← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

النبي ﵇ أنه أمر بالإسفار كما مَرَّ ذكره، وقد قلنا أيضًا: إن صلاته ﵇ في الغلس لا يدل على الأفضلية حتى يقال لا يأمر بأن تصلى صلاة في وقت يصليها في غيره. وأما حديث (١): "أول الوقت، رضوان الله، وآخره عفو الله" فالمراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢) أي الفضل، فكان معنى الحديث -والله أعلم-: أن من أدى الصلاة في أول الوقت فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه، لامتثاله أمره وأدائه ما وجب عليه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك. وأما حديث (٣): "سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها" فمعناه أداء الصلوات في أول وقتها أفضل الأعمال، وذكر "أول" ها هنا لأجل الحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا فالذي يؤديها في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله، فعُلم أن المراد من ذكر الأول الحث والتأكيد في المنع عن الكسل في آدائها وتأخيرها عن وقتها إلى خروجها عنه، لا أن الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع، فحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول. وأما قوله: وقد قال الشافعي في حديث رافع ... إلى آخره، يرده ويبطل تأويله

стр. 1472

ما رواه ابن أبي شيبة (١)، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي (٢) في مسانيدهم والطبراني في "معجمه" (٣). فقال الطيالسي (٣): ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني. وقال الباقون: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، ثنا هُرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، سمعت جدي رافع بن خديج يقول: قال رسول الله ﵇ لبلال: "يا بلال، نوِّر صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار". ورواه بن أبي حاتم في "علله" (٤) فقال: ثنا هارون بن معروف وغيره، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان، عن هُرَير به. قال: ورواه أبو نعيم، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، عن هُرَير به. ورواه ابن عدي أيضًا في "الكامل" (٥): عن أبي إسماعيل المؤدب، وأسند عن ابن معين أنه قال: أبو إسماعيل المؤدب ضعيف. قال ابن عدي: ولم أجد في تضعيفه غير هذا، وله أحاديث غرائب حسان تدل على أنه من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه. وحديث آخر يبطل ما قالوا، رواه الإمام (أبو القاسم القاسم بن ثابت) (٦) السَّرَقُسْطي في كتاب "غريب الحديث": حدثنا موسى بن هارون، ثنا محمد بن الأعلى، ثنا المعتمر، سمعت يبانًا، أنا سعيد، قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول:

стр. 1473

"كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح حين يفسح البصر" انتهى. قال: يقال: فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به إسفار الصبح، فحينئذ تأويلهم معنى الإسفار أن يظهر الفجر ويتبين حتى لا يُشَك فيه غير صحيح؛ لأن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة. فإن قيل: قد قيل: إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة؛ لأن الصبح لا يتبين فيما جدًّا فأمرهم بزيادة التبيّن استظهارًا باليقين في الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مخ ﷺ وهو باطل. ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة (١): عن إبراهيم النخعي: "ما اجتمع أصحاب محمد ﵇ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر". ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا زهير بن عباد، قال: ثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي ﵇ قالوا: قال النبي ﵇: "أصبحوا بصلاة الصبح، فما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر". وحدثنا محمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي ﵇ قالوا: قال رسول الله ﵇: "أصبحوا بالصبح. فكلما أصبحتم بها فإنه أعظم للأجر". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن زهير بن عباد الرؤاسي قال الدراقطني: مجهول.

стр. 1474

قلت: هو ابن عم وكيع بن الجراح كوفي نزل مصر، وحدث عن مالك وحفص بن ميسرة وجماعة، وعنه الحسن بن سفيان وأبو حاتم الرازي وروح بن الفرج وغيرهم، ووثقه جماعة. عن حفص بن ميسرة العقيلي أبي عمر الصنعاني نزيل عسقلان روى له البخاري ومسلم والنسائي ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (١): من حديث زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن رجال من قومه من الأنصار، أن النبي ﵇ قال: "ما أصبحتم بالصبح فهو أعظم للأجر". الثاني: عن محمد بن هشام هو محمد بن حميد بن هشام الرُّعَيْني، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد. قوله: "أصبحوا" أمر من الإصباح وهو الإسفار والتنوير. ص: وحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا أيوب بن سيّار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر الصديق، عن بلال ﵃ عن النبي ﵇، مثله. ش: أخرج الطبراني (٢) نحوه: ثنا عبد الرحمن بن سالم الرازي، ثنا الهيثم بن اليمان، ثنا أيوب بن سيّار، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال ﵃ قال: قال النبي ﷺ : "يا بلال، أصبحوا بالصبح؛ فإنه خير لكم". وأخرجه البزار في "مسنده" (٣) من حديث جابر عن بلال: ثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: ثنا شبابة بن سوّار، قال: ثنا أيوب بن سيَّار، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن بلال، عن النبي ﵇: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال:

стр. 1475

أيوب ليس بالقوي، وقال ابن الجوزي: أيوب بن سيّار أبو سيّار الزهري المدني نزل فيد فعرف بالفيدي يروي عن ابن المنكدر، قال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن المدني: ضعيف جدًا. وقال يحيى مرة: كذاب. قلت: قال ابن عدي: أظنه مدنيًّا وليست أحاديثه بالمنكرة جدًّا إلا أن الضعف يتبين على رواياته. ولعله عند الطحاوي مَرْضي؛ ولهذا أخرج حديثه في معرض الاستدلال، أو يكون زيادة وتأكيدًا؛ لأن في الباب أحاديث صحيحة كثيرة. فافهم. وهذا كما قد رأيت أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن رافع بن خديج، وعن رجال من الأنصار من الصحابة، وبلال ﵃ وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي برزة الأسلمي وجابر وبلال. قلت: وفي الباب عن قتادة بن النعمان وابن مسعود وأبي هريرة ومحمود بن لبيد وأنس بن مالك وأبي الدرداء وحواء الأنصارية فحديث أبي برزة وجابر وبلال قد ذكر. وحديث قتادة عند البزار والطبراني في "الكبير" من حديث فليح بن سليمان، ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجركم- أو للأجر". ورجاله ثقات. وحديث ابن مسعود عند الطبراني (١): ثنا أحمد بن أبي يحيى الحضرمي، ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي، ثنا المعلى بن عبد الرحمن، ثنا سفيان الثوري وشعبة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا نحوه. وحديث أبي هريرة عند ابن حبان في كتاب "الضعفاء" (٢): من حديث سعيد بن أوس، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا، نحوه.

стр. 1476

وروى البزار في "مسنده" والطبراني في "معجمه" (١) بإسنادهما: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بصلاة الفجر". وفيه حفص بن سليمان ضعفه ابن معين والبخاري وأبو حاتم وابن حبان ووثقه أحمد في رواية، وضعفه في أخرى. وحديث محمود بن لبيد عند أحمد في "مسنده" (٢): ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن النبي ﵇ أنه قال: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". وعبد الرحمن بن زيد ضعيف. وحديث أنس بن مالك عند البزار: ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي، ثنا خالد بن مخلد، ثنا يزيد بن عبد الملك، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵇: "اسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر أو أعظم لأجركم". ويزيد بن عبد الملك ضعفه البخاري وأحمد والنسائي وابن عدي، ووثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى. وحديث أبي الدرداء عند أبي إسحاق (٣) إبراهيم بن محمد بن عُبيد: ثنا أبو زرعة، نا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا محمد بن شعيب، سمعت سعيد بن سنان يحدث، عن أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبي ﵇ قال: "أسفروا بالفجر تفقهوا". وحديث حواء الأنصارية عند الطبراني في "الكبير" (٤): ثنا أحمد بن محمد الجمحي، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم،

стр. 1477

عن ابن بجيد الحارثي، عن جدته حواء الأنصارية -وكانت من المبايعات- قالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر". وإسحاق بن إبراهيم الحنيني ضعفه النسائي وغيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، والحنيني بضم الحاء، وبعدها نون، ثم ياء آخر الحروف، ثم نون. وابن بُجَيْد بضم الباء الموحدة، وفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وجدته حواء بنت زيد بن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن. ص: قال أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار الأخبار عن موضع الفضل، وأنه التنوير بالفجر، وفي الآثار الأول التي في الفصلين الأولين الإخبار عن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ﵇ أي وقت هو، فقد يجوز أن يكون كان رسول الله ﵇ مرة يغلس، ومرة يسفر على التوسعة، والأفضل من ذلك ما بينه في حديث رافع حتى لا تتضاد الآثار في شيء من ذلك، فهذا وجه ما روي عن النبي ﵇ في هذا الباب. ش: أراد بهذه الآثار: التي رويت عن رافع بن خديج، وعن رجال من الأنصار من الصحابة، وعن بلال ﵃ التي فيها الأمر بالإسفار. قوله: "الإخبار" بكسر الهمزة. قوله: "وأنه التنوير" بيان لقوله: "عن موضع الفضل". قوله: "التي في الفصلين الأولين" أراد بالفصلين فصل أحاديث أهل المقالة الأولى التي فيها الإخبار بالتغليس وفصل أحاديث أهل المقالة الثانية التي فيها الإخبار عن الإسفار؛ فإن كلاًّ من أحاديث الفصلين لا يدل إلا على الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ﵇ أي وقت هو، فليس فيها دليل على أفضلية أحدهما؛ لأنه يجوز أن يفعل أحدهما مع كون الآخر أفضل منه؛ توسعة على أمته، كما ذكرناه فيما مضى. وأما بيان الأفضل من الفعلين ففي حديث رافع بن خديج؛ لأنه نص عليه بالأمر، وقد ذكرناه مستقصى، فبهذا التوجيه يرتفع التضاد بين أحاديث الفصلين المذكورين، فافهم.

стр. 1478

ص: وأما ما روي عمن بعده في ذلك: فإن محمد بن خزيمة قد حدثنا، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصور بن المعتمر يحدث، عن إبراهيم النخعي، عن حبان بن الحارث قال: "تسحرنا مع علي بن أبي طالب ﵁ فلما فرغ من السحور أمر المؤذن فأقام الصلاة". قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث أن عليًّا ﵁ دخل في الصلاة عند طلوع الفجر، وليس في ذلك دليل على وقت خروجه منها أي وقت كان؟ فقد يحتمل أن يكون أطال فيها القراءة فأدرك التغليس والتنوير جميعًا، وذلك عندنا حسن. ش: أي أما الآثار التي رويت عن من بعد النبي ﵇ في الباب المتنازع فيه، فإن من جملة ما روي في ذلك: أثر على بن أبي طالب ﵁ فإنه يدل على أنه غلس، فاستدل به أهل المقالة الأولى وقالوا: لو لم يكن التغليس أفضل لما بادر علي ﵁ إلى إقامة الصلاة من بعد فراغه من السحور، فأجاب الطحاوي عن ذلك بقوله: "قال أبو جعفر ... " إلى آخره، وهو ظاهر. ورجال هذا الأثر ثقات. حِبَّان -بكسر الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن الحارث أبو عقيل الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا جرير، عن منصور، عن شبيب بن غرقدة، عن أبي عَقِيل قال: "تسحرت مع علي ﵃ ثم أمر المؤذن أن يقيم". وأخرجه البيهقي (٢): ثنا أبو زكرياء وأبو بكر وأبو سعيد، قالوا: ثنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: قال الشافعي: أنا ابن عينية -وفي رواية

стр. 1479

أبي سعيد- عن ابن عُينية، عن شبيب بن غرقدة، عن حبان بن الحارث قال: "أتيت عليًّا ﵁ وهو معسكر بِدَيْر أبي موسى، فوجدته يطعم، فقال: ادن فكل، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريده، فدنوت فأكلت، فلما فرغ قال: يا ابن التياح، أقم الصلاة". ص: فأردنا أن ننظر هل روي عنه ما يدل على شيء من ذلك؛ فإذا أبو بشر الرفي قد حدثنا، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه قال: "كان علي بن أبي طالب ﵁ يصلي بنا الفجر، ونحن نتراءى الشمس مخافة أن تكون قد طلعت". فهذا الحديث يخبر عن إنصرافه أنه كان في حال التنوير، فدل ذلك على ما ذكرنا. ش: لما أول ما روي عن علي ﵁ من الأثر المذكور بالتأويل المذكور، أتى بأثر آخر روي عنه يدل على صحة ما ذكره من التأويل؛ لأنه كان يخبر فيه أنه كان ينصرف عن صلاته في حال التنوير، فإذن لا يتم استدلال أهل المقالة الأولى بالأثر المذكور، بل يكون هو دليلًا لنا عليهم على ما لا يخفى، وعندي جواب آخر فتح لي من الأنوار الإلهية، وهو أن إقامة علي ﵁ الصلاة بعد فراغه من السحور لم يكن لأجل أن التغليس أفضل عنده، وإنما كانت لكونه مشغولًا بأمر العسكر لمصالح العباد، فاستعجل في إقامة الصلاة في أول وقتها ليتفرغ إلى أشغاله، والدليل عليه: رواية البيهقي: "أتيت عليًّا وهو يعسكر بِدَيْر أبي موسى" فكان علي على السفر وتجهيز العسكر، وكان تغليسه لذلك، وكان ربما لو أخر إلى الإسفار لضاعت مصالح المسلمين، ورعاية مصالح المسلمين أولى بل أوجب من رعاية الوقت المستحب، فافهم. وأبو بشر الرقي اسمه عبد الملك بن مروان وقد تكرر ذكره. وشجاع بن الوليد بن قيس السكوني روى له الجماعة، وداود بن يزيد الأودي الزعافري أبو يزيد الكوفي الأعرج، عمّ عبد الله بن إدريس، فيه مقال، فضعفه أحمد ويحيى، وروى له الترمذي وابن ماجه.

стр. 1480

وأبوه يزيد بن عبد الرحمن الأودي جد عبد الله بن إدريس، وثقه ابن حبان. وأخرجه بن جرير الطبري: من حديث داود بن يزيد الأودي، عن أبيه قال: "كان علي ﵁ يصلي بنا الفجر ونحن نتوقى الشمس مخافة أن تكون قد طلعت". ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك الأمر بالإسفار، كما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن عُبيد، عن علي بن ربيعة، قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: يا قنبَرْ أسفر أسفر". وكما حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا سيف بن هارون البرجمي، عن عبد الملك بن سَلع الهمداني، عن عبد خير قال: "كان علي ﵁ ينور بالفجر أحيانًا، ويغلس بها أحيانًا". قال أبو جعفر ﵀: فيحتمل تغليسه بها أن يكون تغليسًا يدرك به الإسفار. ش: أي وقد روي عن علي ﵁ أيضًا في الإسفار: الأمر به، وروي عنه أيضًا أنه كان تارة يسفر، وتارة يغلس، فتغليسه يحتمل أن يكون تغليسًا يدرك به الإسفار، وبهذا يحصل التوفيق بين أمره بالإسفار وبين تغليسه بنفسه وإسفاره بنفسه أيضًا، فافهم. فالأول: أخرجه عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن سعيد بن عبيد الطائي أبي الهزيل الكوفي، عن علي بن ربيعة الوالبي أبي المغيرة الكوفي. وهذا إسناد صحيح؛ لأن رواته ثقات. وأخرجه ابن جرير الطبري. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثورى، عن سعيد بن عبيد، عن

стр. 1481

علي بن ربيعة، قال: "سمعت عليًّا ﵁ يقول لمؤذنه: أسفر أسفر يعني صلاة الصبح". وقُنْبر -بضم القاف، وسكون النون، وفتح الباء الموحدة، وقيل: بفتح القاف، وقيل: بضم القاف والباء أيضًا -وهو مولى علي بن أبي طالب، ويقال: كان (كرديًا) (١). والثاني: أخرجه عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن محمد بن سعيد بن سليمان الأصبهاني شيخ البخاري، عن سيف بن هارون البرجمي أبي الورقاء الكوفي، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بذاك، وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. وزاد الدارقطني: متروك. روى له الترمذي وابن ماجه. والبُرْجمي -بضم الباء الموحدة وسكون الراء، وضم الجيم- نسبة إلى أحد البراجم وهم قيس وكلفة وغالب وعمرو، أولاد حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وأكثر أهل الحديث يفتحون الباء. عن عبد الملك بن سَلع الهمداني الكوفي، وثقه ابن حبان وقال: كان ممن يخطئ، ونسبته إلى هَمْدان -بسكون الميم- قبيلة كبيرة. عن عبد خير بن يزيد الهمداني أبي عمارة الكوفي، مخضرم، وثقه العجلي وابن معين. قوله: "قال أبو جعفر:" قد ذكرنا فحوى ما قاله، وعندي جواب آخر في هذا، وهو: أنه إنما كان ينور أحيانا عند فراغه من الاشتغال بأمور الناس فيسفر؛ طلبًا لفضيلة الوقت المستحب التي حث عليها ﵇ بأمره وفعله، وكان يغلس أحيانًا لاشتغاله بأمور الناس مثل تجهيز العساكر أو السفر إلى ناحية، ونحو ذلك، وكان يغلس عند مثل ذلك لئلا يفوت مصالح العباد.

стр. 1482

ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ مثل ذلك: كما حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن خرشة بن الحر قال: "كان عمر ﵁ ينور بالفجر، ويغلس، ويصلي فيما بين ذلك، ويقرأ سورة يوسف ويونس، وقصار المثاني والمفصل". ش: أي مثل ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ روي عن عمر ﵁ في الإسفار والتغليس معًا. أخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الكوفى المقرئ، عن أبي حَصين -بفتح الحاء- اسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، عن خرشة -بفتح الخاء المعجمة، وفتح الراء والشين المعجمة- بن حُرٍّ الفزاري مختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في التابعين. وأخرجه عبد الرزاق (١) بدون ذكر القراءة: عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن خرشة بن الحر قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ يغلس بصلاة الصبح ويسفر، ويصليها بين ذلك" انتهى. معناه أنه تارة كان يسفر بالفجر، وتارة كان يغلس، وتارة كان يصلي بين التغليس والإسفار. قوله: "وقصار المثاني" أراد بالمثاني السور التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصَّل كأن المئين جعلت مبادئ والتي تليها مثاني. قوله: "والمفصل" عطف على قوله: "المثاني" أي فقرأ قصار المفصل، والمفصل السبع السابع؛ سمي به لكثرة فصوله، وهو من سورة "محمد" -وقيل: من "الفتح" وقيل: من "قاف"- إلى آخر القرآن، وقصار المفصل مِنْ "لم يكن" إلى

стр. 1483

آخر القرآن، وأوساطه من "والسماء ذات البروج" إلى، "لم يكن" وطواله من سورة "محمد" أو من "الفتح" إلى "والسماء ذات البروج". ص: وقد رويت عنه آثار متواترة تدل على أنه قد كان ينصرف من صلاته مسفرًا: كما قد حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سمع عبد الله بن عامر يقول: "صلينا وراء عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الصبح فقرأ فيها بسورة يوسف وسورة الحج، قراءة بطيئة، فقلت: والله إذًا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر، قال: أجل". وحدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني محمد بن يوسف، قال: سمعت السائب بن يزيد، قال: "صليت خلف عمر ﵁ الصبح، فقرأ بالبقرة، فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت. فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن زيد بن وهب، قال: صلى بنا عمر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ ببني إسرائيل والكهف، حتى جعلت أنظر إلى جدر المسجد هل طلعت الشمس؟ ". وحدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا مسعر، قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهبا قال: "قرأ عمر ﵁ في صلاة الصبح بالكهف وبني إسرائيل". وحدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عامر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ في الصبح بسورة الكهف وسورة يوسف". وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا بُديل بن ميسرة، عن عبد اللهَ بن شقيق، قال: "صلى بنا الأحنف بن قيس

стр. 1484

صلاة الصبح بعاقول الكوفة، فقرأ في الركعة الأول "الكهف" وفي الثانية بسورة "يوسف" قال: وصلى بنا عمر ﵁ صلاة الصبح فقرأ بهما فيهما". وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ بمكه صلاة الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بيوسف حتى بلغ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١)، ثمِ ركع فقام، فقرأ في الثانية بالنجم فسجد ثم قام فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (٢) ورفع صوته بالقراءة، حتى لو كان في الوادي أحد لأسمعه". وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه: "أنه صلى مع عمر ﵁ الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بيوسف، وفي الثانية بالنجم فسجد". وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت الأعمش يحدث، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة قال: "صلى بنا عمر ﵁ ... " فذكرمثله. قال أبو جعفر ﵀: فلما روي ما ذكرنا عن عمر ﵁ في حديث عبد الله بن عامر، أن قراءته تلك كانت بطيئة لم يجز -والله أعلم- أن يكون دخوله فيها كان إلا بغلس، ولا خروجه منها كان إلا وقد أسفر إسفارًا شديدًا. ش: أي قد رويت عن عمر بن الخطاب ﵁ آثار متكاثرة، كلها تدل على أنه قد كان ينصرف من صلاته في الصبح في حالة الإسفار؛ وذلك لأن عبد الله بن عامر قد روي عنه أنه قرأ في الصبح بسورة "الكهف" وسورة "يوسف" وأن قراءته كانت بطيئة يعني كان يتأنى فيها ويترسل، ولا يتصور ذلك إلا أن يكون دخوله في

стр. 1485

الصلاة بغلس، وخروجه إلا بعد الإسفار الشديد؛ لأن قراءة هاتين السورتين مع التأني والتوقف يقتضي ساعة مديدة، وهذا ظاهر حسيًّا ولا يُنكر، فَعُلم من هذا كله أن الإسفار مطلوب مستحب؛ لأن عمر ﵁ ما كان يطول في القراءة إلا لينال هذه الفضيلة، ولأن فيه شغل كل الوقت بالعبادة، على أن الأصل أن يكون وقت كل صلاة مشغولًا بصلاته، وأن يشرع المصلي فيها من أوله ويمدها إلى آخره، ولكن الله تعالى رخص لعَبيدِه رحمةً عليهم، أن يصلوا كل صلاة في وقتها في أي جزء كان من ساعاتها بعد أن يُجانبوا التفويت والتفريط. ثم إنه أخرج الآثار المذكورة من تسع طرق صحاح، رجالها كلهم ثقات: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ﵁ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزي -بفتح العين، وسكون النون- مات رسول الله ﵇ وعمره خمس سنين، وروى عنه ﵇. وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن هشام بن عروة ... إلى آخره نحوه سواء. وقال مسلم (٢): أصحاب هشام بن عروة كلهم يروون هذا الحديث عن هشام بن عروة، قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "صليت خلف عمر ﵁" ولم يقولوا: عن أبيه، كذلك رواه أبو أسامه وحاتم بن إسماعيل ووكيع ابن الجرح، عن هشام بن عروة، وهو الصواب عندي؛ لأنهم جماعة حفاظ. قوله: "فقلت" قائله عروة بن الزبير، وعلى قول مسلم قائله هشام بن عروة. قوله: "لقد كان يقوم حين يطلع الفجر" أي لقد كان عمر بن الخطاب يقوم إلى الصلاة من حين طلوع الفجر؛ وذلك لأن هذه القراءة الطويلة تقتضي وقتًا مديدًا ولا يكون ذلك إلا من حين طلوع الفجر إلى وقت الإسفار جدًّا.

стр. 1486

الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن محمد بن يوسف بن بنت السائب بن يزيد، من رجال "الصحيحين"، عن السائب بن يزيد بن سعد الأسدي، ويقال: الليثي، ويقال: الهذلي، الصحابي، له ولأبيه صحبة. قوله: "فقرأ بالبقرة" أي بالسورة التي تذكر فيها البقرة. قوله: "استشرفوا الشمس" أي حدَّقوا النظر إليها، وأصل الاستشراف أن تضع يدك على حاجبك، وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من الشرف والعلو. كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع، فيكون أكثر لإدراكه. قوله: "لو طلعت لم تجدنا غافلين" أي لو طلعت الشمس لم تجدنا في غفلة من العبادة، بل كانت تجدنا في العبادة والطاعة. كما جاء في رواية عبد الرزاق (١): "لو طلعت لألفتنا غير غافلين" وهذا يدل جزمًا أن عمر ﵁ كان يسفر بالصبح جدًّا بعد أن كان يشرع فيها بالغلس؛ لأن قراءة سورة البقرة تقتضي ساعة مديدة؛ لأنها مائتا آية وسبعة وثمانون آية، ولا سيما قراءة عمر ﵁ أنه كان يقرأ بالترسل والتأني والتفكر في معانيه والتدبر في ألفاظه المعجزة. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري أبي زيد الكوفي الزرَّاد، عن زيد بن وهب الجهني أبي سليمان الكوفي، رحل إلى النبي ﵇، فقبض وهو في الطريق. وهؤلاء كلهم من رجال الصحيحين وغيرهما ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه ابن جرير الطبرى، من حديث زيد بن وهب نحوه.

стр. 1487

الرابع: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مسعر بن كدام ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة فى "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب: "أن عمر ﵁ قرأ في الفجر "الكهف" و"بني إسرائيل". الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عامر، أن عمر بن الخطاب ﵁ ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: "سمعت عمر ﵁ يقرأ في الفجر بسورة يوسف قراءة بطيئة". وقد أسقط في رواية ابن أبي شيبة: عروة بن الزبير بين هشام، وعبد الله بن عامر، وهو الذي نص عليه مسلم أنه هو الصواب، كما ذكرناه عن قريب. السادس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي أبي عمرو القصاب البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن بُدَيْل بن ميسرة العقيلي البصري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري أنه قال: "صلى بنا الأحنف بن قيس بن معاوية التميمي أبي بحر البصري، والأحنف لقبه، واسمه: الضحاك. وقيل: صخر، أدرك حياة النبي ﵇ ولم يره. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن معتمر بن سليمان، عن الزبير بن خريت، عن عبد الله بن شقيق، عن الأحنف قال: "صليت خلف عمر ﵁ الغداة، فقرأ بيونس وهود ونحوهما".

стр. 1488

قوله: "بعاقول الكوفة" قال في "العُباب": دَيْر العاقول موضع بين المدائن والنعمانية والعاقول من النهر والوادي والرمل: المعوج، وعاقولى اسم الكوفة في التوراة. قوله: "بهما فيهما" أي بالكهف ويوسف، في ركعتي الفجر. السابع: عن روح بن الفرج، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن مرة بن عبد الله الكوفي الأعمى، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ... إلى آخره. وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح ما خلا روحًا. الثامن: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب، عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التيمي ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، عن عمر بن الخطاب: "أنه قرأ في الفجر بيوسف وركع، ثم قرأ في الثانية بالنجم فسجد، ثم قام فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (٢) ". التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم بن زيد الجهضمي، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين ابن سَبْرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال: "صليت خلف عمر ﵁ فقرأ في

стр. 1489

الركعة الأول بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد ثم قام فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (١) ثم ركع". ص: وكذلك كان يكتب إلى عماله: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن سيرين، عن المهاجر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى ﵁ أن صلى الفجر بسوادٍ -أو قال: بغلس- وأطل القراءة". وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن عون، عن محمد، عن المهاجر، عن عمر مثله. قال أبو جعفر ﵀: أفلا تراه يأمرهم أن يكون دخولهم فيها بغلس، وأن يطيلوا القراءة؟! فذلك عندنا إرادة منه أن يدركوا الإسفار. ش: أي مثل ما كان عمر ﵁ يفعل من الشروع في صلاة الصبح في الغلس، وتطويل القراءة إلى الإسفار الشديد، كان كذلك يكتب إلى عُمَّاله -بضم العين وتشديد الميم- جمع عامل، وأراد بهم نوابه في بلاد الإِسلام، وكان أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس من جملة نوابه، وكان عمر ﵁ استنابه على البصرة، واستعمله عثمان ﵁ على الكوفة، توفي بمكان يقال له: الثَّوِيَّة، على ميلين من الكوفة، سنة اثنين وخمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنه ثنتين وأربعين، وقيل: غير ذلك. وأخرج الأثر المذكور من طريقين حسنين جيدين. الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري، ونسبته إلى حوض داود بن المهدي بن المنصور، محلة ببغداد. عن يزيد بن إبراهيم التسترى البصري، عن محمد بن سيرين، عن المهاجر -غير

стр. 1490

منسوب- ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: لا أدري من هو، ولا ابن من هو. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أخبرني المهاجر قال: "قرأت كتاب عمر إلى أبي موسى ﵄ فيه مواقيت الصلوات، فلما انتهى إلى الفجر -أو قال: إلى الغداة- قال: قم فيها بسواد -أو بغلس- وأطل القراءة". قوله: "بسوادٍ" أراد به سواد الصبح بعد طلوع الفجر الثاني، وكذلك الغلس وقد مرَّ غير مرة، أن المراد منه: اختلاط ظلام الليل ببياض النهار. الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن محمد بن سيرين، عن المهاجر مثله. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن قتادة، عن أبي العالية، قال: "كتب عمر ﵁: أن صل الصبح إذا طلع الفجر والنجوم مشتبكة بغلس، وأطل القراءة". ص: وكذلك كل من روينا عنه في هذا شيئًا سوى عمر ﵁ قد كان ذهب إلى هذا المذهب أيضا. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: "صلى بنا أبو بكر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ بسورة إلى عمران، فقالوا: قد كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا ابن لهيعة، قال: ثنا عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: "صلى بنا

стр. 1491

أبو بكر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ بسورة البقرة في الركعتين جميعًا، فلما انصرف قال له عمر ﵁: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". قال أبو جعفر ﵀: فهذا أبو بكر ﵁ قد دخل فيها في وقت غير الإسفار، ثم مد القراءة فيها حتى خيف عليه طلوع الشمس، وهذا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ وبقرب عهدهم برسول الله ﵇ وبفعله، لا ينكر ذلك عليه منهم منكر؛ فدل ذلك على متابعتهم له، ثم فعل ذلك عمر ﵁ من بعده فلم ينكر عليه من حضره منهم؛ فثبت بذلك أن هكذا يفعل في صلاة الفجر، وأن ما علموا من فعل رسول الله ﵇ فغير مخالف لذلك. ش: أي كل من روينا عنه من الصحابة في هذا الباب سوى عمر ﵁ قد كانوا يذهبون إلى مذهب عمر ﵁ في شروعهم في صلاة الصبح في الغلس، ومدهم القراءة إلى الإسفار الشديد، قصدًا منهم لما قصده عمر ﵁. قوله: "حدثنا سليمان ... " إ إد آخره، بيان لما قبله، وأخرجه عن طريقين: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن أنس. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس: "أن أبا بكر ﵁ قرأ في صلاة الصبح بالبقرة، فقال له عمر ﵁ حين فرغ: كربت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". وأخرج عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: "صليت خلف أبي بكر، فاستفتح بسورة آل عمران، فقام إليه عمر فقال: يغفر الله لك، لقد كادت الشمس تطلع قبل أن تسلم، فقال: لو طلعت لألفتنا غير غافلين".

стр. 1492

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب السبائي المصري، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبَيْدي الصحابي، والزُّبَيدي -بضم الزاي وفتح الباء- نسبة إلى زُبَيْد الأكبر، وإليه ترجع قبائل زُبَيْد. قوله: "فهذا أبو بكر اقد دخل فيها -أي في صلاة الصبح ... " إلى آخره غني عن البيان. ص: فإن قال قائل: فما معنى قول ابن عمر ﵄: لمغيث بن سمي لما غلس ابن الزبير بالفجر: هذه صلاتنا مع رسول الله ﵇ ومع أبي بكر ومع عمر فلما قتل عمر أسفر بها عثمان ﵃؟ قيل له: يحتمل أن يكون أراد بذلك وقت الدخول فيها لا وقت الخروج منها حتى يتفق ذلك وما روينا قبله، ويكون قوله: "ثم أسفر بها عثمان" أي ليكون خروجهم في وقت يأمنون فيه، ولا يخافون فيه أن يغتالوا كما اغتيل عمر ﵁. ش: تقرير السؤال: أن قول ابن عمر ﵄ لمغيث حين غلس عبد الله بن الزبيرى ﵄: هذه صلاتنا مع رسول ﵇ ومع أبي بكر وعمر، وهذا يدل على أن النبي ﵇ ما كان يسفر، ولا أبو بكر من بعده، ولا عمر من بعدهما، وأن الإسفار لم يعمل به إلا عثمان ﵁ بعد أن طُعن عمر في صلاة الصبح؛ خوفًا من غفلة الاغتيال، وهذا ينافي ما ذكرتم. وتقرير الجواب: أن قول ابن عمر ﵄ ذلك محمول على أنه أراد به وقت الدخول في صلاة الفجر فقط، ولم يرد به وقت الخروج منها؛ إذ لو لم يكن المعنى على هذا يقع التضاد بين قول ابن عمر وبين ما روي عن غيره، فيما ذُكر في هذا الباب. فإذا حمل قوله على هذا المعنى تتفق الروايات ولا تتضاد، ومعنى قوله: "أسفر بها عثمان" أي أسفر ابتداءً وانتهاء؛ لأنه كان يخاف الغيلة من الأعداء كما اغتيل

стр. 1493

عمر ﵁ وكان يسفر من الأول بخلاف أبي بكر وعمر ﵄ فإنهما كانا يسفران بعد أن كانا يشرعان بغلس، فيكون كلهم متفقين في الخروج عنها في الإسفار، وهو المطلوب. ثم حديث مغيث بن سمي أخرجه الطحاوي في أول هذا الباب في حجج أهل المقالة الأولين. وأخرجه ابن ماجه (١) والبيهقي (٢) في سننيهما. ص: وقد روي عن عثمان ﵁ ما يدل أنه كان يدخل فيها بسواد؛ لإطالة القراءة فيها، كما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد وربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، أن الفرافصة بن عمير الحنفي أخبره قال: "ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان بن عفان إياها في الصبح، من كثرة ما كان يرددها". قال أبو جعفر: فهذا يدل أيضًا أنه قد كان يحذو فيها حذو من كان قبله من الدخول فيها بسواد، والخروج منها في حال الإسفار. ش: أي قد روي عن عثمان بن عفان ﵁ أيضًا ما يدل على أنه كان يشرع في صلاة الصبح بالغلس، ويطيل القراءة إلى الإسفار الشديد، كما كان أبو بكر وعمر يفعلانه، فهذا أيضًا يدل على أنه قد كان يحذو فيها أي في صلاة الصبح حَذْو من كان قبله من الصحابة من الدخول فيها بالغلس، والخروج منها في الإسفار، يقال: حَذَا فلانٌ حَذْو فلانٍ أي اقتدى به في طريقته، وكذلك احتذى به: أي اقتدى به، وأصله من حذوت النعل بالنعل حذوًا: إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها، يقال: حذو القذة بالقذة. وإسناد الأثر المذكور صحيح. ويحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، وربيعة

стр. 1494

هو المعروف بالرأي أحد مشايخ مالك وأبي حنيفة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق روى له الجماعة، والفرافصة بفائين وراء خفيفة، وصاد مهملة، إلا أنه عند المحدثين بفتح الفاء الاولى، وقال غيرهم: الفاء الأول مضمومة، وثقه ابن حبان. وأخرجه مالك في "موطأه" (١)، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) ولكن في روايته عن عمر موضع عثمان: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا عبد الله، قال: أخبرني ابن الفرافصة، عن أبيه قال: "تعلمت سورة يوسف خلف عمر ﵁ في الصبح". ص: وقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ ينصرف منها مسفرًا كما حدثنا فهد، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد: "أنه كان يصلي مع إمامهم في التيم فيقرأ بهم سورة من المائين، ثم يأتي عبد الله فيجده فى صلاة الفجر". وكما حدثنا أبو الدرداء هاشم بن محمد الأنصاري، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كنا نصلي مع ابن مسعود ﵁ فكان يسفر بصلاة الصبح". فقد عقلنا بهذا أن عبد الله كان يسفر، فعلمنا بذلك أن خروجه منها كان حينئذ، ولم يُذكر في هذه الأحاديث دخوله فيها في أى وقت كان؟ فذلك عندنا والله أعلم على مثل ما روي عن غيره من أصحابه. ش: أشار بهذا إلى أن عبد الله بن مسعود أيضًا كان يفعل كما كان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون من الانصراف عنها مسفرين، ولكن لم يتبين في ذلك دخوله في أي وقت كان؟ فذلك أيضًا محمول على مثل ما روي عن غيره من أنه كان يغلس ويمد القراءة إلى الإسفار الشديد. وأخرج أثره عن طريقين صحيحين:

стр. 1495

الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص الكوفي شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق قاضي الكوفة أحد أصحاب أبي حنيفة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن الحارث بن سويد التيمي أبي عائشة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بدون ذكر ابن مسعود: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال: "كان إمامنا يقرأ بنا في الفجر بالسورة من المائين". قوله: "في التيم" أي في قبيلة التيم، وتيم من قريش رهط أبي بكر الصديق ﵁ وهو تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر، وتيم بن غالب بن فهو أيضًا من قريش وهم بنو الأدرم وتيم بن عبد مناة بن آد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وتيم بن قيس بن ثعلبة بن عكابة في بكر، وتيم اللات أيضًا في الخزرج من الأنصار، وهم تيم اللات بن ثعلبة، واسمه النجار، وتيم الله من بكر يقال لهم: اللهازم وهو تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وتيم الله في النمر بن قاسط. قوله: "فيقرأ بهم" أي فيهم بسورة من المائين كسورة آل عمران، والنساء، والمائدة ونحوها. الثاني: عن أبي الدرداء هاشم بن محمَّد الأنصاري مؤذن بيت المقدس، عن آدم بن أبي إياس التميمي العسقلاني شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن قيس النخعي. والكلُّ رجال الصحيح ما خلا هاشمًا.

стр. 1496

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان ابن مسعود ﵁ ينور بالفجر". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان عبد الله يسفر بصلاة الغداة". ص: وقد كان يُفعل أيضًا مثل هذا على عهد رسول الله ﷺ كما حدثنا إسماعيل ابن يحيى المزني، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: أنا سفيان، قال: ثنا عثمان بن أبي سليمان، قال: سمعت عراك بن مالك يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: "قدمت المدينة ورسول الله ﵇ بخيبر، ورجل من بني غفار يؤم الناس، فسمعته يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بسورة مريم، وفي الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ". وكما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا فضيل بن سليمان، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مثله، غير أنه قال: "واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وصليت خلفه". قال أبو جعفر ﵀: فهذا سباع بن عرفطة ﵁ قد كان في عهد النبي ﵇ باستخلاف النبي ﵇ إياه يصلي بالناس صلاة الصبح هكذا، يطيل فيها القراءة حتى يصيب فيها التغليس والإسفار جميعًا. ش: أي قد كان يفعل أيضًا مثل ما ذُكر من تطويل القراءة في الصبح، الذي يدل على الإسفار على عهد رسول الله ﵇ أي على زمنه وأيامه، كما في حديث أبي هريرة، فإنه أخبر أن سباع بن عرفطة قد كان يصلي بالناس صلاة الصبح باستخلاف النبي ﵇ إياه حين سافر إلى خبير، وكان يقرأ في الركعة الأولى بسورة (مريم)، وفي الثانية بـ (المطففين)، وإنما كان يفعل هكذا حتى يجمع بين التغليس

стр. 1497

والإسفار، وهو يدل أيضًا على أن عنده علمًا من النبي ﵇ في ذلك. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني أبي إبراهيم صاحب الإِمام الشافعي الفقيه المشهور المقدم في مذهب الشافعي خال الطحاوي، عن محمد بن إدريس الإِمام الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان ابن جبير بن مطعم القرشي النوفلي المكي، عن عراك بن مالك الغفاري المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): من حديث سفيان بن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان النوفلي، عن عراك بن مالك، سمع أبا هريرة يقول: "قدمت المدينة ورسول الله ﵇ بخيبر، فوجدت رجلًا من غفار يؤم الناس في صلاة الصبح، يقرأ في الركعة الأول. سورة (مريم)، وفي الثانية: (ويل للمطففين) ". قوله: "ورسول الله ﵇ بخيبر" جملة حالية، وكذلك قوله: "ورجل من بني غفار" جملة حالية، وهذا الرجل هو سباع بن عرفطة الغفاري كما فسره في الرواية الثانية، وكانت خيبر في سنة ست على قول الزهري، والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن المُقدَّمي -بضم الميم، وفتح الدال المشددة- وهو محمَّد بن أبي بكر بن على بن عطاء بن مقدم شيخ البخاري ومسلم، عن فضيل بن سليمان النميري، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه عراك بن مالك الغفاري المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي في "سُننه" (٢): من حديث الدراوردي، حدثني خثيم بن عراك، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "خرج رسول الله ﵇ فاستخلف سباع بن

стр. 1498

عرفطة على المدينة، فقدمت المدينة مهاجرًا، فصليت الصبح وراءه، فقرأ في السجدة الأولى: سورة مريم، وفي الأخرى: ويل للمطففين". وقال الذهبي: إسناده صالح، وسباع بن عرفطة من مشاهير الصحابة. ص: وقد روي أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ من هذا شيء كما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: "صلى بنا معاوية الصبح بغلس، فقال أبو الدرداء: أسفروا بهذه الصلاة فإنه أفقه لكم، إنما تريدون أن تخلوا بحوائجكم". فهذا عندنا والله أعلم من أبي الدرداء على إنكاره عليهم ترك المد بالقراءة إلى وقت الإسفار، لا على إنكاره وقت الدخول فيها، فلما كان ما روينا عن أصحاب رسول الله ﵇ وهو الإسفار الذي يكون الانصراف من الصلاة فيه مع ما روينا عنهم من إطالة القراءة في تلك الصلاة؛ ثبت أن الإسفار بصلاة الصبح لا ينبغي لأحد تركه، وإن التغليس لا يفعل إلا ومعه الإسفار، فيكون هذا في أول الصلاة، وهذا في آخرها. ش: أي وقد روي أيضًا عن أبي الدرداء عويمر بن مالك الصحابي ﵁ من هذا شيء أي من الإسفار بالصبح، كما في الأثر الذي أخرجه الطحاوي، عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن محمَّد بن المثنى البصري الحافظ شيخ الجماعة، عن عبد الرحمن بن مهدي روى له الجماعة، عن معاوية بن صالح بن حُدير الحمصي قاضي الأندلس روى له الجماعة، البخاري في غير الصحيح، عن أبي الزهراية حدير بن كريب الحمصيى روى له مسلم وأبو داود، عن جبير بن نفير بالتصغير فيهما الحمصي روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. وأخرجه أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن عبيد مرفوعًا: ثنا أبو زرعة، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا محمد بن شعيب، سمعت سعيد بن سنان

стр. 1499

يحدث، عن أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبي-﵇ قال: "أسفروا بالفجر تفقهوا". وقد ذكرناه مرة عن قريب. قوله: "فإنه أفقه لكم" أي الإسفار أبين لكم، والفقه في اللغة الفهم، والبيان لازمه. قوله: "تريدون أن تخلوا بحوائجكم" من خلوت بالشيء خلوة وخلاء إذا اشتغلت به وتفرغت له، ومراده أنكم تستعجلون في الصلاة ولا تطيلون القراءة إلى الإسفار لتختلوا بحوائج الدنيا وتشتغلوا بها، وإنكاره عليهم في هذا لا في دخولهم وقت الغلس، ولو لم يكن عنده علم من إستحباب الإسفار لما أنكر عليهم بذلك؛ فدل ذلك على أن التغليس وحده لا ينبغي أن يفعل وإنما التغليس المستحب هو الذي يكون آخره إسفار فافهم. ص: قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى ما روي عن عائشة ﵂: "أن النساء كن يصلين الصبح مع رسول الله ﵇ ثم ينصرفن وما يعرفن من الغلس". قيل: يحتمل أن يكون هذا قبل أن يؤمر بإطالة القراءة فيها؛ فإنه قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجَّا بن رجاء، قال: ثنا داود -يعني داود بن أبي هند- عن السبيعي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "أول ما فرضت الصلاة: ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﵇ المدينة وصل إلى كل صلاة مثلها، غير المغرب فإنها وتر، وصلاة الصبح؛ لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى". قال أبو جعفر: فأخبرت عائشة ﵂ في هذا الحديث أن رسول الله أن ﵇ كان يصلي قبل أن يتم الصلاة على مثال ما يصلي إذا سافر، وحكم المسافر تخفيف الصلاة، ثم أحكم بعد ذلك فزيد في بعض الصلاة، وأمرنا بإطالة بعضها، فيجوز -والله أعلم- أن يكون ما كان يفعل من تغليسه بها، وانصراف النساء المؤمنات منها ولا يعرفن من الغلس، كان في ذلك الوقت الذي كان يصليها فيه على مثال ما

стр. 1500

تصلى فيه الآن في السفر، ثم أُمِرَ بإطالة القراءة فيها، وأن يكون مفعوله في الحضر بخلاف ما يفعل في السفر من إطالة هذه وتخفيف هذه، وقال: "أسفروا بالفجر" أي أطيلوا القراءة فيها, ليس ذلك على أن تدخلوا فيها في آخر وقت الإسفار، ولكن تخرجوا منها في وقت الإسفار. فثبت بذلك نسخ ما روي عن عائشة ﵂ مما ذكرنا، مع ما قد دل على ذلك أيضًا من فعل أصحاب النبي ﵇ من بعده، في إصابتهم الإسفار في وقت إنصرافهم منها واتفاقهم على ذلك حتى لقد قال إبراهيم النخعي ما قد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "ما اجتمع أصحاب محمَّد ﵇ على شيء ما اجتمعوا على التنوير". قال أبو جعفر ﵀: فأخبر أنهم قد كانوا اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا -والله أعلم- اجتماعهم على خلاف ما قد كان النبي ﵇ فعله إلا بعد نسخ ذلك، وثبوت خلافه، فالذي ينبغي: الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول الله ﵇ وأصحابه ﵃ هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا السؤال وارد على ما تقدم من معنى الإسفار بصلاة الصبح، وهو أن يدخل فيها بالغلس، ويمدها بالقراءة إلى أن ينصرف عنها بالإسفار، تقريره: أن ما ذكرتم ينافيه حديث عائشة ﵂: "أن النساء كن يصلين الصبح ... " إلى آخره؛ لأنه يدل على أنهم كانوا يدخلون فيها بالغلس، ويخرجون منها بالغلس. وتقرير الجواب ملخصًا: أن حديث عائشة ﵂ منسوخ بوجهين: الأول: أن عائشة أخبرت في حديثها: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ... " إلى آخره، أن النبي ﵇ كان يصلي قبل أن تتم الصلاة مثل المسافر بتخفيف القراءة، ولما أحكم الأمر وزيدت الصلاة التي زيدت أُمر بإطالة القراءة في صلاة الصبح عوضًا عن الزيادة، كالجمعة قصرت على الركعتين لمكان الخطبة، وذلك

стр. 1501

الأمر هو قوله ﵇: "أسفروا بالفجر". فإن معناه أطيلوا القراءة فيها، حتى تخرجوا منها في وقت الإسفار، وليس معناه ادخلوا فيها في آخر وقت الإسفار، فثبت بذلك نسخ حديث عائشة ﵂ وما يضاهيه. الوجه الثاني لبيان النسخ: فعل الصحابة ﵃ وإجماعهم من بعده على الإسفار، بالمعنى الذي ذكرنا؛ فإنهم كانوا يطولون القراءة فيها، ويخرجون مسفرين، ولو لم يعلموا نسخ ذلك لما وسعهم أن يعملوا بخلافه، والدليل على إجماعهم على ذلك ما قاله إبراهيم النخعي: "ما اجتمع أصحاب محمَّد ﵇ على شيء ما اجتمعوا على التنوير" ولو لم يكن النسخ صحيحًا فكيف كان يجوز لأكابر الصحابة ﵃ أن يجتمعوا على الإسفار، مخالفين لما قد كانوا علموا من النبي ﵇ من التغليس في الدخول فيها والخروج عنها، وهذا محال في حقهم؛ لأنهم عالمون بموارد النصوص ومواقع الأحكام، وأما ما شنع الحافظ الحازمي على الطحاوي في هذا الموضع في دعواه النسخ فقد مَرَّ جوابه فيما مضى من هذا الباب بما فيه الكفاية. وشنع البيهقي أيضًا في كتابه "المعرفة" (١) وغيره لما تحرك له عرق العصبية، وقال: وقد ذكر الطحاوي الأحاديث التي وردت في تغليس النبي ﵇ ومن بعده من الصحابة بالفجر ثم زعم أنه ليس فيها دليل على الأفضل، وإنما ذلك في حديث رافع، ولم يعلم أن النبي ﵇ لا يداوم إلا على ما هو الأفضل، وكذلك أصحابه من بعده، فخرج من فعل أصحابه فإنهم كانوا يدخلون فيها مغلسين ليطيلوا القراءة، ويخرجون فيها مسفرين؛ فإن النبي ﵇ إنما خرج منها مغلسًا قبل أن يشرع فيها طول القراءة، فاستدل على النسخ بفعلهم ولم يعلم أن بعضهم كانوا يخرجون منها مغلسين كما روينا عنهم، وقال عمرو بن ميمون الأودي: "صليت مع عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الفجر ولو أن ابني مني ثلاثة أذرع لم أعرفه إلا أن يتكلم". ثم احتج بحديث عائشة ﵂: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم

стр. 1502

رسول الله ﵇ المدينة، وصل إلى كل صلاة مثلها غير المغرب، فإنها وتر، وصلاة الفجر لطول القراءة فيها" وزعم أن الزيادة في الصلاة والإطالة في القراءة كانتا معًا: وظاهر الحديث يدل على أن الزيادة في الصبح إنما لم تشرع لطول قراءتها المشروع فيها قبلها ثم حمل حديث عائشة ﵂ في التغليس على أن ذلك كان قبل أن يشرع فيها طول القراءة، وعائشة ﵂ قد أخبرت أن الزيادة في الصلاة كانت حين قدم النبي ﵇ المدينة، وغيرها يقول: حين فرضت قبل قدومه المدينة، وعلى زعمه شرع طول القراءة فيها حين زيد في عدد غيرها، وعائشة إنما حملت حديث التغليس وهي عند النبي ﵇ بالمدينة، وكذلك أم سلمة، وإنما تزوج بها بعد ما هاجرت بسنتين؟ فكيف يكون منسوخًا بحكم تقدم عليه؟! كيف وقد أخبرتنا عن دوام فعله وفعل النساء معه، وروينا عن جابر بن عبد الله الأنصاري في حديث مخرج في "الصحيحين" (١): "أن النبي ﵇ كان يصليها بغلس". وفي حديث أبي مسعود الأنصاري: "أن النبي ﵇ صلى الصبح بغلس ثم صلاها يومًا فأسفر بها ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى". وهذا كله يدل على بطلان النسخ الذي ادعاه الطحاوي في حديث عائشة وغيرها في التغليس، والطريق الصحيح في ذلك: أن تحمل الأحاديث التي وردت في الإخبار عن تغليس النبي ﵇ وبعض أصحابه بالصبح على أنهم فعلوا ما هو الأفضل؛ لأن ذلك كان أكثر فعلهم، ويحمل حديث رافع ﵁ على تبيين الفجر باليقن وإن كان يجوز الدخول فيها في الغيم بالاجتهاد قبل التبيين، انتهى. والجواب عن ذلك فصل، فصل. أما قوله: "ولم يعلم أن النبي ﵇ لا يداوم إلا على ما هو الأفضل" قول لم يعلم هو ما قال فيه؛ لأن الطحاوي وأدنى من الطحاوي يعلم أن النبي ﵇ لا يداوم إلا على الأفضل، ولكن من يقول أن النبي ﵇ داوم على التغليس، فإن عارض بحديث

стр. 1503

أبي مسعود البدري الذي فيه "وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى، أن يسفر" فجوابه: أن هذا من أسامة بن زيد وهو متكلم فيه فقال أحمد: ليس بشىء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بقوي. ويرده أيضًا ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢): عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود ﵁ قال: "ما رأيت رسول الله ﵇ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصك صلاة الصبح من الغد قبل وقتها". قالت العلماء: يعني قبل وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل طلوع الفجر، ولم يقل به أحد، وإنما معناه أنه غلس بها جدًّا. وتوضحه رواية البخاري (٣) و"الفجر حين بزغ" وهذا دليل قاطع على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا وقلَّما صلاها بغلس فأين البيهقي من هذا المعنى. وأما قوله: "ولم يعلم أن بعضهم كانوا يخرجون منها بغلس" كما روينا عنهم فقول يشبه القول الأول، وكيف لا يعلم وقد روى هو أيضًا مثل ما روى البيهقي: "أنهم كانوا يخرجون منها مغلسين" ولكن لا يضره ذلك ولا يدفع كلامه؛ لأنه قد يجوز أن يكون ذلك منهم مع علمهم أن الإسفار أفضل لأجل التوسعة، أو لأجل عارض قد عرض لهم ومنعهم عن مد الصلاة بتطويل القراءة إلى أن ينصرفوا منها مسفرين، كما ذكر فيما مضى، غاية ما في الباب أن أخبار التغليس التي رويت عن النبي ﵇ وعن الصحابة مِنْ بعده تدل على الإخبار بالوقت الذي صلوا فيه، أي وقت هو وليس فيه شيء يدل على الأفضلية كما يدل حديث رافع ﵁. وأما قوله: "وقال عمرو بن ميمون الأودي" فيعارضه ما روى السائب بن يزيد

стр. 1504

قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ فقرأ بالبقرة فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت. فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". فأين كان البيهقي من هذا الأثر؟! فإن قيل: هذا لا يدل على الأفضلية لأنه أيضًا مجرد إخبار عن الوقت الذي صلى فيه فقط. يقال: كذلك ليس في أثر عمرو بن ميمون ما يدل على الأفضلية؛ لأنه أيضًا مجرد إخبار عن الوقت الذي صلى فيه. وأما قوله: "وزعم أن الزيادة في الصلاة والإطالة في القراءة كانتا معًا وظاهر الحديث يدل على أن الزيادة في الصبح إنما لم تشرع لطول قراءتها المشروع فيها قبلها" فغير مُسَلَّم؛ لأن ظاهر الحديث لا يدل على أن طول القراءة شرع في الصبح قبل الزيادة في غيرها، فأي كلام وأي عبارة تدل على هذا حتى يقول: "ظاهر الحديث يدل على أن الزيادة ... " إلى آخره؟! لأن الدلالة هو فهم المعنى من اللفظ، وليس فيما ذكره فهم هذا المعنى، بل ظاهر الحديث أن لزيادة لما زيدت فيما زيدت من الصلاة، شُرع بعدها طول القراءة في الصبح؛ عوضًا عن الزيادة فافهم. ولم يقل الطحاوي أن الزيادة في الصلاة والإطالة في القراءة كانت معًا، بل كلامه يشعر أن إطالة القراءة في الصبح كانت بعد الزيادة في غيرها بزمان؛ لأنه ذكر الإطالة بكلمة "ثم" التي تدل على التراخي، وهو قوله: "ثم أمر بإطالة القراءة فيها". وبهذا خرج الجواب أيضًا عن قول البيهقي: "فكيف يكون منسوخًا بحكم تقدم عليه". حاصله أنه اعترض على الطحاوي بأنه زعم أن شروع إطالة القراءة في الصبح كان حين زيد في عدد غيرها، وعائشة احتملت حديث التغليس وهي عند النبي ﵇ بالمدينة، فيكون حكم إطالة القراءة متقدمًا على حديث التغليس، والمتقدم كيف يكون ناسخًا للمتأخر؟! قلنا: لا نُسَلم أن إطالة القراءة متقدمة على حديث التغليس بل حديث التغليس،

стр. 1505

متقدم على حكم الإطالة، بيان ذلك: أن تغليس النبي ﵇ وانصراف النساء المؤمنات منها ولا يعرفن من الغلس، كان في الوقت الذي كان يصليها ﵇ فيه على مثال ما يصلى فيه الآن في السفر بتخفيف القراءة، ثم أَمَر رسول الله ﵇ بإطالة القراءة بقوله: "أسفروا" أي أطيلوا القراءة بالصبح لتخرجوا منها مسفرين، فحينئذٍ نسخ هذا المتأخر ذلك المتقدم، والله أعلم. وأما قوله: "وروينا عن جابر في حديث مخرج في الصحيحين" فغير دالٍّ على مدعاه؛ لأنه إخبار عن الوقت الذي كان صلى فيه النبي ﵇ أيّ وقت هو؟ وليس فيه شيء يدل على الأفضلية. وأما قوله: "وفي حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁" فقد مَرَّ جوابه الآن مستوفى. وأما قوله: "والطريق الصحيح ... " إلى آخره، طريق غير صحيح؛ لأن الأحاديث التي وردت في الإخبار عن تغليس النبي ﵇ وبعض أصحابه بالصبح ليس فيها ما يدل على الأفضلية، فإن عارضونا في ذلك، بأن أكثر فعلهم يدل على الأفضلية، فعارضناهم بالأوامر التي وردت بالإسفار؛ لأن أقل درجات الأمر تدل على الفضيلة، ولا سيما إذا قارن بها الفعل أيضًا. وأما قوله: "ويحمل حديث رافع على تبيين الفجر باليقين". فمردود؛ لأن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بضياء النهار كما ذكره أهل اللغة وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر؛ فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير. والدليل عليه ما روى ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي، في مسانيدهم، والطبراني في "معجمه" (١). فقال الطيالسي: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال الباقون: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، ثنا هُرَير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، سمعت جدي رافع ابن خديج

стр. 1506

يقول: "قال رسول الله ﷺ لبلال: يا بلال، نوِّر صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار" وقد استوفينا الكلام فيما مضى من هذا الباب. ثم حديث الغلس الذي روته عائشة قد ذكرنا الكلام فيه مستوفى في هذا الباب. وأما حديثها الآخر: فرجاله ثقات، فأبو عمر هو حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، نسبته إلى حوض داود، محلة بالبصرة. ومرجا بن رجاء اليشكري أبو رجاء البصري وثقه أبو زرعة، وعن أبي داود: صالح. وداود بن أبي هند دينار بن عذافر أبو محمَّد البصري، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. والشعبي هو عامر، ونسبته إلى شعب بطن من همدان. ومسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: "إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي ﵇ المدينة واطمأن زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر، وصلاة الغداة لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى". قوله: "غير المغربِ" بالجر؛ لأنها صفة لقوله: "كل صلاة" وفي الحقيقة استثناء منها ولكن الأصل في "غير" أن تكون صيغة دالة على مخالفة صاحبه بالحقيقة. قوله: "فإنها وتر" تعليل لعدم الزيادة بمثل ما كانت في أول فرضها، بل زيدت فيها ركعة؛ لأنها وتر النهار. قوله: "وصلاة الصبح" بالجرِّ أيضًا عطفًا على قوله غير المغرب، أي وغير صلاة

стр. 1507

الصبح؛ لأجل طول القراءة فيها. قوله: "عاد إلى صلاته الأولى" وهي الركعتان في الظهر والعصر والعشاء، فهذا يدل صريحًا على أن الصلاة كانت تصلى ركعتين ركعتين إلى أن قدم النبي ﵇ المدينة، ولم تشرع أربع في ذوات الأربع إلَّا عند قدومه ﵇ إلى المدينة. فإن قيل: روي من حديث يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد، عن أبي مسعود قال: "أتى جبريل النبي ﵇ فقال: قم فصل -وذلك دلوك الشمس حين مالت الشمس- فقام فصلى الظهر أربعًا، ثم أتاه حين كان ظله مثله فقال: قم فصل، فصلى العصر أربعًا، ثم أتاه حين غربت الشمس فقال: قم فصل، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم أتاه حين غاب الشفق فقال: قم فصل، فصلى العشاء الآخرة أربعًا، ثم أتاه حين كان الفجر فقال له: قم فصل، فصلى الصبح ركعتين، ثم أتاه من الغد في الظهيرة حين صار ظل كل شيء مثله، فقال: قم فصل، فصلى الظهر أربعًا، ثم أتاه حين صار ظل كل شيء مثليه، فقال: قم فصل، فصلى العصر أربعًا، ثم أتاه الوقت بالأمس حين غربت الشمس فقال: قم فصل، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم أتاه بعد أن غاب الشفق وأظلم فقال: قم فصل، فصلى العشاء الآخرة أربعًا، ثم أتاه حين أسفر الفجر فقال: قم فصل، فصلى الصبح ركعتين، ثم قال: ما بين هذين صلاة". أخرجه البيهقي (١)، والطبراني في "الكبير" (٢). فهذا فيه دليل على أن ذلك كان بمكة بعد المعراج، وأن الخمس فرضن حينئذٍ بأعدادهن. قلت: أبو بكر بن محمَّد عن أبي مسعود منقطع، قاله الذهبي وغيره. وأيضًا الثابت عن عائشة في "الصحيح" (٣) يعارضه وينافيه، فقال البخاري:

стр. 1508

حدثنا ابن يوسف، عن مالك، عن صالح، عن عروة، عن عائشة ﵂: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر". وذكر الداودي أن الصلوات زيد فيها ركعتين ركعتين، وزيد في المغرب ركعة. وقال أبو عمر: ظاهر حديث عائشة العموم، والمراد به الخصوص، ألا ترى أن صلاة المغرب غير داخلة في قولها فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، وكذلك الصبح؟ لأنه معلوم أن الصبح لم يزد فيها ولم ينقص منها، وأنها في الحضر والسفر سواء. قلت: الذي يعلم من حديث عائشة الذي أخرجه البخاري أن فرض الصلاة كان ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ولكن لم تُعلم الزيادة عليها متى كانت، والحديث الذي أخرجه الطحاوي عن عائشة يبين ما كان مجملًا في حديثها الآخر من أن الزيادة كانت عند مقدم النبي ﵇ المدينة، وقال ابن جرير الطبري: وفي السنة الأولى من الهجرة زيد في صلاة الحضر ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي ﵇ المدينة بشهر في ربيع الأول، لمضي اثنتي عشر ليلة منه. ثم أثر إبراهيم النخعي إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة. والقعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. والأعمش هو سليمان بن مهران. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: "ما أجمع أصحاب محمَّد ﵇ على شيء ما أجمعوا على التنوير بالفجر".

стр. 1509

ص: باب: الوقت الذي يستحب أن تصلى صلاة الظهر فيه ش: أي هذا باب في بيان الوقت الذي يستحب أداء الظهر فيه، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: أخبرنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: "كان رسول الله- ﵇ يصلي الظهر بالهجير". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام ابن شعبة، والزبرقان بن عمرو بن أمية الضَمْري، وثقه ابن حبان، ويقال: زبرقان ابن عبد الله بن عمرو بن أمية قاله ابن أبي حاتم. والحديث أخرجه الطحاوي بأتم منه في أول باب الصلاة الوسطى، ولكن عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن خالد بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذئب، عن الزبرقان، أن أسامة بن زيد ... وقد ذكرنا أن الزبرقان لم يسمع من أسامة. وأخرجه أيضًا: عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن الزبرقان، عن عروة، عن زيد بن ثابت ﵁. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): نحو رواية الطحاوي ولكن عن زهرة موضع عروة، وقال: ثنا عمرو بن علي، قال: نا أبو داود، قال: نا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان، عن زهرة قال: "كنا جلوسًا مع أسامة بن زيد في المسجد، فسئل عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول الله ﵇ يصليها بالهجير" ولا نعلم روى زهرة عن أسامة بن فلد إلاَّ هذا الحديث. وأخرجه البيهقي أيضًا في سننه" (٢): من حديث ابن أبي ذئب، عن الزبرقان بن

стр. 1510

عمرو بن أُميَّة، عن زهرة قال: "كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر؛ كان رسول الله ﵇ يصليها بالهجير". قلت: زهرة هو ابن معبد أبو عقيل المدني، وجده: عبد الله بن هشام من أصحاب النبي ﵇، قال أحمد: أبو عقيل زهرة بن معبد ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ليس به بأس، مستقيم الحديث، فقلت: يحتج بحديثه؟ فقال: لا بأس به. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن عمرو بن حسن يقول: "سألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول الله ﵇ يصلي الظهر بالهاجرة، أو حين تزول الشمس". ش: إسناده صحيح، ومحمد بن عمرو بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃، من رجال الصحيحين. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عمرو، وهو ابن الحسن بن علي ﵃ قال: "سألت جابر ابن عبد الله عن صلاة النبي ﵇ فقال: كان النبي ﵇ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قَلّوا أَخَّر، والصبح بغلس". وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة. وثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عمرو بن الحسن بن علي ﵃ قال: "لما قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول الله ﵇ يصلي الظهر بالهاجرة ... " الحديث.
следующие страницы →