Полный текст (772 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
رجع
وسأل ابراهيم بن المهدي بعض المجانين. ما المحاسن؟ فأنشده:
يقولون في البستان للعين نزهة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسنِ
إذا شئت أن تلقى المَحَاسِنَ كُلَّهَا ... ففي وَجْهِ مَنْ تَهْوَى جميعُ المحاسن
ورأيت في بعض تواليف الحافظ أبي نعيمْ بسند، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "النظرة إلى الخضرة والوجه الحسن يزيدان في البصر".
стр. 632
فصل
قال: ومن غريب الأحاديث والحكايات في معنى الحب، ماروى عن أبي عبد الله عكرمة مولى ابن
عباس لله، قال: بينما نحن عند عبد الله بن عباس، إذ أقبل فتية يحتملون فتى من بني عذرة، قد بلي
بدنه، وكانت له حلاوة، وجمال. فجاءوا به حتى وقفوا بين يديه، وقالوا: استشف لهذا الفتى يا ابن عم
رسول الله ﷺ ، قال: وما الذي به؟ قال: فترنم الفتى بصوت خفي، لا يستبين، وقال:
بِنَا من جَوَى الأحزان والحبِّ لوعة ... تكاد لها نفس المحبِّ تذوبُ
ولكنما أَلْفَى حشاشة مقولى ... على مابه عودٌ هناك صليب
وما عَجَبٌ موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب
ثم شهق شهقة فمات، فقال ابن عباس: هل رأيتم غلاماً مثل هذا؟ والله، إنه لقتيل الهوى، لادية له،
ولا قود فيه، فأنشد بعض أهل المجلس:
стр. 633
قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ دِمَائِهِمْ ... وَلكنْ دماءُ العاشقين جُبَارُ
تُطَلُّ دِماء العاشقين وثأرُها ... لدى الحَدَقِ المرضَى وذلك ثَارُ
وأنشد آخر منهم:
ما يَذْكُرُ الدهر لي سُعْدَى وَقَدْ فقدتْ ... إلاَّ تَرَقْرَقَ دَمْعُ العين فاطَّرَدَا
يالَلرِّجالِ لِمَعْشُوقٍ بِلاَ تِرَةٍ ... لاَتَأخذون له عَقْلاً وَلاَ قَوَدَا
قال عكرمة: فقال ابن عباس: نرغب إلى الله في العافية، ومازال يتعوذ بالله من الحبِّ بقية يومه.
قول الشاعر:
قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ
أي: فرض الله في القتلى قِصاص دمائهم وأوجب، والقِصَاصُ: الأخذ من الجاني مثل ما جنى،
والقِصَاصُ، والمقَاصَةُ، والمعاوضة، والمبادلة: نظائر في اللغة.
يقال منه: قصَّ يَقُصُّ قَصّاً وَقِصَصاً، وأقَصَّهُ به إقْصَاصاً، واقْتَصَّ منه اقتصاصاً.
وَاسْتَقَصَّ اسْتِقْصَاصاً؛ إذا طلب القِصَاص، وقَاصَّهُ مَقَاصَّةً وقِصَاصاً.
وقال أبو بكر بن دريد: قَصَّ الشيء بِالمِقَصِّ يَقُصُّهُ قَصّاً. وقَصَّ الحديث يَقُصُّهُ قَصَصاً.
стр. 634
وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، يعني القرآن اقتفاء الأثر قَصَصٌ أيضا. قال الله تعالى (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا).
والقِصَاصُ التَّقَاصُّ، من الجراحات والحقون شيء لشيء.
واقْتَصَّ منه: أَخَذَ منه. قال الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
وقال صاحب العين: القَصّ: الصَّدْر هو المُشَاشُ المغروسةُ فيه أَطْرَافُ شَرَاسيف الأضلاع في وسط
الصدر.
والقُصَّةُ من القُصَاصِ معروفة. والقَصَّةُ الجَصُّ.
وفي هذا اللفظ اشتراكٌ، وبابه مَشِيعٌ.
وقوله: (دماء العاشقين جُبَار): يعني أن دماءهم هَدَر لاَدِية فيها.
وفي حديث أبي هريرة فيما روى، عن عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه عنه، النار جُبَار،
стр. 635
ورواه مسلمة بن علقمة، عن داوود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال: قال
رسول الله صلى عليه وسلم: (النَّارُ جُبَار والبِئْرُ جُبَار والمعدنُ جُبَار وفي الرَّكَازِ الخُمُسُ).
وقوله: النَّار جٌبَار، قال الخطابي: يتأول على وجوه: أحدها أن يكون معنى ذلك إباحة النار،
واقتباسها من غير إذن موقدها، وأنه إذا أخذ منها جَذْوة، لم يلزمه لها قيمة.
وقال بعضهم: تأويله: النارُ تطير بها الريح، فتحرق متاعاً لقوم، يريد أنه لايلزم موقدها غرامة.
ومنهم من فرق بين النار يوقدها رجل، ليصطلي بها، أو يشوي عليها لحماً، وبين أن يوقدها عبثا لا
لأرب، فرأى ما تَجْنِي تلك هدراً، وماتجني هذه الغرامة. وأنكر بعضهم هذه اللفظة، وزعم أنها
تصحيف، وإنما هو: البئر جُبَارٌ.
وذلك أن أهل (اليمن) يُميلون النار. فكتبها بعضهم بالياء فرأى القارئ البئر، فصحفها بالنار، كذا قال
أبو بكر بن المنذر.
стр. 636
وقال يحيى بن معين: أصله البئر جُبار، ولكنه صحفه معمر، وقال أبو عمر بن عبد البر: في قول
يحيى بن معين نظر. وذكر أبو الحسن الدارقطني الحديث في كتاب (العلل) فقال: قال إسحاق بن
ابراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل: إنما هو البئر جبار، وأهل (صنعاء) يكتبون النار بالياء على
الامالة، فصحفوا على عبد الرزاق البئر بالنار، والصحيح البئر.
قال أبو الحسن الدارقطني: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل، وكان ألزم إليه من ابنه.
وفي الحديث عنه ﵇ "جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَار". وهذا دون خلاف، والعَجْمَاءُ: هي البهيمة،
سميت عجماء لامتناعها من الكلام، قال امرؤ القيس:
صَمَّ صَدَاهَا وَعَفَا رَسْمُهَا ... واسْتَعْجَمَتْ عَنْ مَنْطِقِ السَّائِلِ
وانما وَشَّحْنَا أبواب هذا الكتاب بهذه الأخبار؛ رغبةً في استكمال فوائده، واستغراب مقاصده،
واستحسان مصادره، وموارده.
رجع
وحكى الفضل بن الحُبَاب، عن الرياشي قال: خرج جماعة من
стр. 637
أهل (البصرة) يريدون الحَجّ. فلما
كانوا ببعض الطريق، إذا غلام واقف على المحجَّة وهو ينادي: أيها الناس! هل فيكم أحد من أهل
(البصرة)؟ قال: فملنا إليه، وقلنا له: مَاتُريد؟ قال: إن مولاي يريد أن يوصي إليكم. فسرنا معه؛ فإذا
شخص ملقى على بعدٍ من الطريق، تحت شجرة لا يحير جوابا، فسلمنا عليه وجلسنا حوله، فلما أحس
بنا رفع طرفه، وهو لايكاد يرفعه ضعفاً. ثم أنشأ يقول:
يَا بَعيدَ الدار من وطنه ... مُفرداً يَبْكي عَلَى شَجَنِهْ
كُلَّمَا جَدَّ البُكَاءُ بِهِ ... زَادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ
ثم أُغْمِي عليه طويلا، ونحن جَلُوسٌ عنده، فأقبل طائر فوقع على بعض أغصان الشجرة، وجعل
يغرد، ففتح عينيه ثانية، وجعل يستمع تغريد الطائر، وأنشأ يقول:
وَلَقَدْ زاد الفُؤَادَ شَجَىً ... طَائرٌ يَشْدُو عَلَى فَنَنِهْ
شَفَّهُ مَا شَفَّني فَبَكَى ... كُلُّنَا يبكي عَلَى سَكَنِهْ
ثم تنفس، وفاظت نفسه، فلم نبرح من عنده حتى كفناه، وتولينا الصلاة عليه. فلما فرغنا من دفنه،
سألنا الغلام عنه، فقال هذا العباس بن الأحنف.
قال أبو اسحاق: ومن مليح شعر العباس قوله:
стр. 638
تَحَمَّلْ عَظِيمَ الذَّنْبِ مِمَّنْ تُحِبُّهُ ... وَإِنْ كُنْتَ مَظْلُوماً فَقُلْ أَنَا ظالِمُ
فَإِنَّكَ إِلاَّ تَغْفِر الذَّنْبَ في الهَوَى ... يُفَارِقْكَ مَنْ تَهْوَى وَأَنْفُكَ رَاغِمُ
فَطُوبَى لِمَنْ أَغْفَى مِن اللَّيْلِ سَاعَةً ... وَذَاقَ اغْتِمَاضاً إِنَّ ذَاكَ لَنَاعِمُ
وقوله أيضا:
أَغَبَّ الزّيارَة لَمَّا بَدَا ... لَهُ الهَجْرُ أَوْ بَعْضُ أَسْبَابِهِ
وَمَا صَدَّ عَنْهَا وَلَكِنَّهُ ... طَرِيدُ مَلاَلَةِ أَحْبَابِهِ
وقوله أيضا:
إِنْ قَالَ لم يَفْعَلْ وإن سيلَ لَم ... يَبْدُلْ وَإِنْ عُوتِبَ لَمْ يَعْتَبِ
حبٌّ بِهِجْرَاني ولو قال لي ... لاَ تَشْرب البارِدَ لَمَ أَشْرَبِ
وقوله أيضا في مشي النساء:
شمس مقررة في خَلْقِ جاريةٍ ... كَأَنَّما كَشْحُها طَيُّ الطَّواميرِ
كأنها حين تمشي في وَصَائِفِها ... تخطو على البيض أو خُضْر القواريرِ
والطَّواميرُ، جمع أطمار، وأَطْمَار جمع طَمْر: وهو الثوب الخَلَقُ، ومثله في
стр. 639
الجودة والحسن في مشي النساء، قول ابن مقبل في النوادر لأبي علي:
يَهْزُزْن للمَشْي أَوْصَالاً مُنَعَّمَةً ... هَزَّ الجَنُوبِ مَعاً عِيدانَ يَبْرِينَا
أَوْ كاهتِزَازِ رُدَيْنِيٍّ تَداوله ... أَيْدي التِّجار فزاد وامَتْنَه لينا
ويروى: (هز الكُمَاة).
يمشين هَيْلَ النَّقا مالتْ جَوَانِبُهُ ... ينهال حينا وينهاه الثَّرى حِينَا
قوله: عَيْدَان، وزنه فَيْعَال، وهو من: عَدَنَ، إذا أقام، والنون فيه أصلية، وهو جمع عَيْدَانة. والعيدانة:
النخلة إذا طالت، ونفذت عروقها إلى الماء.
والنَّقَى من الرَّمل: قِطْعَةٌ مُحْدَوْدَبَةٌ يُكْتَب بالياء، ويكتب بالألف، لأنك تَقُولُ في تَثْنِيتِه: نَقَوَان ونَقَيَان،
والواوُ أكثر. قاله أبو علي البغدادي، وأنشد:
كَحِقْفِ النَّقَا يَمْشي الوليدانِ فوقَهُ ... بِمَا احتَسَبَا مِنْ لينِ مَسٍّ وتَسْهَالِ
ويُرْوَى: (وَإِسْهَالِ)
قال أبو علي: وبَنَاتُ النَّقَا، وشَحْمُ النَّقَا، وشَحْمَة الأرض: دودٌ بيض يَدْخُل في الرمل تُشَبَّهُ بها
الأصابع.
стр. 640
قال الراعي:
وفي القُلْبِ والحِنَّاءِ كَفُّ بَنَانِها ... كَشَحْمِ النَّقَا لَمْ يُعْطِها الزَّنْدَقَادحُ
وقال ذو الرمة:
وَأَبْدَتْ لَنَا كفّاً كأَنَّ بَنَانَها ... بناتُ النَّقَا تَخْفَى مراراً وتظهرُ
وقال: والنَّقَا أيضا: كل عَظْمٍ فيه مُخُّ، وجمعه أَنْقَاء.
وأنشد أبو محمد بن رَسْتَم لابن لجإ:
طويلة والطُّولُ مِنْ أَنْقَائِها
أي: من عِظَامِها المُمِخَّة.
وقال محمد بن القاسم: النَّقَى: العَظْمُ المُمِخُّ، مقصور يكتب بالياء.
ومثله في الحسن في المعنى قول ذي الرمة:
стр. 641
وَلَمْ تَمْشِ مَشْيَ الأُدْمِ في رَوْنَق الضحى ... بِخَرعابك البيضُ الحِسَانُ الخرائِدُ
ومثله قول الآخر:
يمشين في الرَّيْطِ والمُرُوطِ كَمَا ... تَمْشِي الهُوَيْنَا سَوَارحُ البقَرِ
وقرأت في النوادر لأبي علي، قول عمر بن أبي ربيعة في المعنى:
أبْصَرْتُها غدوةً وَنِسْوَتُها ... يَمْشِين بين المَقَام والحجَرِ
بيضاً حساناً خرائداً قُطُفاً ... يَمْشِينَ هَوْناً كَمِشْيَة البَقَرِ
قَد فُزْنَ بالحُسْنِ والجمال معاً ... وفزن رِسْلاً بِالدَّلِّ والخَفَرِ
قوله (قطفا): هو جمع قَطُوف، وهي التي تقارب خطوها من المشي، قال امرؤ القيس:
فجاءت قطوفَ المشي هَيَّابَةَ السُّرَى
وقوله: (هونا وَرِسْلاً) أي: رِفْعاً. ومثله في الاستحسان، قول الحطيئة في المعنى:
حَصَانٌ لها في البيت زِيٌّ وَبَهْجَةٌ ... وَمَشْيٌ كَمَا تَمْشِي القَطَاةُ قَطُوفُ
ومثله أيضا قول الكميت في المعنى:
стр. 642
يَمْشِين مَشْيَ قَطا البِطاح تأوداً ... خُمْصَ البُطُونِ رَوَاجِحَ الأكْفَالِ
والقَطا في هذا البيت، والذي قبله، ضرب من الطير معروف يستحسن مشيه، واحدته قَطَاة، ويقال
في جمعه أيضا: قطوات.
قال الأخطل:
مُصَاحبةُ خوصاً كَأَنَّ رِحالها ... عَلَى قطوات من قَطَا عالج حُقْبِ
ومن أمثالهم: (لو تُرِكَ القطا لَنَامَ)، ولايكتب إلا بالألف.
والقطا أيضا، جمع قطاة، وهو مابين الوركين، ويكتب بالألف أيضا، قال النابغة الجعدي:
على أَنَّ حَارِكَهُ مُشْرِفٌ ... وَظَهْرَ القَطَاةِ وَلَمْ يَحْدَبِ
وقال امرؤ القيس:
يُديرُ قَطَاةً كالمَحَالَةِ أَشْرَبَتْ ... إِلَى سَنَدٍ مِثْل العَبِيط المُذَأَّبِ
ويقال في مثل يضرب للرجل الأحمق (ما تعرِفُ قَطَاتَهُ مِنْ لَطَاتِه)، ولَطَاتُه جبهته، فمعناه: مايُعْرَفُ
من حُمْقِه، أعلاه من أسفله.
ومثل ماذكرنا من حسن مشي النساء، قول الآخر:
أَلاَ إِنَّ قَلْبِي لَدَى المُعْصِرَات ... يُمَشِِّينَ مَشْيَ إرَاخِ البقرِ
стр. 643
والمُعْصِرَات في هذا البيت جمع مُعْصِر، وهي الجارية إذا قاربت الإدراك، قال الشاعر:
جَارِية بسفوانَ حَارُهَا ... قد أعصرتْ أو قد دَنَا إِعْصَارُهَا
وقال الآخر:
فَكَانَ مِجَنى دون من كنْتُ أتَّقى ... ثلاث جوارٍ كاعبان ومُعْصِرُ
ويقال: إن صلاة العشي، إنما سميت عصراً لأن مدى وقتها يقارب غروب الشمس، وهو من هذا
المعنى.
وفي الحديث عن عبد الله بن فَضَالة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "حافظ على
العصرين".
والعَصْرَان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. لأن العصرين عند العرب: الغَدَاة
والعَشي، وهما أيضا الليل والنهار. وقال حميد بن ثور الهلالي:
стр. 644
ولَنْ يَلْبث العَصْران يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلَبَا أن يُدْرِكا ما تَيَمَّمَا
فجعلهما يوم وليلة، ومنه قول الآخر:
أُمَاطِلُهُ العَصْرَيْن حتَّى يَمَلَّنى ... ويَرْضَى بنصف الدَّين والأَنْفُ رَاغِمُ
والعَصْرُ أيضا الدهر، ومن قول حميد بن ثور أخذ ابن المعتز قوله:
أَلَمْ تَرَ أن الدهر يومٌ وليلةٌ ... يَكُرَّانِ من سبت عليك إلى سَبْتِ
فقل لجديد العيش لابد من بِلي ... وقل لاجتماع الشمل لابد من شَتِّّ
وقول البحتري في مشي النساء بديع مستحسن أيضا، وهو:
لَمَّا مَشَيْنَ بِذِي الأَرَاكِ تَشَابَهتْ ... أَعْطَافُ قُضْبَانٍ بِهِ وقُدودِ
في حُلَّتَيْ حِبْرٍ ورَوْضٍ فالْتَقَى ... وَشْيَانِ: وَشْيُ رُبِّي وَوَشْيُ بُرُودِ
وَسَفْرْنَ فامْتَلأَتْ عُيونٌ زَانَها ... وَرْدَانِ: ورد جنىً وَوَرْدُ خُدُودِ
وَضَحِكْنَ فاغترف الأقاحي من ندىً ... غَضٍّ وَسَلْسَالِ الرُّضابِ بَرودِ
وأنشد أبو محمد بن قتيبة للأعشى، مايستحسن في هذا المعنى:
كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ... مَشْيُ السَّحَابَةِ لاَرَيْثٌ ولاَ عَجَلُ
رجع
стр. 645
وقرأت في (النوادر) لأبي علي البغدادي، قال الفضل بن محمد العلاَّف، لما قدم بغاء ببني نُمَيْر
أسرى كنت أذهب إليهم، فأسمع منهم، فلا أعدم أن ألقى الفصيح منهم. فأتيتهم يوما في عقب مطر؛
وإذا فتى منهم حسن الوجه، قد نهكه المرض وهو ينشد:
أَلاَ يا سنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمَى ... لَهِنَّكَ من برْقٍ عليَّ كريمُ
لمعت اقتداء الطير والقومُ هُجَّعُ ... فهيَّجتَ أسقاماً وأنت سليمُ
فهل من معيرٍ طرفَ عيْنٍ خَليّةٍ ... فانسانُ طرفِ العامريِّ كليمُ
رَمَى قلبه البرقُ اليماني رميةً ... بِذِكرِ الحِمَى وَهْناً فبات سقيمُ
فقلت له: ياهذا! إنك لفي شغل عن هذا. فقال: صدقت يا أخي! ولكن أيقظني البرق فتذكرت. ثم
اضطجع فما لبث غير ساعة، حتى مات، فتوهمنا عليه غير الحب.
وحكى عن سعيد بن حُمَيْد أنه قال: رأيت (بالبصرة) شابا، وفي يده
стр. 646
مدية، والناس حوله، وهو ينادي بأعلى صوته ويقول:
يومُ الفراق من القيامة أطولُ ... والموتُ من ألمِ التفرق أجملُ
قالوا الرحيل فقلت لست براحلٍ ... لكن مهجتي التي تترحَّلُ
ثم بَقَرَ بَطْنَهُ، وخر ميتا. فسألت عن شأنه، فقيل لي: كان يهوى فتى لبعض الملوك، فحجب عنه
يوما واحدا، ففعل ما ترى.
وحكى عن الحميد أنه قال: رأيت رجلا متعلقا بكم صبي، وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة،
فالتفت إليه الصبي وقال: إلى متى هذا النفاق الذي تظهر، فقال له: قد علم الله أني صادق فيما أقول؛
حتى لو قلت لي مت لمت، فقال له الصبي: إن كنت صادقا فمت، قال: فتنحى الرجل وغمض عينيه
فوجده ميتا.
قال أبو إسحاق:
وشبيه بهذا، لكن من غير علاقة الحب؛ بل من الزهد في الدنيا، والإنابة، للرب ماحكى أبو القاسم
خلف بن عبد الملك بن بَشْكُوَال
стр. 647
في فوائده عن أبي محمد بن عتاب بسند إلى منصور بن محمد
البصري، قال: أرسل أمير المومنين مِنْ سُرَّ مَنْ رأى إلى نصر بن علي الجهضمي، وكان زاهدا،
يامره بتقلد القضاء فأبى، فروجع في ذلك ثلاث مرات فأبى، فأمر أمير المومنين إن هو لم يُجِب قُيِّد
وأُوتيَ به.
فأعلم بذلك نصر، فقال: أَنْظِرُوني اليَوم، فدخل الحمَّامَ، واغْتَسَل وتَنَظَّف، وخرج إلى دَارِه فأعدَّ
أَكْفَانَه وحُنُوطَه، وبَعَثَ إلى رَجُل كان يغسل المَوْتَى، فتقدَّم إليه بما يريد مِن غَسْله، ثم اسْتَقْبَل القِبْلَة
فَصلَّى ركعتين، ودَعَا بما دَعا، وتمدَّد فمات، وغُسِّل وكُفن.
قال منصور: وكنتُ فيمَنْ صَلَّى عليه، فلما عَلِمَ السُّلْطَان بِخَبَره، نَدِمَ على مَاكَانَ مِنْه إِلَيه. وكانت
وفاتُه رحمة اللَّه عليه سنة خمسين ومائتين، فيما ذكره
стр. 648
أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري.
وخرَّج أبو القاسم أيضا في (الفوائد) بسندٍ إلى القاسم بن ثابت بن حزم السرقسطي، أن الوالي
بسرقسطة أراد تقديم قاسم القضاء بها، فأمر أباه ثابثا أن يعلمه بذلك، فأعلمه أبوه بالخبر، فأبى، فأخبر
أبوه الوالي بذلك، فقال: إن لم يفعل ما أمرته به، أخرجته عن بلدي، فقال له أبوه: يابني تكلفني في
آخر عمري الخروج عن بلدي، والتطوف بالبلدان. فقال له: يا أبت أمهلني إلى غد. فلمَّا أتى الليل،
صار قاسم في محرابه، فصلَّى طول ليلته، وأصبح ميتا في محرابه رحمة الله عليه، وندم الوالي
على ذلك، وقال: ليتني لم آمره بما يكره.
قال أبو إسحاق:
وإنما جئت بهذين الخبرين اعتباراً وإجلالاً، وإعلاماً بمكانة هذين العالمين العاملين عند الله تبارك
وتعالى.
стр. 649
وقرأت في (ذيل النوادر) لأبي علي قال: استُعْمِلَ النعمان بن بشير على صدقات بَلِيّ وعذرة. فبينما
أنا، يقول النعمان، في بعض مياههم، إذ رأيت بيتاً مفرداً إلى ناحية، وإذا بفنائه رجل مستلقٍ وامرأة
قاعدة، وهو يتغنى ويقول:
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ اليَمَامَةِ حُكْمَهُ ... وَعَرَّافِ حَجْرٍ إنْ هُمَا شَفَيَاني
فَقَالاَ نَعَمْ تَشْفى من الدَّاء كلِّه ... وقاما مَعَ العُوَّاد يَبْتَدِرَان
فَمَا تَرَكا من رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِها ... وَلاَ سَلَْوَةٍ إلاَّ وقد سَقَيَانِي
وَمَا شفيا الداء الذي في كله ... وَمَا ذَخَرا نصحاً وما أَلَوَاني
стр. 650
فَقَالاَ شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَالنا ... بِمَا ضُمِّنَتْ منكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ
فقلت للمرأة: ما قِصَّته؟ فقالت: هو مريض ما تكلَّم بكلمة، ولا أَنَّ أَنَّةً منذ وقت كذا إلاَّ الساعة، ثم
فتح عينيه وأنشأ يقول:
وكان مِنْ أُمَّهَاتي باكياً أبدا ... فاليومَ إِنِّي أرَاني اليومَ مَقْبُوضاَ
تَسَمَّعِيهِ فَإِنِّي غيرُ سَامِعِه ... إذَا حُمِلْتُ على الأعناق مَعرُوضاَ
ثم خفت فمات فغمضته، وغسلته، وكفنته، وصليت عليه، ودفنته، وقلت للمرأة: من هو؟ فقالت: هو
قتيل الحب عروة بن حزام.
وحكى عمرو بن بحر الجاحظ، قال: كنت جالساً بالرَّقة عند صديق لي، وكان معنا فتى يتعشق
جارية مغنية، كانت معنا في المجلس، فضربت العود، وغنت:
عَلاَمَةُ ذُلِّ الهَوَى ... على العَاشِقينَ البُكَا
وَلاَ سيَّمَا عاشِقٌ ... إذا لم يَجِدْ مُشْتَكَى
فقال لها الفتى: أحسنتِ واللَّهِ ياسيدتي!. أَفتأذنين لي أن أموت؟. فقالت: مت راشداً. فوضع رأسه
على الوسادة، وأطبق فمه، وغَمَّض عينيه، فحركناه
стр. 651
فوجدناه ميتا.
وحكى أبو عمرو بن بحر أيضا، قال: قصدت أمير المومنين المتوكل على الله، لتأديب ولده. فلما
رآني استبشع منظري، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وصرفني، فلمَّا خرجتُ، لَقِيتُ محمد بن ابراهيم
وهو يريد الانحدار إلى مدينة السَّلاَم، فَرَغِبَ إِليَّ في النهوض معه، فأجبته إلى ذلك، فلما وَصَلْنَا
أَحْضَر الطَّعام، فأكلنا ووضع الشراب، فَشَرِبنا، وضُربت سَتَّارة، وأمر عَوَّادةً له تُغَنِّي، فَغَنَّتْ:
كلُّ يومٍ قَطيعةْ وعتابُ ... ينقضي دَهْرُنا ونحنُ غِضَابُ
ليت شِعْري أَنَا خُصِّصتُ بهذاَ ... دونَ غيري أَمْ هكذا الأحْبابُ
ثم سكَتَتْ، وأمَرَ طَنْبُورِيَّةً تُغَني، فَغَنَّتْ:
وارحمتا لِلْعَا شقينا ... ماذا يلاقي العاشقونا
همْ يُظْلَمُونَ ويُهْجَرُو ... نَ وَيُقَطَّعُون وَيَصبرونَا
يَتَجَلَّدُون وَيُظهِرُو ... نَ تَجَلُّداً للِشَّامِتِينَا
ثم قالت لها العوّادة: فيصنعون ماذا؟ فقالت: يَصْنَعُون هكذا. ورمت بيدها
стр. 652
إلى السَّتارة فَهَتَكَتْها وبرزَتْ كأنَّها قمر، فرمت بنفسها في الماء.
وكان على رأس مُحَمَّد غُلام قائمٌ يضاهيها في الجمال، وكانت بيده مذَبَّة يَدُبُّ بها عن محمّد، فرمى
المدية من يده، وصَارَ إلى الموضع الذي رَمَتْ فيه بنفسها، وأنشأ يقول:
أَنْتِ الَّتي غَرَّقْتنِي ... بُعْدَ القَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا
لاَ خيرَ بَعْدَكِ في البقا ... والموتُ زَيْنُ العاشقِينَا
وَرَمَى بِنَفْسِه في المَكَان ثُمَّ عَانَقَها في الماء، وغَاصَا جميعاً، فما ظَهَرَا بَعْدُ.
فَلَمَّا رَأى ذلك محمد رَاعَه، وقال: ياعمرو، لتحدثني بحديث يسليني عن هذه القضية، وإلاّ لحقتك
بهما فتحيَّرتُ، ثمَّ حضرني خبرٌ ظريف مثله. فقلت له:
إِنَّ سليمان بن عبد الملك بن مروان جلس يوماً إلى المظالم فعرضت له بطاقة فيها مكتوب: إِنْ رأى
أمير المومنين، أَيَّدَه الله، أَنْ يُخْرِجَ لي فلانة، يَعْني بعض خَدَمه، فتغنِّي لي بثلاثة أصواتٍ فعل،
فاغْتَاظ سليمان لذلك، وأَمَر مَنْ ياتيه برأس صاحب تلك البطاقة، ثم أتبعه رسولاً آخر يأمره
стр. 653
بإدخاله عليه، فلمَّا مثل بين يديه، قال له: ماحَمَلك على ما صَنَعْتَ؟ فقال: الثِّقَةُ بِحِلْمِكَ، والتَّوَكُلُ على عفوك،
فَأَمَرَ لَهُ بالجلوس حتّى لم يَبْقَ مِنْ بني أميةَ أحدٌ، وخلا المجلس، فأمر بإخراج الجارية بِعُودِهَا،
فخرجت به معها، ووضع لها كرسيّ، فجلست عليه، فقال له: اخْتَرْ! فقال: تغني:
تَعَلَّقَ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خَلْقِنا ... وَمِنْ بَعْدِمَاكُنَّا نِطَافاً وفي المهدِ
فَزَادَ كَمَا زِدْنَا، فأصبح نَامِياً ... ولَسْنَا وإِنْ مِتْنَا بِمُنْتَقِضي العَهْدِ
ولكنَّهُ باقٍ على كُلِّ حَادِثٍ ... ورائدنا في ظُلْمَة القبر واللَّحْدِ
فغنت ذلك، فقال له سليمان: قُلْ. قال: تأمر لي برطل، فَأُوتيَ به فشربه، ثم قال: تغني:
إذا قلتُ مَابي يابُثينَةُ قَاتلي ... من الحبِّ قَالَتْ ثابِتٌ وَيزيدُ
وَإِنْ قُلتُ رُدِّي بعضَ عَقْلِي أَعِشْ بهِ ... مع النَّاسِ قالت: ذاك منك بعيدُ
يموتُ الهوى مِنِّي إذا مَا لَقِيتُهَا ... ويحيا إذا فَارَقْتُها فَيَعُودُ
فغنت ذلك، فقال له سليمان: قُلْ. قال: تَأمُرُ لي برطل فَأوتي به، فشربه. ثم قال: تغني:
لقد كُنْتِ خيرَ الناسِ لو دَام وُدُّها ... ولكنَّما الدنيا مَتَاعُ غُرُورِ
стр. 654
وكُنَا جميعاً قبل أَنْ تُظهر الهوى ... بِأحْسَنَ حَالَيْ غِبطَةٍ وَسُرُورِ
فَمَا لَبِثَ الواشونَ حتَّى بَدَتْ لهم ... بُطونُ الهوى مَقْلُوبَةً بظُهُور
فغَنَّتْ ذلك، فقال سليمان: قُلْ. قَالَ: تَأمر لي بِرِطْل، فآُوتيَ به، فشربه، فلمَّا اسْتَتَمَّه وثَبَ عَلَى قُبَّة
سليمان، وَرَمَى بنفسه عَلَى دِمَاغِه، فمات، فقال سليمان: إِنَّا للَّه وإِنَّا إليه راجعون، أَتَراهُ الجاهلَ توهَّمَ
أَنِّي أُخرجُ له جاريتي، ثمَّ أَردُّها إلى مِلْكِي!.
وقال لأحد الغلمان: ياغلام خُذْ بيدها، فانطلق بها إلى أهله، إِنْ كان له أَهْل، وَإِلاَّ بِعْها وَتَصَدَّقْ بِثمنها
عنه، فأخَذَ الغلامُ بيدها، وكان في ناحيةَ الدار حُفْرة، قد أعدت لماء المطر، فجذبَتْ يدها مِنْ يَدِ الغُلاَم،
وقالت:
مَنْ مَاتَ عِشْقاً فَلْيَمُتْ هَكَذا ... لاَ خير في العِشْقِ بِلاَ مَوْتِ
ورمَتْ بنفسها في تلك الحُفْرَةِ على رَأْسِهَا فَمَاتَتْ، فهذا ما كان من أمرهما، فتعَجَّبَ محمّد من ذلك،
وكَسَاني، وانْصَرفت.
وحكى بعض الرواة، قال: كان محمد بن حميد الطوسي جالساً في بعض الأيام مع ندمائه، فغنت
جارية له من وراء الستارة:
يَا قَمَرَ القَصْرِ مَتَى تَطْلُعُ ... أشْقَى وغَيرِي بِكَ يَسْتَمْتع
إِنْ كَانَ رَبِّي قَدقَضَى مَا أَرى ... مِنكَ على رَأسي فَمَا أَصْنَعُ
стр. 655
وكان على رأْسِ مُحمَّد غُلامٌ بيدِهِ قَدَح يَسْقيه، فرمى بالقَدَح عَنْ يده، وقال: تَصْنَعِين هَكَذَا. وَرَمَى
بِنفسه مِنَ الدَّارِ إلى دِجْلَة. فَهَتَكَت الجارية السَّتارة، ثُمَّ رَمَتْ بِنَفْسِها عَلَى أَثَرِه فنزل الغَاصَةُ خَلْفَهُمَا،
فَلَمْ يُوجَد واحدٌ منهما، وَقَطَعَ مُحَمّد الشَّراب، وقام عَنْ مَجْلِسِه.
وكان لرجل من التجار جارية كان يحبها حُبّاً شديداً، فاعتَلَّت ذات يومٍ، فأخذ في عَمَل حساءٍ. فبينما
هو يحرك ما في القدر، إذ قالت الجارية: آه!. فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك
مافي القدر بيده حتى تساقطت أصَابِعه، وهو لايشعر. فلما رأت الجارية ذلك، قالت: ما هذا؟. فقال:
هذا من أجل قولك: آه.
قال: وخَرَّج أبو حامدٍ في كتابه، قال: (إنَّ بعض المحبين خلا بمحبوبه، فقال له: أنا، واللَّهِ، أُحِبُّك
بقلبي كله، وأنت تعرض عني بوجهك كلِّه، فقال له المحبوب: إنْ كنتَ تحبني، فأيُّ شيء تنفق
عليَّ؟. فقال له: ياسيدي أُمَلِّككَ ما أَمْلك، ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك).
وحكى علي بن عاصم قال: قال لي رجل بالكوفة من بعض إخواني: هَلْ لك في عاشق تراه؟. قلت:
بلى، فَمَشيتُ معه إلى فتًى كأنما نُزعَ الروحُ من جسده، وهو مُوْتَزِرٌ بِإِزَارٍ مُرْتدٍ بِآخر، وهو قاعدٌ
متفكر، وبيده وردة. فذكرنا له بيتاً من الشعر، فتهيَّج وقال:
جَعَلتُ منْ وَرْدَتها ... غنيمةً فوق يدي
стр. 656
أَشُمُّها مِنْ حُبُّها ... إذَا عَلاَني جُهُدي
فَمَنْ رَأَى مِثلي فَتًى ... بِالسُّقْمِ أضْحي مُرْتَدي
ثم أطرق إلى الأرض، فقلت: ماشأنه؟. فقال لي: عشق جارية لبعض أهله، فأعطى فيها كل ما
يملك، وهو سبع مائة دينار، فأبى أهلها أن يبيعها منه، فنزل به ماترى.
ونقلت من كتاب (العقد) قال أبو زيد الأسدي:
كانت بالمدينة قَيْنَةٌ من أحسن النّاسِ وَجهاً، وأكمَلِهِمْ عقلاً، وأَفْضَلِهم أدَباً. قَرَأت القُرْآن، وَرَوَت
الأشْعَارَ، وتعَلَّمَت الإعْراب، فَوَ قَعَت عند يزيد بن عبد الملك، فَأَخَذَت بِمَجَامع قَلْبه. فقال لها ذَات
يوم: مَالَكِ قَرَابة تُحِبِّين أن أصطنعهم، وأُهدي إليهم معروفاً. قالت: يا أمير المومنين! أَمَّا قرابة، فلا،
ولكنَّ بالمدينة ثلاثة نَفَرٍ كانوا أَصْدِقاء لمولاي، وأُحِبُّ أن ينالوا من خير ما صِرْتُ إليه، فكتب إلى
عامله بالمدينة في إِشخاصِهم، وأن يُعْطِيَ كلَّ واحد منهم عشرة آلاف درهم ففعل ذلك. فلمَّا وصلوا
إلى باب يزيد، استُؤْذِن لهم عَلَيْه، فَأَذِنَ لهم، فدَخَلُوا فَأَكْرَمَهُمْ، وسأَلهُم عَنْ حوائجهم فأمَّا الإثنان، فذكرا
حوائجهما، وأمَّا الثالثُ فسأله عن حَاجَتِه. فقال: يا أمير المومنين! مَالِي
стр. 657
حَاجَة، فقال له: ويحك! ألستُ أَقْدِر عَلَى حَاجَتِكَ. قال: بلى، يا أمير المومنين. ولكن حاجتي لا أحْسِبُك تَقْضيها. فقال: ويحك! سَلني، فإنَّكَ لاتَسَلْني حاجةً أَقْدِرُ عليها إلاَّ قضَيْتُها. قال: يا أميرَ المومنين، حاجتي أَنْ تَامر جاريتك التي
أكرمتنا لها أن تغني صوتاً؛ أَشْربُ عليه ثلاثة أرطال. فتغيّر وجه يزيد، وَقَامَ مِنْ مَجْلسه، فدخل على
الجارية، فأعلمها بذلك، فقالت: ومَا عليك، يا أمير المومنين؟ قال: سَأَفْعلُ ذلك. فلمَّا كان من الغد، أمر
بالفتى، فأُحْضر وَأُمِرَ بكراسي ثلاثة من ذهب، فوضعت؛ فقعد يزيد على أحدها، وقعدت الجارية على
الثاني، وقَعَدَ الفتى على الثالث. ثُمَّ دَعَا بالطعام، فأَكَلُوا جميعا، ثم أتى بِصُنوف الرِّيَاحِين، والطّيب،
فَوُضعت، ثم أمر بثلاثة أرطال، فَمُلِئَتْ. ثم قال للفتى: قل ما تريد، وَسَلْ عن حاجتك. فقال: تأمرها يا
أمير المومنين تغني:
لا أَسْتطيعُ سُلُوّاً عن مَوَدَّتها ... أَوَ يَصْنَعُ الحبّ بي غير الذي صَنَعا
أدعو إلى هَجْرِها قَلبي فيُسعدني ... حتى إذا قيل هذا صادقٌ نَزَعَا
وزادني رغبةً في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعا
فأَمَرَهَا، فَغَنَّت، وشرب يزيد، وشَرِبَ الفتى، وَشَرِبَت الجارية. ثم أمر
стр. 658
بالكُؤُوس فَمُلِئَتْ. ثم قال: أُذْكُرْ حَاجَتك! فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني:
تخيرتُ منْ نُعمان عُودَ أَراكة ... لهِنْدٍ وَلَكِنْ مَنْ يُبَلِّغُهُ هِنْدَا
أَلاَ عَرِّجَا بي بَارَكَ اللهُ فيكما ... وإِنْ لَمْ تكُن هِندٌ لِآَرْضِكُمَا قَصْدا
فأمرها، فَغَنَّتْ، وَشَرِبَ يزيد، وشَرِبَ الفتى، وشربت الجارية، ثم أمر بالكؤوس فَمُلِئْتْ. ثم قال: أُذْكُرْ
حَاجَتك! فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني:
مِنِّي الوِصَالُ ومنكمُ الهَجْرُ ... حتى يؤلف بيننا الدهرُ
واللهِ لاَ أَنْسَاكُمُ أبداً ... ماَ لاَحَ نجمٌ أوْ بَدَا فَجْرُ
فَلَمْ تَسْتَتِمُّ الأبيات، حتّى خَرَّ الفَتى مغشيَّاً عليه، فقال يزيد للجارية: قومي فانظُري مَا حَالُه. فقامت
الجارية، فحركته، فإذا هو مَيْت. فقال لها يزيد: ابْكِيهِ. قالت لاَأَبْكِيهِ، يا أمير المومنين، وَأَنْتَ حَيٌّ
أبداً. قال لها: ابْكيه، فَوَ اللَّهِ لَوْ عَاشَ، لَمَا خَرَجَ الأَبكِ.
ونقلت من كتاب (الأغاني). قال سليمان المنقدي: قلت لهند بنت الوضاح: انشديني بعض ماقلت في
المغيرة بن سعيد. ولم ير الناس أحداً بلغ به الهوى، ما بلغ بها فأنشدت:
يحنّ إلى مَنْ بِالعقيقةِ قلْبُهُ ... حنيناً يُبْكِّي الطير في غُصُنِ السِّدْرِ
تَنفسْتُ لَمَّا هاج قلبي بذكره ... فأمْسَكْتُ مِنْ خوفٍ الحريق علي الصَّدْرِ
وَوَاللَّه لو فَاضَتْ على الجمر لوعتي ... لأحرق أدنى حَرِّها لهب الجَمْرِ
стр. 659
فقلت: يا هَذِه، أكُلُّ هذا منَ الحُبِّ، قالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَآُمِّي، كيف ولَوْرَأَيْتَنِي وَعُنْفُوَان هوايَ، لرأيت
خَبلاً يُذَوِّب الحديد لحرارته. ولقد عَذَلني من يغمه بعض ما بي فقلت:
لَحَى اللَّهُ مَنْ يَلْحَى عَلَى الحُبِّ عَاشقا ... ولا كَانَ في قُربِ وَلاَ زَالَ في بُعْدِ
وَمَاذَا عَلَيْهم أَنْ تراءى وِصَالُنَا ... وَإِنْ نَمَّ مَا كُنَا نُسِرُّ من الوَجْدِ
ثم تنفست، فخشيت على بدني من حرارة نفسها. فقلت: ما هذا التنفس؟ فقالت: على حلاوة ذلك
الدهر، ورطوبة أغصانه، وإني وإياه، لكما قالت هالة بنت قيس التميمية:
أَرَانِي قد حَييتُ وَكُنْتُ مَيْتاً ... إذا طَرَقَ الخيالُ بِمَنْ هَوِيتُ
رَضِيتُ ذَهَابَ نفسي في رضاه ... رضيتُ بِذاكَ يَارَبي رَضِيتُ
قال: فلمح عليها شيئا خوفاً من وفاتها.
ونقلت منه أيضا: قال أبو المنجاب رأيت في الطواف، فتى نَحِيفَ الجسم، بَيَّن الضَّعْف، يَلُوذُ،
ويَتَعَوَّذُ، ويقول:
وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ الحبَّ يُجْمَعُ كُلُّه ... وَيُقْذفُ في قلبي وينغلق الصدرُ
فَلاَ يَنْقَضِي مافي فؤادي مِنْ الهوى ... ومن فرحي بالحبِّ أو ينقضي العمرُ
فقلت له: يا فتى! أَمَا لهذه البنية حُرْمة تَمْنَعُكَ من هذا الكلام؟ قال: بَلَى. واللَّهِ، ولكنَّ الحبَّ مَلأ قَلْبي
بِبَراحِ التَّذكير، فَفَاضَت الفِكرة. وإني
стр. 660
لأدعو الله أن يثبته في قلبي، ويجعله ضجيعي في قبري. هذا
دعائي. وانصرف من جهتي.
وحكى عن قيس بن محمد العبدي، قال: إِني لَبالمزدلفة بين النائم واليقظان؛ إذْ سمعتُ صوتاً شجيا،
وبكاءً حزيناً، فاتَّبَعْتُ الصوت، فإذا بِجَارية كأنها قمر، ومعها عجوز فَلَطِئْتُ بالأرض أُلاَحِظُها من
حيث لاتراني، وأُمَتع عيني بحسنها، وهي تقول:
دَعوتكَ يَامَولايَ سِرّاً َوَ جَهْرةً ... دُعَاءَ ضَعيفِ القَلْبِ من محمل الذّنْبِ
بُلِيتُ بِقَاسِي القلبِ لا يَعْرفُ الهوَى ... وَأَقْتَل خَلْقِ اللَّه بِالعَاشق الصَّبِّ
فَإِنْ كنتَ لَمْ تَقْضِ المودة بيننا ... فلاَ تُخْلِ مِنْ حُبِّ لَه أبداً قَلْبِي
قال: فقمت إليها، وقلت لها: بنفسي أَنْتِ مع هذا الوجه الحسن، يمتنع عليك ماتريدين؟ فقالت: نعم.
والله، وإنما يفعل ذلك تصبّراً وفي قلبه مني أكثر مما في قلبي منه. فقلت لها: كم ذا البكاء. قالت:
أبداً، لويصير الدمع دماً، وتنطفئ نفسي غمّاً. فقلت: إن هذه الليلة آخر ليلة من ليالي الحجّ. فلو سألت
الله ﵎ التوبة مما أنت فيه، والمغفرة لما سلف، رجوت أن يذهب الله حبّه من قلبك. قالت:
يا هذا؛ عَلَيْكَ بِنَفْسِك، في طلب رَغْبَتِك،
стр. 661
فإِني قدمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي، وحولت وجهها عني.
وحكى عبد الصمد بن علي الهاشمي قال: بينما أنا نائم في الحِجْر؛ إذ سمعت نشيجاً، وبكاء خفيَّا،
خلف ستر، وقائلا يقول:
عَفَا اللَُّّهُ عمَّن يَحْفظ العهد جَهْدَهُ ... ولا كان عفو اللَّه للنَّاقِضِ العَهْدِ
ضنيتُ وهاج الحزنُ والدَّمعُ سره ... فغاضَ لهُ صَبْري وقاض له وَجْدِي
قال: فرفعت الستر؛ فإذا بامرأة مسفرة، كأنها فلقة قمر، أو شمس طالعة، تجلت عنها غمامة. فقلت:
يا هذه! لو سألت الله ﵎ الجنة مع هذا التضرع، والبكاء ما حرمك. وهذا وجهك الحسن،
لاتسترينه، فسترته، وقالت: سبحان من خلق فسوّى، ويعلم السر والنجوى. وأنا والله فقيرة إلى رحمة
ربي، والجمع بيني وبين حبي. وقد سألت الله كلا الأمرين، رجاء فضله، واتكالا على عفوه وطوله،
وولت عني، فراعني، والله، قولها حتى استعذت بالله من الشيطان الرجيم.
وحكى أبو الفرج عن أحمد بن عبد الله بن عيسى، قال: خَرجَ قومٌ من
стр. 662
أصحابنا إلى (الشام)، فبينما هم يسيرون في بعض الطريق، في يوم شديد الحر؛ إذْ رفع لهم قصر. فقال بعضهم لبعض: لو ملنا
إلى هذا القصر، فَقِلْنَا بِفنائه حتى يذهب الحرّ. فَمِلْنَا إليه. فبينما نحن كذلك؛ إِذ انْفَرَجَ لنا باب القصر
عن مثل الغزال المروع، فنظرنا فإذا جارية، كأنها قضيب بان في كثيب. فقالت: مِمَّن القوم؟ فرماها
كل واحد منَّا بحدقته. وقلنا أصاميم من هاهنا. فقالت: هل فيكم أحد من (مكة)؟ فقلت: نعم. أنا رجل
من (بني مخزوم)، من أهلها، وسكانها. فأنشأت تقول:
يَا مَنْ يُسَائلُ عنَّا أينَ مَنْزِلُنا ... بِالأُقحوانة منا منزل قَمِنُ
إذْ نلبسُ العَيْش صفْواً مَا يكدره ... طعن الوشاة ولاينبوبنا زَمَنُ
وإِنَّ ذا القصر حقّاً مَا به وَطَني ... لكن مكة فيها الدارُ والوطن
ثم شهقت شهقة، فخرجت عجوز، فنضحت على وجهها الماء، وقالت: لك في كل يوم مثل هذا
مرات، والله للموت خير لك من الحياة على مثل هذا. فقلت للعجوز: ماقصة هذه الجارية؟ فقالت:
كانت، والله، لرجل من قريش، من أهل مكة فباعها، فهي لاتزال تحن إليه.
وحكي أن أبا بكر الصديق ﵁، مرّ بطريق في المدينة، فسمع
стр. 663
جارية تترنم، وتقول:
وَهَوِيته من قبل قطع تمائمي ... مُتَماشياً مِثْلَ القَضيب الناعِم
وكأَنَّ نورَ البدرِ غُرّةُ وجهه ... يَنْمي ويَصْعَد في ذؤابة هاشم
فدق عليها الباب، فخرجت فقال: وَيْلَكِ أَحُرّةٌ أم مَمْلوكة؟ قالت: يا خليفة رسول الله! مَمْلوكة. قال:
فَمَنْ هَويتِ؟ فبكَتْ، ثم قالت: يَا خليفة رسول الله! بِحقِّ القبر، إلا ما انصرَفْتَ عنِّي. قال: وَحَقهِ، لا
أرِيمُ أوْ تُعْلِميني، فبكَتْ وقالت:
وأنا التي لَعِبَ الغَرَامُ بقلبها ... فبَكَتْ لحبِّ محمد بن القاسِمِ
قال: ويلك ابْنِي أَرَدْتِ! فقالت: ومتى صرت هاشميا؟ قال. صدقت، والله. فصار إلى المسجد، وبعث
إلى مولاها، فاشتراها منه، وبعث بها إلى محمد بن القاسم ابن جعفر بن أبي طالب ﵃
وقال: هؤلاء، والله، فتن الرجال. وكم قد مات منهن من كريم، وعطف عليهن من سليم.
وحكى الضَّحاك قال: إِنِّي لَفِي الطَّواف، وقد مضى أكثر الليل، وإذا بامرأة كأنها الشمس طلعت، على
قضب غرس في كثيب، وهي تقول:
стр. 664
رأيتُ الهَوَى حُلْواً إِذاً اجْتَمَع الوَصْلُ ... وَمُرّاً على الهجران لاَ بَلْ هُوَ القَتْلُ
وقَدْ ذُقْتُ طِيبَه على القُربِ والنَّوى ... فَأَبعَدُهُ وَجْدٌ وَأَقْرَبُهُ خَبْلُ
وحكى مهاجر بن قبيصة قال: أني لأسير بين (العلياء) و (جرش) أريد الحج؛ إذ سمعت نشيجاً من
هودج، فدنوتُ فإذا بصوت شجي، وكلام خفي وامرأة تقول:
وَمَا غابَ شخصه ... غير أنني ... رأيت النوى قذَّافةً بِالتصبُّرِ
فإِن تجمع اللَّهمَّ بيني وبينهُ ... يَفُزْ بالهَوَى قَلبي ويفْرج منظرِي
فلا تُعْطِني في الحج يا ربِّ غيرهُ ... فَحَسْبي به منْ كلِّ شيءٍ مُقَدَّرِ
فقلت لها: يا هذه! سألتِ اللَّه عظيما، ومتى عهدكِ به؟ قالت: كنت قائماً قبيل، فدخل عليَّ من باب
الهودج فَلَثم وجهي، فانتبهت للثم، وهو مختلط بقلبي، فقلتُ لها: فَبِالذي يجمع بينك وبينه، أَلاَ أَريتني
الموضع الذي لثمه، فرفعت السَّجْف وأشارت إلى خالٍ في خَدها. فما خلته إلاّ عقرباً لدغت فواد.
فقلت لها جُعِلْتُ فداكِ! وقد جعلت ذلك وقفاً عليه، قالت: نعم، واللَّهِ إلى يوم التنادي.
стр. 665
وحكى أبو الفرج. قال: كان لفتًى من التجار جارية من أجمل الناس، وكان معجباً بها، فأنفق عليها
مَالَه كله، حتى قلّت ذات يده، وضعف حاله، فذكرت له ذلك ذات يوم، فقال: مابلغني قطُّ شيء إلا
والذي صرت إليه أعظم. فقالت: هل لك في خير عوض، قال وماذاك؟ قالت: تبيعني، وتنتفع بثمني؛
فإن أصبت خيراً، وصلتك وإن تكن الأخرى، فقد أصبت مني عوضاً. قال: فعرضها على عبد الله بن
جعفر، فلما نظر إليها، أعجب بها، فقال: بكم هي؟ فقال: ما أدري؟ ولكن اَعْطِ فيها ما شئت. فأعطاه
مائة ألف درهم. فلما أخذ المال، نظر إلى الجارية، وجعل يقول:
وَلَوْلاَ قُعُودُ الدَّهرِ بي عنك لَمْ يكُنْ ... يُفَرِّقُنَا شيءٌ سِوى الموت فَاعْذُرِي
عَليكِ سَلاَمُ اللَّه لاَوَصل بَيْنَنَا ... وَلاَ زَوْرَ إِلاَّ أَنْ يشاءَ ابنُ جَعْفَرِ
فلما سمع عبد الله بن جعفر قوله، رق له، وقال: يا فتى! هي لك والمال، بارك الله لك فيهما. فانطلق
الفتى بالجارية والمال.
وحكى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: كان بالكوفة رجل يدعى ليث بن زياد، وكانت له
جارية، قَدْرَبَّاها، وأحسن أدبها، فخرجت فائقة في كل فن، مع كمال الجمال، فبقى معها مدة طويلة،
حتى ضعفت حاله، وقلّ ما بيده، فتبينت الجارية منه الاقلال. فقالت: يا مولاي! لو بعتني، كان أصلح
لك مما أراك فيه؛ وإن كنت أظن أني لا أصبر عنكَ. فَقَصَد رجلاً من النهيكيين يعرفها، ويعرف
فضلها، وباعها منه بمائة ألف درهم. فلما قبض المال، ووجه بها إلى النهيكي جزع عليها جزعاً
شديداً، فلما استقرت الجارية عند النهيكي
стр. 666
نزل بها من الوجد بمولاها، مالم تستطع دفعه ولا كتمانه، فباحت به، وأنشأت تقول:
أَتاني الَبَلاَ حَقّاً فَمَا أَنَا صَانِعُ ... أَمُصْطَبِرٌ لِلْبَيْنِ أَمْ أَنَا جَازِعُ
كَفَى حَزَناً أنِّي عَلَى حَرِّ جَمْرَةٍ ... آُقَاسِي نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَلْبُ نَازِعُ
فَإِنْ تَمْنَعُوني أَنْ أَمُوتَ بِحُبِّه ... فَإِنِّي قَتِيلٌ، وَالعُيُونُ هَوَامِعُ
فلما سمع النهيكي شعرها دعابها، وأرادها، فامتنعت منه، وقالت له: ياسيدي إنك لاتنتفع بي. فقال
لها: ولمَ ذلك؟ قالت: لما بي. فقال: وما بك، صفيه لي. قالت أجد في كبدي نيراناً تتوقد، لايقدر على
إطفائها أحدٌ. فلا تسأل عما وراء ذلك. فرحمها ورقّ لها، وبعث بها إلى مولاها، وسأله عن خبره،
فوجد عنده مثل الذي عندها، فرد عليه الجارية، ووهب له من ثمنها خمسين ألفاً، ولم تزل عنده حتى
مات.
وحكى محمد بن عبيد، قال: كانت عندي جارية، وكنتُ أُحِبُّها فَبِعْتُها، فَتَبِعَتْهَا نَفْسِي، فصرت إلى
مولاها مع جماعة من إِخوانه، فسألته أن يُنيلَني، وأزيده خمسين ديناراً، فأبى عليّ، فانصرفت من
عنده، وفي قَلْبِي منها مَا لاَ أقدر أَنْ أَصِفه، فَرُمْتُ الصَّبْرَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عليه، فبت ساهراً لا أدري ما
أَصْطَنع؟ فلما اشتدَّ ما بي من الجهد، وكتبت اسمها في يدي، واستقبلت القبلة، فكلَّما طرقني طارق من
ذكرها، رفعت يديَّ إلي السماء وقلت: يا مولاي! هذه قصتي. فلما كان في السحر من اليوم الثاني، إذا
برجل يضرب عليَّ الباب، فقلت: مَنْ هذا؟ فقال: أنا مولى الجارية، فخرجت إليه. فقال لي: خذ
الجارية، بارك الله لك
стр. 667
فيها. فقلت له: خذ دنانيرك والرِّبح. فقال: ما كنتُ لآخذ ديناراً ولا درهماً،
فقلت: ولم ذلك؟ قال: لأني أتاني البارحة آتٍ في منامي. فقال لي: ردَّ الجارية على ابن عبيد، ولك
على اللَّه الجنَّة، قال ابن عبيد: فأنشدته عند ذلك:
لَوْ تَرَاني وقَد هَدَتْ كلُّ عَيْن ... وَدُمْوعي تجري على الخدَّين
ربِّ ياسيدي بِفَضْلكَ والقُدْ ... رَة يَسِّرْ وِصَالَ قُرَّة عَيْني
وحكى أبو الفرج، قال:
كان للحسن بن رجاء جارية رائعة الجمال، فائقة الكمال، فعلم بها المعتز باللَّه، فأخذها منه، وكان
الحسن يحبها حبّاً شديداً وتحبه، فشرب معها المعتز ذات ليلة، فسكر قبلها، وبقيت وحدها جالسة، ولم
تبرح من المجلس هيبة منه، فتذكرت ما كانت فيه، فأخذت العود، وغنت عليه، بصوت حزين، عن
قلب قريح:
لاَ كانَ يَومُ الفراق يوماً ... لم يُبْقِ للمقلتين نَوْمَا
شَتَّتَ مني ومنك شَملاً ... فَسَرَّ قَوماً وسَاءَ قَوْمَا
يا قومِ مالي ووجد قلب ... يَسُومُنِي في العذاب سَوْمَا
مَالاَمَني النَّاسُ فيه إِلاّ ... بَكِيتُ كَيما أُزَادَ لَوْمَا
فلما فرغت من صوتها، رفع المعتز رأسه إليها، والدمع يتحدّر على خدّها، كالفريد انقطع سِلكه،
فسألها عن الخبر، وحلفها أن يُبلغها أملها، فأعلمته الخبر، فردها إلى الحسن، وأحسن إليه، وألحقه في
ندمائه.
стр. 668
وحكى حماد بن إسحاق الموصلي، عن ابراهيم ابن المهدي، أنه قال: حججت مرة مع الرشيد، فبينما
نحن في الطريق، وقد انفردت وحدي، وأنا أسير على دابتي، إذ غلبتني عيناي، فخرجت بي الدابة
عن الطريق، فانتبهت بعد حين، وأنا على غير الجادة. واشتد عليَّ الحر، وعطشت عطشا شديداً،
فبعد ذلك ارتفع لي خيال، فعمدت إليه، فإذا بقبة، وتحتها بئر، وذلك بين (مكة) و (المدينة)، ولم أربها
انسانا، فاطلعت في القبة؛ فإذا أنا بأسود نائم، فلما أحسّ بي، فتح عينيه واستوى جالساً، فرأيت أسود
عظيم الصورة، راعتني هيئته. فقلت يا أسود! اسقني من هذا الماء. فال: يا أسود! اسقني من هذا
الماء، محاكيا لي. وقال: ان كنت عطشان، فانزل فاشرب. وكان تحتي برذونٌ خبيث، نفور، فخشيت
أن أنزل عليه، فينفر، فضربت رأسه، وما نفعني الغناء قط، أكثر مما نفعني ذلك اليوم، وذلك أني
رفعت صوتي، وغنيت:
كفنوني إِنْ مِتُّ في دِرْعٍ أَرْوَى ... واستقوالي مِنْ بِئْر عروةَ مَائي
فَلَها مربع بجنب أجاج ... وصيف بالقَصر قَصر قُبَاءِ
سُخنة في الشتاء بَاردة في الصْ ... صَيْف بَدْرٌ في الليْلة الظلماءِ
فرفع الأسود رأسه، وقال: أَيُّمَا أَحَبُّ اليك، أسقيك ماء وحده، أو مَاءً وَسَوِيقا؟ قلت: الماء والسَّوِيق،
فاخرج قَعْساً له، فصب السَّوِيق في القدح، وسقاني، وأقبل يضرب بيديه على رأسه، وصدره،
ويقول: واحَرَّ صَدْرَاه! وَانَارَاه! اللهب في فؤاداه. يا مولاي! زدني. وأنا أزيده، وأشرب السَّويق. ثم
стр. 669
قال لي: يامولاي! إِنَّ بَيْنَك، وبين الطّريق أميالاً، ولستُ أَشُكّ أنك تَعْطَش، ولكن أملأ قربتي هذه،
وأحملها قدامك. فقلت: افعل. فملأ قربته، ورفعها الي، وصار قدامي يمشي، وهو يَخْجَلُ في مِشْيته،
غير خارج عن الايقاع. فإذا أمسكت لأستريح، أقبل علي فيقول: يامولاي! أَعَطِشتَ؟
فأغنيه، حتى أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سِرْ رَعَاكَ اللَّه، ولا سَلَبك، فأكساك من هذه النِّعم، بكلام
أعجمي معناه هذا الدعاء. فلحقت بالرفقة، والرشيد قد بثَّ الخيل يطلبونني، حين فقدني. فَبُشِّر بي
حين رأوني؛ فلما أتيته، قَصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال: عليّ بالأسود. فما كان إلاّ هنيهة، حتَّ مَثُلَ بين
يديه، فقال له: وَيْلَكَ، ما حَزَّ في صدرك؟ فقال: يا مولاي مَيْمُونه. قال: ومن ميمونه؟ قال: بنت
حبشية. قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال. فأمر من يستفهمه؛ فإذا الأسود، عبد لبني جعفر الطيار
وإذا السوداء التي يهواها، لقوم من بني الحسن بن علي رضوان الله عليهم. فأمر الرشيد عند ذلك
بابتياعها له؛ فأبى مواليها أن يقبلوا ثمنا، ووهبوها للرشيد فاشترى الأسود، وأعتقه، وزوّجه منها،
ووهب له من ماله (بالمدينة) حديقتين، وثلاث مائة دينار.
وحكى أبو الفرج عن حماد الراوية، قال: خرجت في بعض الطرق، أريد (البصرة)؛ فبينما أسير، إذ
لقيت غلاماً يرعى إبلاً، وهو يتغنّى ويقول:
أَلاَ لِلَّهِ قَلبي كَيْفَ يَصْبُو ... بِخَودٍ لاتريدُ له ثَوَابا
أُحِبُّ وَمَا أُحِبُّ سِوَى كريمٍ ... لَهُ أصْلاَن قَدْ فَرعا وَطَابا
وقَدْ زَعَمَتْ لُبَانة أَنَّ رأسي ... تَغَيّر لَوْنُه مِنْه وَشَابَا
стр. 670
لُبَانَةُ هَجْرُكُمْ أَبْلَى فؤادي ... وَمن يَبْلُ الهوى فقد اسْتَرابَا
قال: فوقفت عليه، وقلت: أَعِدْ عليّ ما قلت. فقال امض راشداً، واستعذ بالله. فقلت: وممّ استعيذ.
قال: مِنْ هَجْرِ محبوب، أو قِلَّة نَصِيب. قلت: ويحك! وَإِنك لَتَعشق. فقال: أَهْلُ العِشق كِرَام، وأهلُ
السُّلُوّ لِئَام. قلت: فلمن هذا الشعر؟ فقال: هو لي. قلت: فمن لُبَانة؟ قال: جارية لبعض أهلي، كلفت بها
زمناً، وأخذت منها أماناً. فأبى المقدار؛ وشط المزار، وتباعد الجوار. ياشيخ! هل لك في القِرى. قلت:
نعم، على اسم الله . فأتاني بِوَطْبِ فيه لبن، فشربت منه، وترنمت وقلت:
وإني لأهواها وأهوى لقاءَها ... كما يشتهي الصادي الشرابَ المُبردَا
عَلاقَةُ حبِّ لجَّ في سَنَنِ الصّبا ... فَأُبْلَى وما يزداد إلاَّ تَجَدُّدَا
اذا أنت لم تعشق ولَم تَدْر ما الهوى ... فَكُنْ حَجَراً مِنْ يَابس الصَّخْرِ جَلْمَدَا
قال فبكى ثم قال:
وَلَوْ أَنَّ مَابِي بِالحَصَى فَلَقَ الحَصَى ... وبالرِّيحِ لَمْ يُسْمَعْ لَهنَّ هُبُوبُ
وَلَوْ أَنّنى أَسْتَغْفِر اللَّهَ كُلَّما ... ذَكَرْتُكِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيَّ ذُنُوبُ
قال: فوعدته، ثم انصرفت عنه.
وحكى أبو بكر الصولي، قال: رأيتُ رجلا من أهل الأدب، قد ذهل
следующие страницы →