لهم به استدلال، وعندي جواب آخر أحسن منه، وهو أن ابن مسعود إنما أكد كلامه بيمينه على أن دخول وقت الظهر من زوال الشمس عن كبد السماء، وليس يمينه على أن وقت الظهر هو الوقت الذي صلى فيه الظهر فقط؛ لأن وقت الظهر أكثر من الوقت الذي صلى هو فيه؛ لأنه ينتهي إلى أنه يصير ظل كل شيء مثله أو مثليه على الخلاف، فيكون معنى قوله: "هو وقت الظهر" أي هو وقت دخول الظهر، واستحقاقه، وليس فيه دلالة على استحباب ذلك الجزء من الوقت، فافهم.
ص: فإن احتج محتج في تعجيل الظهر بما قد حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سويد بن غفلة، قال: "سمع الحجاج أذانه بالظهر وهو في الجبَّانة، فأرسل إليه، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقال: صليت مع أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ حين زالت الشمس، قال: فصرفه، وقال: لا تؤذن ولا تؤم".
قيل له: ليس في هذا الحديث أن الوقت الذي رآهم فيه سويد كان في الصيف فقد يجوز أن يكون كان في الشتاء ويكون حكم الصيف عندهم بخلاف ذلك، والدليل على هذا: أن يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله ابن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، "أن عمر ﵁ قال لأبي محذورة بمكة: كنت بأرض حارة شديدة الحرِّ فأبرد ثم أبرد بالأذان للصلاة".
قال أبو جعفر ﵀: أفلا ترى أن عمر ﵁ قد أمر أبا محذورة في هذا الحديث بالإبراد لشدة الحرِّ؟ فأولى الأشياء بنا أن نحمل ما روى عنه سويد على غير خلاف ذلك، فيكون ذلك كان منه في وقت لا حرَّ فيه.
ش: وجه الاحتجاج: أن سويد بن غفلة أخبر أنه صلى مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ في أول الوقت، فدل على أن التعجيل هو السنة مطلقًا؛ لأنه لو لم يكن السنة لما فعل بها الخلفاء الثلاثة الراشدون.
وتقرير الجواب: أنه لا دليل فيه أن الوقت الذي رآهم سويد يصلون فيه كان في الصيف، فيحتمل أن يكون قد كان ذلك في الشتاء، بل هو المراد، والدليل عليه أن
стр. 1542
عمر ﵁ أمر أبا محذورة مؤذن مكة أن يبرد بالأذان للصلاة في شدة الحرّ فلو لم يكن هذا عند عمر سنة لما أمره بذلك.
ثم إسناد أثر سويد صحيح، وابن الأصبهاني هو محمَّد بن سعيد شيخ البخاري.
وأبو حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة- واسمه عثمان بن عاصم الكوفي، روى له الجماعة.
وسويد بن غفلة بن عوسجة الكوفي أدرك الجاهلية، وروي عنه أنه قال: "أنا لِدَة النبي ﵇؛ ولدت عام الفيل ". قدم المدينة حين نُفِضَت الأيدي من دفن رسول الله ﵇.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: حدثني ميمون بن مهران: "أن سويد بن غفلة كان يصلي الظهر حين تزول الشمس، فأرسل إليه الحجاج: لا تسبقنا بصلاتنا، فقال سويد: قد صليتها مع أبي بكر وعمر هكذا، والموت أقرب إليَّ من أن أدعها".
قوله: "في الجبانة" الجبان والجبانة الصحراء، وتسمى المقابر جبانة أيضًا؛ لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه.
قوله: "فصرفه" أي منعه الحجاج عن الأذان والإقامة، والحجاج هو ابن يوسف الثقفي الظالم المشهور، وكان عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، وتوفي سنة خمس وتسعين من الهجرة، وعمره ثلاث -أو أربع- وخمسون سنة.
وأما أثر عمر بن الخطاب فأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز.
عن أبي بكر الحنفي الصغير واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد روى له الجماعة.
عن عبد الله بن نافع القرشي، فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف، وعنه: يُكتب حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. روى له ابن ماجه.
стр. 1543
عن أبيه نافع مولى ابن عمر.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن أيوب ويزيد بن أبي زياد، عن عكرمة بن خالد، قال: "قدم عمر مكة، فأذن له أبو محذورة، فقال له عمر: أما خشيت أن ينخرق مريطاؤك؟! قال: يا أمير المؤمنين قدمتَ فأحببت أن أسمعكم أذاني، فقال له عمر: إن أرضكم معشر أهل تهامة حارَّة، فأبرد ثم أبرد -مرتين أو ثلاثًا- ثم أذن، ثم ثوب" انتهى.
وأبو محذورة -بضم الذال المعجمة- اسمه أوس، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان، واسم أبيه مِعْيرَ -بكسر الميم، وسكون العين، وفتح الياء آخر الحروف، وفي آخره راء- وكان أحسن الناس أذانًا وأنداهم صوتًا، وجعله النبي ﵇ على أذان مكة يوم منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن فيها إلى أن توفي بمكة سنة تسع وخمسين من الهجرة.
قوله: "مريطاؤك" المريطاء -بضم الميم، وبالمد- هي الجلدة التي بين السرة والعانة، وهي في الأصل مصغرة مرطاء، وهي الملساء التي لا شعر عليها، وقد تقصر.
ص: فإن قال قائل: إن حكم الظهر أن يعجل في سائر الزمان، ولا يؤخر، كما روي عن رسول الله ﷺ في حديث خباب وعائشة وجابر وأبي برزة ﵁ وإنما كان من النبي ﵇ من أمره إياهم بالإبراد رخصة منه لهم لشدة الحرِّ؛ لأن مسجدهم لم يكن له ظلال، وذَكَر في ذلك ما قد روي عن ميمون بن مهران، فيه كما قد حدثنا فهد، قال: ثنا علي [بن] (٢) معبد، قال: ثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران، قال:؛ لا بأس بالصلاة نصف النهار وإنما كانوا يكرهون الصلاة نصف النهارة لأنهم كانوا يصلون بمكة وكانت شديدة الحرِّ ولم يكن لهم ظلال, فقال:
стр. 1544
أبردوا بها. قيل له: هذا الكلام يستحيل؛ لأن هذا لو كان كما ذكرت لما أخرها رسول الله- ﵇ وهو في السفر، حيث لا كِنّ ولا ظل على ما في حديث أبي ذر ﵁ ولصلاها حينئذٍ في أول وقتها في غير كنٍّ ولا ظل، فتركه الصلاة حينئذٍ دليل على أن ما كان منه من الأمر بالإبراد ليس لأن يكونوا في شدة الحر في الكِنَّ، ثم يخرجون فيصلون الظهر في حال ذهاب الحرِّ؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لصلاها لا كِنٌ في أول وقتها ولكن ما كان منه ﵇ من هذا القول عندنا -والله أعلم- إيجاب منه أن ذلك هو سنتها، كان الكِنُّ موجودًا أو معدومًا.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذا السؤال يرد على ما ذكر من ثبوت النسخ في حديث خباب ونحوه، على ما مَرَّ ذكره، تقديره أن يقال: لا نُسَلِّم أن حديث الإبراد ناسخ لحديث التعجيل بل حكم التعجيل باقٍ كما في حديث خباب ومن ذكر معه، وإنما كان أمره ﵇ بالإبراد لأجل الرخصة لهم؛ لأجل شدة الحرِّة لأن مسجدهم لم يكن له ظلال وكانوا يتضررون وقت الهاجرة، فرخص لهم بالإبراد لذلك؛ والدليل عليه ما قاله ميمون بن مهران -أبو أيوب الجزري، وثقه أحمد والنسائي وغيرهما- "لا بأس بالصلاة نصف النهار ... " إلى آخره.
أخرجه الطحاوي: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي أحد أصحاب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن أبي المليح الرقي واسمه الحسن بن عمرو الفزاري وثقه أحمد وأبو زرعة، ونسبته إلى رَقَّة -بفتح الراء والقاف المشددة- بلدة بالفراتية وهذا أخذه ميمون من سويد بن غفلة، فكل ما أجيب عن قول سويد فهو جواب عن قول ميمون.
وتقدير الجواب: أن ما ذكرتم هذا بعيد ومستحيل؛ لأن الأمر لو كان كما ذكرتم لَمَا أخر رسول الله ﵇ الظهر والحال أنه كان في السفر كما مرَّ في حديث أبي ذر "كنا مع رسول الله ﵇ منزل فأذن بلال، فقال رسول الله ﵇: مه يا بلال ... " الحديث.
стр. 1545
وفى رواية الترمذي (١): "أن رسول الله ﵇ كان في سفر ومعه بلال، فأراد أن يقيم، فقال: أبرد ... " الحديث. والسفر لا كِنَّ فيه ولا ظلال، ولم يُصلّ رسول الله ﵇ في أول وقتها، بل أخرها, ولو كان الأمر كما ذكرتم لصلاها حينئذٍ في أول الوقت، فظهر من ذلك أن تأخيره ﵇ الظهر حينئذٍ إلى وقت الإبراد لم يكن لأجل أن يكونوا في الكِنّ في شدة الحرِّ ليخرجوا منها ثم يصلوا بعد ذهابها، بل إنما كان ذلك منه ﵇ عزمًا على أنه سنة سواء كان الكِنّ موجودًا أو معدومًا، فيستوي فيه السفر والحضر، وثبت النسخ الذي ادعينا واستمر الحكم على تأخير الظهر في الصيف حتى يبرد بها، والله أعلم.
"والكِنّ" بكسر الكاف وتشديد النون السترة والجمع أكنان قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ (٢)، والأكنة: الأغطية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ (٣) والواحدة كنان، وأكننته في نفسي: أسررته، فافهم.
стр. 1546
ص: باب: العصر هل يؤخر أم يعجل ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة العصر هل تعجل في أول وقتها أم تؤخر فأيهما أفضل؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا علي بن معبد بن نوح البغدادي، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ثم الظفري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "سمعته يقول: ما كان أحد أشد تعجيلًا لصلاة العصر من رسول الله ﵇، إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول الله ﵇ لأبو لبابة بن عبد المنذر أحد بني عمرو بن عوف وأبو عبس بن جَبْر أحد بني حارثة، دار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عبس في بش حارثة، ثم إن كانا ليصليان مع رسول الله ﵇ العصر، ثم يأتيان قومهما وما صلوها؛ لتبكير رسول الله ﵇ بها".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق بن يسار المدني.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا محمَّد بن إسماعيل الفارسي، ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك: "كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله ﵇ دارًا أبو لبابة بن عبد المنذر وأهله بقباء، وأبو عَبْس بن جَبْر ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان مع رسول الله ﵇، ثم يأتيان قومهما وما صلوا؛ لتعجيل رسول الله ﵇ بها".
وأخرجه الطبراني أيضًا في "الأوسط" (٢).
стр. 1547
قوله: "إن كان". "إنْ" هذه مخففة من المثقلة، وأصله إنَّه كان.
قوله: "أبعد" مرفوع؛ لأنه اسم كان، وخبره قوله: "لَأَبو لبابة" ودخلت "اللام" فيه للتأكيد، ولهذا جاءت مفتوحة.
وقوله: "دارًا" نصب على التمييز.
قوله: "أحد بني عمرو" صفة لقوله: "لأبو لبابة" ويجوز أن يكون خبر مبتدإٍ محذوف، أي هو أحد بني عمرو، فحينئذٍ الجملة أيضًا صفة لأبي لبابة
وأبو لبابة -بضم اللام- وتخفيف الباء الموحدة ثم ألف وباء أخرى -واسمه رفاعة بن المنذر، وقيل: بشير بن عبد المنذر غلبت عليه كنيته، كان من النقباء، وشهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وقيل: لم يشهد بدرًا، بل أَمَّره رسول الله ﵇ على المدينة، وضرب له بسهم مع أصحاب بدرٍ، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف يوم الفتح، مات في خلافة عليّ بن أبي طالب ﵁.
قوله: "وأبو عبس" عطف على قوله: "لأَبو لبابة" واسمه عبد الرحمن بن جَبْر بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث الأنصاري الحارثي المدني غلبت عليه كنيته، شهد بدرًا، ومات بالمدينة سنة أربع وثلاثين ودفن بالبقيع وله سبعون سنة، وعَبْس بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة.
وجَبْر بفتح الجيم، وسكون الباء الموحدة.
قوله: "دار أبي لبابة" مبتدأ، وخبره: قوله: "بقباء"، والجملة بيان لقوله: "أبعد رجلين من الأنصار دارًا" وكذلك قوله: "ودار أبي عبس" مبتدأ، وخبره قوله: "في بني حارثة" وقبُاء بضم القاف، وبالباء الموحدة، تمد وتقصر قرية على ميلين من المدينة، وهناك مسجد التقوى.
قوله: "ثم إن كانا" "إن" هذه مخففة من المثقلة، وأصله ثم إنه كانا.
قوله: "وما صلُّوها" جملة حالية.
стр. 1548
قوله: "لتبكير رسول الله ﷺ بها" أي لتعجيل رسول الله ﵇ بالعصر، وبه استدل الشافعي وأحمد وإسحاق وعبد الله بن المبارك أن الأفضل تعجيل العصر، وقال الترمذي: وهو الذي اختاره بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﵇: منهم عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة وأنس وغير واحدٍ من التابعين في تعجيل صلاة العصر، وكرهوا تأخيرها، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال عياض: هذا الحديث وأشباهه حجة للجماعة في أن أول وقت العصر القامة، وأن صلاتها لأول وقتها أفضل، ورد على من خالفهم؛ إذْ لو كان القامتان كما قال أبو حنيفة لما اتفق أن يجدوا بني عمرو يصلون إلا في الاصفرار ولا وصلوا إلى قباء والعوالي إلا بعد سقوط الشمس ونزولها وتغيرها، وكذا قال الشيخ محيي الدين: المراد من هذه الأحاديث المبادرة بصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس بعدُ لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة.
ثم قال: وفيها دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور؛ أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل وقته حتى يصير ظل كل شيء مثليه، وهذه حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس (١) في بيان المواقيت، وحديث جابر (٢) وغير ذلك.
قلت: الجواب من جهة أبي حنيفة أنه ﵇ أمر بالإبراد بالظهر بقوله: "أبردوا بالظهر" يعني صلوها إذا سكنت شدة الحَرِّ، واشتداد الحر في ديارهم يكون وقت صيرورة ظل كل شيء مثله، ولا يفتر الحرُّ إلا بعد المثلين، فإذا تعارضت الأخبار يبض ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين فلا يزول بالشك، ووقت
стр. 1549
العصر ما كان ثابتًا فلا يدخل بالشك، وأما حديث ابن عباس وجابر وغيرهما فلا يدل على أن لا يكون ما وراء وقت الإمامة وقتًا للظهر ألا ترى أن جبريل ﵇ أَمَّ للفجر في اليوم الثاني حين أسفر والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس، وكذلك صلى العشاء حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى بعده إلى طلوع الفجر.
وأما الجواب عن حديث أنس وما يشابهه محمول على أن ذلك كان في وقت الصيف، أو كان ذلك في وقت مخصوص لعدد، والأفضل عند أصحابنا أن يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية لم يدخلها تغير في الشتاء والصيف جميعًا، قاله في "البدائع" لما روي عنه ﵇: "كان يؤخر العصر ما دامت بيضاء نقية".
أخرجه أبو داود (١) وهذا فيه بيان تأخره العصر؛ ولأن في تأخيره تكثير النوافل؛ لأن النافلة بعدها مكروهة.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس ﵁ قال: "كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا مالك بن أنس، قال: حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلي قباء -قال أحدهما: وهم يصلون، وقال الآخر-: والشمس مرتفعة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد اللهَ بن يوسف، قال: ثنا مالك، عن الزهري، عن أنس (ح).
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: "كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة".
стр. 1550
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة". قال الزهري والعوالي على الميلين والثلاثة -وأحسبه قال: والأربعة-".
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حيّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة".
حدثنا ابن خزيمة، قال: أنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن منصور، عن ربعي، قال: ثنا أبو الأبيض، قال: ثنا أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي بنا العصر والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي وهم جلوس في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا فصلوا؛ فإن النبي ﵇ قد صلَّى".
قال أبو جعفر ﵇: فقد اخْتُلِفَ عن أنس بن مالك في هذا الحديث، فكان ما روى عاصم بن عمر بن قتادة وإسحاق بن عبد الله وأبو الأبيض عن أنس بن مالك يدل على التعجيل بها؛ لأن في حديثهم أن رسول الله ﵇ كان يصليها، ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا فيجدهم لم يصلوا العصر، ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فهذا دليل على التعجيل، وأما ما روى الزهري عنه فإنه قال: "كنا نصليها مع النبي ﵇ ثم نأتي العوالي والشمس مرتفعة"، فقد يجوز أن تكون مرتفعة قد اصفرت.
فقد اضطرب حديث أنس هذا؛ لأن معنى ما روى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق بن عبد الله، وعاصم بن عمر، وأبو الأبيض عن أنس.
ش: أخرج حديث أنس من سبع طرق رواتها كلهم ثقات: إلا أنه مضطرب، وأشار إلى وجه الاضطراب بقوله: "لأن معنى ما روى الزهري منه" أي من أنس "بخلاف ما روى إسحاق بن عبد الله، وعاصم بن عمر، وأبو الأبيض، عن أنس"؛ لأن رواية هؤلاء تدل على التعجيل، ورواية الزهري تدل على التأخير
стр. 1551
جدًّا؛ لأن قوله: "والشمس مرتفعة" يجوز أن يكون ارتفاعها هو حالة اصفرارها؛ فإن منع الخصم يعني الاضطراب بالدليل، فجوابه ما ذكرناه.
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري.
عن مالك بن أنس.
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة واسمه زيد بن سهل الأنصاري شيخ مالك في "الموطأ" روى له الجماعة.
عن أنس بن مالك ﵁.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر".
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن إسحاق بن عبد الله ... إلى آخره.
قوله: "إلى بني عمرو بن عوف" قال عياض: هم على ثلثي فرسخ من المدينة.
قوله: "يصلون العصر" جملة في محل النصب على أنها مفعول ثانٍ لقوله: "فيجدهم".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد أبي عبد الله المروزي الفارض الأعور، عن عبد الله بن المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كلاهما عن أنس.
وأخرجه النسائي (٣): أنا سويد بن نصر، قال: ابنا عبد الله، عن مالك، قال:
стр. 1552
حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله، عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فقال أحدهما. فيأتيهم وهم يصلون، وقال الآخر: والشمس مرتفعة".
قوله: "قال أحدهما" أي أحد الاثنين من الزهري وإسحاق بن عبد الله.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي أيضًا، عن عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أنس.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن ابن كتاب، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منَّا إلى قبُاء فيأتيهم والشمس مرتفعة".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن الزهري، عن أنس.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة".
الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد الأزدي البصري، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أنس بن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي العصر، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة. قال الزهري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة، قال: وأحسبه قال: وأربعة".
стр. 1553
وقال أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري قال: "والعوالي على ميلين أو ثلاثة، قال: وأحسبه قال: وأربعة" انتهى.
قلت: العوالي جمع عالية، والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، والنسب إليها عُلوي على غير القياس، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. قاله ابن الأثير، والذي يظهر من كلام الزهري أن أدناها من المدينة على ميلين، وقال عياض: فسر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة، قال غيره: وهي مفترقة، فأدناها ميلان، وأبعدها ثمانية أميال. وقال الجوهري: العالية: ما فوق نجد إلى أرض تهامة وإلى ما وراء مكة وهي الحجاز وما والاها، والنسبة إليها عالي، ويقال أيضًا: عُلوي على غير قياس، ويقال: عالى الرجل وأعلى إذا أتى عالية نجد.
السادس: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أنس.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي العمر والشمس مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة. وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال ونحوه".
وأخرجه مسلم (٣): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا ليث.
ونا محمَّد بن رمح، قال: أنا الليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه أخبره: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتي العوالي والشمس مرتفعة".
لم يذكر قتيبة فيأتي العوالي.
стр. 1554
وأخرجه أبو داود (١): عن قتيبة، عن الليث، نحوه.
وكذلك أخرجه النسائي (٢): عن قتيبة نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن محمَّد بن رمح، عن الليث، نحوه.
السابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء بن عمرو الغداني أبي عمرو البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة الكوفي، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِراش -بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وفي آخره شين معجمة- عن أبي الأبيض العَنْسي الشامي وكنيته اسمه، ويقال: اسمه عيسى، وثقه العجلي، وروى له النسائي.
عن أنس بن مالك.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض، عن أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة، ثم آتي عشيرتي في جانب المدينة لم يصلوا، فأقول: ما يجلسكم؟! صلوا؛ فقد صلى رسول الله ﵇".
وأخرجه النسائي (٥): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي بنا -يعني العصر- والشمس بيضاء محلقة" انتهى.
قلت: "مُحلِّقة" بتشديد "اللام" المكسورة من حَلَّق الطائر: ارتفع في طيرانه، وقيل: بفتح "اللام"، وقال ابن الأثير: محلقة: أي مرتفعة، والتحليق: الارتفاع،
стр. 1555
ومنه: حَلَّق الطائر في كبد السماء، أي صَعِد، وحكى الأزهري عن شمر قال: تحليق الشمس من أول النهار: ارتفاعها، وفي آخره انحدارها.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن غير أنس، فمن ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود وفهد، قالا: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا أبو واقد الليثي، قال: ثنا أبو أروى، قال: "كنت أصلي مع النبي ﵇ العصر بالمدينة، ثم آتي الشجرة ذا الحليفة قبل أن تغرب الشمس، وهي على فرسخين".
ففي هذا الحديث أنه كان يسير بعد العصر فرسخين قبل أن تغيب الشمس، فقد يجوز أن يكون ذلك يسير أهل الأقدام، وقد يجوز أن يكون سيرًا على الإبل والدواب، فنظرنا في ذلك، فإذا محمَّد بن إسماعيل بن سالم الصاغ قد حدثنا، قال: ثنا معلى بن أسد وأحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا وهيب، عن أبي واقد، قال: حدثنى أبو أروى، قال: "كنت أصلي العصر مع النبي ﵇، ثم أمشي إلى ذي الحليفة فآتيهم قبل أن تغيب الشمس".
ففي هذا الحديث أنه كان يأتيها مشيًا، وأما قوله: "قبل أن تغرب الشمس" فقد يجوز أن يكون ذلك وقد اصفرت ولم يبق منها إلا أقل قليل.
ش: أي قد روي في تعجيل العصر أيضًا عن غير أنس من الصحابة ﵃.
قوله: "فمن ذلك" أي فمما روي عن غير أنس منهم، وهو أبو أروى الدوسي الحجازي.
قال الطبراني في "الكبير" (١): يقال: اسمه ربيعة، ويقال: عُبيد بن الحارث.
أخرج حديثه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وفهد بن سليمان، كلاهما عن موسى ابن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود.
стр. 1556
عن وهيب -بالتصغير- بن خالد البصري روى له الجماعة.
عن أبي واقد اسمه صالح بن محمد بن زائدة المدني، فيه مقال، فقال يحيى: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أحمد بن إسحاق، عن وهيب، عن أبي واقد، عن أبي أروى، قال: "كنت أصلي مع رسول الله ﵇ العصر، ثم آتي الشجرة -يعني ذا الحليفة- قبل أن تغيب الشمس".
وأخرجه ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (٢): من حديث سليمان بن حرب، عن وهيب ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن محمَّد بن إسماعيل بن سالم الصائغ البغدادي نزيل مكة، شيخ أبي داود وابن أبي حاتم، وثقه ابن حبان.
عن معلى بن أسد العَمِّي البصري شيخ البخاري.
وعن أحمد بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري شيخ مسلم، كلاهما عن وهيب ابن خالد ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا أبو خليفة الفضل بن الحبُاب، ثنا سليمان ابن حرب، ثنا وهيب بن خالد، عن أبي واقد الليثي، عن أبي أروى قال: "كنت أصلي صلاة العصر مع رسول الله ﵇ ثم آتي ذا الحليفة أمشي فآتيها ولم تغب الشمس".
وأخرجه أحمد (٤)، والبزار (٥) في "مسنديهما".
стр. 1557
قوله: "ثم آتي الشجرة" هي ذو الحليفة، فلذلك أوقع قوله: "ذا الحليفة" بدلًا منها، أو عطف بيان، وكذا فسرها في رواية ابن أبي شيبة بقوله: "يعني ذا الحليفة" وقال القاضي: ذو الحليفة ماء من مياه بني جُشَم، على ستة أميال -وقيل: سبعة- من المدينة، وفسرها في رواية الطحاوي بقوله: "وهي على رأس فرسخين" يعني من المدينة، وكلّ فرسخ ثلاثة أميال، وذكر الرواية الثانية لتفسير ما في الرواية الأولى من قوله: "ثم آتي الشجرة" فإن الإتيان أعم من أن يكون ماشيًا أو راكبًا، وفسر في الثانية بقوله: "ثم أمشي"، وقد زعم من ادعى استحباب تعجيل العصر أن فيه دلالة ظاهرة على أنه ﵇ كان يعجل العصر؛ لأنه ذكر أنه كان يسير بعد صلاته ﵇ فرسخين قبل أن تغيب الشمس.
فنقول: قد روى أبو مسعود البدري نحو رواية أبي أروى، وفيه: "وكان يصليها والشمس مرتفعة"، ففيه دليل على أنه كان يؤخرها، على ما يجيء الآن إن شاء الله.
ص: وقد روي عن أبي مسعود نحوًا من ذلك؛ حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا الليث بن سعد، عن يريد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن شهاب، قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: أخبرني بشير بن أبي مسعود، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة، يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال، قبل غروب الشمس".
فقد وافق هذا الحديث أيضًا حديث أبي أروى، وزاد فيه: "كان يصليها والشمس مرتفعة".
فذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها.
ش: أي قد روي عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ما يشابه حديث أبي أروى الدوسي المذكور آنفًا، وهو ما أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري، عن أسامة بن زيد المدني، عن محمَّد بن
стр. 1558
مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن بشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- عن أبيه أبي مسعود ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (١) مطولًا، ذكرناه في باب "المواقيت"، وفي باب "الوقت الذي يستحب أن يصلى فيه الظهر"، وكذلك أخرج الطحاوي هذا الحديث المطول مقطعًا بثلاث قطع، قطعة في باب "المواقيت"، وقطعة في باب "وقت الظهر"، وقطعة هَا هنا بحسب موافقة المدعى.
ص: وقد روي عن أنس بن مالك أيضًا ما يدل على هذا: حدثنا نصار بن حرب أبو بكر المِسْمَعي البصري، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن أبي الأبيض، عن أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء محلقة".
قال أبو جعفر ﵀: فقد أخبر أنس في هذا الحديث عن النبي ﵇ أنه كان يصليها والشمس بيضاء محلِّقة؛ فذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم يكون بين الوقت الذي كان يصليها فيه وبين غروبها مقدار ما كان يسير الرجل إلى ذي الحليفة، أو إلى ما ذكر في هذه الآثار من الأماكن.
ش: أي قد روي عن أنس بن مالك ﵁ ما يدل على أنه ﵇ كان يؤخر العصر، وقد بينه بقوله: "قال أبو جعفر ... " إلى آخره، وأخرج ذلك عن نصار بن حرب أبي بكر المِسْمَعي -بكسر الميم- قال ابن دريد: المسمع: أبو قبيلة من العرب يقال لهم: المسامعة كما يقال المهالبة والقحاطبة.
عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض العَنْسي، عن أنس ﵁.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 1559
وأخرجه النسائي (١): وقد ذكرناه عن قريب.
قوله: "أو إلى ما ذكر في هذه الآثار من الأماكن" يعني من قباء، أو من العوالي، أو من بني عمرو بن عوف.
ص: وقد روي عن أنس بن مالك أيضًا في ذلك ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي صدقة مولى أنس، عن أنس: "أنه سئل عن مواقيت الصلاة، فقال: كان رسول الله ﵇ يصلي صلاة العصر ما بين صلاتيكم هاتين".
قال أبو جعفر ﵀: فذلك يحتمل أن يكون أراد بقوله: "فيما بين صلاتيكم هاتين" ما بين صلاة الظهر وصلاة المغرب، فذلك دليل على تأخير العصر، ويحتمل أن يكون أراد فيما بين تعجيلكم وتأخيركم، فذلك دليل على التأخير أيضًا, وليس بالتأخير الشديد، فلما احتمل ذلك ما ذكرنا، وكان في حديث الأبيض عن أنس: "أن رسول الله ﵇ كان يصليها والشمس بيضاء محلقة" دل ذلك على أنه قد كان يؤخرها.
ش: أي قد روي عن أنس أيضًا في ما يدل على أنه ﵇ كان يؤخر العصر غير تأخير شديد، وهو ما أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي صدقة واسمه توبة الأنصاري البصري مولى أنس بن مالك.
روى له النسائي وأخرجه (٢): من حديث شعبة، عن أبي صدقة، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ويصلي العصر بين صلاتيكم هاتين، ويصلي المغرب إذا غربت الشمس، ويصلي العشاء إذا غاب الشفق -قال على إثره-: ويصلي الصبح إلى أن ينفسخ البصر".
стр. 1560
ورواه أبو أحمد الحاكم في "الكنى": من حديث يزيد بن هارون، أنا شعبة ... فذكره، وفيه: "والفجر من حين يطلع الفجر إلى أن ينفسح البصر".
ص: فإن قال قائل: وكيف يكون ذلك كذلك وقد روي عن أنس ﵁ في ذم من يؤخر العصر؟ فذكر في ذلك ما قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه قال: "دخلت على أنس بن مالك بعد الظهر، فقام يصلي العصر، فلما فرغ من صلاته، ذكرنا تعجيل الصلاة -أو ذكرها- فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: تلك صلاة المنافقين -قالها ثلاثًا- يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس، وكانت بين قرني شيطان -أو على قرني الشيطان- قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيهن إلا قليلًا".
قيل له: قد بيَّن أنس في هذا الحديث التأخير المكروه ما هو، إنما هو التأخير الذي لا يمكن بعده أن يصلي العصر إلا أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا، فأما صلاة يصليها متمكنًا ويذكر الله فيها متمكنًا قبل تغير الشمس، فليس ذلك من الأول في شيء، وأولى بنا في هذه الآثار لما جاءت هذا المجيء أن نحملها ونُخَرِّج وجوهها على الاتفاق، لا على الخلاف والتضاد، فنجعل التأخير المكروه فيها هو ما بينه العلاء عن أنس، ونجعل الوقت المستحب من وقتها أن تصل فيه هو ما بينه أبو الأبيض عن أنس، ووافقه على ذلك أبو مسعود ﵁.
ش: أي كيف يكون ما ذكرتم كما ذكرتم أنه يدل على أنه ﵇ قد كان يؤخرها؟
تقرير السؤال: أنه ﵇ ذَمِّ من يؤخر العصر في حديث أنس هذا، وذلك لا يكون إلا في شيء مكروه، فدَلَّ أن تأخير العصر مكروه.
وتقرير الجواب: أن حديث أنس هذا وارد في التأخير المكروه، وهو أن تؤخر إلى أن يبقى من الوقت قدر ما يسع فيه أربع ركعات بالضيق بحيث لا يقدر على ذكر الله تعالى فيها إلا شيئًا قليلًا، فهذا هو التأخير المذموم صاحبه، العلوم عليه، وأما الصلاة التي يصليها متمكنًا بسعة في الوقت، ويذكر الله فيها كثيرًا متمكنًا قبل تغير الشمس فليست بمكروهة ولا صاحبها بمذموم عليها، وبهذا يحصل الاتفاق
стр. 1561
بين هذه الآثار المذكورة التي فيها تضاد وخلاف ظاهرًا، والعمل بالكل بالتوفيق بينها أولى من العمل ببعضها وترك بعضها، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "وأولى بنا في هذه الآثار ... إلى آخره.
وقوله: "أن نحملها" في محل الرفع على الابتداء، و"أن" مصدرية، وخبره قوله: "وأولى بنا" والتقدير: حمل الآثار وتخريج وجوهها على الاتفاق أولى بنا من تركها على الخلاف والتضاد.
قوله: "ووافقه على ذلك" أي وافق أنسًا على ما رواه أبو الأبيض عنه؛ أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري.
ثم إسناد الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن أيوب ومحمد بن الصباح وقتيبة وابن حجر، قالوا: أنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن: "أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا فصلينا، فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: تلك صلاة المنافقين، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه قال: "دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر ... " إلى، آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
وأخرجه الترمذي (٣): ثنا علي بن حجر، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء ابن عبد الرحمن: "أنه دخل على أنس بن مالك ... " إلى آخره نحو رواية مسلم.
стр. 1562
وأخرجه النسائي (١): أنا علي بن حجر [بن] (٢) إياس بن مقائل بن مشمرج [بن] (٣) خالد، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا العلاء: "أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة ... " إلى آخره نحو رواية مسلم.
قوله: "بعد الظهر" أي بعد صلاة الظهر.
قوله: "تلك صلاة المنافقين" إشارة إلى صلاة العصر التي تصلى في اصفرار الشمس، وتؤخر هذا التأخير بلا عذر.
قوله: "قالها ثلاثًا" أي قال ﵇ هذه الكلمة ثلاث مرات، أعني قال: "تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين" كما قد وقع مصرّحًا في رواية أبي داود، وإنما كررها ثلاثًا ليكون أبلغ في ذم تأخيرها بلا عذر.
قوله: "يجلس أحدهم ... " إلى آخره، بيان هذه الصلاة التي وقع فيها وفي صاحبها الذم.
قوله: "بين قرني شيطان" قد مرَّ الكلام فيه مستوفى في باب مواقيت الصلاة.
قوله: "فنقرها أربعًا" أي أربع نقرات، أراد بها الركعات الخارجة عن التريث من نَقَرَ الديكُ أو الغرابُ، وهو كناية عن تخفيفها جدًّا بحيث لا يمكث فيها إلا قدر وضع الديك أو الغراب منقاره فيما يريد أكله.
قوله: "لا يذكر الله فيهن إلا قليلًا" صفة لقوله: "أربعًا" وذلك لاستعجاله فيها خوفًا من غروب الشمس، لا بقدر أن يأتي بالقراءة كما ينبغي ولا بالتسبيحات والأدعية على صفاتها، وانتصاب "قليلًا" على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: لا يذكر الله فيها إلا ذكر قليلًا.
стр. 1563
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن عائشة ﵂ ما يدل على التعجيل بها؛ فذكر ما قد حدثنا يونس، عن ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر".
وما حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا ابن المنهال, قال: ثنا سفيان، عن الزهري، سمع عروة يحدث، عن عائشة ﵁ أنها قالت: "كان النبي ﵇ يصلي صلاة العصر والشمس طالعة في حجرتين".
قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك كذلك، وقد أخر العصر لقصر حجرتها، فلم تكن الشمس تنقطع منها إلا بقرب غروبها، فلا دلالة في هذا الحديث على تعجيل العصر.
وذكروا في ذلك أيضًا ما حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة (ح).
وما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن سيّار بن سلامة، قال: "دخلت مع أبي على أبي برزة ﵁ فقال: "كان رسول الله ﵇ يصلي العصر، فيرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حيّة".
قيل له: قد مضى جوابنا في هذا فيما تقدم من هذا الباب، فلم نجد في هذه الآثار لَمَّا صُحِّحَت وجمعت ما يدل إلا على تأخير العصر، ولم نجد شيئًا منها يدل على تعجيلها إلا ما قد عارضه غيره فاستحببنا بذلك تأخير العصر، إلا أنها تصلي والشمس بيضاء، في وقت يبقى بعده من وقتها مدة قبل تَغَيُّب الشمي، ولو خُلِّينا والنظر لكان تعجيل الصلوات كلها في أوائل أوقاتها أفضل، ولكن اتباع ما روي عن رسول الله ﵇ مما تواترت به الآثار أولى.
ش: تقرير السؤال: أن الخصم أورد حديثين يدلان على أفضلية تعجيل العصر.
أحدهما: عن عائشة، أخرجه من ثلاث طرق صحاح:
стр. 1564
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة أم المؤمنين.
وأخرجه أبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
والثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا أبو نعيم، قال: أنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ يصلي صلاة العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يظهر الفيء بعد".
وقال مالك ويحيى بن سعيد وشعيب وابن أبي حفصة: "والشمس قبل أن تظهر".
وأخرجه مسلم (٣) عن ابن أبي شيبة وعمرو الناقد- قال عمرو: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، وفي آخره: وقال أبو بكر: "ولم يظهر الفيء بعد" نحو رواية البخاري.
قوله: "في حجرتها" أي في دارها وكلّ ما حُجِّر وأحيط به بالبناء فهو حجرة.
قوله: "قبل أن تظهر" أي قبل أن تعلو على السطح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (٤)، ومنه الحديث الآخر: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" أي عالين، وقال الجعدي:
بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودوُنَا ... وإِنَّا لَنَبغِي فوقَ ذلكَ مَظْهَرًا
أي عُلوًّا.
стр. 1565
وقيل: معناه قبل أن يرتفع ظلها عن الحجرة، وقيل: قبل أن تزول عنها.
والثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي العصر وأن الشمس في قعر حجرتين لم تخرج".
وهذا الحديث أخرجه الجماعة (١) وأحمد (٢) والدارمي (٣) والعدني وأبو يعلى (٤) وغيرهم بأسانيد مختلفة كلها عن عائشة ﵂.
والحديث الآخر: عن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي الصحابي بإسنادين صحيحين:
الأول: عن عبد الغني بن أبي عَقِيل -بفتح العين- وهو رفاعة بن عبد الملك الجمحي شيخ أبي داود، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرَّصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن سيار بن سلامة الرياحي أبي المنهال البصري، عن أبي برزة.
وأخرجه الطبراني في الكبير: ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال (ح).
وثنا يوسف القاضي، ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن سيار ابن سلامة، عن أبي برزة قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي العصر والشمس حيَّة".
والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن سيّار بن سلامة، عن أبي برزة.
стр. 1566
وأخرجه الطبراني أيضًا: ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي العصر والشمس حيّة".
وتقرير الجواب عن حديث عائشة: أنه لا دلالة فيه على تعجيل العصر؛ لأنه يجوز أن يكون ﵇ قد أخَّر العصر والحال أن الشمس في حجرتها؛ لكون حجرتها منخفضة قصير البناء والجدران، فلم تكن الشمس تنقطع عنها إلا قريب الغروب، وهو معنى قوله: "قد يجوز أن يكون ذلك كذلك وقد أخر العصر" أي يجوز أن يكون ما ذكرتم من كون الشمس في حجرتها والحال أنه ﵇ قد أخر صلاة العصر.
قوله: "لقصر حجرتها" متعلق بقوله: "أن يكون ذلك" أي كون الشمس في حجرتها لأجل قصر بناء حجرتها.
وأما حديث أبي برزة فقد مرَّ جوابه فيما مضى عند حديث أنس وأبي مسعود البدري من أن تكون الشمس مرتفعة ولكن قد اصفرت، وكذلك يكون معنى حديث أبي برزة، "والشمس حيّة" أي مرتفعة ولكن قد خالطتها الصفرة، فحينئذٍ لا يدل الحديث إلا على تأخيره العصر والله أعلم.
ثم إن الناظر إذا أمعن نظره في هذه الأحاديث بعد جمعها يجدها قد يدل أكثرها على تأخير العصر، ولا يجد ما يدل على تعجيلها إلا ويجد آخر يعارضه، فالأولى بل المتعين في مثل ذلك أن يعمل بالأكثر ويوفق بين المتعارضين؛ فلذلك استحبوا تأخير العصر، إلا أنها لا تؤخر إلى وقت لا تبقى بعده مدة قبل تغير الشمس، فلو نظر الشخص إلى أصل المعنى لكان تعجيل الصلوات كلها -العصر وغيرها- في أوائل أوقاتها أفضل نقلًا وعقلًا.
أما نقلًا: فلما روي عنه ﵇ لما سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة في أول وقتها". أخرجه أبو داود (١) وغيره.
стр. 1567
وأما عقلًا: فلأن التأخير من الكسل، وذم الله تعالى أقوامًا على الكسل فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (١) والتأخير من الكسل، ولكن تواترت الآثار وتكاثرت بالدلالة على تأخير العصر، والظهر في شدة الحرّ، والصبح إلى الإسفار، والعشاء إلى ما قبل ثلث الليل، فوجب اتباعها، والعمل بها فأَعْدل الأمرين، وأشار إلى ذلك بقوله: "ولو خُلِّينا والنظر ... " إلى آخره و"خُلِّينا" على صيغة المجهول، والنظر منصوب على المعيَّة.
وقوله: "أولى" خبر لقوله: "اتباع ما روي".
ص: وقد روي عن أصحابه من بعده ﵃ ما يدل على ذلك أيضًا.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: أن عمر ﵁ كتب إلى عماله: إنَّ أهَمَّ أمركم عندي: الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، صلوا العصر والشمس بيضاء مرتفعة بيضاء نقيّة، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا يزيد بن أبي حكيم، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: "كنا مع أبي هريرة ﵁، في جنازة فلم يصل العصر، وسكت حتى راجعناه مرارًا فلم يصل العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل بالمدينة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "كان من كان قبلكم أشد تعجيلًا للظهر، وأشد تأخيرًا للعصر منكم".
فهذا عمر ﵁ يكتب إلى عماله وهم من أصحاب النبي ﵇ يأمرهم بأن يُصلوا العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ثم أبو هريرة قد أخرها حتى رآها عكرمة على رأس أطول جبل بالمدينة، ثم إبراهيم يخبر عمن كان قبله يعني من أصحاب النبي ﵇
стр. 1568
وأصحاب عبد الله أنهم كانوا أشد تأخيرًا للعصر ممن بعدهم، فلما جاء هذا من أفعالهم ومن أقوالهم مؤتلفًا على ما ذكرناه، وروي عن النبي ﵇ أنه كان يصليها والشمس مرتفعة، وفي بعض الآثار: "محلقة" وجب التمسك بهذه الأخبار، وترك خلافها، وأن تؤخر العصر حتى لا يكون تأخيرها يُدْخِلُ مُؤخِّرَها إلى الوقت الذي أخبر أنس بن مالك -في حديث العلاء- أن النبي ﵇ قال: "تلك صلاة المنافقين" فإن ذلك الوقت هو الوقت المكروه تأخير صلاة العصر إليه، فأما ما قبله من وقتها مما لم تدخل الشمس فيه صفرة، وكان الرجل يمكنه أن يصلي فيه صلاة العصر، ويذكر الله فيها متمكنًا ويخرج من الصلاة والشمس كذلك فلا بأس بتأخير العصر بلى ذلك الوقت، فذاك أفضل؛ لما قد تواترت به الآثار عن النبي ﵇، وعن أصحابه من بعده، ولقد روي عن أبي قلابة أنه قال: "إنما سميت العصر لتُعصَر".
حدثنا بذلك صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، عن أبي قلابة قال: "إنما سميت العصر لتعصر".
قال أبو جعفر ﵀: فأخبر أبو قلابة أن اسمها هذا إنا هو لأن سبيلها أن تعصر، وهذا الذي استحببناه من تأخير العصر، من غير أن يكون ذلك إلى وقت قد تغيرت فيه الشمس أو دخلتها صفرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أي قد روي عن أصحاب النبي ﵇ من بعده ما يدل على استحباب تأخير العصر، أخرج ذلك عن اثنين من الصحابة وهما عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وواحد من التابعين وهو إبراهيم النخعي.
أما أثر عمر ﵁ فقد أخرجه بإسناد رجاله ثقات ولكنه مرسل؛ لأن نافعًا لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١) بأتم منه، عن نافع مولى عبد الله بن عمر: "أن
стр. 1569
عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عُماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، من حَفِظَها وحافظ عليها حَفِظ دينه، ومن ضَيعها فهو لما سواها أضيع، ثم كتب أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعًا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل غروب الشمس، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١)، وفي "المعرفة" (٢): أنا أبو أحمد المهرجاني، قال: أنا أبو بكر بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن إبراهيم، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا مالك، عن نافع: "أن عمر ﵁ كتب إلى عماله ... " إلى آخره نحوه.
و"العُمَّال" بضم العين وتشديد الميم: جمع عامل، وأراد نوابه في البلاد من الصحابة.
قوله: "من حفظها وحافظ عليها" أراد بحفظها إقامتها بشروطها وسننها وأدابها، وأراد بالمحافظة عليها: أدائها في أوقاتها.
قوله: "أضيع" أفعل من الضياع، أي أكثر ضياعًا لغيرها.
و"الفرسخ" ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع.
وأما أثر أبي هريرة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد بن معاوية المروزي شيخ البخاري، عن يزيد بن أبي حكيم [العاني] (٣) قال أبو حاتم: صالح الحديث، عن الحكم بن أبان العدني أبي عيسى، وثقه ابن معين والعجلي، عن عكرمة المدني مولى ابن عباس.
стр. 1570
ومما يؤيد ما فعله أبو هريرة:
ما رواه الدارقطني (١): من حديث عبد الواحد بن نافع: "أن رسول الله ﵇ كان يأمرهم بتأخير العصر" فهذا وإن كان ضعيفًا ولكنه يصلح مؤيدًا لما روي عن أبي هريرة.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن عمرو بن منبه، عن سوَّار ابن شبيب، عن أبي هريرة: "أنه كان يؤخر العصر حتى أقول: قد اصفرت الشمس".
وأما أثر إبراهيم فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو البصري العقدي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: "كان من قبلكم أشد تأخيرًا للعصر منكم".
وقد وردت آثار كثيرة في تأخير العصر.
قال عبد الرزاق في "مصنفه" (٤): أنا معمر، عن أيوب، "عن ابن سيرين وأبي قلابة كانا يمسيان بالعصر".
عبد الرزاق (٥): عن معمر، عن خالد الحذاء، أن الحسن وابن سيرين وأبا قلابة كانوا يمسون بالعصر".
стр. 1571
عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن ابن مسعود كان يؤخر العصر".
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن ابن عون، عن أبي عاصم، عن أبي عون: "أن عليًّا ﵁ كان يؤخر العصر حتى ترتفع الشمس على الحيطان".
ثنا (٣) وكيع، عن إسماعيل، قال: قال لي إبراهيم: "كان يصلى العصر إذا كان الظل واحدًا وعشرين قدمًا في الشتاء والصيف".
قوله: "حتى لا يكون تأخيرها" أي تأخير صلاة العصر.
قوله: "يُدخل" بضم الياء من الإدخال.
قوله: "مُؤَخِّرَها" بالنصب على أنه مفعول "يُدْخِل" أي مؤخر العصر.
قوله: "ولقد روي عن أبي قلابة" ذكره تأكيدًا لما قاله من قوله: "لما قد تواترت به الآثار" عن النبي ﵇ وعن أصحابه من بعده يعني بتأخير العصر.
أخرج ذلك بإسناد صحيح: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشر، عن خالد بن مهران الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام التابعين، توفي بالشام سنة أربع ومائة.
وأخرجه الدارقطني في "سُننه" (٤): ثنا ابن مخلد، ثنا الحساني، ثنا وكيع، ثنا خارجة بن مصعب، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: "إنما سميت العصر لِتُعْصَر".
стр. 1572
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عُلية، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: "إنما سميت العصر لتعصر".
وأخرج الدارقطني (٢) أيضًا عن محمَّد بن الحنفية وطاوس فقال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن غيلان، ثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا عمي كثير بن محمَّد، ثنا ابن شبرمة، قال: قال محمَّد بن الحنفية: "إنما سميت العصر لتعصر".
حدثنا (٣) القاضي أبو عمر، ثنا الحسن بن أبي الربيع، ثنا أبو عامر، ثنا إبراهيم ابن نافع، عن مصعب بن محمَّد، عن رجل قال: "أخر طاوس العصر جدًّا فقيل له في ذلك، فقال: إنما سميت العصر لتعصر". انتهى.
قلت: معنى قولهم: "لتعصر" أي لتؤخر؛ لأن العصر معناه البطء.
قال الكسائي: جاء فلان عَصْرًا أي بطيئًا، قاله الجوهري: والعصر: الحبس، يقال: ما عصرك؟ أي ما حبسك؟ والمعنى على هذا: لتحبس عن أول وقتها، فيكون اسمه يدل على ما هو المقصود من مسماه، كما جاء في الأثر عن جابر ﵁.
قال ابن أبي شيبة (٤): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر قال: "الظهر كاسمها، والعصر والشمس بيضاء حيّة، والمغرب كاسمها كنا نصلي مع رسول الله ﵇ المغرب ثم نأتي منازلنا على قدر ميل فنرى مواقع النبل، وكان يعجل بالعشاء ويؤخر بالفجر كاسمها وكان يغلس بها".
ص: فإن احتج محتج بالتبكير بها بما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني أبو النجاشي، قال: حدثني رافع بن خديج قال: "كنا نصلي العصر مع النبي ﵇ ثم ننحر الجزور فنقسمه عشر قسم، ثم نطبخ ونأكل لحمًا نضيجًا قبل أن تغيب الشمس".
стр. 1573
قيل له: قد يجوز أن يكون كانوا يفعلون ذلك بسرعة عمل، وقد أخرت العصر، فليس في هذا الحديث عندنا حجة على من يرى تأخير العصر، وقد ذكرنا في باب مواقيت الصلاة في حديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﵇ لما سئل عن مواقيت الصلاة "صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة نقيّة، ثم صلاها في اليوم الثاني والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان أخرها في اليوم الأول".
فكان قد أخرها في اليومين جميعًا ولم يعجلها في أول وقتها كما فعل في غيرها؛ فثبت بذلك أن وقت العصر الذي ينبغي أن يصلى فيه، هو ما ذهب إليه من ذهب إلى تأخيرها, لا ما ذهب إليه الآخرون.
ش: هذا إيراد من الخصم بالحديث المذكور تقريره أن يقال: إنكم ادعيتم استحباب تأخير العصر، وأقمتم عليها براهن وأجبتم عما جاء من الأخبار الدالة على التعجيل بها فما تقولون في حديث رافع بن خديج؟ فإنه أخبر أنهم كانوا يصلون العصر مع النبي ﵇، ثم ينحرون الإبل ويقسمون لحمه، ثم يطبخون ذلك، ويأكلون لحمًا نضيجًا مستويًا قبل غروب الشمس؛ فهذا أدلّ دليل على استحباب تعجيل العصر؛ لأن نحر الإبل وسلخه وتقسيم لحمه عشر قسم، ثم طبخه نضيجًا والأكل منه يقتضي ساعة مديدة، فلو كان ﵇ يؤخرها لم تلحق هذه الأشياء بعد صلاته قبل غروب الشمس، وهذا معلوم بالعقل.
فأجاب الطحاوي بأنه قد يجوز أن يكون فعلهم هذا كله بالسرعة والاستعجال، والحال أن العصر قد أُخِّرت عن أول وقتها، وهذا أيضًا لا ينكر عقلًا، ألا ترى أن من عادة الملوك ومن يحذو حذوهم إذا اشتهوا أنواعًا من الأطعمة على غير العادة فينهض من يتولى أمر طعامهم من الساعة الراهنة ويذبح غنمًا أو بقرًا أو فرسًا أو طيرًا على حسب الاشتهاء فيجهز منها أنواع الأطعمة ويحضرها بين يدي الملك وكل ذلك في وقت يسير جدًا وذلك بمفعول الآلات والغرض وسرعة العمل، والغرض من ذلك أن هذا أمرٌ لا ينكر لا عقلًا ولا عادة.
стр. 1574
وجواب آخر أنه يمكن أن يكون ما أخبره رافع بن خديج لأجل عذر عرض في ذلك اليوم، فلذلك يكون ﵇ قد بَكَّر بالعصر، أو يكون ذلك في أيام الصيف؛ لأن أيامها طويلة.
وأخرج الحديث المذكور عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أبي النجاشي واسمه عطاء بن صهيب الأنصاري مولى رافع بن خديج، من رجال الصحيحين.
عن رافع بن خديج.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن مهران الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن أبي النجاشي، قال: سمعت رافع بن خديج يقول: "كنا نصلي العصر مع رسول الله ﵇، ثم تنحر الجزور، فتُقْسَمُ عشر قسم، ثم تطبخ فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس".
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عيسى بن يونس وشعيب بن إسحاق الدمشقي، قالا: ثنا الأوزاعي بهذا الإسناد غير أنه قال: "كنا ننحر الجزور على عهد رسول الله ﵇ بعد العصر" ولم يقل: كنا نصلي معه.
قوله: "الجزور" بفتح الجيم وهو البعير ذكرًا كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور وإن كان مذكرًا، والجمع جزر وجزائر.
ويستفاد منه: أن المستحب في الإبل النحر كما ان المستحب في البقر والغنم الذبح، ويستعمل النحر بمعنى الذبح كما في قول جابر ﵁: "نحرنا الفرس على عهد رسول الله ﵇" (٢). والفرس لا تنحر، وإنما هو يذبح، والذبح: قطع اللبة والأوداج، والنحر: الطعن في الصدر.
стр. 1575
قوله: "فثبت بذلك" أي بما قلنا أن وقت العصر الذي ينبغي أن يصل فيه هو ما ذهب إليه من ذهب إلى تأخيرها، وهم من الصحابة: علي وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب ﵃، ومن التابعين: محمَّد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وطاوس بن كيسان، وأبو حنيفة ﵃.
ومن بعد التابعين: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، وآخرون.
قوله: "لا ما ذهب إليه الآخرون" وأراد بهم: عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وروي ذلك عن أنس وعائشة ﵃.
стр. 1576
ص: باب: رفع اليدين في افتتتاح الصلاة إلى أين يبلغ بهما
ش: أي هذا باب في بيان رفع اليدين في أول الصلاة، إلى أين يبلغ بهما وكيف يرفعهما؟ ولما فرغ عن بيان الأوقات بأقسامها وأنواعها شرع في بيان كيفية الشروع في الصلاة، وفي بعض النسخ قال: كتاب الصلاة، ثم قال: باب رفع اليدين، ولا يحتاج إلى ذكر كتاب الصلاة؛ لأنه ذكر مرة على رأس باب الأذان.
ص: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان مولى الزرقيين، قال: "دخل علينا أبو هريرة ﵁ فقال: "كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا".
ش: إسناده صحيح، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث المدني روى له الجماعة، وسعيد بن سمعان الأنصاري الزرقي المدني مولى بني زريق وثقه النسائي وابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﵇ إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: نا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا".
وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا سعيد بن سمعان، قال: "جاء أبو هريرة إلى مسجد بني زريق، فقال:
стр. 1577
ثلاث كان رسول الله ﵇ يعمل بهن تركهن الناس: كان يرفع يديه في الصلاة مدًّا، ويسكت هنية، ويكبِّر إذا سجد وإذا رفع".
قوله: "مدًّا" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي رفعًا مدًّا، ويجوز أن يكون بمعنى مادًّا، ويكون حالًا من الضمير الذي في "رفع"، والتقدير: حال كونه مادًّا يديه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل يرفع يديه إذا افتتح الصلاة مدًّا، ولم يوقتوا في ذلك شيئًا، واحتجوا بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: العراقيين من أصحاب مالك، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة، ولم يعينوا في ذلك شيئًا من بلوغ اليدين إلى أين تكون؟ ولكن قالوا: يمدها مدًّا بأن تكون رؤس أصابعهما مما يلي السماء صفة النابذ، وقال سحنون من المالكية: يكونان مبسوطتين، بطونهما مما يلي الأرض، وظهورها مما يلي السماء، وهي صفة الزاهد.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي له أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمَّد بن سيرين وابن أبي ذئب وسالم بن عبد الله والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: السُنَّة أن يرفع المصلي يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وقد نقل ذلك عن عمر وابنه وأبي هريرة، وقد روي عن ابن عمر ﵄ "أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه، وفي غيره دون ذلك" (١).
وقال القاضي عياض: اختلفت الروايات في ذلك؛ ففي رواية: "حتى يحاذي
стр. 1578
منكبيه" وفي أخرى: "حتى يحاذي بهما أذنيه" (١) وفي أخرى: "فروع أذنيه" (٢) وفي أخرى: "فوق أذنيه مدًّا مع رأسه" (٣)، وفي أخرى: "إلى صدره" (٤) وبحسب هذه الروايات اختلف العلماء في الاختيار من فعلها، فذهبت عامّة أئمة الفتوى إلى الرواية الأولى، وهي أن يرفعهما حذو منكبيه، وهو أصح قولي مالك وأشهره، والرواية الأخرى عنه إلى صدره، وذهب ابن حبيب إلى رفعهما حذو أذنيه، وقد يجمع بين الأحاديث وبين الروايتين عن مالك بأن يكون بمقابلة أعلى صدره، وكفَّاه حذو منكبيه، وأطراف أصابعهما مع أذنيه، وإلى هذا ذهب بعض مشايخنا، ونحوه للشافعي إلا ذكر الصدر وهو صفة ما جاء في الحديث. وتجتمع الأحاديث إلا في زيادة الرواية الأخرى: "فوق رأسه".
وقال بعضهم: هو على التوسعة، وقال أبو عمر: هذه الروايات كلها مشهورة دالّة على التوسعة، ويقال: يرفعها إلى أن يجاوز رأسه، وهو المنقول عن طاوس أيضًا.
وبقي الكلام ها هنا من وجوه:
الأول: في نفس رفع اليدين قال ابن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله ﵇ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وفي "شرح المهذب": أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح ونقله ابن المنذر، ونقل العبدري عن الزيدية: أنه لا يرفع يديه عند الإحرام، ولا يعتد بهم، وفي فتاوى القفال: أن أبا الحسن أحمد ابن سيّار المروزي قال: إذا لم يرفع يديه لم تصح صلاته؛ لأنها واجبة، فوجب الرفع لها، بخلاف باقي التكبيرات لا يجب الرفع؛ لأنها غير واجبة، وقال النووي: وهذا مردود بإجماع من قبله، وقال ابن حزم: رفع اليدين في أول الصلاة فرض لا تجزئ الصلاة إلا به، وقد روي ذلك عن الأوزاعي.
стр. 1579
الثاني: في كيفية الرفع، فقال الطحاوي: يرفع ناشرًا أصابعه مستقبلًا بباطن كفيه إلى القبلة كأنه لمح ما في "الأوسط" (١) للطبراني: من حديثه عن محمَّد بن حرب، نا [عمير] (٢) بن عمران، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا استفتتح الصلاة أحدكم، فليرفع يديه وليستقبل بباطنهما القبلة؛ فإن الله أمامه".
وفي "المحيط": "ولا يفرج بين الأصابع تفريجًا". وقال الماوردي: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى.
وعن سحنون: زهورهما إلى السماء وبطونهما [إلى] (٣) الأرض.
وعن القابسي: يقيمهما مُحْنَيَيْن شيئًا يسيرًا.
ونقل المحاملي عن أصحابهم: يستحب تفريق الأصابع.
وقال الغزالي: لا يتكلف ضمًّا ولا تفريقًا، بل يتركهما على هيئتهما.
وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا.
وفي "المغني" لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه، ويضم بعضها إلى بعض.
الثالث: في حكمة الرفع، فقال ابن بطال: رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: حكمته أن يرى الأصم فيعلم دخوله في الصلاة، والتكبير لإسماع الأعمى فيعلم بدخوله في الصلاة.
وقيل: استكانة واستسلام، وكان الأسير إذا غُلب مدَّ يديه علامة لا ستسلامه.
стр. 1580
وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: هو إشارة إلى طرح الدنيا وراءه.
الرابع: الرفع مقارن بالتكبير، أم لا؟ ففي "المبسوط": يرفع ثم يكبر، وقال: وعليه أكثر مشايخنا، وقال جواهر زادة: يرفع مقارنًا للتكبير، وبه قال أحمد، وهو المشهور عن مالك.
وفي "شرح المهذب": الصحيح أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، وهو المنصوص.
وقيل: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين.
وقيل: يبتدئ يرفع بلا تكبير، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير، وهو مصحح عند البغوي.
وقيل: يبتدئ بهما معًا.
وقيل: التكبير مع انتهاء الإرسال.
وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. وهذا مصحح عند الرافعي.
وفي شرح "المجمع" قال أبو يوسف: يقارن رفع اليدين مع التكبير. وبه قال الطحاوي وبعض الشافعية، وقال أبو حنيفة ومحمد: يقدم الرفع على التكبير. وهو الذي ذكره صاحب "المبسوط"؛ لأن الرفع إشارة إلى نفي الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثباتها له، والنفي يقدم على الإثبات.
الخامس: رفعهما إذا أراد الركوع، وسيجيء الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ص: واحتجوا بذلك بما حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفَضْل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن