Полный текст (772 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
حدثنا الشيخ الفقيه الأستاذ المقرئ العلم أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الصالح المرحوم أبي الحسن
علي بن أحمد الفهري ﵁ قراءة مني عليه في شهر صفرسنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
قال:
الحمد لله المحمود في كل أوان، المسبَّح بكل لسان، الكائن قبل الأمكنة، والموجود في عدم الأزمنة،
الدائم الذي لا يلحقه الفَوْت، والقيوم الذي قهر عباده بالموت، القادر الذي انقاد كل شي لأمره، والجَوَاد
الذي نطقت الأَلسنةُ بشكره. مبدع السمع والأبصار، ومُكوِّرِ الليل على النهار، المُنْفَرِدِ بالإحسان
والفضل، والحَاكمِ بين العباد بالعدل، جَلَّ عن المثلِ والنَّدِيد، وتعالى عن التكييف والتحديد. زَيَّنَ
بالمصابيح السماءَ المَبْنِيَّة، وقَدَّر الأقوات في الأرض المَدْحُوّّة، يَبْسُطُ النِّعَمَ لعباده ترفيهاً وإنعاماً،
ويُقَدِّرها إذا شاء تنبيهاً وإلهاماً. هَدَانا بمنهج الرُّشْدِ بتوفيقه فَسَلَكْنَاه، ونهانا عن سبيل الغيِّ بلطفه
فتَرَكْنَاه، أشاد مَثْوى البلاغة في أجِنًّتنا، وحلَّى بالفصاحة عذبات ألسنتنا، وتَمَّم نعمتَه على عبادِه
تتميماً، وعلًّمنا ما لم نكنْ نعلم، وكان فضلُه علينا عظِيماً.
نحمَده حمداً يملأ الأفواه والصدور، ويفوق حمْدَ كلِّ حامدٍ وشَكُور، نستنزل به الرَّحمة التي وسِعتْ
كلَّ شيء، ونستكْشِفُ الغُمَّة عن كل مَيْتٍ وحيّ، ونستوجبُ
стр. 2
به المزيد من نعمه، والعِصْمَة من نِقَمه،
ونشكره شكراً يُحظِينا لديه، ويقرِّبنا زُلْفَى إليه، ونسأله النَّجاة من غِواية الشيطان، والتَّجاوزَ عن
سيئاتنا والغفران.
ونصلِّي على سيِّدنا محمّدٍٍ نبيِّه ورسوله المصْطفى، وصفيِّه أكرم الأنبياء وسَائِل، وأعظمهم فضائل،
المبعوث لخير الأمم، بالمُعجِزات والحِكَمِ، خير من افْتُتِحَتْ بذكره الدَّعوات، واسْتُنْجِحَتْ بالصلاة عليه
الطِّلْبَات، المرسول لأهل الإسلام قمراً منيراً، ولأهل والضَّلالِ قدراً مُبيراً، أزكى الأنام عوداً ونِجاراً،
وأعلاهم منصباً وفخاراً. بعثه الْلَّهُ والآفاقُ بدَياجي الكُفر مُظْلمة، وراياتُ الباطِل مُنْجِدَة ومُتْهِمَة، فنسخ
المِلَل، وأوْضَح السّبُل، ونقَل الناس عن عِبادة الأوْثان، إلى عبادة الرحمن، وصَدَع بالرِّسَالة، وبالغ في
الدلالة، وجلا غيَاهِبَ الضَّلال والرَّدى، وأحيا القلوب بنور الإيمان والهُدَى، ودَمَغ الباطل بالحق،
وحضَّ على الإيمَانِ والصِّدْق، فآمن به المُرْشِدون وكفر به المُلْحِدون، فالمُؤمِنون رَبَحوا وأمَروا،
والكافرون خابوا وخَسِروا.
صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله صلاة دائِمةَ الاتصالِ، تتكَرَّرُ تكَرُّرَ البُكَرِ والآصال. صلاةً لا يَلْحقها
اضطرابٌ، ولا يستطيع حصرَها الحِسَاب، وعليه من لَطَائِفِ التسليم ما يُربِي كثْرةً على عدَدِ النُّجومِ،
ويُزْرِي شَذَاهُ بالمِسْكِ المَخْتُوم، ويُوافِقُ احْتِفَاَله رِضَى الحَيِّ القَيُّوم.
أما بعد،
فإني رَأيْت حِلية الأدب السامي المحل والرتب أجمل ما يتحلى به أهل الهِمَم، ومطارفَه أحْسن ما
يَلْبسه أُوُلُو المَجْد والكَرمِ، وذخَاِئرَه أنفسَ ما يقتنى، وأزاهِرَه أبهجَ مايُجْتنى، لأنه للإنسان بالصواب
مُنطِق، وللسان من عقاله مُطْلِق. وله بدورٌ من الأفكار مطالعُها، وأنهارٌ من الألبابِ مشارعُها. فالقلوبُ
لبُدورِه فَلَك، والخواطر لأنهاره مَسْلَك. تشتمل الصدور على بدوره اشتمال الكِمَاِم على النوار، وتدفق
القَرائِح بأنهاره تدفُّقَ الدِّيمَة المِدْرار. وله مَيْدان تجول فيه الأذْهَان جَوَلان الكُمَاة في المَيْدان. وله بحْر
تغُوصُ فيه الخَواطِرُ، فتَستخرجُ منه
стр. 3
اللالئ والجواهِر. تَنْظِمُ منْها الأَلْسِنة عقوداً ترُوق في العِيان،
وتُحلَّى بها أجْيَاد الملُوك والأعْيَان.
ولما أقَمْت على مُطالعة نَظْمِه ونَثْره، ومَرَيْتُ أَخْلاَفَه لاجْتِلاب دَرِّه، واقْتبسْتُ أَنْوار بدُورِهِ،
وارْتَشفتُ العذْبَ الشَّهيَّ من ثُغُورِه، وحامَتْ مدَّةً على مشارِعِهِ طيْرُ جَناني، حَويْتُ خطيرَهُ وانقاد
شارده في عِناني، وارتاض لي منه ما تشعَّبَ، وانفتح مقْفل ما تغلق وتأشَّب. فملكتُ منه حظاً وافراً،
وعِلْقاً سنياً عن مثال نور البدر سافراً.
على أن ميدانه في زماننا عاطل من الرهان، ومَصُونه قد عاد في قبضة الامتهان، وقد أفلت بدوره
ونجومه، ودرست معالمه ورسومه، وعَرِيت الهمم من مطارفه، وزُهِدَ في اكتساب معارفه، وَأَبَتْه
الطباعُ، ومَجَّته الأسماع، وأوضعت عنه القلوبُ أيْ إيضاع، وصدَّت عنه النفوس صدود الجَبَان عن
ميدان الحرب، أو الخاشع الأوَّاه عن نديِّ الشُّرب. فحامله اليوم (أضْيَعُ من قمر الشتاء) وأهون مِمَّنْ
دبَّ فوق البطحاء حين حظي أهل البطالة، وبَلغُوا البُغْية بغير آلة، ونالوا الدرك بغير سبب، وآثروا
الراحة على الطلب، وصارت قيمةُ المرء على قدر فضَّتِه وذَهبِه، لا على قدْرِ معرفته وحسبه، وهان
على كل إنسان أن يَثْلَمَ قَدْرُه، ويسلم له وفرُه.
فكم من فَدْمٍ قد غلظ طبعه، وصمَّ عن الواجب سمعُه، وبعُد فَهْمُه، وطال في جمع المال هَمُّه، وأَدْلج
في طِلاَبِه وأَسْرى، وتَكبَّر على الناس لمَاَّ أتْرَب وأَثْرَى، وجَهِل أن الدَّهر بالناس قُلَّب، وأن حِمَامه
كلَمْح البَصَر أَوْ هُو أَقْرب.
زمانٌ نُبِذَ فيه الطَّلبُ بالعَراءِ، ولحظ الطَّالبُ بعين الازْدِراء، ومالت النُّفوس مع الأهْواء، حتى
تلاعَبت بالعقول تلاعب الأفعال بالأسماء. قلَّ فيه المتنَاظَرُون وعدم المُتذاكِرونَ:
стр. 4
وَاسْتَوْثَقَ النَّاسُ ممَّا في أَكُفِّهِم ... حتى لقد نبتوا بخلاً على العُقَدِ
قد تَخَلَّقُوا باللوم، وزَهِدُوا في طلب العلوم، وصَمُّوا عن قول الرسول ﷺ طلب العلم
فريضَةٌ على كلِّ مُسلم. وعن قوله أيضاً ﵇ "العالِم يدْعُو له كلُّ شيء حتَّى الحوتُ في
البحر".
وعن قوله أيضاً "مَا سَلَك أحدٌ طريقاً في طلب العِلم إلا سَلك اللَّه به طريقاً إلى الجنَّة".
وعن قول أبي عبد الله الشافعي ﵀: (طَلبُ العلْم أفْضَل من صلاة النَّافِلة).
وأشْبَاه هذه الأقوال كثيرة لا تُحصى، ولايَتَّسع الدِّيوان لأن تُستْقصى. وجدُّوا في الاكتساب، ولَهَوْا
عن القائل بالصَّواب:
العلمْ يَنْفع في دنيا وآخرة ... والمالُ لا بُدَّ يَرمي المرءَ في العَطبِ
ويُرْوى في التعب.
وعن قول الفطن الأريب الناظم المصيب:
إذا المرءُ لم يكسب سِوَى المالِ وَحده ... فَأَلأمُ مكسوبٍ لِأَلْأَمِ كَاسِبِ
стр. 5
فلمَّا رأيتُه كلَّ يوم إلى نُقْصان، ومَصونه يزداد مهانَةً مع الأحيان، بادرْتُ لِلتَّأليف، وجمعْتُ في هذا
التَّصْنِيف من لُبابِه الباهِرِ، وزَهْره العاطِرِ، لمُعَاً كَسَقْطِ الزًّنْد عند الاقْتِداح، أو المُرْهفات في ليل النَّقْع
يوم الكفاح. وانتقيتُ من توليدِهِ المُخترِع، ونادِرِه المستبْدِع، لُمَحاً يُخَالُ بدرُ التَّمِّ في لبَّاتها، ويتَنشّق
العنبر الهندي من هَبَّاتها. وشَّحْتُها توشيح الهَدِيِّ، وثقََّفْتُها تثقيفَ اَلقِسِيِّ، وألَّفتُ فيه من النثر البديع،
والنَّظم المطبوع والحكايات المسْتطرفَة، والأخبار المسْتظرفَة، والنوادر المستحسَنَة المسَاق، والأشعار
المهذَّبة الرقاق، ما يلتذ سُمَاعُهُ على التحقيق والاتفاق، وتجنح إليه القلوبُ والأذهانُ، جُنوحَ الطير إلى
الأوكان، لمن نشأ في جزيرة الأندلس من الكتاب والأدباء، ولمن ورد عليها من جَِّلة الفُصحاء والبُلغاء
المُتَحلِّين بحلية الأدب، المقيمين أَوَد لسان العرب، ممن طاف على رؤسائها في المائة الخامسة، ومن
كان عَلمَاً بها في المائة السادسة.
وأكثر ما عولت على المتأخرين من الأدباء والماهرين، تنبيهاً على محاسنهم وآثارهم، وترغيباً في
رسائلهم وأشعارهم. وأضربت عن ذكر المتقدمين، لتكرُّر أخبارهم على المتأدِّبين. وربما ألممت
بعض إلمامٍ بكلامِ مَنْ في عصرنا من مشاهير وأعلام.
ولئن كانت سوقُ الأدب كاسدة، وجَمْرَتُهُ هَامِدة، فلا بد في كل حين من بنين، يُحْلُونَ عاطله، ويُجلون
فضائله. ولكل مجالٍ من رجالٍ يُعْنَون بالأنباء، ويقومون بالأعباء.
وعمدتُ إلى كتاب "الذَّخيرة في محاسن أهل الجزيرة" تأليف أبي الحسن علي بن بسام أحد صيارفة
النُّثَّارِ والنُّظَّام، فألَّفتُ من جواهره المفترقة،
стр. 6
وقطفتُ من أزاهره المونقة.
وكذلك تصفحتُ كتاب "قلائد العِقيان في محاسن الأدباءِ والأعيانِ" تأليف معاصره أبي النصر أحد
أهل النظم والنثر. واغترفت من دُرَرِه السَّنيَّة، وغُرَره البهيَّة، ما استحسنتُ إثباثَه في كتابي،
وحصلتُ به على مرغبي وطِلابي، ولم أقصد إلى الطَّعن على فاضلٍ، ولا للتعصبِ لقائلٍ على قائل.
فقد سبقني المؤلفون إلى ترتيب المتقدّمين والمتأخرين، والتفضيل بين السابقين والمقصرين، في غير
ما كتابٍ أَلَّفوه، وتصنيفٍ جامعٍ صنَّفوه، ولا تعرضْتُ إلاَّ لليسير من التفصيل، وللغامض من المعاني
والتأويل، فشرحتُ أكثر ما ورد فيه من الغريب، وسلكتُ في ذلك سَنَنَ الاختصار والتقريب، لتكمل
بذلك فائدة الكتاب، ويرغب في اقتنائه ذوو الألباب، وشرفته بالشاهد من القرآن العظيم، ومن حديث
الرسول صلوات الله عليه والتسليم.
وقسمتُه على أربعة عشر باباً، أودعتها من الآداب فنوناً عِجَاباً، وجعلتُ كلَّ باب منها متفرداً بمعناه
لا يُشركه غيرُه في مقصِده ولامنحاه. ضَمَّنْتُها أسْنى الفوائد، وللبيان فيها مصادر وموارد، ولم أُخْلِه
من مثلٍ سائر، وبيت من الغريب نادر، وتشبيهٍ مصيبٍ، واختراعٍ عجيب.
стр. 7
أول الأبواب:
- باب في الفصاحة والشعر.
- باب في رسائل من منتخب النثر.
- باب في حكايات حسان.
- باب في الحب وما قيل فيه.
- باب في النسيب والتغزل.
- باب في المعاتبة والاستعطاف.
- باب في الأنوار وحدائق الأزهار.
- باب في صفة الخمر وسقاتها.
- باب في مدح الغلمان المعذرين.
- باب في ذم الغلمان المعذرين.
- باب في الفكاهة والمجون.
- باب في أوصاف شتى وفنون.
- باب في الاستدعاء.
- باب في أيام الأنس ولياليه.
стр. 8
نظمتُ جميعَها نظم الدُّر في السِّلك، وأضفتُ الشيء إلى مثله إضافة الاستحقاق والملك ولم أمتّ
سبيلي إلى الإسهاب، ولا تعلقتُ بإِطناب الإطناب، خيفة من الملل ورغبة عن الكسل. نخلتُ فيه
نصيحتي، وبذلتُ جهد قريحتي. وإن لم أكُن اخترعتُ، فَلَعَلِّي قد انْطبعتُ، وأتقنتُ ما صنَّفتُ
وجمعتُ.
على أني ما ألّفتُه إلا بذَماءنفس تالفة، وحال متغيرةٍ كاسفةٍ، وقلب عليل، وذهن كليل، وصدر بنيران
الخُطوب مشعول، وفكرٍ بحُسام النوائب مفلول، في زمان دَأْبُهُ عداوةُ الأحرار، والإساءة لذوي
الأخطار، لاينفكُّ عن إحالة الأحوال، وأن يمْحَق بشاشة أهل الوفاء مَحْقَ اللّيالي سَمَاوةَ الهلال. واهاً
له كم رفع من غبيٍّ، ووضع من عليٍّ، وأسعط من أُنوفٍ بالرَّغام، وأسقط من سادةٍ إسقاط حروف
الإدْغَام:
يحطُّ من لا تَفِي الدنيا بقيمته ... جوراً ويرفعُ أقواماً بلا قيمِ
أُعاتبه فما يعتبنُي، وأُسالمه فيصول ويُرهبني، حتى أتعجَّبَ من أمري، وأُنشدُ في سري وجهري:
من أين أُبخس لا في ساعدي قصَر ... عن المساعي ولا في مقولي خَطَلُ
إنْ نظَمتُ الكلام أحكمته، وإن نثرثُه ثَقفتُهُ وقوَّمته:
إنْ لم أكُن فارس الهيجاء من هوج ... فإنني فارس القرطاس والقلم
ولي لسانٌ يظلُّ الدرُّ مقتسماً ... ما بين منتثرٍ منه ومنتظمٍ
على أني لم أَرْضَ بالشعر بضاعةً، ولا اتخدتُ الاستجداء به حرفةً ولا
стр. 9
صناعةً، علماً بأن مرتَبتَه تَقْصُرُ عن غايات أهل الفضل، وتنقص عن درجات ذوي النُّبل؛ بل صُنْت نُطفةَ وجهي عن البذْل،
ولم أعرضْ خدِّي بالتخدُّم للذُّلِّ، ورضيتُ بالقناعة مالاً وافياً، وبإقراء كتاب الله شُغلاً
كافياً. فلما يسَّر الله المعينُ في جمعه وتحصيله، وترتيب أبوابه وفصوله سميته: "كنز الكتَّاب ومنتخَبُ
الآداب"، روضتُ به بستان الأدب وكان ماحلاً، وحلَّيْتُ به جِيَد الزَّمان وكان عاطلاً، وقد أبرزتُه في
معرض المُلح الأدبية مَجْلُواً، وبلسان الفصاحة متلواً. وأنا أسأل الله تعالى العصمة من الزَّلل، والنجاة
من الهذر والخَطَل، وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل.
стр. 10
الباب الأول: في الفصاحة والشعر
قال أبو إسحاق: الفصاحة ميدان لا يُقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يُسلكُ إلا ببصائر البيان. كما أن البلاغة كنزٌ لا
يصل إليه إلا الجَهابِذة الحذَّاق، ولا يُتناول وبالأيدي، ولا يُبْصَر بالأحداق. ووجْه البلاغة للبليغ سافرٌ،
ومعناها له واضح ظاهر.
والبليغ من تشكو يده سرعة خاطِره، ويغمُر الدُّرُّ أرض قرطاسه بمواطرِه؛ إن دعا البيان أجابهُ
طائعاً، وانثال عليه من كلِّ فجّ طالعاً، فإن أطال في الخطاب، ملك أعِنَّة القلوب بالصواب، وإن أوجز
واختصر، لم يخل بالمعنى المراد ولا قصَّر، فأسمع باللفظ الفصيح، حقيقة المعنى الصحيح.
وخير ماأوتي المرءبعد عقل راجح ودين صالح، خلقٌ رضيّ، وأدبٌ وضيّ، وذكاءٌ في جَنَانِه،
وفصاحةفي لسانه. فمن تجمَّعَت فيه هذه الخصال، سلِم من آفات الجهال، وعدل عن المحال، وفاز
بنَيْل الكمال، ونَسَقَ روائق الألفاظ نَسْقاً، وملك رقاب المعاني رِقاَّ. ولاشيء أحسن من ذهنٍ ثاقب،
ومنطقٍ صائب.
стр. 11
وقيل لرسول الله ﷺ : فيم الجمالُ؟ فقال: في اللَّسان. وقال ابن المقفع: (الكلامُ أزمة
القُلُوب التي تقودها إلى رشدها وغيِّها). وقال عامر بن شراحيل الشعبي: (الكلام مصائد العقل). وقال
بعض الحكماء: (عقلُ المرء مدفونٌ تحت لسانه). وقال بعض البلغاء: (اللسانُ أداةٌ يظهر بها حسنُ
البيان، وظاهرٌيُخْبر عن الضمير، وشاهدٌ يُنْبئُ عن غائب، وحاكمٌ يفصلُ به الخطاب، وناطقٌ يردُّ به
الجواب، وشافعٌ تدركُ به الحاجاتُ، وواصفٌ يعرف الحقائق، وواعظٌ ينهى عن القبيح، ومزيِّن يدعو
إلى الحسن، وزارعٌ يحرث المودة، وحامدٌ يستأصل الضغينة).
وقال بعضهم: (الحظُّ للمرء في أذنه، والحظُّ منه لغيره في لسانه). وقال خالد بن صفوان لرجل:
(يرحم الله أباك. فلقد كان يقرُّ العين جمالاً، والأذن بياناً). وتكلم أحد الفصحاء، فقال له رجل سمعه:
(لكل شيء إدام، وكلامك إدام الكلام).
وسمع أحدهم رجلاً بليغاً يتكلم. فقال: (كلام هذا الوبْل على المحْل، والعذبُ البارد على الظمأ).
وقال مسلمة بن عبد الملك: (مُرُوءتان ظاهرتان: الرِّياشُ والفصاحة). يقال: ريشٌ وريّاش لما ظهر
من اللباس.
قاله أبو عبيدة. وقال
стр. 12
مجاهد: الرِّيشُ المال، والرِّيشُ أيضا مصدر قولهم: رَاشَه يريشُه ريْشاً.
والرِّيشُ أيضا ما ستَر من لِباس أو معيشة. والرِّياش الخصب. والرياشُ أيضاً الأثاث. وقيل هو
جمع الرّيش. وقرأ عاصم في رواية أَبَانٍ بن يزيد العَطّار والمفضل بن يَعْلَى الضبي عنه (وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى). في
سورة الأعراف. وَروِيتُ هذه القراءة أيضاً عن الحسن قاله أبو عبيد.
ورِيشُ الطائر ما ستره الله به. وقال الشاعر في معنى كلام هؤلاء البلغاء:
كَفى بِالمرءِ عيباً أنْ تراه ... له وجهٌ وليس له لِسانُ
وما حسنُ الرِّجال لهم بِزَيْن ... إذا لمْ يُسْعِدِ الحُسن البَيانُ
وتكلّم بعض الأدباء في مجلس المأمون بكلام أعجبه. فقال له من تكون؟ فقال: ابن أَدَبٍ أعزَّ الله
أمير المؤمنين. فقال له: (نِعْمَ النّسبُ اّلَذي
стр. 13
انتسبت إليه) قال: وهذا من كلام الحكماء؛ الأدبُ أشْرفُ النسب.
وقال ميمون بن مهران: (من فاتَه الأدب لم ينْفعه النَّسب).
وقال الشاعر في المعنى:
لكلِّ شيءٍ حسنٍ زينة ... وزينَةُ العالم حسن الأدبْ
قد يشرفُ المرءُ بآدابه ... فينا وإنْ كان دنيَّ النَّسَبْ
وقال علي بن أبي طالب ﵁: (عزُّ الشُريف أدبُه).
وقال بعض الحكماء: (منْ كثُر أدبُه كثُر شرفُه وإن كان قبْل ذلك وضيعاً).
وقرأتُ في بعض تواليف الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد السِّلفي، ﵀ على شيخنا أبي
الحسن علي بن هشام روايته عنه. قال عبد الله بن
стр. 14
عائشة: وُلِدَ لكسرى موْلودٌ فجِيء ببعض أهل
الأدب وجيء بالمولود فوضع بين يديه. فقال له كسرى: ما خيْرُ ما أوتي هذا المولود؟ فقال: عقل
يولد معه قال: (فإن عدِمَه ذاك) قال: مالٌ يستُرهُ. قال: فإن عدمه ذاك. قال: أدبٌ حسن يعيش به بين
الناس. قال: فإن عدمه ذاك. قال: صاَعِقة مُحرِقة.
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ما وَهَب الله لامرىءٍ هبةً ... أحسنَ من عقلِهِ ومن أدبه
هما حياةُ الفتى فإنْ عُدما ... فإنَّ فَقْدَ الحياة أشبهُ به
قال أبو إسحاق:
وقَوْل ابن عائشة: ولد لِكَِسْرى، يقال بكسر الكاف وبفتحها. والكسر مذهب عبد الملك بن قريب
الأصمعي فيما حكى أبو حاتم عنه. والفتح مذهب أبي العباس المبرد.
стр. 15
وقال أبو علي البغدادي هما لغتان. واختار أبو حاتم الفتح. وقال: هو الوجه عندنا. وأنشده:
أَخْمَدْتَ كِسْرَى وأمسى قيصرٌ ... مُغْلَقاً من دونه بَابَا حَدِيدْ
ومنع ابنُ قُتَيْبة الفتح.
وكسرى اسم لملك الفرس، وقيصر اسم لملك الروم، وهرقل اسم لملكهم أيضا، والنجاشي اسم لكل
ملك من ملوك الحبشة، وخاقان اسم لملك الترك وتُبَّع اسم لملك اليمن، والقَيْلُ اسم لملك حمير، وقيل:
بل القيل أقل درجة من الملك، وفِرعَون اسم لملك العمالقة. كل هذا من قول أبي عمر المطرز وابن
خالويه وكان اسم فرعون فيما ذكر المفسرون مصعباً وقيل الوليد بن مصعب.
стр. 16
وقال بعض الحكماء: (ماوَرَّثَتِ الآباء الأبناء شيئاً أفضل من الأدب، لأنها بالأدب تكتسِب المال،
وبالجهل تُتْلِفُه).
وفي الخبر أن سليمان بن داود ﵉ خيِّر بين العِلْم، والمال، والمُلْك فاختار العلم فأوتي
الملكَ والمال معاً. وقال بعض الحكماء: (خيرُ ما أوتي العبد في الدنيا الحكمة، وخير ما أوتي العبد في
الآخرة الجنة). وبهذا فسّر بعض أهل العلم قول الله تعالى (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) الآية. وهو مذهب الحسن. وقيل المراد
به نِعَم الدنيا ونِعَم الآخرة وهو مذهب قتادة وأكثر أهل العلم.
وقال ابن مسلم بن شهاب الزهري (ما أحْدَثَ الناسُ مروءةً أَعْجَب إليَّ من الفصاحة).
ورأيتُ بعض تَواليف الحافظ أبي عمر النمَري ﵀. قال:
стр. 17
أنشدني بعض الأدباء لخلف الأحمر:
خيرُ ما ورَّثَ الرجالُ بنيهِمُ ... أدبٌ صالحٌ وحسنُ الثناءِ
هو خيرٌ من الدَّنانير والأو ... راق في يوم شدَّة ورخاءِ
تِلْك تَفْنَى والدّين والأدب الصَّا ... لِحُ لا يفنيانِ حتى اللقاءِ
وقال بعض الأدباء المتأخرين: (العِلمُ أكرمُ منهاجٍ، وسراجٍ وهاج، ما صَدِيَ من سقاهُ صوبَ صفائه،
ولاعَرِي من كساهُ ثوب بهائه، ولاحادَ عن الحقِّ لسانُ من يرويه، ولا خافَ من الخَلْقِ جَنانُ من
يَحْويه.
وجَمعُ العلوم كمالٌ، والأدبُ منها جمالٌ، وهو لسان النبيِّ العربي).
(فقيهٌ يلحنُ حمار يَطْحَن)، (كاتبٌ غيرُ أديب، أشبهُ الحيوان بِذِيب). (رُبّ وزيرٍ يُعجب الناسَ وهو
ساكتٌ، فإذا تكلَّم فكلُّ حاسدٍ شامتٌ)، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
وفي الصمت سترٌ للْعَيِيِّ وإنما ... صحيفة لبِّ المرء أن يتَكَلَّما
وقال الآخر:
стр. 18
لسان الفتى نصفٌ ونصف فؤاده ... فلم يبْقَ إلاّ صورةُ اللَّحم والدّم
وكائن ترى من ساكتٍ لكَ معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
وقال الخليل ﵀:
أي شيء من اللباس على ذي السَّ ... رْو أبهى من اللسان البهيِّ
ينظمُ الحجة السنية في السلْ ... ك من القول مثل سلك الهدي
وترى اللحن بالحبيب أخي الهي ... أة مثل الصديّ على المشرفيّ
فاطلبِ النحو لِلْحِجَاج وللشِّعْ ... ر مُقيماً والمسندِ المرويِّ
والخطابِ البليغِ عند جواب ال ... قولِ تُزهى بمثله في النَّديِّ
قال ابن زياد الأعرابي: سمعتُ رجلاً يوصي بنيه، فقال: يابني أصلحوا ألسنتكُمُ، فإنَّ الرجل تَنُوبُهُ
النائبة فيستعيرُ من أخيه دابَّته وثوبه، ولا يجدُ من يُعيرُهُ لسانَه.
وقال محمد بن سيرين: ما رأيتُ على رجُل أحسنَ من فصاحة، ولا
стр. 19
رأيت على امرأة أَحْسَنَ من شحم وقال مسلمة بن عبد الملك: اللحنُ في الكلام أقبحُ من الجُذَري في الوجه.
وروى الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: أتى عمر ﵁ على قوم
يرمون رِشْقاً لهمْ فأساؤوا الرَّمي. فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن قومٌ متعلمين، فقال لهم: لإساءَتُكُمُ في
لحنكم شرٌّ من إساءتِكمْ في رميكُم أَوْ في رِشْقِكُمْ. رحم الله امرأ أصلح من لسانه. وكان عمر رضي الله
عنه يقول: (تعلَّموا العربية فإنها تُثَبِّثُ العقل).
وقيل للحسن البصري ﵀: (إنَّ لنا إماماً يلْحن)، فقال: أخِّروه. وروى زيد بن الحباب عن أبي
الربيع السمان عن عمرو بن دينار أن ابن عمر وابن عباس كانا يضربان أولادَهما على اللَّحن.
стр. 20
وحكى النضر بن الشُّمَيل عن الخليل بن أحمد أنه قال لحن أيوب بن كيسان فقال أستغفر الله. وحكى
يحيى بن أكثم عن نفسه قال: فبينما أنا جالسٌ مع المأمون إذْ دخل الدار فتى أبْرعُ الناس زِيّاً وهيئة
ووقاراً وهو لا يلتفت إعجاباً بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى. إنَّ هذا الفتى لا يخلو أن
يكون هاشمياً أو نحوياً. ثم بعثنا من يتعرَّف ذلك منه، فعاد الرسول إلينا فأخبرنا أنه نحويّ. فقال
المأمون: يا يحيى. أعلمتَ أن عِلْم النحو قد بلغ بأهله من عزَّة النفس، وعُلُوّ الهمَّة منزلة بني هاشم
في شرفهم. يا يحيى من قعد به نسبه، نهض به أدبه.
وفي معنى قول المأمون هذا يقول الشاعر:
كُن ابن من شِئت واتخذ أدباً ... يُغْنيكَ مَأْثورُه عن الحسبِ
وقال الآخر:
إنَّ الفتى من يقول ها أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
стр. 21
وقال الآخر:
فما سوَّدتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله أنْ أسمو بأمٍّ ولا أب
أسكن الواو من قوله: (أن أسمو) ضرورة على التشبيه بالألف. والوجه نصبها.
وقال الآخر:
ماليَ عقْلي وهِمَّتي حسبي ... ما أنا مولىً ولا أنا عَرَبي
إِنِ انتمَى مُنْتَمٍ إلى أحدِ ... فإنَّني منتمٍ إلى أدَبي
وقال أبو الطيب في هذا المعنى:
ما بقومي شَرُفْتُ بلْ شَرُفوا بي ... وبنفسي فَخَرْتُ لا بِجُدُودي
وفي معناه أيضا قول علي بن العباس الرومي:
فَلاَ تتَّكِل إلا على ما فعلتَه ... ولا تحسِبَنَّ المجدَ يورثُ بالنَّسبْ
وليس يسودُ المرءُ إلاَّ بنفسه ... وإن عدّ آباءً كراماً ذوي حسبْ
وقال بعض الحكماء: (منْ كَثُر أدبُهُ دامَ شرفُه).
وقال الشاعر:
وخير ما يجمع الفتى أدبُ ... يَزِينُه حين تُعْرَضُ النُّوبُ
لا يعرف الله حق معرفةٍ ... من لم يكن عاقلاً له أدبُ
قال إبراهيم المأمون: (من قَعَدَ به نسبُه نهض به أدبهُ) من كلام الأصمعي.
стр. 22
وشرفُ بني هاشم الذي أشار إليه المامون معلومٌ وهو الشرفُ الباذِخ الصميم، لأنهم فَضَلُوا الناس
بطيب الأُرُوم، لكونهم قبيلة المصطفى صلوات الله عليه والتسليم. جَاء في الحديث عن واثلة بن
الأسقع بن عبد العزيز الليثي قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: "إن الله اصطفى (كنانة) من ولد
(إسماعيل)، واصطفى من بني (كنانة) (قريشاً)، واصطفى من (قريشاً) (بني هاشم)، واصطفاني من
(بني هاشم) " الحديث.
وفي الحديث أيضاً عن عثمان بن الضحاك عن ابن عباس: "إن قريشاً كانت نوراً بين يدي الله
تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام يُسبِّح ذلك النور فتسبح الملائكة بتسبيحه. فلمَّا خلق الله آدم ألقى
ذلك النور في صُلْبِه" فقال رسول الله ﷺ : "فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم
وجعلني في صلب نوح وقذفني في صلب إبراهيم ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام
الطاهرة حتى أخرجني بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قط".
وفي الحديث أيضاً عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: إنا لَقُعُودٌ بفناء النبي صلى الله
عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله ﷺ ، فقال أبو
سفيان: مَثَلُ محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النَّتن. فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى
الله عليه وسلم، فجاء النبي ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: "مابال أقوال تبلغني
عن أقوام. إن الله خلق السماوات سبعاً فاختار العليا منها فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق
الخلق فاختار من الخلق بني آدم
стр. 23
واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر واختار من
مضر قريشاً واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم. فأنا من خيار الخيار. فمن أحب
العرب فبحبِّي أحبهم، ومن أبغضَ العرب فببغضي أبغضهم".
قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري: (فليعلم صاحبُ الحديث أن كل
مضريّ عربيٌّ، وأن مُضر شعبةٌ من العرب، وأن كل قُرشي مُضريٌّ، وأن قريشا شعبةٌ من مُضر،
وأن كل هاشمي قرشي، وأن هاشما شعبةٌ من قريش وأنَّ كل علويٍّ هاشميٌّ).
وقد اختُلف في العَلَوِيَّةِ لمَ سُمُّوا علوية، فقيل إنه انتماء إلى علي ﵁. وقيل إنه انتماء إلى
أعلى الرُّتَبِ برسول الله ﷺ .
قال أبو إسحاق:
فهذا بيان شرف بني هاشم قد جئت به، وأرجع بحول الله إلى ما كنت بسبيله وسببه.
قال النبي ﵇: "الحكمة تزيد الشريف شرفاً، وترفع المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك".
وقال علي ﵁: قيمة كل امرئ ما يُحسن ومن حديث محمد بن مسلم بن شهاب الزهري
في هذا المعنى قال: قَدِمْتُ على عبد
стр. 24
الملك ابن مروان فقال لي: من أينَ قدِمتَ يازهريّ؟ قلت: من مكة.
قال: فمن خلفْتَ بها يَسُودُ أهلها؟ قال: قلتُ: عطاء بن أبي رباح. قال: فمِن العرب أم من
المَوالي؟ قال: قُلت: من الموالي. قال: وبِمَ سادَهم؟ قال: قلت: بالدِّيانة والرواية. قال: إن أهل الديانة
والرواية ينبغي أن يُسَوَّدُوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت طاووس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من
الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: وبِمَ سادهم؟ قال: قلت: بما سادهم به عطاءُ، قال: فمن يسود
أهل مصر؟ قال: قلت يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي
قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت مكحول قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال قلت: من الموالي،
عبْدٌ أَعْتَقَتْهُ امرأة من هذيل. قال: قلت فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن
العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن
مزاحم. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال:
قلت: الحسن بن أبي الحسن قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: ويْحَك
فمن يسود أهل الكوفة قال: قلت: إبراهيم
стр. 25
النَّخَعي قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من العرب.
قال ويْلَك يا زهرّي فرَّجتَ عني، والله لتَسُودَنَّ الموالي على العرب، حتى يُخْطبَ لها على
المنابر والعرب تحتها. قال: قلت: ياأمير المومنين إنَّما هو أمرُ الله ودينه، من حَفِظَهُ سادَ، ومن
ضيَّعه سقط.
وقال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيِّد أهل البصرة؟ فقال: الحسن قال الحجاج: وكيف ذلك وهو
مولى؟ فقال: احتاج إليه الناس في دينهم، واستغنى عنهم في دنياهم. وما رأيت أحداً من أشراف أهل
البصرة إلا وهو يرومُ الوُصول إليه في حلقته ليستمع إلى قوله ويكتب عِلْمَه. فقال الحجاج: هذا والله
السؤْدد).
وحكي عن العباس بن مصعب قال: خرج منْ مَرْو أربعةٌ من أولاد العبيد ما منهم أحدٌ إلا وهو إمام
عصره: عبد الله بن المبارك، ومبارك عبدٌ، وإبراهيم ابن ميمون الصائغ، وميمون عبد، والحسين بن
واقد وواقد عبد، ومحمد ابن ميمون الشكري، وميمون عبد.
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عيه أنه قال: (عليكم بتعلُّم العربية، فإنها تدلُّ على
المروءة، وتزيد في الموَدَّة).
قال أبو سليمان حَمدَ بن محمد بن إبراهيم الخطابي: بقيتُ زماناً أقول ما
стр. 26
معنى زيادتها في المودَّة حتى ظَهَر لي أَنَّها المُشاكلة. وذلك أن المعرفة بكل صناعة تجمع بين أهلها. وفي هذا المعنى
يقول الشاعر:
أَدَبٌ بيننا تَوَلَّدَ منه ... نَسَبٌ والأديبُ صِنْوُ الأديبِ
وقال الآخر:
إذا كان التَّآلُفُ باتِّفاقٍ ... وحسنِ تشاكُلٍ ثَمَّ الإخاءُ
وقرأت في شعر أبي تمام في هذا المعنى:
إنْ يُكْدَ مُطْرَفُّ الإخاء فإننا ... نغْدو ونسري في إخاء تالدِ
أو يَخْتَلفْ ماء الوصال فماؤنا ... عذبٌ تحدَّر من غَمامٍ واحدِ
أو يَفْتَرقْ نسبٌ يؤلِّف بيننا ... أدبٌ أقَمْناه مقامَ الوالِدِ
وهذه الأبيات في قصيدة له خاطب بها علي بن الجهم. فلمَّا وقف ابن الجهم على القصيدة أخذ في
وصف أبي تمام وتفضيله. فقال له أحد الحاضرين: والله لو كان أبو تمام أَخَاكَ مازدْتُ على مدحك
له. فقال له علي بن الجهم: إلا يَكُنْ أخاً بالنسبِ فإنه أخ بالأدب.
وقول أبي تمام في هذه الأبيات التي ذكرناها مأخوذٌ من قول
стр. 27
الفرزدق:
يا بِشْرُ أنتَ فتى قريشٍ كلِّها ... ريشي وريشك من جناح واحِدِ
وتبع البحترى أبا تمام، فقال:
وأقلُّ ما بَيْني وبينكَ أنَّنا ... نرمي القبائل عن قبيلٍ واحدٍ
وقرأت في كتاب الذيل لأبي علي البغدادي، قول الشاعر:
العِلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبه ... فاطْلُبْ هُديتَ فُنونَ العلمِ والأدَبَا
كم من حسيبٍ أخي عيٍّ وطمطمةٍ ... فدْمٍ لدى القول معروف إذا انتسبا
في بيت مكرُمةٍ آباؤهم نُجُبٌ ... كانوا الرؤوس فأضحى بَعْضُهم ذَنَبا
وحاملٌ مُعرَق الآباء في أدب ... قال المعالي به والمالَ والحسَبَا
أمسى عزيزاً عظيم الشأن مُشْتهراً ... في خدِّه صعرٌ قد ظَلَّ مُحْتَجِبا
وصاحبُ العلم معروفٌ به أبداً ... نعم الخليطُ إذا ما صاحبٌ صَحِبَا
وقال الآخر:
العلم يجلو العَمى عن قلبِ صاحبِه ... كما يُجَلِّي سوادَ الظُّلْمة القمرُ
وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها ... ولا البصير كأعمى ماله بصرُ
стр. 28
وقال الآخر:
العلم ذخرٌ وكنزٌ لا نفاد له ... نِعْم القرينُ إذا ما صاحبٌ صَحِبَا
قد يجمع المرء مالا ثم يتلفه ... عمَّا قَليلٍ فيلقى الذلَّ والتَّعَبَا
يا جامع العلم نعْم الذُّخر تجْمعُهُ ... لا تعدلنَّ به درّاً ولا ذهَبا
ومما رَويتُ بالإجازة من شعر أبي الغنائم سالم بن المحسن المقرئ في فَضْل العِلْم والحثِّ على
طَلَبِه، قوله:
طلابُ العلم همَّة كل شخصٍ ... شريفِ النفس محمود الفعالِ
وربَّتما تقمصه زريٌّ ... فطال به إلى رتَبِ المعالي
وليس بنافع لَكَنٌ وعيٌّ ... عريقاً في الرياسة والجلالِ
وربَّ مموِّلٍ وافى فقيراً ... لمعرفة الحرام من الحَلالِ
فأيُّهما الغنيُّ غنيُّ علمٍ ... أم الساعي به جهل السُّؤالِ
كلامُ الناس كُلِّهمُ سواءٌ ... ولكن ما تساوى في المقال
فللعلماءِ ألسنةٌ طوالُ ... تطول على المثَقَّفَة العَوَالي
على الجُهَلاَءِ للعلماء فَضْلٌ ... كما فُضِلَ اليمينُ على الشِّمَاِل
فلا تقْصِدْ بِعِلٍْم تَقْتَنِيه ... سوى مَرْضَاةِ رَبِّكَ ذي الجلال
فمكتسِبُ العلوم لِنَيْلِ دنيا ... غريقٌ في الجهالةِ والضَّلاَل
стр. 29
ومن يبغي بها الأخرى مفازاً ... فقد حاز المعاني والمعالي
وقال بعْضُ الحكماء: حياة الرُّوح العفافُ، وحياةُ الحِلْم العِلْم، وحياةُ العِلْمِ البيانُ.
قال أبو إسحاق:
وَقَدْ بايَنَ اللهُ سبحانه بَيْن الخواطر كما بايَن بيَنْ َالبَصَائر، فجَبَلَ بعْضَها على الفَهْمِ والبيان، فظَهر
فيها واستبان، وجَبَلَ بعضها على الجهْلِ والعيِّ، فما تعرِفُ الرُّشْدَ من الغَيَّ، ولا المَكْروه من
المَحْبوب، ولا المَْتروك من المَطْلوب. ولذلك قال صعصعة بن صوحان العبدي لمعاوية بن أبي سفيان
حين سأله أن يَصِفَ الناس، فقال: (خُلِقَ الناسُ أخْيافاًً. فطائفةٌ للعبادة، وطائفةٌ للتجارة، وطائفةٌ للبأْس
والنجدة، وطائفةٌ خُطباء، ورَجْرِِجَةٌ يكدرون الماء ويُغلُون السِّعر، ويُضَيِّ
قون الطريق فيما بين ذلك).
قوله: (خُلق الناسُ أخْيافاً) سماهم: أخيافاً لاختلاف أصولهم وطبائعهم. وإذا كان الإخوة لأمٍّ واحدة
وآباء شتى فهم أخيافٌ أيضاً. قال أبو محمد بن قتيبة وغيره، أصل الخَيَف في الخَيل. وهو أن تكون
إحدى عيني الفرس زرقاء والأخرى كحلاء.
وقال الشاعر:
الناسُ أخيافٌ وشتى في الشِّيم ... وكلُّهم يجمعُهم بيتُ الأدَمْ
стр. 30
وقولُه: رجْرِجَة: أصل الرِّجْرِجة فيما قال أبو محمد بن قتيبة وغيره من أهل اللغة: بقيةٌ تبقى من
الماء في الحوض كَدِرة خاثِرَة لا يقدر أحد أن يَشْرَبها. هذا هو أصلها. فشبه صعصعة شِرار الناس
وسَقَطهُم بها. وقد شبههم بها أيضاً الحسن البصري وذلك أنه لمَّا خرج يزيد بن المهلب، ونَصبَ
راياتٍ سوداً وقال: (أدْعُوكُمْ إلى سُنّة عمر). فقال الحسن في خبر طويل، نَصَبَ نَصْبا علَّق عليه
خِرقاً ثم أتبعه رجرجة من الناس هباء.
والرِّجْرَجة أيضاً: ما مجَّت الإبل مِنْ أفْواهها.
قال ابن الأعرابي: كان صعصعة أحد الخطباء وتكلّم ذاتَ يوم في مجلس فأطال، فقال له بعض
القرشيين: جَهِدْتَ نفسك أبا عمر حتى عَرِقْتَ وَرُبِّبَ صُدْغاكَ. فقال صعصعة: (إن العتاقَ نَضَّاخةٌ
بالعَرق). وقال يحيى بن مَعِين: (صعصعة وزَيد وسيحان بنو صوحان كانوا خطباء من عبد القيس.
قُتِل زيد وسيحان يوم الجمل).
стр. 31
وقال غير يحيى: كان صعصعة بن صوحان العبدي مسلماً على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم. ولم يلْقَه ولم يرَه، صغر عن ذلك، وكان سَيّداً من سادات قومه عبد القيس، وكان فصيحاً خطيباً
عاقلاً لسناً ديِّناً فاضلاً بليغاً يعَدُّ في أصحاب علي بن أبي طالب ﵁. وصعصعة بن
صوحان هذا هو الذي قال لعمر بن الخطاب ﵁ حين قسم المال الذي بعث اليه أبو موسى
الأشعري. وكان المال ألف ألف درهم، وفَضُلتْ منه فَضْلة. فاختلفوا عليه حيثُ يَضَعُها فقام عمر
خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أيها الناسُ قد بَقِيَتْ لكم فَضلَةٌ بعد حُقوق الناس، فما تقولون
فيها؟ فقام صعصعة بن صوحان هذا وهو غُلام شاب. فقال: ياأمير المومنين إنما يُشاَوَرُ الناسُ فيما لم
يُنَزِّل الله فيه قرآناً، فأما ما أنْزَل الله فيه القرآن ووضعه مواضعهُ، فضَعْهُ في مواضعه التي وضَعه
الله فيها. فقال له عمر: صَدَقْتَ، أنتَ منّي وأنا منك).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: (الناسُ ثلاثة: عَالِمٌ رَبَّانيّ، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمجٌ
ساعٍ، لكلّ ناعِق أتباع يميلون مع كل ريح، لم يسْتضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركْن وثِيق). قوله
﵁: (عالِمٌ ربَّاني). فالرَّبَّاني هو العالمُ الحكيمُ التَّقِي. وفي كتاب الله (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) وقال
الحسن؛ أَيْ فقهاء وقال: ابن جبير: أي حكماء
стр. 32
أتقِياء. وقال ابن زيد: أي كونوا مُدَبِّري أمر الناس.
وقال مجاهد بن جبر: الرَّبَّانِيُّون فوْقَ الأحْبار وقيل: الرَّبَّانيُّ هو العالم الكامل العِلْم.
وقال أبو عمر المطرز عن أبي العباس ثعلب: العربُ تقول: رَجُل ربَّاني وربِّي إذا كان عاملاً
معلّماً.
وقال محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس: اليوم ماتَ ربَّاني هذه الأمة.
وقال أبو العباس ثعلب: (إنما قيل للفقهاء ربَّانيُّون لأنهم يُرَبّون العلم؛ أي يقَومون به).
وقال أبو إسحاق الزجاج: الرَّبَّاني: منسوب إلى عِلْم الرَّبّ، والألف والنون فيه للمبالغة، كما يقال
للعظيم اللِّحْية لِحْياني، وللعظيم الرَّقبَة رقباني،
стр. 33
وكذلك صاحب علم الرَّبِّ، وهو الدِّينُ الذي أَمَرَ به
الرَّبُّ ، وقاله أيضاً أبو الحسن الرماني. وقال غيرهما: الربَّاني هو الذي يدير الأُمُور
ويُصْلِحُها في الولاية.
يقال: ربَّ أمْرَهُ يرُبُّه ِرَبابَةً ورَبّاًّ؛ وهو رَبَّان، إذا أصلحه بتدبيره، وقال علقمة:
وكنتُ امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربَّتْني فضِعتُ رُبُوبُ
الرُّبُوب جمع رَبّ. ونظيره: نَعِسَ يَنْعَسُ وهو نعْسان. وأكثر ما يجيء فعلان من فعِل يفْعل بكسر
العين في الماضي وفتحها في المستقبل. نحو عَطِشَ يعطشُ فهو عَطشان، وغضِب يغضبُ فهو
غضبان، وما كان مثله من بابه.
وربَّ أيضا وأربَّ بمعنى دام، أقامَ.
قرأتُ في كتاب (النوادر) لأبي علي البغدادي: دخل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين على عمر
بن عبد العزيز ﵄. فقال: يا أبا
стр. 34
جعفر أوصني. قال: أُوصيكَ أنْ تتخِذ صغيرَ المسلمين
ولداً، وأوسطهم أخاً، وأكبرهم أباً. فارحم ولدك وصِلْ أخاكَ وبِرَّ أباك. وإذا صنعتَ معروفاً فَربِّه.
قال أبو علي: فربِّه أي أدِمْه. يقال: رَبَّ بالمكان وأرَبَّ؛ إذا أَقام وأدامَ. قال بشر:
أرَبَّ على مغانيها مُلِثٌّ ... هزيجٌ وَدْقُه حتَّى عفاها
ومنه قول أبي تمام الطائي، قرأته في شعره:
بِمُلِثٍّ على الفِراق ِمربٍّ ... ولِشَأوِ الهوى البَعِيد طَلُوبُ
وقول علي ﵁: (سَاعٍ لكل ناعقٍ) أي يعدو عَدْواً شديداً إلى كلِّ مُصَوِّت وصائح.
ومنه قول الأخطل:
فانْعِقْ بِضَأنِكَ ياجَريرُ فإنَّما ... منَّتْكَ نفْسُك في الخَلاَء ضَلاَلاَ
وقال صاحب العين: نَعَقَ الراعي بالغنم ينْعِقُ نعيقاً: إذا صاح بها زَجْراً. ونعَق الغرابُ نُعاقاً ونَعيقاً.
والناعقان: كوكبان من كواكب الجوزاء، أحدهما رِجلها اليسرى، والأخرى منْكِبها الأيمن، وهو الذي
يُسَمى
стр. 35
الهنْعة. وهما أضوأُ كوكبين في الجوزاء.
وأَصلُ النَّعيق: الصِّياحُ، فالنَّاعِقان الكوكبان المضيئان من الجوزاء، لأنهما كالرَّاعيين الصائحين
بالغَنَم.
وأنشدنا شيخنا أبو الحسن علي بن هشام. قال: أنشدنا الفقيه الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد
السِّلفي لنفسه في معنى قول علي ﵁ وصعصعة:
ترى فئة لدى الهيجاء أسْداً ... وآلافا منازلهم حجالُ
وأقواماً خواطرهم جمادٌ ... وقوماً جُلُّ شعرهم ارتجال
وللديوان كُتَّابٌ كفاة ... تعنَّوا في تأدّبهم وجالوا
وللأخبار والسنَّن الجلايا ... ومعرفةِ الرجال كذا رجالُ
تعالى الله لم يخلق كفاء ... وفي هذا البساط لنا مجالُ
ونظر المأمون إلى الحسن بن رجاء في ديوانه، فقال له: من أنتَ ياغلام؟ قال له الحسن: الناشئُ في
دوْلتك، المُتَقَلِّبُ في نِعْمَتِك، وصريح أدمِك، عَبْدُك وابنُ عبدك الحسن بن رجاء. فقال له المأمون:
بالأدب تفاضلت العقول. وأمر له بألف دينار، وأمر أن يجعل له ديوان في خاصته من مجالس
الدّيوان. فكان ذلك سبب حرص الحسن على الأدب والزيادة منه.
стр. 36
ودخل وفْدٌ من العرب على هشام بن عبد الملك، وفيهم درواس بن حبيب، وعليه شمْلَتان، وله ذُؤابة،
وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فأحْجَمَ القوم وهابوا هشاماً، فوقعت عين هشام على درواس
فاستصغره. فقال للحاجب: ما يشاء أحدٌ أن يصِل إِلَيَّ ألاَّ قَدِر حتى الصبيان. فعلم درواس أنه يريده،
فقال: ياأمير المومنين إنَّ دُخولي لم يخْلُ منك بشيء، ولا أتنقصك. ولكنَّ هؤلاء القوم قدموا لأمر
فأحْجَموا عنه. (وإنَّ الكلام نشر والسكوتَ طَيٌّ). لا يُعرفُ إلاّ بنشره. قال: فانْشُرْه لاَأَبَالك. وأعجبه
كلامه فقال: ياأمير المؤمنين إنه أصابَتْنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشَّحم، وسنة أكَلَتَ اللحم، وسنة
أنْتَقَت العظم. وفي أيديكم فُضول أموال، فإنْ كانت لله ففرقوها على عباده، وإنْ كانت لهم فعلامَ
تحْبسُونها عنهم، وإن كانت لكم فتصَدَّقوا بها عليهم، فإنَّ الله يجزي المتصدقين، ولا يُضيع أجرَ
المحسنين. وإنَّ الوالي من الرَّعية لكالرُّوح من الجسد، ولا حياة له إلا بها.
فقال هشام: ماترك الغلُاَمُ لنا في واحدة من الثلاث عُذْرا. وأمر أن تقسم في البوادي مائة ألف درهم،
وأمر لدرواس بمائة ألف. فقال: ياأمير المؤمنين اردُدْها إلى جائزة العرب. فإني أخاف أن تعْجِزَ عن
بلوغ كِفايتهم. قال: فهنا حاجة. فقال: ما لي في خاصة نفسي دون عامة المسلمين حاجة.
قال:، ولمَّا أمر المأمون بِقَبْضِ ضِياع عبد الملك بن صالح الهاشمي دخل عليه ابنه محمد. فقال:
السلام عليك ياأمير المومنين محمد بن عبد الملك ابن سليل نعمتك، وابن دولتك، وغصنٌ من أغصان
دَوحَتِك. أتأذَنُ
стр. 37
لي في الكلام؟ قال نعم. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ ،
ثم قال: نسألُ الله تعالى حياطة ديننا ودُنْيانا، وَرعاية أقصانا وأدنانا ببقائك يا أمير المومنين، ونسأله
أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي آثارِك من آثارنا، ويقيك الرَّدى بأسماعنا وأبصارنا مقام العائذ
بظنِّك الهارب إلى حَرَمِك وفضْلكَ، الفقير إلى رحمتك وعفوك. فأعجب المأمون بكلامه. وأمر بردِّ
ضياع أبيه عليه.
ودخل محمد بن معاذ الرازي على أبي محمد عبد الله العلوي العمري وهو بِبَلْخ، فقال له العمري: ما
تقول فينا أهْلَ البيت؟ فقال: وما أقولُ في غَرْسٍ غُرسَ بماء الوحي، وطينٍ عُجنَ بماء الرسالة. فَهَلْ
يفوح منها إلاَّ مِسْكُ الهُدى، وعَنْبَر التُّقَى. فقال له: أحسنْت. وأمر أن يُحشى فمُه دُرّاً. ثم زار العمري
من غده محمد بن معاذ فقال له محمد: إنْ زُرتنا فَبِفَضلِكَ، وإن زُرناك فلفضلك. فلك الفضل زائراً
ومزوراً.
وحكى أن المعتصم صار ذات يوم إلى خاقان يعودُه وهو مريض، والفتح ابنه يومئذ غلامٌ صغير.
فقال له المعتصم حين دخل إلى أبيه: أيُّما أملح؟ دار أمير المومنين، أوْ دار أبيك؟ فقال له: الفتح: إذا
كان أمير
стр. 38
المؤمنين في دار أبي فهي أحسن. وكان في يد المعتصم فِصٌّ. فقال له: يا فتح رأيتَ شيئاً
أحسن من هذا الفصِّ؟ فقال: نعم يا أمير المومنين، اليد التي فيها الفِصُّ أحسن.
ومرَّ عمر بن الخطاب ﵁ بصبيان يلعبون على الطريق، فيهم عبد الله بن الزبير فهرب
الصبيان وبقي عبد الله. فقال له عمر لمَ لَمْ تفرَّ كما فَرَّ أصحابك؟ فقال له: لم يكن لي جُرْم فأفرَّ منك،
ولا كان الطريقُ ضيقاً فأوسعه عليك.
وكان إياس بن معاوية أذكى الناس، وأفهمهم وأفصحهم. حكي أنه دخل الشام وهو غلام صغير،
فوصل إلى القاضي في حقٍّ له، فتكلَّم قبل خصمه، وكان الخصم شيخاً. فقال له القاضي: أَتَقْدُمُ شيخاً
كبيراً؟ فقال له: الحقُّ أكبر منه. فقال له القاضي: اسكتْ. فقال: ومنْ ينطقُ بحُجَّتي؟ قال ما أظنكَ
تقول حَقّاً، فقال: لا إله إلا الله، فقام عند ذلك القاضي، ودخل على عبد الملك، فأخبره بخبره. فقال:
اقض حاجته الساعة. وأخرجه من الشام لئلا يُفسد على الناس.
وحكى الأصمعي، قال: قَدِمَ أعرابيٌ إلى بعض الولاة، فقال له الوالي: قل
стр. 39
الحقَّ، وإلاَّ أَوْجَعْتُكَ ضرباً.
فقال له الأعرابي: وأنت أيضاً، فاعمل بالحق، فَوَ الله لمَا تواعدك الله به من العقوبة إنْ أنت خاَلَفْتَهُ،
أعظم مما تَواعدْتني به منْ ضَرْبكَ إيّاي.
ولما ولى المامون يحيى بن أكثم قضاء البصرة أراد بعض أهلها أن يَضَعَ منه لحداثته، فقال له: كَمْ
سنُّ القاضي؟ قال: كسن عتاب بن أُسَيْد حين ولاَّه رسول الله ﷺ مكَّة، فجعل ابن
أكثم جوابه احتجاجاً. وكانت سن عتاب حين ولاه النبي ﵇ مكة إحدى وعشرين سنة. وقيل
ثلاثاً وعشرين.
ودخل وفد العراق على عمر بن عبد العزيز ﵀، فافتتح شاب فيهم الكلام. فقال عمر: كبِّروا
كبِّروا؛ أي يتكلم الكبير منكم. فقال الغلام: لو كان هذا بالسِّنِّ يا أمير المؤمنين لَتَقَدَّمَك شيوخُ بني
مروان.
وقال مروان بن الحكم لحُوَيْطب بن عبد العُزَّى: تأطَّر إسْلامُك، أيها الشيخ، حتى سبقك الأحداث.
فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هَمَمْتُ بالإسلام غَيْرَمَا مَرَّة. كلُّ ذلك يعوقني أبوك عنه،
وينهاني، ويقول: تَضَعُ شرفك، وتَدَعُ دين آبائك لدينٍ مُحْدث، وتصير تابعاً. فأُسْكَِت مروان وندم
مروان على ما قال.
стр. 40
وحكى الصلت بن مسعود. قال: كنا عند سفيان بن عيينة فتضاجرنا. فقال سفيان: أليس من الشقاء
أن أُجالِس التابعين ثم أجالِسُكم. جالستُ ضمرة بن سعيد وجالس أبا سعيد الخدري وجالست عبد الله
بن دينار، وجالس جابراً حتى عدّ جماعة من التابعين. فقال له غلام كان في المجلس: أتُنصف يا أبا
محمد؟ فقال: نعم. فقال الغلام: والله لَشقاء التابعين بمُجالستكَ بعد الصحابة أشدُّ من شقائك بمُجالستنا
بعد التابعين، قال: فأبْلس ابن عُيَيْنَة، وتَمَثَّل بشعر أبي نواس:
خَلِّ جَنْبَيْك لِرَامٍ ... وامْض عنه بسلامِ
مُتْ بِدَاء الصَّمْت خيرٌ ... لَكَ مِنْ دَاءِ الكَلاَمِ
قال أبو إسحاق:
قوله: أبْلَسَ، يريد سكَّتَه. يقال: أبْلَسَ الرَّجُلَ فهو مُبْلس، إذا سكَتَ حُزْناً.
следующие страницы →