بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب أعن
اخبرنا الشيخ الامام الأوحد تاج الدين فخر الأئمة لسان العرب وحجة اهل الادب ابو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى ادام الله ايامه وحرس انعامه بمدينة دمشق في العشر الاول من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمس مائة للهجرة النبوية على صاحبها افضل السلام.
قال اخبرنا الشيخ الامام العالم الزاهد الثقة ابو محمد عبدالله بن على المقرى النحوى قال اخبرنا ابو منصور محمد بن محمد بن احمد بن الحسين بن عبدالعزيز قال اخبرنا ابو الطيب محمد بن احمد بن خلف بن خاقان قال اخبرنا محمد بن الحسن (١) بن دريد الازدي سنة احدى وعشرين وثلاث مائة وحدثنا (٢) القاضي ابو محمد عبدالله بن على بن ايوب (٣) قال اخبرنا ابو بكر محمد بن الحسن بن دريد - واللفظ للقاضي.
قال نحرس نعم الله عندنا بالحمد عليها ونمترى المزيد منها بالشكر عليها ونرغب إلى الله في التوفيق لما يدنى من رضاه ويجير من سخطه انه سميع الدعاء.
هذا كتاب يشتمل على فنون شتى من الاخبار الموثقة والالفاظ المسترشقة والاشعار الرائقة والمعاني الفخمة والحكم المتناهية والاحاديث المنتخبة سميناه كتاب المجتنى لاجتنائنا في ظرائف الآثار كما تجتنى اطائب الثمار. وجرينا فيه إلى الاختصار إذ كان الاكثار مقرونا بالسآمة؛
стр. 2
وقد قال من قبلنا إذا كان الايجاز كافيا كان الاكثار هذرا وإذا كان الاكثار ابلغ كان الايجاز عيا وخير الامور اوسطها والله الموفق للصواب.
فاول ما نستفتح به ما جاءنا عن نبينا ﵌ من الفاظه التي لا يشوبها كدر العىّ ولا يطمس رونقها التكلف ولا يمحو طلاوتها التفيهق وقد ضمنت هذا الكتاب اخبارا واشعارا سمعتها فعزوتها الى من سمعتها منه واشياء قرأتها فيما قرأت من الكتب على اشياخنا ﵏ فمنها اجازة ومنها سماع ومنها ما رويته بنزول وسابين ذلك في مواضعه ان شاء الله تعالى
(باب)
ما سمع من النبي ﵌ ولم يسمع من غيره قبله
قوله ﵌: "لا ينتطح فيها عنزان" قاله في عصماء بنت مروان اليهودية، وكانت تهجو رسول الله ﵌ وتوذيه، فقتلها القارى رجل من الانصار (١) وكان ضعيف البصر فطرقها ليلا فقتلها فلما صلى الصبح مع النبي ﵌ فقال له اقتلت عصماء قال نعم يا رسول الله فقال لا ينتطح فيها عنزان فخص النبي ﵌ العنزين دون الغنم، لان العنز انما تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها، فانظر اين هذا الكلام من قول عدى بن حاتم لما قتل عثمان رضى الله عنه: "لا تحبق فيها (٢) عنز" ففقئت فيها عينه يوم صفين وقتل ابنه طريف فقال له معاوية بعد الاستقامة هل حبقت العنز في قتل عثمان قال اى والله والتيس الاعظم.
стр. 3
قوله ﵇ "مات حتف انفه" اخبرنا محمد بن الحسن (١) قال اخبرنا عبد الاول بن مؤيد (٢) احد بنى انف الناقة من بنى سعد في اسناد ذكره قال علي رضوان الله عليه ما سمعت كلمة عربية الا وقد سمعتها من رسول الله ﵌ سمعته يقول "مات حتف انفه" وما سمعتها من عربى قبله ﵌، قال ابو بكر: ومعنى حتف انفه: ان روحه تخرج من انفه بتتابع نفسه لان الميت على فراشه من غير قتل يتنفس حتى يقضى (٣) رمقه فخص الانف بذلك لانه من جهته ينقضى رمقه.
قوله ﵌ حمى الوطيس قاله ﵌ يوم حنين لما جال المسلمون ثم تابوا فلما اختلط الضراب قاله ﵇ وهو منتصب مشرف ركابيه على بغلته الشهباء، والوطيس: حفيرة تحفر في الارض شبيهة بالتنور يختبز فيها، والجمع وطس، فاذا كانت حفيرة اعظم من الوطيس يشتوى فيها اللحم فهى ارة؛ والجمع إرين، وللارة موضع غير هذا.
وقوله ﵌: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" اراد ﵌ ان حظ العاهر حجر، اى لا شىء له في الولد.
ولهذا الكلام معنيان اما ان يكون اراد ان حظه الغلظة والخشونة من اقامة الحد رجما او ضربا واما ان يكون اراد بالحجر ما لا ينتفع به ولا محصول له يريد به الخيبة.
وقوله ﵌: "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين" قاله ﵌ لابي عزو الشاعر وكان اسر يوم بدر فسال النبى ﵌ ان يمن عليه وذكر عيالا وفقرا فمن عليه فاخذ عليه عهدا ان لا يحضض عليه ولا يهجو ففعل ثم رجع الى مكة فاستهواه صفوان ابن امية وضمن له القيام بعياله فخرج مع قريش وحضض على النبى صلى الله
стр. 4
عليه وآله وسلم فاسر فسال النبى ان يمن عليه فقال ﵌ "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين" لا تمسح عارضك (١) بمكة فتقول سخرت من محمد مرتين، ثم امر النبى ﵌ بقتله*
وقوله ﵌: "كل الصيد في جوف الفرأ - او بطن الفرأ" مهموز وهو الحمار والوحشى والجمع فراء ممدود* قال (مالك) بن زغبة:
بضرب كآذان الفراء فضوله * وطعن كايزاغ المخاض تبورها
الايزاغ: دفع البول والبورة (٢) أن تعرض الناقة على الفحل ليعرف ألاقح هي ام حائل، وقال آخر عامر بن كثير المحاربى:
اذا اجتمعوا علي واشقذونى * فصرت كأنني فرأ متار
اراد بذلك متأر فخفف الهمزة من قولهم اتأرته بصرى اذا احددت اليه النظر وهذا كلام خاطب به ﵌ ابا سفيان ابن حرب بن عبد الله بن عبد المطلب واسمه المغيرة حين جاءه مسلم، اوكان قد هجا النبى ﵌ هجاء قبيحا - وله حديث في المغازى والفرأ: الحمار الوحشى وهو اعظم ما يصاد فكل صيد دونه فالمعنى انت اعظم من يأتينى من اهل بيتى اذ كلهم دونك كما ان الصيدكله دون الحمار.
وقوله ﵌ "الحرب خدعة"، قاله ﵌ يوم الاحزاب لما بعث بنعيم بن مسعود ليخذل بين قريش وغطفان ويهود، يريد ان المماكرة في الحرب انفع من المكاثرة والاقدام من غير علم.
ومنه قول بعض الحكماء: "نفاذ الراى في الحرب انفع من الطعن والضرب"، والمثل السائر: "اذا لم تكن تغلب فاخلب"، أي اخدع، والخلابة: الخديعة، قال الشاعر - وهو النمر بن تولب:
стр. 5
بان الشباب وحب الخالة (١) الخلبة
وقال آخر:
وشر الرجال الخالب الخلبوت (٢)
اى الخداع ومنه البرق الخلب الذى لا ماء فيه.
وقوله ﵌: "اياكم وخضراء الدمن" قاله ﷺ في بعض ما كان يؤدب به اصحابه، وقد فسر هذا الكلام في الحديث، وله تفسيران: قال بعضهم يريد المرأة الحسناء في المنبت السوء، وتفسير ذلك ان الريح تجمع الدمن وهو البعر في البقعة من الارض ثم يركبه الساقى فاذا أصابه المطر نبت نبتا غضا ناعما يهتز وتحته الدمن الخبيث، يقول: فلا تنكحوا هذه المرأة لجمالها ومنبتها خبيث كالدمن، فإن اعراق السوء تنزع اولادها؛ والتفسير الآخر بمعنى قول زفر بن الحارث شعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا
يقول: نحن وإن اظهرنا لكم بشرا فان تحته الحق والسخيمة كهذا الدمن الذي يظهر فوقه النبت مهتزا وتحته الفساد، وهذا نحو قول الآخر - وهو عمير بن الحباب:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن * كما طر أوبار الجراب على النشر
الجراب: الجربى من الابل؛ والنشر: أن يظهر الوبر على الدبر؛ فيغطيه فيكون فيه الفساد، يقول: نحن وإن تداجينا وأظهرنا صلحا كالشعر او الوبر النابت على الدبر فظاهره سليم وباطنه دو، ويقول في بيت آخر:
يظل اذا اقبلت كاسر عينه * ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
وقوله ﵌: "وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا او يلم" هذا كلام من ابلغ الكلم في تحذير الدنيا والركون اليها وذلك ان الماشية يروقها نبت الربيع منه بأعينها فربما تفتقت سمنا فهلكت يقول: من اعطى كثرا ورفاهية عيش في دنياه، فيجب ان يقتصد ولا ينهمك
стр. 6
فيها فتلهيه عن الاحتراث لآخرته فيهلك كما ان هذه الماشية يلهيها زهر النبات فتأكل حتى تهلك.
وقوله ﵌ "الأنصار كرشى وعيبتى" يريد أنهم معتمدى الذى اقوى عليه وأقوى به، كما ان الكرش معتمد معدة الماشية الذي يصرف الغذاء في سائر اعضائها فتقوى بذلك وفيها تستقر الثميلة؛ وهي باقية العلف في الكرش يقول: فالأنصار الذين يمدوننى بأموالهم ونصرهم فهم كالكرش لى؛ وقوله عيبتى: يريد الذين اودعهم اسرارى وأرجع اليهم في مهمات امورى؛ كما ان الرجل انما يودع عيبته نفيس متاعه وكسوته وذخيرته.
وقوله ﵌ "يا خيل الله اركبى" قاله ﵌ في بعض مغازيه - لا ادرى في ايها (١)، والخيل لا تركب وإنما تركب، وهذا على الإيجاز والاختصار وكان وجه الكلام أن يقول: يا فرسان خيل الله اركبى، فاختصر لأنه علم ما اراد، والخيول كلها لله فأضاف الخيول الى الله تبجيلا وتعظيما كقولهم: بيت الله - والبيوت كلها لله، وشهر الله الأصم وناقة الله - ونحو ذلك.
وقوله ﵌ "لا يجنى على المرء الا يده" اراد لا يؤخذ بجناية غيره ان قتل او جرح فبيده اصاب ذلك أي فبيده الجانية (٢) عليه ولا يؤخذ بجناية يده غيره.
قوله ﵌ "الشديد من غلب نفسه" يقول من ملك نفسه عند شهوته وعند غضبه فمنعها فهو الشديد، وهذا شبيه بحديثه
стр. 7
عليه السلام أنه مر بقوم يربعون حجرا - او يجذبون حجرا - فسأل عن ذلك فقيل لينظروا ايهم اقوى - او كما قيل؛ فقال: ألا اخبركم بأشد من هؤلاء، من ملك نفسه عند الغضب - او كما قال ﵌ (١).
وقوله ﵌ "ليس الخبر كالمعاينة" هذا الكلام في حديث فيه بعض الطول يريد أنه لا يهجم على قلب المخبر من الهلع بالأمر والاستفظاع له مثل ما يهجم على قلب المعاين، ألا ترى ان الله أخبر موسى أن قومه قد فتنوا بالعجل فلما عاين ذلك ألقى الألواح ضجرا وأخذ برأس اخيه، وقد طعن في هذا الحديث قوم فقالوا لم يصدق بما أخبره ربه، فلم يذهب الطاعن في هذا الحديث مذهبا مرضيا، موسى ﵇ لم يشكك فيما اخبره به ربه ولكن للعيان روعة هي اذكأ للقاء (٢) وأبعث لهلعة من المسموع، ألا ترى ان ابا مليل احد فرسان بنى يربوع لما قتلت بكر بن وائل ابنيه فأخبر بذلك لم يشكك فيه ولم يظهر منه الجزع مثل الذي رآهما صريعين فألقى نفسه عن فرسه عليهما وقد ايقن انهما قد قتلا فما شك عند الخبر وغلبه الجزع عند المعاينة.
وقوله ﵌ "المجالس بالأمانة" وهذا مما ادب به أمته ﵌ ومعناه أن الرجل يجلس إلى القوم فيخوضون في الأحاديث ولعل فيها ما ان نمى كان فيه ما يكرهون فيأتمنوه على اسرارهم، فأراد ﵌ ان الأحاديث التى تجرى بين اهل المجالس كالأمانة التى لا يحب ان يطلع عليها فمن اظهر احاديث الذين أمنوه على اسرارهم فهو قتات؛ وقد جاء في الحديث ذم القتات وهو النمام
стр. 8
وفي التنزيل "هماز مشاء بنميم".
وقوله ﵌ "اليد العليا خير من اليد السفلى" وهذا حث على الصدقة لأن العليا يد المتصدق والسفلى يد السائل والمعطى مفضلى على المعطى فالمفضل خير من المفضل عليه، ولم يرد ﵇ ان المفضل خير في الدين انما المراد خير في الافضال.
وقوله ﵌ "ان البلاء موكل بالمنطق (١) " هذا كلام روى لأبي بكر الصديق ﵁ في حديث طويل، والبلاء: الاختبار ما كان من خير وشر.
وقوله ﵌ "ترك الشر صدقة" يريد أن من ترك الشر وأذى الناس فكأنه قد تصدق عليه، اى فضل ترك الشر كفضل الصدقة.
وقوله ﵌ "الناس كأسنان المشط" يريد أنهم مستوون وإنما التفاضل في العمل الصالح والفعل الجميل، وهذا كقوله: كلكم لآدم وآدم من التراب.
ومنه "الغنى غنى النفس" وهذا مما أدب به ﵌ أمته يريد أن من كان غنى النفس ولم يلحف في الطلب اى كأنه غنى واحد.
وقوله ﵌ "اى داء أدوى من البخل"، قاله ﵌ في كلامه للأنصار: "من سيدكم يا بنى سلمة" - بكسر اللام، وهي الواحدة من السلام - قالوا: الجد بن قيس على بخل فيه، فقال ﵌: "وأى داء أدوى من البخل" بل سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور، وبشر الذى أكل مع النبى ﵌ من الشاة المسمومة بخيبر فمات، ومعنى هذا الكلام انه جعل البخل
стр. 9
داء ليس بداء مؤلم فشبهه بالداء اذ كان مفسدا للرجل مؤديا له سوء الثناء كما ان الداء يؤل إلى طول الضنا، والمقصد في هذا النهى عن البخل.
وقوله ﵌ "الأعمال بالنيات" يريد أن الرجل إذا عمل عملا من صلاة او صيام او صدقة او باب من ابواب البر فنوى أن ذلك لله لا لرئاء الناس كان ذلك العمل مقبولا، وهذا تحريض على إخلاص النية؛ فذلك العمل حينئذ المراد به وجه الله .
وقوله ﵌ "الحياء خير كله" لم يرد ﵇ الحياء الداعى الى البقاء في الفهاهة القاعد بالمرء عن بلوغ المراد في الخطاب والقصور عن تناول الحجة وإنما الحياء الرادع عن ارتكاب الحرام والمحارم والتلطخ بالمدانس، وهذا كقوله في حديث آخر "وإن مما ادرك اهل الجاهلية من كلام النبوة اذا لم تستحيى فاصنع ما شئت" أي اعمل كل ما لا يستحيى منه من مثله (١).
وقوله ﵌ "اليمين الفاجرة تدع الدار بلاقع (٢) " هذا نهى عن الاقدام عن احتجاز (٣) أموال الناس بالأيمان فمن حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم او يحوز بها ما ليس له او يدفع بها حقا عليه عاجلته العقوبة فاجتاحته فتركت داره بلاقع اى أقفرته حتى لا تبقى له شيئا، والبلقع: القفر الذي لا شىء فيه، قال أبو بكر: قد كانت العرب في الجاهلية تستحلف بالنار والملح، وهو الذى كانوا يسمونه التهويل فيحلف الرجل على الكذب فيمعر (٤) ماله ويثكل ولده ولذلك سمى الحطيم بمكة لأنهم كانوا يحلفون عنده فيحطم المبطل، وقد قالت العرب: "نعوذ بالله من قرع الفناء وصفر الإناء" يريدون ذهاب المال.
وقوله ﵌ "سيد القوم خادمهم" هذا كلام
стр. 10
حث به على المكارم والتعاون وترك التكبر على الأصحاب في الأسفار فجعل الخادم سيدا اذا كان يخدم أصحابه تكرما لا لمنالة ولا جعالة فأوجب له بذلك السودد على اصحابه.
قوله ﵌ "فضل العلم خير من فضل العبادة" يريد ﵌ أن العالم وإن كان منه تقصير في عبادته افضل من جاهل مجتهد، لأن العالم يعرف ما يأتى وما يتجنب، والعابد الجاهل المتهور ربما أتى الشىء وهو يظن أنه مصيب وهو مخطىء.
قوله ﵌ "الخيل في نواصيها الخير" هذا نحو قوله ﵇ "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة".
قوله ﵌ "خير المال فرس في بطنها فرس" وهذا الكلام يحث به إلى إرتباط الخيل في سبيل الله، يريد أن من ارتبطها كان له ثواب ذلك وهو خير آجل وما يصيبه على ظهرها من الغنائم وفى بطونها من التاج فهو خير عاجل، وخص النواصى من بين اعضاء الجسد لأن الهرب تقول: فلان ميمون الناصية، اى مبارك الناصية، وهو مثل قوله "بطونها كنز وظهورها حرز" اى يتحرز بها من الأعداء ويتحصن بها منهم.
قوله ﵌ "عدة المؤمن كأخذ باليد" يحث على الوفاء بالمواعيد والصدق فيها، يريد أن المؤمن اذا وعد فالثقة بموعده كالثقة بالشىء إذا كان في اليد.
قوله ﵌ "أعجل الأشياء عقوبة البغى" وهذا نحو قوله "دعوة المظلوم لا تحجب" والمبغى عليه مظلوم والبغى اسرع الذنوب عقوبة.
قوله ﵌ "إن من الشعر لحكما وإن من البيان لسحرا" هذا كلام قاله ﵌ لوفد تميم لما سأل عمرو
стр. 11
ابن الأهتم عن قيس بن عاصم فمدحه فقال قيس: والله يا رسول الله! لقد علم أنى خير مما وصف ولكنه حسدنى، فذمه عمرو بن الأهتم فقلا: يا رسول الله! لقد مدحت (١) في الأولى وما كذبت في الأخرى، فعند ذلك قال النبى ﵌: إن من البيان لسحرا، يريد أن البليغ يبلغ ببيانه ما يبلغه الساحر في لطافة حيلته، وقد ذكر أن متكلما تكلم عند بعض الخلفاء فأفصح وبين فقال: هذا السحر الحلال.
قوله ﵌ "الصحة والفراغ نعمتان" يريد أن من افضل النعم العافية والكفاية، لأن الإنسان لا يكون فارغا حتى يكون مكفيا، والعافية هي الصحة فمن عوفى وكوفى فقد عظمت عليه النعمة، وهذا كلام (٢) اراد به عبد الله بن عمر حين سئل: أى العيش افضل؟ فقال: الأمن والعافية ثم غليلتى أتقوتها وأستغنى بها عن الناس - او كما قال، فأنبأ ﵌: أن الصحة والفراغ نعمتان من المنعم ﷻ يوجبان الشكر له عليهما لا التمادى في العصيان فاشكروا الله عليهما ولا تكونوا كمن كفر نعمة المنعم وطغى عند الصحة والكفاية.
قوله ﵌ "نية المؤمن خير من عمله" يريد ﵇ أن المؤمن ينوى الأشياء وأبواب البر نحو الصدقة والصوم وغير ذلك فلعله يعجز عن بعض ذلك وهو معقود النية عليه فنيته خير من عمله.
قوله ﵌ "الولد ألْوَط" وهذا الكلام يروى عن أبى بكر ﵁ انه قال: والله! إن عمر لأحب الناس الىّ ثم قال: "أستغفر الله الولد الوط" ومعنى الوط: الصق بالقلب، وأصل اللوط طليك الحوض وغيره بالمدر لئلا يخرج منه الماء، تقول: لطت الحوض ألوطه لوطا، ومنه قولهم: "هذا شىء لا يلتاط بصفرى" اى لا يقع في خلدى، وفي الحديث: "تلوط حوضها وتبغى ضالتها" يعنى راعى الإبل.
стр. 12
قوله ﵌ "استعينوا على الحاجات بالكتمان فان كل ذى نعمة محسود" هذا مما ادب به ﵌ أمته، لأن الرجل ربما طلب الحاجة الى الرجل فيكون له عدو أو حاسد فيسعى عليه فيفسد عليه مطلب حاجته.
قوله ﵌ "المكر والخديعة في النار" يريد أن المكر والخداع لا يكونان في تقى ولا خائف لله، لأنه اذا مكر غدر وإذا خدع وبق (١) فهاتان خلتان لا تكونان فى تقى فكل خلة جانبت التقى فهى فى النار.
قوله ﵌ "من غشنا فليس منا" ينهى ﵌ بهذا الكلام عن الخيانة ويحض على البر، وذلك أن الغش فعل من افعال اليهود يقول: من غش اهل الإسلام فقد تشبه بأعدائهم فكأنه ليس منهم.
قوله ﵌ "المستشار مؤتمن" يريد قوله ﵌ من افضى اليك بسره وأمنك على ذات نفسه فقد جعلك بموضع ثقته كالرجل الذى لا يأمن على ماله فلا يودعه الا الثقة في نفسه فالسر الذى ربما كان في اذاعته تلف النفس اولى بأن لا يجعل الا عند الموثوق به.
قوله قوله ﵌ "الندم توبة" هذا الكلام فيه شريطة، لأنه ليس الندم مع الاصرار توبة، انما يكون الندم (٢) توبة اذا كان مع الاقلاع والاخلاص وهذا وجهه ان شاء الله.
قوله ﵌ "الدال على الخير كفاعله" يقول من دلك على الخير فعلته بارشاده لك فكأنه قد فعله بك، وهذا تحضيض على التعاون على البر والحث عليه.
وقوله قوله ﵌ "حبك الشيء يعمى ويصم" يريد
стр. 13
أن الرجل اذا غلب الحب على قلبه ولم يك له رادع من عقل او دين اصمه حبه عن العذل واعماه عن الرشد.
وهذا يكثر ? وإنما اختصرنا منه ما نحتاج إليه في هذا الكتاب وسنأتى على جملة في كتاب إيجاز المنطق وذخائر الحكمة.
ومما يذكر من كلامه الموجز المتناهى وسنأتى على جملة في كتاب إيجاز المنطق وذخائر الحكمة وسنأتى على جملة في كتاب إيجاز المنطق وذخائر الحكمة.
ومما يذكر من كلامه الموجز المتناهى ﵌ "ما لك من مالك الا ما أكلت فأفنيت او?لبست فأبليت او أعطيت فأمضيت" وقوله ﷺ للأنصار "انكم تكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع" وقوله "الولد مبخلة مجبنة" وقوله "أهل المعروف فى الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة" وقوله "لن يهلك امرؤ من بعد مشورة" وقوله "رحم الله امرءا قال خيرا فغنم او سكت فسلم" وقوله "شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع" "المرء كثير بأخيه" "ثلاث لا ينجو منهن احد: الظن، والطيرة، والحسد، فإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فامض ولا تنثن" وقوله "الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم" وقوله "لولا رجال خشع وأطفال رضع وبهائم رتع" وقوله "أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع وقلب لا يخشع وعين لا تدمع" ولا ادرى ما صحة الكلمة (١) وقوله "هل يتوقع أحدكم الا غنى مطغيا او فقرا منسيا او مرضا مفسدا أو هرما مفندا (٢) او الدجال وهو شر ما ينتظر او الساعة فالساعة ادهى وأمر" "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى" يقول: القليل الذى لا يشغل عن الآخرة خير من الكثير الذي يلهى عنها "لا تجلسوا على ظهور الطرق فان أبيتم فغضوا الأبصار وترادوا السلام وأهدوا الضالة وأعينوا الضعيف"
стр. 14
"صدقة السر تطفىء غضب الرب، وصنائع المعروف تقى مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد في العمر" قوله ﵇ "نهيتكم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات".
وقوله ﵇ "ابدأ بمن تعول" وقوله " لا تختبر (١) يمينك على يسارك".
وقوله ﵌ "الناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة" يريد ﵇ أن الناس كثير والمرضِىّ منهم قليل كما أن المائة من الإبل لا تصاب فيها الراحلة الواحدة.
وقوله ﵇ "ما املق تاجر صدوق" يريد أن التاجر اذا صدق بورك له في تجارته فلم يملق اى لم يفتقر.
وقوله ﵇ (٢) "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى" يقول: القليل: من المال الذى لا يشغل عن الآخرة خير من الكثير الذى يلهى عنها.
وقوله ﵇ "لا تزال أمتى بخير ما لم تر الأمانة مغنما والصدقة مغرما" يريد الرجل اذا أوتمن على أمانة رآها مغنما فاعتد بها من ماله وإذا تصدق بصدقة رآها مغرما ونقصانا في ماله فامتنع ان يتصدق.
وقوله ﵌ "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ولن يهلك امرؤ بعد مشورة" يحث ﵌ بهذا الكلام على حسن العشرة والمشاورة في الأمور.
وقوله ﵌ "استعينوا على المشى بالسعى: وذلك ان الرجل اذا أكثر المشى تقبض عصبه فاذا سعى انطلق ومنه حديث عمرو بن معديكرب اذ شكا الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: المعص، فقال: "كذب عليك العسل" والمعص: وجع العصب من طول المشى، والعسل عدو من عدو الذئب وهو عدو فيه اهتزاز.
стр. 15
قوله ﵌: لا تنكث صفقتك ولا تبدل سنتك ولا تخرج من امتك" نكث الصفقة ان تبايع إمام ثم تقاتله، وتبديل السنة الاعرابية بعد الهجرة، والخروج من الأمة الخروج من الإسلام الى غيره.
باب
ما حفظ من كلام ابى بكر الصديق رضى الله عنه
أخبرنا محمد بن الحسن قال اخبرنا ابو حاتم عن الأصمعى، قال: كان ابو بكر رضى الله عنه اذا مدح قال: "اللهم! انت أعلم بى من نفسى وأنا أعلم بنفسى منهم، اللهم! اجعلنى خيرا مما يحسبون واغفر لى واجعلنى خيرا مما يعلمون ولا تؤاخذنى بما يقولون".
ومما يروى عن الهيثم بن عدى عن مجالد عن الشعبى قال: كان اول ما تكلم به ابو بكر رضى الله عنه، صعد المنبر بعد وفاة رسول الله ﵌ فانحدر عتبة من مقام النبي ﵌ وقال: ما كان الله ليرانى ان أقف موقف رسول الله ﵌" ثم قال: "اما بعد أيها الناس! فانى قد وليت أمركم ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن وسن النبى ﵌ وعلمنا فتعلمنا، ألا فاعلموا! أن أكيس الكيس التقى، وأن أحمق الحمق الفجور، وأن أضعفكم عندى القوى حتى آخذ منه الحق، وأن أقواكم عندى الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع فان أحسنت فأعينونى وإن زغت فسددونى، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم".
أخبرنا ابو بكر محمد بن الحسن قال اخبرنا ابو حاتم عن الأصمعى، عن العباس بن بكار الضبى عن عقبة الأصم عن عطاء بن ابى رباح عن ابن عباس قال: سمعت ابا بكر يقول:
стр. 16
اذا أردت شريف الناس كلهم * فانظر إلى ملك في زى مسكين
ذاك الذي حسنت في الناس سيرته (١) * وذاك يصلح للدنيا وللدين
باب
المحفوظ من كلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه
أخبرنا محمد قال اخبرنا الرياشى فى اسناده قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في بعض خطبه: "اياكم والبطنة! فانها مكسلة عن العبادة مفسدة للجسم مؤدية الى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم! فانه أبعد من السرف وأصح للبدن وأقوى للبدن وأقوى على العبادة، وأن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه".
اخبرنا محمد بن الحسن قال حدثنا الحسن بن الخضر قال حدثنا الحجاج بن نصير قال حدثنا صالح المرى عن مالك بن دينار عن الأحنف (٢) قال قال لى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: يا أحنف! "من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن اكثر من شىء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قبله".
اخبرنا محمد بن الحسن قال حدثنا الحسن بن الخضر قال اخبرنا عن سليمان بن داود العتكى قال حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن ابى البخترى قال: كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه الى ابى موسى: "لا تؤخر عمل اليوم لغد فتتدارك عليك الأعمال، وإن للناس نبوة عن سلطانهم او نفرة أعوذ بالله من ان تدركنى، وإياكم ضغائن محمولة ودنيا مؤثرة وأهواء متبعة" في حديث فيه طول.
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "القاضى لا يصانع ولا يضارع ولا يتبع المطامع".
стр. 17
اخبرنا محمد قال اخبرنا العكلى عن رجل عن جرير عن اسماعيل عن الشعبى قال قال عمر رضى اللع عنه "حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله".
ومن كلامه ﵇ ويقال بل من كلام علىّ رضى الله عنه "حق المسلم على المسلم سبع خصال: السلام عليه اذا لقيه، ويجيبه اذا دعاه، ويعوده اذا مرض، ويتبع جنازته اذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، والمواساة في ماله".
باب
من كلام عثمان رضى الله عنه
قال دخل عثمان بن عفان رضى الله عنه على العباس بن عبد المطلب يعوده فقال: اوصنى وزودنى! فقال له "الزم خواص تصب عوام، ودع مصانعة الناس، وعليك بسلامة القلب وحفظ اللسان تصب بهما سرورا، ومن أمنه الناس على اعراضهم استقاموا له بمواداتهم".
باب
ما حفظ من كلام على رضى الله عنه
قال حدثنا العكلى عن حاتم بن قبيصة المهلبى عن الكلبى قال قال على بن أبى طالب رضى الله عنه "المعروف افضل الكنوز وأحصن الحصون لا يزهدنك فيه كفر من كفرك فقد يشكرك عليه من ١ لم تستمتع منه (١) بشىء وقد يدرك بشكر الشاكر ما يضيع الجحود الكافر".
اخبرنا عقبة بن ابى الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم عليا رضى الله عنه دخل عليه الحسن وهو باك فقاله له: ما يبكيك يا بنى! فقال: مالى لا ابكى
стр. 18
وأنت في اول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، فقال: يا بنى! احفظ عنى اربعا وأربعا لا يضرك ما عملت معهن، قال: وما هن يا ابت؟ قال: ان أغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق، قال: يا ابت! هذه الأربع فأعطنى الأربع الأخر، قال: إياك ومصادقة الأحمق فانه لا يريد (١) ان ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فانه يقرب اليك البعيد ويبعد عليك (٢) القريب، وإياك ومصادقة البخيل فانه يقعد عنك احوج ما تكون اليه، وإياك ومصادقة الفاجر فانه يبيعك بالتافه.
ومما حفظ من كلام على رضى الله عنه
ان رجلا سأله عن تفسير "لا حول ولا قوة الا بالله" فقال: تفسيرها "انا لا نملك شيئا ولا نملك الا ما ملكنا مما هو أملك به منا فمتى ما ملكنا ما هو أملك به كلفنا ومتى اخذ منا وضع عنا ما كلفنا ان الله امرنا تخييرا، ونهانا تحذيرا، وأعطانا على قليل كثيرا، لن يطاع ربنا مكرها ولا يعصى مغلوبا".
ومما حفظ من كلامه رضى الله عنه
"لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول امل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين، ان اعطى منها لم يشبع، وإن منع لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتى ويبتغى الزيادة فيما بقى، ينهى ولا ينتهى، ويأمر بما لا يأتى، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض الطالحين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظل نادما وإن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه اذا عوفى ويقنط اذا ابتلى، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن
стр. 19
لا يثق من الرزق بما ضمن له ولا يعمل من العمل بما فرض عليه، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، فهو من الذنب والنعمة والمحنة موقر يبتغى الزيادة ولا يشكره، ويتكلف من الناس ما لم يؤمر به ويضيع من نفسه ما هو أكثر، يبالغ اذا سأل، ويقصر اذا عمل، يخشى الموت، ولا يبادر الفوت،
يستكثر من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللغو مع الأغنياء احب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، وهو يطاع ويعصى ويستوفى ولا يوفى".
ومما حفظ من كلامه رضى الله عنه في ذم الدنيا
اولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صح فيها امن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر اليها أعمته، ومن نظر بها بصرته.
ومن كلامه رضوان الله عنه
"لله امرؤ عمل صالحا، وقد خالصا، واكتسب مذخورا، وبنى عرضا، واحرز عوضا، كابر هواه، وكذب مناه، وجعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته".
ومن كلامه رضوان الله عنه
"الدنيا دار ممر الى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها".
ومن كلامه رضى الله عنه
"مثل الدنيا كمثل الحية لين مسها وفي جوفها السم الناقع يهوى اليها الصبي الجاهل ويحذرها ذو اللب الحاذر".
стр. 20
اخبرنا محمد قال حدثنا محمد بن حماد (١) البغدادي المعروف بابن الخشنى (٢) قال حدثنا القاسم بن عبيد الله (٣) الهمداني قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: قال على رضوان الله عليه "إنى لأستحيى من الله أن يكون ذنب اعظم من عفوى، او جهل أعظم من حلمى، او عورة لا يواريها سترى، او خلة لا يسدها جودى".
ومما حفظ من كلامه كرم الله وجهه
اذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكر المقدرة عليه.
ومن مواعظه رضوان الله عليه
"إن الله وقت لكم الآجال، وضرب لكم الأمثال، وألبسكم الرياش، وأرفغ عليكم المعاش، وآثركم بالنعم السوابغ، وتقدم اليكم بالحجج البوالغ، وأوسع لكم بالرفد الروافغ، فشمروا فقد احاط بكم الاحصاء وأرهن لكم الجزاء".
ومن كلامه رضى الله عنه في ذم الدنيا
"الدنيا غرور حائل، وزخرف زائل، وظل آفل،، وسناد مائل، تردى مستزيدها، وتضر مستفيدها، فكم من واثق بها راكن قد أرهقته بايباقها (٤) وأعلقته بأرباقها، وأشربته خناقها، وألزمته وثاقها".
ومن كلامه رحمة الله عليه
"إنكم مخلوقون اقتدارا، مربوبون اقتسارا، ومضمنون اجداثا، وكائنون رفاتا، ومبعوثون أفرادا، ومدينون حسابا، فرحم الله عبدا اقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وعمر فاعتبر، وحذر
стр. 21
فازدجر، وأجاب فأناب، ورجع فتاب، واقتدى فاحتذى فباحث طلبا ونجا هربا، وأفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وتأهب للمعاد، واستظهر بالزاد ليوم رحيله، ووجه سبيله، وحال حاجته، وموطن فاقته، فقدم امامه لدار مقامه، فمهدوا لأنفسكم في سلامة الأبدان فهل ينتظر اهل غضارة الشباب لا حواني الهرم، وأهل مدة البقاء الا مفاجأة الفناء، واقتراب الفوت ودنو الموت، وازف الانتقال واشفاء الزوال، وحفز الانين، ورشح الجبين، وامتداد العرنين وعلن القلق (١) وفيظ الرمق وألم المضض وغصص الجرض (٢).
ومن كلامه رضوان الله عليه
"القلوب قاسية عن حظها، لاهية عن رشدها، غير مضمارها كأن المعنى سواها".
ومن مواعظه
اتقوا الله تقية من شمر تجريدا، وحد تشميرا، وانكمش في مهل، وأشفق في وجل، ونظر في كرة المآل وعاقبة المصير، ومغبة المرجع، كفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالجنة ثوابا ومآلا، وكفى بالنار عقابا ونكالا، وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما.
ومن كلامه رضى الله عنه
رحم الله امرءا استشعر الحزن وتجلبب الخوف، وأضمر اليقين، وتجلبب الخوف وعرى عن الشك، وتوهم الزوال فهو منه على بال، فزهر مصباح الهدى في قلبه وقرب به على نفسه البعيد، وهون الشديد فخرج من صفة العمى، ومشاركة الموتى، وصار في مفاتيح الهدى ومغاليق ابواب الردى،
стр. 22
واستفتح بمفاتح العلم ابوابه وخاض بحاره وقطع غماره، ووضحت له سبله ومناره، واستمسك من العرى بأوثقها من الحبال بأمتنها، كشاف غمرات، فراج مبهمات مصباح ظلمات دافع معضلات (١) دليل مشكلات، لا يدع مطلبا للخير الا امه ولا مظنة الا قصدها.
ومن كلامه رضى الله عنه
"حق المسلم على المسلم سبع خصال: يسلم عليه اذا لقيه، ويجيبه اذا دعاه، ويشيع جنازته اذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، والمواساة في ماله - (٢) ".
اخبرنا محمد قال حدثنا العكلى عن ابن عائشة عن حماد عن حميد عن أنس بن مالك قال: اقبل يهودى بعد وفاة النبى ﵌ حتى دخل المسجد فقال: اين وصي رسول الله صلى الله عليه ووآله وسلم فأشار القوم إلى ابى بكر، فوقف عليه فقال: اريد أن اسألك عن أشياء لا يعلمها الا نبى او وصى نبى، قال ابو بكر: سل عما بدا لك؟ قال اليهودى: اخبرنى عما ليس لله وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله، فقال ابو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهود، وهم ابو بكر والمسلمون ﵃ باليهودى، فقال ابن عباس ﵄: ما انصفتم الرجل، فقال ابو بكر: أما سمعت ما تكلم به، فقال ابن عباس: ان كان عندكم جوابه وإلا فاذهبوا به الى على رضى الله عنه يجيبه، فاني سمعت رسول الله ﵌ يقول لعلى بن ابى طالب: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، قال فقام ابو بكر ومن حضره حتى اتوا على على بن ابى طالب فاستأذنوا عليه فقال ابو بكر: يا ابا الحسن إن هذا اليهودى سألنى مسائل الزنادقة فقال على: ما تقول يا يهودى؟ قال:
стр. 23
اسألك عن أشياء لا يعلمها الا نبى او وصى نبى، فقال له: قل فرد اليهودى المسائل، فقال على رضى الله عنه: اما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود! ان عزير ابن الله، والله لا يعلم أن له ولدا، وأما قولك أخبرنى بما ليس عند الله فليس عنده عنده ظلم للعباد، وأما قولك اخبرنى بما ليس لله فليس له شريك، فقال اليهودى: اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وأنك وصى رسول الله ﵌، فقال ابو بكر والمسلمون لعلى ﵇: يا مفرج الكرب.
من كلام الحسن بن على رضى الله عنه
قام الحسن بن على رضوان الله عليه بعد موت امير المؤمنين فقال بعد حمد الله: "إننا والله ما ثنانا عن اهل الشام شك ولا ندم وانما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مبتدأكم الى صفين، ودينكم أمام دنياكم، فقد أصبحتم اليوم ودنياكم امام دينكم، ألا! انا كنا لكم كما وكنتم لنا، ألا! وقد أصبحتم بعد قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثاره، وأما الباقي فخاذل وأما الباكي فثائر، ألا! وإن معاوية قد دعانا إلى امر ليس فيه عز ولا نصفة فان اردتم الموت رددناه عليه وان اردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا، فناداه القوم: البقية البقية".
من كلام معاوية
حدثنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم، عن العتبى قال: قال معاوية: يا ايها الناس! ما انا بخيركم، وإن منكم لمن هو خير منى عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر، وغيرهما من الأفاضل، ولكن عسى ان اكون أنفعكم ولاية وأنكاكم في عدوكم وأدركم حلبا.
اخبرنا محمد قال اخبرنا أبو حاتم سماعا عن العتبى قال: كتب عمرو بن
стр. 24
العاص الى معاوية يعاتبه في التأنى فكتب اليه معاوية: أما بعد! فان التفهم في الخير زيادة ورشد، وإن المتثبت مصيب، وإن العجل مخطىء، وإن من لم ينفعه الرفق ضره الخرق، وإن من لم تعظه التجارب لم يدرك المعالى، ولن يبلغ الرجل اعلى المبالغ حتى يغلب حلمه جهله، والعاقل سليم من الزلل بالتثبت وترك العجلة، ولا يزال العجل يجتني ثمرة الندم.
اخبرنا ابو بكر قال اخبرنا ابو حاتم، عن العتبى قال: وفد زيد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملوء جواهرا لم ير مثله فسر معاوية بذلك سرورا شديدا، فلما رأى زياد ذلك صعد المنبر فقال: انا والله يا امير المؤمنين! أقمت لك صعر العراق وجبيت لك مالها، والفطت اليك بحرها، فقام يزيد بن معاوية فقال: إن تفعل ذلك يا زياد! فنحن نقلناك من ولاء ثقيف الى قريش ومن القلم إلى المنابر ومن زياد بن عبيد الى حرب بن امية، فقال معاوية: اجلس فداك أبى وأمى.
اخبرنا ابو بكر قال اخبرنا ابو حاتم، عن العتبى قال: رأى معاوية يزيد يضرب غلاما له فقال له: سوءة لك أتضرب من لا يستطيع ان يمتنع عليك، والله! لقد منعتنى القدرة من ذوى الاحن وإن احق من عفا لمن قدر.
اخبرنا محمد قال حدثنا العكلى عمن حدثه عن ابى الحسن بن عبد الرحمن الأنصارى قال: قدم على معاوية وفد من قريش فيهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن امية وابن الزبير فوصلهم وفضل عبد الله بن جعفر، فقال عبد الله بن صفوان: يا امير المؤمنين! انما صغرت امورنا عندك، وخفت حقوقنا عليك، اذ لم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، ولو كنا فعلنا ذلك كنا كابن جعفر، فقال معاوية: إنى اعطيكم فتكونون بين رجلين، اما معدم فأعطيه لخزن او مضمر لها مع بخل به وان عبد الله بن جعفر اريحى يعطى اكثر مما يأخذ ثم لا يأتينى حتى يدان بأكثر مما أخذ فخرج ابن صفوان وهو يقول: إن معاوية ليحرمنا حتى نيأس ويعطينا حتى نطمع.
стр. 25
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن العتبى قال: دخل عمرو بن العاص على معاوية وورد عليه كتاب بعض ولاته فيه نعى رجل من السلف فاسترجع معاوية فقال له عمرو:
يموت الصالحون وأنت حى * تخطأك المنايا لا تموت
فقال له معاوية:
أترجو أن أموت وأنت حى * ولست بميت حتى تموت
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو معاذ عن دماذ عن ابى عبيدة: هجا عقيبة بن هبيرة الأسدي عمرو بن قيس الأسدي فقال:
لعمرك إن اللؤم خدن وصاحب * لعمرو بن قيس ما دعا الله راغب
تراه عظيما ذا رواء ومنظر * واجبن مل منزوف حين يحارب
شجاع على جيرانه وصديقه * واجرأ منه في اللقاء الثعالب
فشكا عمرو بن قيس ذلك إلى معاوية فقال له معاوية: قد هجانى بأشد مما هجاك، قال: وما قال؟ قال قال:
أرى ابن أبي سفيان يزجى جياده * ليغزوا عليا ضلة وتحامقا
وبئس الفتى فى الحرب يوما اذا بدت * برازق خيل يتبعن برازقا (١)
فهلم تدعو عليه واؤمن او ادعو عليه وتؤمن، فقال: اما غير هذا؟ قال: لا، وإن شئت فاهجه كما هجاك، فخرج من عنده (٢) وهو يقول: قاتلك الله ما اعلمك بالدنيا.
اخبرنى العتبى قال: يا امير المؤمنين! انت رأس عيوننا فإن صفوت لم يضرنا كدر العيون، وإن كدرت لم ينفعنا صفوها، واعلم انه لا يقوم فسطاط الا بعمد.
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو معاذ عن دماذ عن ابى عبيدة قال: كتب
стр. 26
معاوية الى على بن ابى طالب: يا ابا الحسن! ان لى فضائل كثيرة: كان ابى سيدا في الجاهلية وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﵌ وخال المؤمنين، وكاتب الوحى، فقال على كرم الله وجهه: أبالفضائل تفخر على ابن آكلة الأكباد! ثم قال: اكتب يا غلام:
محمد النبى اخى وصهرى * وحمزة سيد الشهداء عمى
وجعفر الذى يمسى ويضحى * يطير مع الملائكة ابن امى
وبنت محمد سكنى وعرسى * مسوط لحمها بدمى ولحمى
وسبطا احمد ولداى منها * فأيكم له سهم كسهمى
سبقتكم إلى الإسلام طرا * صغيرا ما بلغت اوان حلمى
فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب، لا يقرأه اهل الشام فيميلون إلى ابن أبى طالب.
اخبرنا محمد قال اخبرنا أبو حاتم عن العتبى قال: اُغمى على معاوية في مرضه الذي مات فيه فقالت ابنته رملة او امرأة من اهله متمثلة:
اذا متّ مات الجود وانقطع الندى * من الناس إلا من قليل مصرد
وردّت اكف السائلين وأمسكوا * عن الدين والدنيا بخلف مجدد
قال: فأفاق معاوية فقال:
لو فات شئ اذًا لفات ابو * حسان لا عاجز ولا وكل
الحوّل القلّب الأريب ولا * يدفع زور (١) المنية الحيل
اخبرنا ابو بكر عن العتبى (٢) قال قال معاوية: لا اضع لسانى حيث يكفينى مالى، ولا اضع سوطى حيث يكفينى لسانى، ولا اضع سيفى حيث يكفينى سوطى، فاذا لم اجد من السيف بدا ركبته.
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن العتبى قال قال معاوية: افضل ما اُعطى الرجل العقل والحلم، اذا ذكر ذكر، واذا اعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر،
стр. 27
وإذا وعد أنجز.
وعن العتبى قال: أغلظ رجل لمعاوية فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إنى لا احول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وملكنا.
وعنه قال: مر معاوية بن ابى سفيان بدير هند بنت النعمان فوقف فأرسل اليها انزلى حتى نسألك عن اشياء فأرسلت اليه إن كانت الحاجة لك فأنت اولى بالنزول، قال: صدقت، فنزل اليها فقال: أخبرينى عن حالك، فقالت: أختصر فأقصر، قال: أجل، قالت: أصبحنا صباح يوم وما لنا تابع ولا جار إلا وهو يرجونا، وأمسينا وما لنا عدو إلا وهو يرثى لنا، قال: حسبك قد أوجزت هل لك أن أتزوج بك؟ قالت: لا، فلما نزل قال لها المغيرة بن شعبة: هل لك أن أتزوج بك؟ قالت: أما كان في امير المؤمنين رغبة لو أردت ذاك يا أعور.
قال وقال العتبى: انحدر عبد الله وعمرو ابنا عتبة الى البصرة فلقيا معاوية بالكوفة قالا فقال لنا: يا ابنى اخى اتقيا الله فانه يكفى عن غيره، واشتريا بالمعروف عرضكما من الأذى، وذللا ألسنتكما بالوعد، وصدقاها منكما بالفعل، واعلما أن أغنى الناس من كثرت حسناته وأفقرهم من كثرت سيئاته، وأنه لا وجع اشد من الذنوب وأن الدهر ليس بغافل عما (١) غفل.
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن ابى عبيدة قال قال معاوية: لقد وضعت رجلى في الركاب وهممت يوم صفين بالهزيمة فما منعنى عن ذلك إلا قول ابن الاطنابة حيث يقول:
أبت لى عفتى وأبى بلائى * وأخذى الحمد بالثمن الربيح
وإكراهى علي المكروه نفسى * وضربى هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى او تستريحى
اخبرنا محمد قال اخبرنا [ابو] (٢) معاذ عن دماذ قال اخبرنى ابو عبيدة قال:
стр. 28
إن كان الرجل ليقول لمعاوية: والله! لتستقيمن يا معاوية او لنقومنك، فيقول: بماذا؟ فيقول: بالخشب، فيقول إذا نستقيم.
اخبرنا محمد قال حدثنى الحسن بن الخضر عن السديرى قال قال عتبة بن ابى سفيان: العجب من على بن ابى طالب ومن طلبه الخلافة، وما هو وهى، فقال له معاوية: اسكت يا وزرة (١) فوالله لهو منها كخاطب الحرة حيث يقول:
لئن كان ادلى خاطب فتعذرت * عليه وكانت رائدا فتخطت
فما تركته رغبة عن حباله * ولكنه كانت لآخر خطت
وعنه قال قال معاوية لبنيه: يا بنى! انكم تجارة قوم لا تجارة لهم غيركم، فلا يكون تجار اربح من تجاركم، فان ادنى ما يرجع به الخائب عنكم تخطئة ظنه بكم.
اخبرنا محمد قال قال اخبرنا عبد الأول بن مزيد (٢) قال اخبرنى عبد الله بن المبارك قال: تكلمت الخطباء يوما عند معاوية في بيعة ابنه يزيد، فلما تفرق الناس قال يزيد لأبيه: يا ابت! أيخدعنا الناس أم نخدعهم، فقال معاوية: ان من تخادع لك ليخدعك فقد خدعته فاقبلها ما كانت لك، فلعمرى لتفسدن عليك يوما ما.
وعنه قال قال مروان بن الحكم لحبيش (٣) بن دلجة القينى: اني لأظنك احمق، قال أظنا أم يقينا، قال: بل ظنا، قال حبيش: إن احمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنه.
стр. 29
حدثنا محمد قال اخبرنا الحسن (١) عن احمد بن الحارث الخزاز (٢) عن ابى الحسن المدائنى قال: دخل عبد الملك بن مروان على معاوية وعنده عمرو بن العاص فسلم وجلس فلم يلبث ان نهض فقال معاوية: ما اكمل مروءة هذا الفتى، فقال عمرو: انه أخذ بأخلاق اربعة وترك أخلاقا ثلاثة أخذ بأحسن البشر إذا لقى، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، وترك مزاح من لا يثق بعقله، وترك الكلام (٣) وترك مخالفة لئام الناس.
اخبرنا محمد قال حدثنا الحسن عن احمد بن الحارث الخزاز عن ابى الحسن المدائنى عن محمد بن صالح عن موسى بن عقبة قال: حج عبد الملك بن مروان فلقيه رجل من ولد عمر بن الخطاب وقد نالته ولادة [من] (٤) ابى بكر فسأله فحرمه، وقال متمثلا - والبيت لزهير بن ابى سلمى:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه * يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
فقال له الرجل: اذا ذدت ابن الصديق وابن الفاروق فمن يرده؟ قال: يرده عبد مناف.
اخبرنا محمد قال اخبرنا الحسن قال اخبرنا ابن عائشة قال: اتى الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له: ما تقول في ابى بكر؟ قال: خيرا، قال: فعمر؟ قال: خيرا، قال: فعثمان؟ قال: خيرا، قال: فما تقول فى امير المؤمنين عبد الملك؟ قال: الآن جاءت المسألة ما اقول في رجل الحجاج خطيئة من خطاياه.
اخبرنا محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهرى قال حدثنى ابو عبد الرحمن المذحجى قال حدثنى معاوية الصدفى (٥) قال قلت لسعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: ان ابن شهاب الزهرى حدث
стр. 30
الوليد بن عبد الملك عن قبيصة بن ذؤيب عن المغيرة بن شعبة أن النبى ﵌ قال: لا ينبغى للخليفة ان يناشد، فذكرت ذلك لسعد فقال: على ابن شهاب لعنة الله، وعلى قبيصة لعنة الله، وعلى الوليد لعنة الله، اما سمع قول الخزاعى:
يا رب انى ناشد محمدا
أفيناشد رسول الله ولا يناشد الوليد؟
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن العتبى قال عزى عبد الرحمن بن ابى بكر سليمان بن عبد الملك فقال: انه من طال عمره فقد الأحبة، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه.
باب
من كلام الحكماء
قال بعضهم: من لا يعرف شر ما يولى لم يعرف خير ما يبلى، قال بعضهم: من الظفر تعجيل اليأس من الحاجة اذا اخطأك قضاؤها فان الطلب وان قل أعظم من الحاجة وإن كثرت، فالمطل من غير عسر آفة الجود.
قال رجل لرجل: بلغنى عنك امر قبيح فلا تفعل فان صحبة صحبة الأشرار ربما اورثت (١) سوء الظن بالأخيار.
قال الأحنف: الملول ليس له وفاء، والكذاب ليس له حياء، والحسود ليست له راحة، والبخيل ليست له مروءة، ولا يسود سيء الخلق. وقال بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وقال: وعد رجل رجلا حاجة فأبطأت عليه عدته فقال له: صرت بعدى كذابا، فقال: نصرة الصدق أفضت بى الى الكذب، الحريص الجاهد
стр. 31
والقانع الزاهد كلاهما مستوف رزقه غير منتقص منه شيئا، فعلام التهافت في النار، ان الكريم للكريم محل، اذا عثر الكريم لم ينعش الا بكريم، الموت في قوة وعز خير من الحياة في ذل وعجز، من أسرع الى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون، إغباب الزيارة أمان من الملالة، المال يسود غير السيد ويقوى غير الأيد، أصلح المال لجفوة السلطان ونبوة الزمان، عز الشريف أدبه، الظلم أدعى شيء الى تغير النعمة وتعجيل النقمة، من انتجعك مؤملا لك فقد أسلفك حسن الظن بك، كن من احتيال عدوك عليك اشد خوفا من مصادمته لك، الحسود سريع الوثبة بطىء العطفة، لا زوال للنعمة مع الشكر ولا بقاء لها مع الكفر، شفيع المذنب اقراره وتوبته اعتذاره، من لم يفد بالعلم مالا اكتسب به جمالا، ما حار من استخار ولا ندم من استشار، من بذل بعض عنايته لك فابذل جميع شكرك له، داو المودة بكثرة التعهد.
قال امير المؤمنين على بن ابى طالب كرم الله وجهه: عمرت الدنيا بحب الأوطان، الاعتبار يفيد الرشاد، الجود حارس الأعراض، الحلم فدام السفيه، العفو زكاة العقل، الوفاء أنك ممن نكث، والسلوة عوضك ممن غدر، الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استبد برأيه، التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم، الصبر يناضل الحدثان، والجزع من اعوان الزمان، من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء، أشرف الغنى ترك المنى، كم من عقل اسير عند هوى امير، من التوفيق حفظ التجربة، الصبر جُنة من الفاقة، المودة قرابة مستفادة، لا تأمن ملول وإن تحلى بالصلة، ليس في البرق اللامع مستمتع لمن يخوض الظلمة، وصول معدم خير من جاف مكثر، قطيعة الحكيم لك خير من نفاذ الحيلة فيك، اعُض على سماع الأذى وإلا لم ترض ابدا، عجب المرء بنفسه احد فسادى عقله، من
стр. 32
اطلق طرفه كثر اسفه، من حصر (١) شهوته صان قدره، من لان عوده كثرت اغصانه، الخلاف يهدم الرأي وربما ادرك الصواب الظن، من نال استطال، في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال، حسد الصديق من سقم المودة، جواهر الأخلاق تتصفحها المعاشرة، مصاحبة الأيام تهتك لك السريرة الكامنة، اكثر مصارع الرجال تحت بروق المطامع، ليس من العدل القضاء بالظن على الثقة، حسبك من البغى حسن المكاشرة، شافع المذنب خضوعه بالمعذرة، لا بذل اعظم قدرا من المساعدة، الحزم الوقوف عند الشبهة، انت اخو العز ما التحفت بالقناعة، المخذول من كانت له الى الناس حاجة، بحسب السرور يكون التنغيص، محن القدر تسبق الحذر، القلب رهين وفكاكه حسم الطمع، في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، من له يدان بغوائل الزمان، كم عاكف على ذنبه في آخر ايام عمره، بئس الزاد الى المعاد العدوان على العباد، ويل للباغين من احكم الحاكمين، من أشرف أفعال الكرم غفلتك عما تعلم، تجرع المضض يطفىء نار الغضب، أبين الغبن كدك فيما نفعه لغيرك، من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه، من سامح نفسه فيما تحب منه أتعب جوارحه وفقد حظه من الراحة، باجالة الفكر يستدرك الرأى المصيب، بحسن الرأى تسهل المطالب، بلين كنف المعاشرة تدوم لك المودة، بخفض الجانب تأنس النفوس، بكثرة الصمت تكون الهيبة، بعدل المنطق تجب الجلالة، بالنصفة يكثر الواصلون وبالأفضال تعظم الأخطار، بالتواضع تتم النعمة، بصالح الأخلاق تزكو الأعمال، باحتمال المؤن يجب السودد، بالسيرة العادلة تقهر المناوى، بالحلم عن السفيه يكثر انصارك عليه، بحسن اللقاء يألفك الثناء الجميل، بايثارك على نفسك تستحق اسم الكرم، من عاشر الناس بالمسامحة دام استمتاعه به. لأهل الاعتبار تضرب الأمثال، العجب لغفلة الجساد (٢) عن سلامة الأجساد، المطامع في وثاق الذل.
стр. 33
باب
لا تسأل غير نفسك عن امرك، ولا تسمع منها الا ما يزكيه علمك وتحققه عندك بالفعل فانك بك أعلم، فان رضيت خفيات امورك المستورة فلا تدخلنك الشبهة في صحة ذلك عند الجميع وتبجيلهم لك عليه.
قال رجل لخالد بن عبد الله القسري: انك لتبذل ما جلّ، وتجبر ما اعتل، وتكثر ما قل، وليكن بذلك اكثر من اطماعك يعظم قدر ما تفيد، فان الرجاء اذا اتسع استغرق ما كان دون تقديره.
اصحب الملوك بالهيبة وان طال أنسك بهم، تتم موداتهم لك فانما احتجبوا عن العوام لتبقى هيبتهم عندهم فلا تدع تفقد ذلك من نفسك لمن اتصلت به منهم، ولا تيأس من الزمان وان مطل أملك وان جميع من تغبطه بما اوتى فبعد تعذر عليه أتاه، مع كل منظر حسن رقيب ينغص (١) بهجته ويؤذن بزواله مع عوارض الآفات فيه وما يشوبه من التنغيص خفى محجوب وشجا للقلوب مستور، من ضاف خلقه فهو بمعزل عن الخفض وان اتحفه الدهر بما سأل وأعطاه ما تمنى، وكمال الفضل في الدعة حسن الخلق، وقيمة الخلق الصالح اكثر من قدر الدنيا وما منه عوض ولوصحب المرء الدنيا سليما من الآفات آمنا من البوائق.
قال آخر: الذى لم يأت كالذى فات، وكل زائل في الدنيا كحلم نائم.
آخر: لا تأنسن بما استوحش منه أهله بعد أنسهم به، ولا تأسف على قد فاتك منه فانى رأيت الملوك يتنازعون الدنيا بتعب ابدانهم وما امتد لهم العمر وكلما حظروا منها على منزلة راموا التى تليها حتى يفنيهم الموت فلم أرهم مع ما خولوا مستريحين هذا مع الذى يصحبهم من وزر المظالم وطول الوقوف للقصاص.
стр. 34
وقال آخر: نكاية الأحزان في القلوب ابلغ في الأجسام من اثر السرور، ونقصان الأجساد بالحزن اكثر من زيادتها بالفرح.
وقال آخر: إياك وعزة الغضب فانها تفضى بك الى ذلة الاعتذار وأنشد:
وإذا ما اعترتك في الغضب العز ... * ... ة فاذكر تذلل الاعتذار
آخر: بلوغ الغاية في الضر (١) أسهل لسبيل العذر وأقطع لحجة المتجنى وأبرأ بصدر المتظنى.
آخر: اذا زل سرك عن عذبة لسانك فالاذاعة مستولية عليه وإن أوعيته سمع ناصح وأودعته قلب محب، واحتمال مؤونة الكتمان على قلبك اسهل عليك من التململ بتمليكك سرك غيرك.
وقال آخر: تجنب المسألة ما كان التحمل ممكنا فان لكل يوم رزقا جديدا وخيرا متوقعا، والوقوف على درج الحرص بالالحاح في المطالب مسلبة للبهاء وحصار قوى المروءة بين الصبر والاحتساب.
باب
ليس تكاد الدنيا تسقي (٢) صفوا الا اعترض في صفائها اذى باطن، وبذل الموجود اقصى غاية الجود، احتمل ممن زل عليك واقبل ممن اعتذر اليك، وكاف من احسن اليك، فان اعجزك الوفر لا يعجزك الشكر.
وقال بعضهم: اقل ما يجب للمنعم بحق نعمته ان لا يتوصل بها الى معصيته.
وقال آخر: ما ينتظر المرء الا احد امرين لا خير له في واحد منهما: إما الزوال عن التعظيم والاجلال، وإما الموت ومجاوزة الأجداث في ضنك القرار.
стр. 35
قال بعض الحكماء: الانسان بين حركة وسكون، فحركته تعجب اذا هجم عليه ما ينكره، وسكونه أنس اذا فهم وعرف، صلاح طبائع ابن آدم على الأضداد فلا تعتدل الا باختلافها عليه، ولو قامت به حال واحدة فسد مزاجه وانهدم بناؤه، وكذلك تدبير الله في خلقه وأرضه.
قال بعض الحكماء: بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الواقعة، ولكل ناجم أفول، ولن يعدم (١) ذو القصد كثيرا اذا اعدمته (٢) الأيام ما كانت عودته من المؤاتاة.
وقال آخر: سرورك بقليل التحف مع فراغك له احسن موقعا عندك من أضعافه مع اشتغالك عنه، وكثرة الاشتغال (٣) مذهلة عن وجوه اللذات بكنهها، وليس بحكيم من ترك التمييز.
وقال آخر: من جهة التوانى وترك الرواية يكون وهن العزم وخمول الهمة، وفي إجابة الفطن وحركة الفكرة ونباهة الرأي درك البغية، ولن يؤتى اللبيب الا من الأثرة وهي خلة يتصل بها الهوى والمحبة، وعندهما تسقط المناظرة فتستعبد الجوارح في الفساد وتنهك القدر في الشهوات، وهذا الحور بعد الكور - والكون جميعا.
آخر: من طرق ما لا طاقة له به كان استر لمكتوم امره وابقى للآمال فيه.
ولآخر: اسعد الناس من تصفح آراء الرجال واستكثر من ذوى الألباب، فان لكل عقل ذخيرة من الصواب ومسكنا من التدبير.
ولآخر: صن شكرك عمن لا يستحقه واطلب المعروف ممن يجمل بك طلبك منه واستر ماء وجهك بالقناعة وتسلّ عن الدنيا لتجافيها عن الكرام.
стр. 36
وقال بعضهم: ذو القدرة على نفسه والأصيل في رأيه يزداد اتساعا في الجميل وانبساطا فى المعروف وتكرما في اخلاقه اذا توافت آماله اليه، لا سيما اذا نال سلطانا فان السلطان يبدى مكنون الجوهر، وعنده يسقط الشك والدعوى الكاذبة وتصير سريرة أخلاق صاحبة علانية.
ولآخر: الانسان ملول لما ظفر ومستطرف لما منع منه، وكل ما استحدثت النفس هوى اخلقت فيه البدن وبعثت له العناية (١) وتولع به الاشفاق عليه، وذلك امتهان المروءة وليس كل من حنت عليه النفس يستحق هبة المودة ولا يؤتمن على المؤانسة فالبسوا للناس الحشمة في الباطن وعاشروهم بالبشر في الظاهر يختبرهم المحن (٢)، وتلقوا الرغائب منهم فيكم بالقبول، واكتموهم الانقباض فانه من جرى مع هواه طلقا جعل للأئمة والعدل عليه طرقا، ومن سعى بدليل من التدبير لم يقعد به الدرك (٣) الا سابق قضاء لا يملك.
وقال آخر: ارع حق من عظمك لغير فاقة اليك بإعطائه اياك ما تحب، واستعن على شكره باخوانك، فإن ذلك من حق الحرمة (٤) عليك.
من كانت له خصلة حسنة فليواظب عليها، وليتمسك بها، فان لها دولة تعيد اليها ما ادبر عنها.
آخر: من كانت فيه خلة حسنة لم يبعد من الرجاء فيه وان كثرت سيئاته، وانما اليأس ممن لا يعود الخير نفسه.
وقال آخر: من ترك ما لا يضره تركه وينفعه ذكره عظم عند الناس قدره.
آخر: امنع الناس من عرضك بما لا ينكرون من فعلك، واطلب التعظيم في قلوبهم بصيانة نفسك، واستبق مروءتك بالغنى عنهم وتألف ودهم بالبشر لهم، واحتجب من بغيهم بترك الاستطالة، واستتر من الشامتين
стр. 37
بحسن العزاء عند النوائب، ومن احب ان يكتم فقره فلا يقبل معروف من يلتمس مكافأته، وأنا زعيم لمن ترك فضول القول باجلال والى النهى له.
وقال آخر: لا تشعر قلبك الهم بما فات فيشتغل ذهنك عن الاستعداد لما تأتى به الأيام، وكن بحسن الظن بما عند الله اوثق منك بما في يدك فانك تضن بما في يدك وذلك على الله يسير، وفى كل حركة وساعة امر حادث وقدر جار بتبديل الأحوال وانتقال الدول.
وقال آخر: تجنبوا المنى فانها تذهب بهجة ما خولتم وتستصغرون مواهب الله عندكم، وتعقبكم الحسرات على ما وهمتموه منها انفسكم وهى مكيدة من مكايد ابليس للعبد، وختل له عن الشكر واستدراج الى استصغار عظيم المواهب.
وقال: من اظهر لك بشرا وهو يكنّ بغيا فقد تلقاك بما تحب، وأخفى ما تكره فان كان يقدر على دفعه فان ما احتجن من الأذى، وأظهر لك ما تهوى وآثرك بحسن المكاشرة على حظه من السلامة، وحسب امرئ من عدوه ان عرف ذلك منه، وان من عرفك عداوته فقد بصرك مواقع نبله ومن فهم عنه لم تنله سهامه.
آخر: يجب على ذى السعة في رأيه والفضل في خصاله ان يتطول (١) على حساده بنظره، ويتحرى لهم المنافع فانه بلاء غرسه الله له فيهم ثم لم يسلطهم عليه فهم يعذبون بحركات الحسد في وقت مسرته بما اكرم به.
وقال آخر: الحقد غصة لا يسيغها الا الظفر، والحسد شجى قادح لا يدفعه عن صاحبه الا بلوغ أمله فيمن قصده بحسده وأنى له بذلك، وقد قيل: من كنت سببا لبلائه فالواجب عليك التلطف له في علاجه من دائه.
стр. 38
آخر: من انتشر له الصوت بفضل ادب ونظرت اليه العيون بالاجلال فليكن بما علم عند من يعاشره (١) كمن لا ينسب الى علم في الانبساط اليهم وترك الاستطالة عليهم فانه قيل: فضيلة العالم بتواضعه تزيد رفعة في قدر علمه.
آخر: من ملك نفسه ودبر خصاله وقمع شهواته وقهر نوازعه وأعمل رأيه فيما يصلحه فلم يطع رغبته الا فيما فيه حظه، أملناه لصلاح ما بعد منه، واستحق ان يؤمن على تدبير الرعية ويلقى اليه مقاليد السر فانه قيل: من قوى على مجاهدة نفسه وقمع شرته ذلت له صعاب الأمور ودانت لطاعته القلوب.
آخر: لا راحة لحريص، ولا غنى لذى طمع، والمرء عند من رجا وبئس الشعار الحسد، والافتقار يمحق الأقدار، والبطر يسلب النعمة، والإنصاف يؤلف القلوب، وأخوك من آساك، والغدر من صغر القدر والوفاء من كرم السجية، والاستطالة لسان الجهالة، وكثرة الكلام يكسب الملال وان كان حكما، والصبر جُنة الأشراف، واظهار الفاقة من خمول الهمة، والناس اشباه في الخلق، وانما يتفاضلون في الرخاء والشدة.
آخر: لا تعدن معروفا اصبته معروفا ولا حظا نلته نفيسا كان بعد ابتذال قدرك واخلاق وجهك، فان الذى فقدت من عز الصيانة اكثر من قدر الفائدة، وقيمة ما بذلت من قدرك اعظم مما احرزت من قضاء وطر نفسك.
وقال: إن شكر الكريم يقابل كل فعل جسيم، وما قدر عرض تفيده راغبا اليك عند ما جعل لك من الطول عليه والخضوع لديه، ومن قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه وجلالته.
стр. 39
وقال آخر: ان نظر الراغب اليك فيما يلتمسه لديك نظر تعبد بالمسألة وايجاب لحكمك عليه بقضاء الحاجة فان منحته ما سأل ملكته به وإن رددته عنك خرج من حكمك عليه.
وقال آخر: ما عز اثبت اركانا ولا ابذخ بنيانا من بث المكارم واكتساب الشكر، وذلك ان عز التعظيم بالفعل الجميل باق في قلوب الرجال ومخلد في ايام الازمان، ومن تحصن بالجود واتجر بالمعروف ظفر بمن ناواه (١) وربح ثواب الله، من عمر مودة لئيم حصد من استنباطها ندما، وتعجل ذلة الاحتكام عليه، وللّئيم تماد في العدوان عند الاغضاء عنه ومعاودة للمكروه حتى يردع بما يشبهه.
وقال آخر: استعطاف المتجنى مؤونة على الانصاف وظلم للعهد، وانما يحسن (٢) التفضل بين الأوداء على التباذل بصحة النيات وسلامة الغيب في المعاملة، ومن اكتسب ما يجب منك بغير عدل عليك عرض نفسه لاتهام ما يضمر واستكراه ما استزاد من البر.
آخر: الصفح بين الاخوان مكرمة ومكافأتهم على الذنوب بالإساءة دناءة، احترس بكرمك من طاعة همك وبصبرك من دواعى شهواتك، فان كل قلب منهمك في دواعى ما يوافقه، وانما تفاضل الناس في الخصال على قدر الدواعى وكتمان الحركات، واختيار التوقي على راحة الإباحة، سكون الغوائل في الشيم لفراغها من الخيرات وخروج التوفيق عنها وتمكن الشيطان للجولان فيها وهى اسباب الشقوة وعواقب الخذلان، الكريم يلين اذا استعطف واللئيم يقسو اذا لوظف (٣).
وقال آخر: الحياء لباس سابغ وحجاب واقع وستر من المساوى واق وحليف للدين وموجب للصنيع ورقيب للعصمة وعين كالئة تذود
стр. 40
عن الفساد وتنهى عن الفحشاء والأدناس، خير المودة تعاطف القلوب وائتلاف الارواح وحنين النفوس الى مياثة السرائر والاسترواح للمسكنات في الغرائز ووحشة الأشخاص عند تباين اللقاء، وظهور السرور بكثرة التزاور، على حسب مشاكلة الجواهر يكون الاتفاق في الخصال، العتاب حدائق المتحابين وثمار الأوداء ودليل الصبر والصفاء وحركات الشوق ومستراح الوجد ولسان الاشفاق.
وقال: التجنى رسول القطيعة وداعى القلى وسبب السلوان وأول التجافى ومنزل التهاجر.
وقال آخر: اجعل الحلم عدة للسفيه وجنة من ابتهاج الحاسد فانك لم تقابل سفيها بالاعراض عنه والاستخفاف بعقله الا اذللته في نفسه وسلطت عليه الانتصار من غيرك وإذا كافأته بمثل ما لك (١) وزنت قدره بقدرك ولم تنصر عليه، العجلة مكسبة للمذلة وزمام الى الفدامة وسلب للمروءة ومرارة لأهل الحجى ودليل على ضعف العقدة ومنفرة لأهل الثقة، والجود خلة آثرت عذوبة الثناء على لذة المال فهو من امهات المحاسن، ومن الكرم بسبيل خاصة وبمكان رفيع من القلوب، ليس من جهل الناس بقدر الفضل قصروا عنه ولكن من استثقال فرائضه حادوا عن التمسك به وهم على تبجيل اهله مجتمعون.
باب آخر
اقبح عمل المقتدرين سرعة الانتقام، من ضاق قلبه اتسع لسانه، ما حار من استخار ولا ندم من استشار (٢)، اذا قدم الاخاء سمج الثناء.
قال: واعتذر بعض البلغاء إلى بعض الأمراء فقال: ان دالتى عليك وإن كانت احاطت بحرمتى فان فضلك يحيط بهما وكرمك يوفى عليهما