← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

نزل بها من الوجد بمولاها، مالم تستطع دفعه ولا كتمانه، فباحت به، وأنشأت تقول: أَتاني الَبَلاَ حَقّاً فَمَا أَنَا صَانِعُ ... أَمُصْطَبِرٌ لِلْبَيْنِ أَمْ أَنَا جَازِعُ كَفَى حَزَناً أنِّي عَلَى حَرِّ جَمْرَةٍ ... آُقَاسِي نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَلْبُ نَازِعُ فَإِنْ تَمْنَعُوني أَنْ أَمُوتَ بِحُبِّه ... فَإِنِّي قَتِيلٌ، وَالعُيُونُ هَوَامِعُ فلما سمع النهيكي شعرها دعابها، وأرادها، فامتنعت منه، وقالت له: ياسيدي إنك لاتنتفع بي. فقال لها: ولمَ ذلك؟ قالت: لما بي. فقال: وما بك، صفيه لي. قالت أجد في كبدي نيراناً تتوقد، لايقدر على إطفائها أحدٌ. فلا تسأل عما وراء ذلك. فرحمها ورقّ لها، وبعث بها إلى مولاها، وسأله عن خبره، فوجد عنده مثل الذي عندها، فرد عليه الجارية، ووهب له من ثمنها خمسين ألفاً، ولم تزل عنده حتى مات. وحكى محمد بن عبيد، قال: كانت عندي جارية، وكنتُ أُحِبُّها فَبِعْتُها، فَتَبِعَتْهَا نَفْسِي، فصرت إلى مولاها مع جماعة من إِخوانه، فسألته أن يُنيلَني، وأزيده خمسين ديناراً، فأبى عليّ، فانصرفت من عنده، وفي قَلْبِي منها مَا لاَ أقدر أَنْ أَصِفه، فَرُمْتُ الصَّبْرَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عليه، فبت ساهراً لا أدري ما أَصْطَنع؟ فلما اشتدَّ ما بي من الجهد، وكتبت اسمها في يدي، واستقبلت القبلة، فكلَّما طرقني طارق من ذكرها، رفعت يديَّ إلي السماء وقلت: يا مولاي! هذه قصتي. فلما كان في السحر من اليوم الثاني، إذا برجل يضرب عليَّ الباب، فقلت: مَنْ هذا؟ فقال: أنا مولى الجارية، فخرجت إليه. فقال لي: خذ الجارية، بارك الله لك

стр. 667

فيها. فقلت له: خذ دنانيرك والرِّبح. فقال: ما كنتُ لآخذ ديناراً ولا درهماً، فقلت: ولم ذلك؟ قال: لأني أتاني البارحة آتٍ في منامي. فقال لي: ردَّ الجارية على ابن عبيد، ولك على اللَّه الجنَّة، قال ابن عبيد: فأنشدته عند ذلك: لَوْ تَرَاني وقَد هَدَتْ كلُّ عَيْن ... وَدُمْوعي تجري على الخدَّين ربِّ ياسيدي بِفَضْلكَ والقُدْ ... رَة يَسِّرْ وِصَالَ قُرَّة عَيْني وحكى أبو الفرج، قال: كان للحسن بن رجاء جارية رائعة الجمال، فائقة الكمال، فعلم بها المعتز باللَّه، فأخذها منه، وكان الحسن يحبها حبّاً شديداً وتحبه، فشرب معها المعتز ذات ليلة، فسكر قبلها، وبقيت وحدها جالسة، ولم تبرح من المجلس هيبة منه، فتذكرت ما كانت فيه، فأخذت العود، وغنت عليه، بصوت حزين، عن قلب قريح: لاَ كانَ يَومُ الفراق يوماً ... لم يُبْقِ للمقلتين نَوْمَا شَتَّتَ مني ومنك شَملاً ... فَسَرَّ قَوماً وسَاءَ قَوْمَا يا قومِ مالي ووجد قلب ... يَسُومُنِي في العذاب سَوْمَا مَالاَمَني النَّاسُ فيه إِلاّ ... بَكِيتُ كَيما أُزَادَ لَوْمَا فلما فرغت من صوتها، رفع المعتز رأسه إليها، والدمع يتحدّر على خدّها، كالفريد انقطع سِلكه، فسألها عن الخبر، وحلفها أن يُبلغها أملها، فأعلمته الخبر، فردها إلى الحسن، وأحسن إليه، وألحقه في ندمائه.

стр. 668

وحكى حماد بن إسحاق الموصلي، عن ابراهيم ابن المهدي، أنه قال: حججت مرة مع الرشيد، فبينما نحن في الطريق، وقد انفردت وحدي، وأنا أسير على دابتي، إذ غلبتني عيناي، فخرجت بي الدابة عن الطريق، فانتبهت بعد حين، وأنا على غير الجادة. واشتد عليَّ الحر، وعطشت عطشا شديداً، فبعد ذلك ارتفع لي خيال، فعمدت إليه، فإذا بقبة، وتحتها بئر، وذلك بين (مكة) و (المدينة)، ولم أربها انسانا، فاطلعت في القبة؛ فإذا أنا بأسود نائم، فلما أحسّ بي، فتح عينيه واستوى جالساً، فرأيت أسود عظيم الصورة، راعتني هيئته. فقلت يا أسود! اسقني من هذا الماء. فال: يا أسود! اسقني من هذا الماء، محاكيا لي. وقال: ان كنت عطشان، فانزل فاشرب. وكان تحتي برذونٌ خبيث، نفور، فخشيت أن أنزل عليه، فينفر، فضربت رأسه، وما نفعني الغناء قط، أكثر مما نفعني ذلك اليوم، وذلك أني رفعت صوتي، وغنيت: كفنوني إِنْ مِتُّ في دِرْعٍ أَرْوَى ... واستقوالي مِنْ بِئْر عروةَ مَائي فَلَها مربع بجنب أجاج ... وصيف بالقَصر قَصر قُبَاءِ سُخنة في الشتاء بَاردة في الصْ ... صَيْف بَدْرٌ في الليْلة الظلماءِ فرفع الأسود رأسه، وقال: أَيُّمَا أَحَبُّ اليك، أسقيك ماء وحده، أو مَاءً وَسَوِيقا؟ قلت: الماء والسَّوِيق، فاخرج قَعْساً له، فصب السَّوِيق في القدح، وسقاني، وأقبل يضرب بيديه على رأسه، وصدره، ويقول: واحَرَّ صَدْرَاه! وَانَارَاه! اللهب في فؤاداه. يا مولاي! زدني. وأنا أزيده، وأشرب السَّويق. ثم

стр. 669

قال لي: يامولاي! إِنَّ بَيْنَك، وبين الطّريق أميالاً، ولستُ أَشُكّ أنك تَعْطَش، ولكن أملأ قربتي هذه، وأحملها قدامك. فقلت: افعل. فملأ قربته، ورفعها الي، وصار قدامي يمشي، وهو يَخْجَلُ في مِشْيته، غير خارج عن الايقاع. فإذا أمسكت لأستريح، أقبل علي فيقول: يامولاي! أَعَطِشتَ؟ فأغنيه، حتى أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سِرْ رَعَاكَ اللَّه، ولا سَلَبك، فأكساك من هذه النِّعم، بكلام أعجمي معناه هذا الدعاء. فلحقت بالرفقة، والرشيد قد بثَّ الخيل يطلبونني، حين فقدني. فَبُشِّر بي حين رأوني؛ فلما أتيته، قَصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال: عليّ بالأسود. فما كان إلاّ هنيهة، حتَّ مَثُلَ بين يديه، فقال له: وَيْلَكَ، ما حَزَّ في صدرك؟ فقال: يا مولاي مَيْمُونه. قال: ومن ميمونه؟ قال: بنت حبشية. قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال. فأمر من يستفهمه؛ فإذا الأسود، عبد لبني جعفر الطيار وإذا السوداء التي يهواها، لقوم من بني الحسن بن علي رضوان الله عليهم. فأمر الرشيد عند ذلك بابتياعها له؛ فأبى مواليها أن يقبلوا ثمنا، ووهبوها للرشيد فاشترى الأسود، وأعتقه، وزوّجه منها، ووهب له من ماله (بالمدينة) حديقتين، وثلاث مائة دينار. وحكى أبو الفرج عن حماد الراوية، قال: خرجت في بعض الطرق، أريد (البصرة)؛ فبينما أسير، إذ لقيت غلاماً يرعى إبلاً، وهو يتغنّى ويقول: أَلاَ لِلَّهِ قَلبي كَيْفَ يَصْبُو ... بِخَودٍ لاتريدُ له ثَوَابا أُحِبُّ وَمَا أُحِبُّ سِوَى كريمٍ ... لَهُ أصْلاَن قَدْ فَرعا وَطَابا وقَدْ زَعَمَتْ لُبَانة أَنَّ رأسي ... تَغَيّر لَوْنُه مِنْه وَشَابَا

стр. 670

لُبَانَةُ هَجْرُكُمْ أَبْلَى فؤادي ... وَمن يَبْلُ الهوى فقد اسْتَرابَا قال: فوقفت عليه، وقلت: أَعِدْ عليّ ما قلت. فقال امض راشداً، واستعذ بالله. فقلت: وممّ استعيذ. قال: مِنْ هَجْرِ محبوب، أو قِلَّة نَصِيب. قلت: ويحك! وَإِنك لَتَعشق. فقال: أَهْلُ العِشق كِرَام، وأهلُ السُّلُوّ لِئَام. قلت: فلمن هذا الشعر؟ فقال: هو لي. قلت: فمن لُبَانة؟ قال: جارية لبعض أهلي، كلفت بها زمناً، وأخذت منها أماناً. فأبى المقدار؛ وشط المزار، وتباعد الجوار. ياشيخ! هل لك في القِرى. قلت: نعم، على اسم الله . فأتاني بِوَطْبِ فيه لبن، فشربت منه، وترنمت وقلت: وإني لأهواها وأهوى لقاءَها ... كما يشتهي الصادي الشرابَ المُبردَا عَلاقَةُ حبِّ لجَّ في سَنَنِ الصّبا ... فَأُبْلَى وما يزداد إلاَّ تَجَدُّدَا اذا أنت لم تعشق ولَم تَدْر ما الهوى ... فَكُنْ حَجَراً مِنْ يَابس الصَّخْرِ جَلْمَدَا قال فبكى ثم قال: وَلَوْ أَنَّ مَابِي بِالحَصَى فَلَقَ الحَصَى ... وبالرِّيحِ لَمْ يُسْمَعْ لَهنَّ هُبُوبُ وَلَوْ أَنّنى أَسْتَغْفِر اللَّهَ كُلَّما ... ذَكَرْتُكِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيَّ ذُنُوبُ قال: فوعدته، ثم انصرفت عنه. وحكى أبو بكر الصولي، قال: رأيتُ رجلا من أهل الأدب، قد ذهل

стр. 671

عقله، وتبيَّن فكره، فاستوقفته، وقلت: يا فلان! ماحالك؟ وأين النعمة؟ فقال: تغيّر قلبي، فتغيرت النعمة. فقلت: بِمَ تغَيّر؟ قال: بِالحُبِّ، ثم بكى، وأنشأ يقول: إنَّ التجمُّلَ شيءٌ لستُ أحسنُه ... وكيفَ أُخفي الهوى والدَّمْعُ يُعْلِنُهُ أَمْ كيفَ صبرُ مُحِبٍّ قَلْبُه وَجِلُ ... الهَجْرُ يُنْحِلُهُ والشوقُ يُحزنُهُ أَمْ كيفَ يَنْسى الهَوى مَنْ أَنْتَ هِمَّتُه ... وفترةُ اللَّحظِ مِنْ عينيك تَفْتِنُهُ فقلتُ: واللهِ لقد أحسنت. فقال: قِفْ قليلا حتى أسمعك. فوقفت فقال: خَلِّ دَمْع العَيْنِ يَنْهَمِل ... إنَّ مَنْ تَهْوَاهُمُ وَارتَحَلُوا كُلُّ دَمعٍٍ صانه كَلفٌ ... فَهْوَ يوم البَيْن مُنْهَملُ ثم تركني، ومضى لشأنه. وحكى بعض الرواة، عن علي بن الجهم، قال: كانت ماردة، جارية للرشيد، وكان بها مولعاً، فغاظته ذات يوم، فانقطعا

стр. 672

عن الكلام مدة، فتكبّرت على الرشيد أن ترجع إليه بدلالة الحبّ. وتكبّر الرشيد عليها بعِزَّة الملك. فكتبت إلى عنان، جارية الناطفي، تستشيرها في ابتداء الصلح، فكتبت عنان إليها: الحُبُّ أَرْزَاقٌ ولكنما ... للحبِّ أسبابٌ تُقوِّيهِ فساعدي مولاكِ في كُلِّ مَا ... يَطلبُه منك ويُرضِيهِ لاتستزيديه النوى كارهاً ... لكن بما يهوى استزيديهِ فانما يرعى الهوى بالهوى ... وليس يرعى الحب بالتيهِ فلما قرأت الأبيات عَلِمْت أنها قد نصحتها، فتزينت أحسنَ زينة، ثم جاءت إلى الرشيد، فَأَكبَّتْ عليه، فقال لها: كَيْفَ كَانَ هَذاَ؟ وماَ حَمَلك على ما فعلت الآن؟ فأخبرته الخبر، فضحك وأمر لعنان بجائزة سنية، وأمرت لها هي بمثلها. وحكى علي بن الجهم أيضا، قال: كان للمتوكل جارية تدعى محبوبة، وكانت في نهاية من الظرف، والأدب، والحسن، والجمال. فكان المتوكل معجبابها؛ فغضب عليها لسبب اتفق بينهما، ومنع جواري القصر من كلامها. فبقيت في حجرتها لايكلمها أحدٌ أياما. فرأته ليلة من الليالي، كأنه قد

стр. 673

صالحها. فلمَّا أَصْبح دخَلَت عليه. فقال لي: يا عليّ. قلتُ: لبَّيك وَسَعْدَيْك يا أمير المومنين، قال: أَعَلِمْتَ أَنِّي رأيتُ محبوبة في منامي، وكأنِّي قد صالحتُها وصالحتني. فقلتُ: إذاً يَقَرُّ اللَّهُ عينك ويسرك، فبينما نحن في ذلك من حديثها؟ إذ جاءت وصيفة له فقالت: يا مولاي. سمعت صوت عود عند محبوبة. فقام المتوكل ودخل عليها وهي تضرب عودها وتقول: أَدُورُ في القَصْر لاَ أَرى أحداً ... أَشْكُو إليه ولا يُكَلِّمُني حتَّى كأَنِّي أَتَيتُ مَعْصيةً ... لَيْسَتْ لها توبةٌ تُخَلِّصُني فَهَلْ شفيعٌ لنا إلى ملك ... قد زارني في الكَرى فَصَالحني حَتَّى إذا ما الصَّباحُ لاحَ لَنَا ... عادَ إلى هَجْرهِ فصَارَ مَنِي قال: فلما رأت أمير المومنين أَكَبَّتْ على رجليه تقبلهما. فقال لها: ما هذا؟ قالت له: يامولاي رأيتك البارحة في منامي، كأنك قد صالحتني. فقال لها: وأنا - والله - رأيتك في ليلتي هذه، كأنك قد صالحتني. فردها إلى مرتبتها، كأحسن ما كانت. وحكى بعض الرواة، قال: كان لهارون الواثق جارية؛ كان يحبها حبّاً شديداً. فوقع بينه، وبينها عتاب ذات ليلة. فقالت له: يامولاي! إنْ كنت تستطيل عَلَيَّ بِعِزُّ الخلافة، ونَخْوَةِ المُلك، فإِني استطيل عليك، بِدَلاَلَةِ الحبِّ،

стр. 674

وسُلطَان الهوى. أَتَراكَ لم تسمع قط بخليفةٍ قبلك، عَشِقَ فَذَلَّ لمعشوقته، واستوفت منه حقَّها كاملا. ولكن يامولاي، ما أرى لك نظيراً في طاعتك ومحبتك. فقال الواثق عند ذلك: لله درّ العباس بن الأحنف حيث يقول: أَمَا تَحْسَبِينِي أَرى العاشقين ... قليلا ولَسْتُ أَرَى لي نَظِيرَا لَعَلَّ الذي بِِيَدَيْهِ القُلُوبُ ... سَيجْعَلُ في الصبرِ خيراً كثيراً وقرأت في (النوادر) لأبي علي، عن معاوية بن صدقة الجَحْدَري قال: كان رجل من مجاشع، يقال له سعد بن مطرف، يهوى ابنة عم له، يقال لها سعاد. فكان ياتيها، ويتحدث إليها، ولا يعلمها بما هو عليه من حبها، حتى سلّ جسمه، ونحل بدنه. فبينما هو ذات يوم معها جالس؛ إذ نظر إليها، وجعل يقول: وَمَا عَرَضَتْ لي نظرةٌ مُذْ عَرَفْتُهَا ... فَأَنْظُرُ إِلاَّ مُثِّلَتْ حيثُ أَنْظُرُ أَغَارُ علَى طَرْفي لها فكأنني ... إِذَا رَامَ طَرْفي غَيْرَهَا لستُ أُبْصِرُ وأحذر أنْ يطغى إِذَا بُحْتُ بالهَوى ... فأَكْتُمُهَا جَهْدِي هَوَايَ وأستُرُ فلما سمعت ذلك، ساءها، وكرهت أن ينتشر خبرها، فأَقْصَتهُ، وأظهرت هجره، فكتب إليها: مِتُّ شَوْقاً وكدتُ أَهْلِكُ وَجْدَا ... يومَ أَبْدَى الحبيبُ هجْراً وَصَدَّا بِأِبِي مَنْ إِذا دَنَوْتُ إِليهِ ... زَادَني القربُ منه نأياً وبُعْدا لاَ وَحُبِّيهِ لاَ وَحَقِّ هَوَاهُ ... مَا تَنَاسَيْتُهُ ولاَ خُنْتُ عَهْدا حَاشَ لِلَّه أَنْ أَكون خَليَّاً ... مِنْ هَوَاهُ وقد تقطعتُ وَجْدَا كَيفَ لاكيفَ عن هَوَاهُ سُلُوّي ... وهو شمسُ الضحى إذا ما تبدَّى

стр. 675

فكانت تحبّ مواصلته، وتشفق من الفضيحة، فتظهر هجره، وتبعده. فلم يزل عليل القلب والبدن. قوله: (ولا خنت عهدا)، أصل العهد: العقد الذي يوثق به. يقال عهد عهداً. وأهل العهد، هم المعاهدون؛ ومنه المعاهدة. والإعتهاد مثل التعاهد. ومنه قول الطرماح: ويطيع الذي قد أوجبه الل ... هـ عَلَيْهِ فليس يَعْتَهِدُهُ وَسُمِّيَ الذِّمِّى مُعَاهِداً، لأنه عَاهَدَ، وبَايعَ على ما هو عليه، من إعطاء الجزية. فإذا أسلم، ذهب عنه اسم المُعَاهِد. وعَهِيدُك: الذي تُعاهده ويُعَاهِدك. وقال الشاعر، هو نَصْر بن سيار: فَللَتُّرْكُ أوْفَى من نزارٍ بِعَهْدِهَا ... وَلاَ يَأْمَنَنَّ العَهْدَ يَوماً عهيدهَا والعهد: الوصية. قال صاحب العين: عَهِدَ يَعْهَدُ عَهْداً. وهو من الوصية، والتقدم إلى صاحبك، ومن ذلك اشتق العهدُ الذي يكتب للولاة من الوصية والتقدم إليه، ويجمع على العُهُودِ، والعَهْدُ: الالتقاء والإلمام. يقال: مالي بفلان عَهْد، وإِنّى

стр. 676

لقريبُ العَهْد به، وبعيد العَهْد به، أي: الالتقاء. والعَهْدُ: المنزل الذي لايزال القوم إذا انتأوا عنه، رجعوا إليه. قال رؤبة: هَلْ تَعْرِفُ العَهْدَ المُحِيلَ أَرْسُمُهْ ... عَفَتْ عَوَافِيهِ وَطَالَ قِدَمُهْ والمَعْهَدُ: الموضع الذي تعهد به شيئا. والجمع المعَاهِد. قال النابغة: أهاجَكَ من سُعْدَاك مغنى المعاهد وقال أبو تمام: قِفُوا جَدِّدُوا من عَهْدِكم بالمعاهد ... وَإنْ هِيَ لم تَسْمَعْ لِنِشْدَانِ نَاشِدِ والعَهْدُ: الأمان. قال الله تعالى (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). هذا في بعض الأقوال. وقيل: العَهْدُ في الآية: معناه النبوّة، وقيل الامامة. وقيل: الأَمْر بالوَفَاء للِظَّالم فيما عَقَدَه من ظلمه. وقال الحسن: ليس لهم عند الله عَهْدٌ يعطيهم عليه خيراً في الآخرة؛ فأما في الدنيا، فقد يعاهدون، فيوفى لهم. فكانه على هذا التأويل طاعة، يحتسب بها في الآخرة ويجوز في هذا الحرف في العربية الرفع لافي القراءة، لأنه في المصحف الظالمين بياء.

стр. 677

قال يحي بن زياد الفراء: لأنَّ مَا نَالك، فقد نِلْته. وتقول: نَالَنِي خيرك، ونِلْتُ خيرك. وقرأ أُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود برفع الظالمين، ونصب العهد. والعَهْدُ: اليمين. ومنه قولهم: علَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وميثاقه والعَهْدُ: المَطَر، وهو الذي يردِفُ الوَسْمِيّ. وكُلُّ مَطَر يكون بعد مَطَر؟ فهو عَهْد. والجميع عِهَاد، ومنه قول الشاعر: هَراقَتْ نُجومُ الصَّيفِ فيها سِجَالَها ... عِهاداً بِنَجْمِ المَرْبَعِ المتَقَدِّمِ وقال أبو بكر بن دريد: العِهْدَةُ والعَهْدَةُ: مطر السنة، والجمع عِهَادٌ وعُهُود. قال الشاعر: أَميرٌ عَمَّ بِالمعْروفِ حَتَّى ... كأَنَّ الأَرْضَ أَسْقَاهَا العِهَادَا وقال الآخر: مُستنيرٌ كالبَدْرِ عام العُهُودِ ويقال: عُهِدَت الروضة فهي مَعْهُود: إذا أصابَهَا عِهَادٌ من المطر. ومنه قول أبي تمام الطائي:

стр. 678

سَقَى عَهْدَ الحِمَى صَوْبُ العِهَادِ ... وَرَوَّضَ حَاضِرٌ مِنْهُ وَبَادِ ويُروى (سبل العهاد). وقال أبو النجم: تَرْعَى السَّحابَ العَهْدَ وَالفتوحا والفُتُوحُ هنا مَطَرٌ بعد مطر. والعُهْدَةُ: كتاب الشراء والجميع العُهَد. وإذا كان في الشيء فساد قيل: إنّ فيه العُهْدَة. وهذا كله عن أهل اللغة. فأمّا قول أبي تمام الطائي: لَيَالِينَا بالرّقْمَتَيْنِ وأَهْلَِهَا ... سَقَى العَهْدَ مِنكِ العهدُ والعهُد والعَهْدُ فالعَهْد الأول، وهو الوقت الذي عَهِدَ هابه قبل فرقتها. والعَهْدُ المتكرر، هو المطر، وقد بينه بقوله في البيت الثاني: سَحَابٌ متى تسحب على النّبت ذيلها ... فَلاَ رجل ينبو عليه ولاجعدُ هذا قول أبي بكر الصولي. قال: والعَهْدُ: المِلْحُ. تقول منه: مِلْحُ فلان على ركبته؛ يراد به أن عهده غير محفوظ عنده؛ إنما هو مُضَيَّع. ومنه قول مسكين الدارمي: لاَ تَلُمْها إِنها من نِسْوَةِ ... مِلْحُها موضوعة فوْق الرُّكَبْ

стр. 679

وإنما قال موضوعة؛ لأن الملح يذكر ويؤنث. وأصل الباب كله: العَهْد الذي هو العَقْد؛ وإنما قيل لمطر السنة عَهْد؛ لأنه ينعقد به النبات. وعَهِدْتُ فلا نا بمكان كذا وكذا، وأحدثت به عَهْداً. وأصله العقد على الالتقاء، والالمام. ثم كثر حتى سمى نفس الالمام عهداً. والعَهْد، والعَقْد، والأَمْر، نظائر في اللغة. وعَهْدُ الوالي معروف. والفرق بين العَهْد، والأمر، أن الأمر له صيغة متميزة من صيغة الخبر، وغيره من أنواع الكلام، وليس كذلك العهد. وقد اختلف في العَهْد، إذا أقسم به. فقالت طائفة من الفقهاء: كفارة يمين. وقالت طائفة: لاكفّارة فيه. وقد أكد الله سبحانه أمر العهد في كتابه العزيز (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)، وكل عَهْدِ يحسن فعله، فلا ينبغي حله. وإذا عاهد الإنسان على معصية، فحلُّ ذلك العَهْدِ واجبٌ عليه. واليمين على المعصيّة، سبيلها كسبيل العهد على المعصية. وقد جاء عن النبي ﵇: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليات الذي هو خير وليكفر عن يمينه". وقد بسطنا القول في هذا اللفظ، وفي غيره؛ إذا عرض لنا؛ ليقف على ذلك كله أهل المعرفة، والفهم؛ فتتحصل لهم جمل من أنواع العلم، ممّا تشتد حوائجهم إليه، وتعظم لهم الفوائد، والانتفاع

стр. 680

به، عند وقوفهم عليه. والله الموفق للصواب، وعنده حسن الثواب. وقوله في البيت الرابع من القطعة: (وقد تقَّطعت وَجْدا). التَّقْطِيعُ، مَغَصٌ يجده الإنسان في أمعائه. والتَّقْطِيعُ أيضا القَدُّ. يقال: هذا شيء حسن التقطيع أي القد، ويقال: قطع فلان على فلان تقطيعاً؛ إذَا لونه عليه. والفرق بين قطَّع بالتشديد، وقَطَعَ بالتخفيف، أن التشديد في الكثرة والمبالغة، والتخفيف فيما قلّ. ويقال: هذا الثوب يَقْطَعُك إِقْطَاعاً، ويُقَطَّعُ لك تقطيعاً؛ اذا صلح عليك قميصاً ونحوه. ويقال: قطَّعَهم الله أحزاباً، فتَقَطَّعوا. قال الله سبحانه: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا). ويقال للفرس الجواد: انه لَيَقْطَعُ الخيل؛ وذلك اذا خلفها ومضى. قال: يُقَطِّعُهُنَّ بِتَقْرِيبِهِ ... وَيَأْوِي إلى حُضُرٍ مُلْهِبِ ويقال للأرنب السريعة الشديدة: مُقَطَّعَةُ النياط. والنِّياط: المَفَازَة. وقيل عرق في البطن. والباب متسع، واللفظ مشترك. رجع قال: وكان للمأمون جارية، كان يحبها حبّاً شديداً. فعتب عليها في شيء، وقع بينهما، فأعرض عنها، وأعرضت عنه؛ ثم أسلمه العزاء، وأقلقه الشوق، فأرسل إليها يطلب مراجعتها، فأبطأ الرسول عنه، ثم رجع إليه، فقال المأمون:

стр. 681

بَعَثْتُكَ مرتاداً فَفُزْتَ بنظرة ... وأغفلتَني حتى أسأتُ بكَ الظَّنَّا ونَاجيتَ مَن أهوى وأنت مقرّب ... فيا ليتَ شِعْري عَنْ دنوك مَا أَغْنَى ونزهت عيناً في محاسن وجهها ... وَمَتَّعت باستظراف نغمتها أُذْنا أرى أثراً منها بعينك لم يكُنْ ... لقد سَرَقَتْ عيناك من عينها حُسْنَا ثم إن المأمون أقبل مسترخيا لها؛ فسلَّم عليها فلم ترد عليه، وكلمها فلم تجبه، فأنشأ يقول: أَجيبي ليس يُوجعُكِ الكلامُ ... ولا يُؤْذي محاسنَك السَّلامُ أنا المامون والملِك الهُمام ... ولكني بحُبّكِ مُسْتَهَامُ يَخف عليكِ ألاَّ تقتليني ... فيبقَى الناسُ ليس لَهُمْ إِمام وحكى أبو نواس، قال: وقع بين الرشيد، وجارية له، هجر فاعتراها صلف الحسن. واعترى هارون تيه الخلافة، والأمر والنهي، ونخوة السلطان. فلا هي تبدأه بالكلام، ولا هو يبدأها. فوقع هارون من سببها في أمر عظيم. فدعا بدعبل الخزاعي الشاعر، فقص عليه الخبر، فقال: أنا أردّها عليك، يا

стр. 682

أمير المومنين. فكتب إليها دعبل: أَين الشَّبَابُ وَأَيةً سلكا ... ضَحِكَ المَشْيبُ برأسِهِ فَبَكَى لاتَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُل ... وَجَدَ السَّبِيلَ اليه مُشْتَرَكا قًصر الملامة في هَوَى رَشأٍ ... بَلْ أَيْنَ يُوجَدُ كلُّ مَنْ هَلَكَا يا ليت شعري كيف نومُكُما ... يا صاحبيّ اذا دَمِي سُفِكَا لاتأخذي بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا وبعث بالرقعة اليها؛ فلما قرأتها الجارية، وقّعتْ في أسفلها: تعزز علينا بأبهة السلطان، وتكبرّنا عليه بتيه الحسن؛ فلينظر أينا أشد عذابا وأبقى. فلما نظر هارون إلى الرقعة، قال: أراجعها - والله - على رغم أنفي، لأن عذابها أشدّ من عذابي. وحكى إسحاق بن ابراهيم الموصلي، قال: بعث إلي الرشيد ذات

стр. 683

ليلة؛ فأتيته متخوفا. فأجلسني وانّسني. فبينما أنا قاعد معه؛ إذ جاءت جارية كأنها لؤلؤة، فأقعدها في حجره، ثم قبلها، وقال: يا إسحاق! غني. فأخذت العود، وغنيت: جِئْنَ من الرُّومِ فياَ حبّذا ... يَرْفُلْنَ في المِرْطِ ولينِ المَلاَ مقرْطَقَاتٍ في صُنُوف الحُلى ... يا حبّذ البيضُ بتلك الحُلا قال: فتبسمت الجارية، ودعا برطل فشرب، وسقاها، وسقاني. وقال لي: أعد. ثم دعا برطل، فشرب، وسقاها وسقاني. وقال: عَلَيَّ بفلانة، وفلانة، جاريتين من جواريه، فمثلتا بين يديه؛ فأقعد الواحدة عن يمينه، والأخرى عن شماله، وأمرّ يده عليهما، وقال. أَرْوِعْنِي يااسحاق! قلت: قُلْ: أيها الأمير، فأنشد: مَلَكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عناني ... وَحَلَلْنَ مِنْ قلبي بكل مكان مَالِي تُطَاوِعُنِي البريَّةُ كُلُّها ... وأُطيعهنَّ وهنَّ في عِصْياني ماذاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الهوى ... وبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي

стр. 684

ثم أمر لي بخمسين ألف درهم، وأمرني بالإنصراف فانصرفت. وفي جواريه الثلاث يقول هارون أيضا: ثلاث قَدْ حَلَلْنَ حِمَى فؤادي ... وَأُعْطِينَ الرَّغَائِبَ من فؤادي نَظَمْتُ قُلُوبَهُنَّ بِخَيْطِ قلبي ... فَهُنَّ قَرَابَتِي حَتَّى التَّنَادِي فَمَنْ يَكُ حَلَّ من قلبي مَحَلاَ ... فَهّنَّ مَعَ النَّواظِرِ في السَّوَادِ قال أبو إسحاق: وذكرت بهذه الحكاية، حكاية سلكت في الظرف سبيلها؛ ومزجت بالرقة معناها، وتأويلها؛ فأنار صبحها، وفاز قِدحها. وهي أن المستعين سليمان بن الحكم، أحد خلفاء بني أمية، كان في مدته (بقرطبة) أمّن الله أرجاءها، وأخصب أفناءها، كلفا بثلاث جوار، كنّ نهاية في الجمال، والحسن والدلال. فجلس يوم أنس، فدعا الواحدة، فأقعدها في حجره، والثانية عن يمينه، والثالثة عن شماله. وأنشأ يقول: عجباً يَهَابُ اللَّيْثُ حَدَّ سِنَانِي ... وَأَهَابُ لَحْظَ فَوَاتِرِ الأَجْفَانِ وأقَارعُ الأَهْوَالَ لامُتَهَيِّباً ... منها سِوَى الإِعْرَاضِ والهِجْران

стр. 685

وَتَمَلَّكَتْ نفسي ثَلاَثٌ كَالدُّمَى ... زُهْرُ الوُجُوهِ نَواَعِمُ الأَبْدَانِ كَكَوَاكِبِ الظُّلْمَاءِ لُحْنَ لِنَاظِرِ ... مِنْ فَوْقِ أغصانٍ عَلَى كُثْبان هذي الهلالُ وتلك بنتُ المشْتَري ... حُسْناً وهذي أخْتُ غُصْنِ البَانِ حاكمتُ فيهنَّ السُّلُوَّ إلى الهوى ... فَقَضَى بسلطانٍ على سُلطاني فأَبَحْنَ من قلبي الحِمَى وتَركنني ... في عِز مُلْكي كالأسير العَانِي مَا ضَرَّ أَني عَبْدهنَّ صبابة ... وبَنُو الزَّمانِ وهُنَّ مِنْ عُبْدَاني إنْ لَمْ أُطِعْ فيهنَّ سُلْطَانَ الهَوى ... كَلَفاً بهنَّ فَلستُ مِنْ مَرْوَانِ لاتعْذِلُوا ملكاً تَذَلَّلَ في الهوى ... ذُلُّ الهَوَى عِزٌّ ومُلْكٌ ثاني وإِذا الحبيبُ أَحَبَّ أَمنَ إِلْفه ... خَطَب القِلى وحوادث السُّلْوانِ وكان سليمان من أهل الشراسة والحزم والذكاء والفهم، لمَّا بويع وقدم عليه أبو العباس بن مدُّوس، رسول أهل الثغر بالبيعة من قبل منذر بن يحيي، فخلَّى سبيله ووصله بصلة وكتب إليه: قَد بَعَثْنَا إليكَ أَكْرَمَكَ الل ... هُ بشيءٍ نَزْرٍ فَلاَ نَسْتَقِلَّهْ وتَقَبَّلْهُ وابْسُط العُذْر حَتَّى ... يَبْسُطَ اللَّهُ كفَّنا المُنْهَلَّهْ فإذا كان جاءكَ الخيرُ يَتْرَى ... بنواَلٍ عليكَ حتَّى تَمَلَّهْ

стр. 686

ورفع إليه بعض خدامه بشعر يعتذر إليه، فَوَقَّعَ على ظهر كتابه: قَرَأْنا ما كتبتَ به الينا ... وعُذْرُكَ واضحٌ فيما لَدَيْنَا وَمَن يكن القريضُ له شفيعاً ... فَتَرَك عِتَابِه فَرْضٌ عَلَيْنَا وكتب إليه القاضي أبو القاسم بن مقدام شاكيا ضيق حاله، بأبيات أولها: أََهَلْ تَرْضَى لعبدك أن يُذَالاَ ... وَأن يَبْقَى على الدنيا عِيالاَ فبعث إليه بصلة، وكسوة، ووقع له على ظهر رقعته، بهذه الأبيات: مَعَاذَ اللَّهِ أن تبقى عِيالا ... وأن ترضَى لِمِثْلِكَ أن يُذَالاَ وَكَيفَ وَأَنْتَ مُنْقَطِعٌ إلينا ... وقد عَلِقَتْ يَدَاكَ بنا حِبَالاَ ودونك من نوافِلناَ يسيرٌ ... ولَكِنَّا انْتَقَينَاهُ حَلاَلاَ وأشباه هذا من أفعاله كثيرة؛ لكنه تحمل في قيامه بالأمر إثما عظيماً؛ وتقلد من دماء المسلمين عبئا جسيما. فكم هتك من أستار، وحزب من أمصار، وكانت أيامه، أيام استطال على الرعيّة، وخلافته خلافة غير مرضية، ولم تزل كذلك حتى

стр. 687

قتل سنة سبع وأربعمائة. قتله علي بن حمود بيده، بعد أن استفتى الفقهاء في ذلك، فأفتوه بقتله؛ لأنه قتل هشاماً المؤيد، في خبر طويل، ليس من غرضي استقصاؤه. وحكى أبو الفضل الكاتب، قال: أحبَّ غلامٌ جارية، وكان معها في مَكْتَبِ واحد؛ فلم يزل الغلامُ يَتَلَطَّفُ بِمُؤدِّبِه، حتى صار قريباً منها. فلما كان في بعض الأيام، ترقَّبَ غفلةً من الغلمان، فكتب في لَوْحِ الجارية: ماذا تَقولينَ فيمَنْ شَفَّه سَقَمٌ ... مِنْ أجل حُبِّكِ حَتَّى صار حَيرانَا فلما قرأت الجارية ما كتب، وَقَّعَتْ أسفله شفقا عليه ورحمة له: إذا رأيناَ مُحبّاً قد أضَرَّ به ... طُولُ الصَّبَابَة أوليناه إحسانا وحُكي أن بعض ولد جعفر بن سليمان؛ أصابته علة مجهولة، فكان

стр. 688

يختلف إليه خصيب الطبيب، وكان ماهراً في صناعة الطب، فكان يحلف أن مابه من علة، وأنه لعاشق. فأشار يوماً إلى أهله أن يسقوه نبيذاً، ففعلوا، فلما سكر، طلب رقعة، فأحضرت له، فكتب فيها: ولَقَدْ قُلْتُ لِقَومِي ... حين جَاؤُوا بِخَصِيبِ ليس واللَّهِ خَصيبٌ ... لِلَّذي بي بِطَبِيبَ إِنَّمَا يَعْلَم مابي ... مَنْ بِهِ مثلُ الذي بِي فلما وقف والده على الرقعة، ونظر إلى الأبيات، ازداد عنده جاهاً، وشرفا، وكشف عن أمره؛ فإذا هو يتعشق بعض جواري القصر، فأمر له بها، وأحسن إليه. قال: وقال أبو الطيب محمد بن القاسم النميري: مارأيت شاباً، ولا شيخاً من ولد العباس أصون لنفسه، ولا أضبط لجأشه، من أبي العباس عبد الله بن المعتز. وكان يعيب الحب، وينكره، ويقول: إنما هو ضرب من الحمق. وإذا رأى منا مطرقا، اتهمه به، ويقول له: وقعت وَالله يا فلان، وذهل عقلك، وسخف رأيك إلى أن رأيناه قد حدث له سهو شديد، وفكر زائد، وزفير متتابع، وسمعناه ينشد: أسرَ الحُبُّ أَمِيراً ... لم يَكُنْ قَبلُ أَسيرَا

стр. 689

فَارْحَمُوا ذُلَّ عَزِيز ... صَارَ عبداً مستجيراَ فقلنا له: جعلنا فداك! هذه أشياء كنت تنكرها وتعيبها منّا. ونحن الآن ننكرها منك. فكان يرجع عن بعض ذلك تصبّراً، وتحمّلا، ثم لايلبث أن يظهر مستوره، حتى تحققنا أمره، ودخل في جملة المرحومين. فسمعته ذات يوم، وهو ينشد: كُنْ إذا أحببتَ عبداً ... للَّذي تَهْوَى مُطيعاَ لَنْ تنالَ الوَصْلَ حتَّى ... تلزم النفس الخضوعا فكتبت إليه: بَكَتْ عينه وشَكَا حُرقة ... منَ الوَجْد في القَلْبِ ماتَنْطَفي فقلتُ له سَيِّدي ما الَّذي ... أرى بك، قال سقامٌ خَفِي فقلتُ: أَعِشْقٌ فقال: اقْتَصِرْ ... عَلَى ما تراهُ أَمَا تَكْتَفِي ثم سرت إليه، فقال: يا أبا الطيب! لقد عصيت ابليس أكثر مما عصى ربّه، إلى أن أوقعني في حباله. فأخبرني بقصته. فسعيت بلطف التدبير، وأعانني حزم النظر، حتى فاز بالظفر. وحكى محمد بن عبد الله العتبي فقال: كانت لعمر بن عبد العزيز، ﵁، جارية بارعة الجمال؛ جامعة للكمال. فنظرت إليه يوما، وهو يبكي، من خشية الله . فقامت عند ذلك، ولبست أحسن ملبس، وتحلت بنفيس الجوهر، وتطيبت بأذكى الطيب، وأقبلت، وهي تقول: وكَأَنَّها لَمَّا اسْبَكَرَّتْ مُزْنَةٌ ... وَسط الرَّياض ضميرها لم يرعَدِ فلما نظر إليها عمر، قال لها: والله إنك لقرة العين؛ ولكن من

стр. 690

أَوْبقَتْهُ ذنوبه، وكثرت عيوبه؛ فالبكاء مثله قليل. وأنشأ يقول: مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشمسُ جَبْهَتَهُ ... أَو الغُبَارُ يَخَافُ الشمسَ وَالشَّعَثَا وَيَأْلَفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْماً رَاغِماً جَدَثَا فِي ظِلِّ مُظْلِمَةٍ غَبْرَاءَ مُوحِشَةٍ ... يُطِيلُ تَحتَ الثَّرَى في جَوْفِها اللَّبَثَا تَجَهَّزِي بِجِهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ ... يَا نَفْسُ قَبلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا ثم مسح عينيه، وأدناها من نفسه؛ فلما رأته الجارية قد ألفها، وحنّ إليها، قالت: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) إلى آخر الآية، ثم قالت: يا أمير المومنين؛ أين أنت، من قول امرئ القيس: مِنَ القَاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْدبَّ مُحْوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الأنف مِنْها لأَثَّرَا يا أمير المومنين! الذي جمعنا في الدنيا، قادر أن يجمعنا في الآخرة في الجنة، ومستقر الرضوان والرحمة. قال: فانشرح إليها، وبقي معها بقية يومه. وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ من الفضلاء، وأحد الشهداء. ودام في الخلافة سنتين وستة أشهر وأربعة عشر يوماً. وكان للعدل في أيامه ظهور، ولأهله حبور وسرور.

стр. 691

وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: (إِنَّ مِنْ ذريتي رجلا بوجهه شينٌ يملأ الأرض عدلا). وكان الرجل الذي ذكر عمر ﵁ عمر بن عبد العزيز؛ لأن أمه هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وكانت في وجهه شَجَّةٌ من ضربة دابة. بويع له بعهد عمه سليمان بن عبد الملك في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وسبعين. وكانت وفاته في رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر. وحكى أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: أخبرني نافع بن أبي نعيم أنه لما مات عمر بن عبد العزيز، رثاه أحد موالي أهل المدينة، فقال: قد غَيَّب الدَّافنون اللحد إذْ دَفَنُوا ... بِدَيْر سَمْعَان قسطاس الموازين مَنْ لم يكنْ همُّه عيْناً يُفَجِّرها ... ولا النَّخِيلَ ولا رَكْضَ البَرَاذِين قال: والأبيات التي أنشدها عمر بن عبد العزيز ﵀ هي لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي، وهي عشرة أبيات قرأتها في النوادر لأبي علي البغدادي وأولها: تَجهَّزِي بِجَهَازٍ تبلُغين به ... يا نفسُ قَبْلَ الرَّدى لم تُخْلَقِي عَبَثا

стр. 692

وَسَابِقي بُغْيَةَ الآمال وَانْكَمِشِي ... قبل اللِّزَامِ فلا مَنْجَى ولاَ غَوَثا ولا تَكُدِّي لمن يبقى وتَفْتقري ... إنَّ الرَّدى وارثُ الباقي وَمَاوَرِثا واخْشَيْ حَوَادِثَ صَرفِ الحِينفي مَهَلٍ ... واستيقِنِي لا تكوني كالذي انْتَجَثا عَنْ مُدْية كان فيها قطعُ مُدَّتِه ... فوافق الحرثَ محروثاًكما حَرثَا لا تَأْمَني فَجْعَ دَهْرٍ مُورِطٍ خَبِلٍ ... قد استوى عنده من طاب أو خَبُثَا يارُبَّ ذي أَملٍ فيه على وجلٍ ... أضحى به آمناً أمسى وقد جُئِثَا مَنْ كَان حين تُصيبُ الشمسُ جبهته ... أو الغبارُ يخاف الشمسَوالشَّعَثَا ويألفُ الظل كَيْ تبقى بَشَاشَتُهُ ... فسوف يسكن يوماً راغماً جَدَثَا في قَعْرِ مُوحشةٍ غبراء مُقفرةٍ ... يُطيل تحت الثرى في جوفها اللبَثَا ويروى في رمسها، مكان جوفها. وقوله: (أمسى وقد جُئثَا) أي: فَزِعَ، والمجؤُوثُمن الرجال: المخوف الذي ذهب فؤاده، من شدة الفزع. وحكى أبو نواس قال: كنت في بعض الأيام عند يحي بن سليمان بن الفضل بن الربيع، وهو صبي صغير، فأخرج إلى رقعة، وفيها مكتوب: ياسيدي! قد أماتت خطرات الهجر قلبي، وتولدت فظاعته في الأحشاء.

стр. 693

وتعلم أن لذة العيش في الدنيا وصل المحبين؛ فلولا كتابك الذي قرأت هذه الساعة، لسفكت سيوف الهجر دمي، وناطت ناره على كبدي. وبعد هذا مكتوب: كتابٌ أتاني من حَبيبٍ بِخطِّه ... فما أضعف النُّعْمى وما أوجب الشكرا فلم أرَ مثلى لم أمت مذ قرأته ... لقد رُزِقَتْ نفسي التجلد والصَّبرا وظلتْ تناجيني بما في ضميرها ... أنامل خطت لي بِأَقْلامها السِّحْرا فقلت له: ياسيدي، يا ابن الوزير، لمن هذه الرقعة؟. ورجوت أن استخف به لصغر سنه، فأنشدني هذين البيتين: أَجُودُ بِمكْنونِ التِّلاد وإنني ... بِسرّك عمَّن سَالَنِي لَضنينُ سَأصْفيك ودِّي مَا حَييتُ وَإن أمت ... بِوُدِّك عظمي في التراب دَفينُ ثم قال لي: ياحسن، قُلْ في الفراق، والهجر، واللقاء، والوصل. فقلتُ: لا بَاركَ اللهُ في الفراقِ وَلا ... بَارَكَ في الهَجْر مَا أَمَرَّهُما بل بارك اللهُ في اللقاءِ كَمَا ... بارك في الوصل ما أكدَّهُما لو ذبح الهجر والفراق كَمَا ... تذبح شاة لما رحمتهما وحكى عبد الله بن المعتز عن الزبير بن بكار، قال: رأيتُ بِالثَّغْر رجلا، عليه أثر الذِّلة والاستكانة، كثير التنفس، وحركات الحبِّ لا تخفى. فسألته عن خبره، حين خلوت به، فكانَ جوابه إلىَّ، تَحدّر أَدْمعه، وقال:

стр. 694

أنا في أَمْرٍ رَشادٍ ... بَين غَزْوٍ وَجِهادِ بَدَني يغزو الأَعادي ... والهَوَى يَغْزُو فُؤَادي وحكى أبو نواس أيضا، قال: حدثني سليمان بن ابراهيم، قال: بينما أنا ذات يوم أمشي في أزقة البصرة، إذ سمعت جارية تترنم وتقول: يَا دَوْلَةَ العِزِّ من بعد الخمول ويا ... إِقبالَ دنيا بلا شيءٍ من الكَدَرِ يا فرحة الصَّبِّ بالمحبوب إذ ظفِرَتْ ... منه اليدان به في ساعة الظَّفَرِ يابرْد غُلَّة أُمٍّ غاب واحدها ... مُسافراً ثم وافاها من السفرِ ياراحة النفس يا بردَ العليل إذا ... أتاه بعد اتِّصال الوصْل بالسَّهرِ يافرحةَ في قلوب الناس كلهم ... ياطلعة الشمس بل يا طلعة القمر أصبحتَ أملح مَنْ في الناس مِن بَشَرٍ ... كأنك الأمن بعد الخوف والحذر غُصْنٌ مِنَ البان تثنيه الرياحُ على ... زَهْرِ الرياض اذا هَبَّتْ مَعَ السَّحَرِ فقلت لانسان كان خلفي: لقد جمعت هذه محاسن الدنيا. فمن تخاطب؟ قال: هي عاشقة لابن مولاها، وأبوه قد حال بينهما. وحكى أبو العباس محمد بن يزيد، قال: لما قدم علينا محمد بن طاهر، قال: هل عندكم موسوم بأدب، منسوبٌ إلى معرفة، يستراح إليه؟ فأرسل بي إليه. فلما دخلت عليه، سلّمتُ، فرد علي السلام، وأمرني بالدنُوِّ، فدنوت، ثم التفت إلي، بعد أن أمهلني ساعة. فقال لي: أنت أديب (العراق).

стр. 695

فقلت: كذا يَزْعُمُ من يَوَدُّني. فقال: أَنْشدْني ما استحسنه منك. فأنشدته من أشعار المُتقدِّمين. فقال لي: ليس عن هذا أسألك؛ وان كنت لم تفارق الصواب. فقلت: الأميرُ أوْلى بالهِداية والإرشاد، فليردني إلى موضع إرادته. فالتفت إلي، باقبال وبِشْر، فقال: أُناجيكَ بما كُمَنَ في الضَّمير، وتحكم من سرّ الهوى، لي حبيب خلّفته مقيماَ (بنيسابور) وأنا (ببغداد)، وجعل يقول: أقام ببلدة ورحلت عنها ... كِلانَا بَعْدَ صَاحِبِه غَريبُ أَقَلُّ النَّاسِ في الدنيا سُروراً ... محبٌّ قد نأى عَنْه الحَبِيبُ ثم تَنَفَّسَ الصُّعداء، وقال: اعذر أيها الأستاذ، فمَا أَوْحَشَ الغَرِيبَ بِلا حَبِيب! جعلت حبه تحفة نفسي، وأسكنته قلبي، ومحل ناظري من مقلتي. فقلت له: أيها الأمير! استبدل به بديلا؛ واتخذ غيره خليلا. فان الهوى ما ألفته النفس؛ فلعلها عند معاينة العوض، تقع قناعة، وزهادة في الأول. فقال: هيهات ياأستاذ! وأنشد: وَلَمّا أبى إلا جماحاً فُؤَادُه ... وَلَمْ يَسْلُ عن لَيْلَى بمالٍ ولا أَهْلِ تسلّى بأُخرى غيرها فإذا التي ... تسلَّى بها تُغْرِي بليلى ولا تُسْلِي ثم قال: يا أستاذ! هيهات حبّ من ذهب بذخائر القلب والحشا، وجرى مجرى الروح في الأعضاء. لا سبيل إلى زواله، الا بزوال النفس عن جثمانها. والله، إن مت، فما أموت إلا بغصّة فراقه، ولا أفارق الدنيا، إلا على البعد منه. أما سمعت قول أبي تمام:

стр. 696

نَقِّلْ فُؤادك حيث شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ كَمْ مَنْزلٍ في الأرض يَأْلفُهُ الفتى ... وَحَنِينُه أبداً لأول مَنْزِلِ فبينما أنا معه، وقد أخذ في ذكره؛ إذ دخل علينا حاجبه بكتاب من عند حبيبه (بنيسابور). فلما أراد أن يتناوله، استولى عنه من السرور، ما أزال عنه خمرة الكآبة. فلما فكه، وقرأه، ناولنيه. فقرأت فيه: لَعَمري لَئِنْ قَرَّتْ بقربك أعين ... لقد سخنت بالبعد منك عُيونُ فما أقبحَ الدنيا إذا كنت نائيا ... وَما أحسنَ الدنيا بحيث تكون فسر أو أقم وقف عليك مَحَبَّتِي ... محلكَ من قلبي عليك مَصونُ فلما كان بعض أيام استدعاني، وقال: لِيَهْنِئْكَ رؤية السرور. قلت: وماذاك؟ قال: اعلم أن الحبيب قادم عن قريب. ثم استعبر، وبكى. فقلت: الحمد لله الذي ألف بينكما بعد الفراق. فلم ألبث إلا قليلا، حتى دخل الحاجب، فقال: قدم فلان. فقال: ائذن له، فدخل غلام، كأن وجهه البدر ليلة تَمِّه، قد ركب على غصن بان؛ أو قضيب خيزران. يرفل في عصب (اليمن)، أَدْعَجُ العينين، مَقْرُونُ الحاجبين، أَسِيلُ الخدين. أرقُّ من الهواء؛ وأحسن من الماء، وأضوءُ من سليل الأنواء. فدعا الأمير بكرسي من فضة، مرصّع بالديباج الأحمر، مكلل بالدر؛ فأجلسه عليه، وقعد هو بين يديه، وقال: التَّذَلُّلُ للحبيب؛ هو الحسيب. ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، وقال لي: ينصرف الأستاذ راشداً، ويقبل العذر. وقال سعيد بن حميد: اليَوْمَ أيْقنتُ أَنَّ الحبَّ مَتْلَفَةٌ ... وأنَّ صاحبه منه على خَطَرِ.

стр. 697

كَيْفَ الحَياةُ لِمَنْ أَمْسَى عَلَى شَرفٍ ... منَ المَنية بين الخوف والحذَرِ يَلُومُ عَيْنيه أحْياناً بِذَنبهما ... ويَحْمِلُ الذنْبَ أحيانا على القدرِ وقال غيره في المعنى: وَمَا في الأرضِ أشقَى من مُحبٍّ ... وإنْ وَجَدَ الهَوَى عَذْبَالمذاقِ تراهُ باكياً في كُلِّ حالٍ ... مَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشتياقِ فَتًَسخنُ عينه عند التَّنَائِي ... وتَسْخُنُ عَيْنُه عند التلاقي فَيَبْكِي إن نَأَوْا حذراَ عليهم ... وَيَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوفَ الفِراقِ وهذه القطعة في معناها كقول الآخر: لقد كُنتُ أبكي قبل أن تَشحط النوى ... فكيف إذا ما غبت عنك أكونُ ومنه قول أبي تمام الطائي: بَكَتْهُ بما أبكته أيام صدرها ... خَلِيٌّ وما يخلو له من هوى صَدْرُ وأخذ هذا المعنى أيضا الأديب أبو حاتم الحجاري الأندلسي فقال:

стр. 698

وَزًائرٍ زارني قَد هَجَعَتْ ... عينايَ حين تبلح الفجرُ بَكيتُ للقرب ثم قلتُ له ... من ثَمرِ الوصلِ يُجْتَنَى الهَجْرُ وفي معناه قول أبي بكر الغساني: يُوَاصِلُنِي طَوْراً وَيَهْجُرُ تَارًَةً ... الا رُبَّ هَجْرٍ جَرَّ أسْبابَهُ اللِّقَا وفي معناه أيضا قول سعيد بن حميد: ما كنتُ أيامَ كنتِ راضيةً ... عنّي بذاكَ الرِّضى بمغْتبطِ عِلماً بأن الرضى سَيَعْقُبُهُ ... منك التجني وكَثْرةُ السُّخُطِ فكلُّ ما ساءني فَعَنْ خُلُقٍ ... وكلّ ما سرّني فَعَنْ غَلَطِ وقد جمعه أبو الطيب في بيت واحد فقال: أيَّ يَوْمٍ سَرَرْتني بِوِصَالٍ ... لَمْ تَرُعْنِي ثَلاثةً بِصُدُودِ وقبل هؤلاء، قال العباس بن الأحنف في المعنى: إذا رَضِيَتْ لَمْ يَهْنِنِي ذَلك الرّضى ... لِصِحَّةِ عِلْمي أنْ سيعقبهُ عَتْبُ

стр. 699

وأَبكي إذا ما أَذْنَبْتُ خَوْفَ عَتْبِها ... فأسْأَلُها مَرْضاتِها ولها الذَّنْبُ وِصَالُكُمُ هَجْرٌ وحُبُّكُمْ قلى ... وَعَطْفُكُمْ صَدٌّ وسِلْمُكُمْ حَرْبُ

стр. 700

فصل قال أبو اسحاق: والولوع بالجمال، سجية ركبها الله في الظرفاء، وفطنة خصّ الله بها أهل الفهم والذكاء. وليس بأريب عندهم من خرج عن حد الهوى. وفي هذا المعنى قال أحدهم: إذا أنت لم تَعْشَقْ ولم تدْرِ ما الهوى ... فكُنْ حجراً من يابِسِ الصَّخْر جَلْمَدا وقال الآخر: وما الناس إلا العاشِقونَ ذَوُو الهوى ... ولا خيرَ فيمنْ لا يُحبُّ ويعشقُ وهو مذهب جوهري، ومنهج علي، يخص الله سبحانه به من شاء من عباده، ولا ينكر الميل إلى الجمال، إلا جاف فدْم. قد عزب عنه الفهم، وعرته من الجهل نوائبه؛ وادلهمت في جوانحه غياهبه. وقد قال أصحاب النبي ﷺ : إني لأحب الجمال حتى في شراك نعلي. وفي الحديث (أن الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجمال). وسُمِّي الباري

стр. 701

سبحانه جميلا، لانتفاء النقص عنه. والمعروف عندنا أن الجميل من بني آدم، من له صورة حسنة، تامة الصفات. وحسن الصورة، مبعدٌ للنقص والشين عنها. وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يجعل جميل في هذا الحديث بمعنى مجمل. كما يقال كريم للرجال المكرم. فكريم بمعنى مكرم. وقيل: إنَّ الحُسْن أول سعادة المرء، ورائد اليُمْن، وسائق النجح. وقال رسول الله ﷺ (من أُعْطي حسن خلق وحسن صورة وحسن زوجة فقد أعطي خير الدنيا والآخرة). وقال ﵇: "اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه" ونظم هذا بعض الشعراء فقال: حُسْنُ ظَنِّي اليكَ أَصْلَحَكَ الل ... هـ إِذْ قالَ مُفصِحٌ إفْصَاحَا ودعاني اليك قولُ رسولِ الل ... هـ دَعَاني فَلا عدمت النَّجاحا إنْ أردتم حوائِجاً عند قوم ... فتلقوا بها الوجوهَ الصِّباحا وقال الآخر: سَلُوا الحاجات أصبحهم وجوها ... ولا تسلو اللئام وَلا القباحا وقال الآخر: حَدَّثَنَا عن خَلَدٍ خَالِدٌ ... وَخَالِدٌ حَدث عن عامرِ

стр. 702

إن رسول الله في مجلس ... قد قَالَ للبادي وللحاضرِ إذا أردتم حاجة فاقصدوا ... كل صبيح حسن الناظر وقال: لقد صدق الرسولُ وقال حقّا ... وَخَيْر القول ما قال الرَّسولُ إذا الحاجاتُ عَزَّتْ فاطلُبُوها ... إلى مَنْ وجهُهُ حَسَنٌ جَمِيلُ وقال ﵇: "ان الله لا يعذب حسان الوجوه سود الحدق". والله تعالى وجل بلطف حكمته، وشريف صنعته، لم يخلق الصورة مختارة الصفات، سالمة من الشين والآفات، إلا عن فضل منه كامل؛ وعز شامل. ولا خص أهل الجمال بالصفات السنية؛ والأخلاق الرضية، إلا وقد استوجبوا ذلك منه. والدليل على ذلك، أن الله ﵎ لم يخلق نبيا قط، إلاَّ وقد بهر أهل زمانه، بسماحته وحسنه وإحسانه. والتخلق في سنن الحب بالعفاف، دأب الفضلاء والأشراف، والمنهج الذي سلكه منهم الأتقياء، وأهل الورع والأولياء. ورأينا في كتاب (الوشاح) لأبي القاسم المواعيني ﵀: العشق إذا تزين بالعفاف، فهو معنى شريف.

стр. 703

وقال بعض المفسرين في قول الله ﵎: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) أي من اتقى الله في خُلَّتِه: يعني في صداقته، فهو خليل وإلا فهو عدوّ. وجاء عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما، أن أهل المعاصي في الدنيا، يعادي بعضهم بعضاً يوم القيامة. وفي هذا المعنى، يقول القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي ﵀: وكُلُّ مَوَدَّة في الله تبقى على الأيام من سعة وضيق، وكل مودة فيما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق. وقال أبو الحسن التهامي في معناه: شَيْئانِ ينقَشِعانِ أَوَّلَ وهْلَةٍ ... ظِلُّ الشَّبابِ وخُلَّةُ الأَشْرَارِ وعن أبي الدرداء أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَفْضَلُ أَهْلِ

стр. 704

الوَرَع، مَنْ أتَتْه جاريةٌ حسناء، ذات وجهٍ جَميل، وحَسَبٍ كريم، وَرَاوَدَتْه عن نفسه، فقال: إِنِّي أخاف الله رب العالمين". وقال كعب الاحبار. في بعض ما أنزل الله على موسى ﵇: "إنَّ الشَّاب العَابِد التَّارك شَهْوَتَهُ من أَجْلِي، أَوْ مِنْ خشيتي، أُبَشِّرُهُ بِكَرامتي، وَعِزَّتي وَجَلالي، لَوْ أقسمَ عَلَيّ أن أزيل له الجبال من أماكنها لفعلتُ". وحكى يحي بن عمر أن عبد الرحمان بن القاسم خرج إلى الحج، فبينما هو قاعد بالأَبْوَاء، إذْ أتته جارية كأحسن ما يكون من الجواري، فجلست اليه، فمدّ يده ليعطيها شيئا، فقالت: لا واللهِ، ما أريد هذا منك، وإنما أيد منك ما يكون من الرجال إلى المرأة. فأدخل رأسه بين ركبتيه وجعل يبكي، فجاء أصحابه فوجدوه على تلك الحال، فسألوه فأخبرهم بالقصة، فجعلوا يبكون فقال لهم: وما يُبْكيكُم؟ فقالوا: نبكي لأنّا لو ابْتُلِينا بمثل ما ابْتُلِيتَ به، لم نأمن على أنفسنا الفتنة. فبينما عبد الرحمن ابن القاسم نائم، اذ رأى في منامه رجلاً حسن الصورة، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا يوسف بن يعقوب. فقال له ابن القاسم: لقد كان شأنك مع امرأة العزيز عجبا. فقال له يوسف ﵇: وأنت شأنك مع صاحبة الأبواء أعجب، لأني هممت، وأنت لم تهمّ.

стр. 705

قال: وسليمان بن يسار أخا عطاء. اتفق له مثل ما اتفق لابن القاسم رحمة الله عليهما. وحكى أن أعرابيا عًَشِقَ جارية، ذات حسن وجمال، واشتدّ بها كَلَفُه. فقيل له: ما كنت تصنع بفلانة، لو ظَفِرْت بها في مكان لا يراكما أحد؟ فقال: كنت، والله، أفعل ما أفعله، بحضور أهلها؛ شكوى وحديث عذب، واجتناب ما يُسْخِط الرّب. ورحم الله أبا عبد الله نفطويه في قوله: ليس الظَّريفُ بِكامِل في ظرفه ... حتّى يكُونَ عن الحَرامِ عَفيفَا فإذا تَعفَّف عن مَحَارمِ ربّه ... فَهُناك يُدْعَى في الأَنَامِ ظَريفَا وقال أيضا: وَكمْ ظَفِرْتُ بمن أَهْوى فَيَمْنَعُنِي ... منه الحياءُ وخوفُ الله والحَذَرُ وكَمْ خَلَوْتُ بِهِ يوماَ فَيَقْنَعُنِي ... منه الفكاهةُ والتّقْبيلُ والنظرُ أَهْوَى المِلاَحَ وأهْوَى أَنْ أُجالِسَهُمْ ... ولَيْسَ لي في حَرَامٍ مِنْهُمُ وَطَرُ كذلك الحُبُّ لا إِتْيَانُ فَاحشةٍ ... لا خَيْرَ في لذّةٍ من بعدها سقَر قوله (من بعدها سقر). يعني النار أَعَاذَنا اللهُ مِنْها. وسُمِّيت سَقَر، لشدة
следующие страницы →