← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقال النووي: وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة في النهار أيضًا لا يُعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة. قلت: ليس مراد هذا القائل أن يشخصهن أحد حقيقة التشخص، بل مراده لا يعرفهن أرجال أم نساء أم صبيان أم بنات؟ فهذا أيضًا قريب من كلام الداودي. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ بمثله، غير أنه قال: "وما يعرف بعضهن بعضًا من الغلس". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة نحوه. غير أنه قال: "وما يعرفن من الغلس". ش: هذه ثلاث طرق أخرى وهي صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو اليمان، أبنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة، أن عائشة قالت: "لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر، فتشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن سعيد بن منصور الخرساني، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة بن يحيى المدني، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة ... إلى آخره.

стр. 1437

وأخرجه البزار في "سننه" (١): ثنا عمرو بن علي، نا أبو داود، نا فليح بن سليمان، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كن نساء المؤمنات يصلين مع رسول الله ﵇ صلاة الصبح متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفن من الغلس". وهذا الحديث قد روي عن عائشة من غير وجه. وحديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة لا نعلم رواه عنه إلا فليح. قلت: الغلس والغبش والغبس واحد، كل ذلك من بقايا ظلمة الليل، وفي "المحكم" الغلس: ظلام آخر الليل، ويقال: الغَلَس - بفتحتين- بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح، والغبس قريب منه إلا أنه دونه. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة. وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك. والترمذي (١): عن قتيبة، عن مالك، وقد ذكرناهما. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن عروة بن الزبير، قال: أخبرني بشير بن أبي مسعود، عن أبيه: "أن النبي ﵇ صلى الغداة، فغلس بها، ثم صلاها فأسفر، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى". ش: عبد الله بن صالح كاتب الليث فيه مقال، فقال النسائي: ليس بثقة. ووثقه كثيرون حتى قيل: إن البخاري روى عنه في "الصحيح" ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو.

стр. 1438

وبَشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- الأنصاري المدني. قيل: إنه صحب النبي ﵇ ولا يثبت سماعه منه، والأكثرون على أنه تابعي، روى له الجماعة سوى الترمذي. وأبوه أبو مسعود اسمه عقبة بن عمرو البدري الأنصاري الصحابي. وأخرجه أبو داود (١) مطولًا وقال: ثنا محمد بن سلمة، نا ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب أخبره: "أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر، فأخَّر العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ﵇ قد أخبر محمدًا ﵇ بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول، فقال له عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: نزل جبريل ﵇ فأخبرني بوقت الصلاة، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صلت معه -يحسب بأصابعه خمس صلوات- فرأيت رسول الله ﵇ صلى الظهر حين نزول الشمس، وربما أخّرها حين يشتد الحر ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء، قبل أن تدخلها الصفراء، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢)، والبيهقي في "سُننه" (٣): وقد احتج به قوم على أن حكم التغليس مستمر، وأنه سُنَّه مستمرة.

стр. 1439

وقال الحافظ أبو محمد موسى بن حازم في كتاب "الناسخ والمنسوخ": قد اختلف أهل العلم في الإسفار بصلاة الصبح والتغليس بها، فرأى بعضهم الإسفار الأفضل وذهب إلى قوله: "اصبحوا بالصبح" ورآه محكمًا. وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، وليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأن حديث التغليس ثابت، وأن النبي ﵇ داوم عليه حتى فارق الدنيا. ثم روى الحديث المذكور وقال: هذا إسناد رواته عن آخرهم ثقات. قلت: يرد هذا ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢): عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله ﵇ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها". قال العلماء: يعني وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدًّا وتوضحه رواية البخاري: "والفجر حين نزع"، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا، وقلَّما صلاها بغلس، وبه استدل الشيخ في "الإِمام" لأصحابنا، على أن أسامة بن زيد قد تُكُلِّم فيه، فقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بقوي. فثبت بهذا أن زعم الطحاوي صحيح، وأن رد الحازمي كلام الطحاوي ردٌّ غير صحيح، والحق أحق أن يتبع. وقد تكلم البيهقي ها هنا كلامًا فيه تحامل على الطحاوي، وسنذكره مع جوابه في موضعه عن قريب إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي (ح).

стр. 1440

وحدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني نهيك بن يريم، عن مغيث بن سُمَيّ، قال: "صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح فغلس، فالتفت إلى عبد الله بن عمر ﵄ فقلت: ما هذا؟! قال: هذه صلاتنا مع رسول الله ﵇ ومع أبي بكر وعمر ﵄ فلما قتل عمر ﵁ أسفر بها عثمان ﵁". ش: أخرجه من طريقين جيدين: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب الإِمام محمد بن الحسن الشيباني، عن بشر بن بكر التنيسي أبي عبد الله البجلي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن نَهيك -بفتح النون- بن يَرِيم -بفتح الياء آخر الحروف- الأوزاعي، عن مغيث بن سُمَي الأوزاعي أبي أيوب الشامي. وأخرجه ابن ماجه (١): نا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، نا نهيك بن يريم الأوزاعي، ثنا مغيث بن سُمي، قال: "صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر فقلت: ما هذه الصلاة؟! قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما طعن عمر ﵁ أسفر بها عثمان ﵁" الثاني: عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري وأبي داود، عن الأوزاعي ... إلى آخرة. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٢): أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: ثنا محمد بن الفضل العسقلاني، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا نهيك بن يريم، قال: ثنا مغيث بن سمي: "أن ابن الزبير غلس بصلاة الفجر، فأنكرت ذلك، فلما سلم التفت إلى ابن عمر

стр. 1441

فقلت: ما هذه الصلاة؟! وهو إلى جانبي، فقال: هذه صلاتنا مع رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر فلما قتل عمر أسفر بها عثمان ﵄". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس بن مالك وزيد بن ثابت ﵄ قالا: "تسحرنا مع النبي ﵇ ثم خرجنا إلى الصلاة، قلت: كم بين ذلك؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية". حدثنا محمد بن سليمان الباغندي، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، مثله. ش: هذان إسنادان صحيحان: أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَدي نسبة إلى عَقَد -بفتح العين والقاف- قوم من قيس، عن هشام الدستوائي، عن قتاده، عن أنس. وأخرجه البخاري (١): ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، أن زيد بن ثابت حدثه: "أنهم تسحروا مع النبي ﵇، ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين -يعني آية-". حدثنا حسن بن صباح (٢)، سمع روحًا، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن نبي الله ﵇ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﵇ إلى الصلاة وصلى، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية".

стр. 1442

وأخرجه مسلم (١) في كتاب الصوم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول الله ﵇ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية". وأخرجه الترمذي (٢) أيضًا في كتاب "الصوم": ثنا يحيى بن موسى، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: نا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع النبي ﵇ ثم قمنا إلى الصلاة، قال: قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا في كتاب "الصوم": أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا وكيع، قال: نا هشام، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول الله ﵇ ثم قمنا إلى الصلاة، قال: زعم أن أنسًا القائل: ما كان بين ذلك؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية". ويستفاد منه حكمان: الأول: استحباب تأخير السحور، قال الترمذي: وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، استحبوا تأخير السحور. الثاني: استحباب التغليس بصلاة الصبح، والجواب عنه أن المراد من قوله: "قاموا إلى الصلاة" أو "قمنا، أو "قام" هو القيام إلى الصلاة بتحصيل شروطها لا حقيقة الشروع في الصلاة عقيب فراغهم من السحورة فإنهم ما كانوا يتسحرون إلا قبل طلوع الفجر، وكذا فراغهم عنه قبله، ولا يمكن أن يسرعون في الصلاة عقيبه؛ لأنه يكون قبل الوقت، ولهذا قدَّر زيد بن ثابت الوقت الذي بين فراغهم من السحور وبين قيامهم إلى الصلاة بمقدار قراءة خمسين آية أو ستين آية، وهذا

стр. 1443

المقدار مقدار جيد، فيكون قيامهم إلى تحصيل شروط الصلاة بعد مضي هذا المقدار، وحنيئذ لا يكون شروعهم في نفس الصلاة إلا في الإسفار؛ لأن بين طلوع الفجر وبين الإسفار مسافة يسيرة؛ ولئن سلمنا أنهم كانوا يسرعون في نفس الصلاة بعد مضي هذا المقدار من حين فراغهم من السحور، فنقول: إنه محمول على ما إذا أراد تطويل القراءة، ونحن نقول أيضًا بأن المستحب في حق من يريد تطويل القراءة في صلاة الصبح أن يبتدئ في أول الوقت، ويختمها بالإسفار، أو يكون هذا في إبتداء الإِسلام حين كانت الجماعة قليلة، فلما قوي الإِسلام وكثر المسلمون، كان النبي ﵇ يسفر بها؛ ليلحق الجماعه بصلاته ﵇. والطريق الآخر: عن محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي، قال الدارقطني: لا بأس به. وقال الخطيب: رواياته كلها مستقيمة؛ فلا أعلم في حديثه منكرًا، ولا أعلم لأي علة ضعَّفه من ضعَّفه، ونسبته إلى باغند -بالباء الموحدة وفتح الغين المعجمة، وسكون النون، والدال المهملة- وهي قرية من قرى واسط ينسب إليها جماعة من العلماء. وهو يروي عن عمرو بن عون بن أوس أبي عثمان الواسطي البزاز، روى له الجماعة. عن هشيم بن بشير روى له الجماعة، عن منصور بن زاذان أبي المغيرة الواسطي روى له الجماعة، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت ﵄. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا القاسم بن عيسى الطائي، ثنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول الله ﵇ ثم خرجنا فصلينا". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني سعد ابن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن قال: لما قدم الحجاج وجعل

стр. 1444

يؤخر الصلاة، فسألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال: كان رسول ﵇ أو قال: كانوا يصلون الصبح بغلس". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر بن عبد الله قال: "كانوا يصلون الصبح بغلس". ش: هذان إسنادان صحيحان: الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبي إسحاق المدني، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ القرشي الهاشمي، أبي عبد الله المدني من رجال الصحيحين. عن جابر بن عبد الله الأنصاري. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن يقول: "لما قدم الحجاج بن يوسف كان يؤخر الصلاة، فسألنا جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة، فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهجير أو حين تزول الشمس، ويصلي العصر والشمس مرتفعة، ويصلي المغرب حين تغرب الشمس، ويصلي العشاء يؤخر أحيانًا ويعجل أحيانًا، إذا اجتمع الناس عَجَّل، وإذا تأخروا أخّر، وكان يصلي الصبح بغلس- أو قال: كانوا يصلونها بغلس". قال أبو داود: وهكذا قال شعبة. وأخرجه البخاري (٢): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو هو ابن الحسن بن علي، قال: "سألت جابر بن

стр. 1445

عبد الله عن صلاة النبي ﵇ فقال: كان النبي ﵇ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عَجَّل، وإذا قلُّوا أخر، والصبح بغلس". وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة. وثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بعض قال: "لما قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول ﵇ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخَّر، والصبح كانوا -أو قال-: كان النبي ﵇ يصليها بغلس". وأخرجه أبو داود (٢): عن مسلم بن إبراهيم، نحو رواية البخاري، غير أن في رواية أبي داود: "والمغرب إذا غربت الشمس ... " والباقي سواء بسواء. وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار، قالا: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة ... إلى آخره مثل رواية مسلم، غير أنه لم يذكر الصبح. قوله: "لما قدم الحجاج" أي المدينة كما صرح به في رواية مسلم، والحجاج هو ابن يوسف بن الحكم بن أبي عَقِيل -بالفتح- بن مسعودبن عامر بن معتّب -بالتشديد- بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قَسِيّ -وهو ثقيف- الثقفي، عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، توفي في رمضان -أو في شوال- سنة خمس وتسعين للهجرة، وعمره ثلاث أو أربع وخمسون سنة. قوله: "عن ذلك" أي عن تأخير الحجاج الصلاة.

стр. 1446

قوله: "بغلس" أي في أول الوقت عند اختلاط الظلام بالضياء. والطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمَّد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃. عن جابر بن عبد الله الأنصاري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: "لما قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله فقال: كان رسول الله ﵇ ... " إلى آخره نحو رواية مسلم سواء. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا عبد الله بن حسان العنبري، قال: حدثتني جدتاي صفية بنت عُليبة ودحيبة بنت عُليبة، أنهما أخبرتهما قيلة ابنة مخرمة، أنها قدمت على رسول الله ﵇ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، وقد أقيمت حين شق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من الظلمة". ش: يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي أبو محمد البصري المقرئ النحوي روى له الجماعة سوى البخاري، الترمذي في "الشمائل". وعبد الله بن حسان التميمي أبو الجنيد العنبري يلقب عتريس، روى له أبو داود والترمذي. وصفية بنت عُليبة -بضم العين المهلة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة- روى لها أبو داود والترمذي. ودحيبة -بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة- بنت عُليبة وثقها ابن حبان. روى لها البخاري في "الأدب" وأبو داود والترمذي، وهي وصفية أختان بنتا عليبة وجدتان لعبد الله بن حسان.

стр. 1447

وقَيْلة -بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف- بنت مخرمة العنبرية الصحابية وكانت صفية ودحيبة ربيبتي قيلة هذه وكانت قيلة جدة أبيهما. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١) مطولًا: ثنا أبو مسلم الكشي، ثنا حفص بن عمر أبو عمر البصري الحوضي (ح). وثنا معاذ بن المثنى والفضل بن حباب أبو خليفة، قالا: ثنا عبد الله بن سوَّار بن قدامة بن عنزة العنبري (ح). وثنا يعقوب بن إسحاق المخرمي، ثنا عفان بن مسلم (ح). وثنا محمد بن زكرياء الغلابي، ثنا عبد الله بن رجاء الغداني (ح). وثنا محمد بن هشام بن أبي الدميك المستلمي، نا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي، قالوا: ثنا عبد الله بن حسان العنبري أبو الجنيد أخو بني كعب العنبري، حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة، وكانتا ربيبتي قيلة، أن قيلة بنت مخرمة حدثتهما أنها كانت تحت حبيب بن أزهر أخي ابن جناب، فولدت له النساء، ثم توفي، فانتزع منها بناتها أثوب بن أزهر عمهن، فخرجت تبتغي الصحابة إلى رسول الله ﵇ في أول الإِسلام فبكت جويرية منهن. حديباء قد كانت أخذتها الفرصة، وهي أصغرهن، عليها سبيج لها من صوف فرحمتها فاحتملتها معها فبَيْنا هما ترتكان الجمل إذا انتفجت الأرنب فقالت الحديباء الفصتية: لا والله لا يزال كعبك أعلى من كعب أثوب في هذ الحديث أبدًا ثم لما سنح الثعلب فسمته اسمًا غير الثعلب نَسَبَه عبد الله بن حسان ثم قالت ما قالت في الأرنب فبينما هما ترتكان إذْ برك الجمل وأخذته رعدة فقالت الحديباء الفَصْتية: والله أخذة أثوب، فقلت: واضطررت إليها: ويحكي ما أصنع؟ قا لت: قلبي ثيابك ظهورها لبطونها، وتدحرجي ظهرك لبطنك، وقلبي أحلاس جملك ثم خلعت سبيجها فقلبته وتدحرجت ظهرها لبطنها، فلما فعلتُ ما أمرتني انتفض الجمل، ثم

стр. 1448

قام فتفأّج وبال فقالت الحديباء: أعيدي عليك إداتك، ففعلتُ ما أمرتني به، فأعدتها، ثم خرجنا نرتك، فإذا أثوب يسعى على إثرنا بالسيف صَلْتًا فَوَألنا إلى حواء ضخم، فداراه حتى ألقى الجمل إلى رواق البيت الأوسط جمل ذلول، واقتحمت داخله بالجارية وأدركني بالسيف فأصابت، ظبته طائفة من قرون رأسي، وقال: ألقي إليَّ بنت أخي يادفار، فرميت بها إليه، فجعلها على منكبه، فذهب بها، وكنت أعلم به من أهل البيت ومضيت إلى أخت لي ناكح من بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول الله ﷺ أول الإسلام، فبينما أنا عندها ذات ليلة من الليالي تَحْسِب يميني نائمة جاء زوجها من الشام، فقال: وأبيك لقد وجدت لقيلة صاحبًا صاحب صدق، فقالت أختي: من هو؟ قال: حريث بن حسان الشيباني، عاد وافد بكر بن وائل إود رسول الله ﵇ ذا صباح، فقالت أختي: الويل لب، لا تسمع بهذا أختي فتخرج مع أخي بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها ليس معها من قومها رجل، فقال: لا تذكريه لها فإني غير ذاكر لها، فسمعت ما قالا فعدوت فشددت على جملي، فوجدته غير بعيد، فسألته الصحبة، فقال: نعم وكرامة، وركابه مناخة عنده فخرجت معه صاحب صدق حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو يصلي بالناس صلاة الغداة وقد أقيمت حين شق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل فصففت مع الرجال، امرأة حديثة عهد بجاهلية، فقال لي الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا بل امرأة، فقال: إنك قد كدت تفتنيني، فصلي في النساء ورائك وإذا صف من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته حين دخلت، فكنت فيهن حتى إذا طلعت الشمس دنوت، فجعلت إذا رأيت رجلًا ذا رداء وذا قشرٍ طمح إليه بصري لأرى رسول الله ﵇ فوق الناس، حتى جاء رجل بعد ما ارتفعت الشمس، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﵇: وعليك السلام ورحمة الله، وعليه أسمال مُليَّتين قد كانتا بزعفران، وقد نفضتا، وبيده عُسَيب نخلة مقشوّ غير خوصتين من أعلاه، قاعد القرفصاء، فلما رأيت

стр. 1449

رسول الله ﵇ المتخشع في الجلسة أرعدت من الفَرَق فقال له جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة. فقال رسول الله ﵇ ولم ينظر إلى وأنا عند ظهره: يا مسكينة، عليك السكينة، فلما قالها رسول الله ﵇؛ أذهب الله ما كان دخل قلبي من الرعب، وتقدم صاحبي أول رجل حريث بن حسان فبايعه على الإسلام وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، أكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز، فقال رسول الله ﵇: اكتب له بالدهناء يا غلام، فلما أمر له بها، شُخِصَ بي، وهي وطني وداري، فقلت: يا رسول الله لم يسألك السوية من الأمر إذْ سألك؛ إنما هذه الدهناء عندها مقيد الجمل، ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال: أمسك يا غلام، صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفُتَّان، فلما رأى ذلك حريث أن قد حيل دون كتابه ضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: كنت أنا وأنت كما قال وحتفها تحمل ضأن بأظلافها فقالت: والله ما أعلم أن كنت لدليلًا في الظلماء بذولا لذي الرحل، عفيفًا عن الرفيقة، حتى قدمنا على رسول الله ﵇، ولكن لا تلمني على أن أسأل حظي إذْ سألت حظك، قال: وما حظك في الدهناء لا أبا لك؟ قلت: مقيد جملي تسأله لجمل امرأتك قال: لا جرم إني أشهد رسول الله ﵇ إني لك أخ وصاحب ما حييت إذا ثنيت على هذا عنده فقلت: إذ بدأتها ولن أضيعها، فقال رسول الله ﵇ أيلام ابن هذه أن يفصِّل الخطة وينتصر من وراء الحجرة، فبكيتُ ثم قلت: قد والله ولدته يا رسول الله حرامًا، فقاتل معك يوم الربذة ثم ذهب يميرني من خيبر فأصابته حماها فمات، فترك عليّ النساء، فقال رسول الله ﵇: فوالذي نفسي بيده لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك -أو لجررت على وجهك شك عبد الله بن حسان أي الحرفين حدثته المرأتان- أتغلب إحداكن صوحبها في الدنيا معروفًا فإذا حال بينه وبين من هو أولى به اسْتُرجع ثم قال: رب آسني ما أمضيت فأعني على ما أبقيتَ، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبلى فيستعير له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم، ثم كتب لها في قطيعة أديم أحمر

стр. 1450

لقيلة والنسوة من بنات قيلة ألا يظلمن حقًّا ولا يكرهن على منكح وكل مؤمن ومسلم لهن نصير، أحْسنَّ ولا تَسئنَ". انتهى. وقد أخرج أبو داود (١) قطعة منه في باب إقطاع الأرضين في كتاب الخراج، وقال: ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل -المعنى واحد- قالا: نا عبد الله ابن حسان العنبري، قال: حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة، وكانت جدة أبيهما، أنها أخبرتهما قالت: "قدمنا على رسول الله ﵇، تقدم صاحبي -تعني حريث بن حسان- وافد بكر بن وائل، فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين تميم بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز، فقال: أكتب له يا غلام بالدهناء، فلما رأيته قد أمر له بها شُخِصَ بي، وهي وطني وداري، فقلت له: يا رسول الله، إنه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدهناء عندها نقيد الجمل، ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال: أمسك يا غلام، صدقت المسكينة؛ المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان". وأخرج الترمذي (٢) قطعة أيضًا في باب "ما جاء في الثوب الأصفر": ثنا عبد بن حميد، قال: ثنا عفان بن مسلم الصفار أبو عثمان قال: ثنا عبد الله بن حسان، أنه حدثته جدتاه صفية بنت عليبة ودحيبة بنت عليبة، حدثتاه عن قيلة بنت مخرمة وكانتا ربيبتيها وكانت قيلة جدة أبيهما أمُّ أمه، أنها قالت: "قدمنا على رسول الله ﵇ ... " فذكرت الحديث بطوله: "حتى جاء رجل وقد ارتفعت الشمس، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﵇: وعليك السلام ورحمة الله، وعليه -تعني النبي ﵇ أسمال مليئتين كانتا بزعفران، وقد نفضتا ومعه عسيب نخلة". قال أبو عيسى: حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان انتهى. قوله: "فخرجت تبتغي الصحابة" أي تطلبها.

стр. 1451

قوله: "حديباء" تصغير حدباء، والحَدَب بالتحريك ما ارتفع وغلط من الظهر، وقد يكون في الصدر، وصاحبه: أحدب. قلت: الذي في ظهره: أحدب، والذي في صدره: أقعس. قوله: "أخذتها الفرصة" قال ابن الأثير: أي ريح الحديث، ويقال بالسين، وقال ابن عائشة: الفَرصة ذات الحديث، والفِرصة القطعة من المسك، والفُرصة: الدولة، يقال: أنتهز فرصتك: أي دولتك. قوله: "عليها سُبَيِّج" بضم السين المهملة، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره جيم تصغير سبيج كَرَغِيف ورُغَيِّفّ، وهو معرب: شَبِيّ، للقميص بالفارسية، وقيل: معناه ثوب صوف أسود، وقال ابن عائشة: السُّبَيِّج سَمل كساء، وفي "العباب": وقال ابن الأعرابي: السِّيبج -بكسر السين وسكون الياء وفتح الباء الموحدة- قال: وأراه معربًا. قوله: "تُرْتِكان الجمل" أي تحملانه على السير السريع، يقال: رَتَكَ يَرْتِكُ رَتْكًا ورَتَكَانًا، وقال ابن عائشة: الرَتَكان: ضرب من السير. قوله: "إذا انتفجت الأرنب" أي وثبت، وقال ابن عائشة: الانتفاج: السعي. قوله: "الفصية" قال ابن عائشة: الفصية: انقضاء الأمور، قلت: هو بفتح الفاء وسكون الصاد المهملة وفتح الياء آخر الحروف، وأرادت بها الخروج من الضيق إلى السعة، وهو اسم من التفصي. وقال ابن الأثير: أرادت أنها كانت في ضيق وشدة من قبل عمّ بناتها، فخرجت منه إلى السعة والرخاء. قوله: "ثم سنح" قال ابن عائشة: أي ولاك ميامنه، وبعض العرب يجعل مياسره، وهم يتطيرون بأحدهما ويتفاءلون بالآخر. قوله: "أحلاس جملك" جمع حِلْس -بالكسر- وهو الكساء الذي يلي ظهر

стр. 1452

البعير، تحت القَتَب. قوله: "فتفاءَّج": أي تفتح. قوله: "صلتًا" أي مجردًا مسلولًا. قوله: "فوألنا" أي لجأنا إلى "حِواء" بكسر الحاء المهملة، وبالمد في آخره، قال ابن الأثير: الحِواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء والجمع: أحوية. قوله: "فأصابت ظبته" أي طَرفُه وحدُّه وأصلها ظُبَوٌ على وزن صُرَدٌ، فحذفت الواو، وعُوِّض منها الهاء. قوله: "طائفة من قرون رأسي" أي قطعة من ذوائب شعري، وكل ضفيرة من ضفائر الشعر قرن. قوله: "يا دفار" أي يا مُنْتنة. قوله: "حين شق الفجر" أي حين طلع، يقال: شق الفجر وانشق إذا طلع، كأنه شق موضع طلوعه وخرج منه. قوله: "والنجوم شابكة في السماء" أي مشتبكة، أرادت أن النجوم ظهرت جميعها واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها. قوله: "لا تكاد تَعَارَفُ" بفتح التاء وضم الفاء، وأصله تتعارف بتاءين، فحذفت إحداها للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ (١) أصله: تتلظى. قوله: "ذا رُواء" بضم الراء وبالمد، أي ذا منظر حسن. قوله: "وذا قِشْر" أي ذا لباس والقِشْر اللباس ومنه تسمى الحلة: قشرة. قوله: "طمح إليه بصري" أي امتد وعلا. قوله: "وعليه أسمال" جمع سَمْل، وهو الخَلِق من الثياب، وهو مضاف إلى قوله:

стр. 1453

"مُلَيَّتين" تصغير ملائين تثنية ملاءة، وهي الإزار. قوله: "عُسّيِّب نخلة" أي جريدة منها، وهي السعفة، مما لا ينبت عليه الخوص، وقال ابن الأثير: الرواية: "عُسَيِّب نخلة" مصغرًا. قوله: "مقشوّ" أي مقشور عنه خوصه، يقال: قشوت العود إذا قشرته. قوله: "بالدهناء" الدهناء -بفتح الدال تمد وتقصر- موضع ببلاد بني تميم. قوله: "شُخِصَ بي" أي ارتفع بصري. قوله: "علي الفتان" يروى بضم الفاء وفتحها، فبالضم جمع فاتن، أي يعاون أحدهما الآخر على الذين يضلون الناس عن الحق، ويفتنونهم، وبالفتح: هو الشيطان؛ لأنه يفتن الناس عن الدين، وفُتَّان مبالغة فاتن. قوله: "وحتفها تحمل ضأنًا بأظلافها" هذا مثل، وأصله: أن رجلًا كان جائعًا بالبلد القفر، فوجد شاة ولم يكن معه ما يذبحها به، فبحثت الشاة الأرض فظهرت فيها مدية فذبحها بها، فصار مثلًا لكل من أعان على نفسه بسوء تدبيره، والحتف: الموت، والضمير في حتفها يرجع إلى الضأن، وهو جمع ضائن خلاف الماعز، والتقدير: تحمل ضأن حتفها بأظلافها. و"الأظلاف" جمع ظلف وهو للبقرة والشاة والظبي ونحوها، ويجمع على ظلف أيضًا. قوله: "رب آسني" أي اجعل لي أسوة بما تعطني به، قال ابن الأثير: معناه عَزِّني وصَبِّرني، ويروى: أُسْني -بضم الهمزة وسكون السين - أي عَوِّضني، والأوْس العوض. ص: حدثنا أبو أميّة، قال: ثنا ووح بن عبادة والحجاج بن نصير، قالا: ثنا قرة بن خالد السدوسي، قال: ثنا ضرغامة بن عليية بن حرملة العنبري، قال: حدثني أبي، عن جدي قال: "أتيت رسول الله ﵇ في ركوب من الحي، فصلى بنا صلاة الغداة فانصرف وما كاد أعرف وجوه القوم، أي كأنه

стр. 1454

بغلس". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا قرة، عن ضرغامة بن عليبة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇، مثله. ش: هذان طريقان: أحدهما: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي شيخ النسائي وأبي عوانة الإسفرائيني وأبي حاتم الرازي، قال في "الميزان": محدث رحَّال ثقة. عن روح بن عبادة بن العلاء البصري روى له الجماعة. وعن الحجاج بن نصير الفساطيطي القيسي أبي محمد البصري، فعن أحمد: ضعيف. وكذا عن النسائي، وذكره ابن حبان في "الثقاب" وقال: يخطئ ويهم. كلاهما يرويان عن قرة بن خالد السدوسي أبي محمد البصري روى له الجماعة. عن ضرغامة بن عليبة العنبري وثقه ابن حبان. عن أبيه عليبة بن حرملة العنبري التميمي وثقه ابن حبان. عن جده حرملة بن عبد الله التميمي العنبري الصحابي، وهو جَدُّ حبان بن عاصم لأمه، وجَدُّ صفية ودحيبة ابنتي عليبة لأبيها. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا معاذ بن المثنى، ثنا أبي وعمي عبيد الله بن معاذ، قالا: ثنا أبي، ثنا قرة بن خالد، ثنا ضرغامة بن عليبة بن حرملة، حدثني أبي، عن أبيه قال: "انطلقت في وفد الحي إلى رسول الله ﵇، فصلى بنا صلاة الصبح، فلما سلم جعلت انظر إلى وجه الذي إلى جنبي، فما أكاد أعرفه من الغلس فقلت: يا رسول الله، أوصني، قال: اتق الله، وإن كنت في القوم فسمعتهم يقولون لك ما يعجبك فأته، وإن سمعتهم يقولون لك ما تكره، فدعه".

стр. 1455

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز -بالخاء والزائين المعجمات- وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هارون بن إسماعيل الخزاز فقال: شيخ محله الصدق، كان عنده كتاب عن علي بن المبارك، وكان تاجرًا. عن قرة بن خالد، عن ضرغامة ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا قرة بن خالد، ثنا ضرغامة بن عليبة بن حرملة العنبري، عن أبيه عليبة، عن جده حرملة قال: "أتيت رسول الله ﵇ في ركب من الحي، فصلى بنا صلاة الصبح، فجعلت انظر إلى الذي بجنبي فما أكاد أعرفه من الغلس، فلما أردت الرجوع، قلت: أوصني يا رسول الله، قال: اتق الله، وإذا كنت في مجلس فقمت عنهم فسمعتهم يقولون ما يعجبك فأته وإذا سمعتهم يقولون ما تكره فلا تأته". قوله: "في ركوب من الحط" الركوب جمع رَكْب جمع رَاكِب كصَحْب جمع صَاحِب، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة. قوله: "وما أكاد" أي وما أقرب "أعرف"، وذلك لأجل الغلس، وهو ظلمة آخر الليل المختلطة بضياء الصباح. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، وقالوا: هكذا يفعل في صلاة الفجر يغلس بها؛ فإنها أفضل من الإسفار بها. ش: أراد بهؤلاء القوم: الأوزاعي والليث وإسحاق بن راهويه والشافعي وأحمد ومالكًا -في الصحيح عنه- وأبا ثور وداود؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الأحاديث المذكورة، وقالوا: التغليس بالفجر أفضل من الإسفار بها، وذكر ابن قدامة عن أحمد: إذا اجتمع المصلون فالتغليس أفضل وإن أخروا فالتأخير أفضل.

стр. 1456

وقال ابن المنذر: وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن الزبير وابن عمر وأبي هريرة أخبارًا تدل على أن التغليس أفضل من تأخيرها. قلت: وسنذكر عن عمر وعلي وعثمان وأبي موسى وابن عمر ما يخالف هذا. وقال ابن حزم: وتعجيل جميع الصلوات في أول أوقاتها، أفضل على كل حال حاشى العتمة؛ فإن تأخيرها إلى آخر وقتها في كل حال وكل زمان أفضل، إلا أن يشق ذلك على الناس فالرفق بهم أولى، وحاشى الظهر للجماعة خاصة في شدة الحر خاصة، فالإبراد بها إلى آخر وقتها أفضل. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل الإسفار بها أفضل من التغليس. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وإبراهيم النخعي وطاوسًا وسعيد بن جبير وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأكثر العراقيين وفقهاء الكوفة وأصحاب ابن مسعود ﵃ فإنهم قالوا: بل الإسفار بالصبح أفضل من التغليس، وقالوا: الإسفار قوة الضوء. وهو أيضًا اختيار ثعلب وغيره من اللغوين، يقال: أسفرت المرأة إذا ألقت خمارها عن وجهها، وأسفر وجهها إذا أضاء، وقال الجوهري: معنى اسفروا بالفجر: أي صلوها مسفرين، ويقال: طولوها إلى الإسفار. وقال ابن طريف: أسفر الليل: انقضى انكشفت ظلمته. وفي "المغيث": أسفر الصبح: انكشف، وفي "الأساس" للزمخشري: وخرجوا في السفر: في بياض الفجر، ورُحْ بنا بسفر: ببياض قبل الليل، وفي المجاز: وجه مسفر: مشرق سرورًا، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ (١)، وفي "المعرب": أسفر الصبح: أضاء، وأسفر بالصلاة أي صلاها بالإسفار، وقال في "المحيط": إذا كانت السماء مُصْحية فالإسفار أفضل إلا للحاج بمزدلفة، فهناك التغليس أفضل، وعمم في "المبسوط" فقال: الإسفار أفضل من التغليس في الأوقات كلها، وقال الطحاوي:

стр. 1457

إن كان من عزمه التطويل يشرع في التغليس ليخرج في الإسفار، قال: وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، وفي كتاب "الأسرار" للدبوسي: لا يباح التأخير لمن ينام في بيته بعد الفجر بل يحضر المسجد لأول الوقت، ثم ينتظر الصلاة، ثم يصلي لآخر الوقت؛ إذ لو صلى لأول الوقت قَلَّ ما يمكنه اللبث والمقام إلى طلوع الشمس فلا ينشغل بعد الفراغ بحديث الدنيا. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: "حجَّ عبد الله، فأمرني علقمة أن ألزمه، فلما كانت ليلة المزدلفة فطلع الفجر، قال: أقم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه لساعة ما رأيتك تصلي فيها قط، فقال: إن رسول الله ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس من المزدلفة، وصلاة الغداة حين يبزغ الفجر، ورأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك". وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "خرجت مع عبد الله بن مسعود ﵁ إلى مكة، فصلى الفجر يوم النحر حين سطع الفجر، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن هاتين الصلاتين تحولان عن وقتهما في هذا المكان: المغرب، وصلاة الفجر في هذه الساعة". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من فضيلة الإسفار بالفجر؛ بحديث عبد الله بن مسعود. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن روح بن الفرج القطان أبي الزنباع المصري، عن عمرو بن خالد ابن فروخ الحنظلي أبي الحسن الجزري الحراني أحد مشايخ البخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين.

стр. 1458

عن زهير معاوية بن حديج أبي خيثمة الكوفي أحد أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد: زهير فيما روى من المشايخ ثبت بخٍ بخٍ. روى له الجماعة. عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة. عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبي بكر الكوفي، ابن أخي علقمة بن قيس، روى له الجماعة ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن ابن يزيد قال: "خرجت مع عبد الله إلى مكة، ثم قدمنا جَمْعًا فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، وتعشى بينها، ثم صلى الفجر وقائل يقول: طلع، وقائل يقول: لا، ثم قال: إن رسول الله ﵇ قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان، ولا يقدم الناس جمعًا حتى يُعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة، ثم وقف حتى أسفر ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السُنَّة، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان؟ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عفان، ثنا جرير بن حازم، سمعت أبا إسحاق يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "حججنا مع ابن مسعود في خلافة عثمان ﵁ قال: فلما وقفنا بعرفة قال: فلما غربت الشمس، قال ابن مسعود: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب فلا أدري كلمة ابن مسعود كانت أسرع أو إفاضة عثمان؟ قال: فأوضع الناس ولم يزد ابن مسعود على العَنَق حتى أتينا جمعًا، فصلى ابن مسعود المغرب، ثم دعى بعشائه فتعشى، ثم قام فصلى العشاء الآخرة، ثم رقد حتى إذا طلع الفجر قام فصلى الغداة، قال: فقلت له: ما كنت تصلي هذه الصلاة هذه الساعة -قال: وكان يسفر بالصلاة- قال: إني رأيت رسول الله ﵇ في هذا اليوم في هذا المكان يصلي في هذه الساعة".

стр. 1459

قوله: "حين يبزغ الفجر" أي حين يطلع يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر، وغيرهما، إذا طلعت، والبزوغ: الطلوع. قوله: "حتى يعتموا" أي حتى يدخلوا في وقت العتمة، وهي العشاء. قوله: "فأوضع الناس" من وضع البعير يضع وضعا، وأوضع راكبه إيضاعًا: إذا حمله على سرعة السير. قوله: "على العَنَق" وهو ضرب من السير، قال الجوهري: العنق ضرب من سير الدابة والإبل، وهو سير مستطرّ، أي ممتد. وهذا يدل على استحباب الإسفار بالفجر؛ لأن عبد الله لما صلى الفجر يومئذ في أول وقته استعجبه عبد الرحمن بن يزيد؛ لأن عهده أنه يسفر بالفجر دائمًا، ولهذا قال: إن هذه لساعة ما رأيتك تصلي فيها قط، وقال ابن مسعود في جوابه: إن رسول الله ﵇ كان لا يصلي هذه الساعة -يعني في أول الفجر- إلا هذه الصلاة -يعني صلاة الصبح- في هذا المكان -يعني في مزدلفة- في هذا اليوم -يعني يوم النحر- فدل ذلك أن رسول الله ﵇ كان لا يصلي الفجر دائمًا إلا في الإسفار إلا في يوم مزدلفة؛ فإنه كان يغلس بها فيها، لتدارك الوقوف، ولا يعارضه حديث أبي مسعود البدري: "أنه ﵇ صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات ﵇ لم يعد إلى أن يسفر". من وجهين: الأول: أن في إسناده أسامة بن زيد قد تكلموا فيه، فقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بالقوي. فلا يعارض حديث ابن مسعود؛ لكون رجاله ثقاتًا من رجال الصحيحين. الوجه الثاني: أن ابن مسعود أخبر بحال الرسول ﵇ من أبي مسعود؛ لشدة ملازمته رسول الله ﵇، وكان حامل نعله، ولا يفارقه، وهو أكثر اطلاعًا من غيره في أمور عباداته واختياره الأوقات المستحبة فيها.

стр. 1460

فإن قيل: حديث أبي مسعود قد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، فهلَّا يعارض حديث ابن مسعود. قلت: بلى قد أخرجوه، ولكن البخاري ومسلما لم يذكرا في روايتهما قضية الإسفار مرة، ثم كانت صلاته التغليس حتى مات. فإن قيل: قد قال المنذري: هذه الزيادة في قضية الإسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة. قلت: قَدْ مَرَّ جوابه آنفًا: أن فيهم أسامة بن زيد، وقد قيل فيه ما قيل، وقد مر الكلام فيه مرة. الطريق الثاني: ليس من الطحاوي، وإنما هو من أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ الذي روينا كتاب "معاني الآثار" عنه عن الطحاوي، وهو من زيادات أبي بكر، ولهذا لا يوجد في كثير من النسخ. يروي عن أبي عروبة الحسن بن محمد الحراني الإمام الحافظ. عن عبد الرحمن بن عمرو البجلي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حسن بن موسى، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: "حج عبد الله بن مسعود، فأمرني علقمة أن ألزمه، فلزمته فكنت معه ... ". فذكر الحديث وفيه: "فلما كان حين طلع الفجر، قال: أقم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه لساعة ما رأيتك صليت فيها! قال: قال: "إن رسول الله ﵇ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تُحَولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، وصلاة الغداة حين يبزغ الفجر، قال: رأيت رسول الله ﵇ فعل ذلك".

стр. 1461

الطريق الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد ... إلى آخره. وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "أفضت مع ابن مسعود من عرفه، فلما جاء المزدلفة صلى المغرب والعشاء كل واحدة منهما بأذان وإقامة، وجعل بينهما العَشَاء، ثم نام، فلما قال قائل: طلع الفجر. صلى الفجر، ثم قال: إن رسول الله ﵇ قال: إن هاتين الصلاتين أخرتا عن وقتهما في هذا المكان، أما المغرب فإن الناس لا يأتون ها هنا حتى يُعتموا، وأما الفجر فهذا الحين، ثم وقف، فلما أسفر قال: إن أصاب أمير المؤمنين دفع الآن، قال: فما فرغ عبد الله من كلامه حتى دفع عثمان ﵁". قوله: "تُحولان" أي تنقلان وتصليان في غير وقتها المعهود، وهذا دليل صريح إلى أنه ﵇ كان يسفر بالصبح دائمًا؛ لأنه قال: "وصلاة الفجر في هذه الساعة" يعني ساعة طلوع الفجر، ولو كان يغلس بها دائما كما غلس بها في هذا اليوم لَما قال: "إن هاتين الصلاتين تحولان عن وقتهما" أي عن وقتهما المعهود؛ لأن المعهود في المغرب أن يصلى عقيب غروب الشمس، والمعهود في الصبح أنه كان يصليها عند الإسفار، وإن كان وقتها من بعد طلوع الفجر، ولو لم يكن المعنى ما ذكرنا لخلا كلامه ﵇ عن الفائدة. ص: وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا بشر بن السري، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سُمَيْرة، قال: حدثني أبو طريف "أنه كان شاهدًا مع النبي ﵇ حصن الطائف، فكان يصلي بنا صلاة البَصَر حتى لو أن إنسانًا رمى بنبله أبصر مواقع نبله".

стр. 1462

ش: يحيى بن معين -بفتح الميم- بن عون المري الغطفاني أبو زكرياء البغدادي الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمشار إليه بين أقرانه، وهو أحد مشايخ البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد بن حنبل وأبي يعلى الموصلي وآخرين وبشر بن السري البصري أبو عَمرو الأفوه روى له الجماعة. وزكرياء بن إسحاق المكي روى له الجماعة. والوليد بن عبد الله بن أبي سُمَيْرة. وقيل: ابن سُمَيْر ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين. وأبو طريف مولى عبد الرحمن بن طلحة حجازي، قال عبد الرحمن بن أبي هاشم عن أبيه: أبو طريف روى عن النبي ﵇، روى عنه الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة. وقال أبو عمر في "الاستيعاب": أبو طريف الهذلي سمع النبي ﵇، يعد في أهل الحجاز، ويقال: إنه تابعي. والحديث أخرجه البغوي (١): عن علي بن مسلم، عن يحيى بن معين، عن بشر بن السري ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي متنًا وإسنادًا. وأخرجه البغوي مرة أخرى بلفظ: "حاضرنا مع رسول الله ﵇ حصن الطائف، وصلى بنا صلاة البصر، حتى لو شاء إنسان أبصر مواقع نبله". وأخرجه العسكري في كتاب "الصحابة": ثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمود بن آدم، قال: نا بشر بن السري، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة، نحوه. غير أن في روايته: "فكان يصلي بنا صلاة المغرب".

стр. 1463

وكذلك أخرجه ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (١) وقال: أنا يحيى بن أبي رجاء بإسناده إلى ابن أبي عاصم، قال: ذكر بشر بن طريف، عن أزهر بن القاسم، عن زكرياء بن إسحاق، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة، عن أبي طريف أنه قال: "كنت مع النبي ﵇ حين حاصر أهل الطائف، وكان يصلي بنا صلاة المغرب. ولو أن إنسانًا رمى بنبله لأبصر مواقع نبله". قوله: "صلاة البَصَر" بفتح الباء الموحدة والصاد. قيل: هي صلاة المغرب، وروي ذلك عن أحمد أبي أنه قال: صلاة البَصَر: صلاة المغرب. وقيل: صلاة الفجر؛ لأنهما يؤديان وقد اختلط الظلام بالضياء، والبَصَر ها هنا بمعنى الإبصار، يقال: بَصُر به بصرًا، فعل هذا تحمل الروايتان على المعنين، فتحمل رواية الطحاوي على صلاة الفجر؛ لأنه أخرجه دليلًا على استحباب الإسفار بالفجر، وتحمل رواية غيره على صلاة المغرب، فكلتا الروايتين صحيحة، ووقع في بعض نسخ الطحاوي: "صلاة الفجر" موضع "صلاة البصر". ص: وحدثنا يزيد بن مشان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: "كان النبي ﵇ يؤخر الفجر كاسمها". ش: إسناده جيد حسن. وسفيان هو الثوري، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل -بفتح العين- بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو محمد المدني، ضعفه النسائي، وقال الترمذي: صدوق. وقال البخاري: مقارب الحديث. وروى له في غير الصحيح. قوله: "كاسمها" أراد أنه كان يصليها عند انفجار الصبح، وهو انفلاقه وانكشافه عند آخر الليل؛ لأن الفجر في آخر الليل كالشفق في أوله، فكما أنه اسم

стр. 1464

لآخر الليل فكذلك كان ﵇ يؤخر صلاة الفجر إلى آخر وقت الفجر، يعني وقت الإسفار. ص: وحدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا سعيد بن عامر الضبعي، قال: ثنا عوف، عن سيار بن سلامة قال: "دخلت مع أي على أبي برزة ﵁ فسأله عن صلاة رسول الله ﵇ فقال: كان ينصرف من صلاة الصبح والرجل يعرف وجه جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وعوف هو ابن أبي جميلة العبدي الهجري أبو سهل البصري المعروف بابن الأعرابي، روى له الجماعة. وسيّار بن سلامة الرياحي أبو المنهال البصري، روى له الجماعة. وأبو برزة -بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة بعدها الزاي المعجمة- اسمه نضلة بن عبيد بن برزة الأسلمي ﵁. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، ثنا أبي، ثنا النضر بن شميل، ثنا سيّار بن سلامة، عن أبي برزة قال: "كان رسول الله ﵇ ينصرف من الصبح، فينظر الرجل إلى الجليس الذي كان يعرفه فيعرفه". وأخرج النسائي (٢) في فضل القراءة: أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، ثنا يزيد، قال: أنا سليمان التيمي، عن سيّار -يعني ابن سلامة- عن أبي برزة: "أن رسول الله ﵇ كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المائة". ويستفاد منه: استحباب الإسفار بالفجر، وتطويل القراءة فيه. ص: قالوا: ففي هذه الآثار ما يدل على تأخير رسول الله ﵇ إياها، وعلى تنويره بها، وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يصلي في سائر الأيام صلاة

стр. 1465

الصبح في خلاف الوقت الذي يصلي فيه بمزدلفة، وأن هذه الصلاة تحول عن وقتها. ش: أي قال الجماعة الآخرون في هذه الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن مسعود وأبي طريف وجابر بن عبد الله وأبي برزة ما يدل على أن النبي ﵇ كان يؤخر صلاة الفجر إلى وقت الإسفار والتنوير، وكذلك حديث عبد الله يدل على ذلك؛ لأنه قال: "كان ﵇ يصلي في جميع الأيام صلاة الصبح في خلاف الوقت الذي كان يصليها فيه بمزدلفة، وكان في مزدلفة يصليها في أول الوقت بالغلس" فيكون خلافه الإسفار والتنوير، وقال أيضًا: "إن هذه الصلاة تحول عن وقتها". يعني عن وقتها المعتاد، وهو الإسفار والتنوير؛ فدل أنه ﵇ كان يستمر على الإسفار بها إلا في يوم مزدلفة وهذا ظاهر لا يخفى. ص: قال أبو جعفر ﵀: وليس في شيء من هذه الآثار ولا فيما تقدمها دليل على أن الأفضل من ذلك ما هو؟ لأنه قد يجوز أن يكون ﵇ فعل شيئًا وغيره أفضل منه، على التوسعة منه على أمته، كما توضأ مرة بعد مرة، وكان وضوءه ثلاثًا ثلاثًا أفضل من ذلك، فأردنا أن ننظر فيما روي عنه سوى هذه الآثار هل فيها ما يدل على الفضل في شيء من ذلك؟ فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﵇: "أسفروا بالفجر، فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر، أو لأجوركم". وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". وحدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي الناس، قال: حدثني شعبة، عن داود، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﵇: "نوروا بالفجر فإنه أعظم للأجر".

стр. 1466

ش: أشار بهذا الكلام إلى أن استدلال كل واحد من الفريقين بالأحاديث التي ذكرها كل فريق للاحتجاج لا يتم به؛ وذلك لأنه قد يجوز أن يكون ﵇ فعل التغليس والحال أن الإسفار أفضل، ويجوز أن يكون فعل الإسفار والحال أن التغليس أفضل توسعة بذلك على أمته، كما فعل كذلك في الوضوء حيث توضأ مرة مرة، والحال أن الثلاث كان أفضل، فإذا كان كذلك فلا يتم استدلال بذلك، فيتعين الرجوع إلى غير هذا ليوقف على أي شيء أفضل، فنظرنا في ذلك فوجدنا رافع بن خديج ﵁ قد روى عن النبي ﵇: "أسفروا بالفجر". وفي رواية: "نوروا" وكذا روي عن غيره بصيغة الأمر على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فدل ذلك على أن الإسفار أفضل من التغليس؛ فحينئذ يتم استدلال أهل المقالة الثانية، وتقوم حجتهم على ساقها. فإنْ قيل: فعل هذا ينبغي أن يكون الإسفار واجبًا لمقتضى الأوامر فيه. قلت: الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقًا مجردًا عن القرائن الصارفة إلى غيره، والأوامر التي وردت في الإسفار ليست كذلك، فلا يدل إلا على الاستحباب. ثم إنه أخرج حديث رافع بن خديج من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن على بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن محمد بن عجلان القرشي روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري روى له الجماعة، عن محمود بن لبيد بن عتبة بن رافع الأنصاري ذكره مسلم في التابعين من الطبقة الثانية وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة، قال: وقال أبي: لا يعرف له صحبة. قال أبو عمر: قول البخاري أولى.

стр. 1467

والحديث أخرجه الأربعة: فالترمذي (١): عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر. لباقون. عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر. ولفظ أبي داود (٢): "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم أو أعظم للأجر". ولفظ ابن ماجه (٣): "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم للأجر أو لأجركم". ولفظ النسائي (٤): "أسفروا بالفجر". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٥) وقال: أنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: ثنا أبو خيثمة، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﵇ قال: "أصبحوا بالصبح؛ فإنكم كلما أصبحتم بالصبح كان أعظم لأجوركم أو لأجرها". وذكره الطوسي وابن القطان وابن حزم في الصحاح، فقال ابن القطان: طريقه طريق صحيح. وقال الترمذي: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وقال البغوي: هو حديث حسن. ولما ذكر ابن حزم هذا الحديث في "المحلى" قال: الخبر صحيح، وقال أبو محمد الأزدي: هذا حديث يدور بهذا الإسناد فيما أعلم على عاصم، وهو ثقة عند أبي زرعة وابن معين، وضعفه غيرهما، وقد روي مسند آخر إلى رافع، وحديث عاصم أصح.

стр. 1468

وحديث رافع من طريق عاصم حسن. وقال ابن القطان: لا أعرف لعاصم مضعِّفًا. ورواه أبو داود من حديث ابن عجلان بدلًا من ابن إسحاق. وجمع بينهما الطبراني (١) فقال: نا إبراهيم بن نائلة، نا محمد بن المغيرة، ثنا النعمان، ثنا سفيان، عن محمد بن إسحاق وابن عجلان. وثنا (٢) محمد بن عبدوس، ثنا إبراهيم بن راشد الأدمي، ثنا معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، قالوا: ثنا عاصم به. قال: وثنا (٣) أبو مَعْن، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا شعبة، عن أبي داود، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع. قال: لم يروه عن شعبة إلا آدم وبقية، إلا أن بقية رواه عن شعبة، عن داود البصري، وقيل: إنه داود بن أبي هند. ورواه أبو نعيم في كتاب "الصلاة" (٤): عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمود به. وهذا الطحاوي أيضًا رواه من حديث ابن عجلان وابن إسحاق، كلاهما عن عاصم، ومن حديث داود بن أبي هند عن زيد بن أسلم عن محمود به. الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٥): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن

стр. 1469

عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". الثالث: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التميمي شيخ البخاري، عن شعبه بن الحجاج، عن داود بن أبي هند البصري، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثني أبي، ثنا بقية بن الوليد، عن شعبة بن الحجاج، حدثني داود البصري، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﵇ قال: "أسفروا بصلاة الفجر فإنه أعظم للأجر". فإن قيل: قد قال ابن حزم في "المحلى" (٢): وهذا الخبر صحيح، إلا أنه لا حجة لهم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله ﵇ في التغليس، حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن، أو حين يعرف الرجل وجه جليسه الذي كان يعرفه، وإن هذا كان المداوم عليه من عمله ﵇، وصح أن الإسفار المأمور به إنما هو بأن ينقضي طلوع الفجر ولا يصلي على شك منه. قلت: قد مر أن الثابت من فعله ﵇ في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأن قوله: "أعظم للأجر". أفعل التفضيل فيقتضي أجرين أحدهما أكمل من الآخر؛ لأن صيغة أفعل تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر لم يكن في وقت التغليس أجر لخروجه عن الوقت. فافهم.

стр. 1470

فإن قيل: قد قال البيهقي (١): رجح الشافعي: حديث عائشة ﵂ بأنه أشبه بكتاب الله الله تعالى يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وأن رسول الله ﵇ لا يأمر بأن تُصلى صلاة في وقت يصليها في غيره، وهذا أشبه بسنن رسول الله ﵇ وذكر حديث (٣) "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئًا، والعفو لا يحتمل إلا معنيين: عفو عن تقصير، أو توسعة. والتوسعة تشبه أن يكون الفضل في غيرها إذا لم يؤمر بترك ذلك الغير الذي وُسِّع في خلافه -يريد الوقت الأول- قال: وقد أبان رسول الله ﵇ مثل ما قلنا، وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال:"الصلاة في أول وقتها" وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به. وقال: قال الشافعي في حديث رافع: له وجه يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أن رسول الله ﵇ لما حضَّ الناس على تقديم الصلاة، وأخبر بالفضل فيها احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: "أسفروا بالفجر" حتى يتبين الفجر الآخر معترضًا فأراد ﵇ -فيما نرى- الخروج من الشك، حتى يصلي المصلي بعد اليقين بالفجر، فأمرهم بالإسفار أي بالتبين. قلت: المراد بالآية والمحافظة فيها: هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل هي دليل لنا؛ لأن الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار في أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة؛ ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظًا للصلاة في وقتها. قوله: "وإن رسول الله ﵇ لا يأمر بأن تصلى صلاة ... " إلى آخره يوهم رد حديث رافع المذكور، وليس هذا بصحيح؛ لأنه ثبت من طريق صحيح عن

стр. 1471

النبي ﵇ أنه أمر بالإسفار كما مَرَّ ذكره، وقد قلنا أيضًا: إن صلاته ﵇ في الغلس لا يدل على الأفضلية حتى يقال لا يأمر بأن تصلى صلاة في وقت يصليها في غيره. وأما حديث (١): "أول الوقت، رضوان الله، وآخره عفو الله" فالمراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢) أي الفضل، فكان معنى الحديث -والله أعلم-: أن من أدى الصلاة في أول الوقت فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه، لامتثاله أمره وأدائه ما وجب عليه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك. وأما حديث (٣): "سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها" فمعناه أداء الصلوات في أول وقتها أفضل الأعمال، وذكر "أول" ها هنا لأجل الحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا فالذي يؤديها في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله، فعُلم أن المراد من ذكر الأول الحث والتأكيد في المنع عن الكسل في آدائها وتأخيرها عن وقتها إلى خروجها عنه، لا أن الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع، فحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول. وأما قوله: وقد قال الشافعي في حديث رافع ... إلى آخره، يرده ويبطل تأويله

стр. 1472

ما رواه ابن أبي شيبة (١)، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي (٢) في مسانيدهم والطبراني في "معجمه" (٣). فقال الطيالسي (٣): ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني. وقال الباقون: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، ثنا هُرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، سمعت جدي رافع بن خديج يقول: قال رسول الله ﵇ لبلال: "يا بلال، نوِّر صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار". ورواه بن أبي حاتم في "علله" (٤) فقال: ثنا هارون بن معروف وغيره، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان، عن هُرَير به. قال: ورواه أبو نعيم، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، عن هُرَير به. ورواه ابن عدي أيضًا في "الكامل" (٥): عن أبي إسماعيل المؤدب، وأسند عن ابن معين أنه قال: أبو إسماعيل المؤدب ضعيف. قال ابن عدي: ولم أجد في تضعيفه غير هذا، وله أحاديث غرائب حسان تدل على أنه من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه. وحديث آخر يبطل ما قالوا، رواه الإمام (أبو القاسم القاسم بن ثابت) (٦) السَّرَقُسْطي في كتاب "غريب الحديث": حدثنا موسى بن هارون، ثنا محمد بن الأعلى، ثنا المعتمر، سمعت يبانًا، أنا سعيد، قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول:

стр. 1473

"كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح حين يفسح البصر" انتهى. قال: يقال: فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به إسفار الصبح، فحينئذ تأويلهم معنى الإسفار أن يظهر الفجر ويتبين حتى لا يُشَك فيه غير صحيح؛ لأن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة. فإن قيل: قد قيل: إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة؛ لأن الصبح لا يتبين فيما جدًّا فأمرهم بزيادة التبيّن استظهارًا باليقين في الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مخ ﷺ وهو باطل. ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة (١): عن إبراهيم النخعي: "ما اجتمع أصحاب محمد ﵇ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر". ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا زهير بن عباد، قال: ثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي ﵇ قالوا: قال النبي ﵇: "أصبحوا بصلاة الصبح، فما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر". وحدثنا محمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي ﵇ قالوا: قال رسول الله ﵇: "أصبحوا بالصبح. فكلما أصبحتم بها فإنه أعظم للأجر". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن زهير بن عباد الرؤاسي قال الدراقطني: مجهول.

стр. 1474

قلت: هو ابن عم وكيع بن الجراح كوفي نزل مصر، وحدث عن مالك وحفص بن ميسرة وجماعة، وعنه الحسن بن سفيان وأبو حاتم الرازي وروح بن الفرج وغيرهم، ووثقه جماعة. عن حفص بن ميسرة العقيلي أبي عمر الصنعاني نزيل عسقلان روى له البخاري ومسلم والنسائي ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (١): من حديث زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن رجال من قومه من الأنصار، أن النبي ﵇ قال: "ما أصبحتم بالصبح فهو أعظم للأجر". الثاني: عن محمد بن هشام هو محمد بن حميد بن هشام الرُّعَيْني، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد. قوله: "أصبحوا" أمر من الإصباح وهو الإسفار والتنوير. ص: وحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا أيوب بن سيّار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر الصديق، عن بلال ﵃ عن النبي ﵇، مثله. ش: أخرج الطبراني (٢) نحوه: ثنا عبد الرحمن بن سالم الرازي، ثنا الهيثم بن اليمان، ثنا أيوب بن سيّار، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال ﵃ قال: قال النبي ﷺ : "يا بلال، أصبحوا بالصبح؛ فإنه خير لكم". وأخرجه البزار في "مسنده" (٣) من حديث جابر عن بلال: ثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: ثنا شبابة بن سوّار، قال: ثنا أيوب بن سيَّار، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن بلال، عن النبي ﵇: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال:

стр. 1475

أيوب ليس بالقوي، وقال ابن الجوزي: أيوب بن سيّار أبو سيّار الزهري المدني نزل فيد فعرف بالفيدي يروي عن ابن المنكدر، قال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن المدني: ضعيف جدًا. وقال يحيى مرة: كذاب. قلت: قال ابن عدي: أظنه مدنيًّا وليست أحاديثه بالمنكرة جدًّا إلا أن الضعف يتبين على رواياته. ولعله عند الطحاوي مَرْضي؛ ولهذا أخرج حديثه في معرض الاستدلال، أو يكون زيادة وتأكيدًا؛ لأن في الباب أحاديث صحيحة كثيرة. فافهم. وهذا كما قد رأيت أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن رافع بن خديج، وعن رجال من الأنصار من الصحابة، وبلال ﵃ وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي برزة الأسلمي وجابر وبلال. قلت: وفي الباب عن قتادة بن النعمان وابن مسعود وأبي هريرة ومحمود بن لبيد وأنس بن مالك وأبي الدرداء وحواء الأنصارية فحديث أبي برزة وجابر وبلال قد ذكر. وحديث قتادة عند البزار والطبراني في "الكبير" من حديث فليح بن سليمان، ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجركم- أو للأجر". ورجاله ثقات. وحديث ابن مسعود عند الطبراني (١): ثنا أحمد بن أبي يحيى الحضرمي، ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي، ثنا المعلى بن عبد الرحمن، ثنا سفيان الثوري وشعبة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا نحوه. وحديث أبي هريرة عند ابن حبان في كتاب "الضعفاء" (٢): من حديث سعيد بن أوس، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا، نحوه.
следующие страницы →