ص: باب: رفع اليدين في افتتتاح الصلاة إلى أين يبلغ بهما
ش: أي هذا باب في بيان رفع اليدين في أول الصلاة، إلى أين يبلغ بهما وكيف يرفعهما؟ ولما فرغ عن بيان الأوقات بأقسامها وأنواعها شرع في بيان كيفية الشروع في الصلاة، وفي بعض النسخ قال: كتاب الصلاة، ثم قال: باب رفع اليدين، ولا يحتاج إلى ذكر كتاب الصلاة؛ لأنه ذكر مرة على رأس باب الأذان.
ص: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان مولى الزرقيين، قال: "دخل علينا أبو هريرة ﵁ فقال: "كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا".
ش: إسناده صحيح، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث المدني روى له الجماعة، وسعيد بن سمعان الأنصاري الزرقي المدني مولى بني زريق وثقه النسائي وابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﵇ إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: نا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا".
وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا سعيد بن سمعان، قال: "جاء أبو هريرة إلى مسجد بني زريق، فقال:
стр. 1577
ثلاث كان رسول الله ﵇ يعمل بهن تركهن الناس: كان يرفع يديه في الصلاة مدًّا، ويسكت هنية، ويكبِّر إذا سجد وإذا رفع".
قوله: "مدًّا" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي رفعًا مدًّا، ويجوز أن يكون بمعنى مادًّا، ويكون حالًا من الضمير الذي في "رفع"، والتقدير: حال كونه مادًّا يديه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل يرفع يديه إذا افتتح الصلاة مدًّا، ولم يوقتوا في ذلك شيئًا، واحتجوا بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: العراقيين من أصحاب مالك، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة، ولم يعينوا في ذلك شيئًا من بلوغ اليدين إلى أين تكون؟ ولكن قالوا: يمدها مدًّا بأن تكون رؤس أصابعهما مما يلي السماء صفة النابذ، وقال سحنون من المالكية: يكونان مبسوطتين، بطونهما مما يلي الأرض، وظهورها مما يلي السماء، وهي صفة الزاهد.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي له أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمَّد بن سيرين وابن أبي ذئب وسالم بن عبد الله والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: السُنَّة أن يرفع المصلي يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وقد نقل ذلك عن عمر وابنه وأبي هريرة، وقد روي عن ابن عمر ﵄ "أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه، وفي غيره دون ذلك" (١).
وقال القاضي عياض: اختلفت الروايات في ذلك؛ ففي رواية: "حتى يحاذي
стр. 1578
منكبيه" وفي أخرى: "حتى يحاذي بهما أذنيه" (١) وفي أخرى: "فروع أذنيه" (٢) وفي أخرى: "فوق أذنيه مدًّا مع رأسه" (٣)، وفي أخرى: "إلى صدره" (٤) وبحسب هذه الروايات اختلف العلماء في الاختيار من فعلها، فذهبت عامّة أئمة الفتوى إلى الرواية الأولى، وهي أن يرفعهما حذو منكبيه، وهو أصح قولي مالك وأشهره، والرواية الأخرى عنه إلى صدره، وذهب ابن حبيب إلى رفعهما حذو أذنيه، وقد يجمع بين الأحاديث وبين الروايتين عن مالك بأن يكون بمقابلة أعلى صدره، وكفَّاه حذو منكبيه، وأطراف أصابعهما مع أذنيه، وإلى هذا ذهب بعض مشايخنا، ونحوه للشافعي إلا ذكر الصدر وهو صفة ما جاء في الحديث. وتجتمع الأحاديث إلا في زيادة الرواية الأخرى: "فوق رأسه".
وقال بعضهم: هو على التوسعة، وقال أبو عمر: هذه الروايات كلها مشهورة دالّة على التوسعة، ويقال: يرفعها إلى أن يجاوز رأسه، وهو المنقول عن طاوس أيضًا.
وبقي الكلام ها هنا من وجوه:
الأول: في نفس رفع اليدين قال ابن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله ﵇ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وفي "شرح المهذب": أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح ونقله ابن المنذر، ونقل العبدري عن الزيدية: أنه لا يرفع يديه عند الإحرام، ولا يعتد بهم، وفي فتاوى القفال: أن أبا الحسن أحمد ابن سيّار المروزي قال: إذا لم يرفع يديه لم تصح صلاته؛ لأنها واجبة، فوجب الرفع لها، بخلاف باقي التكبيرات لا يجب الرفع؛ لأنها غير واجبة، وقال النووي: وهذا مردود بإجماع من قبله، وقال ابن حزم: رفع اليدين في أول الصلاة فرض لا تجزئ الصلاة إلا به، وقد روي ذلك عن الأوزاعي.
стр. 1579
الثاني: في كيفية الرفع، فقال الطحاوي: يرفع ناشرًا أصابعه مستقبلًا بباطن كفيه إلى القبلة كأنه لمح ما في "الأوسط" (١) للطبراني: من حديثه عن محمَّد بن حرب، نا [عمير] (٢) بن عمران، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا استفتتح الصلاة أحدكم، فليرفع يديه وليستقبل بباطنهما القبلة؛ فإن الله أمامه".
وفي "المحيط": "ولا يفرج بين الأصابع تفريجًا". وقال الماوردي: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى.
وعن سحنون: زهورهما إلى السماء وبطونهما [إلى] (٣) الأرض.
وعن القابسي: يقيمهما مُحْنَيَيْن شيئًا يسيرًا.
ونقل المحاملي عن أصحابهم: يستحب تفريق الأصابع.
وقال الغزالي: لا يتكلف ضمًّا ولا تفريقًا، بل يتركهما على هيئتهما.
وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا.
وفي "المغني" لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه، ويضم بعضها إلى بعض.
الثالث: في حكمة الرفع، فقال ابن بطال: رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: حكمته أن يرى الأصم فيعلم دخوله في الصلاة، والتكبير لإسماع الأعمى فيعلم بدخوله في الصلاة.
وقيل: استكانة واستسلام، وكان الأسير إذا غُلب مدَّ يديه علامة لا ستسلامه.
стр. 1580
وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: هو إشارة إلى طرح الدنيا وراءه.
الرابع: الرفع مقارن بالتكبير، أم لا؟ ففي "المبسوط": يرفع ثم يكبر، وقال: وعليه أكثر مشايخنا، وقال جواهر زادة: يرفع مقارنًا للتكبير، وبه قال أحمد، وهو المشهور عن مالك.
وفي "شرح المهذب": الصحيح أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، وهو المنصوص.
وقيل: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين.
وقيل: يبتدئ يرفع بلا تكبير، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير، وهو مصحح عند البغوي.
وقيل: يبتدئ بهما معًا.
وقيل: التكبير مع انتهاء الإرسال.
وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. وهذا مصحح عند الرافعي.
وفي شرح "المجمع" قال أبو يوسف: يقارن رفع اليدين مع التكبير. وبه قال الطحاوي وبعض الشافعية، وقال أبو حنيفة ومحمد: يقدم الرفع على التكبير. وهو الذي ذكره صاحب "المبسوط"؛ لأن الرفع إشارة إلى نفي الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثباتها له، والنفي يقدم على الإثبات.
الخامس: رفعهما إذا أراد الركوع، وسيجيء الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ص: واحتجوا بذلك بما حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفَضْل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن
стр. 1581
علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ : "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من رفع اليدين إلى المنكبين بحديث علي ﵁.
ورجاله ثقات، لكن متن الحديث قد ضعف لكونه روي من وجه أخر عنه، وليس فيه الرفع غير أول الصلاة على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
وعبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
وموسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي الأسدي المدني، روى له الجماعة، وعبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي المدني روى له الجماعة، وعبيد الله بن أبي رافع المدني مولى النبي ﵇. واسم أبي رافع: أسلم، أو إبراهيم، أو ثابت، أو هرمز، روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، ثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁[عن رسول الله ﷺ ] (٢): "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وإذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا فرغ من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته، وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين يرفع يديه كذلك وكبّر".
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه".
стр. 1582
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، عن مالك، عن ابن شهاب، فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاثة طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وابن نمير، كلهم عن سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وقبل أن يركع، وإذا قام من الركوع، ولا يرفعهما بين السجدتين".
وأبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع- وقال سفيان مرة: وأذا رفع رأسه. وأكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه، ولا يرفع بين السجدتين".
والترمذي (٣): ثنا قتيبة وابن أبي عمر، قالا: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" وزاد ابن أبي عمر في حديثه: "وكان لا يرفع بين السجدتين".
стр. 1583
وابن ماجه (١): ثنا علي بن [محمَّد] (٢) وهشام بن عمار وأبو عمر الضرير، قالوا: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتل يحاذي منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين".
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وأخرجه ابن وهب في "مسنده".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٣): من طريق الشافعي، عن مالك ... إلى آخره.
ثم قال: ورواه بشر بن عمر وغيره عن مالك.
قلت: هذا الحديث رواه أناس عن مالك.
وأخرجه الجماعة:
فالبخاري (٤): عن محمَّد بن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود".
стр. 1584
وأخرجه النسائي (١): عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس ... إلى آخره نحو رواية البخاري وبقيَّة الجماعة قد ذكرناهم.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن جابر قال: "رأيت سالم بن عبد الله حين افتتح الصلاة رفع يديه حَذْو منكبيه، فسألته عن ذلك، فقال: رأيت ابن عمر يفعل ذلك، فقال ابن عمر: رأيت النبي ﵇ يفعل ذلك".
ش: هذا وجه آخر له، عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة الجذري الرهاوي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن سالم ... " إلى آخره.
وهؤلاء ثقات غير أن جابرًا فيه مقال فضعفه يحيى وأبو حاتم، ووثقه آخرون.
وأخرجه البيهقي: من حديث محمَّد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: أنا أبو حمزة، عن سليمان الشيباني، قال: "رأيت سالم بن عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه رفع يديه، فسألته فقال: رأيت ابن عمر يفعله، فقال: رأيت رسول الله ﵇ يفعله".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﵇ أحدهم أبو قتادة قال: قال أبو حميد: "نا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇، قالوا: لِمَ؟ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة ولا أقدمنا له صحبة؟ فقال: بلى، قالوا: فأعرض، فقال: كان رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، قال: فقالوا جميعًا: صدقت، هكذا كان يصلي".
ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي.
стр. 1585
واسم أبي عاصم الضحاك بن مخلد.
وأخرجه أبو داود (١) مطولًا: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد.
ونا مسدّد، نا يحيى -وهذا حديث أحمد- أنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر- قال: أخبرني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﵇ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇، قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعة ولا أقدمنا له صحبة؟ قال: إلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتخ أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بههما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر. قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي".
وأخرجه الترمذي (٢) أيضًا: ثنا محمَّد بن بشار ومحمد بن المثني، قالا: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: نا عبد الحميد بن جعفر، قال: نا محمَّد بن عمرو بن
стр. 1586
عطاء، عن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته -وهو في عشرة من أصحاب النبي ﵇ أحدهم أبو قتادة بن ربعي- يقول: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇. قالوا: ما كنت أقدمنا له صحبة ولا أكثرنا له إتيانًا، قال: بلى، قالوا: فأعرض، فقال: كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ويركع، ثم اعتدل ولم يصوب رأسه ولم يقنع، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عضو في موضعه معتدلًا، ثم هوى إلى الأرض ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم جافى عضديه عن إبطيه، وفتح أصابع رجليه، ثم ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم هوى ساجدًا ثم قال: الله أكبر ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك، حتى كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخّر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركًا، ثم سلم".
قال: أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه البخاري مختصرًا (١): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن خالد، عن سعيد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء.
ونا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء: "أنه كان جالسًا مع نفرٍ من أصحاب النبي ﵇ فذكرنا صلاة النبي ﵇، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﵇؛ رأيته إذا كبّر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا
стр. 1587
سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته".
قوله: "في عشرة من أصحاب النبي ﵇ أي بين عشرة، وكلمة "في" تجيء بمعنى بين كما في قوله تعالى،: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (١) أي بين عبادي، ومحلها النصب على الحال، أي سمعته حال كونه جالسًا بين عشرة أنفس من الصحابة منهم أبو قتادة الحارث بن ربعي.
قوله: "لِمْ" بتسكين الميم، ومعناه لم تقول هذا القول؟ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة أي اتباعًا، والتبعة -بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الباء- اسم للاتباع، وكذلك التبعة -بضم التاء وسكون الباء، والتباعة بالفتح، وانتصابها على التمييز، وكذلك صحبةً.
قوله: "حتى يَقَرّ" من القرار من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ والمعنى حتى يستقر كل عظم في موضعه ويثبت.
قوله: "فلا ينصب رأسه" يعني فلا يميلها إلى أسفل، وفي بعض الرواية: "فلا ينصب" من الانصباب.
قوله: "ولا يقنع" من الإقناع، يعني لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره.
قوله: "ثم يهوي" أي ينزل، ومصدره هُوىً.
قوله: "فيجافي" أي يباعد.
قوله: "ويثني رجله" من ثنيت الشيء ثَنْيًا إذا عطفته.
قوله: "ويفتح" بالخاء المعجمة، أي يضم أصابع رجليه ويغمز موضع المفاصل منها ويثنيها إلى باطن الرجل، فيوجهها نحو القبلة.
стр. 1588
قوله: "متوركًا" حال من الضمير الذي من "قعد" والتورك أن يجلس على إليتيه، وينصب رجله اليمنى، ويخرج اليسرى من تحتها.
قوله: "ثم هصر ظهره" بتخفيف الصاد المهملة، أي ثناه وعطفه للركوع، وأصل الهصر: الكسر، وقد هصره واهتصره بمعنى.
قوله: "كل فَقَار" بفتح الفاء ثم القاف وفَقَار الظهر خزاته، والواحدة منها فقارة.
ص: أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: الرفع في التكبير في افتتاح الصلاة يبلغ به المنكبان ولا يُجاوزان، واحتجوا في ذلك بهله الآثار، فكان ما في حديث أبي هريرة عندنا غير مخالف لهذا؛ لأنه إنما ذكر فيه أن رسول الله ﵇ كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، فليس في ذلك ذكر المنتهى بذلك المد إليه أيُّ موضع هو؟ قد يجوز أن يكون يبلغ به حذاء المنكبين، وقد يحتمل أيضًا أن يكون ذلك الرفع قبل الصلاة للدعاء، ثم يكبر للصلاة بعد ذلك ويرفع يديه حلاء منكبيه، فيكون حديث أبي هريرة على رفع عند القيام للصلاة للدعاء، وحديث علي وابن عمر على الرفع بعد ذلك عند افتتاح الصلاة؛ حتى لا تتضاد هذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء من ذكرناهم عند قوله: "وخالفهم في ذلك آخرون".
فإن قلت: أليس هذا بتكرار؟
قلت: لا؛ لأن المذكور عند قوله: "وخالفهم في ذلك آخرون" هو قوله: "ينبغي له أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه" وسكت عن المجاوزة عن المنكبين وبَيَّنَ ها هنا أن مذهب هؤلاء هو الاقتصار على محاذاة المنكبين، ولا يجاوزان عليهما، والمجاوزة عنهما هو مذهب مخالفيهم على ما يجيء.
قوله: "يُبْلغ" على صيغة المجهول، و"المنكبان" مفعوله ناب عن الفاعل.
وكذا قوله: "ولا يُجاوزان" على صيغة المجهول، وفي بعض النسخ "يبلغ به المنكبين" فيبلغ على صيغة المعلوم، وفاعله "المصلي" والمنكبين مفعوله.
قوله: "فكان ما في حديث أبي هريرة ... " إلى آخره إشارة إلى وجه التوفيق بين
стр. 1589
حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في أول الباب الذي احتجت به طائفة فقالوا: ينبغي للمصلي أن يرفع يديه مدًّا ولم يعينوا فيه شيئًا، وبين حديثي علي وعبد الله بن عمر ﵃ الذين احتج بهما طائفة، فقالوا: يرفع يديه إلى منكبيه ولا يجاوزهما عنهما، فكل من الطائفتين عمل بحديث وترك حديثًا، وأشار الطحاوي إلى أن العمل بالحديثين أولى من العمل بأحدهما وإهمال الآخر، وذلك بالتوفيق بينهما، ووجهه أن يقال: إن في حديث أبي هريرة لم يبين موضع المدِّ، فيجوز أن يكون المراد به أن يبلغ إلى المنكبين، فيكون أحد الحديثين كالتفسير للآخر ولا يكون بينهما تضاد، أو يحمل كل منهما على معنىً، وهو أن حديث أبي هريرة يحمل على رفع يدٍ عند القيام إلى الصلاة لأجل الدعاء وهو معنى قوله: "على رفعٍ عند القيام للصلاة للدعاء" فاللام في الصلاة تتعلق بالقيام، واللام في الدعاء تتعلق برفع، وحديث علي وابن عمر يحمل على رفع يديه مرة أخرى للشروع في الصلاة، فيكون معنى كل من الحديثين في محل غير محل الآخر، فلا يقع بينهما تضاد، لاختلاف المحلين. فافهم.
ص: وخالف في ذلك آخرون، فقالوا: ترفع الأيدي في افتتاح الصلاة حتى يحاذى بهما الأذنان.
ش: أي خالف الحكم المذكور جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبا ميسرة ووهب بن منبه وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد -في رواية- وجماعة من المالكية؛ فإنهم قالوا: ترفع الأيدي في افتتاح الصلاة حتى يحاذي بهما الأذنان، وروي ذلك عن البراء بن عازب ومالك بن الحويرث ووائل بن حجر وأبي حميد الساعدي وأبي جعفر وأبي إسحاق وآخرين.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكر، قال: أنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "كان النبي ﵇ إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه".
стр. 1590
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث البراء بن عازب.
ومؤمل بن إسماعيل القرشي أبو عبد الرحمن البصري، احتج به الأربعة واستشهد به البخاري.
وسفيان هو الثوري.
ويزيد بن أبي زياد القرشي أبو عبد الله الكوفي فيه مقال، فعن أحمد: لم يكن بالحافظ.
وعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف الحديث. وقال أبو داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه، وغيره أحب إلى منه.
قلت: هو احتج به، وكذلك احتج به النسائي (١)، والترمذي، وابن ماجه، وروى له مسلم مقرونًا بغيره.
وابن أبي ليلى: هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاري أبو عيسى الكوفي، روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (٢): نا محمَّد بن الصباح البزاز، قال: نا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب: "أن رسول الله ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود". انتهى.
وفيه دلالة صريحة أن النبي ﵇ كان يرفع يديه إذا كبر لافتتاح الصلاة حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه، ودلت رواية أبي داود على أن رفع اليدين عند الافتتاح فقط.
فإن قيل: هذا الحديث ضعفوه، فكيف استدل به الطحاوي للحنفية؟
стр. 1591
قلت: تضعيفهم إياه إما لنفس يزيد بن أبي زياد وإما لانفراد شريك في رواية أبي داود بزيادة قوله: "ثم لا يعود" فإن كان لنفس يزيد بن أبي زياد حيث نقلوا عن أحمد ويحيى وغيرهما أنه ضعيف كما قلنا، فقد عارض ذلك قول غيرهم، فقال يعقوب بن سفيان الفسوي: يزيد وإن كان قد تكلم فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور والأعمش؛ فهو مقبول القول عدل ثقة، وقال أبو داود: ثبت لا أعلم أحدًا ترك حديثه وغيره أحبّ إليّ منه. وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلَّا أنه في آخر عمره اختلط. ولما ذكره ابن شاهين في كتاب "الثقات" قال: قال أحمد بن صالح: يزيد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلم فيه، وخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه" وقال: صدوق، وكذا قاله ابن حبان، وذكره مسلم فيمن شمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم وخرج حديثه في "صحيحه"، واستشهد به البخاري، والطحاوي أيضًا رضي به، ولو لم يكن عنده ثقة لما احتج به لما ذهب إليه أصحابه.
وإن كان لانفراد شريك بهذه الزيادة، فسيجيء الكلام فيه مستقصى في باب التكبير للركوع والتكبير للسجود؛ لأن الطحاوي: أخرج هذا الحديث هناك أيضًا على منوال رواية أبي داود.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: "رأيت رسول الله ﵇ حين يكبر للصلاة يرفع يديه حيال أذنيه".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، قال: ثنا يوسف ابن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن أبي بكرة بكَّار، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
стр. 1592
عن أبيه كليب بن شهاب الجرمي الكوفي، وثقه ابن حبان وأبو زرعة وابن سعد، وروى له الأربعة.
عن وائل بن حجر -بالحاء ثم الجيم- الحضرمي أبي هنيدة الكندي الصحابي.
وأخرجه الطبراني (١): نحوه من حديث سفيان، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل قال: "رأيت النبي ﵇ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي أذنيه ... " الحديث، رواه عن بشر بن موسى، عن الحميدي، عن سفيان.
وأخرجه الدارقطني (٢): من حديث جرير، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبي ﵇ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه إلى أذنيه". رواه عن الحسين بن إسماعيل، عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن عاصم به.
وأخرجه مسلم (٣): من حديث علقمة بن وائل، عن أبيه: "أنه رأى النبي ﵇ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبَّر -وصف همام- حيال أذنيه ... " الحديث، رواه عن زهير، عن عفان، عن همام، عن محمَّد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة به.
وأخرجه أبو داود (٤): عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﵇ كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله ﵇ فاستقبل القبلة فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه ... " الحديث.
وأخرجه النسائي (٥): أنا محمَّد بن رافع، قال: ثنا محمَّد بن بشر، قال: ثنا
стр. 1593
فطر بن خليفة، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه: "أنه رأى النبي ﵇ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه".
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن عاصم بن كليب، عن أبيه.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا أبو الأحوص، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "صليت خلف رسول الله ﵇، فقلت: لأحفظن صلاة رسول الله ﵇، فلما افتتح الصلاة كبَّر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما كبَّر للركوع رفع يديه أيضًا كما رفعهما لتكبير الصلاة، فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه أيضًا، فلما قعد يتشهد افترش رجله اليسرى بالأرض ثم قعد عليها، فوضع كله الأيسر على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه وجعل حلقة بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى".
ص: حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، عن رسول الله ﵇، مثله إلَّا أنه قال: "حتى يحاذي بهما فوق أذنيه".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو كامل الجحدري، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: "أن رسول الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، فإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك".
стр. 1594
وأخرجه أبو داود (١): ثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، قال: "رأيت النبي ﵇ يرفع يديه إذا كبَّر وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يبلغ بهما فروع أذنيه".
وأخرجه النسائي (٢): أنا علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل، عن سعيد، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن مالك بن الحويرث، قال: "رأيت رسول الله ﵇ يرفع يديه إذا كبَّر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع حتى بلغتا فروع أذنيه".
ص: حدثنا أبو الحسين الأصبهاني، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا إسماعيل ابن عياش، قال: ثنا عتبة بن أبي حكيم، عن عيسى بن عبد الرحمن العدوي، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي: "أنه كان يقول لأصحاب النبي ﵇: أنا أعلمكم بصلاة النبي ﵇؛ كان إذا قام إلى الصلاة كبَّر ورفع يديه حذاء وجهه".
ش: أبو الحسن هو محمَّد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، وهشام بن عمار ابن نصير أبو الوليد السلمي الدمشقي شيخ البخاري، وإسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف، والشين المعجمة- بن سليم الشامي الحمصي، أحد من روى عن أبي حنينة وأكثر، قال الفسوي: ثقة عدل. وقال دحيم: هو في الشاميين غاية وخلَّط عن المدنيين، وقال يحيى: ثقة. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وروى له الأربعة.
وعتبة بن أبي حكيم الهمداني أبو العباس الشامي الأزدي الطبراني، قال يحيى: ثقة. وعنه: ضعيف. وقال أبو حاتم: صالح لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الأربعة.
стр. 1595
وعيسى بن عبد الرحمن، الأصح أنه عيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب ﵁ وقال ابن المديني: مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود وابن ماجه والنسائي في "اليوم والليلة".
والعباس بن سهل بن سعد الأنصاري الساعدي المدني روى له الجماعة سوى النسائي.
وأبو حميد الساعدي الأنصاري قيل: اسمه عبد الرحمن وقيل: المنذر بن سعد. ونسبته إلى بني ساعدة قوم من الخزرج ولهم سقيفة بني ساعدة وهي بمنزلة دارهم.
والحديث أخرجه أبو داود (١) مطولًا: عن أحمد بن حنبل، عن عبد الملك بن عمرو، عن فليح، عن عباس بن سهل ... إلى آخره، وفيه: قال أبو حميد: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇ ... " الحديث.
ثم قال (٢): ثنا عمرو بن عثمان، خبَّرنا بقية، قال: حدثني عتبة، قال: حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد ... إلى آخره.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما اختلفت هذه الآثار عن رسول الله ﵇ التي فيها بيان الرفع إلى أي موضع هو، في الموضع الذي انتهى به، وخَرَّجَ حديث أبي هريرة ﵁ الذي بدأنا بذكره أن يكون مضادًا لها؛ أردنا أن ننظر أي هذين المعنيين أولى أن يقال به؟
فإذا فهد بن سليمان قد حدثنا، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "أتيت رسول الله ﷺ فرأيته يرفع حذاء أذنيه إذا كبّر وإذا رفع وإذا سجد، فذكر من هذا ما شاء الله، قال: ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها، وأشار شريك إلى صدره".
стр. 1596
فأخبر وائل بن حجر في حديثه هذا أن رفعهم إلى مناكبهم إنما كان لأن أيديهم كانت حينئذٍ في ثيابهم، وأخبر أنهم كانوا يرفعون إذا كانت أيديهم ليست في ثيابهم إلى حذو آذانهم، فأعلمنا روايتيه كلتيهما، فجعلنا الرفع إذا كانت اليدان في الثياب لعلة البرد إلى منتهى ما استطاع الرفع إليه وهو المنكبان، وإذا كانتا باديتين رفعهما إلى الأذنين كما فعل النبي ﵇، ولم يجز أن يحمل حديث ابن عمر وما أشبهه مما فيه ذكر رفع اليدين إلى المنكبين كان ذلك واليدان باديتان إذ كان قد يجوز أن يكونا كانتا في الثياب، فيكون ذلك مخالفًا لما روى وائل بن حجرة فيتضاد الحديثان، ولكنا نجعلهما على الاتفاق فنجعل حديث ابن عمر على أن ذلك كان من النبي ﵇ ويداه في ثوبه -على ما حكى وائل في حديثه- ونجعل ما رواه وائل عن النبي ﵇ لأ أنه فعله في غير حال البرد من رفعه يديه إلى أذنيه، فيستحب القول به وترك خلافه.
وأما ما رويناه عن عليّ ﵁ عن النبي ﵇ في ذلك فهو خطأ، وسنبين ذلك في باب رفع اليدين في الركوع إن شاء الله تعالى.
فثبت بتصحيح هذه الآثار ما روى وائل عن النبي ﵇ على ما فصلنا مما فعل في حال البرد وفي غير حال البرد، وهو قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد بن الحسن ﵁.
ش: ملخصه: أن الأحاديث في هذا الباب رويت على ثلاثة أنواع وبينها تضاد ظاهرًا وهي حديث أبي هريرة الذي فيه رفع اليدين مدًّا، وحديث علي وابن عمر ﵃ الذي فيه رفعهما حذو منكبيه، وحديث البراء ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث ﵁ الذي فيه رفعهما إلى الأذنين، وقد بين فيما مضى أن حديث أبي هريرة غير مخالف لحديث ابن عمر، وبقي الكلام بين حديث ابن عمر، وحديث وائل، ومن روى مثله فينبغي أن يُنظر بينهما ويُوفق؛ دفعًا للتضاد، ورفعًا للخلاف بينهما؛ فنظرنا فوجدنا شريك بن عبد الله النخعي القاضي روى عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ... الحديث، فأخبر وائل فيه أن رفعهم أيديهم إلى مناكبهم إنما كان
стр. 1597
لكونها في ثيابهم، وأخبر في حديثه الآخر أنهم كانوا يرفعونها إلى حذو آذانهم إذا لم تكن في ثياب، فحملنا الرفع إلى مناكبهم فيما جاء من الأحاديث على حالة كون الأيدي في الثياب، والرفع إلى آذانهم فيما جاء أيضًا من الأحاديث على حالة كون الأيدي بادية أي ظاهرة، فبذلك يحصل الاتفاق بين الحديثين، ويرفع التضاد، وهذا هو الأصل في تصحيح معاني الآثار.
قوله: "فأعلمنا" من الإعلام أي أعلمنا وائل بن حجر روايتيه المتقدمتين.
قوله: "باديتين" أي ظاهرتين مكشوفتين.
قوله: "كان ذلك واليدان باديتان" الواو في "واليدان" للحال، وهذا تركيب قلق ولابد من التقدير فيه وهو: أن الأصل "أنْ كان ذلك". وأنْ مصدرية، والتقدير لم يجز أن يحمل حديث ابن عمر وما أشبهه مما فيه رفع اليدين إلى المنكبين على كون ذلك والحال أن اليدين باديتان.
قوله: "إذ كان قد يجوز" وكلمة "إذا" للتعليل.
قوله: "فيكون ذلك" عطف على قوله: "أن يحمل". فافهم.
ثم إسناد حديث شريك هذه صحيح.
وأخرجه أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبي ﵇ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية". انتهى.
قوله: "الأكسية" جمع كساء.
و"البرانس" جمع بُرْنُس -بضم الباء الموحدة وبعد الراء الساكنة نون مضمومة ثم سين مهملة -وهو كل ثوب له رأس ملتزق به، دراعة كانت أو جبة أو غير ذلك، كان يلبسه العباد وأهل الخير، وهو عربي اشتق من "البِرْنس" بكسر الباء وسكون الراء، وهو القطن، والنون زائدة وقيل: إنه غير عربي.
стр. 1598
وقال الجوهري: البُرْنُس قلنسوة طويلة، وكان النساك في صدر الإِسلام يلبسونها، وفي "المطالع": قال ابن دريد: البرنس -بضم الباء- نوع من الطيالسة، يلبسه العباد وأهل الخير.
стр. 1599
ص: باب: ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام
ش: أي هذا باب في بيان ما يستحب أن يقول المصلي بعد تكبيرة الافتتاح من الأدعية المأثورة، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أبو ظفر عبد السلام بن مطهر، قال: ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلَّا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ".
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا جعفر بن سليمان ... فذكر مثله بإسناده غير أنه لم يقل: "ثم يقرأ".
ش: هذان طريقان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي ظفر عبد السلام ... إلى آخره.
وعبد السلام هذا شيخ البخاري وأبي داود، قال أبو حاتم: صدوق.
وجعفر بن سليمان الضبعي أبو سليمان البصري، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح، وكان ينزل في بني ضبيعة فنسب إليهم.
وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة الرفاعي اليشكري أبو إسماعيل البصري، قال أبو زرعة ويحيى: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به. وروى له الأربعة.
وأبو المتوكل اسمه علي بن داود، وقيل: دواد، روى له الجماعة، والناجي -بالنون والجيم- نسبة إلى بني ناجية بن سامة بن لؤي.
وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.
стр. 1600
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد السلام بن مطهر، ثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وأخرجه الترمذي (٢): عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر بن سليمان الضبعي ... إلى آخره نحوه، غير أنه ليس في روايته: "ثم يقول: لا إله إلَّا الله- ثلاثًا" وقوله: "ثم يقرأ".
الثاني: عن فهد، عن الحسن بن الربيع بن سليمان البجلي، قال: أحمد بن عبد الله كوفي ثقة، رجل صالح. وهو شيخ الجماعة.
عن جعفر بن سليمان ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): عن عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان ... إلى آخره، واقتصر على: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا جعفر بن سليمان ... إلى آخره نحو رواية النسائي.
فإن قلت: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: صحيح؛ لأن رجاله ثقات.
فإن قلت: تكلم فيه يحيى بن سعيد من جهة علي بن علي، وقال الترمذي: قال أحمد: لا يصح هذا الحديث.
стр. 1601
قلت: سكوت أبي داود يدل على صحته عنده (١)، وعلي بن علي وثقه جماعة كما ذكرنا، فإذا لا مانع لصحته.
قوله: "سبحانك اللهم" أي أنزهك يا الله، "وسبحان" علم للتسبيح، كعثمان علم للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره: أسبح الله سبحانك، بمعنى أسبح تسبيحك، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فَسَدَّ مسدَّه ومعنى التسبيح: التنزيه عما لا يليق به من الشريك والولد والصاحب والنقائص وسمات الحدث مطلقًا.
قوله: "وبحمدك" معطوف على محذوف تقديره: وأحمدك بحمدك، أو تقديره بحمدك سبحتك، ووفقت لذلك.
قوله: "وتبارك" تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع، وتبارك أي بارك، مثل قاتل وتقاتل إلَّا أن فاعل يتعدى، وتفاعل لا يتعدى، ومعناه كثرت بركته في السماوات والأرض؛ إذ به تقوم وبه تستنزل الخيرات، وأوَّلهُ بعضُ أهل التحقيق على أن باسمه تنال البركة والزيادة، ونفى أن يتأول في وصفه معنى الزيادة لأنه ينبئ عن النقصان.
قوله: "وتعالى جدك" أي علا وارتفع عظمتك، والجدُّ: العظمة، وينبغي أن تُمدَّ "لام" "تعالى" مدًّا ظاهرًا، وقد سمعت بعض مشايخي: أنه لو قصرها في الصلاة تفسد صلاته.
قوله: "من همزه" وهمزه ما يوسوس به، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (٢) وهمزاته خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وهي جمع المرة من الهمزة.
стр. 1602
وقد فسره في بعض روايات الحديث الذي أخرجه أبو داود (١)، وغيره (٢) في الأدعية قال: "نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة" والموتة -بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوق-: الجنون؛ وسماه همزًا لأنه جعل من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته.
قوله: "ونفخه" بالخاء المعجمة، وهو الكبير كما قلنا، وهو كناية عما يسوله الإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه، كالذي نفخ فيه، ولهذا قال ﵇ للذي رآه قد استطار غضبًا: "نفخ فيه الشيطان".
قوله: "ونفثه" أي نفث الشيطان، وهو الشعرث إنما سمي النفث شعرًا لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، ويقال: المراد منه السحر، وهذا أشبه؛ لما شهد له التنزيل قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٣).
فإن قيل: ما موقع قوله: "من همزه ونفخه ونفثه" مما قبله؟
قلت: الظاهر أنه بدل اشتمال من الشيطان الرجيم، فافهم.
ص: حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف التجيبي، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو معاوية، عن حارثة بن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، ثم يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا الحسن بن ربيع، قال: ثنا أبو معاوية ... فذكر مثله بإسناده.
стр. 1603
ش: هذان طريقان:
أحدهما: عن مالك بن عبد الله بن سيف بن شهاب التجيبي، ونسبته إلى تجيب -بضم التاء المثناة من فوق، وكسر الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره باء موحدة- بطن من كندة بن ثور.
عن علي بن معبد بن شداد العبدي، وثقه أبو حاتم.
عن أبي معاوية الضرير واسمه محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- روول له الجماعة.
عن حارثة بن محمَّد بن عبد الرحمن وهو حارثة بن أبي الرجال الأنصاري المدني، فيه مقال، فعن أحمد: ليس بشيء. وعن يحيى: ليس بثقة. وعنه: ضعيف. وقال أبو زرعة: واهي الحديث ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وروى له الترمذي وابن ماجه.
عن عمرة بنت عبد الرحمن، وهي جدة حارثة بن محمَّد المذكور، ثقة تابعية، روى لها الجماعة.
وأخرجه الترمزي (١): ثنا الحسن بن عرفة، ويحيى بن موسى قالا: ثنا أبو معاوية، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... إلى آخره".
وأخرجه أبو داود (٢): من حديث أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... " إلى آخره، رواه عن حسين بن عيسى، عن طلق بن غنام، عن عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء به.
وأبو الجوزاء -بالجيم، والزاي المعجمة- اسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري.
стр. 1604
الثاني: عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن الحسن بن ربيع بن سليمان البجلي، عن أبي معاوية ... إلى آخره.
وأخرء ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمَّد وعبد الله بن عمران، قالا: ثنا أبو معاوية، نا حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... " إلى آخره.
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قِبَل حفظه.
وقال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روول قصة الصلاة [جماعة عن بديل] (٢) لم يذكروا فيه شيئًا من هذا.
وقد أخرج الحكم في "مستدركه" (٣): هذا الحديث بالإسنادين جميعًا -أعني بإسناد الطحاوي والترمذي، وبإسناد أبي داود-
وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولا أحفظ في قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك، في الصلاة أصح من هذا الحديث، وقد صح عن عمر بن الخطاب أنه كان يقوله.
ثم أخرجه (٤): عن الأعمش، عن الأسود، عن عمر.
قال: وقد أسند بعضهم عن عمر ولا يصح عن عمر.
стр. 1605
وأخرجه مسلم في "صحيحه" (١): عن عبدة -وهو ابن أبي لبابة-: "أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
وقال المنذري: وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه عبد الله، ولقال: إنه رأى رؤية.
وقال صاحب "التنقيح" وإنما أخرجه مسلم في "صحيحه"؛ لأنه سمعه مع غيره.
وقال الدارقطني في كتاب "العلل" (٢): وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن حميد بن أبي [غنية] (٣) عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عمر، عن النبي ﵇، وخالفه إبراهيم النخعي، فرواه عن الأسود، عن عمر قوله، وهو الصحيح.
ص: قال أبو جعفر ﵀: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول هذا أيضًا إذا افتتح الصلاة:
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى بنا عمر ﵁ بذي الحليفة، فقال: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود ووهب، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم ... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "ولا إله غيرك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، مثله. غير أنه لم يقل: "بذي الحليفة".
стр. 1606
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن بكر البرساني، قال: أنا سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عمر، مثله وزاد: "يُسمع من يليه".
حدثنا أبو بكرة، قال: أنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، مثله.
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أنهما سمعا عمر ﵁ كبر فرفع صوته، ثم قال مثل ذلك؛ ليتعلموها".
ش: هذه ستة طرق كلها موقوفة صحاح ورجالها ثقات.
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن عمرو بن ميمون الأودي الكوفي المخضرم، عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه الحكم في "مستدركه" (١) كما ذكرناه عن قريب.
وكلما أخرجه مسلم (١) بغير هذا الطريق كما مرَّ آنفًا.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى بنا عمر ﵁ بذي الحليفة، فقال: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك -وزاد أبو بكرة في روايتيه-: ولا إله غيرك".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): بهذه الزيادة، عن غندر، عن شعبة، عن الحكم ... إلى آخره.
стр. 1607
الثالث: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الكوفي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب، مثل المذكور وليس فيه ذكر ذي الحليفة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر: "أنه قال حين استفتح الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمَّد بن بكر بن عثمان البرساني شيخ أحمد، روى له الجماعة، ونسبته إلى برسان -بضم الباء الوحدة، وسكون الراء- وهي قبيلة من الأزد.
عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري.
عن أبي معشر زياد بن كليب التميمي الكوفي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة ابن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، كلاهما عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن هشيم، عن حصين، عن أبي وائل، عن الأسود بن يزيد قال: "رأيت عمر بن الخطاب افتتح الصلاة فكبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلى آخره. "يسمعنا".
الخامس: عن أبي بكرة بكار، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عمر.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "كان عمر ﵁ حين افتتح الصلاة كبَّر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
стр. 1608
السادس: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي ... " إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "كان عمر ﵁ إذا افتتح الصلاة رفع صوته يسمعنا يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
وأخرج محمَّد في "آثاره" (٢): عن أبي حنيفة، [عن حماد] (٣)، عن إبراهيم: "أن ناسًا من أهل البصرة أَتَوْا عمر بن الخطاب ﵁ لم يأتوه إلا ليسألوه عن افتتاح الصلاة، قال: فقام فافتتح الصلاة وهم خلفه، ثم جهر فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". قال محمَّد: وبه نأخذ في افتتاح الصلاة، ولكنا لا نرى أن يجهر بذلك الإِمام ولا من خلفه، وإنما جهر عمر ﵁ ليعلمهم ما سألوه عنه.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان عمر ﵁ إذا افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم ... -إلى آخره- يجهر بهن، قال: وقال: كان إبراهيم لا يجهر بهن".
وهذا كما رأيت قد أخرجه الطحاوي، عن ثلاثة من الصحابة: عن أبي سعيد الخدري، وعائشة مرفوعًا، وعن عمر بن الخطاب موقوفًا.
وأخرجه الدارقطني (٥): عنه أيضًا مرفوعًا، ثم قال: الموقوف أصح.
وقال الترمذي (٦): روي عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب.
стр. 1609
قلت: روي أيضًا عن واثلة، وأنس بن مالك، والحكم بن عمير الثمالي.
فحديث عبد الله عند الطبراني (١): نا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، نا أبو كريب، نا فردوس الأشعري، نا مسعود بن سليمان، قال: سمعت الحكم (٢) يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلى آخره.
وحديث واثلة عند الطبراني (٣) أيضًا: عن مكحول، عن واثلة: "أن رسول الله ﵇ كان يقول إذا افتتح الصلاة ... " نحوه سواء.
وحديث أنس عند الدارقطني في "سننه" (٤): نا أبو محمَّد بن صاعد، نا الحسن ابن علي بن الأسود، نا محمَّد بن الصلت، نا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس قال: "كان رسول الله ﵇ إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
ثم قال: رجال إسناده كلهم ثقات.
وأخرجه الطبراني في كتابه المفرد في "الدعاء" (٥)، فقال: ثنا أبو عقيل أنس بن مسلم الخولاني، ثنا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى، نا مخلد بن يزيد، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
ورواه من طريق آخر (٦) عن أنس نحوه.
стр. 1610
وحديث الحكم بن عمير الثمالي عند الطبراني (١): ثنا محمَّد بن إدريس المصيصي والحسين بن إسحاق التستري، قالا: ثنا أحمد بن النعمان الفراء المصيصي، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير الثمالي قال: "كان رسول الله ﵇ يعلمنا: إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم ولا تخالف آذانكم، ثم قولوا: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإن لم تزيدوا على التكبير أجزأكم".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: هكذا ينبغي للمصلي أن يقول إذا افتتح الصلاة، ولا يزيد على هذا شيئًا غير التعوذ، إن كان إمامًا أو مصليًا لنفسه.
وممن قال ذلك: أبو حنيفة ﵁.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي والثوري وعلقمة والأسود وإسحاق ابن راهويه وأحمد؛ فإنهم قالوا: ينبغي للمصلي أن يقول إذا افتتح الصلاة: سبحانك اللهم ... إلى آخره، ولا يزيد عليه شيئًا غير التعوذ، سواء كان إمامًا أو منفردًا، وهو معنى قوله: "إن كان إمامًا أو مصليًا لنفسه". وهذا يشعر بأنه إذا كان مأمومًا لا يقولها، وقال صاحب "البدائع": ثم يقول: سبحانك اللهم ... " إلى آخره، سواء كان إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا، هكذا ذكر في ظاهر الرواية.
وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يقولها المؤتم أي لا يقرأ المأموم: وجهت وجهي، وسبحانك اللهم؛ لأن فيها أشياء من القرآن، وقد نهى ﵇ أن يقرأ خلف الإِمام إلا بأم القرآن فقط، فإن دعى بعد قراءة الإِمام [في] (٢) حال سكتة الإِمام بما روي عن النبي ﵇ فحسن.
قوله: "وممن قال ذلك" أي قول ما قاله القوم المذكورون: الإِمام أبو حنيفة ﵁.
стр. 1611
وهو قول محمَّد أيضًا, ولم يذكره مع أبي حنيفة ولا مع أبي يوسف، والمذكور في كتب أصحابنا: أن محمدًا مع أبي حنيفة في هذه المسألة، وقالا: يستحب للمصلي أن يقول: سبحانك اللهم ... إلى آخره، ولا يزيد عليه، سواء كان إمامًا أو منفردًا، وما روي من الأدعية غير هذا فمحمول على الصلوات النافلة.
وقال ابن قدامة: العمل بالأدعية الطويلة متروك؛ فإنا لا نعلم أحدًا يستفتح بالأدعية الطويلة كلها، وإنما يستفتحون بسبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره، أو بوجهت وجهي ... إلى آخره، وروي عن الشافعي أنه يأتي بالأذكار التي رويت في هذا الباب ولا يزكها, ولا شيئًا منها سواء كان في الفريضة أو في النافلة، والمنقول من المزني: أنه يقول: وجهت وجهي -إلى قوله- من المسلمين.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينبغي له أن يزيد بعد هذا أو يقول قبله ما قد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﵇ فذكروا ما قد حدثنا الحسين بن نصر بن المعارك البغدادي، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عمه، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان إذا افتتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء قال: نا عبد العزيز بن أبي سلمة (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي وعبد الله بن صالح، قالا: ثنا عبد العزيز ابن الماجشون، عن الماجشون وعبد الله بن الفضل، عن الأعرج فذكر بإسناده مثله.
وحدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، فذكر بإسناده مثله.
стр. 1612
قالوا: فلما جاءت الرواية بهذا وبما قبله استحببنا أن يقولهما المصلي جميعًا.
وممن قال بهذا: أبو يوسف ﵀.
ش: أي خالف القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي وعطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان وجماعة الظاهرية؛ فإنهم قالوا: ينبغي له -أي للمصلي- أن يزيد بعد هذا -أي بعد سبحانك اللهم ... إلى آخره، أو يقول قبله- ما قد روي عن علي ﵁ وهو: "وجهت وجهي ... " إلى آخره، وهو الذي اختاره الطحاوي، وأبو إسحاق المروزي، وأبو حامد من أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي: يستفتح بما روي عن علي ﵁ وقال في "سنن حرملة": وخالفنا بعض الناس في الافتتاح، فقال: افتتح النبي ﵇ بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ورواه عن بعض أصحاب النبي ﵇.
وقال مالك: إذا كبر وفرغ من التكبير يقرأ: الحمد لله رب العالمين.
وقال ابن حزم في "المحلى": وقال مالك: لا أعرف التوجه، قال علي: ليس من لا يعرف حجة على من يعرف، وقد احتج بعض مقلديه في معارضة ما ذكرنا لما روي عن رسول الله ﵇: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين" وقال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو قولنا؛ لأن استفتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يدخل فيه التوجه؛ لأنه ليس التوجه قراءة، وإنما هو ذكر، فصح أنه ﵇ كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم يذكر ما قد صح عنه من الذكر، ثم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين وزيادة العدول لا يجوز ردها.
ثم إنه أخرج حديث علي ﵁ من أربع طرق صحاح:
الأول: عن الحسن بن نصر بن المعارك البغدادي، قال ابن يونس: ثقة ثبت.
عن يحيى بن حسان التنيسي أبي زكرياء البصري، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
стр. 1613
عن عبد العزيز بن أبي سلمة وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار، المدني أبي عبد الله الفقيه، روى له الجماعة.
عن عمه يعقوب بن أبي سلمة، أبي يوسف المدني، أخي عبد الله بن أبي سلمة، روى له الجماعة غير البخاري، والماجشون لقب يعقوب المذكور، لقبته بذلك سكينة بنت الحسين بن علي ﵁ وجرى هذا اللقب على أهل بيته من بنيه وبني أخيه، وكان يلقى الناس فيقول: جوني جوني، وشوني شوني، فلقب بالماجشون، ويقال: كانت وجنتاه حمراوين، فسمي بالفارسية بالماه كون، فعربه أهل المدينة فقالوا: الماجشون.
وهو يروي عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
عن عبيد الله بن أبي رافع أسلم -أو إبراهيم- مولى النبي ﵇، وقد تكرر ذكره، روى له الجماعة.
عن علي بن أبي طالب.
وأخرجه الجماعة غير البخاري مطولًا ومختصرًا.
فقال مسلم (١): ثنا محمَّد بن أبي بكر المقدمي، قال: ثنا يوسف الماجشون، قال: حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﵇: "أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلَّا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلَّا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1614
وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي وعظمي وعصبي.
وإذا رفع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد.
وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين.
ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة البصري، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الماجشون وهو يعقوب بن أبي سلمة عمّ عبد العزيز، وعن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب القرشي المدني، كلاهما عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا أبو سعيد، نا عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، ثنا عبد الله بن الفضل ويعقوب بن أبي سلمة الماجشون، كلاهما عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: وجهت وجهي -إلى قوله-: تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". نحو رواية المسلم.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن محمَّد الوهبي الكندي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، كلاهما عن عبد العزيز بن الماجشون وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الماجشون وهو عمه يعقوب بن
стр. 1615
أبي سلمة، وعن عبد الله بن الفضل، كلاهما عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): ثنا حُمام بن أحمد، نا عباس بن أصبع، نا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، نا أحمد بن زهير بن حرب، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن ابن مهدي، نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، حدثني عمي- هو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله ﵇ كان إذا كبّر استفتح ثم قال: وجهت ... " إلى آخره نحو رواية أحمد.
الرابع: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه الدارقطني (٢): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله ﵇ كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض -إلى قوله-: أستغفرك وأتوب إليك".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن إبراهيم بن محمَّد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عُبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ثم قال: