← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أمّا بعدُ يا أمَّةٌ لا تَعْقِل رُشْدها. ولا تَجْرِى إلى ما تَقْتََضي نِعَمُ الله عندها، ولا تُقْلِعُ عنْ أذى تفشيه قرباً وبُعْداً جُهْدَها، فإنَّكم لا ترْعونَ لجارٍ حرمة، ولا ترْقبون في مومِنٍ إلاَّ ولا ذِمَّة، قدْ أعْماكُمْ عنْ مصالحكم الأشرُ، وأضَلَّكمْ، ضَلالاً بعيداً البَطَر، ونَبَذْتُم المعروفَ وراء ظهوركم، وأتَيْتُمْ بما نُنْكِرُهُ مُقْتدياً في ذلك صغيركم بكبيركم، وخاملكم بمشهوركم، ليسَ فيكم زاجرٌ، ولا منكم إلا غويٌّ وفاجِرٌ، وما نرى إلا أنَّ الله شاء مَسْخَكُمْ، وأرادَ فسْخَكم ووسْخكم فسلّط عليكم الشيطانَ الرجيم يغُرُّكم ويُغْريكم، ويُزَيِّنُ لكم قبيح معاصيكم، وكأنَّكم به، وقد نكص على عقبيه، وقال إني بريءٌ منكم، وَتَرَكَكُمْ في صَفْقَةٍ خاسرةٍ، لا تَستقيلُونَها إنْ لمْ تَتُوبوا لا في دنيا ولا في آخرة. وحَسْبُنا هذا إنْذاراً لكمْ، وإعْذاراً قبلَكُمْ، فتوبوا وأنيبوا وأَقْلِعُوا وانْزعوا، واقضوا من أنْفُسِكُم جميع منْ وترْتُموه، وانصفوا جميعَ منْ ظَلَمْتُموهُ وغَشَمْتُموه، ولا تَسْتَطيلوا على أحد بَعدُ، ولا يكُنْ منكم إلى أداة صَدَرٌ ولا وِرْد، وإلا عاجَلَكم منْ عقوبَتنا ما يَجْعلكم مثلاً سائراً، وحدثاً غابراً، فاتقوا الله في أنْفُسكم وأهْليكم، وإياكُم والاغترار فإنَّه يُوَرِّطُكمْ فيما يُوذيكمْ، ويُلْقيكم إلى ما يَشْمَتُ به أعاديكم، وكفى بهذه تبصرة وتذْكرةً، ليس لكم بعدها حُجَّةٌ ولا معْذرةٌ، وما توْفيقي إلا بالله. وفي المعنى لأبي القاسم بن الجد: كتابنا أبْقاكمُ الله وسَدَّدَكُمْ وأراكُمْ

стр. 177

مصالحكم وأرْشَدَكم، وجعل إلى سبيل التخلص مقْصدكم. وقداتصل بنا ما حملكم عليه الاغترار، وأنْكرناه، وحقُّه الإنْكار، منَ الجريرة التي جرَّها سُفهاؤكم، والفتْنة التي أثارها غَوْغاؤُكم، وضَعُفَ عنْ كفِّها حَلُماؤكم، في العبث بذلكَ الغلامِ والتخطي بعد ذلك إلى حزِّ رأسه، وتَفْريقِ أشْلائه، وتَحْريق أوصاله وأعْضائه، ورُكوبِكم الرُّؤوسَ في مُواقَعة الآثام، وسَفْكِ الدَّم الحَرَام، وما لكم في المعاصي من الجرأة والإقدام، بدعةٌ لم تُبْتَدعْ قَبْلها، ولاأتتِ الجاهلية مثْلها، وشقّاً لعصا الطاعة وقطعاً لحَبْلها، وتَحَوُّلاً إلى ظلِّ العصيان من ظلها، وتعرضاً للعقوبة ورغبة في الارتسام بدلها، فِعْلُ منْ غمطَ النِّعمة، واستعجل النِّقمَةَ، واخْتارَ على العافيَة المحنة. وسنفرغُ بحسم هذه الأمور، ونُحْدثُ لكم فيها الأحكام من قدر ما أحْدَثْتُمْ منَ الفجور، ونُعجل لكم الآن بعض مالَكم فيه أَدَبٌ يَزَعُكُم، وتقديمٌ يرْدَعُكم. فأوْجَبْنا في الخطيئة على من قتَل الغُلامَ ظُلْماً، وانتهَكَ حُرْمتَه جُرْماً، غرامَةَ ألْفٍ وخَمْسِ مائة دينار، ولا مناصَ لهم عنْ أدائها، ولا عُذْرَ في التَّأخر عن قضائها، وأمرنا فلانا أنْ يَسْتَوفي عددها، ويسْتَعجل أمدها، ويتحاشى منها أهل الصلاح والعفاف، ويؤخَذَ بها أهلُ التسرع إلى الشر والإسْفاف. فإنْ أخذ هذه على أيْدي السُّفهاء، وانقطعتْ بها أسبابُ العداءِ، وإلا أنْزَلْنا بهم العقاب الأشنعَ، والنكال الأوجع. فارتدعوا مما أنتم عليه مما لمْ تزالوا تجروا إليه منْ ثَوْرةٍ في الشرِّ إثْر ثورَةٍ، وفوْرَة في النِّفاقِ بعدَ فَوْرَة، واعلموا أنَّ استِطالَتَكم تُورِّثكم الندامة، وأنّ استقامتكم تُعَقِّبُكم السلامة، فاختاروا ما شِئتُم منَ الاعْوِجَاجِ أو الاسْتِقامَةِ. فإنَّ لكلٍّ عندنا جزاءً مَعْلوماً، وجُزْءاً منَ الثوابِ أوِ العقاب مقْسوماً. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. ومن إنشائه أيضاً في المعنى: كتابُنا أبْقاكم الله وَعَصَمَكم بتقواه، ويسركُم منَ الاتِّفاق والائتلاف إلى ما

стр. 178

يرْضاهُ، وجَنَّبَكم من الشَّقاقِ والخلاف ما يُسْخِطُهُ ويَنْعاه. من حضْرة فلانَة، حرسها الله، وقدْ بَلَغَنا ما تأكَّدَ بينَ أعْيانِكُم منْ أسْبابِ التَّباعد والتَّبايُنِ، ودواعي التَّحاقد والتَّباغُض، والتَّناقضِ والتَّدابُر، وتَمادي التَّقاطع والتهاجر، وفي هذا على فُقَهائكم وصُلَحائكم مطعنٌ بيِّن، ومَغْمَرٌ لا يَرْضاهُ مومِنٌ ديِّن. فهَلاّ سعوا في إصلاح ذات البين سعيَ الصَّالحينَ، وجَدُّوا في إبْطال أعْمال المُفْسدينَ، وبَذَلُوا في تأليف الآراء جُهْدَ المُجْتَهدينَ، ورَأَيْنا - والله المُوَفِّقُ للصَّواب - أنْ نُعْذرَ إليكم بهذا الخطاب، فإذا وصل إليكم وقرئ عليكُم (الأمارة بالسوء) وَارْغَبُوا في السُّكونِ والهدوء، ونَكِّبوا عن طريق البَغْيِ الذميمِ المشنوء، واحذَروا منْ دواعي الفِتَن، وعواقب الإحن، ما يجرُّ رديَّ الضَّمائر، وفساد السرائر، وعَمَى البصائر، ووخيم المصائر، وَأَشْفِقُوا على أدْيانِكم وأعْراضكم، وأَخْلصوا السمعَ والطاعَةَ لِوَالِي أُمورِكُمْ، وخَليفَتِنا في تَدْبيركُمْ وسياسَة جمهوركم، أبِي فلان الكريم علينا أَبْقاه الله وأدامَ عِزَّتَه بِتَقْواه. واعْلَموا أنَّ يدَهُ فيكم كَيَدِنا، ومَشْهده كَمَشْهَدِنا، فقفوا عندَما يَحُثُّكم عليْه، ويَدْعوكم إليْهِ، ولا تَخْتَلِفوا في أمر منَ الأمور لديه، وانْقادُوا أَسْلَسَ انقياد بِحُكْمه وعَزْمه، ولا تُقيموا على ثَبَجِ عنادٍ بينَ حَدِّه ورَسْمِه. والله

стр. 179

تعالى يفيءُ بكمْ إلى الحُسْنى، ويُيَسِّرُكُم إلى ما فيه صلاحٌ الدين والدُّنيا بِمَنِّه وكَرَمِهِ. ومن إنشاء أبي نصر في المعنى: كتَابُنا أَرَاكُمُ الله مرَاشِدَكُمْ، وحَسَّنَ منازِعكم ومقاصِدكم، وأَلْحَفَ السَّدادَ مصادِرَكم وموارِدَكُم. يوم كذا من شهر كذا عن جيش لجِبٍ، ونصْرٍ غيرِ مُحْتَجِبٍ، وبَأْسٍ إليكم مُنْسَرِبٍ، وحَنَقٍ عليكم مُضْطَرِبٍ مُلْتَهبٍ. والله تعالى يَكُفُّ طُغْيانَكُم، ويَكْفي عُدوانَكُم، ويَتَأَدَّى من قِبَلِ الأمير أبي فلان الذي أمَّرْناه عليكم ووَلَّيْناه، وأمَرْناهُ أنْ يَتَوَلَّى منَ أمْركم ما تَوَلَّيْناه، وهو يُمْنى يدينا، وأَسْنى منْ لدينا. لسانه لِساننا، وأعوانُه فيكم مُرْهَفُنا وَسِنانُنا، يُسْرِعُها لمَنْ اعتدى، ويَرْفعها عمَّن طاع واهتدى، حتى يُسوِّي عِوَجَكم، ويزيل هََرَجَكم، ويُسَكِّنَ وهَجَكم، ويُوَضِّح في الاسْتِقامة سَنَنَكم ومَنْهَجَكم. فَأَعْلِنُوا له بالسمع والطاعة، وابْلُغُوا في إقامة رَسومه والوُقوفِ عند حدُودِه أَبْعد غاية الاسْتِطاعَة. ولا تَحْمِلوا أمْره على ما حمَلْتُم عليه أمر منْ تقدَّمَ، فيَحِيقُ بكُمُ النَّكالُ ولا يَنْفَعُكُم النَّدَمُ. ولا تَغْتَروا بِمن أغْضى لكم عن أذى، وأطْبَقَ جفنه منكم عن قذىً فبِاللَّه إنْ سامَ منكم بارِقُ خلافٍ، ولم تأتَلِفوا لديه أحسنَ ائتلاف، لَيَجْزِيَنَّكُم أسْوأَ جزاءٍ، ويُزيلَ ما بِكمْ منْ انْتِزاءٍ، حتى تَعُودوا لحْماً على وَضَم، ولا يَبْقى منكم

стр. 180

غيرُ مهيض مهتضَم، كما قال رَبُّنا في قومٍ تَقَيَّلوا شياطينهم (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ). فقد صحَّ عندنا أنَّكم في سَنَنِ الغدرِ سالِكون، وعلى وَثَنِ البَغْي والمكر عاكفون. فنَكِّبوا عنْ هذه السبيل، وتَبَرَّؤوا منْ هذا المذهب الوبيل، واسْتَشْعِروا إعْداداً للطاعة وإسْراعاً، وأَظْهروا اشْتِمالاً لِجَلابيبِها وادِّراعاً. وهو مُجازٍ لمحسنكُم بالإحسان الحميد، ولِمُسيئكُم بالعقابِ الشديد. وقول الله تعالى لكم حسيب، وعليكم شهيد (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ومن إنشائه في المعنى: أمَّا بعدُ، فإنَّ الأيْدي قد امتدتْ، ودواعي التَّعدي قد اشْتَدَّتْ، وأموالُ الناس تُنْتَهبُ، وزواجِرُ كتاب الله لا تُرْتَهبُ، وأنتَ تَنامُ عنْ كفِّ هذا الانتِهاب، وتَلينُ في موضعِ السَّطْوة والإرهاب، تعْتَكِفُ على الراح وراحاتها، وتقفُ عندَ بُكَرِها وروَحاتِها، وقديما أفْسَدَتِ الراحة الأحوال، وجَرَّتْ إلى أهلها الأهوال فدعها فليس بأوانها، واكتفِ منْ صحيفة الشَّرِّ بعُنوانها،

стр. 181

وأكثرِ الصَّوْلةَ، واحْذَرْ أنْ تكونَ للمَكْروه عندك جَوْلَة، ولَينُبْ عنْ سوْطِكَ سَيْفُكَ، حتى يُرْهِبَ خيالُكَ وطيْفُك، والله الموفِّقُ للرَّشاد.

стр. 182

فصل ومن أحسن ما كتبوا في المبايعة ما أنشأ أبو عبد الله ابن أبي الخصال ﵀: الحمدُ لله الذي رفع ذكر الإسلام وأعلاه، وجعله دينه الذي اختاره واصطفاه، وتكَفَّل الأئمَّةُ هُداه، ليسْتَخْلِفَنَّهم في الأرض وليُمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضاه، عهداً منه جلَّ وعلا مسْؤولاً، ووعداً بالإنجازِ موصولاً، وَميراثاً لعباده الصالحين مبْذُولاً. وصلّى الله على منْ أَيَّده بتَنْزِيلِه، وائتَمَنَهُ على تحريمه وتحليله، ودعا بالحكمة والموعظة الحسنة إلى سبيله، محمد نبيَّه المصطفى ورسوله الذي بينَ عنِ الرَّحمن، وأَوْضَحَ معالِمَ الإيمان، وسنَّ بيعة الرِّضوان، وأعْطى صَفْقَاتِ الأيْمان، وعَقَد على لُزُومِ الطَّاعة، وحَذَّرَ منْ مُفارَقة الجماعة، صلى الله عليه، وعلى سائر رُسُله وأنْبيائه، وعلى صَفْوَته وخِيَرته منْ أرْضه

стр. 183

وسمائه. فلن يزالَ الناسُ بخير ما سلكوا سبيله، وأمُّوا دليله، واتَّبَعوا قيله، وتمسكوا بما بلَّغَ إليهم، وكانوا شهداء على الناس، وكان الرُّسول شهيداً عليهم رضي الله عنِ الخلفاء الراشدين الذين قطعوا في الدين الاختلاف، وأوجبوا على أنفسهم الاسْتِخْلاف، ورأوا أنْ يَنْظُروا للمسلمين بعدَ مماتهم، كما نظروا لهم في حياتهم، فصار حقُّ الأئمة معَظَّماً، وعقد الأمَّة منْتَظِماً، وشَمْلُ الإسْلامِ مجموعاً، ودُعاءُ الإمام مسموعاً. وإنَّ الأمير الأجلَّ أبو فلان، أقْصى الله في أمره، وخَلَّدَ على الأنامِ جَمال سيره، لمّا انتظمَ أمره واتَّسَقَ، وتَمَهَّدَ مُلْكه واسْتَوْسَقَ، وقمعَ أهل الشقاء والعِنادِ، وقضى حقَّ الله في العباد، وغَرِقَت كَفُّهُ المبارَكةُ بالأعنَّةِ في الجهاد، وتَعَوَّد عاتِقه في سبيل الله حَمْل النِّجادِ، ووطِئتْ كتائبُهُ المنصورة أقاصي الأغْوارِ والأنْجادِ، اطلع في عواقبِ الأمور، وصدَّقَ نفسه - نفَّسَ الله مَهَلَها - عن المقدور، ولاحظَ قوْلَ القائلة لرسول الله ﷺ : أرأيْتَ إنْ جئتُ ولمْ أجِدْكَ؟ فَتَلَقَّاها بالتَّصديقِ، وأجابها عنِ الصِّدِّيق، فاهتدى بهُدَاه،

стр. 184

واقتفى أَثره وجرى في مَداه، واحتمل - أيَّد الله أمره - وفَسَحَ طويلاً عُمْرَهُ في صلاح منْ وُكِلَ إلى فضْلِه، وَوُضِعَ على يَدَيْ رَأْفَتِهِ وعَدْلِه، نَصَبَ الارتياء والإرْتيادِ، وتَعَبَ الإصدارِ والإيرادِ، ولمْ يَسْتَبِدَّ دونَ المُشاورة، وهوَ أحقُّ الناس بالاسْتِبْدادِ. وما زال الفَضْلُ يَتَمَيَّزُ، إلى أهله يَتَحَيَّزُ، ونورُ الله بينَ يدي عقده وحله، يُُرْشِدُه إلى منْ رأى الناس دون مَحَلِّه، فقلَّدَ الأمير الأجلَّ أبا فلان، رفعَ الله أَعْلامَهما، وأطال أيّاَمهما، عهدَهُ ونَصَّبَهُ إماماً للناسِ بعْدَهُ. ولمْ يألُ نُصحاً لله ولمنْ اسْتَرعاهُ أمورهم، وَوَلاهُ تَدْبيرُهم، تَخَيُّراً أُسِّسَ على التَّقْوى، وشُدَّ بالعزمِ الأقوى. والله يَجْزيه على سعيه المبرور، وعمله المذْخور، أفْضَلَ ما جزى به إماماً اسْتَخْلَفَهُ في أرْضه، وقامَ بحقِّه وفَرْضِه، وعَدَلَ في بَسْطِه وقَبْضِهِ، وَأَعْمَلَ رايةَ الرِفْقِ فيما يَعُمُّ البِشْرَ، ويَضُمُّ النَّشْرَ. وورد عَقْدُهُ المطاعُ على عامله بفلانة وأعْمالها، أبي فلان بن فلان، وجماعة المسلمين بها، أعزَّهم الله، وحرسها، يتَضَمَّنُ ما انْشَرَحَتْ إليه الصدور، وسَكَنَ إليْه الجَمْهور، وأَمِنَ بِعَقْدِه المَحْذُورُ، وشَمَلَتْ به المَسَرَّة، واسْتَشْرَفَتْ نحْوَهُ المنابِرُ والأسِرَّةُ وأَمَدَّه بالبيعة له، وأخذها على منْ قَبْلَهُ فقامَ أبو فلان بهذا

стр. 185

المُهِمَ الجَسيمِ، والعهد الكريم، قيامَ المُجِدِّ المُشيحِ، المُجْتَهدِ النَّصيح، ودعا كافَّةَ الناسِ إلى هذه البيعة المبارَكَة التي وُصِلَتْ بالتَّقوى أسْبابُها، وفُتِحَتْ إلى الحُسْنى أبْوابُها، فأتوها عِجَالاً، وابْتَدَروها أرْسالاً، وأهلُّوا بالتكبير والتحميد إِهْلالاً، ودخلوا فيها مُسْرِعينَ، وأجابوا دَاعِيهَا مُهْطِعينَ، وشكروا الله تعالى على ما وُفِّقَ لَه أمير المسلمين وناصرُ الدين، منْ جَمْع كلِمَتِهم على منْ هو مُتَقَيِّلٌ رَأْيَهُ الأسْنى، وَتِلْوُهُ في الخلائقِ الحسنى، وسألوه ﵎ أنْ يُديمَ في يديْ أمير المسلمين طِيالَها، ويُديم اتِّصالها، ويَمُدَّ بُكَرَها وآصالها، حتى لا يخْلعَ أثْوابَها إلا بعد مهْلٍ، لمْ يَبْلُغْه شأوُ الخلفاء، ولا تناوَلوه بيد الاسْتيفاء، ثُمَّ يصيرُ الأَمرُ إلى وارثِ مجْدِهِ، ووليِّ عهدهِ. والأمة راضية مُقِرَّةٌ، والإمامةُ في نِصابِها مُسْتَقِرَّةٌ، وصُنْعُ الله الجميل يُراوِحها ويُغاديها، ويَقْضي بإعْزازِ أوْلِيائِها، وإذْلالِ أعادِيها. وحين عمَّت المسلمين هذه البُشرى،

стр. 186

وجاءتْهم المذاهبُ بها تَتْرى، أَعْطَوْا صَفْقَةَ أيْمانِهم مُبْتَدِرينَ، واختاروا مَنِ اخْتارَ الله لهمْ وإمامُهم العادل مُسْتَبْصِرينَ، وبايعوا الأمير الأجلَّ، وليَّ عهد المسلمين على السَّمع والطاعة، وبَذْلِ الجُهد والاسْتِطاعَةِ، وعلى أنْ يكونوا لمنْ راده حزْباً، وعلى منْ حاده حرباً، ولا يألوهُ نُصْحاً في القُلِّ والكُثْرِ، والعُسْر واليُسْر والرِّضا والسَّخَط، والقربِ والشحط، والمَكْرَهِ والمَنْشَطِ، وفي كل منْحى منْ أنْحائه ومتوجَّه. وجعلوا الله على أَنْفُسِهم لذلك كفيلاً وأشْهدوا على الوفاء به. (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) وكتب المَلَأُ منْ بني فلان، ومنْ تلاهمْ أسماءهم في هذا الكتاب، ليكونَ باقياً في الأعْقابِ وثابِتاً مع الأحْقابِ. ودانوا الله تعالى بما أمضوه وعَقَدوه، وارْتَضَوْه واعْتَقَدوه، والْتَزَموا الوفاء به وشَدَّدُوه، ورضى الله تعالى يَهديهم، وَيَدُهُ جَلَّ وتعالى فوقَ أيْديهم وذلك في شهر كذا من سنة كذا. قول أبي عبد الله ﵀: (ولاحظ قول القائلة لرسول الله ﷺ حديث مأثور، وخبر مشهور. روى الشافعي عن إبرهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف

стр. 187

عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى عليه وسلم فسألته عن شيء فأمرها أنْ ترجع إليه. فقالتيا رسول الله أرأيْتَ إنْ جِئْتُ ولمْ أجِدْكَ؟ تعنى الموت. فقال لها رسول الله ﷺ : إنْ لم تجِديني فإيتي أبا بكر. قالالشافعي: في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ﵁. ومن إنْشَاءِ الفقيه الكاتب الماهر شيخنا أبي عمرو بن محمد عبد الله بن غياث ما كتب به عن أهل (شريش) في بيعة أمير المؤمنين أَبِي يوسف المنصور رحمة الله عليهم: الحمد لله الذي يَسَّرَ أَسْبابَ الخير وسَهَّلها، وأَدْنى قطافَ الأماني وذلَّلَها، وأَهَّلَ للخلافة خلَفاءَ كَمَالَهم أَهَّلها، وأَسَّسَ قواعِدها على قواعد البِرِّ والتقوى وأصَّلَها، وجَعَلَ الفُتوحات خُدَماءها وخَوَلَها (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا

стр. 188

مُمْسِكَ لَهَا) والصلاة على سيدنا محمد المُبْتَعِثِ بشيراً ونذيراً إلى كافة الأمم. والكُفر قد أغواها وخَذَلَها، وحَمَّلها من الطُّغْيان والعصيان على ما حَمَّلها، فبين سَنَنَ السُّنن والفرائض وأوْضح سُبُلها، وصَدَعَ بأمر الله حتى شَفى أدْواءها، وحَسَمَ عِلَلَها، والرِّضا عنِ الإمام المعصوم، المَهْدِيِّ المَعْلُوم، القَائِم بأمر الله، آخِر الأَعْصار، وقد بشَّر به أوَّلها، الواضحِ العلامات والدَّلالةِ، عَلِمَها منْ عَلمِها، وجَهلِها من جَهَلِها. والدُّعاء لصاحبه وخليفته سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الذي تَمَّمَ تِلكَ البِداءات وأكملها، وسقى نَفَسَ الخلافَة منْ ينابيع العدل نميرها وسلسلها. ولسَيِّدنا ومولانا الخليفة المُرتضى أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين، المُتَكَفِّل لطائفة التَّوحيد بالنَّصر الذي اكتفلها وكَفَلها، ومدَّ لها ظلالَ النَّجاة بجميع الأرجاء والجهات ورفع ظُلَلَها، ولابنه الأمير الأجل المنصور الناصر لدين الله أبي يوسف ابن الخليفة المرتضى مُبْلِِغِ الخلافةِ أمَلَهَا، ومُسَوِّغِها جَذَلَها، المُعَدِّ لطائفة الزَّيْغ من البيض والسُّمر قِرَاها ونُزُلها، المُجَلِّي غَيَاهبَها، والكفر قد أسْبَلها، وسَدَ لَها بفتوحات تَشْتَمِلُ على أقاليم لم تُصخْ للدعوة الإمامية أَسْمَاعَها، فسبق سَيْفُها عذَلَها، وإنَّ الله تعالى لما بعثَ محمداً ﷺ إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذْنِه وسراجاً منيراً، دعا إلى الهدى، وأوضح طرق الشريعةِ منْفسحة المدى، ووعد وأوْعدَ، وألانَ وشَدَّدَ، ويسَّرَ وما عَسَّرَ، وبَشَّر وما نَفَّر، فهدى به منْ هدى إلى الصِّراط المُسْتَقيم، والمِنْهاجِ القويمِ، ثُمَّ بَشَّرَ بِذَخيرة الوجود، وسِرِّ النبإ المقصود، الإمام المعصومِ، المهديِّ المَعْلومِ، فلاحت بشائرُهُ بالمغرب الأقصى، وانتشرت أنوار هدايته فيما دنا منَ الأقاليم وقصا، متميزاً بالعلامات، مبرزاً بالدلالات، فَأَحْيَا السُّنن والفرائضَ بعد دروسها، وبسطَ وجوهَ الأماني بعد عُبُوسِها، على

стр. 189

حين انقراضِ الحقائقِ، وجَهْل الخلائقِ، فَقَطَعَ أسباب تلْك العلائق، وبسط العَدْلَ في المغارب والمشارق، ثم أكمل الله تلك البداية، وأبدأ الهداية بخليفته أميرِ المؤمنين المشرقِ الجبين، عن أنوار الفتح المبين، ثم وَلَّى أمْرَهُ العزيز احتياطاً للدين ابنَه الخليفة الأهدَى أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين الذي يأوِي العدلُ منه إلى (رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، المأثور الآثار، الواضح الآيات وضوح النهار. ثم انعقدت البيعةُ عنْ إِجْماعٍ من الجماعةِ الطَّاهرَة، والطائفةِ الظاهرةِ، عِلْماً منهم بمَخائِلِ الاعتِناءِ الإلهيِّ ودلالاته، إذ الخلفاء ورثَةُ الأَنْبِيَاءِ، و (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ونظراً لِدينِ الله وعِصْمَةً لعبيده، وأخْذاً بعقودِه - كما أمر - وعهودِه، للأمير الأجل المنصور الناصر لدين الله أبو يوسف بن الخليفة أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين، أيَّد الله أمرهم، وأعزَّ نصْرهم، فاستقرَّ الأمر في قراره، وانتهى إلى قُطْبِ مدارِه، فاقْتدى بهم سَلَفُ الموحِّدين، وكافةُ المسلمين وبايعوه بيعةَ الرِّضْوان، وأعطوه صَفْقَةَ الأيْمَانِ ومَوَاثيقَ الأَيْمَان، فشدَّتْ أركان الإِيمَانِ، ونفخَتِ الأرْواحُ في الأجسام، ونادى مُنادي الحقِّ في الأنام، هي بيعة الرِّضوانِ يُشرعُ وسَطَها بابُ السلامةِ، فادخلوها بسلام، فتلقى عبيدُه كافةُ أهل (شريش) ذلك المنادي أفواجاً، وسلكوا إلى الطاعة منهاجاً، وبادرُوا إلى الفَرْض الذي إليه البِدارُ يجِبُ، بقُلوبِ تكاد شوقاً إلى ذكره - أيَّده الله - تَجِب، وبايعوه بيعة خالصة، أدّاها صفاءُ الاعتقادِ إلى الأَلسنة، وخطَّ الأيدي منْ حاضرٍ وبادٍ بإخلاصٍ من الضمائِرِ، في السرائر والظواهر، على الأمْنِ والأمانة، والعدل والسَّمْع والطاعَةِ، في المَنْشَطِ والمَكَْْرَهِ، والعُسر واليُسر، اقتداءً ببيعة نبينا محمد ﷺ الرِّضوانية، وأخْذاً بالمواثيق والعُهُودِ الأَيْمَانِيَة،

стр. 190

وعلى ما بويع عليه إمامُنا المهدي ﵁ وخليفَتاه بعده، حسَبَ الوعْدِ السَّابِقِ له من الله، (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ). تلوح البركاتُ في وجوه مساعيهمْ، وتَنْثالُ الخيراتُ عليهمْ بخلوص معتقدهم لها وتَصافيهمْ، وكلَّما مدُّوا أيْدِيَهُمْ للمُبَايَعة تلا عليهم لسانُ الإسلام (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وأَقْبَلوا على الطاعة، ومُوَافقةِ الجماعةِ، ورَسَموا الخُطُوطَ، وأَشْهدوا الله على ضمائرهم لِعِلْمِه بها، (وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا). (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). وذلك في مستهل جمادى الآخرة سنة ثمانين وخمس مائة. ومنْ إنْشاء بعض أهل العصر، وهو بلَدِيُّنا الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن إبراهيم بن الفخار: الحمد لله مُفِيض النِّعَمِ المتواتِرة، ومُسْبِغ المنن المتَكاثرة، ومرسل الآيات المُتَظاهرة، الذي وقفت الأوهامُ عن حمَى عظمته قاصرةً، وبقيت الأفهامُ دون جلالِه حائرة صاغرةً، وصلواتُه وبَركاته على محمد نبيه، وأمين وحْيه، المؤيَّدِ بالمعجزاتِ القاهرةِ، والبراهين البَاهرة، ورضوانُه عن الخلفاء الراشدين، الهادين المهتدين، الذين أرسلوا من الفضل سماء ماطِرة، فأحيتْ من العدل أرْضاً هامدة ورسوماً داثِرَة، ونَسْتَوْهِبُ الدُّعاء لسيدنا الخليفة الإمام المبارك

стр. 191

الأَوْحَدِ، الميمون الأسعد أهل المقامات الطاهرة، والكرامات الظاهرة، بالسُّنة ناطقة، ونياتٍ صادقة، بأن يؤتيه اللَّهُ خيرَ الدنيا والآخرة، ويُسْبِغ عليه نِعمهُ الباطنة والظاهرة، ويقْمَع به الطغاةَ والجبابِرة، والحمد لله الذي لم يُخْل بلاده، ولا أهمل عباده، من خليفة تجْتَمِعُ عليه الأمة، وتدوم به النِّعْمَةُ، يَحْفَظُ دينه القويم، وينهجُ بأهله صراطه المستقيم، ويَعصِمهم من تشعُّبِ الأهواء ويَمْنَعَهمْ من تَغَلُّبِ الأعداء، ويَحْتَقِنُ في أُهَبِها متحرم الدماء، ويقطع دونهم أيدي الاعتداء، ويقيم الشريعة على الطريقة الواضحة، ويُجري حدودها وأحكامها على سبيل أعلامها اللائحة. وأوجَبَ على الأمة طاعته فَرْضاً حَتْماً، وأمرهم بالذَّب عنه والقيام دونه أمراً حزماً، وجَعَلَها مقرونةً بطاعته وطاعة رسوله. فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). عِصَاماً ربط به عِبَاده إلى سلوك سَبيلِه، وبَيَّنَ الرُّسُولُ ﵇ أنَّ تقلد بيعته والقيام بدعوته أوْجَبَ خصال الملة الحَنِيفَة. فقال ﷺ : "منْ ماتَ وليس في عُنقِهِ بيعة ماتَ ميتَةً جَاهِلية". قال أبو إسحاق: ذهب أبو الحسن في الآية التي استشهد بها، وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). إلى أنَّ أولي الأمر: الأمراء، وهو مذهب أبي هريرة وابن عباس وجماعة من الصحابة، وأولي العلم، ومذهب جرير بن عبد الله ومجاهد وغيرهما، أن أولي العِلْم هم العلماء،

стр. 192

وقيل أولو العلم بالقرآن وطاعة الله تعالى اتِّبَاع أوامره وامتثالها، والانتهاء عمَّا نَهَى عنه، وطاعة رسوله واتباع سنته رجع والحمد لله الذي أقَرَّها في نِصَابها الشريف، وقَدَّرها في بيتها المنيف، وجَعَلَها مُطَّرِدةٌ في أهلها، اطِّرادَ الكُعُوبِ، جارية بين باسطي فَضْلِها، وناشِري أهْلِها، على أُسلوب الذين عَرَفَتْهم وعَرَفُوها، وأَلِفَتْهم وألِفُوها، وكانوا أَحَقَّ بها وأهْلَها، إذْ صلُحَتْ بهم كما يَصْلُحونَ بها وتِلْكَ نِعْمةٌ لا يُقامُ بِشُكْرها، ولا يُحاطُ بقدْرِها. حَفِظَ بها حوزة الإسلام، وعَصَمَ بِبَرَكَتِهَا أُمَّةَ محمد نبيه ﵇، حين وقع الإجماعُ والإصفاقُ، وحَصَلَ الارْتباطُ والاتفاق، على مبايَعة من شهدت له خصائص الصفات، وقامت له حقائق السِّمات، بأنَّه مُسْتَحِقُّ الخلافة وَمُسْتَوْجِبُها، ونَجْمُها الثَّاقِبُ وكَوْكَبُها، ومستودعُ آياتها الصَّادقة، وحامِلُ رايتها الخَافِقَة، الذي يَمْلؤُها عَدْلاً، ويَسَعُها بفضله فَضْلاً، ويحْمي ذِمارَها، ويُؤَمِّنُ أكْنافَها وأقْطارها، ويُفْني أعْداءها، ويَحْفَظ أرْجاءها. الأمير الأجَلُّ الأسْعد أبو فلان المَخْصوصُ بالنَّصْرِ والتَّأْييدِ، المقْرونُ الآراء بالنُّجْحِ والتَّسْديد، جَعَلَ الله خِلافَته محْفُوفَةً بطول البقاء وامتداد العمر، مقْرونَة باتِّصال السَّعْدِ واسْتِيلاء الأَمْرِ، ولما سمعَ عبيدُها اللائذُونَ بأمْنِ حَرَمِها، المُعْتَصِمونَ بواقي عِصَمِها، المُسْنِدونَ لعَميمِ فَضْلها وامْتِنانها، المُتَعرِّفون عظيمَ عَدْلها وإحْسَانها، أهلُ فلانة منْ عَقْدِ هذه البيعة السعيدة، وارتباط عُقودها الحميدة، ووافى داعيها، فإنَّ بابها قد فُتِحَ لداخِليه بسلام، ولواءَها المَنْصورقد رُفِعَ لِمُبْتَغيه

стр. 193

الكرامِ، أجابوه مُسْرعين بألْسِنَةٍ ناطقة، ونِيَّاتٍ صادقة، وصدور مُنْشَرِحة، وقلوبٍ مُنْفَسِحَةٍ، مُبادرينَ الانْتِظَامَ في سلكِ الطَّاعة، مُسَارعينَ لاقْتِفَاءِ سَنَنِ الطَّائفَةِ المَنْصورة والجماعة، وأَعْطوا صَفْقَةَ أَيْديهم، ويَدُ الله فَوْقَها، مُتَطَوِّقينَ على ما يُرْضي الله تباركَ وتعالى طَوْقَها، والْتَزَموها بيعَةَ رِضْوانٍ، وعقيدة إِيمَانٍ، واعْتَقَدوا بها السمع والطاعة على كلِّ حال وفي كل زمانٍ، وعَلِموا أنَّ الله سبحانه قدْ صَنَعَ بها صُنْعاً كريماً، والْتَزَموا الوفاء بها. (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). وكَتَبَ العبيدُ المُسْتَبْشِرُون أَسْماءهم بِسَوادِ عيونِهم، في صفحات قلوبهم ويقينهم، شاهدين على أَنْفُسِهم بما الْتَزَموه منْ هذه البيعة السعيدة، وارْتَبَطُوا لهُ منَ العُهودِ الوَكيدَة، (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا). وذَخَروها إلى (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا). وذلك في شهر كذا من سنة كذا. ثمَّ خَتَمَ الرُّقْعَةَ بهذا الدُّعاء: اللهمَّ اجْعلها خلافة عُقِدَتْ على التَّقوى معَاقِدُها، وعَمرَتْ بالوفاء معاهدها، واجْمَع القُلُوبَ على حُبِّ خَليفَتِكَ، على عبادِكَ وسُلْطانِكَ في بلادِكَ، وأَلِّفْ عليه كلمة الإسلام، وانْصُرْ به دينَ نبيِّكَ محمد ﵇، وآوِ العبادَ منه إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قرارٍ وَمعينٍ، واجْعلها كلمةًَ باقية في عَقِبِه إلى يومِ الدينِ. اللهم وَفِّقْهُ للخيرِ وأعِنْهُ عليهِ، وأَصْلِحِ الرَّعيَّة به وعلى يديه، وأطل اللهمَّ عُمْره، وأَدِم تَأْييده ونَصْرَهُ، وأبْقِه خليفةً سعيداً مُجاهداً في سبيلِكَ، مُتَّبِعاً سُنَّةَ رَسولِكَ، وأَيِّدْه بجُنْدِكَ القوي، ونَصْرِكَ العلي، وأَعْل كَعْبَه، وانْصُرْ حِزْبَه، واهلكْ منْ حَادَهُ وأَعِدَّ حَرْبَهُ، (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وأَنْتَ (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).

стр. 194

ومن إنْشاء الكاتب أبي بكر بن أَخْيَل من أهل عصرنا: الحمد لله الذي جعل الخِلافة نظاماً لا يَنحل، ولزاما لا يَخْتَلُّ، يُحْفظُ بها الإسْلام، ويَتَّصِلُ ما سَنَّهُ النبيُّ ﵇، فهي، كمال الدين والدُّنيا، وجمالُ كلِمَة الله العُلْيا، تَحْقِنُ الدِّماءَ وتَحُوطُ الأموالَ، وتُقيمُ منْ أَوَدِ الحَقِ ما مالَ، وتَمْحو رسمَ الحرامِ وتُثَبِّثُ الحلالَ، وتَأْخُذُ للضعيف منَ القويِّ، وتُجْري الكافَّةَ على المَنْهَجِ الواضِحِ السَّوِيِّ، بالمبادَرة إلى انْعقادها وارْتِباطِها، والمُحافَظَة على قواعدها الموصلة وأَشْراطها، أوْكَدَ ما تتقدَّمُ إليه الأمْر، وتُسْتنزلُ به الرَّحْمَةُ

стр. 195

السابِغَةُ والنِّعْمَة، فهي كمالُ الكمالِ وتمامُ التَّمامِ، الجُنَّةُ الواقِيَةُ والعِصْمَةُ الباقية لجميعِ الأنامِ، والحمد لله الذي جَعَلَها في حُماة أمْره العظيم، ووُلاةِ حزْبِه الكريم على التَّوالي والدَّوام، والصلاة ُعلى محمد نبيه هادي الأمة بعد ضلالتها، ومُنْقِذِها من حيرةِ جهالَتِها، التي أَمْسَكَ بِحَجَرِها عنِ النَّار وأَبانَ لها واضِحَ المَنارِ، وعلى آلِه وأَصْحابِه المهاجرين والأنْصار، الذين سلكوا طريقتَه، وعَرَفوا حقيقَتَه، وعلى خُلَفائه الذين حاطوا أُمَّتَه، وتَمَّموا نِعْمَتَه، والرِّضا عن الإمام المعصوم، المهديِّ المَعْلوم، مُحيي رَسْمِهِ بعد الدُّثور، ومُعيدِ بَدْأَتِه في إقامة الحقِّ وصلاح الجَمْهور، قام ﵁، والجَوْرُ قد ظهرَ، وحِزْبُ الباطِلِ قد مَهَرَ، والإسلام قد دَرَسَ رسمه، ولم يبقَ منه إلا اسْمُه، وكلُّ ذي رأيٍ مُعْجَب برَأْيه، منْقادٌ بأَعِنَّة هواهُ في ذميمِ سَعْيِه، فَشَحَذَ بصائرَ الأمة، وأَنْقَذها منْ ضلالَة تِلْكَ الغُمَّة، وأَطْلَعَ عليها أَنْوارَ الهداية والعِصْمَة، حتى عاد الإسلامُ جديداً غَضّاً، وعَرَّفَها واجِباته نافلة نافلة، وفَرْضاً فرضاًً، فلما اسْتَنار المسلكُ والمنهجُ، وفُتحَ - لمنْ قدِّرَتْ لَهُ السَّعادة - البابُ الذي يلِجُ، لحقَ بالرَّفيق الأَعْلى، وجَلَّ مَقامُهُ الكريم وعلا، وخَلَعَ أشعَّة أنْواره، وهدايَةَ آثاره، على صاحبه المُرْتَضَى، وسيْفه المنتضى، سيدنا ومولانا الخليفة أمير المومنين، فسَدَّ ذلكَ المكان، وكان للأُمَّةِ كما كانَ، يَتْعَبُ لِنَعيمِها، ويَدْأَبُ في إصْلاح فاسِدِها وحِفظِ قويمها، وسَلكَ بها طريقة صاحبه الإمامِ المهدي في الرِّفْقِ بالضعيف منها والقوي، كَفَلَها كذلك مدَّة عُمْرِه، مُتَوَخِّياً لها النَّصيحة في نهيه وأمره، ثمَّ تقَلَّدَ الأمرَ بعد ذلك سالكاً تِلْكَ المسالِك الخليفة الإمامُ أمير المؤمنين أبو يعقوب ابن سيدنا ومولانا أمير المومنين، أعزَّ الله بهم الدين فاقتفى آثارَهم الواضحَة، ومَقاصِدَهم الصالحة، لا يَغِبُّ الأمة إحسانُهُ وإنْعامه، ولا يَعْدِلُ بهم عنْ سَنَنِ الخُلَفاء آبائه الراشدينَ إِحْكَامُهُ، يحفظُهم ليلاً ونهاراً،

стр. 196

ويَلْحَظُهم بعين الرِّفق إسْراراً وجهاراً، ثمَّ نَشَأَ الشابُّ التَّائِبُ، الدَّائِمُ على طاعَة ربه الدائِبُ، الأمير الأجَلّ المنصور الناصر لدين الله أبو يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، وصلَ الله لهم عادَةَ النَّصر والتَّمكينِ، فظهر لأبيه منْ مخائله الكريمة، وشَمَائِلِه الجميلة الوسيمة وكرمِ النَّجيرَة والشِّيمَة، ماأَدَّاهُ إلى أن اسْتكفاه، فتَعَرَّفَ اليُمْن والأمان في كل ما أَتاهُ، ولمْ تَزْلْ عُيُونُ الموحدينَ. - أيَّدَهم الله - إليه ممتدَّة، ونُفُوسُهم لتَعْظيمِه وتَقْديمه مُعَدَّةٌ، لما شاهدوه منْ هدْيِه وإخْباتِهِ، وتَعَرَّفوه منه في جميع حالاته وأوقاته، ومواضع مشاهده وخَلَواته. والسَّعْدُ يَعِدُهم بإنْجازِ ذلك الوَعْدِ، وإحْرازِ الحظِّ الأسْنى منه والعيش الرَّغْدِ. فلَمَّا اسْتَحْكَمَتِ السعادة، تَحَرَّكَتْ منهم الرَّغْبَةُ الوكيدَةُ والإرادةُ، فاجْتَمَعَ الملأُ الأَعْلى منْ أهلِ الحَضْرَةِ المُعَظَّمَةِ الذينَ يُقْتَدى بآثارِهم، ويُهْتَدى بمنارِهم، على مبايَعَته بيْعَة إيمانِ وأمان، وعَدْلٍ وإحسانٍ، فأعطوْا بذلك صَفْقَة الأيْمَانِ والأيْمُنِ، واثِقين بما لَهم بها منَ الفَضْلِ والإِحْسانِ، والخَيْراتِ الحسانِ، وإنَّها بيْعَةٌ شابَهَتْ بيعة الرِّضْوان، نَفَثَتْ في الأَمْواتِ رُوحَ الحَيَاةِ، وجَمَعَت الأهواء المَفْطورَة على الاخْتلاف والشَّتاتِ، وعَرَفَتْ أنَّ لله تعالى بهذه الأُمّةِ أَكْبَر العِناياتِ، ولمَّا نفذَ الأمرُ لعبيدِهم أهل فلانة بادَرَ الجميعُ منهم إلى عَقْدِ البيعَةِ الكريمة، وشكر النعمة الجسيمة، واثقين بما لَهم فيها منَ الصَّلاحِ الشَّامل للجمهور المُتَعَرَّفِ به كافَّة الأمور، المُشَرِّفِ لأعْقابِهم على ومرِّ الدُّهور، حظٌّ ساقهُ إلَيْهمْ وافِدُ السعادة، فقد عَوَّدَهم الله بطاعَتِهم التي هي طاعَةُ الرحمن ومادَّةُ الأمانِ أَكْرَم العادَةِ، فأعْطى الجميعُ منَّا صَفْقَةَ أَيْمانِهم، حافِظينَ إيمَانَهِمْ وأَمَانَهُم، وبايَعْنا بِنُفوسِ مُنْشَرِحَةٍ، وآمالٍ مُنْفَسِحَةٍ، وعُهودٍ مُؤَكِّدَة، والأيْمان مُشَدَّدَة، والآرَاءُ مُسَدَّدَة، سيدنا الخليفة الأمير الأجلَّ المنصور أبا

стр. 197

يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، أَعزَّ الله بهم الدين على ما بويِعَ به الإمامُ المعْصومُ المهدي المعْلومُ ﵁، والخليفتان من بعده، وعلى السمع والطاعة، بيعة مُجَددة مُؤكدة، في السِّر والجهر، والعُسْرِ واليُسْرِ، والمُكْسَلِ والمُنْشطِ. وأَكَّدْنا في ذلكَ عهود المُغْتَبِطِ المرْتَبِطِ، وأَوْقَفْنا بِمَحْضَرِ كافَّةِ الناسِ بذلكَ شَهَادة الأشْياخِ والأعْيانِ واعْتَقَدناه أَشْرَفَ ما ضُمَّتْ عليه اليدان. فالحمد لله الذي مَنَّ علينا بهذا المقام الشريف، والعَهْدِ الكريمِ المُنيفِ، الذي اهْتَزَّتْ لَهُ نُفوسُ الكافَّة إعْجاباً وارْتِياحاً، واتَّخَذوا التَّحدّثَ بِه والشُّكْرَ له هَجِيرَاهُم مساءً وصباحاً، وتعَرفوا منْ بَرَكاتِه ومُتَوَجَّهاتِه يُمْناً شامِلاً ونَجاحاً، وإنَّها لَنِعْمَةٌ جَلَّتْ عنِ الشُّكرِ والذِّكْرِ، وبَهرتْ بآياتِها الباهِرَة خواطِرَ الفِكْرِ، والله سُبحانه المسْؤول أنْ يُنْهِضَ عَبيدَه بالْتزامِ الطاعة، جَهْدَ الاسْتِطاعةِ، وَبِشُكْرِ سيِّدِنا الخليفَةِ الأمير الأجل المنصور أبي يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤْمِنين على اعتنائهم بالأمَّة، وإفاضَتِهم عليها عوارِفَ النِّعْمَةِ والرَّحْمَة، ولْيَنْصُرْ أَعْلامهُمْ غرباً وشَرْقاً، ويَجْعَلَ حامِدَ أمرهم، وجاحد خَيْرِهمْ، الأخَسَّ الأشْقَى بِمَنِّه ويُمْنِهِ. وكتَبَ العبيدُ شَهادَتَهم بما فيه عنهم وعنْ كافَّتِهمْ، في مستهل جمادى الأخرى سنة ثمانين وخمسمائة. قوله: (واتخذوا التحدث به والشكر له هِجِّيراهم)؛ أي كلامهم متردداً بينهم المرة بعد المرة. وفي حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت، وهو يقول: رَبَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عَذابَ النَّار. مالَهُ هِجِّيرَى غيره. والهِجِّيرَى أيضا، إسم مصدر، ولم يأت صفة، قاله أبو علي. يقال ما زال

стр. 198

ذلك هِجِّيراه: أي عادته قال ذو الرمة: رمى فأخْطأ والأقدار غالبةٌ ... فانْصَعْنَ والوَيلُ هِجِّيَّراه والخَرَبُ وللأديب الكامل أبي عبد الله الرصافي في مدح السيد المكرم أبي سعيد ابن أمير المؤمنين رحمة الله عليهم قصيد فريد، اشتملت على أنواع البلاغة أبياتُه، وحسن إثباته، وهو: من عانَدَ الحقَّ لم يعْضُدْه بُرْهانُ ... وللهدَى حجةٌ تعلو وسُلْطانُ ما يُظهر اللهُ من آياته فعَلى ... أتَمِّ حالٍ وصُنْعُ الله إتْقانُ منْ لم يرَ الشَّمْسَ لَمْ يحْصُلْ لناظِرِهِ ... بين النَّهار وبين الليل فُرْقانُ الْحَمْدُ لله حمد العارفينَ به ... قد نوَّر القَلْبَ إسلامٌ وإيمانُ عقْلٌ وثابِتُ حِسٍّ يقْضيانِ معاً ... للأمر أنَّ سراجَ الأمْرِ عُثْمانُ السيدُ المتعالي كُنْهُ سُؤدَدِهِ ... عمَّا تُحاولُ أَلْبابٌ وأَذْهانُ

стр. 199

مَنْ زَارَ حضرته العَلْيا رأى عجباً ... الملك في الأرض والإيوان كيوانُ كنا إلى الملإ العلويِّ نَنْسُبُهُ ... لَوْ ناسَبَ الملأَ العُلْوي إنْسانُ كأنّما يتعاطى فَصْل مَنْطِقِه ... عن التكلم لُقمانٌ وسَحبانُ يُغْضي عن الذنب عفواً وهو مقتدرٌ ... ويترُكُ البطشَ حلماً وهو غَضْبانُ وفطنة من وراء الغيب صادقة ... منها على فضلها في الحلم عنوان مزيَّةٌ ما أراها قبله حصلت ... لواحد من ملوكِ الدَّهر مذْ كانوا أستغفرُ اللهَ إلا قصَّةً سلَفَتَْ ... قد كان فُهِّمَها يوماً سُلَيّمانُ وما جرى ذكرُه في مُضْمرٍ وفمٍ ... إلا تعطر إسْرارٌ وإِعْلانُ يُريكَ باسِمَ نَوْرِ منْ أَسِرَّتِه ... لكنه من نمير البِشْر رَيَّانُ لوْ كانَ للبدْرِ عنْدَ التمِّ مَبْسَمُهُ ... لمْ ُيُدْرك البدر بعد التَّمِّ نُقْصانُ مرأى عليه اجتماع للنفوس كما ... تَشَبَّثَتْ بلَذيذِ النَّوْمِ أجْفانُ للعَيْنِ والقلبِ في إقبالِه أمَلٌ ... كأنَّهُ للشبابِ الغضِّ رَيْعانُ مبارَكٌ لم يَزل يُرْضِي النَّدى بِيَدٍ ... لها على هبة الآلاَفِ إدْ مانُ يا جيشهُ لا تدَعْ منْ جودِ راحَته ... أهمُّ وَفْرِ الفتى خَيْلٌ وشُجْعانُ المنتقي الخيلَ أفذاذاً مكرمةً ... قد حُسِّنَتْ خِلَقٌ منها وألْوانُ والمصطفِي الجند آساداً محرَّبة ... قنيصُها في الوغى رَجْلٌ وفُرْسانُ

стр. 200

منْ كلِّ أبيضَ مثْل النَّصْل مُنْتَهِض ... بالجيش إنْ عزَّ ديوانٌ ومَيْدانُ يغشى الكريهة منها باسلٌ بطلٌ ... على الكتيبة مقدامٌ فَطَعَّانُ سارٍ منَ النَّقْعِ في ظلماء فاِحمَةٍ ... والشهبُ في أُفُقِ المُرَّان خرصانُ ومعتد ومن الخطيِ في يده ... عصاً تَلَقَّفَ منها الجيشَ ثُعْبانُ لا يخدُمُ الأمر فيما كان من أرب ... الاهي ملء عين المجد يقظانُ ممن له حدُّ سيفٍ أوْ شبا قلمٍ ... شرارُهُ في الوغى والفهم نيرانُ يسَلُّ مِقْوَلَهُ إنْ سامَ مُنْصلُهُ ... وللخِطابِ كما للحربِ أوْطانُ قدْ يَسْكُتُ السيفُ والأقلامُ ناطِقَةٌ ... والسيفُ في لُغَة الأقلامِ لحَّانُ يا أيها السَّيدُ المنهلُّ قائلُه ... مُذْ كان والعارضُ الهتَّانُ هتَّانُ الأرض للقطر ما لم تهم عاطشةٌ ... والنَّجمُ في الأفْقِ ما لم تسْرِ حَيْرانُ

стр. 201

ليَهْنَإِ اليومَ أهْلُ الأرض إنَّهُمُ ... بالأمن في ظلك المممدود سُكانُ عدلا ملأتَ به الدُّنيا فأنْت بها ... بين العباد وبين الله ميزانُ بني الخليفة والمجد الذي سبقتْ ... به كرامُ أروماتٍ وأزْمانُ من قيس عيلانَ أقمارُ العلاء وما ... أدْراكَ يا مَجدُ ما قيسٌ وعَيلانُ أبياتُ مَعْلُوةٌ في كلِّها لكمُ ... بأسٌ كريمٌ على التَّقوى وبُنْيانٌ فلو لحقتُمْ زمانَ الوحي نُزِّلَ في ... تلكَ الصفاتِ مكان الشعر قرآنُ أثْبَتُّمُ الملك في خَضْراءَ باسِقةٍ ... حتى خمائلها عدل وإحسانُ ليْت الجياد سَرَتْ عني مبلِّغَةً ... بُشْرى يُسَرُّ بها أهلٌ وجيرانُ إنِّي أنَخْتُ رِكابي منْ بلادكم ... بحيثُ تنعمُ أرواحٌ وأبدانُ مُخَيَّماتٌ من الجوزاء عيشتها ... فيما اشتهى رائدٌ واختار لَهْفانُ الماءُ صَدَّاءُ والسلطان سيدنا ... أبو سعيد ونَبتُ الأرض سَعْدانُ تلك الشمائل إن لم تَسْرِ في بدنٍ ... رُوحاً فهنَّ له رَوْحٌ ورَيْحانُ وإنْ يكنْ لفْظها راحاً وحاش لها ... فقد ثَنَتْني حتى قيل نشوانُ

стр. 202

يا كوكب الدين والدنيا وإن طُمِسَتْ ... مَمَا لِكٌ بِكَ في الدنيا وأدْيانُ هام الورى بك حتى ما يرى أحدٌ ... إلاَّلهُ بِكَ شُغْلٌ أوْ لهُ شانُ فكلُّ عينٍ عدتْ مرآكَ عابرةٌ ... وكلُّ قلبٍ تسلّى عنك خَوَّان شَغَفَتْ غرناطةٌ حباً ومنك لها ... بالحلِّ وصلٌ وبالتَّرحال هجرانُ مولايَ ماذا عليها مُذْ حَلَلْتَ بها ... منْ أنْ يقار بها ناسٌ وبُلْدانٌ إذا تذكرتَ أوطاناً سكنْتَ بها ... فلا يكُنْ منك للْأضْلاعِ نسيانُ في كُلِّ ناحيةٍ شوقٌ وأََعْوزهَا ... منْ ذا الذي يعْتَريه عنك سُلوانُ فإنّما أنت زوَّارٌ لِتَشْفيَهَا ... منْ بعْدِما شَفَّها وَجْدٌ وتَحْنانُ والكلُّ غرناطةٌ إنْ تُمْس شيقةً ... إليك قرطبةٌ لم يسل جيَّانُ دُمْ لليالي وللأيام ما اخْتلَفَتْ ... تُزْهى بِمَنْظرك الباهي وتَزْدانُ وفي جنودك من عدو ذي شيع ... في البيض بيضٌ وفي السودان سودانُ ومن هنا سُورٌ للفتح طائلةٌ ... فيها إذا تُليَتْ ذكرى وتبيانُ

стр. 203

منْ لم يُصِخْ نحوها والسيفُ مُلْتَحِفٌ ... فسوف يقرؤها والسيفُ عُرْيانُ موتُ العدا بالظُّبا دَيْنٌ وإنْ مَطَلَتْ ... به سُيُوفُكُ فالأيامُ ضُمَّانُ فكُنْ منَ الظَّفَرِ الأعْلى على ثقة ... منك الظُّبا ومن الأعْناقِ إذْعانُ لا زال كلُّ عدوٍّ في مقاتله ... دمٌ إلى سيفِكَ الرَّيَّان ظمآنُ قال أبو إسحاق: أثْبتُّ هذه القصيدة الفريدة التي أنْزل فيها القوافي من أعلى معاقلها، وأصاب أغراض المعاني في شواكلها، أطلعها في سماء البيان غُرة زاهرة، وأظهرها للعيانِ آية باهرة. أرَقُّ من فرند الحسام، وأَعْذَبُ من المُدام ممزوجة بماء الغَمام. وشَّحْتُ هذا البابَ بأزهارها، وحَلَّيتُ جيدَه بِدُررها وجواهرها. وأرْجع إلى إثبات مَنْثور كالزهر الغضِّ، لأعْطِفَ أنواعَ البيان بعضها على بعض.

стр. 204

فصل ومن أحسن ما كتبوا في مخاطبة الأمراء ما كتبه أبو عبد الله بن أبي الخصال إلى أمير المسلمين وناصر الدين رحمة الله عليه: أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، وهَدْيُهُ هدْي الأئمة المُتَّقينَ، وتَجاوَزَهُ تجاوُزَ البرَرَةِ الأكْرَمينَ (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ولا زال على آثارهم مقتدياً، ولمآثرهم مُحْيِياً، وعلى سَنَنِهم في الإيراد والإصدار مُحْتَذِياً. كتبْناه عن اعتراف بإحسانه، والتحاف بأمانه، واعْتِصامٍ بحَبْل طاعَته وسُلْطانِه، ودُعاء إلى الله تعالى جَدُّه في حسن الدِّفاع لنا خاصَّة، وللمسلمين كافَّة، عن عُلُوِّ مكانه، والله اسمه، يستجيب له الأدعِية البَرَّة، ويوالي لديه النِّعَمَ الثَّرَّةَ، ويَجْنيه من كلِّ رأي يَرْتَئيه، ومنحى كريم يَنْتَحيه، غِبْطَةً دائمة ومسرَّة، وأنَّ الكتاب الجليل، والصَّفح الجميل، طالعنا من تلقائه ناصع الأَغَر، واضح الحجول والغُرر، رافعاً للخَطَر، واقعاً من قلوب البشر، موقع صيِّبِ المطَر، فشفى غُللَ الصُّدُور، وفاضَ على الجَمهور، وأَجْمَل بإذْهابِ الرَّوْعِ وكَشْْفِ المحْذور، وخَلُصَتْ بُشْراهُ إلى عذارى الخُذور. وتَخَلَّصْنا - والحمد له - ثم له منْ خُطَّة

стр. 205

ضيقٍ، وأسَغْنا ما كنّا لا نُسيغُهُ منْ ريقٍ، وأخذ بحظه منْ أنْعامه كلُّ فريق، وعاذَ الكلُّ منْ عَفْوِه الواسِع بأمْنَعِ معاذِه، وعلموا أنَّه - أعلى الله أمْرَه - كظَمَ غيظاً، وهو يقْدِرُ على إنْفاذِهِ. وإنَّا لَنَرْجو أنْ تَكون هذه المأْثُرَةُ التي رُفِعَت لها الأبصارُ، وتهادتْ حديثَ جلالَتها الأَمْصارُ، من أوْثَقِ أَعْماله عند مآله، وأرْجَحِ قُرَبِه في مُنْقَلَبِه، فهَنأه الله ما منْ سعة الحِلْم أتاه، وبارَكَ له فيما خَوَّله ووأوْلاهُ (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) والحمد لله الذي ذخر هذه المنَّة الخطيرة لأيامه، وسلكها في نظامه، وصير له من ذكرها في الآفاق ما تزينُ الملوك لإعْظامه، وتعْجَبُ منْ نقَائصها وتمامه. ونحن بما به أمر - أيَّد الله أمره - آخذون، وبالموعظة الحسنى للعوام لافظون. وما زلنا - عَلِمَ الله - نحذرهم ونتَّقيهم، ونرفقُ بهم كلَّ الرِّفق ونُداويهم، ولمَّا نلنا بفضلِ الله، ثمَّ بفضله الموهوب، واطمأنت بإحسانه القلوب، بادرنا حضرته الجليلة معْلِمينَ، ولِما افتَرَضَ الله علينا معْلنين، وبآلائه وحسنِ بلائه مُعْتَرِفين. فجوزيَ خيرَ جزاء العارفين المُنْعَمين، ولَقَّاهُ يومَ الفزَعِ الأكبر فوزَ الناجين الآمنين، ولا حرمه الله اغْتِفَارَ الزَّلاَّتِ، وإقالة العثرات التي تَجْمَعُ الدنيا والدين، وأيْدينا بيد الأمير الأجل، وَالِينَا، أيَّدَه الله، في هذا الأمر وسواه شابكة بموصوله وأوامره، أَمْضاها الله في التَّظافُرِ والائْتلافِ، مُطاعَةٌ مقْبولةٌ، ولا نَدَّخرُ عنه في حال من الأحوال نصيحة، ولا نَألوه محافظة صريحة ومُوالاةً في ذات الله تعالى صحيحة، وإنَّه ليرى منَ الرفقِ ما نراه، ويَرْعى من أمورِ العامَّة ما نرعاه. والله يرفعُ مَسْعاهُ، ويُيَسِّره لما يرضاه.

стр. 206

وكتب أيضاً في المعنى: أطال الله بقاء الأمير الأجل، السيد الأفضل، وصيته في كل مَكْرومَةٍ طائرٌ ذاهبٌ، وأيَّامه مننٌ، ومواهب. ولازال سعْدُهُ ثاقبٌ، ومجْدُهُ عاقِبٌ، وهمَّتُه المآثر الخالدة المناقِبِ. كتَبْتُهُ، كتبَ الله لك واضِحَ الآثار، وأَعْبَقََ الأخبار، وبَلَّغَكَ أقْصى الآمال والأوطار، عنْ إعظامٍ وإكْبارٍ، وتَشَوُّقٍ وادكار، ورواحٍ في شُكْرِكَ وابْتِكار، واعْتِرافٍ بما للإسْلامِ منْ ديمٍ غِزارٍِ، وتَرْبِيَّة كتربية عمْروِ بن شَأْسٍ لِعِرار وإنّي، وإنْ كنْتُ نَشْأةَ ناديهم، ورَهْنَ أَيَادِيهم، لأرى لكَ منَ الحقِّ ما كنتُ أرى لِشُيُوخِهم المُوَقَّرِ قُعْدُدَ عُلاهُم، وشَبابِهِم النَّاضِرَة أَفْنان صباهم. سقى الله معاهدَهم ورُباهُم، وأَجْمَلَ في كلِّ نادٍ ونَديّ ذِكْراهم. وما منْ يَدٍ للحُلَّةِ أرْعاها كيدٍ أنتَ مُوليها وموْلاها. عَوَّضْتَني من تلك الأنهار بحراً زاخِراً، ومن تلك النُّجومِ بَدْراً باهراً، وأَعَدْتَ لي به بعد المشيبِ عهْدَ الشَّبابِ ناضراً، وأرَيْتَني كل غَائبٍ من المُلوكِ حاضراً: ولقيتُ كلَّ الفاضلينَ كأَنَّما ... ردَّ الإله نُفوسهم والأَعْصُرَا نسَقُوا لنا نَسْقَ الحساب مقدماً ... وأتى بذلك إذ أتى متأخرا

стр. 207

وذلك الذي ليس الكمالُ والجلال رحمته سِيماه، ولأْلاؤُهُ أن يزالَ الأمير الأجل الأوحد الأفضل أبو فلان، كبتَ الله عِداهُ، وأقرَّ به عُيُونَ عُلاه. تضاءلَتْ لقَدْرِه الأقْدارُ، وتَقاصرتْ دونَه الأخْطارُ، قامَ الله تعالى بحَقِّه فحَبَّبَهُ إلى خَلْقِه: وإذا أَحَبَّ اللهُ عبده يوماً ... ألقى عليه محبَّة النَّاسِ هذه الحضرة، حاضِرُها وبادِيها، وأعْلامها وهواديها، لاهِجَةٌ بحَمْدِهِ، داعِيَةٌ لِمَجْدِهِ، ومُعْتَرِفَةٌ بحسنِ آثاره، متواضعة لما بهرهم وَرَاقَهُمْ منْ سكينَتِه ووَقارِهِ: ملكٌ عليه تحية وسلامٌ ... أَلْقَتْ عليْهِ جمالَها الأيامُ وكتب أيضاً في المعنى: وردتَ ورود مُنْهل الغمام ... وسيبُكَ والحيا هامٍ وَهَامِ فهذا أخضرُ النفحات نَضْرٌ ... وهذا أحمر الصفحات دَامِ هما سِرُّ الحياة ولا حياةٌ ... بغير الغيث في ظِلِ الحُسَامِ وما اعْتدل الزمان وطاب ... إلا بِعَدْلِ سجيةِ الملْك الهُمَامِ لقد فازت دمشقُ بتاشفين ... وطار لها به أعلى السِّهامِ

стр. 208

وما فوق التى نالوا محلٌّ ... وبين ظهورهم هدي الإمام ولما لمْ أفِدْ لقضاء حقٍّ ... أزَرْتُنديه وفدَ السَلاَمِ أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأوحد الأفضل، رالأفئدة تهوى إليه، والقبول يوضع له، والمحبة تُلْقى عليه. والآمالُ تُخَيِّمُ لديه، ومقاليدُ السيادة والسياسة في يديه، ولا زال يحوز المدى، ويُزْجي كتائبَ النَّصر، وجيوشَ الهُدى، ويأخُد كل تَقِيَّةٍ على العدى، وهو - أيده الله - لا يزال في انتظام منقبة، واقتحام عقبة، وموارد ومصادر مرْتَقبة، ومساعٍ كل سماء لها أرض، وأداء حقِّها على الحاضروالبادي فَرْض. فالحمد لله الذي ثَنَاه عن مغزاه راضياً، ولحقوق الثغر قاضياً، وهنيئاً له وللإسلام به، يُمنُ المآب والمَقْفَل، وانفِتَاحُ كل مُرْتِج مُقْفَل، وغزو العدو في عُقره المنيع، وأمره الجميع، ولقد حلَّت عليهم المنايا وحامتْ، لولا جُدُرٌ دُونَهم قامتْ، وسَتَجْعَلُها العزائمُ بحول الله دكاًّ، تَصُكُّهم بوادرها صكّا ساعَده القَدَرُ، وحالَفَه الظَّفَرُ، ولا زال يغْزو ويُنْصَرُ، وعَدوه يُصْرَعُ ويُعَفَّرُ، بحول الله وطوله. واقرأ على حضرته الجليلة أعم السلام وأوفاه، وأبرَّه وأحفاه، ثم السلام المُجدد عليها ورحْمَةُ الله وبركاته.

стр. 209

قوله في القطعة (في ظلِّ الحُسام) الظِّلُّ هنا يريد به: العِزَّ والمَنَعَة. ومنه قول الفرزدق: فلوْ كُنْتَ مَوْلى الظِّل أوْ في ظلالِهِ ... ظَلَمْتَ ولكنْ لا يدَيْ لكَ بالظلْمِ معناه: لو كنتَ ذَاعِزَّ، أو في ظلال ذي عزة. وقال أبو تمام: القَوْمُ ظِلُّ الله أَسْكَنَ دينَهُ ... فيهم وهم جَبَلُ الملوكِ الراسي وفي حديث أنس بن مالك: "السُّلْطانُ ظلُّ الله في الأرض" معناه ما ذكرناه. وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن هذا السلطان الذي ذكت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ قال: "ظلُّ الله في الأرض فإذا أحْسَنَ فله الأجر، وعلكيم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصْر، وعليكم الصبْر" وقد يكون الظِّل بمعنى السَّتْر، ومنه قول القائل للرجل الشريف: أنا ظلُّك: أي في سترك وذُراك. ولا أزالَ الله عنَّا ظلك. ومن هذا ظلُّ الشجرة، وكذلك ظلُّ الليل وهو سوادُه. قال ذو الرمة: قد أعْسِفُ النَّازِحَ المجهول مَعْسَفُهُ ... في ظِلِّ أخضر يدعو هَامَهُ البُومُ ويروى: في ظل أَغْضف. وقد يكون الظلُّ أيضا بمعنى القُرب والدُّنُو والاختصاص، ومنه قول أبي صخر الهذلي:

стр. 210

ورنقت المنية فَهْي ظلٌّ ... على الأبطال دانية الجَناحِ ومن هذا قولهم: أَظَلَّنا شَهْرُ الصومِ، وأَظَلَّنا الأميرُ وما أَشبه هذا من كلامهم. رجع وكتب بعض الأدباء في هذا المعنى بعد الصدر: وإنّى، أَعَزَّ الله المَلِكَ الكريم، لما أضاءتْ لي أهِلَّةُ مفاخِرِه في سماء النِّجَار، وأشْرَقَتْ شموسُ مكارِمِه على مفارِقِ الأحرار، وأبْصرتْ شمائلُه الزُّهْرُ تُثيرُ منَ الهُمومِ كامِنَها، ومَحاسِنُهُ الغُرّ تُوقِظُ منَ الآمال قائمها، تَيَقَّنْتُ أنَّ القُلُوبَ بحَقٍّ انْقادتْ له في أَعِنَّتِها، وتهادتْ إليه النُّفوسُ بأزِمَّتها؛ فآلَيْتُ ألّا أُلِمََّ إلا بحِماه، ولا أَحُطُْ رَحْلاً إلا في ذُراه، عِلْما بأنَّهُ نثْرةُ الفجر، وغُرَّةُ الدَّهر. فَتَيَمَّمْتُ سارِياً في طالع نوره، مُتَيَمِّناً بِيُمْن طائره، بأمل مُتَحقِّق الرِّبْح، موفَّقَ النُّجْح، حتى حَلَلْتُ بدوْحَةِ المجد، وأَنَخْتَُ بذِرْوَةِ السَّعْدِ، فَجَعَلْتُ أنْثرُ منْ جواهر الكلامِ، ما يُرْبي على جواهر النِّظام، وأنْشُرُ منْ عِطْر الثَّناء، ما يُزْري بالرَّوْضَةِ الغَنّاء، وحاشَ للفضل أنْ يُعَطِّلَ ليلي منْ أقْمارك، أوْ تُجَلي أُفُقي منْ أنْوارِكَ، فَأُرَى مُنْخَرطاً في غير سِلْكِكَ، مُنْحطاً إلى غير مُلْكِكَ، لا جَرَمَ أنَّه من استضاء بالهلال غني عن الذُّبالِ، ومن استنار بالصباح، ألْقى سنا المصباح. تالله ما هزَّتْ آمالي ذوائبُها إلى سِواك، ولا حَدتْ أطْماعي ركَائبها إلى حاشاكَ، ليكون لذلك في آثار الموسِمي للْماحل، وعلى جمال الحلي للعاطل، بسيادتك الأولية، ورياستك الأزلية، التي يَقْصُرُ عنْ وَصْفها إفصاحي، وَيَعي عنْ بعضها ثنائي وإيضاحي. فالقراطيس عنْدَبَثِّ مناقبِكَ تَفْنى، والأقلامُ في رسم آثارك تَحفى.

стр. 211

ومنها: والسعيدُ منْ نَشَأ في دوْلَتِكَ، وظهر في جُمْلَتِك، واستضاء بغُرَتكَ، والفائزُ بالسبْقِ منْ لَحْظَتْه عُيُونُ رِعايَتِكَ، وكَنفه حِرْزُ حمايَتِكَ. ُفأنْت الذي أمِنَتْ بعدْله نوائبُ الأيام، وقويت بفضله دعائم الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتَخْضَعُ لجلالِكَ أعِزّة النُّفوسِ، بسابِقةٍ أشْهَرَ منَ الفجر، وفِطْنَةٍ أَنْورَ منَ البدر، وهِمَّةٍ أبْعدَ من الزهر: لقد فاز من أضحى بكم متمسِّكاً ... يمد إلى تليد عزّكمُ يدا سلَكْت سبيل الفضل خُلْقاً مُرَكَّباً ... وغيرُك لا يأتيه إلا تجلدا يُهَنِّيكُُمُ مجدٌ تَلِيدٌ بَنِيتُمُ ... أغار لعمري في البلاد وأنْجَدا وإنّما أهدي لمولاي خِدمتي، وأضع في ميزان اختياره همتي، لأمتاز في جملة عبيده، وأشهر في خِدْمَته وعديده: وما رغْبتي في عَسْجَد أستفيده ... ولكنها في مفْخر أسْتَجدُّه وكل نوالٍ كان أوْ هو كائنٌ ... فلَحْظةُ طرْفٍ منكَ عندي نِدُّه فكن في اصطناعي مُحسنا كَمُجَرِّبٍ ... يبن لك تقريبُ الجواد وَبُعْدُهُ إذا كنت في شك من السيف فَابْلُه ... فإمَّا تُنَفِّيه وإما تُعِدُّه وما الصَّارمُ الهنديُّ إلاَّ كغيره ... إذا لم يُفارِقْه النجادُ وغِمْدُهُ وكتب بعضهم بعد الصدر: ثم إنَّ شُكْري نِعْمَة اللَّه عَلَيَّ بِمَا جدَّدَهُ مِنْ ملاحظة سيدنا حالي، وتداركَهُ بطِبِّ التَّطَوُّل مَرَضُ آَمَالِي، بما لا أؤمِّلُ معَ المبالغة والإغْراق فيه، فَكَّ نفسي بحال من رِقِّ أياديه، غير أني أحسن لها النظر، وأُجْمل عليها الأُحْدُوثة والخَبَر، وأدْخُلُ في جملة الشاكرين؛ إذْ هو، أيَّده الله، كعبَةُ فضل، وغمامةُ بذلٍ، وحُسامُ حقٍّ، ولسانُ صدْقٍ، يحمده أولياؤه، ويشهدُ له بالفضل أعْداؤه،

стр. 212

والليالي بأفعاله مُشْرِقة، والأقدارُ من خوفه مُطْرِقة، ومازالَ، أبْقاه الله، يَنْصُرُ نباهتي عن الخمول، ويَسْتنْقِذُني منَ التَّعَبُّدِ للتَّأميل، فصرتُ أعجزُ عن أوصاف نعمَته شكراً، وتَنطِقُ حالي عن آثارها فخراً، فأقول: لما تحَصَّنتُ من دهري بخلعته ... سَمَتْ بحملانه ألحاظُ إقبالي وواصلتني صلاتٌ منه رُمْتُ بها ... أختالُ في حلل للجاه والمالِ فَلْيَنْظُرِ الدَّهرُ عقبى ما صبرت له ... إذْ كان منْ بعض حُسَّادي وعُذَّالِي ألم أكده بحسن الانتصار إلى ... أن صنْتُ حظي عن حل وتَرْحالِ بَلَغْتُ مَنْ لا تجوز السُّؤْلَ قائله ... ولا يدافع عن فضلٍ وأفضالِ ياعارضاً لم أَشِمْ مُذْ كنتُ بارقَه ... إلاَّ رَوِيتُ بغيث منه هطَّال رُويَد جُودك قد ضاقتْ به هِمَمِي ... وردَّ عنّي برغم الدهر إقلالي لم يبق لي أملٌ أرجو نداك به ... دهري لأنك قد أفنيتَ آمالي وكتب قريع دهرنا، وأديب عصرنا، الوزير الأجل أبو عمرو محمد بن عبد الله بن غياث شيخنا، في المعنى: الحمد لله موالي الآلاء، ومُسْبغِ النَّعماء، وجاعِلِ هذا الإقبالَ، المُوذِنِ بالإِقْبَالِ. عنوانُ الفتوحات التي تُفْتَحُ لها أبوابُ السماء، ويرتَبِطُها النصر ارْتِباط الري في الماء، ويخْدمها بالسعدِ الذي تتلاعبُ موادُّه بصروف الدهر تلاعب الأفعال بالأسماء، والصلاة على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء، الذي ما ضلَّ ولا غَوى، ولا نطَقَ عن الهوى، فتختلف عليه مختلفاتُ

стр. 213

الأهواء. السراجُ الوهَّاجُ الذي بهرتْ آياته، وأشرقت إيَاتُه وأَخْرَسَتْ معْجِزاتُه أَلْسِنَةَ الفصحاء البُلغاء، وصدعَتْ بأمر الله في تبليغ رسالاته عزماتُهُ مصمِّمَة المَضاء والإمضاء، ودعا فأسْمَعَ بالأسنة واللُّهى صُمَّ العِدا في الصخرة الصماء. والرضا عن الخلفاء الراشدين الهادين إلى السبيل السواء، السالكين منْ أفعاله وأقواله على المحجَّة الحنيفية البيضاء، بأخْلاق خُلِقْنَ من التمني فلاقت كل داء بالشفاء، وعن الإمام المعصوم المهدي المعلوم الكافي أكفَّ البغْي والاعْتداء، وعن أصحابه الأئمة الخلفاء المذخُورين للأمر العزيز يتوارثه الأبناء عن الآباء، وراثة مورث العَلْيَاءِ بما توارث من ثُراث الأنبياء: فغار الكفر في ظُلَم الدياجي ... ولاح الدينُ في حلل الضِّياءِ والدعاء لسيدنا ومولانا الخليفة الأتقى، ملجأ الدين الأوقى، الموفَّقِ الآراء، النافخِ أرْواح أشباح الأمل والرَّجاء بجميع الجهات والأرْجاء، المجْلي غياهب الظَّلْماء، عن أنوار الاقتداء، سيف الله المحلى بالمحامد والثناء، المعيد منارَ الكفر كمنبت الهباء، المصيِّر أهله كهشيم الغُثَاءِ: بعزم يلبس الأيام يُمْناً ... ويطوي الأرض منشورَ اللِّواءِ ونصرٍ للرياح به هبوبٌ ... لأقصى الأرض من غير انتهاء فَيُصْعِقُهُمْ بصاعقة المنايا ... ويمطرهم شآبيبَ الفناء وبعدُ، فإنه لما كانت هذه (الجزيرة الأندلسية) غربية المعنى على الإطلاق،

стр. 214

فذة الحسن باصطفاقٍ واتفاق، يتمثل بها في الآفاق، وتحدو بأوْصافها حداة الرفاق، وتُزْهى بمنظرها الرائق، وبخيرها الفائق على الشام والعراق، وكانت بين عَدُوَّيْن يقطعانِ عنها فيما سلفَ الإرفاق، من الأمن والأرزاق، أحدهما البحر الذي هي منه كالمِعْصَمِ في سوارٍ أوِ الخِصْر في نطاق. والثاني الكفر الذي أحدق بها إحداق الأشفار بالأحداق، وكانا يطمسان أنوارها كالأجفان للنواظر عند الإرْتِدادِ والإنْطباقِ، وكلاهما قد فَغَرَ عليها فاه لإضرامِ الأعْلاقِ، وإطْفاء الأنوار الواضحة الإشراق، حتى عاد بدْرُها هلالاً في قبضة المُِحاق، وكادت تبكي عيون السبعة الطباق، إلى أنْ تلافاها النَّظَرُ المهدي، والأمر الإمامي، فأحيا رمقها الخافت، وأَعَادَ كمالها الفائت، فاعْتَصَمَتْ منه أوثق اعتصام، وتوقَّتْ منه بأوقى واقٍ، ولم يزل النظر الإمامي يستمد لها على الدوام، ويلقيه خليفة إلى خليفه وإمامٌ إلى إمامٍٍ، فيقع منها موقع الماء الزُّلالِ على شدة الأُوام، إلى أنْ أفضى النظر إلى الخليفة العليّ الإمام المرضيّ، المَقْتَفِي، أثر المهدي أبي عبد الله محمد ابن الخلفاء الأئمة المؤيد بالنصر الحفيِّ، الذي لا يكتحل جَفْنه بمنام، ولا يخْلو خاطرهُ النَّيِّرُ عن اهتبالٍ بها وبغيرها وعنِ اهتمام، فأطلع بآفاقها بدر تمام، يحمل بين جوانحه إِقْبَالَ

стр. 215

ضِرْغَامٍ، في ذكاء إياس وعلم ابن العباس وحلم الأحنف ورصانة (رضوى) اختصاصاً بواحد جمع له ما في الأنام، مُنْبَسِط الوجه رحيبَ الصدر، يفيض بِكَفِّه منْ كل أَنْمُلَةٍ بَحْرُ إنْعامٍ، ويهْمِي بها من أفضاله واكفُ غَمامٍ، ويسُلُّ على منْ عاداهُ سيف انْتِقامٍ، يجْلبُ له الحِمام، قبل وقتِ الحُمام، وتَخْدُمُه صروف الدهر في كل مقامٍ، ويُيَسِّرُ له السعد كلَّ مرامٍ، حتى عادتْ لياليه مُشْرِقَةً كالأيام، مُجْلِيَةً دياجي الظُّلْمِ، وسَدف الإظلام. صنْوُ الخليفة الذي تُزْهى الدُّنْيا به شرفاً، ومُجْتَنِي الخلافة حسباً ونسَباً وسلفاً، المقتفي منْ سَنَنِ آبائه الخلفاء ما اقتفى، السيد المُعَظَّمُ الشأن، المُوَقَّرُ المكان أبو إسحاق المحتسبُ نفسه وبنيه وماله في نصر الدين وحياطة المسلمين قُرُباتٍ عند الله وزُلْفى، المجلّي من الضلال والمحال ظلماً وسَدَفاً، المُفْضي عزائمه حتى لا يَذَرَ على الأرض كافراً متمرداً ولا منافقاً متشوفاً، ولا عادلاً عن المحجة البيضاء الحنيفية ولا مُنْحرفاً. يقود جيوشاً يضيق عنها ذرعُ الزمانُ، ويخشى سطوتَها طارقُ الحدَثان، وينْصرفُ بأمر الله الذين هُم حزْبُه الملوان: فمن سره المحْيا فسمعٌ وطاعةٌ ... ومنْ يحسُد الموتى يُدِنْه بعصيان
следующие страницы →