← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سلمة، فقال: كُنَّا عند عمّار بصفين، وعنده شاعر ينشده، فقال رجل: أَيُقَالُ الشعر فيكم وأنتم أصحاب محمد وأصحابُ بَدْرٍ. فقال له عمار: إِنْ شِئْتَ فاسْمَعْ، وإن شئت فاذهب، إنه لَمّا هجانا المشركون شَكَوْنا ذلكَ إلى رسول الله ﷺ فقال: قُولوا لهم كما يقولون لكم، فإن كنَّا لنعلمه الإماءَ بالمدينة. وعن الأعمش عن أبي خالد الوَالِبِي، قال: كنت أجلس في حلقة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلَعَلَّهم أَلاَّ يذكروا إلا الشعر حتى يَتَفَرَّقوا. وعن إسماعيل بن عليَّة عن أيوب عن محمد بن كثيِّر بن أفلح أنه قال: كان آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابث مجلساً تناشدنا فيه الشعر.

стр. 72

وعن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السَّفْر عن الشعبي قال: كان أبو بكر شاعراً، وكان عمر شاعراً، وكان علي أشعر الثلاثة ﵃. وكانت عائشة ﵂، وهي التي غَذَاها الإيمان وزَكَّاها القرآن، وفَضلها الرحمن ... وفي شعر العرب. وتتمثل بقول لبيد: ذهب الذين يُعَاشُ في أَكْنافهم ... وبَقِيتُ في خَلْف كجلد الأجْرَبِ قال أبو الزناد: ما رأيتُ أحداً أَرْوى لشعر من عروة. فقيل له ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: ومارِوايتي في رواية عائشة، ما كان يَنْزِل بها شيءٌ إلاَّ أَنْشَدَتْ فيه شعراً. وروى يوسف بن عمرو وكان من كبار أصحاب ابن وهب، عن ابن وهب عن أبي الزناد،

стр. 73

عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: (رويْتُ للبيد اثنى عشر ألف بيت) قال هذا أبو عمر بن عبد البر. وكان بعض السلف يقول: إعطاء الشاعر من بِرِّ الوالدين. وأعطى الحسن بن علي شاعراً فأنكر ذلك عليه بعضُ جُلَسائِه، فقال: إنَّ خَيْر ما بَذَلْتَ من مالِك، ما وقيتَ به عرضَكَ. ومَدَحَ نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأَجْزَلَ له من كُلِّ صنْفِ: أعطاه إبلاً وخيلاً وثياباً ودنانير ودراهم، فقيل له: أتَصْنَعُ هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ فقال أما والله، إن كان جِلْدُهُ أَسود فإنَّ ثَنَاَءُه لَأَبْيَضََ، ولقد استحق بما قال أكثر مما قال، وإنما أخذ رواحل تُنْضى وثياباً تُبْلَى، وأعْطَى مديحاً يُرْوى وثناءً يبقَى. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لابنة هرم بن سنان المرِّي ما

стр. 74

وهب أبوك لزهير؟ فقالت: أعطاهُ مالاً وأثاثاً أفْناه الدهر. فقال لها عمر لكنْ ما أَعْطاكموه لا يفنيه الدهر. وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ماكان جَدُّكَ قيس ين معدي كرب أعطى الأعشى؟ فقال: أعطاه مالاً وظهراً ورقيقاً وأشياء نسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا يُنْسى. ويروى عن بعضهم أنه قال: إني لا أُحِبُّ البقاء، وكالبقاء عندي حُسْن الغناء. وقال الشاعر في هذا المعنى فأثنوا عليه لا أباً لأبيكم ... بأفعاله إنَّ الثناء هو الخُلْدُ وقال ابن عباس: الشعر ديوانُ العرب، فإذا خَفِيَ عليهم الحرفُ من القرآن الذي أنْزَلَه الله بلُغَة العرب، رجعوا إلى ديوانها، والتمسوا معرفة ذلك منه. وعن سفيان عن أسامة بن زيد عن عكرمة مولى ابن عباس عن

стр. 75

ابن عباس قال: إذا أعيتْكُم العربية في القرآن، فالتمسوها في الشعر، فإنه ديوان العرب. قال أبو إسحاق: فإن احتجَّ أحدٌ علينا بقول الله ﵎ (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) وبقول رسول الله ﷺ : "لأن يَمْتلىء جوْفُ أحدكم قيحاً حتى يريه خيرٌ لَهُ من أن يَمْتَلِئَ شِعْراً" قلنا له: أمَّا الآية، فإنما أنزلها سبحانه في شعراء المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ والمؤمنين. والدليل على ذلك، أَنَّ الله تعالى قد استثنى المؤمنين منهم، فقال في الآية الأخرى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا). إلى آخر الآية. ومعنى: وانْتَصَروا من بَعْدِ ما ظُلِمُوا، أي ردُّوا على الكفار الذين كانوا يهْجون النبي ﵇. قاله ابن عباس، وأما الغاوون، فقال: هم الكُفَّار يتبعهم ضُلاّلُ الإنْسِ والجِنِّ. وقال ابن زيد: الغاوون والشعراء هاهنا المُشْركون. لأنَّ الغاوي لا يَتْبَعُ إلاَّ غاوياً مِثله. وقال عكرمة: الغاوون عُصاة الجن. وروى عن مجاهد نحوه، وعن مجاهد أيضا هم الذين يتبعونَهم ويروون شعرهم. وعن الطبري: الشعراء، شعراءُ المشركين، يتبعهم غُواة النَّاس، ومَرَدةُ الشياطين، وعُصاة الجِن. والمراد بقوله: "إلاَّ الذين آمنوا وَعملوا الصالحات" فيما روى عن ابن عباس: ابن رواحة وحسان بن ثابث وكعب بن مالك.

стр. 76

ومعنى: (وذكروا الله كثيرا) فيما قال ابن زيد: أي في شعرهم، وقيل: لم يَشْغَلهُم الشعرُ عن ذكر الله . إنَّما هاجوا من كذَّبَ رسول الله ﷺ . وأمَّا قول النبي ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا" الحديث، فذكر عن أبي عمرو عامر بن شراحيل بن عَبْد الشعبي أنه قال: إنَّما عُني به الشعرُ الذي هُجِي به رسول الله ﷺ ، وردَّ أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره من أهل العلم هذا القول، وقال: تأويل الحديث عندي غير هذا؛ لأن الشعر الذي هُجي به النبي ﵇ لو لم يكن إلا شطر بيت لكان كفرا، فكأنه إذا حُمِلَ وجهُ الحديث على امتلاء القلبِ منه، فقد رُخِص في قليله، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يَغلب عليه فَيَشْغله عن القرآن، وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه مِنْ أَيِّ الشِّعْرِ كَان. فأمَّا إذا كان القرآن والعلم أكثر من الشعر في الجوف، فليس ممتلئاً منه. هذا قول أبي عبيدة وغيره، وهو صحيح موافق. ومعنى (يَرِيَهُ): يأكل القيح جَوْفَهُ. قاله أبو عبيد وأنشد لسحيم عبدِ بني الحسحاس بن هند: وراهُنَّ رَبِّي مثْلَ ما قَد وَرَيْنَني ... وأحْمَى على أكبادِهنَّ المكاوَِِيا وقال الفراء: الورى داءٌ يُصيب الرجل والبعير في أجوافهما. مقصور، يكتب بالياء. ويقال في دُعاء العرب (به الورى وحُمَّى خَيْبَرَى وشرُّ ما يُرى فإنُّه

стр. 77

خَيْسَرى). كان أبو عمرو الشيباني والأصمعي يقولان: لا نَعْرِفُ الورى من الداء بفتح الراء، وإنما هو الوَرْيُ بتسكين الراء. من قولهم وراه الداء يَرِيه ورْيا. وأنشد الأصمعي: قالتْ لَهُ ورياً إذا تَنَحْنَحْ ... يالَيْتَه يَبْقى على الدَّرَحْرَحْ وأنشد أبو عمرو: هَلُمَّ إلى أُمية إنَّ فيها ... شِفاءَ الوارياتِ من الغليلِ ومنه قول عبد بني الحسحاس وقد كتبناه. ويقال للسَّاعِلِ يَسْعَلُ وهو مُبْغَضٌ إليهم: ورْياً وقُحاباً، وللمحبوب: عُمْراً وشباباً. والعُمْر والعُمُر واحد. والقُحابُ: السُّعال. وقال أحمد بن عبيد الداءُ هو الوَرْيُ بتسكين الراء فصُرف إلى الوَرى. وقال أبو العباس أحمد بن يحي: الوريُ بتسكين الراء المصدر، والوَرَى بفتح الراء الاسم.

стр. 78

وقال يعقوب: إنما قالوا الوَرْيُ لمزاوجة الكلام، وقد يقولون في المزاوجة مالا يقولون في الإفراد. قالوا: إني لآتيه بالغَدَايا والعشايا، فقالوا الغَدايا لمكان العشايا، وغداة لا تُجمع على غدايا. وقال الأصمعي معنى: حتى يَريَه؛ أي حتى يَدْوَى جَوفُهُ. وقال صاحب الأفعال وَريَ الإنسانُ والبعير ورىً دَوِي جوفُه وَوَرَاه الماء وَرْياً: أفسد جوفه، ووَرِيَ الكلب سُعِر أشدَّ السُّعار. قال أبو علي والوَرى: الخلقُ مقصور، يكتب بالياء، ويقال ماأدري أيُّ الورى هو، أيْ: أَيُّ الخَلْق. وأنشد لذي الرمة: وكَايِنْ ذعرنا من مهاةٍ ورامِحٍ ... بلادُ الورى ليْستْ له ببلادِ

стр. 79

فصل في الكتابة قال: وأما الكتابة فهي تِلْوُ الخِلاَفة في القدر، وقريبة منها في الخطر، وهي أجلُّ ما طُلب وأشرف ما فيه رُغِّبَ، وأحسنُ ما عُمل وأفيَدُ ما انْتُحِل، وأبْهَجُ ما به تُحَلي، وأعذبُ ما سُمع ووُعي. ووصف الله تعالى بها ملائكته المقربين، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ). وهي منصوصة في غير ما موضع في كتابه المكرم، وبها فُسِرَ قوله تعالى (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ولا نشك أنها من الله ﵎ هبَةٌ وإلهامٌ، وزيادةٌ فيمن خَصَّ بها من الأنعام. لا تتعاطاها الأفهام، ولا ينفك بابها من استغلاقٍ واسْتِبهام، وما زال حامِلها للدولة قُلْباً، ولرحاها قُطْبا. جديراً أن يكون النُّجْحُ معقوداً بنواصي آرائه، واليُمنُ معهوداً في مذاهبه وأنحائه، يُبدي فوائدهُ، ويُخْفي مكائده، ويَنْطِقُ بفصل مُشكلات الأمور لسانه، وتخطُّ محْكماتها بنانُه، وتُقتَبَسُ أنوار السياسة منه، وتؤخَذُ آثارها عنه، وهو مُدبِّرُها ولِسانُها، وحامل لوائها

стр. 80

وتُرجُمانها، وشِهابُها المستنار، وحسامها الماضي الغرار، يحسم عِللها، ويَرُمُّ خَلَلها، ويُزَيِّنُ مراتِبها، ويُجَلِّي ترائبها، ويكسوها من جميل تدبيره بهجةً وبهاءً، ويُطلع بِرِقَّةِ سياسته في آفاقها نوراً وضياءً، ولذلك قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك الزيات: أَلْقَى إليكَ عُرَى الأمر الإمام فقَد ... شُدَّ العِناجُ من السلطان والكَرَبُ يعشى إليكَ وضوء الراي قائده ... خليفَةٌ إنَّما آراؤُه شُهُبٌ إن تَمْتَنِعْ منهُ في الأوقات رُؤيتُهُ ... فكلُّ ليثٍ هَصورٍ غيلُهُ أشِبُ أو تُلْقَ من دونه حُجْبٌ مُكَرَّمَةٌ ... يوماً فقد ألقيتْ من دونكَ الحُجُبُ والصُّبْح تَخْلُفُ نورَ الشمس غُرَّتُه ... وقرنها من وراء الأفْقِ محتَجِبُ وهذه الأبيات في قصيدة له. وقوله: يعشى إليكَ؛ أي يلتمس نور الصَّوابِ فيما تأمُرُه به، وتشير عليه. قال أبو زيد يقال: عَشي الرجُلُ عشىً شديدا، ورجلُ أعْشى وهو الذي لا يُبْصر بالليل. وقرأ ابن عباس (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) بفتح الشين وهو من عشِيَ يَعْشى، وقرأت الجماعة بضم الشين من عشا يَعْشو، ومعناه يعرضُ، قاله قتادة. وقال غيره: تُظْلِمُ عَيْنُه.

стр. 81

وقال أبو موسى هارون بن الحارث: يقال عَشاَ الرجلُ يعْشو عَشواً: وهو أن يستضيء ببصرٍ ضعيف، أو ضوء ضعيف في ظلمة. وقال أبو بكر بن دريد: العَشْوُ مصدر عَشَوْتَ إلى ضوء نارك، أعْشو عَشْواً: إذا قصدته بليل، ثم صار كل قاصد عاشياً. وقال صاحب العين العَشْوُ: إتيانك ناراً ترجو عندها هُدىً أو خيراً. والعاشيةُ كلُّ شيءٍ يعْشو بالليل إلى ضوء نارٍ من أصناف الخَلْقِ، من الفَراشِ ونحوه. وأنشدوا: متى تَأْتِهِ تعشو إلى ضوْءِ نارِه ... تَجِدْ خير نارٍ عندها خَيْرُ موقِدِ وقال ابن الأعرابي: فلانٌ يعشو إلى فلان، إذا أتاه طالباً ما عِنْدَهُ. قال: وجاء رجل من بني كُلاَب إلى عمر بن العزيز يشكو عاملاً له فقال له: أيْن كنت عن والي المدينة؟ فقال: عَشَوْتُ إلى عدْلِكَ، وعلمتُ إنصافك منه، فكتب إلى والي المدينة بعزله. قال أبو علي البغدادي: وهذه الأقوال الثلاثة متفقة في المعنى، وإن

стр. 82

اختلفت العبارات عنها وزادت ونقصت. قال: والعشا في العين مقصور يكتب بالألف لأنهم يقولون رجلٌ أعْشى، وامرأة عشواء. وأنشد: فإن يُمْس عندي الهَمُّ والشَّيْبُ والعَشَا ... فقدْ بِنَّ مِنِّي والسلامُ تَفَلَّقُ ويقال: فتنة عَشواء: أي يُعْشى فيها حتى لا يَهتَدي الطريق فيها، فظهور الواو في عشواء، يدل على أن العشا من الواو، وكذلك قلت: عَشِيَ يَعْشًى أصل الياء فيه واواً. وقال صاحب العين: العَشْواءُ من النُّوق التي لا تُبْصِر ما أمامها، وذلك أنها ترفع رأسها فلا تتعاهد موضع أخْفَافها. قال زهير: رأيتُ المنايا خَبْطَ عشْواءَ منْ تُصِبْ ... تُمِتْهُ ومنْ تُخطئ يُعَمَّرْ فيهرَمِِ قال أبو علي، وهذا صحيح في الاشتقاق، وأصله من عشا العين.

стр. 83

وقال أبو الحجاج الأعلم في تفسير بيت زهير وقوله: (خبط عشواء)، أي لا تَقْصد ولاتجئ على بَصر. يقال: عَشا يعشو إذا جاء على بصرٍ وهداية، وعشى يَعْشى إنْ أصابه العشا؛ يريد أن المنايا تخبط في كل ناحية كأنها عشواء لا تُبْصِر، فمن أصابته في خَبْطِها ذلك هَلَكَ، ومن أَخْطأته عاش وهرم. وإنما يريد أنها لا تترك الشاب لشبابه، ولا تقصد الكبير لكبره، وإنما تأتي لأجل معلوم). ومثل قول زهير قول الآخر: منْ لَمْ يَمُتْ عبْطةً يَمُت هَرِما ... للموت كأْسٌ والمرءُ ذائقُها وقوله: عَبطَة وهو فتى شاب. يقال: مات فُلانٌ عبطةً إذا مات في شبابه وطَرْأَة سنّه. والعبيطُ: الدَّمُ الطري. رجع وقال أبو تمام أيضاً في ابن عبد الملك: وأنتَ شِهابٌ في الملمات ثاقبٌ ... وسيْفٌ إذا ما هزَّه الحقُّ فاضلُ مُوَرِّث نارٍ والإمامُ يَشُبُّها ... وقائلُ فَصلٍ والخليفةُ فاعِل

стр. 84

فإنك إنْ صدَّ الزمان بِوَجْهِهِ ... لَطَلْقٌ ومنْ دون الخلافة باسلُ قوله: وأنتَ شِهابٌ: أي كالشهاب؛ وهو الكوكب المنقضي في أثر مُسْترق السمع. وقال أبو إسحاق الزجاج، كلُّ أبيض ذي نورٍ يقال له شهابٌ، ومنه قول الشاعر: إنّما مُصْعَبٌ شهابٌ من الل ... هـ تَجَلَّتْ عن وجهه الظلْماءُ فأما القَبَسُ فاسم لقطعة النار تُقْتَبَسُ في عودٍ أو في غيره، ومنه قول أبي زبيد: في كفِّه صعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ... فيها سنان كشعلة القبسِ وفي معنى قول أبي تمام يقول أبو إسحاق المهدي: وقد علمَ السُّلْطانُ أنِّي لِسانُه ... وكاتبه الكافي الشديد الموفقُ

стр. 85

أُوازره فيما عرى وأُمِرُّهُ ... برأْيٍ يُريه الشمس والليل أغْسَقُ فيُمْنايَ يُمْناه ولفظي لَفْظُه ... وعَيْني له عينٌ بها الدَّهْرُ يَرْمُقُ ولي فِقَرٌ تُضْحي الملوكُ فَقِيرةً ... إليها لدى أحداثها حين تُطْرَقُ أَرُدُّ بها رأس الجَموح فينثني ... وأجعلها سَوْط الحَرُون فَيُعْنِقُ قوله: أُؤازره: أي أعاوِنُهُ. قال الله تعالى حكاية عن موسى ﵇ (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي) أي صاحباً ألجأُ إليه. والوزيرُ: مُشْتَقٌّ من الوزر، وهو الجبل، وقيل من العَذَر وهو الثِّقَل، ومعنى قوله (اشدد به أزْري) أي ظَهْري، يريد قُوَّتي، خص الظَّهْر لأن القوَّة فيه، ومنه قولهم: فلان شديد الأَزْرِ: أي القوَّة. وقال تعالى: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ) أي أعانه حتى ساواه. وقال امرؤ القيس: بِمَحْنِيةٍ قد آزر الضَّالُ نبْتَها ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غانِمينَ وَخُيَّبِ وقرئ شَطْأَه بفتح الطاء وإسكانها، فَتَح الطاء ابن كثير إلا عبد الوهاب بن فليح وعبد الله بن ذكوان عن ابن عامر، وأبدل الهمزة واواً عيسى ين عمر الهمذاني الأعمى.

стр. 86

وأما قوله: فَآزَرَهُ، فتفرّد ابن عامر بقصره فقرأ: فازَرَهُ؛ فعله. وقد توهَّمَ قوم من أهل الضَّعفِ في النحو وعلم التصريف، أن الوزير من هذا اللفظ، وليس كذلك، لأن فاء الفعل من الأزر همزة، ومن الوزير واو. وتقول أزَرَني فلانٌ أي أعانني، ووازَرَني صار لي وزيرا، ولو كان منه لقيل فيه: أزيرٌ. فتدبَّرهُ. قال الله تعالى (كَلَّا لَا وَزَرَ) أي: لا ملجأ ولا جَبَل. قاله ابن عباس وغيره فالوَزيرُ من هذا دون ريب. فأما ما جاء في الحديث: "ارجِعْنَ مَوْزُورَات غير مأجورات" فهو من الوِزْر. وأكثر أهل اللغة يخطئ من رواه مأزورات بالألف. إلا أنه روى عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه قال: يجوز على أن تتبعه مأجورات ليكون الكلام على لفظ واحد. وقوله: والليل أغسَقُ، يقال ليلٌ أغْسقُ وليل غاسِقٌ، وغَسَقُ الليل: اجتماعُ ظُلْمَتِه، وقيل بدْءٌ ظلمته، وقال زهير: ظَلَّتْ تجولُ يداها وهْيَ لا هيةٌ ... حتَّى أَنَارَ جنح الاِظْلاَِم والغَسَقِ وأصلُ الغَسَق: الجَرَيانُ بالضَّرَر، من قولهم: غَسَقَت القُرْحة إذا جرى صديدها. ويُقال غسقت عينُه غَسَقاً؛ إذا جرى دمعها بالضرر الباعث له. والغسقان صديد أهل النار، وفيه أقوال كثيرة. وفي كتاب الله تعالى (حَمِيمٌ

стр. 87

وَغَسَّاقٌ) قُرئَ يالتثقيل والتخفيف. وسمي الليل غاسقاً لجَرَيانه بالضَّرَر في إخراج السِّباع والهوام من آجامها وأماكنها. وكل شيء أسود فقد غَسَق. قال الله تعالى (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ). والمراد بغسق الليل في هذه الآية: صلاة المغرب والعشاء، وبالدُّلُوك صلاة الظهر والعصر، وبقرآن الفجر صلاة الصبح. فهذه الآية متضمنة جميع أوقات الصلوات، لأن دُلُوك الشمس، وهو ميْلُها؛ هو من لدن زوالها إلى مغيبها. وقيل: الدُّلوك المَيَلُ وهو قول ابن عباس وجماعة من العلماء، وهو مذهب مالك ﵀، وهو اختيار الطبري. قال ابن مسعود وابن زيد دُلُوكها: غُرُوبُها. واختاره القتبي وقال: العرب تقول: دَلًكَ النجمُ: إذا غابَ. ذكر هذا أبو عباس المهدوي في كتابه، وقال فيه: (قال بعض أهل اللغة: من قال إن الدُّلوكَ الزَّوال، فإنما قيل له ذلك،

стр. 88

لأن الناظر إلى الشمس يدْلِكُ عينه لشدة شعاعها، ومن قال هو الغروب، فإنه يدْلِكُ عينه لِيَتَبَيَّنَها. والشاهد أن الدُّلوكَ الزَّوالُ، قول النبي ﷺ "أتاني جبريل ﵇ لِدُلُوك الشَّمْس حين زالت فصَلَّى بي الظهر" فهذا موافق لقول ابن عباس ومجاهد وغيرهما ومقوله. والاختيار الطبري. وإذا كان الدُّلوك الزوال، فالمراد به في الآية صلاة الظهر والعصر. قال الشاعر: بادَرَ قبل الدُّلُوكِ يتْبَعهُ ... وَسْنَانُ يمشي كمشية النَّزِفِ فهذا يحتمل القولين جميعاً. وسمِّى الله سبحانه صلاة الفجر (قرآناً) لأن الصلاة لا تَتِمُّ ولا تكْتَمل إلا بالقراءة؛ لأنها ركن من أركانها، وجزءٌ من أجزائها. وفي حديث أبي هريرة قال الله تعالى: "قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين". الحديث، أي القراءة. فسمى القراءة صلاة. ووجْهُ القسمة فيما ذكر العلماء، أنَّ نِصْف سورة الحمد عبادة وثناء، ونِصْفُها مسألةٌ ودعاءٌ وطَلَب. ولم يُرد به التقسيط في آي السُّور، وحُروفِها وتَجْزِئتِ ها على السواء. فحقيقة القِسْمَة بالمعنى لا باللفظ. ودليل على أنه أراد قسمة المعاني دون الألفاظ.

стр. 89

قوله "فهذه بيني وبين عبيدي". يعني قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولا يجوزُ أن يكون المتْلُوُّ بينه تعالى وجَلّ وبينَ عبده، لأن المتلوَّ كلام الله وليس للعبد فيه شركٌ. رجع وقال الأحنف بن قيس: حِلْيَةُ الوُلاة وزينَتُهم: وزراؤُهم، ومن فَسَدت بِطانَتُه لم يصلح شأنُه، وكان كمنْ غصَّ بالماء. وقال: ليس شيء أهْتَكَ للوالي من صاحب يُحْسِنُ القول ولا يُحْسِنُ الفعل. وما أحسن هذا من قول الأحنف وأبلغه! ولقد كان ﵀ من دهاة الحكماء وجلة الحلماء وقدوَة النُّبلاء والفُصحاء، وخيرة العُقلاء، وأحد الشعراء، لأن النبي صلي الله عليه وسلم دعا له بالمغفرة، وذلك أنه بَعَثَ رسول الله ﷺ إلى قومه بني سعد، فَسَمِعَ رسوله إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام، فقال وهو شاب صغير: مَادَعاكم إلا لِخَيرٍ، وما حَسَّنَ إلا حَسَناً. فبلَّغ الرسول قوله هذا إلى النبي ﵇ فقال: (اللهم اغْفِر للأحنف) وأُعْلِمَ بذلكَ الأحْنف وهو يطوف بالبيت في زمن عثمان فقال: هذا أوفى عملٍ عندي. وكانت وفاته ﵀ بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة مصعب بن الزبير، ومشى مصعب في جنازته وحضرها. وفي هذا المعنى من المنثور البديع والمزدوج المطبوع: أنا عين السلطان ولسانه، وعُنوانه وتُرجمانه. أُذْناي كمائمُ أسراره، وجوانحي عيبَةُ إعلانه وأسراره. أنا خاصته وصَفِيه وسمِيُّه. أنا المدير الحازم، والجليس

стр. 90

الملازم، ومطفئُ جمرة الحرب العوان، وقاتل العَدُوِّ بلا صارم ولا سِنانٍ، قلمي يفُلُّ القواصل، ويتخلَّلُ الأباطح والمعاقل، ويهُزُّ المحاضر والمحافل، ويَقْمعُ الحواسِد والعواذل. أنا كاهل الدولة وهاديها، ومجيبُ صارخها ومُناديها، ووسْطى سِلْكِها ومدير فَلَكِها؛ إن جالت أنامِلي في مهرق، أسمعت الصُّمَّ بلاغة وبياناً، واستنزلتِ العُصْمَ إِبْداعاً وإحساناً. أصردُ الصُّكوك فأُنَظِّمُها تنظيماً بلسانٍ أمضى من السنان اللَّهْذَم، وكلام أَقْطَعَ من الحُسام الأخْذمِ، تَخدِي بها الرِّفاق في الآفاق، وتهدي بها القَِطار في الأقطار. قد احتويتُ على المملكة بأسرها، وتَحَكَّمتُ في طيِّها ونشرها، أنا قُطْبُ مدارها و (جُهَيْنَةُ أخْبارِها) وسِرُّ اختيارها واخْتِبارها، ومُظْهِر مجْدِها وفَخارِها. أعقد عُقود الولايات لكل والٍ، وأَمْنَحُهم من المَبَرَّةِ كلّ صافية المنهل، ضافية السِّرْبالِ؛ إن تُلِيَتْ سُوَرُها في المحاضر، أو جُلِّيَتْ صوَرُها على المنابر، عقَلَت المُسْتَوفِز والعابر، وشغَلَت خاطر كلِّ خاطر. فلا غَرْوَ أنْ فُزْتُ منها بأعْلى القداح، وإنْ حَلَلْتُ محلَّ الأنْمُلة من الرِّماح. وفي المعنى أيضاً: أنا للخلافة يُمْناها النَّافِعة، وراحَتُها القابضَة والداّفِعة، صاحبُ ديوانها، ومُشَيِّدُ أركانها، ومِفْتاحُ نَيْلها، ومِصباحُ لَيْلها، أسْتَجْلِبُ فوائِدَها، وأُقَيِّدُ شَوارِدها، لولا قلمي لأصْبَح عَقْدُ الجراحات محلولاً، ودَمُ الجنايات مَطْلُولاً، ويَدُ التَّناصُف مغْلولَةً، وصوارمُ التعاطُف مفْلولَةً، وَرَسْمُ الرُّسوم دارِساً، وعِلْمُ التَّحْقيق مُتَشاكلاً مُتَلابساً. فأنا عارِضُها الماطِرُ، وبَحْرُها الزَّاخِر، مِفْتاحُ كلِّ غَلَقٍ مُبْهَمٍ، ومِصْباحُ كلِّ غَسَقٍ مُظْلم. أُقَسِّمُ بالسَّويَّةِ، وأعْدِلُ بين الرَّعِيَّة. أُحَسِّنُ المعاني وأُحقِّقُها، وأُناقش الحُسْبانات وأُدَقِّقُها. فأنا

стр. 91

القِسْطَاسُ المسْتَقيم، ومالك أَعِنَّة التَّأْخير والتَّقديم. أَحْتَلِبُ دُرَرَ الأَموال، وأسْتَجْلِبُها إلى بيت المال. أقتدحُ كلَّ زِنادٍ، وأهزُّ مُثْمِرَ الأعْوادِ، فإلى ساحتي تَرِدُ المطايا، وعن راحتي تََصْدُرُ الهِبَاتُ والعطايا. وَحَسْبُكَ من يَراعٍ يَرْزُقُ الجنود، ويَسْتَجْلِبُ الحُشودَ، ويُكْرِمُ الوُفودَ. فَلَولا قَلَمي لَعادت أغصانُ الإكتساب ذاوية، وبُيوتُ الأمْوال على عُروشها خاويةً. فَأَسْرَعَتْ إليها البُؤْسى، وأَصبَحتْ (كفُؤادِ أُمِّ موسى) فهو لا محالة مَتْجَرها الأربَحُ، وميزانها الأرْجَح، تَدِرُّ ألبانُها، وتُثمِرُ أفْنانُها، ويَسْتَمِرّ إفْضالُها وإحسانُها. فلا جَرَمَ أنِّي رأْسُ مالها، وقُطْبُ أَعْمالها وعُمَّالِها. وفي المعنى: كاتبٌ فَضْلُهُ راتِبٌ، وحَقُّه واجِبٌ. لسانُه لسان المُلْك، ومَكَانُه واسِطةُ السِّلْكِ، أَقْلامُه رِماحٌ، ورَسائلُه صِفَاحٌ، وألْفاظُه وأخلاقُه فِساحٌ. إن سُئِلَ أجابَ، وإن قَرْطَسَ أصابَ. وفي المعنى: الكِتابُ وَالِجُ الأبْواب، جرئٌ على الحُجَّابِ، مُفْهِمٌ لا يفْهَمُ، وناطِقٌ لا يَتكلَّم، به يشخص المُشتاقُ، إذا أقلَقَه الفِرَاقُ. القَلمُ مُجَهَّزٌ لجيوش الكلام، يسكتُ واقِفاً ويَنْطق سائراً. على أرض بياضها مُظلمٌ، وسَوَادها يُضيءُ كأنّما يُقَبِّل بساط سُلْطانٍ، أو يفتح نوار بُسْتانٍ. وقدْ قَسَّمَ ابن مقلة الكُتَّاب على خمسة أصناف: كاتب خَطٍّ، وكاتب

стр. 92

لَفْظٍ، وكاتب عَقْدٍ، وكاتب حُكْمٍ، وكاتبُ تَدْبير. وزاد أبو محمد بن السيد على هذه الخمسة كاتب المجلس، وكاتب العامِل، وكاتب الجيش، وكاتب المَظَالِم، وكاتب الديوان، وكاتِبُ الشرطة. وقال: كاتب الخطِّ هو الورَّاقُ والمُحَرر وكاتب اللفظ هو المُرسل وكاتب العَقْد هو كاتب الحِسَاب الذي يكتُب للعامل وكاتب الحُكْم هو الذي يكتب للقاضي ونحوه ممَّن يَتَوَلَّى النَّظَر في الأَحْكاَم. وَكاتبُ التَّدْبير هو كاتبُ الُّسلْطان، أوكاتبُ وزير دوْلَتِه. ثم قال: وهؤلاء الكُتَّابُ الخمسة، يحتاج كلُّ واحد منهم إلى أن يتَمهَّر في عِلْمِ اللِّسان، حتى يَعْلَمَ الإِعراب، ويَسْلَمَ من اللَّحن، ويعرفَ المقصور والممدود، والمقطوع والموصول والمذكر والمؤنث، ويكون لَه بَصَرٌ بالهِجَاء؛ فإن الخطأ في الهجاء كالخطأ في الكلام. وليس على واحد منهم أن يمعن في معرفة النَّحو واللغة إِمْعان المُعَلِّمين الذين اتخذوا هذا الشأن صناعة وصيَّروه بضاعَةً. ولا إِمْعانَ الفقهاء الذين أرادوا بالإغْراقِ في

стр. 93

الفقه؛ فَهْمَ كلاَمِ اللَّه، وفَهْم كلامِ رسوله، وكَيْفَ تُسْتَنْبَطُ الأَحْكام والحدود والعقائد بمقاييس كلام العرب ومجازاتها. إنما عليه أن يتَعَلَّم من ذلك ما لا يَسَعُه جهالتُه، ثم يُكْثِر بعد ذلك من معرفة ما يَخُصُّ صناعَتُه. ويحتاجُ كُلُّ واحد منهم أيضا إلى العِفَّةِ ونزاهَة النَّفس، وحُسْن المعاملة للناس، وَلِينِ الجَانب، وسَمَاحة الأخلاق، والنصيحة لِمَخْدومه فيما يُقلِّده إيَّاه، ثم يحتاجُ كُلُّ واحد منهم بعد ما ذكرناه إلى أمور تَخُصُّه لا يَحْتاج إليها غيرُه. ثم قسم أبو محمد ﵀ أقْسامَهم وصَفاتِهم، ورَتَّبَ مراتِبَهم، رذَكر آلاتِهم كما قال هو في كتاب (الاقتضاب) بأَوْجز قَوْل، وأَقْرب بيان إن شاء الله. وإنما نَذْكُرُ مراتِبَ الكُتاب على ما كانت عليه في القِدَم. وأما اليوم، فقد تَغيَّرت عن وَسْمِها المعلوم. ولِكلِّ دهْرٍ دَوْلة ورِجال، ولكل حال إدبارٌ وإقْبال. انتهى كلامه. فمَنْ أراد أن يقف على ما خَصَّهم به من الصفات، وأوْجَبَ لهم من الآلاتِ في فُصُول على الحِكَمِ مُشْتَمِلات، وعلى أنواع الفوائد مُحْتَويات، فليطالع ذلك الكتاب لئلا يلحقه فيما ذكرناه شك، أو يخامره ارتياب. ومن كلام أبي حفص بن بُرد في وصف القلم والدواة والمداد: المِدادُ كالبحر، والقلم كالغَوَّاص، واللفظُ كالجوهر، والقِرطاسُ

стр. 94

كالسلْك، والدَّواة كالقلب، القلمُ كالخاطر، والصَّحيفَةُ كاللسان. والعقلُ أبٌ والعلْمُ أُمٌّ والفكر ابنٌ، والقلمُ خادِمٌ. ما أعْجَبَ سِنَانَ القَلَمِ! يُشْرِقُ ظُلْمَةً، ويَلْفِظُ نوراً. قَلمُ الكاتبِ أمضى منْ سِنَانِ المُحارب. القَلَمُ سَهْمٌ تُنَفَّذُ بِه المَقاتِل، وشَفْرةٌ تُطَبِّقُ بها المفاصل. إذا أخَدَ الكتَّاب شكَّتَهَم للكلام، واخْتَرطوا ظُباة الأَقْلام، فكم من عَرْشٍ يُثَلُّ، ودَم يُطَلُّ، وجيش يُفَلُّ، وجبَّار يُذَلُّ. وما عُبِّئَتْ كتائب، ولا سُرِّيَت مناقب، ولا انتُضِيَت سيوف، ولا ازدلفت صفوف، حتى تخُطَّ الأقلامُ في الطُّروس، ما تحبُّه أوْ تأباه النفوس. على غيثِ الأقلام يتفتح زهر الكلام. ما أصوغَ القَلَم يُجَلَّى الحِكَم. قَاتَل الله القلم كيف يَفُلُّ السِّنان، وهو يُكْسَرُ بالأسنان. القلم يُقَلِّم أظْفَار الدَّهر، ويتَمَلَّك الأقاليم بالنهي والأمر.

стр. 95

فصل ما يُستحسن من صفات الأقلام بِخط اليراعة يُنال حَظُّ البراعة، وأفْضل أقلامِ الكُتَّاب، المُنْتَخَبة للكتاب، مالم يَكُن في طُوله تَعَوُّجٌ، ولا في صلابتِه ترجُّج. وكانت خُصوصية العنصر الذي نماه، وسَجِيَّةُ المنبت الذي إليه مُنْتَماه، قد أخذت به بين الرِّقة المُتَناهية التي لا تُسْتَحْسَنُ، والغِلَظِ المفرط الذي يُسْتَخْشَنُ، وأقَرَّتْهُ على المقدار الذي لا يَقَعُ اختيارُ الكاتب على سواه، ولا يتَعَدّاه اقتراحُه ولا يَتَخَطَّاه. ثم انتحى بَرْيَه ذو يمين رفيقةٍ بسكينٍ رقيقةٍ، فأجادَ شَقَّه، وأحكمَ قَطَّهُ فجاء به غَيْر شاقٍّ ولاعاقِّ، سَلْسَ الجريان إذا أُرسِل، مُوافِقاً لِلْبَنانِ إذا أُعمِل، مُعْطِياً لقياده، غَيْر بخيل بِمِداده، تتبَنَّاه الأنامل فَتَرْأَمُهُ، وتُواصل العَمَلَ به فلا تَسْأَمَهُ. فهو للأنامل مطية، وعلى الكتابة مَعونةٌ قوية، قصَبََُه قد استوفى من الماء ريَّه، ومن الشمس حظَّه وزَيَّه، حتى اصفرَّ ليطُهُ، واعتدل خوطه، وتناصَفَ شَكْلُهُ فهو أولى باليد من البنان. قال: وسُمِّي قَلَماً لأنه قُلِمَ، أي قُطِعَ وسُوّي كما يُقْلمُ الظُّفْر. وكلُّ عودٍ

стр. 96

يُقْطَعُ ويُحدُّ في رأسه ويُعَلَّمُ بِعلامةٍ فهو قَلَمٌ، ولذلك قيل للسِّهام أقلامٌ. قال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) وكانت سِهَاماً مكتوبة فيها أسماؤُهم. وقيل هي في هذه الآية الأقلامُ التي يكتبون بها التوراة. وإَلْقَاؤُهم الأقلامَ كان حين تنازعوا في كفالتها رغْبَة لِفَضْلها. فالقلم أيضا السهم الذي يحال بين القوم. كلُّ إنْسانٍ وقَلَمُه. وهو القِدْحُ. والقَلْم قَصُّ الظُّفْر، يُقال قَلَّمَه تَقْليماً، ومقالمُ الرُّمح كُعُوبُه، ويقال للقلم: المِزْبَرُ بالزاي، والمِذْبَرُ بالذال. سُمِّي بذلك لأنه يُزْبَرُ به ويُذْبر: أي يَكْتُبُ. وقد فرَّق بعض اللغويين بين زَبَرْتُ وذَبَرْتُ. فقال: زَبَرْتُ بالزاي أي كتبتُ، وذَبَرْتُ بالذال أي قرأتُ. ويقال للذي يُقْلَمُ به مَقْلَمٌ وللذي يُبْرى به مبرى ومِبْراة، وقد بَرَيْتُه أبْريه بَرْياً. ويقال لما يَسْقُطُ من التَّقْليم القلُامَة، وهي القُلُومَة من طَرَفِه، ولما يَسْقُطُ عن البَرْي البُرَاَيةُ. ويقال لعُقْدَة الكُعُوب، واحدها: كَعْبٌ. ويقال لما بين عُقْدة الأنابيب واحدها: أنبوبٌ والأنابيبُ، والكعوبُ تُسْتَعْمل أيضا في الرِّماِح، وفي كل عُودٍ فيه عَقْدٌ. وَلِيطُ القلم لَوْنُهُ، فإن قَشَّرْتَ منه قِشرة قُلْتَ: تَلَيَّطْتُ من القلم لِيطَهُ، ويقال لطرفيه اللذين يُكْتَبُ بهما السِّنان، واحدُهما: سنّ والشّعيرتان واحدتهما شَعِيرهٌ. وقيل لأعرابي: ما القلمُ؟ فَفَكَّرَ ساعة، وجعل يُقَلِّب يديه، وينظُرُ إلى أصابعه ثم قال: لا أدري؟ فقيل له: تَوَهَّمْه في نَفْسك. فقال: هو عودٌ قُلِمَ من جوانبه كتَقْليم الأظْفور. وجَمْعُ القلم أقلامٌ كقولك في جمع جَبَل أَجْبَال وجِبَال. وإذا قُطِّع طَرَفُ القلم

стр. 97

وهُيىء للكتابة بعد البَرْي قيل فيه: قَطَطْتُه أَقُطُّه قَطّا. والمَقَطُّ بفتح الميم ما قُطَّ من رأسه، ويقال: قَضَمْتُه أَقْضِمُه قَضماً. قال فيه المقنع الكندي: يَحْفَى فَيُقْضَمُ من شعيرةِ أَنْفِه ... كقُلامة الأَظْفُور في تَقْلامِه. فإن انكسرت سِنُّه قيل قَضِمَ يَقْضَمُ قََضَماً على مثل حَذِرَ يحْذَرُ حَذَراً، فإن جَعلت سِنَّه الواحدة أطول من الأخرى عند قَطِّه، قُلْتَ حرَّفْتُه تَحْريفاً، وقلم مُحَرَّفٌ، فإن جعلت سِنَّيْه مُسْتَوِيَتَيْن قُلْتَ: قَلَمٌ مَبْسُوطٌ، فإن سُمِع له صوتٌ عند الكتابة فذلك الصَّريفُ والصَّريرُ، فإذا كثر المِدَادُ في رأسه حتى يقطر قيل: رَعَفَ القلم يَرْعَفُ رِعَافاً، شُبُِّه برِعاف الأَنْف، ومَجَّ يَمُجُّ مَجّاً، وأرْعَفَه الكاتب إرْعافاً وأمَجَّه إمجاجاً. ويقال للكاتب: اسْتَمْدِدْ ولا تُرْعِفْ ولا تُمْجِج ولا تمُجَّ. أي لا تُكْثر من المداد حتى يقطُر. قال أبو إسحاق: ومن المنظوم البديع التَّهذيب، الرائق التذهيب، الصادر عن الطَّبع الذكي، المُؤيَّد بالأدب الوضي، الرفيع الدُّرَرِ، الواضح الغُرَر، الذي فاق كل وَصْفٍ، واحتوى على كل رِقَّةٍ ولُطْف، واطَّرد ماءُ الفَصَاحة على حواشيه، ولاحَ نورُ البلاغَة على ألفاظه ومعانيه في صفة الأقلام والكُتَّاب، الآخذين مجامع الإتقان والصواب، قولُ ابن المعتز: قلمٌ ما أراهُ أمْ فَلَكٌ يَجْ ... ري بما شاء قاسمٌ وَيسيرُ

стр. 98

خاضِعٌ في يديه يَلْثِمُ قرْطا ... ساً كما قبَّلَ البساط شَكُورُ ولَطِيفُ المعنى جليلٌ نحيفٌ ... وكبيرُ الأَفعال وهْوَ صغيرُ وهذا كقول الآخر: فزادت لدينا خُطوةً حين أقْبَلَتْ ... وفي إِصْبِعَيهَا أسْمَرَُاللّوْنِ مُرْهَفُ أصَمٌّ سميعٌ ساكنٌ متَحرِّك ... ينال جسيماتِ العُلا وهو أَعْجَفُ رجع كَمْ منايا وكَمْ عَطايَا وكم حَتْ ... فٍ وَعَيْشٍ تَضُمُّ تِلْكَ السطورُ نُقشَت بالدْجى نهاراً فما أَدْ ... ري أخطٌّ فيهنَّ أم تَصْويرُ هكذا منْ أبوه مثل عبيد الل ... هـ ينمي إلى العُلا وَيَصيرُ عَظُمتْ مِّنة الإله عليه ... فَأراك الأميرَ وَهْوَ الوزيرُ وفي هذا يقول الآخر: ذا المغتدي مَائِعُ الأنْفَاسِ مَنْهَلُهُ ... وصار أَعْلاَه في القرطاس أَسْفَلُهُ كساه من خَطِّهِ وَشْياً وقلَّدَهُ ... دُرّاً من اللَّفظ لَمْ بفصم مُكَلَّلُهُ

стр. 99

فَأَيُّ زَهّرَةِ بُسْتانٍ تُمَاِتُله ... وأَيُّ درٍّ على اللَّبات يَعْدِلُهُ وفي المعنى أيضا: قَصِيُر الأنابيبِ لَكِنَّه ... يطولُ مضاءً طوال الرماحِ إذا عُبَّ لِلنِّقْسِ في دَامِسٍ ... وَدَبَّ من الطِّرْس فوق الصَّبَاحِ تَجَلَّتّ له مشكلاتُ الأمور ... ولاَنَ لَهُ الصَّعْبُ عند الجِمَاحِ وأنشد الصولي لطلحة بن عبيد الله: وإذا أمَرَّ على المهارق كَفَّه ... بأناملٍ يحملن شَخْتاً مُرْهَفَا متقاصراً متطاولاً ومفصِّلا ... وموصلا ومشتتاً ومؤلّفا ترك العداة روا جفاً أحشاؤُها ... وقِلاعُها قَلْعاً هنالك رجَّفَا كالحية الرقشاء إلاَّ أنه ... يستنزِلُ الأرْوى إليه تَلَطُّفا بأبيات غير هذه. وفي المعنى: قَلَمٌ قَلَّمَ أظْفَارَ العِدَى ... وهو كالإبرة مَشْقُوقُ الظُّفُرْ

стр. 100

أَشْبه الحَيَّةَ إلاَّ أنه ... كلَّما عُمِّر في الأيدي قَصُرْ وقال أبو بكر الأصبهاني: أخْرسُ يُنْبيَك بإطراقِه ... عنْ كل ما شئْتَ من الأمْرِ يُذرِي على قرطاسه دمعةً ... يبدي بها السرَّ ولا يدري كعاشقٍ أخفى هَوَاه وَقَدْ ... نمَّتْ عليه عبرةٌ تجري تُبْصِره في كل أحواله ... عُرْيانَ يكسو الناس أو يُعْري يُرى أسيراً في دَوَاةٍ وَقَدْ ... أَطْلَقَ أَقْواماً مِنَ الأسْرِ في أبيات غير هذه. وقد أَكْثر الشعراء في صفة الأقلام، وفَضُّوا عن البيان كُلَّ ختام بألفاظ تريك السحر مسطوراً، والدُّرَّ النفيس منظوماً ومنْثوراً، ووصفوا الأقلام بأبْدَع الصفات، وبوَّؤا الكُتَّاب أرْفعَ الدرجات، وفَضَّلوا القلم على السيف في مذاهبه، وجعلوا له التَّقديم في مراتبه. فاخَر كاتِبٌ فارساً فقال الفارس: أنا أَقْتُلُ بلا غَرر، وأنْتَ تقتل على خَطَر، فقال الكاتب: القَلَمُ خَاِدٌم للسيف، إِنْ تَمَّ مُرادُهُ، وإلا إلى

стр. 101

السَّيْفِ مَعَاده، أَمَا سَمِعْتَ قول أبي تمام: السَّيْفُ أَصْدَقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللَّعِبِ بِيضُ الصَّفائح لاَ سُودُ الصَّحائف في ... مُتُونِِهِنَّ جلاءُ الشَّك والرِّيَبِ والعِلْمُ في شُهُب الأرْماح لاَمِعَة ... بين الخَميسيْن لا في السَّبعة الشُّهُبِ فقال الكاتب: أما سَمِعت قول الآخر هو أبو الفتح البستي: إذا افْتَخر الأبطال يوماً بِسَيِفِهم ... وعدُوُّه مما يُكْسِبُ المجْد والكرَمْ كَفَى قَلَمُ الكتابِ مجداً ورِفْعَةً ... مدى الدَّهر أنَّ اللَّه أقْسَمَ بِالقَلَمْ قول أبي تمام: (السيف أصدق أنباء) يروى أنباء بالفتح، وإِنْباء بالكسر، والفتح أجود وهو المختار. والأنباء جمع نبأ، والنَّبأُ الخبر، والأنباء يُسْتدل بها كما يُسْتَدَل بالأخبار. وقال صاحب العين: النَّبَأ مهْموزٌ وهو الخبرُ. تقول: جاءني عن فلان نَبَأٌ أي خَبَرٌ، وإنَّ لِفُُلانٍ نبأ أي خبر. قال الله تعالى (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ). أي بِخَبَر. وأَنْبَأُ زَيْدٌ عمْرواً، أي أخْبَرَه. والمنبئُ المُخْبِرُ، وهو أيضا المنَبِّئُ بسكون النون وبفتحها.

стр. 102

قال النابغة: وَأَنْبَأَهُ المنَبِّئُ أنّ حَيّاً ... حُلولاً من حَزَامِ أو جُذاَمِ والفعل منه أنْبأته، واستنبأته. والنَّبِيءُ بالهمز: الطريقُ الواضحُ يأخذ بك إلى حيث تريد. وقال بعضهم: النبئُ: الرسول من النَّبإ، فعيل بمعنى مُفْعِل أي مُنبِئ، كما قيل لِلمُدَبِّر الذي يُحْكِمُ الصنع بحسن تدبيره: حَكِيمٌ؛ بمعنى مُحَكِّم عُدِلَ للمبالغة، وكما قيل حبيب بمعنى مُحَبَّب، فإذا همزْت النبيّ جمعته على النُّبآء، لأنه غير معتل كقولك: حكيم وحكماء، وعليمٌ وعلماء، وعظيم وعظماء. قال العباس بن مرداس: يا خَاتِمَ النُّبَآء إنك مرسلٌ ... بالحق كل هُدى السبيل هُداكَا فإذا لم يُهْمز وهو الاختيار، جَمَعْته على الأنبيَاء، كما يُقال وصيٌّ وأوْصياء، ووليٌّ وَأَوْلياء، وتقي وأتْقياء. قوله: فإذا لم يُهْمَز وهو الاختيار، اتباعاً للحديث المأثور. قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب (القراءات): (القراءة المقروء بها عندنا بإسقاط الهمز من النبيَّ والأنبياء والنَّبيئين في كلِّ القرآن، لأن الجمهور

стр. 103

الأعظم من القُرَّاء والعامة عليها. وكذلك أكثر العرب مع حديث رَوَيْناه مرفوعاً إن كان حُفظ. حدَّثنا محمد بن ربيعة عن حمزة بن حبيب الزيات عن حُمْرَان بن أَعْين أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا نَبِيءَ الَّله، فقال: لستُ بِنَبِيء الله، ولكني نبيُّ الله. قال أبو عبيد معناه أنه أنكر عليه الهمز). وقال أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي: إنَّما سُمِّيت الأنبياء لأنهم قد ارتفعت منزلتهم، واستعلت درجتهم على سائر الخلق. قال: والقراءة بالهمز تفرَّد بها نافع وحده، وقال غيره: النَّبِيءُ الطريق، وسمي رُسل الله أنبياء لأنهم الطَّريقُ إلى الله . والنُّبُوءة بالهمز قياسها. قاله أبو الحسن الرماني.

стр. 104

والنبئ بالهمز، لأنه أَنْبَأَ عن الله أي أَخْبَر، والنَّبْأَةُ: صَوْتُ الكلام نَبَا بِه، قال الشاعر: يُصيخُ للنَّبْأةِ أَسْماعَه ... إصاخة النَّاشِدِ للمُنْشِدِ وفي الحديث: "لا تُصَلِّ على المكان النَّبيء" قال أبو سليمان الخطابي سمعت ابن سعدويهْ يقول سمعت ابن اليمان يقول: معناه المرتفع المُحْدَوْدَب، مأخوذ من النَّبْوة وهي الارتفاع، قال أوس بن حجر: لأصبح رثماً دُقاق الحصى ... مكان النبيء من الكاثبِ والكاثِبُ موضع. والإنباءُ بالكسر معناه الإظْهارُ للنَّبأ وهو الخبر، والإنباءُ والإخبارُ والإعلامُ نظائر.

стр. 105

وقال أبو علي الفارسي في (الحجة)، قال أبو زيد، يقال: نَبَأْتُ من أرض إلى أرض أخرى، فأنا أَنْبَأُ نَبْأً إذا خرجت منها، وليس اشتقاق النبي من هذا وإن كان من لفظه، ولكن، من النَّبَأ الذي هو الخبر، كأنه المخبر عن الله سبحانه. وقال غير أبي علي كلُّ ما جاء في القرآن من هذا اللفظ فهو بمعنى الخبر، وهوالذي يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجرّ، وقد يحذف حرف الجر فيتعدى الفعل فينصب. قال الله تعالى (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) أي بهذا، وقال الشاعر: أدانَ وأنْبأه الأولون ... بأنَّ المُدان مليٌّ وفيُّ وتقول العرب: أنْبَأْتُ زيداً عمرواً أخاك بمعنى أَعْلَمْتُه قال عنترة: نُبِّئْتُ عَمْراً غير شَاكِر نِعْمَتي ... والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لنفس المُنْعِمِ فمن جعل نُبِّئْتُ بمعنى أُخْبِرْتُ نصبغير على الحال، ومن جعلها بمعنى أُعْلِمْتُ نصبغير على المفعول الثاني. وقول أبي تمام (بيض الصفائح): الصفائحُ جمع صفيحة وهي العِراض من السيوف. قال الشاعر: ضَرَبْناهُم حتَّى إذا ارْفَضَّ جَمْعُهُمْ ... عَلَوْنَاهُم بالمُرْهَفَاِت الصَّفَائِحِ وهي أيضاً الصَّفاحُ واحدتها صفْحَة، قال أيو العباس: أصلها ما كان من ظاهر

стр. 106

الشيء. يُقال لظاهر جلدة الإنسان: صَفْحَتُه، وكذا هو من كل شيء، ومن هذا قولهم صَافَحْتُهُ أي لَقِيَتْ صفحة كفِّه صَفْحَةَ كَفِّي. وفي الحديث فيما روى محمد بن كامل العماني، وعن أبان العطار عنثابث البُناني عن أنس بن مالك قال: صافحتُ رسول الله ﷺ ، فلم أر خَزَّا ولا قَزّاً كان أَلْيَنَ من كفِّ رسول الله ﷺ وفيه التَّسْبِيح لِلرِّجَال، والتَّصْفِيحُ للنساء، أي التَّصْفِيقُ لأنها تضرب بَِِصْفَحة كفٍّ على صَفْحة كفٍّ أخرى. وتقول نظر إليه صَفْحَا؛ أي بقدر ما أبدى صفْحَتَه لم يجاوز ذلك. ويقال صَفَحْتُ عنه، أي لم أُؤَاخِذُْه بذنبه، وأبْدَيْتُ له على صفحةٍ جميلة. والصَّفْحُ التَّجَاوُزُ، ومنه صَفَحْتُ الورقة أي تجاوزتها إلى غيرها. وفي كتاب الله (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) وفيه (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) ومنه قول الحارث بن هشام أخي أبي جهل شقيقه:

стр. 107

فَصَفْحْتُ عنهم والأحبَّةُ فيهمُ ... طَمَعاً لهم بِعِقاب يومٍ مُفسدِ أي لم أجادلهم لأقبض صَفَاحَهم، أو أريهم ذلك في نفسي. والرواية الصحيحة في بيت الحارث بن هشام بن الحارث المذكور: (فَصَدَفْتُ عنهم والأحبةُ فيهمُ). وهذا البيت في أبيات له قالها معتذراً من فراره يوم (بدر) يقول فيها: الله يعلم ما تركتُ قِتالَهَمْ ... حتى رموا فَرسي بأشقرَ مُزْبِدِ ووجَدتُ ريح الموت من تلقائهمْ ... في مأزقٍ والخيلُ لم تتبدَّدِ وَعَلِمْتُ أَنِّي إن أُقَاتِلْ واحداً ... أُقتلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مشْهدي فَصَدَفْتُ عَنْهُمُ، البيت. وقال الآخر: صَفَحْنا عنْ بني ذُهْلِ ... وقُلْنا: القومُ إخْوانُ والفعل منه صفَحَ يَصْفَح صَفْحاً، وتَصَفَّح تَصَفُّحاً وتَصَافَحُوا تَصافُحاً، وصافَحْتُه. مُصَافَحَةً والمراد به: التجاوُزُ عن الذنب. فأما قول لبيد يصف السحاب: كأنَّ مُصَفَّحاتٍ في ذُراهُ ... وَأنْواحاً بِأيْديها المآلي

стр. 108

فالمُصَفَّحَاتُ هنا النِّسَاءُ يُلْقينَ صفحات أكُفِّهن لِبَعْضِهِنَّ على بعض فيَضرِبن بها في المناحات. والأنْوَاحُ جمع نَوْح، ونُوَّحٌ جمع نائحة؛ والمآلي جمع مِئْلاة، وهي خِرْقَة تُمْسِكها النائحة تتلقى بها دمعها وتُشيرُ بها إذا ناحَتْ. فشبهلبيد لمعان البَرْقِ بِلَمْع النائحة بِمِئْلاتها إذا ناحَتْ. وفي هذا التشبيه يقول امرؤ القيس: وتخرجُ منه لامِعاتٌ كَأنَّها ... أكفٌّ تَلَقَّى الفَوْز عِنْدَ المُفِيضِ وقول أبي تمام أيضا: بين الخميسين لا في السَّبْعةٍ الشُّهُبِ يعني بالسَّبْعَة الشُّهُبٍ الدَّرَارِي السَّبْعَة، وهي أَعْلامٌ يستدل بها: زُحَل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة والشمس والقمر ... ولقول أبي تمام هذا خبر ذكره أبو بكر الصولي في شرح شعر أبي تمام. وللسَّبْعة تصرفٌ في جلائل الأُمور، فالأيامُ سبعة والسماوات سبع والأرضُون سبعٌ بدليل قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) والبحارُ سبعة. وأبواب جهنم - أعاذَنا الله منها - سبعة. في أشباه لهذا معروفة. ومن شأن العرب أن يبالغوا بالسبعة وبالسبعين من العدد كما قال الله جل وعز (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)

стр. 109

فأما قول الشاعر: يا مْعْطيَ الخير الكثير مِنْ سَعَهْ إليك جاوزنا بلاداً مَسْبَعَة وفلوات بعد ذاك مَضْبَعَهْ فالبلاد المسْبَعَة هي الكثيرة السباع، والفلوات المَضْبَعَة هي الكثيرة الضِّباع. ويقال أسبع الرَّاعيان، إذا وقع السَّبُعُ في مواشيهم، والمُسْبِعُ الذي أغارت السباع على غنمه. ويقال أَسْبَعَ فلان عَبْدَه إذا أَهْمَله. قال أبو ذؤيب: صَحِْبُ الشَّوارب لا يَزالُ كأنَّه ... عبد لآل أبي ربيعةَ مُسْبَعُ وقال رؤبة: إن تميماً لم يراضِع مُسْبَعَ ... ولم تلده أمُّه مُقَنَّعَا والمُسْبَعُ الذي تموت أُمُّهُ فَيَتَوَلَّى رَضَاعَه نِسْوةٌ فَيَغْتَذي بينهن. وقال بعضهم: المُسْبَعُ وَلَدُ الزِّنا. وعَبْدٌ مُسْبَعٌ في لغة هُذيل هو الذي ينتهي إلى سبعة آباء في العبودية. والمُسْبَ عُ أيضا المولود لسبعة أشهر، وأمه مُسْبِع.

стр. 110

وقال صاحب العين سبعتُ فلانا عند فلان، إذا وقَعْتَ فيه وقعةً مضرةً. وقاله يعقوب. وقال ابن قتيبة: سبعْتُ الرجل: وقعت فيه، وأطعمته السبع. وفي حديث عبد الله بن مسعود فيما روى الحميدي، عنس فيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن رجل عن عبد الله: أن الرجل ليهم بالأمر من أمر الإمارة والتجارة، فيقول الله ﵎ للملك اصْرِفْه عن عبدي، فإني إن أنا يسرته له أدخَلْتُهُ النار فيَصْرِفُه عنه فَيَظَلُّ يتَظنى بجيرانه: من سَبَعني من سَبَعَني، وإن صرَفَه عنه إلا الله. وقول الآخر (إن الله أقسم بالقلم)، يعني قول الله تعالى (ن وَالْقَلَمِ) فقد نوَّه به لما ذكره في الكتاب العزيز معتداً به في نعمه على خَلقه، وفي هذا دليل على شرفه وعظيم شأنه لما فيه من المنافع. وفي الخبر عنابن عباس أنه قال أول ما خلق الله القلم. قال له اكتب قال، وما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وقال تعالى (الْأَكْرَمُ
следующие страницы →