوبته وابتهاج عدوه باخفاقه، وكل ذلك وصمة عليك مظلة، وإن خصالا هذه ادناها لسريع الى طبع الأعراض عن اقصاها.
آخر: إن تألف النعم يحسن مجاورتها والتماس الزيادة منها بالشكر عليها، والشكر حارس النعم من الزوال مجير من الغير فاجعل حسن سياستها أمام
стр. 46
عملك وارتبطها بحسن المواساة فيها فمن لا يواسى في نعمة عرض للادبار إقبالها.
آخر: اخلاص الاستعانة عند الاضطرار وانقطاع الحيل موجب للنجاء من اوراط المهالك، وقد حل (١) بلاء لا يدفع باحتيال، ولا ينهنه بصيال فأخلص النية في الاجتهاد، وفوض امورك الى من يملكها دونك، ولا يبهظنك (٢) أمر اذا جعلت الله بينك وبينه.
آخر: استعد لحريق الغضب الأناة قبل تلهب ناره فان اطفاءه قبل انتشاره يسير، وإذا انتشر أنسى الحياء وقبح المحاسن.
آخر: إن أفضل ما اعطى العبد في الدنيا الحكمة وفى الآخرة الرحمة.
قال أمير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله عنه: خذوا الكلمة من الحكمة من حيث كانت، فان الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تسكن الى صواحبها.
آخر: لا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبونك ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتونك.
ويروى عن النبى ﵌ انه قال: ما انفق منفق ولا تصدق متصدق بأفضل من كلام الحكمة اذا تكلم به الحكيم والعالم نال كل مستمع منه منفعة.
آخر: نور الحكمة تتوقد في قلوب الحكماء فهم يستضيئون بنورها فى أعمالهم كما يستضاء في دجى الليل بنور المصابيح.
وقال حكيم لابنه وهو يعظه: يا بنى! المدبر لا يوفق لطريق المراشد فاياك وصحبة المدبر فانك إن صحبته علق بك ادباره، وإن تركته بعد صحبتك إياه تتبعت نفسك آثاره.
وقال بعض الحكماء: أصب بهمومك مواقع المرامى فيوشك ان
стр. 47
تهديك (١) على خير الغنائم.
آخر: ان العبادة اسست على الحزن والمحنة (٢) فاذا خلا البدن منهما ألف الراحة وإعتاقه الفتور، وقيل لبعضهم: اى اخوانك اوجب عليك حقا؟ قال: الذى يسد خللى ويغفر زللى ويقبل عللى.
وفى بعض الحكم: ينبغى للعاقل ان يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا على شأنه، وأن لا يرى الا في احدى ثلاث: تزود لمعاد، او مرمة لمعاش، او لذة في غير محرم.
وقال وهب بن منبه لابنه: يا بنى! جالس الكبراء وسائل العلماء وخالل الحكماء، فان مجالستهم غنيمة وصحبتهم سليمة ومواخاتهم كريمة.
وكان يقال: ما اعدمك من الأحمق فلا يعدمك منه كثرة الالتفات وسرعة الجواب.
سأل معاوية رضى الله عنه عمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ فقال: من اقتصر على الإيجاز وترك الفضول؛ سئل اعرابى: من أبلغ الناس؟ فقال: أسهلهم لفظا وأحسنهم بديهة، قال العتابى (٣): إنى امرؤ فىّ خصلتان: حصر مقيد بالحياء، وعزة نفس شبيهة بالجفاء.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: من لم تكن فيه ثلاث خصال فلا تواخه: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يطرد به فحشه، وخلق يعيش به في الناس.
قال: مكتوب في التوراة "يا ابن آدم اذكرنى حين تغضب اذكرك حين اغضب فلا امحقك فيمن امحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرى فهو خير من نصرتك لنفسك".
قال: وفى التوراة "من حزن على ما في ايدى الناس فانما يسخط على ربه، ومن شكا مصيبة نزلت به فانما يشكو ربه، ومن دخل على غني فتواضع
стр. 48
ذهب ثلثا دينه.
قال ابو بكر بن دريد اخبرنا ابو حاتم عن الأصمعى: ان اعرابية اضلت بعيرا لها فقالت: اللهم اعوذ بك منك وأقسم عليك بك الا رددت بعيرى، فناداها مناد وهى نائمة: هذا بعيرك، فانتبهت فاذا بعيرها معقول الى جانبها.
قال: وعظ اعرابى ابنه وكان اتلف ماله في الشراب، فقال: لا الدهر يعظك ولا الأيام تنذرك، والساعات تعد عليك الأنفاس، والأنفاس تعد منك، احب أمريك اليك، تردهما (١) بالمضرة عليك.
وأوصى أعرابى أخاه فقال: يا اخى! يسار النفس افضل من يسار المال فان لم ترزق غنى فلا تحرمن تقوى فرب شبعان من النعم غرثان من الكرم، واعلم أن المؤمن على خير ترحب به الأرض وتستبشر به السماء، ولن يساء اليه في بطنها وقد أحسن على ظهرها.
قال: وسمع اعرابى رجلا يذم السلطان فقال: ويحك! انك غفل، لا تسمك التجارب وفى النصح لسع العقارب، لكأننى بالضاحك اليك باك عليك.
وقال آخر: ان الموت ليتقحم على النفس تقحم الشيب على الشباب، ومن عرف الدنيا لم يفرح منها برخاء ولم يحزن منها على بلوى.
وأخبر الأصمعى عن ابى المجيب قال: سئل معبد بن طوق عن حاله في مرض له فذكر شدة علته فقيل له: كأنك تخاف الموت؟ فقال: وكيف لا اخافه وقد استأنيت اختصار المدة وانقضاء العدة وتمام الظمأ.
وقال آخر لرجل: علام حرمتنى؟ فوالله! ما زلت قبلة لأملى ولا تلفتنى عنك الا الأطماع فان قلت: قد أحسنت بدأ، فما ينكر لمثلك ان يحسن عودا.
وقال آخر: ان من الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها اذا اخطأك قضاؤها، وإن الطلب وإن قل اعظم قدرا من الحاجة وإن كثرت (٢) والمطل من غير عسر آفة الجود.
стр. 49
قال معاوية لعمرو بن العاص (١): من ابلغ الناس؟ قال: من ترك الفضول واقتصر على الإيجاز، قال: فمن اصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادا لهواه، قال: فمن أسخى الناس؟ قال: من بذل دنياه في صلاح دينه، قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه.
قال محمد بن على لابنه: يا بنى! لا تكسل فانك اذا كسلت لم تؤد حقا، ولا تضجر فانك إن ضجرت لم تصبر على حق، ولا تمتنع من حق فانه ما من عبد يمتنع من حق الا فتح الله عليه باب باطل فأنفق فيه أمثاله.
قال آخر: يكفيك من عقلك ما اوضح غيك من رشدك.
وقال نوح بن جرير - ووقعت بينه وبين رجل من قريش ملاحاة في حق ادعاه عليه فقال: والله! إنى لأستحيى أن اخصم وأتحرج أن أظلم، فترك مطالبته القرشى.
وقال محمد بن على: الكمال في ثلاثة: الفقه في الدين والصبر على النوائب وحسن التقدير في المعيشة.
قال: دخل معبد بن طوق على السرى بن عبد الله فقال: كيف كان الهيثم التيمى؟ قال: كان والله مقراء غير بذال، معطاء غير سأَال.
ودعا آخر فقال: اللهم! إن كان رزق فى السماء فأنزله، وإن كان رزق فى الأرض فأخرحه، وإن كان نائيا فقربه، وإن كان قريبا فيسره، وإن كان يسيرا فثمره، وإن كان كثيرا فبارك فيه.
وقال بعض الحكماء - وسئل: أة الملوك أحزم؟ قال: من ملك جده هزله، وقهر رأيه هواه، وعبر عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن كيده.
ودعت أعرابية على مولاها فقالت: فجع الله بك ودودا وادا وأشمت بك عدوا حاسدا، وسلط عليك هما يضنيك وجارا يؤذيك.
стр. 50
وقال الأصمعى: قال رجل من العرب لعبد من عبيدهم: أشتريك؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: إنى آكل فارها، وأمشى كارها.
وقال آخر لعبد: أشتريك؟ قال: لا، قال: لم؟ قال: إنى إذا جعت ابغضت قوما، وإذا شبعت احببت نوما.
ودعا أعرابى على رجل فقال: رآك الله كما أراك ولا رآنى كما أراك.
قال بعض الحكماء: خمسة اشياء تقبح في خمسة: الحرص في القراء، والحدة في الأمراء، والبخل من ذوى الأصول، والفحش من ذوى الأحساب، والفتوة من ذوى الأسنان.
ومدح أعرابى رجلا فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره، ومن ماء لا يخاف كدره.
وسئل بعضهم: متى يكون الأدب ضارا؟ قال: اذا نقصت القريحة وكثرت الرواية.
وقال آخر: انفس الأعلاق علق مصروف في حظ.
وقال آخر: فساد الأمر أن يكون لمن يمكله دون من يبصره.
آخر: شر ما شغلت به عقلك وضيعت به قولك - اشارة الى معجب.
وقال بعض الحكماء: لا تدنس عرضك ولا تبذل وجهك ولا تخلقه بالطلب الى من إن ردك كان رده عليك عيبا وإن قضى حاجتك عدها عليك منا، واحتمل الفقر بالتنزه عما في ايدى الناس والزم القناعة بما قسم لك، فان سوء حمل الفقر يضع الشريف ويخمل الذكر ويوجب الحرمان.
وقال آخر: اغتنم الخير ما امكنك فان يسيره كثير، واتق الشر فان يسيره يدل على كثيره، وإذا اؤتمنت على أمانة فأدها الى أهلها فان المؤتمن موثوق به.
وقد قال: أحسن من لم يسىء الظن بك حتى جعلك عدلا لنفسه فكن عند حسن الظن به.
стр. 51
باب من نوادر كلام الفلاسفة
قيل لسقراط: لم تعاشر الأحداث وأنت شيخ؟ فقال: الراضة إنما تروض مهارة الخيل لا ما هرم منها.
مرّ سقراط بفتى قد أتلف تراثه من أبيه وهو يأكل خبزا وزيتونا فقال: يا فتى لو كنت تقدمت بهذا قبل أن تتلف تركة ابيك ما كان يكون هذا أدمك سائر عمرك.
رأى ذيوجانس (١) الكلبى غلاما جميلا لا يحسن الكتاب فقال: اى بيت لو كان له ساكن.
نظر ذيوجانس الى طرف شوك يجرى به الماء وعليه حية فقال: ما اشبه الملاح بالسفينة.
قيل لذيوجانس: فلان غنى، فقال: لا أعرف ذلك ما لم اعرف تدبيره فى ماله.
وقال: مرّ ذيوجانس بعشار، فقال له العشار: أمعك شىء من المال؟ قال: نعم، فوضع مخلاته فلم ير فيها شيئا، فقال: أين ما قلت؟ فكشف على صدره فقال: ههنا حيث لا تقدر عليه ولا تراه.
قال: ونظر الى غلام حسن الصورة يتعلم الفلسفة فقال: قد احسنت حيث قرنت بمحبة حسن صورتك محبة حسن نفسك.
قال الاسكندر لذيوجانس: أيها الملك الأعظم! فقال له: أنا ذيوجانس الكلبى ابصبص للأخيار وأهل الفضل وأنبح وأعض من كان بخلاف ذلك؛ ونظر إلى رجل مبذر لماله فقال: هب لى منّا فضّة، فقال: كيف صرت تسأل الناس الحبة والفلس وتسألنى منّا فضّة، فقال: لأنى ارجو من عنده العودة ولا ارجوها منك (٢) ان كان مالك لا يبقى معك.
стр. 52
ووقف الاسكندر عليه فقال: أما تخافنى؟ فقال: أخير انت أم شر؟ قال: بل خير؟ فقال: انى لا اخاف الخير بل أحبه؛ رأى شابا لا ادب له وعليه خاتم ذهب فقال: حمار عليه لجام ذهب؛ ونظر الى شاب احمق قاعد على حجر فقال: حجر على حجر.
قال: وسأل شاب جاهل أفلاطن: كيف قدرت على كثرة ما تعلمت؟ قال: لأنى أفنيت من الزيت أكثر مما شربت من الشراب.
وقيل للاسكندر: بم نلت هذه المملكة العظيمة على حداثة سنّك؟ قال: باستماتة الأعداء وتصييرهم اصدقاء وبتعاهد الأصدقاء بالإحسان اليهم.
قال: وعمل هواكسيرجس ثورا من طين وقربه في اليوم الذى كان اهل بلده يقربون فيه القربان لأصنامهم وقال: قبيح ذبح الحى المتنفس لما ليس بحى ولا متنفس.
وقال: قصد الاسكندر موضعا ليحارب اهله فحاربه النساء، فكف عنهم وعن محاربتهن وقال: هذا جيش إن غلبناه لم يكن لنا فيه فخر وإن غلبنا كانت الفضيحة آخر الدهر.
قال: وأسر اسوسيوش وأراد رجل شراءه فقال له: أشتريك؟ فقال له: كيف تشترينى وأكون لك عبدا بعد ما اتخذتنى وزيرا - يريد بعد ما شاورتنى في ابتياعى.
قال ارسطاطاليس: إن الحاجة إلى العقل أقبح من الحاجة الى المال.
وقال: هياجرسيس الاشكوثى (١): وركب البحر فلما لجج قال للملاح: كم تخن الواح سفينتك؟ قال: اصبعان، قال: فانما بيننا وبين الموت اصبعان.
وقيل لأرسطاطاليس: ما أعسر الأشياء على الإنسان؟ قال: السكوت،
стр. 53
وقيل: ما احسن الحيوان؟ قال: الإنسان المزين بالأدب.
وقيل له: أى الأشياء ينبغى ان يقتنيها العاقل؟ قال: الأشياء التى اذا غرقت سفينته سبحت معه.
ونظرت عجوز من الفلاسفة من بلاد اوطيقى الى رجل يريد ان يعرس وقد زين داره وكتب على بابها: لا يدخل هذا الباب شىء من الشر؟ قالت له: فامرأتك من أين تدخل إذن؟
قال يوزسطيلس: ينبغى للأديب ان يأخذ من جميع الآداب اجودها كما ان النحل يأخذ من كل زهر اجوده.
وكانت لأرسطاطاليس ضيعة نفيسة فدفعها الى قيم يقوم بها ولم يكن يشرف عليها فقال بعض الناس له: لم تفعل ذلك؟ فقال: انى لم اقتن ضيعة بتعاهدى للضياع وإنما اقتنيتها بتعاهدى ادب نفسى وبذلك ارجو اتخاذ ضياع اخر؛ وقال ارسطاطاليس: العقل سبب رداءة العيش.
وقال الإسكندر: انتفعت بأعدائي اكثر مما انتفعت بأصدقائى لأن اعدائى كانوا يعيروننى بالخطأ وينبهوننى عليه وكان اصدقائى يزينون لى الخطأ ويشجعوننى عليه.
وقال أنوخرسيس: الكرمة تحمل ثلاثة عناقيد: الأول عنقود لذة، والثانى عنقود سكر، والثالث عنقود سفه.
قال أرسطاطاليس: الأدب يكسب الأغنياء زينة ويكسب الفقراء معاشا يعيشون به بين الإخوان.
هيوفتاغورس، حضرته الوفاة ارض غريبة فقال: يا معشر الأصدقاء! ليس بين الموت في الغربة والوطن فرق وذلك ان الطريق الى الآخرة واحد في جميع المواضع. وخرج من عند بعض ملوكهم فقيل له: ما يصنع الملك؟ فقال: يفقر الناس، وقيل له: ما احلى الأشياء؟ قال: الذى يشتهى.
وقال: الحب وفد جميع الأشياء الرديئة وذلك ان جميع الأشياء
стр. 54
الرديئة معلقة به، وقال: الآباء هم سبب الحياة والعلماء هم سبب صلاح الحياة.
وقال: ونظر الى رجلين لا يكادان يفترقان فقال: اى قرابة بين هذين؟ فقيل له: ليس بينهما قرابة ولكنهما متصادقان، قال: فلم صار احدهما فقيرا والآخر غنيا؟ يريد لو كانا صديقين لتواسيا.
وقال لمتعلم يتهاون بعلمه: ايها الحدث! انك ان لم تصبر على طلب التعلم صبرت على شقاء الجهل.
ونظر الى فتى يستخف بوالده فقال: يا هذا ألا تستحيى ان تحقر ما به اعجبتك نفسك.
قال - وأراد ان يعظ الناس ويوبخهم على تهاونهم بالعلن فصعد موضعا عاليا وصاح: يا معشر الناس! فلما اجتمعوا قال: لم انادكم انما ناديت الناس؛ وقيل لزسيموس: ان فلانا يسىء فيك، قال: يحمله على ذلك جهله بالقول الحسن.
وسأل زسيموس رجلا أن يقرضه مالا فأخلفه، فلامه بعض الناس على ذلك، فقال: جبهك بالرد، فقال: انه لم يزد على ان احمر وجهى بالخجل ولو اقرضنى لصفر وجهى مرات كثيرة.
وقال اورينيدس: ان الحياة بغير الموسيقى الخمسة (١) لوحشة، وقال للذين يستميلون النساء بالحلى والكسوة الحسنة: يا هؤلاء انكم انما تعلمونهن محبة الأغنياء لا محبة الأزواج؛ وقال لبولس: اى الحيوان لا يشبع؟ فقال: التاجر الذى يربح.
هبوقريطس نظر الى معلم ردىء الكتابة فقال له: لم لا تعلم الصراع؟ فقال: لا أحسنه، قال: هو ذا انت تعلم الكتابة ولا تحسنها.
اوفقراطيس وجد حارسين نائمين في وقت الحرس فقتلهما وقال: تركتهما على ما وجدتهما عليه.
стр. 55
ودعا بطليموس بعض الملوك الى طعامه فاستعفى وقال: انه يعرض للملوك قريب مما يعرض للذين ينظرون الى الصور فانهم إذا نظروا اليها من بعيد اعجبتهم وإذا نظروا اليها من قريب لم يستحسنوها.
قال مرسويورس: فكروا في ان اللذة مشوبة بالقبح ثم فكروا في انقطاع اللذة وبقاء ذكر القبيح.
قال افلاطن: ينبغى للذين يأخذون على ايدى الأحداث ان يدعوا لهم موضعا للعذر لئلا يضطروا الى القحة بكثرة التوبيخ.
وقال: محب الشرف هو الذى يتعب نفسه بالنظر في العلة؛ وقيل: ما العشق؟ فقال: حركة النفس الفارغة بغير فكر.
وقال: لا ينبغى للأديب ان يخاطب من لا ادب له كما لا ينبغى للصاحى ان يخاطب السكران؛ وقيل له: كيف يغم الإنسان عدوه؟ قال: يغمه اذا اصلح نفسه.
فيثاغورس قيل له: اى شىء من الأفعال يشبه افعال الإله؟ قال: الإحسان إلى الناس.
وفخروا عنده بالمال وكثرته فقال: ما حاجتى الى المال الذى يعطيه الحظ ويحفظه اللؤم ويهلكه السخاء، وقيل له: ما اصعب شىء على الإنسان؟ قال: ان يعرف نفسه ويكتم الأسرار؛ وقيل لسقراط: اى السباع اجمل؟ قال: المرأة؛ وقيل له: ما الذ ما يكون في العالم؟ قال: الأدب والتعليم والنظر الى ما لم تكن اليه نظرت قبل ذلك؛ وقيل له: ما ينتفع به الأحداث من تعليم الآداب؟ قال: لو لم ينتفعوا الا بما يمنعهم من المذاهب الرديئة لكان في ذلك كفاية.
نظر الى شيخ يحب النظر في الفلسفة ويستحيى، فقال: يا هذا! تستحيى ان تصير في آخر عمرك افضل مما كنت عليه في اوله.
وقال: الخطأ في اعطاء من لا ينبغى ومنع من ينبغى واحد،
стр. 56
واستشاره رجل في التزويج، فقال: ان اصحاب التزويج يشبهون بالسمك الذي يصاد بالقفاف فالذى يكون خارجا يريد الدخول فيها والذى قد دخل فيها يروم الخروج منها فانظر لا يصيبك مثل هذا.
قال سقراط: ينبغى للعاقل ان يخاطب الجاهل مخاطبة المتطبب للمريض؛ قال سقراط: اللذة خناق من عسل.
وقيل لسطراطوثيغوس: ان فلانا شتمك بالغيب، قال: لو ضربنى بالسياط وأنا غائب لم أبال، ورأى رجلا يذهب به الى الحبس في جناية، فقال: يا هذا! ما يساوى سرورك بما ارتكبت من اللذة هذه الفضيحة.
ورأى طبيبا جاهلا فقال: هذا يستحث - يعنى يعجل بمن يعالج الى الموت، وكان يطبخ قدرا فنفد الحطب فقال لأراقلس وهو بالقرب منه: يا اراقلس! زعمت انك جاهدت اثنى عشر جهادا فاجعل هذا الثالث عشر وأخذه فجعله تحت القدر، وذاك ان اراقلس كان ملكا مذكورا من ملوك اليونانيين وكانت له اثنتا عشرة وقعة مشهورة وكانوا اتخذوا صنما على تمثاله فكانوا يعظمونه فذلك قوله اثنى عشر جهادا.
ودعاه رجل الى العشاء فلم يكن العشاء على ما ينبغى، فقال: يا هذا! إنك لم تدعنى الى العشاء ولكنك منعتنى منه؛ قيل له: متى تمسك عن مديح ياروس؟ قال: اذا امسك ياروس عن احسانه.
وقيل له: ما تفسير شعر سنجولس؟ فقال: إن حفر بئر بقرب قناة يجرى فيها الماء ليس بأمر صعب.
سخطورس المغنى قيل له: ان اميروس يكذب في شعره، فقال: انما يطلب من الشعراء الكلام الحسن اللذيذ فأما الصدق فانما يطلب من الأنبياء.
باريذوس الخطيب قيل له: لم تحب الولد؟ فقال: لشدة محبتى له؛ وقيل لجاوس: توفى مايندرس (١)، فقال: الويح له! فقد ضاع مسن عقلى.
стр. 57
وقال هرمس: انه لصعب ان يوقف على حقيقة امر الخالق وغير ممكن ان يوصف، وذلك انه غير ممكن ان يوصف جسم مدرك بما ليس بمدرك ولا يدرك التام ما ليس بتام، ويصعب ان يقرن الأزلى بما ليس بأزلى فان الأزلى باق ابدا وغير الأزلى فان والفانى خيال وظل، فعلى قدر ما بين الضعيف والقوى وما بين الدون والأشرف فكذلك بين الفانى وبين الإله الذى لا يموت.
باب
من عيون الشعر المستحسن والأمثال المنظومة الحكمية
قال سليمان بن عبد الملك يوما والشعراء عنده: قد قلت نصفا فأجيزوه، قالوا: كيف هو؟ قال:
نروح اذا راحوا ونغدو اذا غدوا
فلم يصنعوا شيئا، فدخل (١) عليه جارية له فأخبرها، فقالت: كيف قلت؟ فأنشدها، فقالت:
وعما قليل لا نروح ولا نغدو
وأنشد:
ان الظلوم الحسود في كرب * يخاله من رآه مظلوما
ذا نفس دائم على نفس * يظهر منه ما كان مكتوما
أنشدنيه عبد الرحمن عن عمه الأصمعى:
وأجرأ من رأيت بظهر غيب * على ذكر العيوب ذوو العيوب
قال: وأنشدنى عبد الرحمن أيضا
فمن كان مغرورا بطول حياته * فانى زعيم ان سيصرعه الدهر
стр. 58
آخر عنه:
ستمضى مع الأيام كل مصيبة * وتحدث احداث تنسى المصائبا
آخر عنه:
اذا مت لم توصل بعرف قرابة * ولم يبق في الدنيا رجاء لسائل
وأنشدنا في مثله:
اذا ثوى في القبور ذو خطر * فزره فيها وانظر الى خطره
وأنشدنا:
اذا كنت جماعا لمالك ممسكا * فأنت عليه خازن وأمين
وأنشد غيره:
تؤديه مذموما الى غير حامد * فيأكله عفوا وأنت دفين
وأنشد غيره:
اذا كنت تأتى المرء توجب حقه * ويجهل مك الود فالهجر (١) اوسع
وأنشد:
ما يطلب الدهر تدركه مخالبه * والدهر بالوتر تاج غير مطلوب
وأنشد لعمارة بن صفوان الضبى:
أجارتنا من يجتمع يتفرق * ومن يك رهنا للحوادث يغلق
وأنشد:
اذا انت لم تبرح وتقتضى * على الظن اردتك الظنون الكواذب
وأنشد:
لا تدّعونى فانى لست تابعكم * ما كنت منكم ولا حسى ولا جرسى
стр. 59
ولا اكون كمن القى رحالته * على الحمار وخلى منسج الفرس
وأنشد:
ولسنا كقوم محدثين سيادة * يرى مالها ولا يُحسن فعالها
فمسعاتكم مقصورة لعيالكم * ومسعاتنا ذبيان طرا عيالها
وأنشد السكن بن سعيد لعبيد الله (١) بن الحر:
لم يبق شىء يسامه احد * الا وقد سامناه اخوتنا
فوجدونا نحمي الذمار ونأ * بى الضيم أن تستباح حرمتنا
بذاك أوصى من قبل والدنا * وتلك أيضاً غدراً وصيتنا
وأنشد عبد الرحمن ابن اخى الأصمعى:
فبتنا به ليل التمام بنعمة * وعيش لنا حتى جلا الصبح كاشف
نقول اذا ما كوكب غار ليته * بحيث رأيناه عشاء يخالف
فلما هممنا بالتفرق اظهرت * بقايا التحيات الدموع الذوارف
وأنشد:
لم ار مثل الليل لم يعطه الرضا * اخو الحب حتى يصبح الليل راضيا
أنشد عبد الرحمن عن عمه لبعض القيسيين:
يا سلم لا اقرى التعذر نازلي * والذم ينزل ساحة المعتذر
ولقد علمت اذا الرياح تجاذبت * اطناب بيتك في الزمان الأغبر
إني لأرفع للضيوف تحيتى * وأشبّ ضوء النار للمتنور
وينال بالمال القليل براعتى * قحما تضيق بها ذراع المكثر
стр. 60
أنشدنا ابو عثمان عن التوزى عن ابى عبيدة
لشقران السلامى في قتل الوليد:
ان الذي ربضها أمره * سرا امره بين للناخع (١)
لكالتي يحسبها أهلها * عذراء بكرا وهي في تاسع
فاركب من الأمر قراديده * بالحزم والقوة او صانع
حتى ترى الأجدع مذلوليا * يلتمس الفضل إلى الجادع
كنا نداريها فقد مزقت * واتسع الخرق على الراقع
كالثوب اذ أنهج فيه البلى * اعيا على ذى الحيلة الصانع
قراديد الأمر: شدته وصعوبته، المذلولى: الذى قد ذل وانقاد وخضع. قال: كان قد اشار على الوليد ان يقتل الذين شغبوا عليه حتى يطلب المجدوع (٢) الفضل الى من جدعه (٣) ويرضى بالتخلص.
انشدنا ابو عثمان عن التوزى
للنابغة الذبيانى ولم يعرفها الأصمعى:
ودّع أمامة إن اردت رواحا * وطويت كشحا دونهم وجناحا
بوداع لا ملق ولا متكاره * لا بل تعل تحية وصفاحا
فاهجرهم هجر الصديق صديقه * حتى تلاقيهم عليك شحاحا
لا خير في عزم بغير روية * والشك وهن ان اردت سراحا
فاستبق ودك للصديق ولا تكن * قتبا يعض بغارب ملحاحا
ضغنا تدخل تحته احلاسه * شد البطان فما يريد براحا
والرفق يمن والاناة سعادة * فاستأن في رفق تلاق نجاحا
واليأس عما فات يعقب راحة * ولرب مطعمة تعود ذباحا
стр. 61
وأنشد لرجل من هذيل ولم يعرفها
الأصمعي وهو لأبى العيال
فبعض الأمر أصلحه ببعض * فان الغث يحمله السمين
ولا تعجل بظنك قبل خبر * فعند الخبر تنقطع الظنون
ترى بين الرجالِ العين فضلا * وفيما اضمروا الفضل المبين
كلون الماء مشتبها وليست * تخبرُ عن مذاقته العيون
أنشدنا عبد الرحمن عن عمه للمستنير بن طلبة احد بنى اقيش:
اعاتب ليلى انما الصرم ان ترى * خليلك يأتى ما اتى لا تعاتبه
وما اهل ليلى من صديق فينفعوا * ولا اهل ليلى من عدو تجانبه
يولون حقدا كان بينى وبينهم * قديما كما يستوعب الدر حالبه
وذى حنق باد علي تركته * كذى الأثر يستدمى من الطير غاربه (١)
وأنشدنا عن التوزى عن أبى عبيدة لرجل من عبشمش:
دعانى سهم دعوة فأجبته * ومن ذا الذى يرجى لنائبة بعدى
فلو بى بدأتم قبل من قد دعوتم * لفرجت عنكم كل نائبة جهدى
إذا المرء ذو القربى وذو الود اجحفت * به نكبة سلت مصيبته حقدى
وأنشد:
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له * ولن ترى قانعا ما عاش مفتقرا
العرف من يأته يعرف عواقبه * ما ضاع عرف ولو أوليته حجرا
وأنشد لضرار بن عيينة العبشمى:
أحب الشىء ثم اصد عنه * مخافة أن يكون به مقال
стр. 62
احاذر ان يقال لنا فنخزى * ونعلم ما تسب به الرجال
أنشد عبد الرحمن عن عمه لحضرمى بن عامر الأسدى
لقد جعل الرك القليل يسيلنى * إليك ويشريك القليل فتعلق
وقد جعلت تبدو العداوة بيننا * حديثا وأسباب المودة تخلق
لعلك يوما ان تود لو انني * قريب ودونى من ملا الأرض مخفق
وتنظر في أسرار كفك هل ترى * لنا خلفا مما نفيد وننفق
أنشدنى عبد الرحمن عن عمه لعلى بن بذال من بنى سليم
لعمرك اننى وابا ذراع * على حال التكاشر منذ حين
لأبغضه ويبغضنى وأيضا * يرانى دونه وأراه دونى
فلو انا على جحر ذبحنا * جرى الدميان بالخير اليقين
أنشدنا الأشناندانى عن التوزى عن أبى عبيدة لعيان
ابن ثعلبة بن انف الكلب الصيداوى:
دفعنا طريفا بأطرافنا * وبالراح عنا فلم يدفعونا
فلم تبق الا التى حاولوا * وخفنا وأحر بها أن تكونا
وغركم بارق صادق * وجم العديد ولم تحبسونا (١)
فان يك فيكم لكم ثروة * ونحن العديد وان كان دونا
وإنا إذا هزهزتنا السيوف * وصرحت الحرب ضربا ثبينا
وكان الصميم ذوى بأسنا * فطاح الوشيظ وكان عزينا (٢)
وأعصم بالصبر جلى الأمور * فنحن الأولى لا كما تعلمونا
وحكت بأحسابها بركها * ولا تأكل الحرب الا سمينا
стр. 63
وأنشدنا عبد الرحمن عن عمه لأبى سدرة
سحيم بن الاعرف الهجيمى:
الى حسان من اكناف نجد * رحلنا العيس تنفخ في براها
نعد قرابة ونعد صهرا * ويسعد بالقرابة من يراها
وما زرناك من عدم ولكن * يهش إلى الامارة من رجاها
وأيا ما فعلت فان نفسي * تعد صلاح نفسك من غناها
وأنشد لأفنون التغلبى واسمه صريم بن معشر:
ولست على شىء فروحا معاويا * ولا المشفقات اذ تبعن الحوازيا
اى: الكواهن.
ولا خير فيما يكذب المرء نفسه * وتقواله للشىء ياليت ذا ليا
لعمرك ما يدرى امرؤ كيف يتقى * إذا هو لم يجعل له الله واقيا
وأنشد للمغيرة بن حبناء:
اذا المرء أثرى ثم قال لقومه * انا السيد المفضى اليه المعظم (١)
ولم يولهم خيرا ابوا ان يسودهم * وهان عليهم رغمه وهو أظلم
وأنشد لحضرمى بن عامر الأسدى:
ما زال إهداء الضغائن بينهم * شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأن أمرك فيهم * في كل مجمعة طنين ذباب
اهلكت جندك من صديقك فالتمس * جندا تعيش به من الأوغاب
الأوغاب: الضعفاء من الناس.
ولقد طويتكم على بللاتكم * وعرفت ما فيكم من الأذراب
كيما اعدكم لأبعد منكم * ولقد يجاء الى ذوى الأحساب
стр. 64
باب المنتخب من شعر الأعراب في فنون شتى
أنشدنا:
ما وجد أعرابية قذفت بها * صروف النوى من حيث لا تك ظنت
تمنت أحاليب الرعاء وخيمة * بنجد فلم يقدر لها ما تمنت
وسد عليها باب أصهب لازم * عليه رقاقا (١) قربة قد أبلت
اذا ذكرت ماء الفضاء وطيبه * وبرد الحصى من نحو نجد أرنت
بأوجد من وجد بريا وجدته * غداة غدونا غربة واطمأنت
فان يك هذا عهد ريا وأهلها * فهذا الذى كنا ظننا وظنت
وأنشد للصمة بن عبد الله القشيرى:
ألا ليت شعرى هل ابيتن ليلة * بسعد ولما يخل من اهله سعد
وهل أقبلن النجد اعناق أينق * وقد سال مسيا ثم من صبحه النجد (٢)
وهل أخبطن القوم والريح قرة * فروع الألاء حفه عقد جعد
وكنت أرى ريا ونجدا من الهوى * فما من هواى اليوم ريا ولا نجد
أنشدنا الرياشى:
ألا قاتل الله الحمامة غدوة * علي الفرع (٣) ماذا هيجت حين غنت
تغنت غناء اعجميا فهيجت * جواى الذى كانت ضلوعى اجنت (٤)
نظرت بصحراء البريقين نظرة * حجازية لو جن طرف لجنت
стр. 65
وأنشد:
سألت فقالوا قد اصابت ظعائن * مريعا وأين النجد نجد مريع
ظعائن إما من هلال فما درى الـ * مخبر او من عامر بن ربيع
لهن زهاء بالفضاء كأنه * مواقر نخل من نطاة ينيع
يقولون مجنون بسمراء مولع * ألا حبذا جن بها وولوع
ولا خير في حب يكون كأنه * شغاف أجنته حشا وضلوع
وأنشد لصخر بن جعد المحاربى:
بنفسى وأهلى اذا عرضوا له * ببعض الأذى لم يَدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البرىء ولم تزل * به سكتة حتى يقال مريب
لقد ظلموا ذات الوشاح ولم يكن * لنا من هوى ذات الوشاح نصيب
وأنشد للأقرع بن معاذ القشيرى:
ولا خير في الدنيا اذا انت لم تزر * حبيبا ولم يطرب اليك حبيب
وأكببت اكباب الدنىء وباعدت * لك النفس حاجات وهن قريب
سقيت دم الحيات ان لمت بعدها * حبيبا ولا عنّفته بحبيب
أنشدنا الأشناندانى قال: أنشدنا التوزى عن ابى عبيدة
لرامة بنت حسين بن قيس بن منقذ بن الطماح:
أقام معى من لا أحب جواره * وجاراى جارا الصدق مرتحلان
ولا يستوى الجاران جار مكارم * وجار طويل العمر والانحان
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة * وبينى وبين الكوفة النهران
فان ينجنى منها الذي ساقنى لها * فلا بد من غمر ومن شنآن
стр. 66
أنشدنى ابو حاتم:
إذا اشتملت على اليأس (١) القلوب *وضاق بنابه الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت *وأرست فى اماكانها الخطوب
ولم ار (٢) لانكشاف الضر وجها * ولا اغنى بحيلته الأريب
اتاك على قنوط منك غوث * يمن به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات وإن تناهت (٣) * فمقرون بها الفرج القريب
وأنشدنى ايضا:
اذا أنت جاريت السفيه * فأنت سفيه مثله غير ذى حلم
اذا امن الجهال حلمك مرة * فعرضك للجهال غنم من الغنم
فلا تقبضن عرض السفيه وداره * بحلم فان أعيا عليك فبالصرم
وعم عليه الحلم والجهل والقه * بمنزلة بين العداوة والسلم
فيرجوك تارات ويخشاك تارة * ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم
فإن لم تجد بدا من الجهل فاستعن * عليه بجهال فذاك من العزم
وأنشدنى عبد الرحمن ويروى لسويد بن الصامت:
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفرى
مقالته كالشهد ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
أنشدنا عبد الرحمن ابن أخى الأصمعى عن عمه لرجل من غطفان:
اذا انت لم تستبق ود صحابة * على دخن أكثرت بث المعايب
وإنى لأستبقى امرأ السوء عدة * لعدوة عريض من الناس عائب
أخاف كلاب الأبعدين ونبحها * اذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
стр. 67
أنشدني عبد الرحمن:
يا قوم ان سعيدا من يكون له * من ربه عن ركوب الغى مزدجر
لا تبطرن بلاد الله عندكم * فقبلكم شأن اهل النعمة البطر
ما غير الله من نعماء انعمها *على معاشر حتى تبدأ الغير
قد اصبح المتقى منكم على وجل * والمعتدى معرض منكم له العبر
أنشدنى عمى عن ابيه عن الكلبى:
يا مرء يا خير اخ * نازعت در الحلمة
يا خير من اوقد لِلْـ * أَضياف نارا جحمه
يا قائد الخيل ومجتا * ب الدلاص الدرمه
يا جالب (١) الخيل الى الـ * خيل تعادى أضمه
سيفك لا يشقى به * الا العسير السنمة
جاد على قبرك غيـ * ث من سحاب رزمه (٢)
ينبت نورا ارجا * جرجاره والينمه
وأنشد:
اذا المرء لم يبذل لك الود مقبلا * يد الدهر لم يبذل لك الود مدبرا
فدع ذا الهوى قبل القلى (٣) ترك ذى الهوى * متين القوى خير من الصرم مصدرا
آخر:
وما نفى عنك قوما انت خائفهم * كمثل وقمك جهالا بجهال
فاقعس اذا حدبوا واحدب اذا قعسوا * ووازن الشر مثقالا بمثقال
آخر:
ان كنت لا ترهب ذمى لما * تعرف من صفحى عن الجاهل
فاخش سكوتى أن اُرى منصتا * فيك لمسموع خنا القائل
стр. 68
فالسامع الذم شريك له * ومطعم المأكول كالآكل
مقالة السوء الى اهلها * أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس الى ذمه * ذموه بالحق وبالباطل
فلا تهج ان كنت ذا اربة * حرب اخى التجربة العاقل
ان اخا العقل اذا هجته * هجت به ذا لبدة خاتل
تبصر في عاجل شداته * عليك غب الضرر الآجل
أنشدنى عبد الرحمن بن عبد الله:
يا ايها الجاهل المزجى أذيته * هل انت عن قولك العوراء مزدجر
إنى إذا مد مبطانى الى امد * لا يستطيع حضارى المقرف البطر
لاقى قناتى مضرارا عشوزنة * لا قادح قد يتعناها ولا خور
إنى لأصفح عن قومى وألبسهم * على الضغائن حتى تبرأ المير
وأنشد:
صديقك حين تستغنى كثير * وما لك عند فقرك من صديق
فلا تغضب على احد اذا ما * طوى عنك الزيارة عند ضيق
وأنشدنى:
ما عن فارقت دار معاشر * هم المانعون حوزتى وذمارى
ولكنه ما قدر الله كائن * نظار ترقب ما يحم نظار
ويروى: يجم، وانشد:
ما اقرب الأشياء حين يسوقها * قدر وأبعدها إذا لم تقدر
فسل اللبيب تكن لبيبا مثله * من يسع في علم بلب يمهر
وتدبر الأمر الذي تعنى به * لا خير في عمل بغير تدبر
فلقد يجد المرء وهو مقصر * ويخيب جد المرء غير مقصر
стр. 69
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم * والمنكرون لكل امر منكر
وبقيت فى خلف (١) يزين بعضهم * بعضا ليدفع معور عن معور
أبنىّ إن من الرجال بهيمة * في صورة الرجل السميع المبصر
فطن بكل مصيبة في ماله * فاذا اصيب بدينه لم يشعر
وأنشد عبد الرحمن عن عمه:
وحب كأضناء النحاز (٢) كتمته * مع القلب لم يعلم به من الأطف
وإنى لأحمى الحب حتى ارده * خفى المرد لم تنله الزعانف
وأخفى من الوجد الذي لو أذيعه * لحن عليه القاصرات العفائف
وأنشد:
انت الفتى كل الفتى * لو كنت تفعل ما تقول
لا خير في كذب (٣) الجوا * دو حبذا صدق البخيل
وأنشد:
أرى كل من أثرى يرى ذا مهابة * وإن كان مذموما لئيما نقائبه
ومن يفتقر يدعى اللئيم (٤) ويمتهن * غريبا وتبغض ان تراه اقاربه
ويرمى كما ذو العر يرمى ويتقى * ويجنى ذنوبا كلها هو عائبه
стр. 70
وأنشد:
يا ايهذا الذى قد غره الأمل * ودون ما يأمل التنغيص والأجل
ألا ترى انما الدنيا وزينتها * كمنزل الركب دارا ثمت ارتحلوا
حتوفها رصد وكدها نكد * وعيشها رنق وملكها دول
تظل تفزع بالروعات ساكنها * فما يدوم له حزن ولا جدل
كأنه للمنايا والردى غرض * تظل فيه بنات الدّهر تنتضل
المرء يسعى بما يسعى لوارثه * والقبر وارث ما يسعى له الرجل
تم كتاب المجتنى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وعترته الطاهرين، وسلم اجمعين (١).
стр. 71
ترجمة ابى اليمن الكندى راوى هذا الكتاب
هو زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن تاج الدين ابو اليمن الكندى النحوى اللغوى المقرى المحدث الحافظ، ولد ببغداد سنة عشرين وخمسمائة وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وأكمل القراءات العشرة وهو ابن عشر.
قال الذهبي: فإني لا اعلم أحدا من الأئمة عاش بعد قراءة القرآن ثلاثا وثمانين سنة غيره، قرأ العربية على ابى محمد سبط ابى منصور الخياط وابن الشجرى وابن الخشاب، واللغة على موهوب الجواليقي، وسمع الحديث من ابى بكر بن عبد الباقى وخلائق، قدم دمشق ونال الحشمة الوافرة والتقدم وازدحم عليه الطلبة، وكان حنبليا فصار حنفيا وتقدم في مذهب ابى خنيفة، ودرّس وصنّف وكان صحيح السماع ثقة في النقل.
استوزره فروخ شاه ثم اتصل بأخيه تقى الدين عمر صاحب حماة واختص به وكثرت أمواله وكتب الخط المنسوب، وله خزانة كتب بالجامع الأموى فيها كل نفيس.
توفى يوم الاثنين سادس شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة، وانقطع بموته اسناد عظيم.
***
стр. 72
خاتمة الطبع
الحمد لله الذى وفق لإعادة طبع هذا الكتاب بعونه وكرمه في بلدة حيدر آباد في عهد مظفر الممالك فتح جنك نظام الدولة نظام الملك آصف جاه سلطان العلوم مير عثمان على خان بهادر لا زالت رايات ملكه خافقة وشموس دولته شارقة.
وذلك في عهد وزارة هز اكسلنسى السير النواب الحافظ احمد سعيد خان رئيس چهتارى ورئيس الوزراء في الدولة الآصفية ابقاه الله لرقى المملكة الآصفية الى منازل عالية ونشر علوم القرآن في معالم الدين ان الله لا يضيع اجر المحسنين.
وهذه الجمعية تحت رئاسة الأديب الجليل الدكتور النواب مهدى يارجنك بهادر وزير المعارف ونائب امير الجامعة العثمانية، ونيابة الشهم الغيور السيد العزيز وزير العدلية والشرعية ونائب الرئيس، وتحت اعتماد الحسيب النسيب الحاج السيد محيى الدين العميد لوزير المعارف، وذى المجد والكرم النواب ناظر يار جنك بهادر شريك العميد للجمعية، ابقاهم الله في خدمة العلم والدين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وآله وأصحابه اجمعين.
*****
تمت الطبعة الثالثة لكتاب المجتنى يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٨٢هـ = نوفمبر سنة ١٩٦٢م. وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا وآله وصحبه اجمعين.