Полный текст (772 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
طَرَقَتْ مطْلَعَ الثُّرَيَّا وَوَلَّتْ ... والثُّريَّا تَشُمُّ رِيحَ الوقوعِ
تَحت جُنْحٍ منَ الدُّجى أَوْ رَثتهُ ... عَبقاً في قميصه المخلوعِ
أَيُّها الليل هَلْ دَرى البَدْرُ أنِّي ... بتُّ من أُخْتِه مكان الضَّجيعِ
أمكنتني من العناق فلما ... جلبَ الفجر ساعة التوديع
عمدَتْ بردها بغصنٍ وقامتْ ... تنفضُ الطل أحمراً من دُمُوعِ
وقوله:
أيُّها الآملُ خَيْمات النَّقا ... خَفْ على قَلْبك تِلْكَ الحَدَقا
إنَّ سِرْباً حُشيَ الحيُّ به ... رُبَّمَا غرك حتى تَرْمُقا
لاَتُثِرْهَا فتنة من ربربٍ ... ترْعد الأسْدَ لديهم فَرَقَا
وانجُ عنها لحظةً سهميَّة ... طالما بلَّتْ ردائي عَرَقََا
وإذا قيل نجا الركْبُ فَقُلْ ... كَيْفَمَا سَالَمَ تلك الطُّرُقا
يا رماةَ الحي موهوبٌ لكم ... ما سَفَكتم من دمي يوم النَّقا
ما تعَمّدتُم ولكن سَبَبٌ ... قَرَّبَ الحَيْنَ وأمرٌ سَبَقا
والتفاتاتٌ تلَقَّتْ عَرَضاً ... مَقْتَل الصَّب فَخَلَّتْهُ لَقَى
وعذابٌ شاء أنْ ألْتَذّه ... سفَه الحبِّ ومحتوم الشقا
стр. 142
آه من جفنٍ قريح لم يزل ... بعدكم في بحر دمعٍ غرقا
وحشاً غيرِ قريرٍ كلَّما ... رُمْتُ أن يهدأ عنكم خفقا
وفؤادٍ لم أضَعْ قطّ يدي ... فوقه خيفة أن يحترقا
ما بنجم عكَفَتْ عيني على ... رعْيه ليس يَريمُ الأُفُقا
ولعين خلعت فيه الكرى ... كيف لم تخلع عليه الأرقا
أيها النوام ما أهدأكم ... عن قلوبٍ سَهَّدَتْنَا قلقا
ما الذي تبغون من تعذيبنا ... بعد أن ذابت عليكم حُرَقا
قومنا فوزُوا بسلوانكُمُ ... وَدَعُوا لِلَّهِ من تشوقا
وارحموا في غسق الظلماء مَنْ ... بات بالدمع يَبُلُّ الغَسَقَا
علِّلونا بالمنى منكم ولوْ ... بخيَال منكم أن يَطرقا
وعِدُونا بلقاءٍ منكم ... فكثيرٌ منكمُ ذِكْرُ اللِّقا
لو خَشِينا الجَوْرَ من جيرَتنا ... لانْتَصفنا قبل أن نفترقا
واصطبحنا الآن من فضلة ما ... قد شربنا ذلك المُغْتَبَقا
فسقى الله عشياتِ الحمى ... والحمى أكرم هَطَّال سَقَى
قد رُز قناها وكانت عيشةً ... قلَّما فازَبها من رُزقا
стр. 143
لا وَسَهمٍ جاء منكم نحونا ... إنه أقْتل سهم فُوِّقا
وحُلَى نجدٍ سَنُجري ذكرها ... أوْسَعَتْنا في الهوى مُرْتَفَقا
ما حَلاَ بعدكمُ العيشُ لنا ... مُذْتبا عدتُمْ ولا طابَ البقا
فمن المنْبي إلينا خَبَرا ... وعلى مخبرنا أن يصدُقا
هل درتْ بابلُ أنا فئةٌ ... تجعل السحر من السحر رُقى
تنْقُشُ الآية في أضلاعنا ... فتقينا كلَّ شيء يُتَّقَى
من بيان الوزر الأعلى ... الذي يخجل السحر إذا ما نطقا
إلى غير هذا من كلامه الجزل، الدال على ذكاء الطبع والنبل.
رجع
وكتب إليه الأديب أبو بكر بن الأغر ﵀:
رعى الله طِيباً زار في النوم مضجعي ... وقد رَنَقَتْ عيني ترومُ غِرَارَا
يقولُ أنا العَبْقُ الرصافي فاغتنمْ ... حَدِيثِيَ دُرّاً تارةً وعُقارا
فقلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحباً ... بِأكرم طيب في التغبة زارا
فمَتَّع سمعي لؤلؤاً منْ حديثه ... وخامر عِطْفِي نشوةً ووقارا
стр. 144
وسارَ وأَبقى من سنىً ومودَّة ... بعينيَّ نوراً وَِلقَلْبيَ نارا
فراجعهُ أبو عبد الله ﵀:
يضيءُ بعيني كُلَّما شقَّ لحظُها ... إذا أفُقِي، ياابنَ الآغَرِّ، أنارَا
أخٌ شطَّت الأوطانُ بيني وبينه ... فلم نَغْنَ إلاَّ بالوداد جوارا
إذا أتلفتْ منا النفوسُ سجيةً ... فما ضرَّنا في أن نُشتِّت ديارا
أقيه بنفس قد نشرتُ إخاءه ... عليها دِثَارا في الورى وشِعَارا
وقولُ أبي بكر رأيتكَ في الكرى ... وقد رنقتْ عيني ترومُ غِرارا
ألم يدر أنِّي مذْ كَلِفتُ بقربه ... خيالٌ إذا اشتاق الزيارة زارا
وأنَّ بعيداً أن ترى العينُ مثله ... أشدَّ اهتزازاً للعُلى ووقارا
رجاحةُعلم صادفَ النُّبلُ عندها ... مكاناً فكانا مِعْصماً وسِوَارا
يميناً أبا بكر، وأحلفُ صادقاً ... وقد قُلتها، فيما أظُنُّ مرارا
لقد كِدْتُ، والرُكبانُ تَسْري بذِكْرِكم ... أطير إليكم لو وجدتُ مَطَارا
فهل عندكم أنِّي أرى باجتماعنا ... ...... كبارا
سُررتُ بكم حتى كأن لقاءكم ... ثَنَى مِعْطفى لدن المهز
وحتى كَأَني من مُصَافَحتي لَكُم ... .........
ولما تنازعنا الأحاديث بيننا ... رأيتُ بياني في اللسان مُعَارا
وأني في قَصْدِي سبيل خطابكم ... كمن غار ......
стр. 145
فلقَّطها منكم لآلئ منطق ... تُخَاضُ إليهن العلومُ بحارا
فوالله ما أدري لحسن حديثكم ... أَأُلْقِيتُ سِحْراً أم سُقيتُ عُقارا
ودارُ أبو إِسْحَاق لاذُمَّ عهدها ... سأشكر منهاللزمان نهارا
وساعاتُ أُنس قد نَعمنا بها معاً ... جَنِيتُ بها بيضَ الأماني ثِماراَ
الطرف من فرحي بها ... وتو جدأوقات السرور قصارا
وكتب إليه الأديب أبو بكر الكُتَنْدي ﵀:
أعندكمُ يا ساكنَ الرَّي أنكم ... بمرأًى على بُعْد المسافة من حِمْصِ
أتقضي الليالي أن تُلِمَّ بمنزل ... ألفناه ما بين الأراكة والدِّعصِ
وإني حريصٌ أن يَعودَ كما مضى ... زمانٌ وما حِرْصُ المقادير من حرصي
فراجعهُ أبو عبد الله بقوله:
سلامٌ أبا بكر عليك وَرَحْمَةٌ ... تحيةَ صدق من أخٍ بك مُخْتصِّ
стр. 146
لَعَمْري وما عمري بصدع زجاجة ... عليك فقد تُدني الليالي كما تُقصي
لقد بان عنِّي يوم ودَّعتُ صاحبٌ ... بَرِئُ أساليب الوداد من النَّقْصِ
أقول لنفسي حين طارتْ بك النَّوى ... أخوك فريشي من جناحك أوْ قُُصِّي
فباتت على ظهر اليراع إليكمُ ... تطير بها في الوَكْر أجنحةُ الحرْص
إليَّ أَبَا بَكْرٍ نَحومُ بِأَنْفُسٍ ... ظِماءٍ إلى عهد الأُجَيْرعِ أو حمص
كأنْ لَمْ نَزُرْ تلك الرُّبى وكأنها ... عرائسُ تزهاها المواشِيطُ للنصّ
ولا رتعت تلك الأراكة فوقنا ... تلوث إزار الظل في كَفَل الدِّعصِ
وكانت لنا فيما هناك مآربٌ ... نُطيع الهوى العذريَّ فيها ولا نَعْصِي
ليالينا بالرَّيِّ والعيشُ صالحٌ ... وظلُّكَ عنها غير منتقلِ الشَّخْصِ
وما ذكْرُها إلا شفىً من علاقةٍ ... تَتَبَّعُها نفسي تتبُّع مستَقْصي
وددتُ أبا بكر، لَوَ انَّنِي عالمٌ ... وللكونِ زندٌ ليس يُقْدَحُ بالخِرصِ
هل الغيبُ يوماً فارجٌ لي بابه ... فأنظر منه كيف أُنْسُكَ في حِمْص
стр. 147
بأزرقَ مسلول الحسام معَرْبدٍ ... إذا عَبَّ في كأسٍ تحرك للرقص
ومَا مٍعْصَمٌ ريَّانُ دارَ سِوَارُهُ ... على مثل ماء الورد في بَشَر رَخْصِ
بأبهج منه في العيون إذا نهى ... ولا سيما والشَّمْسُ جانحةُ القُرصِ
خليجٌ كخيط الفَجْر تنْجَرُّ فوقه ... ذُيُولُ عَشِياتٍ مُزَخرفةُ القُمْص
وقال أيضاً:
بانة الجِزْعِ هل لديك وفاءٌ ... فَيُدَاوي جوىً ويحفظ عهدُ
هكذا تَنقضي حُشَاشَةُ نفسي ... ظَمَأ هكذا وماؤك عِدٌّ
بانة الجزع كيف آملُ بُقْيَا: ... أملٌ لا عبٌ وشوقٌ مُجِدُّ
بِدَمي أنت ما تَرَجَّح ظِلٌّ ... منْ كثيب وما ترنَّح قَدُّ
ليت شعري هَلْ يمزجنَّ هجيرٌ ... شخص ظلي بشخص ظِلِّكَ بعدُ
وقال أيضاً وهي من أَنْبل شعره، وأجمل بنيات فكره:
أدِرْها فالغمامةُ قد أجالتْ ... سيوف الماء في لَمم البطاحِ
وراق الروضُ طَيْلُوساً بهياً ... تُرَدّدُ فيه أنفاسُ الرياحِ
تقول وقد ثَنى قزحٌ عليه ... ثياب الغيم مُعْلًمَةَ النواحي
خُذوا للصحو أُهْبَتَكم فإني ... أعرتُ المزنَ قادمتيْ جناحِ
стр. 148
إلى غير هذا من كلامه المسبوك تبره، الرائق جمانه ودره.
وقال أبو محمد بن سفيان في المعنى:
باابن الملوك أَتَتْني منك معجزة ... تنأى وإن قربت في عين راجيها
يشق سامعها من جيبه طرباً ... ويسمع الصخرة الصماء داعيها
لو أن هاروتهم لاَحَتْ لناظره ... لقال ما السحر إلا بعضُ ما فيها
سِجِلَّةٌ هي لا بل روضةٌ رشفت ... ريق الغمامة فاخضرَّتْ حواشيها
وقال أبو بكر بن عمار في المعنى:
لولا الصَّحِيفَةُ ما سلوتُ فإنه ... قد قام منها لو علمتَ مقامُ
وصلتْ إليّ مع الأصيل وإنما ... وصلتْ إلي حديقةٌ ومُدامُ
برْدٌ من الكافور نمنم درجه ... مسكاً ودر عليه عنه ختامُ
стр. 149
من قطعة هي قِطْعَةُ الديباج أو ... هي قطعة البستان وَهْيَ كلام
فكأن أسطرها غصون أراكة ... ومن القوافي فوقهن حمام
نادَمتها والراح يُلْهِبُ كأسها ... عذب اللمى سَاجي الجُفُونِ غُلامُ
وتشاكلا حسناً فعانق قدَّه ... أَلِفٌ وعارض عارضيه لاَمُ
وقال أبو بكر أيضاً:
لله درُّ عقيلة أبرزتَهَا ... من خِدْرِ فكركَ في حُلى الإنشادِ
فرعاءُ عاطرةُ الذوائب واللَّمَى ... غيداءُ حاليةُ الطُّلَى والهادي
خَلُصَتْ إليَّ مع الأصيل فعارضتْ ... صِلة الحبيب أَتَى بلا ميعَادِ
خَطٌّ من النظم البديع أفادني ... حَظ الكرام وخُطَةَ الأمجادِ
وشيٌ سختْ يدك الصناع برقمه ... فَكَسَوْتنيه مُذَهَّباً بأياد
يفدي الصحيفة ناظري فَبياضُها ... ببياضه وسَوادُها بسوادِ
أهدي تحيتك الزكية طيبها ... كافور قرطاسٍ ومِسْك مدادِ
وقال أبو بكر أيضا:
ألفظُكَ أم كأسُ الرحيق المُعَتَّقِ ... وخَطكَ أم روضُ الربيع المنمَّقِ
ونظمك أم سلكٌ من الدر ناصعٌ ... يروق على جيد العروس المطوَّقِ
بعثت بها يا قطعةَ الروض قطعةً ... فَغَمتُ بها عرف النسيم المخلَّقِ
стр. 150
ثلاثة أبيات وهيهات إنما ... بعثت بها الجوزاء في صفْح مُهرقِ
هي السحر أسرى في النفوس من الهوى ... وكيف يكونُ السحر في لَفْظِ مُنْطَقِ
وهذه الأبيات في قطعة كتب بها إلى المعتصم جواباً على ثلاثة الأبيات التي ودعه المعتصمبها حين
استأذنه ابن عمار في السراح من عنده (بالمرية). وأبيات المعتصم هي قوله:
يا فاضِلاً في شكره ... أصلُ المساء مع الصَّبَاحِْ
هلاّ رفقت بمهجتي ... عند التكلم بالسّراح
إنَّ السماحَ بِبُعدكم ... والله ليس من السَّماحْ
وقال أبو الحكم بن مذحج في المعنى:
أمَا وعقيلةٍ لك غازَلتني ... بغُنْج السِّحر من جَفْنَي فلانِ
لقد أهديتَ لي منها عروساً ... معرّسُها سُويداءُ الجَنَانِ
стр. 151
جَلَتْ من رقة التعريض صفحاً ... أرقَّ من الحسام الهندواني
وَأَخْشَى أن أكون لها ظلوماً ... إذا سمّيتها سحرَ البيان
وهذه الأبيات في قطعة له راجع بها ابن عمه أبا الوليد بن حزم عن أبيات كتب بها إليه، أولها:
أَعمروٌ كم أُطامنها حياءً ... فَتُطْغِيها معاتبة الأماني
وإنْ وقف الغَرامُ بها قليلاً ... فعذْرُ أخيك في جفنيْ فلان
وقال أبو الحسين بن سراج في المعنى:
كتابٌ يزدري بالسحر عيناً ... وسمتَ به زمانَك وهو غُفلُ
معانٍ تَعْبَقُ الآفاق عنها ... يشيب لها حَسُودك وهو طفلُ
وقال أبو الحسن بن الزقاق في المعنى:
ومُوضحة كمثل النَّصل تجري ... مع الأبصار كالماء القَراح
стр. 152
ترى حُبُكَ المداد بجسم نورٍ ... كَمُخْضَرِّ الفِرند على الصِّفاح
كأنّ سواده في صفْحتيها ... يقايا الليل في وجه الصَّباح
وفي المعنى يقول بعضهم:
الحُسْنُ أجمعه في رقعةٍ طويتْ ... على تباريح أشجانٍ وأشواقِ
تقابل العين منها روضة أنفٌ ... لم يَسْقِ أزهارها غير الحِجَا سَاقِ
وأحسن ما أذكر في المعنى قول أبي تمام في الحسن بن وهب، من قصيدة قرأتها في شعره يقول
فيها:
لعمرُ بني أبي دِنْيا وعمري ... وعَمْرُ أبي وعمر بني عديِّ
لقد جلَّى كتابك كل بَثٍّ ... جوىً وأصاب شاكلة الرمي
فضضْتُ ختامَهُ فتبلَّجتْ لي ... غرائبُهُ عن الخبر الجَليِّ
وكان ألذَّ في عيني وأندى ... على كبدي من الزَّهَر الجنِيِّ
وأحسنَ موقعاً منِّي وعندي ... من البُشْرى أتتْ بعد النَّعيِّ
وضُمِّنَ صدره ما لم تُضَمَّنْ ... صدور الغانياتِ من الحُليِّ
فَكَائِنْ فيه منْ معنى لطيف ... وكائن فيه من لفظٍ بهيِ
стр. 153
وكَمْ أفصحتَ من بر جليل ... به ووأيْتَ من وَأْيِ سَنِيِّ
كتبتُ به بلا لَفظٍ كريه ... على أذُنٍ ولا خَطٍّ قَمِيِّ
فَأَطْلَقَ من عقالي في الأماني ... ومن عقل القوافي والمطيّ
رسالة من تمتَّع منذ حين ... ومتَّعنا من الأدب الرضي
فيا ثَلَجَ الفؤاد وكان رَضْفاً ... ويا شبعي برونقه وَرِيِّ
بيانٌ لم تَرِثْهُ تُراثَ دعوى ... ولم تُنْبِطْهُ من حِسْيِ بكي
стр. 154
الباب الثاني: في الرسائل المنتخبة
قال أبو إسحاق: قد جمعتُ في هذا الباب من الرسائل الفِصَاح، الفائزة القِداح، الممتزجة بالأَرْوَاحِ، امتزاج العذْب
الزُّلال بصفْو الرّاح، المحتوية على أنواع الفصاحة، والمشتملة على فنون البلاغة والرَّجَاحةِ،
والألفاظ المهذبة المساق، والفِقر الغريبة الازدواج والاتفاق؛ الباسقة الأفنان، المتناسقة الجمان، المهذبة
الأعجاز والصدور، المقصرة بالدر على الترائب والنحور، الأنيقة الديباج، المعسولة المُجَاج فقراً
رائقة بهجَة، وألفاظاً عَطِرةً أَرِجَة، جادَتْها ديم الأدب الموفَّى، وبرزتْ كالذهب المصفَّى. دُرَرٌ حيثما
أُديرَتْ أضاءَتْ، ومُشَمٌّ من حيث ما شُمَّ فاحا. فكأنما خُلِقَتْ من السِّحر، حين صُوِّرَتْ في الطُّروس
بالحبر. تُريكَ النُّجُومَ الزُّهر في أفلاكها، والجواهر المنظومة في أسلاكها، رائقة لمُجْتَليها، مفيدة
لمُجْتَنيها. إنْ أبْصِرتْ قصرت بالوشي المحبر، أو تُنُسِّمَتْ زَهِدَتْ في نفحات المسك والعنْبَر، تكسب
الخامل نباهة، وتُفيدُه رفعة ووجاهة، ألَمَّتْ بالإبداع إلمامَا، وأمسكتْ له عناناً وزماماً:
ضُرب الحلم والوقار عليها ... دون عُورِ الكلام بالأسداد
انتَخَبْتُها من كلام أعيان الأدباء المتأخرين، ومشاهير الكتاب الماهرين، مِمَّن
стр. 155
نَهَضَ به شرفه وحسبه،
ورفعه علمه وأدبه، وسما به فهمه وذكاؤه، وألْحَفَهُ بأرْدِيَةِ المجد كَلَفُه بالأدب واعتناؤه، وجمع بين
طريف البيان وتليده، وألقى إليه كل منْصف بإقليده، وَهَوِيَ فروع الأدب وأصولَه، وأحكمَ جُمَلَه
وفصوله، وملك أعنة اليراع والعوالي، واستخدم الأحرار والموالي.
فمنها رسالة كتب بها أبو القاسم بن الجد ﵀ عن أحد الأمراء بولاية:
كتابنا أبْقاكم الله وعصمكم بتقواه، ويَسركم لما يَرْضاه، وأَسْبَغَ عليكم نُعماه. وقد رأينا واللَّهُ بفَضْله
يَقرُنُ جميع آرائنا بالتسديد، ولا يُخْلينا في كافَّة أحوالنا من النَّظر السَّديد، أنْ تُوَلِّي فلان بن فلان
مَحَلَّ ابننا، الناشئ في حجرنا، أعزَّه الله، وسَدَّده، فيما قلدناه من مَدينتيْ فلانة وفلانة وجميع أعْمالهما،
حرسهما الله على الرَّسم الذي تَوَلاهُ غَيْرُه قَبْله، فأنْفَذْنا ذلكَ له لما تَنَسَّمْناه من مخَايل النجابة قِبَلَه،
ورَضيناهُ بما نَرْجو أن يَحْتذيه ويُمَثِّله، وجرى عليه قوله وعَمَله، ونحن من وراء اخْتِبَارِه، والفحص
عن أخباره، لاَنَنِي - بحمد الله - في امتحانه وتَجْريبِه، والعناية بتخْريجه، وتَدْريبِه. والله تعالى يُحَقِّقُ
مخِيلتنا فيه، وَيُوَفِّقَنا من سَدادِ القول والعَمَل لما يُرْضيه. فإذا وصَلَ إليكم خِطابنَا فالْتَزِموا له السمع
والطاعة،
стр. 156
والنُّصْح وَاتباعَه، وعَظِّموا بحسب مكانه منا قدره، وامتثلوا في كل عمل من أعمال الحق
نَهْيَه وأَمْرَه.
والله تعالى يَمِدُّهُ بَتَوفيقه وهِدَايَتِهِ، ويُعَرِّفُكُم يمن ولايته بمنِّه وعزته.
وكتب أيضاً في المعنى:
كِتابُنا أطال الله في طاعته عُمْرَكَ، وشَدَّ بتَقواه أزْرَكَ، وعضَّدَ بالتوفيق والتسديد أمرك، من فلانة
حَرَسَها الله، وقد رَأَيْنا، والله وليُّ التَّوْفيق، والهادي إلى سواء الطريق، أنْ تُجَدِّد عَهْداً إلى عُمَّالنا،
عصمَهم الله، بالْتِزامِ أحْكام الحَقِّ، وَإِيثارِ أسبابِ الرِّفْق، لما نَرْجوه في ذلكَ من الصلاحِ الشَّامِل،
والخَيْر العَاجِل، والله يُوَفِّقُنا لما يُرْضيه من قول وعَمَلٍ بِمَنِّه.
وأَنْتَ - أعَزَّكَ الله - تَسْتَغْني بإشارة التَّذْكِرة، وتَكْتَفي بلَمْحَةِ التَّبْصرَة، بما تأوي إليه من السِّياسَّة
والتَّجْرِبَة. فَاتَّخذِ الحقَّ إِماَمَكَ، وقلِّد يَدَهُ زماَمَك، وأَجْرٍ عليه في القوِيِّ والضعيف أحكامك، وارفعْ
لِدَعْوَة المظْلُومِ حجابَكَ
ولا تَسُدَّ في وجه المُضْطَهَدِ المَقْهورِ بَابَكَ، وَوَطِّئ للرَّعية، حاطها الله، أَكْناَفَكَ، وابذُلْ لها إنْصافكَ،
واستَعْمِل عليها منْ يَرْفُقُ بِها ويَعْدلُ فيها، واطَّرِحْ كلَّ منْ يَحِيفُ علَيْها ويُؤْذيها، ومنْ سَبَّبَ عليها منْ
عُمَّالك زيادَةَ، أوْ خَرَقَ في أمرها عادَةً، أوْ غَيَّرَ رَسْماً، أوْ بَدَّلَ حُكْماً، أوْ أَخَذَ لِنَفسه منها دِرْهماً ظُلْماً،
فاعْزِلْهُ
стр. 157
عنْ أَعْمالِه، وعاقِبْهُ في بدنهِ ومالِهِ، والْزِمْهُ ردَّ ما أخذَ تَعَدِّيا إلى أهْلِه، واجْعَلْهُ نَكَالا لغِيْرهِ، لا
يُقْدمُ أحد على مثل فِعْلِه، إن شاء الله.
وفي المعنى لأبي مروان بن أبي الخصال:
كتَبْناهُ، أَيَّدَكَ اللهُ بِنَعْمائِهِ، ووفَر حَظَّكَ منْ حبائِه وأوْجَبَ لَكَ رُتْبَةَ أوْلِيائه، ونحنُ نحمدُ الله إلَيْكَ الذي
لا إله غَيْره، ولا مرْجُوَّ إلا خَيْرُهُ، ونستمده فضلَ إحْسانِه، وعوارِفَ امتنانِهِ، وهو بالإجابَةِ مليّ
وبِأَوْلِيائه عَفِي.
وقد بلَغَنا ما يَجْري بفلانَة وجِهاتها من استِطالة أهل العِدى وتَشْغيبِ ذوي الأهواء، وخُروجِهم عنْ
حدود الاستواء، حتَّى صَارَ البَغْيُ ظَهراً تَمْتَطيه الغُواَةُ، وسَنَناً تَسْلُكُه العُتاةُ، وغَمَرَ مَنارَ الحَقِّ فصارَ
موْضُوعاً، وخَفَضَ عَلَمَهُ وكانَ مرْفوعاً، فأَعْظَمْنا ما اتَّصَل، وبادَرْنا إلى حَسْمِ ما أعْضَلَ. فخاطَبْناكَ
لتَطولَ في الحَقِّ يَدُكَ، ويَسهُل في تنفيذهِ مَقْصِدُكَ، مزاحِماً في الحَقَائق بمنْكَبٍ وصَدْرٍ، مُلْجِماً في
الوفاء بأَكْمل عُذْرٍ، مُرْغِماً أنفَ المُبْطِل وإنْ كان في الدُّنيا ذا قدْرٍ. فَتَوَخَّ ذلك والْزَمَه حتَّى يَعْتَدل
المائل، ويقصُرَ المُتَطاوِلُ، ويَتَعاطى الناسُ الحقائقَ بينهم مُنِيبينَ، ويأتُوا إليها مُذْعِنين، ولذلك ظَهر.
والله كَفيلٌ، وعلى ما نَقول وَكِيل.
стр. 158
فانهضْ نهوضَ من يأوي من الحَقِّ إلى رُكْنٍ شديدٍ، وقَصْرٍ عتيدٍ، وسمِعَ بما وافاكَ منْ قِبَلِنا. ليكونَ
أَهْيَبَ لمجانيك، وأذهَبَ معَ جانيكَ بحول الله تعالى.
وله في المعنى:
كَتَبْناهُ، أبْقاكَ الله وأَكْرَمَكَ بِتَقْواه، واعْتَمَدَكَ بسَوابِغ نُعْماه، ونحن بحمد الله على مذاهِبِهِ الحُسْنى،
ونسأله العمل الذي هو إلى رضاهُ أقربُ وأهدى.
وقد اتصل بنا أنَّكَ في إنْفاذِ الأحكامِ، بعيدُ المُنَّة واهِنُ القُوّة، حتى لقد اسْتشْرَى هنالكَ أهل الغواية،
واستطال أُولُو البغْي في الإذايَة، فشقيَ المُحِقُّ بالمُبْطل، وأعْياكَ ذلكَ الدّاءُ المُعْضِلُ.
فإذا وَرَدَ كِتابُنا هذا، فاصدَعْ بالحقِّ جارياً على السَّنَنِ، وانهضْ في الأُقْضِيَة غيرَ ضعيفِ المَنَن،
وانْظُر من هُنالِكَ منَ المُتَصَرِّفينَ في غير معهودٍ، أوْ في أَمْرٍ من عندنا غير محدود. فاكْفُف عن
الرَّعِيَّة يَدَيْه، واستظْهِرْ بِعَهْدنا هذا حُجَّةً عليه، ولا تُرْهِبْ في رَفْع الاعْتِداء أَحداً. ونَحنُ من وراء
العَضْدِ لكَ كما يَجِبُ، وحمايَتِكَ كما تَظُنُّ وتَحْسِبُ.
واعْلِنْ بقراءة ما وافاكَ من قِبَلِنا لِيَرْعَوِيَ الجاهل، ويَنْتَبِهَ منْ سِنَتِه الغَافِلُ، إن شاء الله.
وله في المعنى:
كَتَبْناه أعزَّكَ الله وأكْرَمَكَ بِتَقْواه، ووصَل آلاءَكَ وَنِعَمَكَ، وجَنَّبَكَ المحاذيرَ وعَصَمَكَ. والنعمُ مُكْتَنِفَة،
والنُفوسُ بأجْزال السيادة مُسْتَشْرِفة.
стр. 159
وقدْ بَلَغَنا أنّكَ رُبَّما لِنْتَ في الأحكامِ، وأغْضَيْتَ منها على بعض الاهْتِضامِ، لطوائفَ هنالِكَ مجْبولةٍ
على الجَدَل، مَجْدودَةٍ عن الخير في القول والعَمَل. ونحنُ نتقدمُ إليْكَ أنْ تُجْري الأحكامَ على مُقْتَضاها،
وتُنَفِّذَ الأقضية مَنْ أباها، صادِعاً بأمر الله كما يَجِبُ، مُحْتَسِباً في ذاته، ومِثْلُكَ يَحْتَسِبُ غيرَ هائِبٍ ذا
مكانَةٍ، ولا مُخل بِحقٍّ ذي اسْتِكانَة. وكُلُّ ما تأْتيه من ذلكَ فنَحْنُ لَكَ عليه ظهيرٌ، وأنْتَ بِهِ مُجْزىً
ومَشْكور. فَتَفَقَّدْ ذلك لَدَيْكَ، واجعَلهُ أَوْكد الفروض عليك، ليَرْتَدِعَ الجَرِيءُ، ويذُوقَ وبالَ إساءتِه
المُسيءُ، ويَسْكُنَ في ظِلِّ الأمن العفُّ البريءُ، وَأَعْلِنْ بما خَطَبْناكَ به، لِتَسْتَشْعِرَهُ القلوبُ القاسيةُ
فَتَلينَ، وتَتَصَوَّرَهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ فَتَذِلَّ وتَسْتَكينَ، إن شاء الله تعالى.
وله في المعنى:
كَتَبْنَاه، أَكْرَمَكَ اللَّهُ بِتَقْوَاهُ، ووصَلَ لَدَيْكَ نُعْماه، وآثَرَكَ بِحُسْناه. ونحنُ نَحْمَدُ الله على آلائِهِ، لا رَبَّ
غَيْرُهُ، ثمَّ نؤكِّدُ لدَيْكَ التَّشَدد في أحْكامِكَ، وبَثَّ العَدلِ بين أَقْوامِك، وكُفَّ أيْدي أهل العداءِ، وحَمِّلْهم
على طريق الاستواء، وأنْ تتَفَقَّدَ كذلكَ أَحْوال العُمَّال عِنْدكمْ، وتُراعيَ سَيْرَ المُتَصَرِّفينَ من ... سيباً
بَيْنَكم، فإنْ جاؤوا عن الحَقِّ نَاكِبينَ، وتَوَلَّوا عنه مُدبرينَ، صَرَفْتَهم إلَيْنا بالاقْتِصار، واضطرَرَتَهُم إلى
رُكوبِ الجَادَّة أشَدَّ الاضطرار. فإنَّ الله تعالى قدْ فَرَضَ ذلكَ على الوُلاة للرَّعية، وجعلَ الراعي
مسْؤولاً عنِ الرَّعية المَرْعِيَّةِ.
стр. 160
فاصدَعَ بأَمْرِ الله غيرَ واهنِ الأيْد، ولا ضَعيفَ الكَيْدِ، ومَتى وافَقَكَ في حَقِّ مُوَافِقٌ، وتجانَفَ عنْ
سبيل القصدِ مُتَجانفٌ، طالَعْتَنا بشَأْنِه لِنُريه طريق رُشْدِه، ونأخُذَ بالأدَبِ فوق يده. إن شاء الله.
وله في المعنى:
كَتبْناه، أَعَزَّكَ الله وأكْرَمَكَ بِتَقْواه، وسلَكَ بِكَ السَّبِيل المُؤَدِّيَةَ إلى رضاه. ونحنُ نَحْمَدُ اللَّهَ إليْكَ على
مواهبهِ الجسيمَةِ، وعوارِفه المُقيمَةِ، ونَسْأَلُهُ لَكَ مزيدَ الآلاَءِ، ووفورَ الحباء. ثمَّ نُؤكِّدُ عليكَ أشَدَّ التَّأْكيد،
ونأخُذُ بالمَوْثِقِ الشَّدِيدِ، في إجراء الأحكام لَدَيْكَ على حُدُودِها المحدودةِ، وشَرَائِطِهَا المَعْهودَةِ، منْ غير
أنْ تَمُدَّ إلَيْها يَدَ القاصر، أوْ تُبالي فيها غَبْنَ الخاسر.
فقد بَلَغَنا عن بَعض المُتَصَرِّفين هنالكَ اعتِداءٌ، وورَدَتْ منْهم أنباءٌ، وَرُبَّما قد قَبَضَ إليْهم منْ غُواةِ
أهْل الجِهَةِ شيطانٌ، وكانَ لهم منْهُم على الشَّرِ أعْوانٌ وأَقْرانٌ. فَتَتَبَّع ذلك جاهداً واحْسِمْه، وَالزَمْ جانِب
العدْل ولا تَرِمْهُ، وانْهض في الحقائق حَزْماً، وكُنْ في ذاتِ الله سَهماً، ولا تُحَمِّل رعيتنا ظُلماً ولا
هضْماً. ومنْ عانَدَكَ من الوُلاةِ والمتَصرفين، ووافقَكَ من العُمَّال المشْتَغِلين، خاطَبْتَنا بِه، لنَحْمله على
القصد، ونُريه سبيل الرُّشْد.
فلا يَتَطَرَّقُ - بعد هذا العهد - أحدٌ إلى الرَّعِيَّة إلاَّ في معروف، أو أمْرٍٍ على الاجْتِماع موقوفٍ.
ومتى هِنْتَ أوْ لِنْتَ، فَإِنَّما يَجْري بَعْدُ عليكَ مَحْبُوب، وإلى قُصُورِكَ مَنْسوبٌ. واللَّهُ تعالى يُحْسِنُ في
طاعَتِهِ عَوْنَكَ، ويَصلُ يَدَكَ، ويوالي صَوْنَكَ بِعِزَّتِهِ.
стр. 161
وكَتبَ أبو عبد الله بن أبي الخصال في المعنى: كِتابُنا فَسَح الله في طاعَتِه مهَلَكَ، ووَجَّه إلى مرْضاتِه
عَمَلكَ، وأنْهَضَكَ بما قَلَّدَكَ وَحَمَّلَكَ، وَتَمم عوارِفَهُ الحُسْنَى قِبَلَكَ، منْ حَضْرَةِ فُلانَة، حَرَسَها الله، وَنَحنُ
نَحْمَدُ الله على ما أتانَا منْ فَضْله، ونَعْتَصمُ بِعُرْوَته وَحَبْله، ونُصلي أَعَمَّ الصلاة وأزْكاها على محمد
رسولهِ المَخْصُوص بالفَضْل كُلِّه، ثمَّ نَعْهدُ إليكَ، وصَلَ الله توْفيقَكَ، أنْ تُحْضر لما قُلِّدْتَهُ ذِهْنَكَ، وَتَجْمَعَ
لَهُ نَفْسَكَ، فإنَّ من رَتَّبَ من الأمْر حيثُ رَتَّبْتَ، وحسِبَ من القيام بالمُهِمَّاتِ حيثُ حَسِبْتَ، لمْ يَشْغَلْهُ أن
يَنَامَ عنْ قضيَّةٍ تَجْري ببلَدِه، ولا أنْ تُدرِكَهُ غَفْلَةٌ عنْ تَفَقُّدِ ما تَحْتَ يَدِه. والرَّعِيَّةُ بكلِّ جِهَةٍ من جهاتِكمْ
قدْ تَأَذتْ بما بَلَغَهَا من الضَّرر، وتُوُخِّيَ فيها منْ سوءِ السّيَر، حتّى نَفَدَتْ إليْنا طوائفُ الشاكينَ،
وَكَثُرَتْ عنْدنا أرْفاعُ المُتَظَلِّمينَ، وَمِنْ أَمْرِهِمْ بَيِّنٌ ومُشْكلٌ، وفي النَّاس مُحِقٌّ ومُبْطلٌ، ويَتَعَذَّرُ عليْنا،
بِتَنائي ديارِهم والبُعْدِ عنِ مساقِطِ أخْبارِهم، أنْ نَتَوَصَّلَ منْ أَمْرِهم إلى مَعرفة الصحيح من السَّقيمِ،
والمُعْوَج منَ القويمِ. ولَمْ نَخَلْ كثيراً مِمّا يرْفَعُونَهُ منْ قَوْلٍ مُزَوّر، وباطِلٍ في صورةِ الحَقِّ مُصَوّر.
وعِندما التَبَسَ الكِذْبُ منْ ذلكَ بالصدْقِ، والتَفَّ المُبْطِلُ بالمُحِقِّ، صَدَدْنا كثيراً منْ أرْفاعِهم عن
الوصول، وصَرَفْنا دُونها وَجْه القَبول، وأَوْعَزْنا إلى جَماعَتِهم، لِما خِفْناهُ منْ تلَبُّسِهمْ في الأمور،
وشَوْبِهم
стр. 162
المُباح بالمَحْظورِ، بِأنّا لا نَنْظُر لأحدٍ منْهم في حقٍّ يَدَّعيه، ولا أمْرٍ يُوجِبُه أَوْ يَنْفيه، إلاّ أنْ
يأتي بِبَيانٍ من قاضي بَلَدِه، وكتابٍ يَنْطِقُ عن صِحَّة ما بِيَدِه.
فأقْصروا وتَوَقَّفوا. وفي ونُفُوسِنا - عَلِمَ الله - منْ قِبَلِهم ما يَشُقُّ حِمْلُهُ، ولا يَخِفُّ مِثْلُهُ، وَيُمكِنُ أنْ
يَكونَ فيهم الصَّادِقُ والبَرّ، والوَجلُ المُضطَرُّ، لكِنَّ الخيْرَ أرَدْنا، والبِرُّ قَصدنا، ولما وقع هذه رَسَمنا
إلى كافّة القُضاة عُهوداً في تَصفُّح الشَّكاوي، والفحْص عنها، وألْزَمناهمْ القيام بها، وتَبَرَّأنا إلَيْهِم من
وِزْرِها، وتَخَفَّفْنا بإسنادها إليهم منْ دَرَكِها وإصْرها. والقُرْبُ لَهم في ذلك مُعينُ، وتَعَرُّفُ الحقائقِ
عندهم بِسبَبِ المُجَاوَرَة سهلٌ مَكينٌ.
ولا امْتَراء عندنا أنَّ هؤلاء الرَّافعين لو وَجَدوا في بلادهم إشْكاء وألِفُوا عِندَ مُتَقَلِّدي الأُمورِ - فَرَدَّ
ظُلاماتِهم وفاءً لَما تَجَشَّموا إلَيْنا بُعْد المَشَقَّةِ، ولا تَحَمّلوا نَحْوَنا عظيمَ الكُلْفَة والمشَقَّْة، ولولا أنّا لا نُخْلي
بَعْضَهم منَ التَّعَسُّفِ، ولا نُبَرِّئُهم منْ سوء التَّكَلُّفِ، لَشَدَّدْنا في جِهَةِ عارِضة الكلام، ولثَقَّلْنَا عليهم وطْأة
الملامِ.
ونحنُ قَدْ قَلَّدْناكَ منْ شَكاوى العَامة بِعَمَلِكَ في اللَّطيفٍ والجَليلِ، وسُمْناكَ
стр. 163
القيامَ بالخفيف منها والثَقيل،
فَتَفَقَّدْ ما قِبَلَكَ حَقَّ تَفَقُّدِهِ، وتَعَهَّدْه أَحفى تعهُّده. فإنكَ إذا أَمْعَنْتَ التَّطلُّعَ، وواليت إلى جانِبِ الرَّعية
التَّلَفُّتَ والتَّسَمُّعَ، لم يَشِذَّ عن عملك متى يجري بِنَظَرك، لاجْتِماعه وانْحصاره، وقُرْب ما بين مسافاته
وأَقْطاره. فتأمَّلْ بجهَتكَ الأحوال وصُوَرَها وتفقّد مع الأحيان شَأن الرعية وخَبَرها، وكُلّ ما رَفَعَتْه إليكَ
من أحوالها، وتَظَلَّمَتْ فيه من عُمّالها، فأَجْرِهم على الحق كيف جرى، وعَمِّمْ بنظرِكَ، ولا تَخُصَّ
قضية دونَ أُخْرى. فكلٌّ بكَ معصوبٌ، وأنتَ عليه مُحاسَبٌ، وبه مَطْلوب. ومِلاكُ أَمْركَ ومدارُهُ، على
الحُكّامِ الذين استَنْبَتّهم في الأقطار الناصية، ونَصَّبتهم في الجهة النائية؛ فَشَرْطُهم الثِّقة والدِّيانَةُ،
والصَّوْنُ والأمانةُ، فإنهم إذا كانوا بهذه الصفة، جَرَتِ الأمور على سيرها الرَّاشِدة، واستمرتْ على
مناهِجها القاصدة، وأمِنَتْ في جهَةِ الرَّعيَّةِ، وأمِنّا بكَ فيها منَ اللَّبْسِ. فلا تُقَلِّدْ أمْرَ المُسلمين إلا معْروفاً
بالدِّيانَة والعَفاف، وتقِيّاً لِيَقْنَع بالكفاف، ويَتَنَزَّهَ عن الإسْفاف.
وتَحَفَّظْ منْ كُلِّ منْهومٍ لا يَشْبَع، ومُسِفٍّ لا يَتَوَرَّعُ؛ فإنَّ الجشَعَ أعمى لا يرى ولا يسْمَعُ.
وبَعدَ توْليتك إيَّاهم، فأشْرفْ عليهم إشرافاً يَتَعَقَّبُ أعمالهم، ويتصفَّحُ أحوالهم. فإن رأيتَ منهم جَنَفاً، أوْ
منْ نَقضَ عليكَ منْ أطراف الحَقِّ طرفاً، صرَفْتَهُ مَذْموماً، وأَخَّرْتَهُ مَلُوماً. فتَفَقَّدْ هذا منْ أَمْرهم، فإنّكَ
مُضْطرٌّ إليهِ في تعرُّفِ أحوال الرَّعية التي لا نَرْضى بِهَضْمها، ولا نُقِرُّ أحداً على ظُلْمِهاَ، ولاَتتعهده.
стр. 164
وَنَتَقَدَّمُ إليكَ به مُراعَاة اللوازمِ الجارية هناكَ.
فاجعل أهمَّ أُمورِكَ أنْ تتصفَّحها وتلْمَحَها، فما لم يَكُنْ منها في عهودنا موجوداً، ولا منْ قَبْلِنا مَحْدوداً،
ولا في مصالح المُسلمين موضوعاً ولا معْدوداً، فهو ردٌّ على كلِّ والٍ رَسَمَه، ومَصْروفٌ على كلِّ منْ
ألْزَمَهُ، لا يؤدى منه فتيلَ، ولا يُحْمَلُ منه نَقيرٌ، والزّكواتُ كُلُّها على تبايُنِها في الصِّفَّةِ، وأنْواعها
المُختَلِفَة، تَجري على مُوجِبِ فريضتها، ويوقَفُ بها على حدِّ شريعَتها؛ لا تُحرَّفُ ولا تُبَدَّلُ، عنْ
جهتها، ولا تُعدَّل. ولتُؤخَذْ منَ النِّصابِ بأَعْيانِها، ولتَنْهَ أشَدَّ النهي عنْ قَبْضِ أثْمانها.
وقد ارْتفع في بَعض شكاوي الرَّعية أنها تَطْلُبُ برسم الحالي، وهو لا يُطْلب به الحاضرُ عن
الغائبِ، ولا يؤخَدُ فيه الباقي بعدَ الذَّاهِبِ.
فهذا الصنفُ منَ الجور ترفَعْهُ رفعاً تامّاً، وترُدُّ حُكْمَهُ، وتُعْفي أثره ورسمَه. وأيُّ عامل من عمّال
الرعية تعدَّى بعد ذلك عليها، أو تَسبَّب بزيادة تخصُّه إليها، ويبينُ عندك تعدِّيه، وعلمت صحةَ
استهدافه وتَصَدِّيه، فارفعْ أمْره إلى الوالي، فإنْ غَلَّ يَدَ أذيَّته، وأنْفذ عزله عن رعيته بذلك، وإلا رفعتَ
أمره إلينا مع سائر ما يتَوَقَّفُ لديكَ من الأمور التي تَقْصُرُ عنها يدكَ، وتنْقطعُ دونَ النُّفوذِ عنها غايَتُكَ
وأمرك، لينفذ في ذلك من عهدنا ما تَقِفُ منازِعُكَ عنْده، ويَسْهل لكَ كلُّ صعبٍ بعده.
هذه - أعزَّك الله - أمثالٌ مضروبَةٌ، وهداياتُها منْصوبَةٌ، وقوانينُ موضوعةٌ، وأعلامٌ على طرُقِ
الحقِّ مرفوعة. وفي أكثر ما كانت الأرفاعُ تردُ، وعصائب المتظلمين تَحْتَشِدُ. وأنْتَ إذا كَشَفْتَ غيبها،
وتَقَصَّيتَ طُرُقَها، وأعْطيتَها من بحثكَ وتأمُّلِكَ حَقَّها، ارتَفَعَتِ الشُّبْهة، وراحَتِِ العلة، وتوفرتْ على
المُتَظَلِّمينَ
стр. 165
الرحلة، وهَدَأَتِ الرَّعية، فتَفَرَّغَتْ لأشْغالها، ولزِمَتْ مصالح أعْمالها.
فانظر - أعزّك الله - في هذه الأمثلة والجُمل إلى أقصى ما تنقسم إليه أقسامها. وَقِفْها على حدِّ ما
تقِفُهُ عليه الشريعة وأحكامها.
وتَطَلُّعُنَا وكيدٌ إلى ما يتَجدّدُ منْ نُفوذك، ونُهوضكَ بهذه الوصاة الجامعَة والحجة البالغة. فاستجْمع
لإقامتها؛ فقد وقع إليكَ الإصْغَاءُ، وَستَبْلُغُنا منْ قِبَلِكَ الأنْباءُ، ويَتَّصل عندَكَ الذِّكرُ والثَّناءُ، وبَعْدَ هذا
مَوْطِنٌ يكونُ فيه المَثُوبَةُ والجزاء.
ولتَقْرأْ كتابنا هذا على الكَافَّة بالمسجد الجامعِ، شَرَّفهُ الله، ليَسْتَمِعَه منْ تَوَجَّهَ إليه الخطابُ، وتسير
بأنبائه الرِّكابُ، وتَتَلَقَّاهُ بعد الشُّهودِ الغُيَّاب. وتَبَلَّغْ منّا أَعَمَّ سلامٍ وأجْزَلَه وأَزْكاه وأحفله. والسلام
المُضَاعَفُ الأحفى علَيْكَ ورَحْمَة الله.
стр. 166
فصل ومن أحسن ما كتبوا في التقديم إلى أحكام مدينة
قَلَّدنا فلانٌ بنُ فلان، سلَّمه الله، الأحكام بفلانة وجهاتها، وتَخَيَّرنَاهُ لذلك بعد أنْ خَبَرْناه، واسْتَخْلَفْناه
عليها وقد عَرَفْناه، ووَثِقْنا بدينه، ورَجَوْنا حُسْنَ تَحْصينه، لأَنَّه إن احتاط سلِمَ، وإنْ أضاعَ أَثِمَ، فلْيُقِم
الحَقَّ على أرْكانِه، ولْيَضعِ العدْل في ميزانه، ولْيُساوِ بينَ خُصومه، ولْيأْخُذْ من الظالمِ إلى مظلومه،
ولْيَقِفْ في الأمر عند اشْتِباهه، ولْيُنَفِّذْهُ عند اتجاهه. ولا يَقْبَل غير المرضيِّ في شهادَته، ولا يَتَعَرَّفْ
سوى الاسْتِقامة من عادته، ولْيَعْلَمْ أن الله مُطَّلِعٌ على خَفِياته، وَسائِلُهُ يومَ مُلاَقاتِه.
وفي المعنى لأبي نصر كتابُ تقليدٍ وتَوْليَةٍ، وَتَشْييد رُتْبَةٍ علِيَّةٍ. أَمرَ بإنْفاذِه فلانٌ - أيَّدَهُ الله - لفلان
بن فلان أَبْقاه الله، لِيَنْظُرَ في أحكامِ المدينة بفلانة وأقْطارها، ويَحْسِمَ عنها أَدواء مردَتِها ودُعَّارها ويَعُمَّ
بالحِماية كلَّ جهة منها وناحية، ويُظلَّ من هِجِّير الإباحة أكْنافها الضَّاحية، وأَمره أنْ يَتَّقي الله حَقَّ
تُقاته ويَخْشى يوماً يأتي فيه لِميقاته، وأنْ يحْذَرَ ما أعَدَّ منَ العذاب الأليم، (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وحَدَّ لهُ رَعْيَ منْ
стр. 167
يَجِبُ رَعْيُه، ويُعْلَمَ جَرْيُهُ في ذات الله وسَعْيُهُ، وَمشَاوَرةَ الفُقهاء فيما أَشْكل، والاعْتِضاد بهم فيما حَامَ عنه
ونَكَلَ، واسْتِفْتاءهم فيما يَقَعُ من الأمورالشَّرْعِيَّة، والقوانين المَرْعية، وأنْ يكونَ لأهل الشَّرِّ بِمَرْصدٍ،
ويقفَ لهم في ثَنِيَّةِ كلِّ مَقْصِدٍ، ويفتح منْ تواريهم كُلَّ بابٍ مُوصِدٍ، وأنْ يَكْتَحل بالسهاد، وألاَّ يَنْتَحِل
غير الجد والاجْتِهاد، وألاّ يُصيخَ إلى افتراء مُفْتَر، ولا يَقْضِيَ على اجْتِراء مُجْتَرٍ، وأَنْ يعمَّ الجِهةَ
بالاحتراس، ويَضُمَّ إلى البَحْثِ عنِ الفُجَّار كلَّ عالِمٍ بالانتهازِ والافْتِراس، ممن لا يَعْلَقُ به اتَّهامٌ، ولا
يقعُ عليه إبْهامٌ، ولِيَتَنَزَّه عنِ الرُّشى، ولا تَعْلَقْ له بِدلْوٍ ولا رشا، ولْيُقِم الحُدودَ، ولايَعْدُها باجتهاد غير
مِحْدودٍ.
فَمَنْ قَرَأَهُ، فلْيَقِفْ عِنَدَهُ ولا يَتَعَدَّه، ومَنْ عارضه بِتَعَدِّيه، أوْ ناقَضَه فيما يُعيدُه منْ إنْكاره ويُبْديه، فقد
تَعَرَّضَ لنكالٍ يَسْتَقْبِلُه، وعِقابٍ يَسْتَوْبله.
وله في المعنى:
كتاب تأْكيدٍ واعْتِناءٍ، وتَقْليدِ ذي مِنَّةٍ وغَناء، أمَرَ بإنْفاذِه فلان، أَيّدَهُ الله، لفلان بن فلان، صَانَه الله،
ليتَقَدَّمَ لِوِلايَةِ المدينة بفلانة وجهاتها، ويضرح ما تكاثَفَ منَ العُدْوان،
стр. 168
في جَنَباتِها، تَنْويهاً أحْظاه
بِعَلائهِ، وكَساهُ رائقَ ملائه، لِما عَلِمَهُ منْ سَنائِه، وتَوَسُّمَهُ منْ غنائهِ، ورَجَاه منْ حُسْنِ منَابِهِ، وتَحَقَّقَهُ
منْ طهارة ساحَتِه وجنابه، وتَيَقَّنَ، - أيَّدَه الله - أنَّه مُسْتَحِقٌّ بما ولاّه، مُسْتَقلٌّ بما تَوَلاّه، لا يَعْتريه
كَسَلٌ، ولا يُثْنيه عن إمضاء صوارمُ ولا أَسَل، لمْ يكِل الأمر منه وإلى وَكِلٍ، ولا ناطهُ بِمناطِ عَجْزٍ ولا
فشَلٍ، وأمَرَه أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، ولْيَعلمْ أنَّه زاجرُه عنِ الجور وناهيه، وسائلُه
كمّا حَكَمَ به وقضاه، (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ).
فَلْيَتَقَدَّمْ إلى ذلك بِحَزْمٍ لا يَخْمدُ تَوَقُّده، وعزْمٍ لا يُقَدُّ تَعَقُّده، ونفسٍ مع الخير ذاهبة، وعلى سَنَن البرِّ
والتقوى راكبَة. ويُقَدِّمُ للاحتراس منْ عُرف اجتهاده، وعُلِمَ أرقُهُ في البَحْثِ وسُهاده، وحُمِدتْ أعماله،
وأمِنَ تَفْريطُه وإهماله، ويَضُمَّ إليهم منْ يَحْذو حَذْوَهم، ويَقْفو شأْوهم، ممّنْ لا يُستراب بمناحيه، ولا
يُصابُ خَلَلٌ في ناحِيَةٍ منْ نواحيه، وأنْ يُذْكي العيونَ على الجناةِ، ويَنْفِيَ عنها لذيذَ السنات، وأَنْ
يَفْحَصَ عنْ مكامِنِهم، حتّى يُغَصَّ بالرَّوْع نفسُ آمنهم، فلا يستَقِرَّ بهم مَوضِعٌ، ولا يَقِرَّ منهم مُخِبٌّ ولا
مَوْضَع فإذا ظَفِرَ
стр. 169
منهم بمَنْ ظَفَرَ، بحثَ عنْ باطنه، وبَثَّ السؤال في مواضعِ تصرُّفه ومواطنه، فإنْ
لاحَتْ شبْهةٌ أبداها الكشفُ والاسْتِبْراءُ، وَتَعَدّاها البغْيُ والافْتراء، نَكَلَهُ بالعُقوبة أشدَّ نكالٍ، وأوضحَ له
منها ما كانَ ذا إشْكال، بعدَ أَنْ يَبْلُغَ أناه، ويقفَ على طرفِ مداه، وحدَّ لهُ ألا يَكْشِفَ بَشرةَ بشرٍ إلا في
حدٍّ يتعينُ، وإنْ جاءه فاسقٌ بنبأ أَنْ يتَبَيَّن، وأنْ لا يطمعَ في صاحب مالٍ موفُور، وأنْ لاَ يسمع مِنْ
مكشوف في مستور، وأنْ يسْلُكَ السَّننَ المحمودِ، ويُنَزِّهَ عقوبته من الإفراط، وعفوه من تعطيل
الحدود، وإذا انْتهت إليه قصَّة مشكلة أخَّرها إلى غَدِه، فهو على العقاب أقدَرُ منه على رده، فقدْ يَبينُ
في وقْتنا ما لا يبينُ في وقْتٍ، والمعالجة بالعقوبة من المقت، وأنْ يَتَعَهَّدَ هفواتِ ذوي الهناتِ، وأنْ
يَسْتَشْعِرَ الإشْفاقَ، ويَخْلعَ التَّكَبُّر، فإنَّه منْ ملابِسِ أهلِ النِّفاقِ، ولْيُحْسِن لعباد الله اعْتِقادهُ، ولا يَرْفُضْ
زمامَ العدلِ ومَقَادَه، وأنْ يعاقب المجرم على قدر زَلَّتِهِ. ولا يَغْتَرَّ عنْدَ ذَلَّتِه. ولْيعلم أنّ الشيطانَ أغْواه،
وزَيَّنَ له هواه، فيُشْفق منْ عَثَاره، وسوء آثاره، وسَيَشْكُرُ الله على ما وهبَ له منَ العافية، وأَلْبَسَهُ من
ملابِسها الضَّافية، ويَذْكُرَهُ جَلَّ وتعالى في جميع أحواله، يُفَكِّرَ في الحشر وأهواله، ويَتَذَكَّر وعداً يُنْجَزُ
فيه ووعيداً (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا)، والأمير -
стр. 170
أيده الله - وليٌّ له ما مدَّ عَدْلاً وبَسَطَ، وبَريء منه إنْ جارَ وقَسَطَ، فمَنْ
قرأهُ فَلْيَقِفْ عند حدِّه ورسْمه، ولْيَعرف لهُ حَقَّ قطْعِ الشرِّ وحَسْمِه، ومنْ وافقَهُ منْ شريف أوْ مشروفٍ،
وخالَفَهُ في نهيِ عنْ مُنْكرٍ أوْ أَمْرٍ بِمَعْروفٍ، فقد تعرض مِنَ العقابِ إلى ما يُذيقه وبالَ جهْلِه (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
وفي المعنى لأبي مروان بن أبي الخصال:
كتابُ مَبَرَّةٍ مُجَدَّدَةٍ، وأثْرَةٍ مؤكدة، وحُرْمَةٍ مُتَّصِلَةٍ الأسبابِ ممُهّدَة، أمر به أبو فلان - أيده الله - لفلان
ابن فلان صانه الله، وأمَدَّه بتقواه. قَدَّمه به إلى خُطَّةِ أحكام المدينة بحاضرة فلانة، حينَ أُخيفتْ سبل
السيَّارَة، وظهر فيها أهل الفِسْق والدَّعارة، وصدُّوا المسلمين عنْ وجوه المعيشة والتِّجارة، لما رجاه
من قيامه بالخُطَّةِ واضطلاعه، وتَوَقُّده على حسمِ الشَّرِّ واجتماعه، مع ما بلاهُ قديماً وحديثاً منْ حميد
أثره، وَرَضِيِّه على الامتحان من مختبره، وتحققه من حُسْنِ مذاهبه وسِيَره، واعتقد فيه تَغْييرَ
المُنْكراتِ، وقَطْعَ المُسكرات، وَكَفَّ أهل العدوان والاسْتطالاتِ، ورَدَّ الجائرينَ عنْ القصد إلى سواء
الطريق. وعهِدَ إليه أنْ يَبُثَّ الاحتراس في سُبُلِ المسلمينَ ومسالكهم، ويُذْكيَ العيون في طُرُقِهم
ومنَاكِبِهم، إرْصاداً للمحاربينَ، وأخْذاً فوق أيدي المُفْسدينَ، ليَتَصَرَّفَ الناسُ في معائشهم آمنين،
ويمشوا في مناكبِ الأرضِ مطْمَئنينَ، وجعل عليه إقامة الحُدود، وإنفاذَ الأحكام فيها على واجب حقها
المحدود، إلاّ ما كانَ قَتْلاً أوْ رَفْعاً، فإنه مأمورٌ فيه بردِّه إليه - أيده الله - يُشاملُهُ بِحُسْنِ نظره، وَيُقَابِلُ
كُلَّ
стр. 171
إجْرَامٍ منَ العِقاب بقدرِهِ، حَذَراً أنْ تُوقِعَ الحدود في غير مواقِعِها، أوْ يُصابَ بها غيْرُ مواضعِها،
فلْيَمْضِ أبو فلان في غَيْر ما استَثْناهُ عليه من الحدود ظاهرَ القنا والأيدِ، ولْيَتَولها غير ضعيف الكَيْدِ،
دونَ أنْ يَرْعى في فاسقٍ شفاعة مثيل، وأنْ يَخِلَّ من حدود الله بِفتيلٍ، وأجْرى له منَ الوَرِق عشرة
دنانير، يقبضها مشاهَرَةً من الخراج، ليرفع منْ همَّته، ويعفَّ بها في طُعْمَتِه، ولْيَسْتَمِرَّ على صيانته،
ويزيدَ نزاهةً إلى نزاهَتِهِ، ولئلا يجِدَ ذُو الظِّنِّ لسوء ظنِّه مَسْلكاً، وَلاَ يجْعَلَ على نفسه للإساءةِ دَرَكاً.
فمَنْ قرأَ هذا الكتابَ أوْ أَُقْرِئَهُ منْ جميع العمَّال وذوي الأمر، وأتباعِهم وكافَّة الناس على طبقاتهم
وأصنافهم، فَلْيَقِفْ عندما يَسْمعُهُ، ولا يتَعَرَّضْ لعقابِ يكفُّ عناهُ ويَرْدَعُهُ، والله المُوفِّقُ.
لا ربَّ غيرهُ.
تجديد ولاية في المعنى:
كِتابُنا أدامَ اللهُ احْتِماءَكَ، وأنارَ لِنُجومِ السَّعْد سماءكَ، وجعل إلى طاعَتِه اعْتِزاءكَ وانتماءك. وقدْ وردَ
كتابُكَ الأثير، ووَقَفْنا على ما حواه، وعَرَفنا سرَّه ونجْواه، وما كانَ لفلانٍ أنْ يعْتَرِضَكَ ويَرْمي
غَرَضكَ. وقدْ وجَّهْنا إليه ما يَكُفُّ اعتداءهُ، ويصْرفُ عنك إعادته بِمَكْروه وابتداءه، فشمِّرْ عنْ ساعِدِ
الاكتفاء، وهُبَّ منْ ذلكَ الإغْفاء، وأرِنا مُنْتَهى غنائكَ، وتَوَخَّ بالاجتهادِ مُعارَضة تَقْريبكَ وإدْنائكَ،
وشِفَّ الشِّدَّة ببَنَانٍ، ولا تَقْطعْ بأثر دونَ عيانٍ، وسُدَّ سَمْعكَ عن النمائم، ولا تَغْمِد النَّصل قبل شقِّ
الكمائم، وأَقِلْ عثرات ذوي الهيآت، وادْرَإِ الحدود بالشُّبُهات، وتجاوزْ عنهم غير مُرْتابٍ، وخُذْ فيهم
بِرُخُصِ السنَّة
стр. 172
والكتاب، وامزجْ لسواهم الصَّابَ بالضَّرَب، واقرعْ في نَكَالهم النَّبْعَ بالغَرَب، والله المستعانُ.
وفي المعنى:
ما وَقع بتِلكَ الجهة نَعْلَمُهُ، ولمْ يخْفَ عنكَ توَجُّعُ السلْطانِ منه وتَأَلُّمُهُ، فَانْهَدْ لتلافي الأمرِ، وإطْفاء
ذلكَ الجمرِ، وَاسْعَ في حسْمِ عِلَلِهِ، وَرَمِّ خَلَلِهُ، واجْرِ إلى ما يُتَعَرَّفُ به حميدُ أثركَ، ويُعْرَفُ به حُسْنُ
نَظَرِكَ، ولا يَغُرُّكَ عَرَضٌ ولا يكونُ لكَ في غير تهدينِ ما نشاءُ غَرَضٌ، وإياكَ أنْ يَرْتَفِعَ عليكَ أمْرٌ
يُنْعى، أوْ يَبْلُغَ عندكَ ما يُلْقى به ما يُحْفَظُ لك ويُرْعى.
وكتب أبو نصر بتولية مواريث، وهو مما أحسن فيه:
كتابُ توجيهٍ وتَكريمٍ وتقْليدٍ وتَقْديمٍ. أمَرَ بإنْفاذِهِ فلان - أيده الله - لفلان - أبقاه الله - ليتقدَّمَ
للمواريثِ بفلانة وأعمالها، ويَرُمَّ ما وجَدَ من اخْتلالها، ويَنْظِمَ ما تناثرَ منْ عقد فوائد اسْتِقْلالها، إحْظاءً
أفاضَ عليه ملْبَسَه، وأوْرى لهُ زَنْدَه فاقْتَبَسَه، لِما عَهِدَه منْ حُسْنِ يقينِهِ، وعلِمَهُ منْ ورَعِهِ ودينِه،
وتَحَقَّقَهُ منْ حياطَتِه وتَحْصينِه، فلْيتقدَّم إلى ذلكَ معظَّمَ القدر، منشرحَ الصدرِ، موثِراً للأمانةِ، مُسْتَكْثِراً
للصيانَةِ، مُجْتَهداً فيما يعودُ على بيتِ المال بنَفعٍ، مدافعاً عنْ تَحَيُّفِهِ
стр. 173
أشدَّ دفع. لا يغْفَلُ منْ واجباته واجباً، ولا يُهْمِل من جَنَبَاتِ ارْتفاقِهِ جانباً،
ولا يدعُ رسماً منْ رسومِهِ داثِراً، ولا يَتْرُكُ أحداً بحَقٍّ منْ
حُقوقِه مُسْتَأثراً، وأنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يُتَوَفَّى بحْثاً يعْلَمُ به حقيقَةَ وارثِهِ وعاصبهِ، ويَسْلَمَ بِسَبَبِهِ بيتُ المال
منْ غاصبِه. فإنْ وجَدَ مالاً لا وَارِثَ لَهُ ولا مُدَّعياً، ولا باحثَ عنْ وجوبِهِ له ولا مُسْتَدْعياً، رفعه إلى
بيت المال، وحمله إليه أحقَّ احْتمال. وإنْ وَجَدَ مالاً يَدَّعيه مُدَّعٍ، وله شبهةٌ ربَّما اقتضتْ صدْقهُ،
وأَمْضت له حقَّه، جعله في ثقافٍ، وصيره في جُمْلةِ الأوقاف، بعد الإشهاد على وزْنِه إنْ كانَ عيْناً، أوْ
مبْلغه إنْ كانَ ديناً، حتّى يبينَ حقُّ مدَّعيه ويتَّضحَ، أوْ تثْبُتَ دعواهُ وتَفْتَضح. وحدَّ له افتقاد أراضيها،
وارْتِجاع ذاهبها - بتعدٍّ إنْ كانَ - وماضيها، وتَثْمير عامرِها، وإنْفاذَ مبيعِ غامرها، بعد الشهادة فيها
بالسداد، والمبالغة في الإشادة في تسويقها، والإنْشادِ، حتّى لا يُدْرَكَ فيها غَبْنٌ، ولا يَشْتَرِكَ في تَرْقيدها
أبٌ وابنٌ، مُجَوِّزاً له في ذلكَ ما يُنَفِّذُهُ ويُمْضيه، مَحْمولاً فيه على ما تقتضيه صحَّةُ تقويمه وتقتضيه.
لا اعتراض عليه فيما بدأه من ذلك أوْ تمَّمَهُ، ولا انتقاض لما عقده منه وأَبْرمه، ما لم تخْتَلَّ أعْمالُهُ،
ولم يبِنِ انْهماله.
فمنْ قرأه فلْيَسْلُكْ معه السَّنن القويم، ولْيتَقبَْلْ فيه الرأي الكريم. إن شاء الله.
стр. 174
فصل ومن أبلغ ما كتبوا لمنْ ثارَ وتَعدَّى وتَعَرَّضَ للخلاف وتَصَدَّى
أمّا بعد فكَّ الله غَرْبَ انْتزائكَ، وَعدَلَ بكَ عن انْتِمائكَ للضَّلالِ واعْتِزائكَ، فقد سلَكْتَ مَجْهلاً وذهَبْتَ
مَذْهباً مُسْتَوْبلاً، دلاكَ في مهاوي الغرور، ومنّاكَ بأماني زور، حداكَ إلى ركوبها، وسَقاكَ بِذُنوبها،
اسْتِصْغارُنا لأمْركَ، واحْتِقارُنا لِملتهب جَمْرِكَ، فوالله لئنْ لمْ تقِفْ في مكانِكَ، وتَنْحَرف عن طُغْيانِكَ،
وتَصْحُ من تهَوُّرِكَ وخِذْلانِكَ، لَأُجْهِزَنَّ نَحْوَكَ كَتَائِبَ كالليل البهيمِ، (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)، تزْأَرُ زئير الضَّراغِم، وتزْخَرُ
كالبحر المُتَلاطِمِ، فتَنْتَشِفُّ ماءكَ وتَكْتَشِفُ سماءكَ، وتَغْنَمُ طارِفَكَ وتِلادَكَ، وتُخَرِّبُ أرْضك وبلادَكَ،
حتى تعودَ قاعاً صفصفاً ولا تجِدُ منها مجيراً ولا منْصفاً، فتَغْدو خاويةً على عروشها كأنْ لم تَغْن
بالأمس وما منْ أهلها إلا حبيسٌ أوْرهينُ رَمْس، ولولا أنّا لا ندفَعُ إلا إِثْرَ وعيدٍ، ولا نوقِعُ إلا بعدَ نهي
نُبْدئُ ونُعيدُ، لكانت مكانَ الكُتْبِ الكتائبُ، وسمعتَ بدلاً منْ معانيه اصطكاك الركائب، وما بعد هذا إلا
منْ يُشيرُ إلى الوقائع، ويُثِيرُ لكَ غُبارَهُ الطَّلاَئِعُ، والسلامُ على من اتبع الهدى.
стр. 175
وله في المعنى:
أما بعد، أراكَ الله إخفاقَ مخائلكَ، وأعلَقَكَ في شَرَككَ وحبائلكَ، وأراكَ وبالَ بَغْيِكَ وغوائلِكَ، فقدْ
أوْرثكَ ضلالُكَ عنِ الرشاد وَسَناً، وأراكَ سيِّءَ أمْرِكَ حسناً، وثنى لكَ إلى مهالككَ عِنانا ورَسَنا،
فركبْتَ لخلافنا ظَهْراً، وأبْديْتَ أسرارَ عِصياننا جَهْراً، وسيَحْدوكَ كيْدُكَ إلى الفرارِ فلا تُطيقُ نفاذاً،
ويدعوكَ إلى الاعتصام فلا تجد ملاذاً، فما نَاوَأَنا مناوئٌ، ولا عارضنا من الغواية غاوٍ إلا عاجله
حِمَامُه، وقاتله عنا رُمْحُه وحُسامُه، ولولا أنا لا نوقِعُ قبل وعيد، ولا نزْمَعُ إلا بعد نهي مُبْدِئٍ ومُعيد،
لوجَّهنا إليكَ جيشاً تتزاحمُ أفواجه كالبحر إذ تتلاطمُ أمواجُه، تغْدو كقطعٍ الليل مواكبُه، وتبدو من
الأسنَّة كواكبُه، فيُثيرونَ قَتَاماً يعتم به جوُّك إعْتاماً، فلا ترى إلا لَمْعَ سنان، ولا تسمع إلا صَوْلَةَ بطل
فيها صدع جَنَانٍ، فيعود اغتباطكَ ندماً، ووجودُ أنصاركَ وأشياعكَ عَدَماً، فتَلومُ نفسك حين لا يغْني
الملامُ، وتستسلمُ ولا ينْفَعكَ الاسْتِسلامُ، لكنا كففنا بأسنا حتى يقدمَه الإنْذار، وتوقَّفْنا حتى يُعربَ عنّا
الإعذارُ، ثمَّ يأتي منْ بعد ذلك يومٌ عبُوسٌ قَمْطرير، لا يشرقُ فيه إلا ذابلٌ أوْ حُسامٌ طرير، وقد عَوَّدَنا
الله سبحانه ذلك في أعْدائنا، وأراناه في إعادتنا وإبْدائنا، وهو بعِزَّته يولي صُنْعَهُ الجميل معنا، ويحمي
من النوائب موْضعَنا، بمَنِّه وكرمه.
وفي المعنى لأبي بكر بن القصيرة:
стр. 176
أمّا بعدُ يا أمَّةٌ لا تَعْقِل رُشْدها. ولا تَجْرِى إلى ما تَقْتََضي نِعَمُ الله عندها، ولا تُقْلِعُ عنْ أذى تفشيه قرباً
وبُعْداً جُهْدَها، فإنَّكم لا ترْعونَ لجارٍ حرمة، ولا ترْقبون في مومِنٍ إلاَّ ولا ذِمَّة، قدْ أعْماكُمْ عنْ
مصالحكم الأشرُ، وأضَلَّكمْ، ضَلالاً بعيداً البَطَر، ونَبَذْتُم المعروفَ وراء ظهوركم، وأتَيْتُمْ بما نُنْكِرُهُ
مُقْتدياً في ذلك صغيركم بكبيركم، وخاملكم بمشهوركم، ليسَ فيكم زاجرٌ، ولا منكم إلا غويٌّ وفاجِرٌ،
وما نرى إلا أنَّ الله شاء مَسْخَكُمْ، وأرادَ فسْخَكم ووسْخكم فسلّط عليكم الشيطانَ الرجيم يغُرُّكم
ويُغْريكم، ويُزَيِّنُ لكم قبيح معاصيكم، وكأنَّكم به، وقد نكص على عقبيه، وقال إني بريءٌ منكم،
وَتَرَكَكُمْ في صَفْقَةٍ خاسرةٍ، لا تَستقيلُونَها إنْ لمْ تَتُوبوا لا في دنيا ولا في آخرة.
وحَسْبُنا هذا إنْذاراً لكمْ، وإعْذاراً قبلَكُمْ، فتوبوا وأنيبوا وأَقْلِعُوا وانْزعوا، واقضوا من أنْفُسِكُم جميع منْ
وترْتُموه، وانصفوا جميعَ منْ ظَلَمْتُموهُ وغَشَمْتُموه، ولا تَسْتَطيلوا على أحد بَعدُ، ولا يكُنْ منكم إلى أداة
صَدَرٌ ولا وِرْد، وإلا عاجَلَكم منْ عقوبَتنا ما يَجْعلكم مثلاً سائراً، وحدثاً غابراً، فاتقوا الله في أنْفُسكم
وأهْليكم، وإياكُم والاغترار فإنَّه يُوَرِّطُكمْ فيما يُوذيكمْ، ويُلْقيكم إلى ما يَشْمَتُ به أعاديكم، وكفى بهذه
تبصرة وتذْكرةً، ليس لكم بعدها حُجَّةٌ ولا معْذرةٌ، وما توْفيقي إلا بالله.
وفي المعنى لأبي القاسم بن الجد: كتابنا أبْقاكمُ الله وسَدَّدَكُمْ وأراكُمْ
стр. 177
مصالحكم وأرْشَدَكم، وجعل إلى سبيل التخلص مقْصدكم. وقداتصل بنا ما حملكم عليه الاغترار،
وأنْكرناه، وحقُّه الإنْكار، منَ الجريرة
التي جرَّها سُفهاؤكم، والفتْنة التي أثارها غَوْغاؤُكم، وضَعُفَ عنْ كفِّها حَلُماؤكم، في العبث بذلكَ الغلامِ
والتخطي بعد ذلك إلى حزِّ رأسه، وتَفْريقِ أشْلائه، وتَحْريق أوصاله وأعْضائه، ورُكوبِكم الرُّؤوسَ في
مُواقَعة الآثام، وسَفْكِ الدَّم الحَرَام، وما لكم في المعاصي من الجرأة والإقدام، بدعةٌ لم تُبْتَدعْ قَبْلها،
ولاأتتِ الجاهلية مثْلها، وشقّاً لعصا الطاعة وقطعاً لحَبْلها، وتَحَوُّلاً إلى ظلِّ العصيان من ظلها،
وتعرضاً للعقوبة ورغبة في الارتسام بدلها، فِعْلُ منْ غمطَ النِّعمة، واستعجل النِّقمَةَ، واخْتارَ على
العافيَة المحنة. وسنفرغُ بحسم هذه الأمور، ونُحْدثُ لكم فيها الأحكام من قدر ما أحْدَثْتُمْ منَ الفجور،
ونُعجل لكم الآن بعض مالَكم فيه أَدَبٌ يَزَعُكُم، وتقديمٌ يرْدَعُكم. فأوْجَبْنا في الخطيئة على من قتَل
الغُلامَ ظُلْماً، وانتهَكَ حُرْمتَه جُرْماً، غرامَةَ ألْفٍ وخَمْسِ مائة دينار، ولا مناصَ لهم عنْ أدائها، ولا
عُذْرَ في التَّأخر عن قضائها، وأمرنا فلانا أنْ يَسْتَوفي عددها، ويسْتَعجل أمدها، ويتحاشى منها أهل
الصلاح والعفاف، ويؤخَذَ بها أهلُ التسرع إلى الشر والإسْفاف. فإنْ أخذ هذه على أيْدي السُّفهاء،
وانقطعتْ بها أسبابُ العداءِ، وإلا أنْزَلْنا بهم العقاب الأشنعَ، والنكال الأوجع. فارتدعوا مما أنتم عليه
مما لمْ تزالوا تجروا إليه منْ ثَوْرةٍ في الشرِّ إثْر ثورَةٍ، وفوْرَة في النِّفاقِ بعدَ فَوْرَة، واعلموا أنَّ
استِطالَتَكم تُورِّثكم الندامة، وأنّ استقامتكم تُعَقِّبُكم السلامة، فاختاروا ما شِئتُم منَ الاعْوِجَاجِ أو
الاسْتِقامَةِ. فإنَّ لكلٍّ عندنا جزاءً مَعْلوماً، وجُزْءاً منَ الثوابِ أوِ العقاب مقْسوماً. ولا حول ولا قوة إلاّ
بالله.
ومن إنشائه أيضاً في المعنى:
كتابُنا أبْقاكم الله وَعَصَمَكم بتقواه، ويسركُم منَ الاتِّفاق والائتلاف إلى ما
стр. 178
يرْضاهُ، وجَنَّبَكم من الشَّقاقِ والخلاف ما يُسْخِطُهُ ويَنْعاه.
من حضْرة فلانَة، حرسها الله، وقدْ بَلَغَنا ما تأكَّدَ بينَ أعْيانِكُم منْ أسْبابِ التَّباعد والتَّبايُنِ، ودواعي
التَّحاقد والتَّباغُض، والتَّناقضِ والتَّدابُر، وتَمادي التَّقاطع والتهاجر، وفي هذا على فُقَهائكم وصُلَحائكم
مطعنٌ بيِّن، ومَغْمَرٌ لا يَرْضاهُ مومِنٌ ديِّن. فهَلاّ سعوا في إصلاح ذات البين سعيَ الصَّالحينَ، وجَدُّوا
في إبْطال أعْمال المُفْسدينَ، وبَذَلُوا في تأليف الآراء جُهْدَ المُجْتَهدينَ، ورَأَيْنا - والله المُوَفِّقُ للصَّواب
- أنْ نُعْذرَ إليكم بهذا الخطاب، فإذا وصل إليكم وقرئ عليكُم (الأمارة بالسوء) وَارْغَبُوا في السُّكونِ
والهدوء، ونَكِّبوا عن طريق البَغْيِ الذميمِ المشنوء، واحذَروا منْ دواعي الفِتَن، وعواقب الإحن، ما
يجرُّ رديَّ الضَّمائر، وفساد السرائر، وعَمَى البصائر، ووخيم المصائر، وَأَشْفِقُوا على أدْيانِكم
وأعْراضكم، وأَخْلصوا السمعَ والطاعَةَ لِوَالِي أُمورِكُمْ، وخَليفَتِنا في تَدْبيركُمْ وسياسَة جمهوركم، أبِي
فلان الكريم علينا أَبْقاه الله وأدامَ عِزَّتَه بِتَقْواه. واعْلَموا أنَّ يدَهُ فيكم كَيَدِنا، ومَشْهده كَمَشْهَدِنا، فقفوا
عندَما يَحُثُّكم عليْه، ويَدْعوكم إليْهِ، ولا تَخْتَلِفوا في أمر منَ الأمور لديه، وانْقادُوا أَسْلَسَ انقياد بِحُكْمه
وعَزْمه، ولا تُقيموا على ثَبَجِ عنادٍ بينَ حَدِّه ورَسْمِه. والله
стр. 179
تعالى يفيءُ بكمْ إلى الحُسْنى، ويُيَسِّرُكُم إلى ما فيه صلاحٌ الدين والدُّنيا بِمَنِّه وكَرَمِهِ.
ومن إنشاء أبي نصر في المعنى:
كتَابُنا أَرَاكُمُ الله مرَاشِدَكُمْ، وحَسَّنَ منازِعكم ومقاصِدكم، وأَلْحَفَ السَّدادَ مصادِرَكم وموارِدَكُم. يوم كذا
من شهر كذا عن جيش لجِبٍ، ونصْرٍ غيرِ مُحْتَجِبٍ، وبَأْسٍ إليكم مُنْسَرِبٍ، وحَنَقٍ عليكم مُضْطَرِبٍ
مُلْتَهبٍ. والله تعالى يَكُفُّ طُغْيانَكُم، ويَكْفي عُدوانَكُم، ويَتَأَدَّى من قِبَلِ الأمير أبي فلان الذي أمَّرْناه
عليكم ووَلَّيْناه، وأمَرْناهُ أنْ يَتَوَلَّى منَ أمْركم ما تَوَلَّيْناه، وهو يُمْنى يدينا، وأَسْنى منْ لدينا. لسانه
لِساننا، وأعوانُه فيكم مُرْهَفُنا وَسِنانُنا، يُسْرِعُها لمَنْ اعتدى، ويَرْفعها عمَّن طاع واهتدى، حتى يُسوِّي
عِوَجَكم، ويزيل هََرَجَكم، ويُسَكِّنَ وهَجَكم، ويُوَضِّح في الاسْتِقامة سَنَنَكم ومَنْهَجَكم. فَأَعْلِنُوا له بالسمع
والطاعة، وابْلُغُوا في إقامة رَسومه والوُقوفِ عند حدُودِه أَبْعد غاية الاسْتِطاعَة.
ولا تَحْمِلوا أمْره على ما حمَلْتُم عليه أمر منْ تقدَّمَ، فيَحِيقُ بكُمُ النَّكالُ ولا يَنْفَعُكُم النَّدَمُ. ولا تَغْتَروا
بِمن أغْضى لكم عن أذى، وأطْبَقَ جفنه منكم عن قذىً فبِاللَّه إنْ سامَ منكم بارِقُ خلافٍ، ولم تأتَلِفوا
لديه أحسنَ ائتلاف، لَيَجْزِيَنَّكُم أسْوأَ جزاءٍ، ويُزيلَ ما بِكمْ منْ انْتِزاءٍ، حتى تَعُودوا لحْماً على وَضَم،
ولا يَبْقى منكم
стр. 180
غيرُ مهيض مهتضَم، كما قال رَبُّنا في قومٍ تَقَيَّلوا شياطينهم (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ).
فقد صحَّ عندنا أنَّكم في سَنَنِ الغدرِ سالِكون، وعلى وَثَنِ البَغْي والمكر عاكفون. فنَكِّبوا عنْ هذه
السبيل، وتَبَرَّؤوا منْ هذا المذهب الوبيل، واسْتَشْعِروا إعْداداً للطاعة وإسْراعاً، وأَظْهروا اشْتِمالاً
لِجَلابيبِها وادِّراعاً. وهو مُجازٍ لمحسنكُم بالإحسان الحميد، ولِمُسيئكُم بالعقابِ الشديد. وقول الله تعالى
لكم حسيب، وعليكم شهيد (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)
ومن إنشائه في المعنى:
أمَّا بعدُ، فإنَّ الأيْدي قد امتدتْ، ودواعي التَّعدي قد اشْتَدَّتْ، وأموالُ الناس تُنْتَهبُ، وزواجِرُ كتاب الله
لا تُرْتَهبُ، وأنتَ تَنامُ عنْ كفِّ هذا الانتِهاب، وتَلينُ في موضعِ السَّطْوة والإرهاب، تعْتَكِفُ على
الراح وراحاتها، وتقفُ عندَ بُكَرِها وروَحاتِها، وقديما أفْسَدَتِ الراحة الأحوال، وجَرَّتْ إلى أهلها
الأهوال فدعها فليس بأوانها، واكتفِ منْ صحيفة الشَّرِّ بعُنوانها،
следующие страницы →