← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ودخل وفْدٌ من العرب على هشام بن عبد الملك، وفيهم درواس بن حبيب، وعليه شمْلَتان، وله ذُؤابة، وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فأحْجَمَ القوم وهابوا هشاماً، فوقعت عين هشام على درواس فاستصغره. فقال للحاجب: ما يشاء أحدٌ أن يصِل إِلَيَّ ألاَّ قَدِر حتى الصبيان. فعلم درواس أنه يريده، فقال: ياأمير المومنين إنَّ دُخولي لم يخْلُ منك بشيء، ولا أتنقصك. ولكنَّ هؤلاء القوم قدموا لأمر فأحْجَموا عنه. (وإنَّ الكلام نشر والسكوتَ طَيٌّ). لا يُعرفُ إلاّ بنشره. قال: فانْشُرْه لاَأَبَالك. وأعجبه كلامه فقال: ياأمير المؤمنين إنه أصابَتْنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشَّحم، وسنة أكَلَتَ اللحم، وسنة أنْتَقَت العظم. وفي أيديكم فُضول أموال، فإنْ كانت لله ففرقوها على عباده، وإنْ كانت لهم فعلامَ تحْبسُونها عنهم، وإن كانت لكم فتصَدَّقوا بها عليهم، فإنَّ الله يجزي المتصدقين، ولا يُضيع أجرَ المحسنين. وإنَّ الوالي من الرَّعية لكالرُّوح من الجسد، ولا حياة له إلا بها. فقال هشام: ماترك الغلُاَمُ لنا في واحدة من الثلاث عُذْرا. وأمر أن تقسم في البوادي مائة ألف درهم، وأمر لدرواس بمائة ألف. فقال: ياأمير المؤمنين اردُدْها إلى جائزة العرب. فإني أخاف أن تعْجِزَ عن بلوغ كِفايتهم. قال: فهنا حاجة. فقال: ما لي في خاصة نفسي دون عامة المسلمين حاجة. قال:، ولمَّا أمر المأمون بِقَبْضِ ضِياع عبد الملك بن صالح الهاشمي دخل عليه ابنه محمد. فقال: السلام عليك ياأمير المومنين محمد بن عبد الملك ابن سليل نعمتك، وابن دولتك، وغصنٌ من أغصان دَوحَتِك. أتأذَنُ

стр. 37

لي في الكلام؟ قال نعم. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ ، ثم قال: نسألُ الله تعالى حياطة ديننا ودُنْيانا، وَرعاية أقصانا وأدنانا ببقائك يا أمير المومنين، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي آثارِك من آثارنا، ويقيك الرَّدى بأسماعنا وأبصارنا مقام العائذ بظنِّك الهارب إلى حَرَمِك وفضْلكَ، الفقير إلى رحمتك وعفوك. فأعجب المأمون بكلامه. وأمر بردِّ ضياع أبيه عليه. ودخل محمد بن معاذ الرازي على أبي محمد عبد الله العلوي العمري وهو بِبَلْخ، فقال له العمري: ما تقول فينا أهْلَ البيت؟ فقال: وما أقولُ في غَرْسٍ غُرسَ بماء الوحي، وطينٍ عُجنَ بماء الرسالة. فَهَلْ يفوح منها إلاَّ مِسْكُ الهُدى، وعَنْبَر التُّقَى. فقال له: أحسنْت. وأمر أن يُحشى فمُه دُرّاً. ثم زار العمري من غده محمد بن معاذ فقال له محمد: إنْ زُرتنا فَبِفَضلِكَ، وإن زُرناك فلفضلك. فلك الفضل زائراً ومزوراً. وحكى أن المعتصم صار ذات يوم إلى خاقان يعودُه وهو مريض، والفتح ابنه يومئذ غلامٌ صغير. فقال له المعتصم حين دخل إلى أبيه: أيُّما أملح؟ دار أمير المومنين، أوْ دار أبيك؟ فقال له: الفتح: إذا كان أمير

стр. 38

المؤمنين في دار أبي فهي أحسن. وكان في يد المعتصم فِصٌّ. فقال له: يا فتح رأيتَ شيئاً أحسن من هذا الفصِّ؟ فقال: نعم يا أمير المومنين، اليد التي فيها الفِصُّ أحسن. ومرَّ عمر بن الخطاب ﵁ بصبيان يلعبون على الطريق، فيهم عبد الله بن الزبير فهرب الصبيان وبقي عبد الله. فقال له عمر لمَ لَمْ تفرَّ كما فَرَّ أصحابك؟ فقال له: لم يكن لي جُرْم فأفرَّ منك، ولا كان الطريقُ ضيقاً فأوسعه عليك. وكان إياس بن معاوية أذكى الناس، وأفهمهم وأفصحهم. حكي أنه دخل الشام وهو غلام صغير، فوصل إلى القاضي في حقٍّ له، فتكلَّم قبل خصمه، وكان الخصم شيخاً. فقال له القاضي: أَتَقْدُمُ شيخاً كبيراً؟ فقال له: الحقُّ أكبر منه. فقال له القاضي: اسكتْ. فقال: ومنْ ينطقُ بحُجَّتي؟ قال ما أظنكَ تقول حَقّاً، فقال: لا إله إلا الله، فقام عند ذلك القاضي، ودخل على عبد الملك، فأخبره بخبره. فقال: اقض حاجته الساعة. وأخرجه من الشام لئلا يُفسد على الناس. وحكى الأصمعي، قال: قَدِمَ أعرابيٌ إلى بعض الولاة، فقال له الوالي: قل

стр. 39

الحقَّ، وإلاَّ أَوْجَعْتُكَ ضرباً. فقال له الأعرابي: وأنت أيضاً، فاعمل بالحق، فَوَ الله لمَا تواعدك الله به من العقوبة إنْ أنت خاَلَفْتَهُ، أعظم مما تَواعدْتني به منْ ضَرْبكَ إيّاي. ولما ولى المامون يحيى بن أكثم قضاء البصرة أراد بعض أهلها أن يَضَعَ منه لحداثته، فقال له: كَمْ سنُّ القاضي؟ قال: كسن عتاب بن أُسَيْد حين ولاَّه رسول الله ﷺ مكَّة، فجعل ابن أكثم جوابه احتجاجاً. وكانت سن عتاب حين ولاه النبي ﵇ مكة إحدى وعشرين سنة. وقيل ثلاثاً وعشرين. ودخل وفد العراق على عمر بن عبد العزيز ﵀، فافتتح شاب فيهم الكلام. فقال عمر: كبِّروا كبِّروا؛ أي يتكلم الكبير منكم. فقال الغلام: لو كان هذا بالسِّنِّ يا أمير المؤمنين لَتَقَدَّمَك شيوخُ بني مروان. وقال مروان بن الحكم لحُوَيْطب بن عبد العُزَّى: تأطَّر إسْلامُك، أيها الشيخ، حتى سبقك الأحداث. فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هَمَمْتُ بالإسلام غَيْرَمَا مَرَّة. كلُّ ذلك يعوقني أبوك عنه، وينهاني، ويقول: تَضَعُ شرفك، وتَدَعُ دين آبائك لدينٍ مُحْدث، وتصير تابعاً. فأُسْكَِت مروان وندم مروان على ما قال.

стр. 40

وحكى الصلت بن مسعود. قال: كنا عند سفيان بن عيينة فتضاجرنا. فقال سفيان: أليس من الشقاء أن أُجالِس التابعين ثم أجالِسُكم. جالستُ ضمرة بن سعيد وجالس أبا سعيد الخدري وجالست عبد الله بن دينار، وجالس جابراً حتى عدّ جماعة من التابعين. فقال له غلام كان في المجلس: أتُنصف يا أبا محمد؟ فقال: نعم. فقال الغلام: والله لَشقاء التابعين بمُجالستكَ بعد الصحابة أشدُّ من شقائك بمُجالستنا بعد التابعين، قال: فأبْلس ابن عُيَيْنَة، وتَمَثَّل بشعر أبي نواس: خَلِّ جَنْبَيْك لِرَامٍ ... وامْض عنه بسلامِ مُتْ بِدَاء الصَّمْت خيرٌ ... لَكَ مِنْ دَاءِ الكَلاَمِ قال أبو إسحاق: قوله: أبْلَسَ، يريد سكَّتَه. يقال: أبْلَسَ الرَّجُلَ فهو مُبْلس، إذا سكَتَ حُزْناً.

стр. 41

قال العجاج: يا صاحِ هلْ تعرف رَسْما مُكْرسا قال نَعَم أعرفه وأبْلَسَا وانجَلَتْ عيناه من فَرْط الأسَا وأنشد لرؤبة: وحضرتْ يوم الخميس الأخْماسْ ... وفي الوجوه صُفرةٌ وإبلاْسْ يعني اكتئاباً وكُسُوفاً. قال أبو عبيدة: المُبْلِس السَّاكت اليائس. وفي حديث عمران بن حصين فيما روى يحيى بن سعيد عن هشام

стр. 42

عن قتادة عن الحسن عن عمران أنه قال: كنا في سفر مع النبي ﵇، فرفع صوته بهاتين الآيتين، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ). فتأشب أصحابه حوله، وأْبلسُوا حتى ما أوْضَحوا بضاحِكة، أي سكتُوا حزْناً. ويقال: المُبْلِسُ الساكتُ المُنْقَطعُ الحُجَّة، ويقال: المبْلِس الحزين النادم. والإِبْلاَسُ أيضا: اليَأْسُ من رحمة الله. قال الله تعالى (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ). أي آيِسُون من الخير والرحمة. فأما إِبْلِيسُ، فاسم أعجمي معرّف، يدل على ذلك تَرْك صرفه، لأنه لا ينصرف للعجمة والتعريف. هذا قول أبي إسحاق الزجاج وغيره من جِلَّة النحويين. وقال أبو عبيدة وغيره: إبليسُ مشتق من أبلس؛ أي يئس من رحمة الله، ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء، فشبه بالأسماء الأعجمية التي لا تجرى. وقال: إسحاق لا يجري، وهو من أسحقَه الله إسحاقاً. وأيوب من آب يؤوبُ على وزن فيْعول كقَيوم من قام يقوم. وردَّ هذا القول غيره من النحويين وأبو بكر بن السراج وأبو الحسن الرماني وغيرهما، وقالوا هي ألفاظ من العُجْمَة أُعربت ووافقت ألفاظ العربية.

стр. 43

وأما قول أبي عبيدة ومَنْ قال بقوله، لا نظير لإبليس في أسماء العرب، فمردود لأنهم يقولون: إِحْريض لصبغٍ أحمر قال الراجز: مُلتهب كَلَهب الإحريضِ ... يزجى خراطيم غَمَامٍ بيضِ وهو إفعيل مثل إبليس، وإغريض للَّطلع، وثوب إضريج مُشبَعُ الصَّبْغ، وقيل: هو من الصُّفرة خاصة. قال النابغة: تُحيِّيهمُ بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضْريجِ فوق المَشَاجِبِ وقال الآخر: والبغايا يركضن أكسية الإض ... ريج والشَّرْعبي ذَا الأذْيالِ وقالوا: سيفٌ إصليت للماضي الكثير المضاء. قال الراجز: كأنني سيفٌ بها إِصْلِيتُ وقالوا سيف إبريق، وهو إفعيل من البريق. قال ابن أحمر: تقلَّدْتَ إبريقا وعَلَّقت جعْبةً ... لتملك حياً ذا زُهاء وجامِل

стр. 44

وقالوا: إزميل ووزنه إفعيل. قال الشاعر: هُمُ مَنَعوا الشيخَ المُنَافِيَّ بعدما ... رأى حَمَّة الإزْمِيل فوق البَرَاجِمِ وأشبه هذه كثيرة. وإنما سبيل إبليس كسبيل إنجيل في أنه معرَّف غير مشتق، قاله الرماني وغيره. وقد قيل: إن إنجيل من النَّجْل وهو في الأَصْل. وقال أبو العباس ثعلب: أَبْلَسَ الرجل إذا سكت حزناً وكآبة. وأخْرَد إذا سكت حياء، وأقرد إذا سكت ذلاّ. وأنشدً. عن ابن الأعرابي: ولست بقَوَّالٍ لِمَوْلاَيَ إن جَنَى ... هلكت ولا إن ضامك القوم أقردُ ولست بقوال لذي الزَّاد أبْقِهِ ... فإنكَ إنْ لم تُبق زَادك يَنفَدُ وفي الحديث عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني وفيه أيضاً عن عطاء الخراساني أن رسول الله ﷺ قال: "وإياكم والإِقْرَاد". قالوا يا رسول الله وما الإِقْرَادُ؟ قال: "الرجلُ منكم يكون أميراً أو

стр. 45

عاملاً فيأتيه المسكين والأرملة فيقول لهم: مكانكم حتى أنظر في حوائجكم. ويأتيه الشريف والغني فيُدْنِيه، ويقول: عجِّلوا قضاء حاجته ويترك الآخرين مُقْرِدين". ونظر الحطيئة إلى ابن عباس وهو يتكلم في مجلس عمر، فقال: منْ هذا الذي نزل عن الناس في سنِّهِ، وعلاهم في قوله؟ وقد روى هذا الخبر أبو عمرو بن العلاء ﵀. فقال: نظر الحطيئة إلى ابن عباس في مجلس عمر غالباً عليه. فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه ونزل عنهم بسِنِّه؟ فقالوا: عبد الله بن عباس. فقال فيه أبياتاً، منها قوله: إنِّي وَجَدتُ بيان المرء نافلةً ... تُهدى له وَوَجَدْتُ العِيَّ كالصَّممِ وكان عمر يقول: (نعم تُرجمانُ القرآن ابن عباس) وقال القاسم بن محمد: ما رأيتُ في مجلس ابن عباس باطلاً قطُّ، وما سمعتُ فتوى أشْبَه بالسُّنَّة من فتواه. وروى سليمان بن مهران الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه

стр. 46

قال: كنتُ إذا رأيتُ ابن عباس، قلت: أجمل الناس، وإذا تكلَّم، قلتُ أفصح الناس، وإذا تَحدَّثَ قلتُ: أعلم الناس. وفيه يقول حسان بن ثابث من أبيات له: إذا ما ابن عباس بدا لك وجْهُه ... رأيتَ له في كلِّ أحواله فَضْلاَ إذا قال لم يَتْركْ مَقَالاً لِقَائلٍ ... بمنتظمات لا مدى بينها فَصْلاَ كَفَى وشَفَى ما في النُّفُوس فلم يدعلذي أربٍ في القول جِدّاً ولا هَزْلا وكان عمرو بن دينار يقول: (مارأيتُ مجلساً أجْمَع لكل خير من مجلس ابن عباس؛ الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام). وحَضَر مجْلِسَه رجلٌ من الزُّهاد فسمِع القارئ يقرأ (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا). فقال الرجل: والله ما أنْقَذهمْ منها. وهو يريد رجوعهم إليها. قال ابن عباس: خذوها مِنْ غير حكيم. ووفد على رسول الله ﷺ عمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم

стр. 47

والزبرقان بن بدر، فتكلم أحدهم بكلام أعجبه. فقال: "إنَّ منَ البيان لَسِحْراً". وفي حديث عبد الله بن عمر فيما روى زيد بن أسلم عنه. قال: أقْبَلَ رَجلان من المشرق فخطبا، فعَجِب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ مِنَ البَيان لسِحْراً". وسمع عمر بن عبد العزيز ﵀ رجلاً يتكلم فقال: "هذا والله السِّحْرُ الحلال". وهذا مِمَّا نظمه أبو تمام في قوله: فأينَ قصائدٌ لي فيكَ تَأبى ... وتأْنَفُ أنْ أُهان وأنْ أُذالا من السحْر الحلَال لمُجْتَنِيه ... ولم أرَ قبلها سِحْرا حَلالا وفي حديث أُبَيّ بن كعب فيما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن مروان بن الحكم

стр. 48

عن عبد الرحمن بن عوف عن أُبَيّ بن كعب أنه أخبره أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ مِنَ الشِّعْر حِكْمَة". وهذا حديث اجتمع فيه من الصحابة من يروي بعضهم عن بعض. وفي حديث عبد الله بن مسعود فيما روى عبيدة السلماني عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من البيان سِحْراً وإنَّ من الشعر حكماً". قال أبو إسحاق: والسِّحْرُ في هذا الحديث والذي قَبْلَه، معناه: البيان في فطنة. وقال: وقال صاحب العين: السِّحر عَمَل يقرِّبُ إلى الشيطان ومن السحر: الأُخْذَة التي تَأْخُدُ العين حتى تظُنَّ أن الأمر كما ترى وليس كذلك، وجمعها:

стр. 49

الأُخْذ. والسِّحْرُ والحِيلَةُ والكَهَانَة نَظَائِر، وسمي سحراً لِخَفَاءِ سببه؛ ولذلك يوهم قَلْب الشيء عن حقيقته، كفعل السَّحرة في وقت موسى ﵇ لما أوهموا أنَّ العِصيَّ والحبال قد انقلبت حيواناً. قال الله تعالى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى). ومعنى قوله ﵇: "وإنَّ من الشِّعْر حكماً"؛ أي موْعِظَة، لأن كل كلمة وعظتكَ أو زَجَرَتْك أو دَعَتْك إلى مَكْرُمةٍ وصلاح ونهتْك عن مُنْكر وقبيح، فهي حِكْمَة. وعلى هذا يتأول قوله: "الحِكْمَةُ ضالة المؤمن". فأما قوله (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ). فقال ابن عباس: الحكمة: هي المعرفة بالقرآن نَاسِخِه ومَنْسوخه ومُحْكَمِه ومتشابهه، وحَلالِه وحَرَامِه وأمثاله، ومقدّمه ومؤخره. وقال قتادة: الحِكْمَةُ: الفَهّم. وقال مجاهد: الحِكْمَةُ: العقل والفقه والإِصَاَبُة في القول. وقيل غير هذه الأقوال. وأما الحُكْمُ فمعروف. قال أبو بكر بن دريد: يقال للرجل إذا حكَم بين الناس: حَكَمَ يَحْكُم حُكْماً، فإذا صار حَكيماً يقال له: حَكُمَ يحْكُم، ومنه قول النمر بن

стр. 50

تولب: وَأَبْغِض بَغِيضك بُغْضاً رُوِيداً ... إذا أنْتَ حاولتَ أن تَحْكما وقد حَكُم الرجل يَحْكُم حِكْمَةً وحُكْماً وهو حَكِيم. ومنه قول النابغة: احْكُم كحُكم فتاة الحي إذْ نظرتْ ... إلى حمامٍ شراعٍ وارد الثَّمدِ أي كُنْ حكيما مصيباً كما كانت هذه الفتاة حكيمةً. ومنْ نظر بين اثنين بالعدل، والمنع من الجَوْر فهو حَكَمٌ. قال الله (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا). ويقال: حَكَم الحاكم بين القوم؛ أي ألْزَمَ كلَّ فريق منهم ما يجب عليه، ومنع من الجور. وقال صاحب العين: "الحَكَمُ: الله ﵎ وهو أحكم الحاكمين وهو الحكيم"، والحِكْمَةُ مرجعها إلى الِعْلُمِ والحِلْمُ والعَدْل. وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل الحُكم في اللغة تَعْديل الشيء ومنْع الجور أن يدخله. فمن ذلك قولهم: أحْكمْتُ زيداً، أي منَعْتُهُ من أن يجهل على الناس، ومن هذا قول جرير: أبَنِي حَنيفَة أَحْكِمُوا سُفهاءَكُمْ إِنِّي أخاف عليكم أن أَغْضَبَا

стр. 51

أي امنَعُوهم أن يتعرضوا إليَّ. ويقال: حكَمتُ الفرس وأحكمْتُها، وفرسٌ مَحْكُوَمٌة ومُحْْكَمَة؛ إذا جعلتُ في رأسها الحَكَمَة. والحَكَمَةُ ما أحاط من اللجام بالحَنَكَيْن وفيهما العذَارَان، وسُمِّيت حَكَمَة لأنها تمنعه من الجَوْر مما يراد منه وفي الحديث المأثور: "في رأس كل عبد حَكَمَة"، إذا همَّ بسيئة فشاء الله أن يقْذَعه بها قَذَعه، ومعنى قَذَعه: منعه. قال أبو العباس: أَحْكَم فلان عمله، إذا بالغ فيه فأصاب حقيقته. وأمْرٌ مُحْكمٌ لاخلل فيه، وأمر مُسْتَحكم؛ إذا لم يكن فيه مَطْعن. ويُقال: قد أحكمتْ فلاناً التجاربُ؛ ومعناه أن التجارب قد جعلته مُحَكِّما يمنع من الجور عن القصد. وكلُّ عمل محكم فقد مُنع من الفساد. ويقال هذه قصيدة مُحْكَمة وحَكِيمة؛ بمعنى قول الأعشى: وغريبةٌٍ تأتي الملوك حكيمة ... قد قُلتُها لِيقال مَنْ ذا قَالَها وقال عمرو بن مالك: قوالُ محكمة نقَّاض مبرمة ... فتّاحُ مبهمة حبَّاس أَورادِ ويقال: احْتَكَم فلانٌ في مالِ فلان، إذا جاز فيه حُكْمُه. والاسم الأحكومة والحُكومة. والإِحكامُ والإتْقانُ والانتظام والاتساق نظائر في اللغة. فأما قولُه تعالى في قضاء يحيى بن زكريا ﵉ (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا). فمعناه الفَهْم في قول أكثر أَهْلِ العِلْم. وقال معمر: قال الصِّبيان ليحيى:

стр. 52

تَعَاَل حتى نلْعَبْ. فقال يحيى: ما للَّعِبِ خُلِقْتُ. فهذا معنى قوله (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا). وفي الحِكْمَةِ أقوالٌ شتى، وقد جئنا ببعضها. وقيل: إن الحكمةَ المَعْرِفَةُ بالدين والفقه. وقيل: هي العلم بالأَحْكَامِ التى لا يُدْركُ عِلْمُهَا إلاَّ من قبل الرسل ﵈. وقيل: الحِكْمَةُ شيءٌ يجعله الله تعالى في القلب يُنَوِّره، كما يُنَوِّر البَصَر فيُدرك الشيءَ المبْصر. وقيل هي التي تقف بالمرء على مرِّ الحقِّ الذي لا يشوبُهُ باطل. قال الله تعالى (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ). رجع وسئِلت عائشة ﵂، هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: نعم، كان يتمثل بشعر ابن رواحة: سَتُبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ منْ لم تُزَوِّدِ قال أبو إسحاق: كذا ورد هذا الخبر، والصحيح ما روى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي

стр. 53

أن رسول الله ﷺ إنما كان يقول: (ويأتيك من لم تزود بالأخبار). فيقول له أبو بكر ﵁ إنما هو (ويأتيك بالأخبار ما لم تزود). فيقول ﷺ : (ذا وذاك واحد سواء) والدليل على صحة خبر أبي بكر الصولي قول الله تعالى (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). والمعنى أي أن يقوله. وجعل الله ذلك علماً من أعلام النبي ﵇ لئِلا تدخل الشُّبْهة على منْ أُرْسِل إليهم. فيظُنُّوا أنه ﷺ قَويٌّ على القرآن، بِمَا في طبعه من القوة على إنشاء الشعر، ولا اعتراض على هذا الملحد فيما يتَّفق الوزْن فيه من القرآن، وكلام الرسول ﷺ ، لأنَّ ما وافق وزْنُهُ وزْن الشعر، ولم يُقْصَدْ به إلى الشعر، ليس بشعر. ولو ثَبَثَ أن يكون شعراً، لكَان كلُّ مَنْ نَطَقَ بكلامٍ مَوْزُونٍ، من العامة الذين لا يعْرفون وزْنَ الشعر، شاعراً. وقد بين الأئمة المتقدمون هذا المعنى بياناً شافياً. والبيت المتقدم الذكر (ستبدي لك الأيام) ثابث في قصيدة طرفة بن العبد، أحد الشعراء الستة، وأول القصيدة: لخولة أطلال ببرقة تهمد ولما قال كعب بن مالك: جاءت سخينة كي تُغَالِبَ ربَّها ... فلْيغْلِبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ

стр. 54

قال له رسول الله ﷺ : "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا". وهذا البيت لكعب بن مالك في قصيدة له قالها في يوم الخندق، وهو آخر بيت منها، وفيها يقول: نأوي إلى ظِلِّ اللِّوَاء كأنَّهُ ... في صَعْدَةِ الخَطِّيِّ فيءُ عُقابِ ومَواعِظٌ مِنْ رَبِّنا تُهْدى لَنَا ... بِلِسان أزهرَ طَيِّبِ الأثْوابِ أعْيَت أباكربٍ وأَعْيَتْ تُبَّعاً ... وأبَتْ بسالَتُها على الأعرابِ عرِضت علينا فاشتهينا ذِكْرها ... من بعدما عُرضت على الأحزاب حِكَماً يراها المجرمون بِزَعْمِهمْ ... حرجاً ويفقهها أولو الألباب جاءت سخينة كي تغالب ربَّها ... فلْيُغْلبَّن مُغَالبُ الغَلابِ قوله: (نَأْوي إلى ظِلِّ اللواء)؛ أي نرجع إليه. واللِّواء؛ لِواء الحرب، ولواء الأمير وهو معروف، وجمعه ألوية مثل: سِقاء وأسْقية ووِعاء وأوعية، واللواء ممدود، ويجوز قصره. وقال زهير في مَدِّه: وتُوقَدْ نارُكم شَرَراً ويُرفَعْ ... لكم في كلِّ مَجْمَعَةٍ لوَاءُ وقال حسان بن ثابث في قصره، من أبيات له قالها في مسافع بن عياض بن صخر: لو كنت من هاشم أو من بني أسدٍ ... أو عبد شمسٍ أو أصحاب الِّلوَىَ الصِّيدِ يعني بأصحاب اللواء، بني قصي. وفي حديث أبي سعيد الخدري فيما روى عطية عنه قال: قال النبي

стр. 55

صلى الله عليه وسلم: "يرفع للغادر لواء بقدر غدرته يوم القيامة فيقال هذا لواء غدرة فلان". فأما اللوى بالقَصْر فهو ما الْتَوى من الرَّمل، ويكتب بالياء وجمعه أَلْواء. قال ذو الرمة: ولَم تُبق ألْواءُ الثَّمَانِي بَقِيَّة ... من الرُّطْبِ إلاّ بَطْنُ وادٍ وحاجِرُ وقوله: فَيْءُ العُقاب، فالعقاب الطائر المعروف. ويقال للراية العقاب تشبيها بالطائر،، ومنه قول الشاعر: مراسٌ لا يكون له كفاء ... إذا جال الكفيف عن العُقَابِ يعني: عن اللواء. والفيء: ما تحوَّل عن جهة الغداة برُجوع الشمس عنه. ويقال: تفَيَّأتُ في الشجر وفَيَّأت الشجر. قال الله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ). قال قتادة وغيره من أهل العلم: يعني أول النهار وآخره. وجاء على توحيد اليمين، وجَمْع الشمال، لأن اليمين وإن كان واحداً هنا فمعناه الجمع، وقيل: لَمَّا كان تَفَيُؤ الظِّلِّ على ناحية الشمال وأكثرُ منه على ناحية اليمين، أَفْرَدَ اليمين وجَمَعَ الشمال، فالشمائل للكثرة والسَّعة، وقيل: ردُّ اليمين على لفظ ما، والشمائل على معناها. كقوله ﵎ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ). ففي: يتخذ ضمير مفرد عائد على لفظ (مَنْ) والضمير الظاهر في يحبونهم عائد على

стр. 56

معناها، وذلك لإبهام من وما. مرة يجعل الكلام فيهما على اللفظ. ومرة على المعنى، لأن المُبْهَم موقوف على بيان غيره له، وقرأ أبو عمرو بن العلاء ويعقوب بن إسحاق تتفيَّأُ بتاءين؛ وجمهور القراء بياء وتاء، والتذكير والتأنيث معلوم. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بتاءين مثل أبي عمرو. إلاأنه قرأ ظُلاَلَهُ بضم الظاء وفتح اللام الأولى، جعله جمع ظُلَّة كقراءة حمزة والكسائي في سورة يس (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) فالظِّلال جمع ظِلّ أو ظِلَّة. والظُّلَلُ جمع ظُلَّة مثل ظُلْمَة وظُلَم. والظُّلَّة والسِّتْرةُ من النظائر. فأما قوله تعالى (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ). فسمي ما تحتهم ظُلَلا لأنها تُظِلُّ مَنْ تحتهم. قال أبو العباس: (والفرق بين الظِّلَّ والفيْء، أن الفَيْء ما نُسِخَ بالشمس، لأنه هو الراجع، والظلُّ مالا شمس فيه. فكلُّ فَيْءٍ ظِلٌّ، وليس كل ظِلٍّ فيئاً). ولذلك يقال: أهل الجنة في ظِلٍّ لا في فَيْء، لأنها

стр. 57

لا شمسَ فيها، كما قال تعالى (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) قال واصل: الفَيْءُ الرُّجُوع. قال الله تعالى (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) وقال (فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وجمع الفيء أفْيَاء وفُيُوء. وقال ابن مقبل: تظل الرجال القاعدين فُيُوءُهَا ... على الحوض مادَامَتْ قياماً كما هيا وقول كعب: (وأبت بسالتها) أي امتنعت، لأن أبَى وامْتَنَع، وتَرَكَ من النظائر، والإباءُ، والامْتِنَاع، والتَّرْك معناها واحد. يقال أَبَى يَأْبَى إباءً، وتأَبَّى تَأَبِّياً. قال الشاعر: بأي نُجُوم جودك يُسْتَضَاء ... أبا حسنٍ وشيمتك الإِبَاءُ وقال صاحب العين: أَبَى يَأْبى إباءً، إذا ترك الطاعة ومال إلى المعصية كقول الله حكاية عن فرعون (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى) وكُلُّ من ترك شيئاً فقد أباه. ومن امتنع عن أمر وردَّه، فقد أباه. يقال لرجل أَبِيّ وقوم أَبِيُّون وأباةٌ. قال الشاعر:

стр. 58

أَبِيُّ الضَّيْمِ منْ نَفَرٍ أُباة وكّل من أمر بشيء فلم يفعله متَعَمِّداً لذلك فقد أباه، وإذا أباه فقد امتنع من فِعْلِه، وذلك لقضاءالله سبحانه. وحقيقة الإباء؛ الانتفاء للشيء بإيقاع فعل بدلاً منه. قال: والأُبَى مقصوراً داءٌ يأخذ المعز في رؤوسها فلا تكاد تسلم. يقال: أبِيَت العَنْزُ تأبى أبىً شديداً. وعنْزٌ أبِيَّةٌ وتَيسٌ أبٍ. قال الشاعر: أقُولُ لكنَّاز توكَّلْ فإنَّه ... أبىً لا أظُنُّ الضَّأنَ منها نواجيَا وأصْل هذا كله الامتناع؛ فالعَنْزُ الأبِيَّةُ تَأْبَى الاستقرار للداء الذي بها فإذا أبت الاستقرار فقد امتنعت، ومنه قول المتلمس: تُعَيِّرُنى أمِّي رجالٌ ولَنْ ترى ... أخا كَرَمٍ إلا بأنْ يتَكرَّما وماليَ أمٌّ غيرها إن تركتُها ... أَبَى الله إلاَّ أن أكونَ لها ابنَ مَا فأما الأَبَاءُ بالفتح والمد ّوالهمز فأطرافُ القَصَب. وقوله: (بسالتها)، أي حُرمتها. والبَسْلُ: الحرامُ.

стр. 59

قال زهير: بلاٌدٌ بها نادَمتُهم و (أَلِفْتُهم) ... فإنْ تُقْويَا مِنْهُمْ فإنهم بَسْلُ وقال الآخر: بَكَرَتْ تلُومُكَ، بعْد وَهْنٍ في النَّدى ... بَسْلٌ عليكِ مَلاَمتِي وعِتَابِي وكلُّ شيء تَصَعَّبَ وتمنَّع فلم يقدر عليه فقد بَسَلَ، ومنه قول الأعشى: أجارَتُكُمْ بَسْلٌ علينا مُحَرَّمٌ ... وجارتنا حِلٌّ لكم وَحَليلُهَا وقال أبو تمام: يتْبع هواه ولا لَقاح لِرَهِْطِه ... بَسْلٌ وليْسَت أَرْضُه بِحَرامِ وحكى بعض الأدباء أنَّ البَسْل كان في الجاهلية في قبائل من العرب بثمانية أشهر حُرُماً من كل سنة. قد عرفت العرب ذلك لهم لا يُنكرونه ولايدفعونه، وكانوا يسيرون به إلى أي بلاد العرب شاؤوا ولا يخافون منهم سطوة، وعلى ذلك جاء قول زهير: (فإنَّهم بَسْلُ) وبهذا سُمي الشجاع باسلاً، ومنه قوله: ما غَركُم بالأسَد الباسِل

стр. 60

وتأويله أن يكون ممنوعاً من قِرْنه محرماً عليه قربه. والبَاسل أيضاً الكريه المَنْظَر. يقال: ماأَبْسَلَ وَجْهَ فلان، إذا كان قبيحاً. وجمع البَاِسل: البُسُل، ويثقل ويخفف، وقد يكون البَسْل الحلال، ومنه قول الشاعر: أيثبتُ مازِدتُم وتُلْغَى زِيادَتِي ... دَمي إنْ أُسيغَتْ هذه لكُمُ بَسْلُ أي حلالٌ، فيكون البَسْل من الأضداد، مثل (أسَرّوا الندامة) و (شاموا السيوف) وما أشبه ذلك. فأما قول الله ﵎ (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ). فمعناه في قول مجاهد وغيره من أهل العلم: تسْلَمُ وهو المعروف في اللغة. تقول العرب: أبْسَلَ الرجل بِجَرِيرته، إذا أسْلَمَ لها. قال الشاعر: هُنالِكَ لا أرْجُو حياةً تَسُرُّني ... سَجيسَ اللَّيالي مُبْسَلا بالجَرَائِر وقال ابن عباس: معناه: تَفْضَح، وقال قتادة معناه: تَحْبِسُ. وقال

стр. 61

يحيى بن زياد الفراء معناه: ترْتَهِنُ. وقيل معناه: تُخْزى، وقيل: معناه ترْتهِن للهلكة. وفي الحديث أن أُسَيد بن حضير بن سماك بن عتيك مات فَأبْسل ماله بدينه، فبلغ عمر رضي الله عنه ذلك، وكان قد أوصى له فردَّه وباعه ثلاث سنين متوالية، وقيل أربع سنين فقضى دَيْنَه. فقوله: أَبْسَلَ ماله بدَيْنه؛ أي أسلَمَ، وذلك لما كان المال بالدَّيْن مستغرقاً ... قال الخطابي: وكان رَدُّ عُمر المال، بَيْعُ أُصول النَّخْل على وجه النَّظَر للورثة والإبقاء عليهم، ورأى أن يبيع ثمرها ثلاث سنين أو أربع سنين فَيُقضى منها دينه، أي يؤاجِرُها وإن كان. والحديث بلفظ البيع، والمراد به الإجارة. وبيع المنفعة كبيع الدَّينْ. قال: أمَّا قول عمر في دعائه (آمين وبَسْلا) فمعناه: إيجاباً ياربِّ وتحقيقاً له؛ وهو أن يدعو الداعي، فإذا فرغ من دعائه قال آمين وبسلاً. قال الراجز: لاَ خَابَ من نفعك مَنْ رَجَاكا ... بسلاً وعادى اللَّهَ مَنْ عاداكَا

стр. 62

رجع وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان بن ثابث منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى اللله عليه وسلم. أو يقال ينافح. وخرَّج مسلم في كتابه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "إنَّ روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"، ومعنى يُنَافح: يُدافع ويَذُبُّ. يقال: نَفَحت الداَّبة بِرِجلها إذا رَمَحَت به. قالت عائشة، وسمعته صلى الله عليه يقول: "هَجاهم حسان"، يعني قريشاً، فَشَفَى واشْتَفَى حين قال في أبي سفيان: هَجَوْتَ مُحَمَّداً فأجَبْتُ عَنهُ ... وَعِنْد اللَّهِ في ذاَكَ الجَزاَءُ أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشرُّكما لخيركما الفداءُ هجوتَ محمدا بَرآَّ حنيفاً ... رسولُ الله شِيمَتُه الوَفاء ويُروى: ولَسْتَ له بِسِيء عوض: بندٍّ، والسِّيءُ والندُّ المِثْلُ، والسِّيءُ أيضاً: المكان القفرُ. فإنّ أبي ووالدَه وعِرْضي ... لِعرْض محمدٍ مِنْكُم وقاءُ ثكلت بُنَيَّتي إن لم تَرَوْها ... تثير النَّقع غايَتُها كداءُ

стр. 63

ويروى: عدمنا خيلنا إن لم تَرَوها ... تُثيرُ النَّقع موعِدُها كَداءُ وكذا ثبث في شعره. تُبارين الأَعِنَّة مُصْعِدات ... على أكْتافِها الأُسُل الظِّماءُ ويروى: (ينازعن الأعنة مصغيات). تَظَلُّ جياَدُنا مُتَمطِّراتٍ ... يُلطمهن بالخُمُر النِّساءُ فإنْ أعْرَضتُم عنَّا اعْتَمَرنا ... وكان الفَتْحُ وآنْكَشَفَ الغِطاءُ وإلا فاصْبِروا لِجلادِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فيه من يشاءُ وقال الله قد أرسَلْتُ عَبْداً ... يقول الحَقَّ لَيْس به خَفَاُء وقال الله قد يَسَّرت جنداً ... هُمُ الأنصارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ لنا في كل يوم من معدٍّ ... قتالٌ أوْ سِبابٌ أوْ هجاءُ أمن يهْجُو رسول الله منكم ... ويَمْدحه ويَنْصُرُه سواء وَجِبريل رَسول الله فينا ... وَرُوح القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ قال حسان بن ثابث، هذه القصيدة يجيب بها أبا سفيان بن الحارث حين هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولها: عَفَت ذاتُ الأصابِعِ فالجِواءُ ... إلى عَذْراءَ مَنْزِلُها خَلاءُ

стр. 64

وحكى أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد عن السكن بن سعيد عن عبَّاد بن عبَّاد عن أبيه قال: أنشد النبي ﷺ حسان بن ثابث قصيدته التي أولها: (عفت ذات الأصابع فالجواء) فلما انتهى إلى قوله: هَجَوتَ محمداً وأجبت عنه ... وعِنْد الله في ذاك الجَزاء قال له رسول الله ﷺ : "جَزاؤُك على الله الجَنَّة يا حَسَّان". فلما انتهى إلى قوله: فإنَّ أبي ووالده وعرْضي ... لِعِرْضِ محمدٍ منكم وقاءُ قال رسول الله ﷺ : "وَقاك الله يا حسان حرَّ النار" فلما قال حسان: أَتهجوه وَلَسْت له بندٍّ ... فَشَرُّكما لخَيرِكما الفداءُ قال من حَضَر: (هذا أَنْصَفُ بيت قالتْه العربُ). قال مصعب الزبيري: (هذه القصيدة، قال حسان صَدْرَها في الجاهلية وآخرها في الإسلام). وقوله: (بَرّاً حنيفاً). فالحنيف المسلمُ الذي يستَقبل قِبْلَة البيت الحرام على مِلَّة إبراهيم وكان حنيفاً مُسلماً، والحنيفُ أيضاً كل من أَسْلَمَ في أمر الله فلم يَلْتَوِ في شيء. والجميع الحُنَفاءُ. وقال بعض أهل العلم؛ قيل له حَنيفٌ لأنه تَحَنَّفَ عن الأديان كُلِّها؛ أي مال إلى الحَقِّ. وفي الحديث: "أَحَبُّ الأديان إلى الله الحَنيفِيَّة السَّمحة وهي مِلَّة النبي صلى

стр. 65

الله عليه وسلم لاَ حَرَجَ فيها ولا ضيق". وقال عمربن الخطاب ﵁: حَمِدْتُ اللَّه حين هَدى فُؤادي ... إلى الإِسْلاَم والدِّين الحَنيفِ. وقال غيره: أَبَعْدَ حلم المسلم الحنيفِ ... راقتكَ ذات العقدِ والشنوفِ قال أبو حاتم: قلت للأصمعي من أَيْنَ عرف في الجاهلية الحَنِيف؟ فقال: لأنّه مَنْ عَدَلَ عن دين اليهود والنَّصارى فهو حَنيفٌ عندهم. وكان كُلُّ من حجَّ البيتَ سُمِّي حَنيفاً. وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحجَّ قالوا: هَلْمُّوا نَتَحَنَّف. وقال أبو بكر بن دريد: الحنيف العادل عن دين إلى دين، وبه سميت الحنيفية لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية. وقال صاحب العين: الحَنَفُ مَيَلٌ في صدر القدَم فالرَّجل أَحْنف، والرِّجْل حَنْفاء. وسُمِّي الأحنف لحنفٍ كان به. وقالت حاضنته وهي تُرقصه: والله لولا حَنَفٌ بِرِجله

стр. 66

ما كان في صِبْيانِكم كَمِثْلِهِ وأصل الحَنف الميَلُ، وقيل: الاستقامة. فسمي المستقيم حنيفاً على التفاؤل، كما سُّمِّي اللَّديغُ سليماً تفاؤلاً بالسلامة. وكما قيل للمَهْلَ كَة مفازة تفاؤلاً بالفوز والنجاة. هذا كله يحكى عن الرياشي وابن قتيبة وغيرهما. وقال الزجاج: أصله المَيَل، فالمعنى أنه حَنَفَ إلى دين الله وهو الإسلام، فلا شك أن معناه قد صار الاستقامة على دين إبراهيم، كيف تصرفت الحال في أصله. ولو استدل مُسْتَدِلٌّ على أن أصله الاستقامة لِشَرَف الحنيفية، فاشتق لها مما يليق بمعناه، كان وجهاً. قال هذا أبو الحسن الرماني. وقول حسان: فإن أبي ووالده وعرضي البيت. روي أن حسان بن ثابث استأذن على عائشة ﵂، بعدما كُفَّ بَصَرُه، فدخل عليها فأكرمته فلما خرج عنها، قيل لها: هذا من القوم، فقالت: أليس الذي يقول: فإن أَبي ووَالِدَهُ وَعِرْضي ... لِعِرْضِ محمدٍ منكمْ وِقَاءُ فهذا البيت يغفر له كل ذنب. وقوله: (وعرضي لعرض محمد ﷺ ؛ عرضُ الرجل مختلف فيه. قيل عِرْضه ما يُمْدَحُ به أو يذم. وقيل: عِرْضُه خليقته المحمودة.

стр. 67

وقيل: عِرْضُه: حَسَبُه. وقيل عِرْضُه: ناحِيَتُه التي يصونها عن المكروه والنسب كأنها ترجع إلى قَدْره، وأصله. واختار الرماني هذا القول، وقال: هو أحسن الأقوال كأنك إذا قلت: عِرْضُه، فإنما قلت: الجهة التي يُمْدَحُ منها أو يُذم. فقد تكون حَسَبَه، وقد تكون دينه، وقد تكون أفعاله. وقولهم: عرْضُ الرجل رائِحَتُه الطَّيبة، أي الناحية التي أتَتْ بهذه الريح. وهذا الباب متسع، وفيه اشتراك. وقوله: فَمَنْ يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سَوَاءُ جاء على حذف (مَنْ). كأنه قال: مَنْ يهجوه ومَنْ يمْدحه. ومثله في القرآن العظيم قوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا) أي: والذين ظلموا، لأنّ الوعيد مُسْتَحقٌّ على الكُفْر وعلى الظُّلْم، وقوله: وعند الله في ذَاكَ الجَزَاء أي على ذلك؛ لأنك تقول: جازيْتُه على كذا، ولا تقول جازيته في كذا. والكلام في معاني هذه الأشعار يخرجنا عمَّا قصدناه، ويؤُول بنا إلى غيرما أردناه. رجع وخرَّج أبو عيسى في (جامعه)

стр. 68

عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول: خلُّوا بني الكفار عن سبيله ... فاليوم نضربكم على تَنْزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويُذْهلُ الخليل عن خليله فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يديّ رسول الله، وفي حَرَم الله تقول الشعر. فقال له رسول الله ﷺ : (خَلِّ عنه يا عمر فَلَهِيَ أسْرَعُ فيهم من وضَحِ النَّبْل). وفي حديث آخر (من وقع النبل). وعن جابر بن سَمُرة بن عمرو قال: جالستُ النبي ﷺ أكثر من مائة مرة، فكان أصْحابُهُ يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أيام الجاهلية، وهو ساكتٌ، فربما تَبَسَّم معهم. وهذا كقول أبي سلمة بن عبد الرحمن. وذكر أصحاب رسول الله ﷺ فقال، لم يكونوا منخرقين ولا

стр. 69

مُتَماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أُريدَأحدٌ منهم على شيء من أَمْر دينه دارت حماليقُ عينيه كأنه مجنون. ومثل هذا ما روى حماد بن عبد الرحمن عن الحسن أنه قيل له: أَكانَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزحون؟ قال: نعم، ويتقارضون، أي يقولون الشعر، وهو القريضُ، ومنه قول عبيد بن الأبرص حين استنشده النعمان قصيدته، وهو قد أمر بقتله فقال: (حال الجَريضُ دون القريض). وقال أبو زيد يقال: فلان يُقَرِّضُ فلاناً تَقْريضه، إذا مَدَحه أو ذمَّه، وهما يتَقارضان الخير والشر، وفلان يُقَرِّضُ صاحبه إذا مَدَحَه. وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن معدي كرب حين أثنى على سعدٍ: لَشدَّ ما تَقَارضْتُما الثَّنَاء. وعن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: مرَّ عمر بحسان بن ثابث، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال له: قد كنت أُنْشِدُ فيه، وفيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ منك، يعني رسول الله صلى الله عليه

стр. 70

وسلم، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال له: أَنْشُدُكَ اللَّهَ. أسَمِعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أَجِبْ عني يا حسان، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِروح القُدُس ... قال: نعم. وذكر عن علي بن زيد بن جُدْعان أنه قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله ﷺ في المسجد: (بَانَتْ سُعاد فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ). وعن عبد الوهاب بن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي بكرة قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أعرابيٌّ يُنْشِدُه، فقلت: يا رسول الله أَشِعْراً أم قرآناً؟. فقال: في هذا مرة، وفي هذا مرة. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي أنه قال: كان الرَّجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتناشدان الشعر، وهما يَطُوفان حول البيت. وعن محمد بن عبد الله المرادي عن عمرو بن مُرَّة وعن عبد الله بن

стр. 71

سلمة، فقال: كُنَّا عند عمّار بصفين، وعنده شاعر ينشده، فقال رجل: أَيُقَالُ الشعر فيكم وأنتم أصحاب محمد وأصحابُ بَدْرٍ. فقال له عمار: إِنْ شِئْتَ فاسْمَعْ، وإن شئت فاذهب، إنه لَمّا هجانا المشركون شَكَوْنا ذلكَ إلى رسول الله ﷺ فقال: قُولوا لهم كما يقولون لكم، فإن كنَّا لنعلمه الإماءَ بالمدينة. وعن الأعمش عن أبي خالد الوَالِبِي، قال: كنت أجلس في حلقة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلَعَلَّهم أَلاَّ يذكروا إلا الشعر حتى يَتَفَرَّقوا. وعن إسماعيل بن عليَّة عن أيوب عن محمد بن كثيِّر بن أفلح أنه قال: كان آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابث مجلساً تناشدنا فيه الشعر.

стр. 72

وعن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السَّفْر عن الشعبي قال: كان أبو بكر شاعراً، وكان عمر شاعراً، وكان علي أشعر الثلاثة ﵃. وكانت عائشة ﵂، وهي التي غَذَاها الإيمان وزَكَّاها القرآن، وفَضلها الرحمن ... وفي شعر العرب. وتتمثل بقول لبيد: ذهب الذين يُعَاشُ في أَكْنافهم ... وبَقِيتُ في خَلْف كجلد الأجْرَبِ قال أبو الزناد: ما رأيتُ أحداً أَرْوى لشعر من عروة. فقيل له ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: ومارِوايتي في رواية عائشة، ما كان يَنْزِل بها شيءٌ إلاَّ أَنْشَدَتْ فيه شعراً. وروى يوسف بن عمرو وكان من كبار أصحاب ابن وهب، عن ابن وهب عن أبي الزناد،

стр. 73

عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: (رويْتُ للبيد اثنى عشر ألف بيت) قال هذا أبو عمر بن عبد البر. وكان بعض السلف يقول: إعطاء الشاعر من بِرِّ الوالدين. وأعطى الحسن بن علي شاعراً فأنكر ذلك عليه بعضُ جُلَسائِه، فقال: إنَّ خَيْر ما بَذَلْتَ من مالِك، ما وقيتَ به عرضَكَ. ومَدَحَ نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأَجْزَلَ له من كُلِّ صنْفِ: أعطاه إبلاً وخيلاً وثياباً ودنانير ودراهم، فقيل له: أتَصْنَعُ هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ فقال أما والله، إن كان جِلْدُهُ أَسود فإنَّ ثَنَاَءُه لَأَبْيَضََ، ولقد استحق بما قال أكثر مما قال، وإنما أخذ رواحل تُنْضى وثياباً تُبْلَى، وأعْطَى مديحاً يُرْوى وثناءً يبقَى. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لابنة هرم بن سنان المرِّي ما

стр. 74

وهب أبوك لزهير؟ فقالت: أعطاهُ مالاً وأثاثاً أفْناه الدهر. فقال لها عمر لكنْ ما أَعْطاكموه لا يفنيه الدهر. وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ماكان جَدُّكَ قيس ين معدي كرب أعطى الأعشى؟ فقال: أعطاه مالاً وظهراً ورقيقاً وأشياء نسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا يُنْسى. ويروى عن بعضهم أنه قال: إني لا أُحِبُّ البقاء، وكالبقاء عندي حُسْن الغناء. وقال الشاعر في هذا المعنى فأثنوا عليه لا أباً لأبيكم ... بأفعاله إنَّ الثناء هو الخُلْدُ وقال ابن عباس: الشعر ديوانُ العرب، فإذا خَفِيَ عليهم الحرفُ من القرآن الذي أنْزَلَه الله بلُغَة العرب، رجعوا إلى ديوانها، والتمسوا معرفة ذلك منه. وعن سفيان عن أسامة بن زيد عن عكرمة مولى ابن عباس عن

стр. 75

ابن عباس قال: إذا أعيتْكُم العربية في القرآن، فالتمسوها في الشعر، فإنه ديوان العرب. قال أبو إسحاق: فإن احتجَّ أحدٌ علينا بقول الله ﵎ (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) وبقول رسول الله ﷺ : "لأن يَمْتلىء جوْفُ أحدكم قيحاً حتى يريه خيرٌ لَهُ من أن يَمْتَلِئَ شِعْراً" قلنا له: أمَّا الآية، فإنما أنزلها سبحانه في شعراء المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ والمؤمنين. والدليل على ذلك، أَنَّ الله تعالى قد استثنى المؤمنين منهم، فقال في الآية الأخرى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا). إلى آخر الآية. ومعنى: وانْتَصَروا من بَعْدِ ما ظُلِمُوا، أي ردُّوا على الكفار الذين كانوا يهْجون النبي ﵇. قاله ابن عباس، وأما الغاوون، فقال: هم الكُفَّار يتبعهم ضُلاّلُ الإنْسِ والجِنِّ. وقال ابن زيد: الغاوون والشعراء هاهنا المُشْركون. لأنَّ الغاوي لا يَتْبَعُ إلاَّ غاوياً مِثله. وقال عكرمة: الغاوون عُصاة الجن. وروى عن مجاهد نحوه، وعن مجاهد أيضا هم الذين يتبعونَهم ويروون شعرهم. وعن الطبري: الشعراء، شعراءُ المشركين، يتبعهم غُواة النَّاس، ومَرَدةُ الشياطين، وعُصاة الجِن. والمراد بقوله: "إلاَّ الذين آمنوا وَعملوا الصالحات" فيما روى عن ابن عباس: ابن رواحة وحسان بن ثابث وكعب بن مالك.
следующие страницы →