← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

قلت: الجواب ما ذكرناه، وإنما ذكر الأنف استحبابا، وهو تابع للجبهة، ألا ترى كيف ذكر أصحاب التشريح فقالوا: إن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فوق الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الحد واحدًا، وهو المعنى المشار إليه في حديث عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- والرجلين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر" فقد سوى بينهما, ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعًا, ولا تكون سبعة إلا إذا كانت الجبهة والأنف عضوًا واحدًا. وقال ابن بطال: وقالت طائفة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه، روي ذلك عن ابن عمر وعطاء وطاوس، والحسن وابن سيرين والقاسم، وسالم والشعبي والزهريّ، قال: وهذا هو قول مالك، ومحمد وأبي يوسف، والشافعي -في أحد قوليه- وأبي ثور، والمستحب عندهم أن يسجد على أنفه مع جبهته، وروي عن أبي حنيفة أنه إن اقتصر على أحدهما: -الأنف أو الجبهة- جاز، هذا هو الصحيح من مذهبه، وروى أسد بن عمرو عنه: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر، وهو قول تلميذيه، وفي بعض شروح الهداية عنه: إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما. وفي "الأسرار" للدبوسي جاز ذلك، وقد أشار أبو حفص في "المنظومة" أنه يجوز بلا عذر، وحكى ابن شاس في "الجواهر" أنه قول مالك. وقال ابن جرير في "تهذيب الآثار": حكم الجبهة والأنف سواء، فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتيه دون الأصابع أو الأصابع دونهما، لا فرق بين ذلك، قال: وبنحو هذا الذي قلناه قال جماعة من السلف. قال ابن بطال: وبه قال طاوس وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم. وفي "المبسوط": ونقل عن ابن عمر مثل قول إمامنا النعمان.

стр. 2102

وأما اليدان والركبتان والقدمان فهل يجب السجود عليهما؟ فقال الشيخ محيى الدين: فيه قولان للشافعي: أحدهما: لا يجب لكن يستحب استحبابًا متأكدًا. والثاني: يجب وهو الأصح، وهو الذي رجحه الشافعي، فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته، وإذا أوجبا لم يجب كشف القدمين والركبتين، وفي الكفين قولان للشافعي: أحدهما يجب كشفهما كالجبهة، وأصحهما لا يجب. وفي "شرح الهدايه": السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب. وفي "الواقعات": لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه، وقال أبو الطيب: مذهب الشافعي أنه لا يجب وضع هذه الأعضاء، وهو قول عامة الفقهاء، وعند زفر وأحمد بن حنبل: يجب، وعن أحمد: في الأنف روايتان. وفي "المغني" لابن قدامة: والسجود على جميع هذه الأعضاء واجب إلا الأنف فإن فيه خلافا كما سنذكره، وبهذا قال طاوس والشافعي -في أحد قوليه- وإسحاق، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي- في القول الآخر: لا يجب السجود على غير الجبهة، وفي الأنف روايتان: إحداهما: يجب السجود عليه، وهذا قول سعيد بن جبير، وإسحاق، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة. والرواية الثانية: لا يجب السجود عليه، وهو قول طاوس وعطاء، وعكرمة والحسن، وابن سيرين والشافعي، وأبي ثور وصاحبي أبي حنيفة. فإن قيل: كيف اقتصر أبو حنيفة في فرض السجود على الجبهة أو الأنف وحدها؟ والأحاديث المذكورة تدل على أن الفرض على الأعضاء السبعة كما ذهب إليه الشافعي وزفر وغيرهما ممن ذكرنا فيما مضى؟ قلت: الأمر في النص تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على التقييد ببعض أعضاء الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فنحمله على بيان السنة؛ عملا بالدليلين.

стр. 2103

ثم اختلف أصحابنا الثلاثة في ذلك البعض، فقال أبو حنيفة ﵀: هو الجبهة أو الأنف من غير تعيين، لو وضع أحدهما في حالة الاختيار تجزئه، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة، ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة. وعند أبي يوسف ومحمد: هو الجبهة على التعيين لو ترك السجود عليهما حالة الاختيار لا تجزئه، وأجمعوا على أنه لو وضع الأنف وحده في حال العذر تجزئه، ولا خلاف في أن المستحب هو الجمع بينهما حالة الاختيار. ص: وقد روي ذلك أيضا عن عمر، وعبد الله وغيرهما، كما حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود، قالا: "حفظنا من عمر ﵁ في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه، كما غير البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه". حدثنا أبوبكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، أن الحجاج بن أرطاة أخبرهم، قال: قال إبراهيم النخعي: حُفِظَ عن عبد الله بن مسعود ﵁: "أن ركبتيه كانتا تقعان إلى الأرض قبل يديه". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن مغيرة قال: "سألت إبراهيم عن الرجل يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد، فقال: "أو يضع ذلك إلا أحمق أو مجنون". ش: أي قد روي وضع الركبتين قبل اليدين أيضًا عن عمر بن الخطاب وعبد الله ابن مسعود، وكذا روي عن إبراهيم النخعي. أما أثر عمر ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس والأسود بن يزيد ... إلى آخره.

стр. 2104

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أن عمر ﵁ كان يضع ركبتيه قبل يديه". وثنا يعلى (٢)، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود: "أن عمر ﵁ كان يقع على ركبتيه". وأخرجه عبد الرزاق أيضا في "مصنفه" (٣): عن الثوري ومعمر، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أن عمر ﵁ كان إذا ركع يقع كما يقع البعير، ركبتاه قبل يديه، وكان يكبر وهو يهوي". وأما أثر ابن مسعود فأخرجه من طريق فيه ضعف وانقطاع، أما الضعف فإن الحجاج بن أرطاة فيه مقال، وأما الانقطاع فإن إبراهيم لم يرو عن ابن مسعود شيئًا (٤). وأبو بكرة هو بكار القاضي. وأبو عمر حفص بن عمر الضرير شيخ أبي داود وابن ماجه. وأما أثر إبراهيم فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب ابن جرير بن حازم، عن شعبة، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥): عن الثوري، عن معمر، عن إبراهيم: "في الرجل تقع يداه قبل ركبتيه قال إبراهيم: أو يفعل ذلك إلا المجنون". والله أعلم.

стр. 2105

ص: باب: وضع اليدين في السجود أين ينبغي أن تكون ؟ ش: أي هذا باب في بيان أن اليدين أين يستحب أن تكونا في وضعهما حالة السجود، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد فذكروا صلاة رسول الله ﵇، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة النبي ﵇؛ إن النبي ﵇ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه". ش: ذكر هذا الإسناد بعينه في باب "التكبير للركوع والتكبير للسجود"، غير أنه اقتصر هناك على رفع اليدين في حالتي الركوع والسجود، والكل حديث واحد، وإنما قطعه لأجل التبويب. وأبو عامر العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو، ونسبته إلى عَقَد -بفتح العين المهملة والقاف- صنف من الأزد. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقد ذكرناه هناك. قوله: "ونحى" من التنحية وهي الإبعاد، واستدل بقوله: "أمكن أنفه وجبهته" مَنْ يقول: لا بد من السجود على الجبهة والأنف جميعًا، ولا يقتصر على إحداهما، واستدل من يرى الاقتصار على الجبهة بما روى ابن أبي شيبة (١): من طريق جابر بن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله ﷺ يسجد في أعلى جبهته على قصاص الشعر". وقالوا: ذلك محمول على السنة والفضيلة جمعًا بين الدليلين.

стр. 2106

ص: قال أبو جعفر ﵀ فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: هكذا ينبغي للمصلي أن يجعل يديه في ممجوده حَذو منكبيه. ش: أراد بهؤلاء القوم: الشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم ذهبوا إلى الحديث المذكور، واستحبوا للمصلي أن يجعل يديه في سجوده حَذو منكبيه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يجعل يديه في سجوده حَذو أذنيه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن جبير، وأبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدًا، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: المستحب أن يجعل يديه في سجوده حذاء أذنيه، ويحكى ذلك عن ابن عمر، وأبي مسعود الأنصاري، ووائل بن حجر ﵃. وقال صاحب "الهداية": يضع وجهه بين كفيه، ويديه حذاء أذنيه؛ لما روي أنه ﵇ فعل كذلك. وقال صاحب "المحيط": ويضع يديه في السجود حذاء أذنيه. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "كان رسول ﷺ إذا سجد كانت يداه حيال أذنيه". حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني, قال: ثنا خالد بن عبد الله، قال: ثنا عاصم ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا محمَّد ابن جحادة، قال: ثنا عبد الجبار بن وائل بن حجر قال: "كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي، فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي وائل بن حجر قال: "صليت خلف رسول الله ﵇ فكان إذا سجد وضع وجهه بين كفيه". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث وائل بن حجر ﵁.

стр. 2107

وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: ذكره بعينه في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة"، وفي باب "الخفض في الصلاة هل فيه تكبير؟ " وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبي ﵇ حين سجد وضع يديه قريبا من أذنيه". قوله: "حيال أذنيه" أي حذاء أذنيه. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن خالد بن عبد الله بن الرحمن الطحان الواسطي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رمقت رسول الله ﵇، فلما سجد كانت يداه حذو أذنيه". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المنقري المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد العنبري أبي عبيدة البصري، عن محمَّد بن جحادة -بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة- الأودي الكوفي، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن وائل بن علقمة هكذا وقع في رواية الطحاوي، وائل بن علقمة، وكذا وقع في رواية أبي داود، والصواب: علقمة بن وائل، كما في رواية مسلم والطبراني كما نذكره. وعبد الجبار وعلقمة أخوان ابنا وائل بن حجر روى لهما الجماعة غير البخاري، وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": وائل بن حجر الكندي الحضرمي،

стр. 2108

سكن الكوفة، يكنى أبا هنيدة، له صحبة، روى عنه ابناه: علقمة وعبد الجبار. قوله: "فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي وائل بن حجر" أي حدثني وائل، عن أبي الذي هو وائل بن حجر، فقوله: "وائل بن حجر عطف بيان عن قوله: "أبي"، وليس قوله: "أبي وائل" كنية، فافهم، فإنه موضع اشتباه، وفي هذا الموضع ما يحتاج إلى التنبيه من وجهين: الأول: أن قوله: "وائل بن علقمة" ليس بصواب، بل الصواب هو علقمة بن وائل كما ذكرنا. الثاني: أن قوله: عن أبي وائل ليس بكنية، بل قوله: "أبي"، كلام إضافي، وقوله: "وائل بن حجر" عطف بيان. أما رواية مسلم (١): فهي ما رواه عن زهير، عن عفان، عن همام، عن محمَّد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: "أنه رأى النبي ﵇ رفع يديه ... " الحديث. وأما رواية الطبراني فهي ما رواه في "الكبير" (٢): ثنا حفص بن عمر بن الصباح، ثنا أبو معمر المقعد. وثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا محمَّد بن عبيد بن حساب، ثنا عبد الوارث، ثنا محمَّد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل قال: "كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي، فحدثني علقمة بن وائل، عن أبي: وائل بن حجر قال: "صليت مع رسول الله ﵇؛ فكان إذا كبر رفع يديه، ثم التحف فأخذ شماله بيمينه وأدخل يديه

стр. 2109

في ثوبه، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه، ثم سجد ووضع جبهته بين كفيه، فإذا رفع رأسه من السجود رفع يديه ... حتى فرغ من صلاته". ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن عثمان، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن البرء قال: "سألته أين كان رسول الله ﵇ يضع جبهته إذا صلى؟ قال: بين كفيه". ش: إسناده حسن: وسهل بن عثمان بن فارس الكندي الحافظ أبو مسعود العسكري شيخ مسلم. وحفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها، أحد أصحاب أبي حنيفة ﵁، ورى له الجماعة. والحجاج بن أرطاة النخعي أبو أرطاة الكوفي القاضي، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له مسلم مقرونا بغيره، واحتج به الأربعة. وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "سئل أين كان النبي ﵇ يضع وجهه؟ قال: كان يضعه بين كفيه -أو قال: يديه- في السجود". ص: قال أبو جعفر ﵀: فكان كل من ذهب في الرفع في افتتاح الصلاة إلى المنكبين يجعل وضع اليدين في السجود حيال المنكبين أيضًا، وكل من ذهب في الرفع في افتتاح الصلاة إلى الأذنين يجعل وضع اليدين في السجود حيال الأذنين أيضًا، وقد بينت فيما تقدم من هذا الكتاب تصحيح قول من ذهب في الرفع في افتتاح الصلاة إلى حيال الأذنين، فثبت بذلك أيضًا قول من ذهب في وضع اليدين في السجود حيال الأذنين أيضًا، وهو قول أبي حنيفة وأتيت يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.

стр. 2110

ش: من ذهب في الرفع في افتتاح الصلاة إلى المنكبين هم: محمد بن سيرين وسالم بن عبد الله والشافعي وأحمد وإسحاق. ومن ذهب إلى الرفع في افتتاح الصلاة إلى الأذنين هم: عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي ووهب بن منبه وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد -في رواية- وابن حبيب من المالكية. قوله: "وقد بينت فيما تقدم" أراد به في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة".

стр. 2111

ص: باب: صفة الجلوس في الصلاة كيف هو ؟ ش: أي هذا باب في بيان هيئة الجلوس في قعدات الصلاة، والمناسبة بين البابين ظاهرة. والصفة والوصف مصدران كالوعد والعدة، وعند المتكلمين: الوصف ما قام بالواصف، والصفة ما قام بالموصوف. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، أن مالكا، حدثه عن يحيى بن سعيد: "أن القاسم بن محمَّد أراهم الجلوس فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر ﵃، وحدثني أن أباه عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك". ش: إسناده صحيح. وأخرجه مالك في "موطئه" (١): عن يحيى بن سعيد ... إلى آخره نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن فضيل وأبي أسامة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر قال: "إن من سنة الصلاة أن تُفترش اليسرى، وتُنصب اليمنى". قوله: "وثنى رجله" من ثنيت الشيء ثنيًا: إذا عطفته. قوله: "على وَرِكِه اليسرى" الورك ما فوق الفخذ، وهي مؤنثة -بفتح الواو وكسر الراء، وقد تسكن الراء- مثل فَخِذ وفَخْذ.

стр. 2112

قوله: "أراني هذا" أي الجلوس المذكور، "عبد الله بن عبد الله" وكلاهما مكبر وهو: عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، أبو عبد الرحمن المدني، أخو سالم. روى له الجماعة سوى ابن ماجه. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا، حدثه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أخبره: "أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس قال: ففعلته يومئذ وأنا حديث السنن، فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى، فقلت له: فإنك تفعل ذلك، قال: إن رجليَّ لا تحملاني". ش: هذا أيضا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وقال أبو عمر: قد بان في هذا الحديث أن التربع في الصلاة لا يجوز، وليس من سنتها، وعك هذا جماعة الفقهاء، فلا وجه للإكثار فيه، وقد روي عن ابن عباس وأنس ومجاهد وأبي جعفر محمَّد بن علي وسالم وابن سيرين وبكر المزني أنهم كانوا يصلون متربعين، وهذا عند أهل العلم على أنهم كانوا يصلون جلوسًا عند عدم القدرة على القيام، أو كانوا متنفلين جلوسًا؛ لأنهم كلهم قد روي عنه التربع في الصلاة لا يجوز، إلا لمن اشتكى، أو تنفل، وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الصلاة بإجماع من العلماء، وكذلك أجمعوا على أنه من لم يقدر على هيئة الجلوس في الصلاة أتى على حسب ما يقدر، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن القعود في الصلاة كلها: أن ينصب الرجل رجله اليمني ويثني رجله اليسرى، ويقعد بالأرض، واحتجوا في ذلك بما وصفه يحيى بن سعيد في حديثه من القعود، وبأخبار عبد الله بن عمر في حديث عبد الرحمن بن القاسم أن ذلك سنة الصلاة، قالوا: والسنة لا تكون إلا عن رسول الله ﵇ ﷺ .

стр. 2113

ش: أراد بالقوم هؤلاء: يحيى بن سعيد الأنصاري، والقاسم بن محمَّد، وعبد الرحمن بن القاسم، ومالكًا؛ فإنهم ذهبوا إلى أن القعود في الصلاة كلها في القعدة الأولى وفي الآخرة: أن ينصب المصلي رجله اليمنى، ويثني رجله اليسرى، ويقعد بالأرض، وهذا هو التورك الذي ينقل عن مالك. وفي "الجواهر" لابن شاس: والمستحب في صفة الجلوس كله الأول، والأخير وبين السجدتين أن يكون توركا. وفي "التمهيد": اختلف الفقهاء في هيئة الجلوس، فقال مالك: يفضي بإليتيه إلى الأرض، وينصب رجله اليمني، ويثني رجله اليسرى، وهكذا عنده في كل جلوس في الصلاة، والمرأة والرجل في ذلك عنده سواء. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي فيما ذهبوا إليه من هيئة الجلوس في الصلاة كلها، وجه استدلالهم: أن عبد الله بن عمر قال: "إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى" والسنة لا تكون إلا عن النبي ﵇. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما القعود في آخر الصلاة فكما ذكرتم وأما القعود في التشهد الأول منها فعلى الرجل اليسرى. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: القعود إن كان في آخر الصلاة فكما ذكره أولئك القوم، وإن كان في التشهد الأول يكون قعوده على رجله اليسرى، ونصب اليمنى. وقال أبو عمر: قال الشافعي: إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعًا، فأخرجهما عن وركه الأيمن، وأفضى بمقعدته إلى الأرض، وأضجع اليسرى ونصب اليمنى في القعدة الأولى. وقال أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي في كل شيء إلا في الجلوس للصبح فإنه عنده كالجلوس في ثنتين، وهو قول داود. وقال الطبري: إن فعل هذا فحسن، وإن فعل هذا فحسن؛ لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي ﵇.

стр. 2114

وقال ابن قدامة في "المغني": فإذا جلس واعتدل يكون جلوسه على رجله اليسرى وينصب اليمنى، وإذا جلس للتشهد الأخير تورك ينصب رجله اليمنى، ويجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل إليته على الأرض، ثم قال: السنة عند إمامنا التورك في التشهد الثاني، وإليه ذهب مالك والشافعي. وقال الشيخ محيي الدين النووي: الجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة عقيب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير، فالجميع يسن مفترشًا إلا الأخيرة، فلو كان مسبوقا وجلس إمامه في آخر الصلاة متوركا جلس المسبوق مفترشًا؛ لأن جلوسه لا يعقبه سلام، ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصح أن يجلس مفترشًا في تشهده، فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم. ص: وكان من الحجة لهم فيما احتج به عليهم الفريق الأول: أن قول عبد الله بن عمر ﵂: "إن سنة الصلاة ... " فذكر ما في الحديث، لا يدل ذلك أنه عن النبي ﵇، قد يجوز أن يكون رأى ذلك، أو أخذه ممن بعد رسول الله ﵇، وقد قال رسول الله ﵇: "عليكم بسنتي في وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي" وقال سعيد بن المسيب -لما سأله ربيعة عن أُروش أصابع المرأة-: إنها السنة يا ابن أخي". ولم يكن مخرج ذلك إلا من زيد بن ثابت ﵁، فسمى سعيد قول زيد بن ثابت ﵁: سنة، فكذلك يحتمل أن يكون عبد الله بن عمر سمي مثل ذلك أيضًا سنه، وإن لم يكن عند في ذلك عن النبي ﵇ شيء. ش: أي من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية في الذي احتج به عليهم الفريق الأول، وهم أهل المقالة الأولى: حاصله أن هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى من قول عبد الله بن عمر: "إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى". بيانه: أن هذا القول من ابن عمر ﵄ لا يدل على أن المراد منه سنة النبي ﵇؛ لأنه يحتمل أن يكون عبد الله رأى ذلك برأيه واجتهاده فجعله سنة له، أو أخذه عن

стр. 2115

أحد من الصحابة ﵁ بعد النبي ﵇، فإذا كان كلامه محتملا لما ذكرنا، لا تقوم به الحجة، ولا يتم به الاستدلال. وقوله: "وقد قال رسول الله ﵇ ... إلي أخره" يؤكد ما ذكره من وجود هذا الاحتمال. بيان ذلك: أن السنة لفظ مشترك بين سنة الرسول ﵇ وسنة غيره من الصحابة ﵃، والدليل عليه قوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي" حيث أثبت للخلفاء سنة. وهذا الحديث الذي أخرجه الطحاوي معلقا قد أخرجه أبو داود (١) مطولا: في باب "من دعا إلى السنة" وقال: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا ثور بن يزيد، قال: حدثني خالد بن معدان، قال: حدثني عبد الرحمن ابن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: "أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (٢) فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: صلي بنا رسول الله ﵇ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله ﵇، كأن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا، فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وأخرجه الترمذي (٣)، وابن ماجه (٤) أيضا.

стр. 2116

قوله: "وقال سعيد بن المسيب ... إلى آخره" دليل على أن السنة تطلق على سنة غير الخلفاء الراشدين أيضًا من الصحابة ﵃، والخلفاء الراشدون هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والخلافة تمت بهم، ثم صار ملكا وسيفًا وحربًا، وقد استوفيت الكلام فيه في باب "المسح على الخفين" فإن الطحاوي أخرج هذا الحديث هناك مسندًا مختصرا، وكذلك ذكر هناك قول سعيد بن المسيب لربيعة في أروش أصابع المرأة: "يا ابن أخي، إنها السنة". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: "قلت لسعيد بن المسيب: كم في هذه من المرأة؟ يعني: الخنصر، فقال: عشر من الإبل، قال: قلت: في هذه -يعني الخنصر والتي تليها- قال: عشرون قلت: فهؤلاء -يعني الثلاثة- قال: ثلاثون، قال: قلت: ففي هؤلاء -وأومأ إلى الأربع- قال: عشرون قال: قلت: حين آلمت جراحها وعظمت مصيبتها كان الأقل لأرشها، قال: أعراقي أنت؟! قال: قلت: عالم مثبت، أو جاهل متعلم، قال: يا ابن أخي، السنة". قوله: "ولم يكن مخرج ذلك إلا من زيد بن ثابت ﵁" أي مخرج ما قاله سعيد بن المسيب في أروش أصابع المرأة، من زيد ﵁. وذلك ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا زكرياء وابن أبي ليلى، عن الشعبي قال: "كان علي ﵁ يقول: دية المرأة في الخطأ على النصف من دية الرجل فيما دق وجلَّ، وكان ابن مسعود ﵁ يقول: دية المرأة في الخطأ على النصف من دية الرجل إلا السن والموضحة، فهما فيه سواء، وكان زيد بن ثابت ﵁ يقول: دية المرأة في الخطأ مثل دية الرجل حتى يبلغ ثلث الدية، فما زاد فهي على النصف". انتهى.

стр. 2117

قلت: تأمل الآن في هذا تجد قول سعيد بن المسيب مستخرجا من هذا، بيانه: أنه أوجب في أصبع المرأة الواحدة عشرا من الإبل مثل أصبع الرجل الواحدة، وأوجب في أصبعيها عشرين من الإبل كما في أصبعي الرجل، وأوجب في ثلاثة أصابع منها ثلاثين من الإبل كثلاثة أصابع من الرجل، وأوجب في أربعة أصابع منها عشرين من الإبل وخالف القياس المذكور؛ لأن القياس ينبغي أن يجب أربعون من الإبل كما في أربعة أصابع من الرجل، ولكنه أخذ ذلك من قول زيد بن ثابت حيث قال: "دية المرأة في الخطأ مثل دية الرجل حتى يبلغ الثلث، فما زاد فهي على النصف" وها هنا لما زادت أصابع المرأة على الثلث أوجب ديتها على نصف دية الرجل، وكانت دية الرجل في أربعة أصابع أربعين إبلا فأوجب نصفها، وهو عشرون إبلا في أربعة أصابع منها على الأصل المذكور، ألا ترى أن ربيعة لما استبعد ذلك حيث قال: "حين آلمت جراحها وعظمت مصيبتها كان الأقل لأرشها، قال سعيد بن المسيب: أعراقي أنت؟ " أراد به أنت مخالف خارج، ثم قال: "يا ابن أخي، السنة" أراد بها سنة زيد بن ثابت ومذهبه وطريقته في ذلك. والله أعلم. ص: وفي ذلك حجة أخرى: أن عبد الله بن عبد الله بن عمر ﵃ أرى القاسم الجلوس في الصلاة على ما في حديثه، وذكر عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن أبيه لما قال له: "فإنك تفعل ذلك قال: إن رجليّ لا تحملاني" فكان معنى ذلك أنهما لو حملاني قعدت على إحداهما وأقمت الأخرى؛ لأن ذكره لهما لا يدل على أن إحداهما تستعمل دون الأخرى، ولكن تستعملان جميعا، فيقعد على إحداهما وينصب الأخرى، فهذا خلاف ما في حديث يحيى بن سعيد ﵀. ش: أي وفيما احتج به الفريق الأول على الفريق الثاني حجة أخرى للفريق الثاني على الأول. بيان ذلك: أن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ أرى القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃ كيفية الجلوس في الصلاة على ما وصفه في حديثه، وأن عبد الرحمن بن القاسم ذكر عن عبد الله بن عبد الله لما قال له، أي لعبد الله بن

стр. 2118

عمر ﵂: "فإنك تفعل ذلك" يعني: التربع في الصلاة، قال له: "إن رجليَّ لا تحملاني"، معناه: لو حملاني قعدت على إحداهما وأقمت الأخرى؛ لأن ذكره لهما لا يدل على أنه يستعمل إحداهما ويترك الأخرى، بل المعنى أنه يستعمل كلتيهما فيقعد على الواحدة وينصب الأخرى، فهذه الهيئة خلاف الهيئة التي ذكرها في حديث يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، فيكون بين المنقولين عنه تخالف وتضاد، فسقط الاحتجاج به. ص: وقد روى أبو حميد الساعدي، عن النبي ﷺ في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ أحدهم أبو قتادة ﵁، قال: "قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول ﷺ ، فقالوا: لِمَ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة؟! فقال: بلى، قالوا: فأعرض، فذكر أنه كان في الجلسة الأولى يثني رجله اليسرى ويقعد عليها، حتى إذا كانت السجدة التي تكون في أخرها التسليم أخَّر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر، قال: فقالوا جميعًا: قد صدقت". حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني الليث بن سعد، عن يزيد بن محمَّد القرشي ويزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: وأخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب وعبد الكريم بن الحارث، عن محمد ابن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، عن رسول الله ﵇ نحوه، غير أنه لم يقل: "فقالوا جميعًا: صدقت". حدثنا أبو الحسين الأصبهاني قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا خالد بن مخلدا، قال: ثنا عبد السلام بن حفص، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي ... فذكر بإسناده مثله. فهذا يوافق ما ذهب إليه أهل هذه المقالة.

стр. 2119

ش: ذكر حديث أبي حميد الساعدي هذا في معرض الاحتجاج لأهل المقالة الثانية؛ لأنه يوافق ما ذهبوا إليه، وهو ظاهر. وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: قد ذكره بعينه في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة" وفي باب "التكبير للركوع" أيضًا، والكل حديث واحد، ولكنه قطعه على حسب التبويب. وقد ذكرنا أن الحديث أخرجه البخاري والأربعة (١) مختصرًا ومطولا، وذكرنا أيضًا ما فيه من المعاني وغيرها. الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشي المصري الملقب ببحشل ابن أخي عبد الله بن وهب شيخ مسلم أيضًا، عن عمه عبد الله بن وهب المصري، عن الليث بن سعد المصري، عن يزيد بن محمَّد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي؛ وثقه ابن حبان، وروى له البخاري مقرونا بيزيد بنأبي حبيب، وكذا روى له الطحاوي ها هنا مقرونا بيزيد هذا، فإن الليث بن سعد يروي هذا الحديث، عن يزيد بن محمَّد ويزيد بن أبي حبيب كلاهما يرويان، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الديلي المدني روى له الشيخان وأبو داود والنسائي. ومحمد بن عمرو هذا يروي عن محمَّد بن عمرو بن عطاء بن عياش المدني، روى له الجماعة، عن أبي حميد الساعدي الأنصاري المدني صاحب رسول الله ﵇, قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد، وقيل غير ذلك، وقد ذكرناه. وأخرجه البخاري (٢): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن خالد، عن سعيد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء. وحدثثا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء: "أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب

стр. 2120

رسول الله ﵇ فذكرنا صلاة النبي ﵇، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﵇: رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غيى مفترش ولا قابضها، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرول وقعد على مقعدته". قوله: "قال: وأخبرني ابن لهيعة ... إلى أخره" أي قال عبد الله بن وهب المصري: وأخبرني أيضًا عبد الله بن لهيعة المصري، فيه مقال. عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري المذكور آنفا، وعن عبد الكريم ابن الحارث بن زيد المصري، روى له مسلم والنسائي، كلاهما عن محمَّد بن عمرو ابن عطاء ... إلى آخره. وأشار بذلك إلى أن عبد الله بن وهب روى هذا الحديث من طريقين: أحدهما: عن الليث بن سعد ... إلى آخره. والآخر: عن عبد الله بن لهيعة ... إلى آخره. الثالث: عن أبي الحسن محمَّد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، عن عثمان بن أبي شيبة محمَّد بن إبراهيم العبسي الكوفي أخي أبي بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن خالد بن مخلد القطواني الكوفي شيخ البخاري أيضًا، عن عبد السلام بن حفص المدني؛ قال أبو حاتم: ليس بمعروف. روى له أبو داود. عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الديلي نسبة إلى الديل -بكسر الدال- في كنانة هكذا ضبطه أهل العربية، وينسبون إليه على لفظه، وكذا ضبطه في "مطالع الأنوار" وقال: محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، ووقع في رواية

стр. 2121

الطحاوي: الدؤلي -بضم الهمزة- وهو نسبة إلى دؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب ابن علي بن بكر بن وائل. ص: وقد خالف آخرون أيضًا في ذلك فقالوا: القعود في الصلاة كلها سواء على مثل القعود الأول في قول أهل المقالة الثانية , ينصب رجله اليمنى ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها. ش: أي وقد خالف جماعة آخرون أهل المقالتن المذكورتين أيضًا في حكم الجلوس في قعدات الصلاة، وأراد بهم: الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: القعود في الصلاة كلها -في القعدة الأولى وفي الأخيرة سواء- وهو أن ينصب رجله اليمنى، ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا صالح بن عبد الرحمن وروح بن الفرج، قالا: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل بن حجر الحضرمي قال: "صليت خلف النبي ﵇، فقلت: لأحفظن صلاة رسول الله ﵇، قال: فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها، ووضع كله اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه، وجعل حلقه بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى". حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا خالد بن مخلد، عن عاصم ... فذكر بإسناده. قال أبو جعفر ﵀: فهذا يوافق ما ذهبوا إليه من ذلك. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث وائل بن حجر. وأخرجه من طريقين صحيحين:

стр. 2122

الأول: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، وروح بن الفرج القطان المصري، كلاهما عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه كليب بن شهاب الجرمي، عن وائل. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) بأتم منه: ثنا المقدام بن داود، نا أسد بن موسى، ثنا أبو الأحوص، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "صليت خلف رسول الله ﵇ فقلت: لأحفظن صلاة رسول الله ﵇ , فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما كبر للركوع رفع يديه أيضًا كما رفعهما لتكبير الصلاة، فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه أيضًا، فلما قعد يتشهد افترش رجله اليسرى بالأرض، ثم قعد عليها، فوضع كله الأيسر على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه، وجعل حلقه بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى". الثانى: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن خالد بن مخلد القطواني شيخ البخاري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل. وأخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﵇ كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله ﵇ فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على

стр. 2123

فخذه اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلق حلقة، ورأيته يقول: هكذا وحلق بثنتين -الإبهام والوسطى- وأشار بالسبابة". قوله: "لأحفظن" بفتح اللام؛ لأنها للتأكيد وبنون التوكيد أيضًا. قوله: "وجعل حَلْقة" بفتح الحاء وسكون اللام مثل حلقة الدرع، وحلقة الباب، وحلقة القُرْط، وأما حَلَقَة القوم فيجوز فيها الفتح والسكون. وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حَلَقَة بالتحريك إلا في قولهم: هؤلاء قوم حُلَقة للذين يحلقون الشعر، جمع حالق. ويستنبط منه أحكام: الأول: فيه: أن يعقد أصابعه ويجعل حلقة بالإبهام والوسطى، قال الفقيه أبو جعفر: هكذا روي عن أبي حنيفة، وقال صاحب "الهداية": ويبسط أصابعه. وقال صاحب "المحيط": وعن محمَّد أنه يضع يديه على فخذيه؛ لأن فيه توجيه الأصابع إلى القبلة أكثر، وعن بعضهم: أنه يفرق أصابعه. وكل هذا مخالف لما في هذا الحديث. الثاني: فيه: أن يدعو بالمسبحة ويشير بها، وبه قال أبو يوسف، ذكره في "الإملاء" قال: وتروى الإشارة عن النبي ﵇ وبينه، وعن بعض أصحابنا: وتكره الإشارة وهو غير صحيح؛ لأن أبا يوسف نص عليها في "الإملاء"، وكذلك نص عليها محمَّد في كتابه، وقال في "المحيط": والإشارة على قول أبي حنيفة ﵀. الثالث: فيه: أن السُّنَّة أن يفترش المصلي رجله اليسرى ويجلس عليها. فإن قيل: استدلال الحنفية لا يتم بهذا الحديث؛ لأنه لم يذكر فيه إلا أنه فرش رجله اليسرى فقط. قلت: أكبر الخلاف فيه؛ لأنه اكتفى بهذا المقدار.

стр. 2124

وأما نصب الرجل اليمنى فقد ذكره ابن أبي شيبة في روايته فقال (١): ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر: "أن النبي ﵇ جلس فثني اليسرى، ونصب اليمنى، يعني: في الصلاة". ثنا (٢) يزيد بن هارون، عن حسين المعلم، عن بُديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ﵄ قالت: "كان النبي ﵇ إذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يفترش رجله اليسرى، وينصب اليمنى". ثنا (٣) وكيع، عن هشام بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: "كان النبي ﵇ يفترش اليسرى، وينصب اليمنى". ثنا (٤) ابن فضيل، وأبو أسامة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر قال: "إن من سنة الصلاة أن يفترش اليسرى، وينصب اليمنى". ثنا (٥) وكيع والفضل بن دكين، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: "أنه كان ينصب اليمنى، ويفترش اليسرى". قوله: "فهذا يوافق" أي حديث وائل بن حجر يوافق مذهب هؤلاء الذين ذهبوا إلى أن القعود في الصلاة كلها سواء، وهو أن ينصب رجله اليمنى، ويفترش رجله اليسرى ويقعد عليها. وما قيل: إنه لم يذكر فيه إلا افتراش رجله اليسرى فقط فقد ذكرنا جوابه الآن. ص: وفي قول وائل: "ثم عقد أصابعه يدعو" دليل على أنه كان في أخر الصلاة.

стр. 2125

ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: من أين قلتم: إن المراد من قوله: "فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها" هو القعدة الأخيرة؟ فما الذي يدل على ذلك؟ فَلِمَ لا يجوز أن يكون المراد منه هو القعدة الأولى؟ وتقرير الجواب: أن قوله: "يدعو" يدل على أن المراد من قوله: "فلما قعد للتشهد ... إلى آخره" هو القعدة الأخيرة؛ لأن الدعاء في التشهد لا يكون إلا في آخر الصلاة، وذلك لأن القعدة الأولى لا دعاء فيها، وإنما فيها قراءة التحيات لله فقط على ما عرف ذلك. ص: فقد تضاد هذا الحديث وحديث أبي حميدة فنظرنا في صحة مجيئهما واستقامة أسانيدهما فإذا فهد ويحيى بن عثمان قد حدثانا، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: نا يحيى وسعيد بن أبي مريم، قالا: ثنا عطاف بن خالد، قال: حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: "حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﵇ جلوسًا ... " فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء. قال أبو جعفر ﵀: فقد فسد بما ذكرنا حديث أبي حميدة؛ لأنه صار: عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن رجل، وأهل الإسناد لا يحتجون بمثل هذا، فإن ذكروا في ذلك ضعف العطاف بن خالد، قيل لهم: وأنتم أيضًا تضعفون عبد الحميد أكثر من تضعيفكم للعطاف مع أنكم لا تطرحون حديث العطاف كله، إنما تزعمون أن حديثه في القديم صحيح كله، وأن حديثه بأخرة دخله شيء، هكذا قال يحيى بن معين في كتابه، وأبو صالح سماعه من العطاف قديم جدًّا، فقد دخل ذلك فيما صححه يحيى من حديثه، مع أن من محمد بن عمرو بن عطاء لا يحتمل مثل هذا؛ وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعا لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلا عبد الحميد، وهو عندكم ضعيف، ولكن الذي روى حديث أبي حميد ووصله لم يفصل حكم الجلوس كما فصله عبد الحميد.

стр. 2126

ش: أشار بهذا إلى الجواب عن حديث أبي حميد الذي احتج به أهل المقالة الثانية كما ذكرناه، تقريره أن يقال: قد تضاد هذا الحديث، أعني حديث وائل بن حجر وحديث أبي حميد، بيان ذلك: أن حديث أبي حميد يدل على أن صفة الجلوس في القعدة الأخيرة هي التورك، وحديث وائل يدل على أنه يفترش اليسرى ويقعد عليها مطلقا من غير قيد بالأخيرة ولا بالأولى، وحديث أبي حميد مقيد، وبين المقيد والمطلق تضاد، فإذا كان الأمر كذلك يجب النظر في حال إسنادي الحديثين هل هما متساويان في الصحة أم لا؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا عطاف بن خالد قد روى عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن رجل: "أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﵇ جلوسًا ... " فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء، فبين عطاف أن بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين أولئك الصحابة رجلًا، فظهر بهذا فساد حديث أبي حميد؛ لأن الحديث صار عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن رجل قال: "سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﵇ أحدهم أبو قتادة ... " الحديث. وأهل الإسناد لا يحتجون بمثل هذا؛ لأن فيه مجهولا؛ فيعل به الحديث فيفسد، فلا يعادل حديث وائل ولا يقاربه، ويكون العمل بحديث وائل. قوله: "فإن ذكروا في ذلك ضعف العطاف بن خالد" اعتراض من جهة أهل المقالة الثانية، تقريره أن يقال: العطاف بن خالد ضعيف؛ لأنه روي عن مالك أنه تكلم فيه، ولم يحمده. وقال الرازي: ليس بذاك. فإذا كان كذلك فكيف يفسد به حديث أبي حميد، وتقرير الجواب: أن في إسناد حديث أبي حميد: عبد الحميد بن جعفر، وأنتم تضعفون عبد الحميد أكثر من تضعيفكم للعطاف، وكان يحيى القطان يضعفه، وكان الثوري يحمل عليه من أجل القدر ويضعفه، وكان أدنى حالا من العطاف، مع إنكم لا تطرحون حديث العطاف كله، بل تقولون: إن حديثه في القديم صحيح كله، وأن حديثه لم يتغير إلا في أخرة، كذا قاله يحيى بن معين في كتابه "الجرح والتعديل"، وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن عطاف بن خالد، فقال: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث. وعنه: ليس به بأس. وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، ثقة صالح الحديث. وقال أبو زرعة:

стр. 2127

ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح ليس بذاك. وعن أبي داود: ثقة. واحتج به الترمذي والنسائي، ومن نقل عنه جرحه لا يعتبر؛ لأنه جرح مبهم غير مفسر. قوله: "بأَخَرَة" بفتحات الهمزة والخاء والراء، يقال: جاء فلان بأخرة، وما عرفته إلا بأخرة: أي أخيرًا. قوله: "وأبو صالح سماعه من العطاف قديم جدًّا" أبي أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث روايته عن العطاف قديمة جدًّا، فبالاتفاق بيننا وبينكم تكون روايته عنه صحيحة. قوله: "مع أن سن محمد بن عمرو بن عطاء ... إلى أخره" جواب آخر لبيان ضعف حديث أبي حميد، بيانه: أن في حديث أبي حميد حضر محمَّد بن عمرو بن عطاء أبا حميد وأبا قتادة [ويكون] (١) هذا صحيحًا، وأبو قتادة قتل مع علي بن أبي طالب ﵁، وصلى عليه عليّ ﵁، كذا قال الشعبي والهيثم بن عدي. وقال ابن عبد البر: هو الصحيح. وقيل: توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، ولهذا قال ابن حزم: ولعله وهم فيه يعني: عبد الحميد، ومحمد بن عمرو بن عطاء توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك في سنة خمس وعشرين ومائة، ووفاته في سنة ست وعشرين ومائة. وقد شنع البيهقي ها هنا على الطحاوي تشنيعًا باردًا، ذكرناه مع جوابه في باب "التكبير للركوع والتكبير للسجود". قوله: "وليس أحد يجعل هذا الحديث" يعني حديث أبي حميد، سماعًا لمحمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد الساعدي إلا عبد الحميد بن جعفر، وهو عندكم ضعيف، قد ذكرنا عن قريب مَنْ ضَعَّفَهُ من الأئمة، وهذا بخلاف ما رواه الثقات؛ فإنهم رووا حديث أبي حميد موصولا من غير فصل حكم الجلوس كما فصله عبد الحميد، فحينئذ تسقط روايته لمخالفته رواية الثقات من وجهين:

стр. 2128

أحدهما: أنه خالفهم في الوصل؛ لأن في روايته: محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، وفي رواية هؤلاء: محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن رجل، عن أبي حميد. الثاني: أنه فصل بين الجلوسين، وهؤلاء لم يفصلوا، فمن كان بهذه المثابة وخالف الثقات لا تقبل روايته، والله أعلم. ص: حدثنا نصر بن عمار البغدادي، قال: ثنا علي بن إشكاب، قال: أنا أبو بدر شجاع بن الوليد، قال: أنا أبو خيثمة، قال: ثنا الحسن بن حُرّ، قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عياش -أو عباس- بن سهل الساعدي وكان في مجلس فيه أبوه، وكان من أصحاب النبي ﵇ وفي المجلس: أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد من الأنصار ﵃ "أنهم تذاكرو الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇، فقالوا: وكيف؟ قال: اتبعت ذلك من رسول الله ﵇، قالوا: فأرنا، قال: فقام يصلي وهم ينظرون، فبدأ فكبر ورفع يديه نحو حَذْو المنكبين، ثم كبر للركوع ورفع يديه أيضًا، ثم أمكن يديه من ركبتيه غير مقنع رأسه ولا مصوبه، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم رفع يديه، ثم قال: الله أكبر فسجد، فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر فجلس فتورك إحدى رجليه ونصب قدمه الأخرى، وكبر كذلك، ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبير، ثم ركع الركعتين، ثم سلَّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله أيضًا: السلام عليكم ورحمة الله". ش: ذكر هذا الحديث شاهدًا لما قاله من أن بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين أبي حميد واسطة، وأن غير عبد الحميد لم يجعل هذا الحديث سماعًا لمحمد بن عمرو هذا من أبي حميد، وأنه لم يفصل حكم الجلوس كما فصله عبد الحميد. وأخرجه عن نصر بن عمار البغدادي، عن علي بن إشكاب وهو علي بن الحسين بن إبراهيم أبو الحسين بن إشكاب البغدادي شيخ أبي داود وابن ماجه، وثقه النسائي وابن حبان.

стр. 2129

عن أبي بدر شجاع بن الوليد بن قيس السكوني شيخ أحمد بن حنبل، روى له الجماعة. عن أبي خيثمة زهير بن معاوية بن خديج الكوفي أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة. عن الحسن بن حر بن الحكم النخعي الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي، وروى له أبو داود والنسائي. عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار، وهو مالك بن عياض مولى عمر بن الخطاب ﵁؛ قال ابن المديني: مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى له أبو داود وابن ماجه. عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن عيّاش -بتشديد الياء آخر الحروف، أو العباس بالباء الموحدة - ابن سهل الساعدي، روى له الجماعة سوى النسائي. وأخرجه البيهقى (١): من حديث شجاع بن الوليد، حدثني أبو خيثمة زهير، حدثني الحسن بن حر ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، فرفع يديه، ثم قال: الله أكبر" وفي لفظه أيضًا: "فتورك إحدى قدميه ونصب الأخرول، ثم كبر وسجد، ثم كبر -يعني-: فقام، ولم يتورك، ثم عاد فركع الركعة الأخرى كذلك، ثم جلس بعد الركعتين، حتى إذا أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة، وركع الركعتين الآخريين، ثم سلم عن يمينه ... " إلي آخره. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا أبو بدر ... إلى قوله: وأبو حميد ... نحوه، ثم قال: بهذا الخبر يزيد وينقص، قال فيه: "ثم رفع رأسه -يعني من الركوع- فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر، فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر

стр. 2130

فجلس، فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام ولم يتورك ... " ثم ساق الحديث، قال: "ثم جلس بعد الركعتين، حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة، ثم ركع الركعتين الأخريين ... " ولم يذكر التورك في التشهد. قوله: "فأرنا" أمر من أرى يُرِي إراءة. قوله: "غير مقنع رأسه" حال من الضمير الذي في قوله: "ثم أمكن" ورأسه منصوب بقوله: "مقنع" وهو من أقنع إقناعًا، وأراد به لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره، قال الله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ (١) أي رافعي رءوسهم. قوله: "ولا مُصوِّبه" بالجر عطفا على "مقنعٍ" من التصويب وهو التنكيس، أراد به لا يخفض رأسه إلى أسفل. قوله: "فانتصب على كفيه" من نصبته فانتصب. قوله: "وصدور قدميه" أبي صدري قدميه، ذكر الجمع وأراد به التثنية، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) أي قلباكما. قوله: "وهو ساجد" جملة اسمية وقعت حالًا. قوله: "فتورك" من التورك، وهو أن يجلس على إليتيه وينصب اليمنى، ويخرج اليسرى من تحته. ويستنبط منه أحكام: الأول: فيه أن ابتداء الصلاة بالتكبير وهي فرض بالإجماع، ولكن اختلفوا هل هي ركن، أو شرط؟ وقد تقدم. الثاني: فيه رفع اليدين في أول الصلاة، وهو مستحب بالإجماع. الثالث: فيه رفع اليدين إلى حذو المنكبين، وبه تمسك الخصم، وأصحابنا حملوه على حالة العذر، وقد مر مستوفى.

стр. 2131

الرابع: فيه أن الركوع له تكبير، وهو أيضًا سنة بالاتفاق. الخامس: فيه رفع اليدين عند الركوع، وقد قلنا: إنه منسوخ. السادس: فيه بيان هيئة الركوع، وهو أن لا يرفع رأسه إلى فوق، ولا ينكسه، ومن هذا قال صاحب "الهداية": ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه. السابع: فيه أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد، وبه احتج أبو يوسف ومحمد والشافعي، وقد مر الكلام فيه مستقصى. الثامن: فيه التكبير للسجود، وهو أيضًا سنة بالاتفاق. التاسع: فيه بيان هيئة السجود. العاشر: فيه التورك في القعدة الأولى، وبه احتج مالك، وعندنا هو محمول على حالة العذر والكِبَر. الحادي عشر: فيه السلام مرتين: مرة عن يمينه، ومرة عن شماله. ص: حدثنا نصر بن عمار، قال: ثنا علي، قال: ثنا أبو بدر، قال: أنا أبو خيثمة، قال: أنا الحسن بن حر، قال: حدثني عيسى هذا الحديث هكذا أو نحوه، وحدث عيسى أن مما حدثه أيضًا في الجلوس في التشهد: "أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخله اليمنى، ثم يشير في الدعاء بأصبع واحدة". ش: هذا بعينه هو الإسناد الأول مع الحديث الأول، وإنما كرره لأجل زيادة فيه أشار إليها بقوله: "وحدث عيسى أن مما حدثه أيضًا ... " إلى آخره. وأخرجه البيهقي (١) أيضًا جهله الزيادة حيث قال: وحدثني عيسى أن مما حدثه أيضًا في الجلوس في التشهد: "أن يضع اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم يشير بالدعاء بإصبع واحدة"، ثم قال البيهقي: هكذا

стр. 2132

رواه جماعة، عن شجاع بن الوليد، وبعضهم رواه عنه، وفيه: ابن عطاء، قال: حدثني مالك، عن عباس بن سهل. قوله: "بإصبع واحدة" بإطلاقه يتناول كل أصبع من أصابع اليدين، وهي المراد منها مسبحة اليمنى، على ما صرح به في حديث آخر. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح ابن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد وسهل بن سعد فذكروا صلاة رسول الله ﷺ ... " فذكروا القعود على ما ذكره عبد الحميد في حديثه في المرة الأولى، ولم يذكر غير ذلك. ش: هذا وجه آخر في حديث أبي حميد يوافق ما ذكره عبد الحميد بن جعفر في حديثه في المرة الأولى. أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة أبي يحيى المدني روى له الجماعة، عن عباس بن سهل ابن سعد الأنصاري الساعدي المدني روى له الجماعة سوى النسائي. وأخرجه أبو داود (١) بهذا الإسناد: عن أحمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو، قال: أخبرني فليح، قال: حدثني عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﵇، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇ -فذكر بعض هذا- قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليها، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، وقال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حَذْو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه، حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى , وأشار بأصبعه".

стр. 2133

ص: حدثني أبو الحسين الأصبهاني، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: أنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا عتبة بن أبي حكيم، عن عيسى بن عبد الرحمن العدوي، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي: "أنه كان يقول لأصحاب رسول الله ﵇: أنا أعلمكم بصلاة النبي ﵇ قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتى حفظت صلاته، قال: كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حذاء وجهه، فإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك، وقال: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه، ولا مفترش ذراعيه، وإذا قعد للتشهد أضجع رجله اليسرى ونصب اليمنى على صدورها، وتشهد". ش: ذكر هذا الإسناد بعينه في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة"، وهذا حديث طويل جدًّا قطعه لأجل التبويب، وقد ذكرنا هناك أن أبا داود أخرجه من طريق عتبة بن أبي حكيم. قوله: "رقبت" من رقبت الشيء أرقبه رُقوبا، ورِقْبة، ورِقْبانا -بالكسر فيهما: إذا رصدته، والرقيب: الحافظ، والرقيب: المنتظر. قوله: "غَيْرَ حامل" بالنصب حال من الضمير الذي في فرج. قوله: "ولا مفترش" بالجر، عطف على قوله: "حامل"، و"ذراعيه" مفعوله. قوله: "أضجع" من الإضجاع، من ضَجَعَ الرجل إذا وضع جنبه على الأرض يَضْجَعُ ضَجْعًا وضُجُوعًا، فهو ضاجِع، وأضجع مثله. ويستنبط منه الأحكام التي ذكرناها آنفًا. ص: قال أبو جعفر ﵀: فهذا أصل حديث أبي حميد هذا، ليس فيه ذكر القعود إلا على مثل ما في حديث وائل، والذي روى محمَّد بن عمرو فغير معروف ولا متصل عندنا عن أبي حميد؛ لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل؛ لأنه قتل مع علي كرم الله وجهه وصلى عليه علي ﵁، وأين سن محمَّد بن عمرو من هذا، فلما كان المتصل عن أبي حميد موافقًا

стр. 2134

لما روى وائل ثبث القول بذلك، ولم يجز خلافه، مع ما قد سنده من طريق النظر، وذلك أنا رأينا القعود الأول في الصلاة وفيما بين السجدتين في كل ركعة، هو أن يفترش اليسرى فيقعد عليها، ثم اختلفوا في القعود الأخير في الصلاة، فلم يخلُ من أحد الوجهين من أن يكون سنة أو فرض، فإن كان سنة فحكمه حكم القعود الأول، وإن كان فريضة فحكمه حكم القعود فيما بين السجدتين، فثبت بذلك ما روى وائل بن حجر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. ش: أشار بقوله: "فهذا" إلى ما ذكر في الأحاديث المذكورة من حكم الجلوس في الصلاة من غير فصل بين حكم القعدتين، بيان هذا: أن أصل حديث أبي حميد الذي رواه عبد الحميد وغيره مثل ما ذكر في هذه الأحاديث، وأنه ليس فيه ذكر القعود في الصلاة إلا مثل ما ذكر في حديث وائل بن حجر المذكور، والحاصل أن حديث أبي حميد روي على وجهين: أحدهما: منقطع مضطرب الإسناد والمتن كما قد بينا فيما مضى؛ لأنه روي عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، وروى عطاف بن خالد، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن رجل، عن أبي حميد، فدل هذا أن بين محمَّد بن عمرو هذا وبين أبي حميد رجلًا، فدل ذلك على انقطاع حديث عبد الحميد، أشار الطحاوي إلى ذلك بقوله: "والذي روى محمَّد بن عمرو فغير معروف ولا متصل عندنا عن أبي حميد ... " إلى آخره، وقد استوفينا الكلام فيه فيما مضى. والوجه الثاني: أنه متصل، وهو موافق لرواية وائل، فإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بحديث وائل، ولم يتم استدلال الخصم بحديث أبي حميد، على أن طريق النظر والقياس يشد ذلك ويقويه، أشار إلى بيان ذلك بقوله: "مع ما قد شده من طريق النظر" أي مع شد طريق النظر هذا القول، وكلمة "مع" للمصاحبة و"ما" للمصدرية، والضمير المنصوب في "شده" يرجع إلى القول في قوله: "ثبت القول بذلك" أي بما روى وائل، فافهم، والباقي ظاهر.

стр. 2135

ص: وقد قال بذلك أيضًا إبراهيم النخعي، حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن المغيرة، عن إبراهيم: "أنه كان يستحب إذا جلس الرجل في الصلاة أن يفترش قدمه اليسرى الأرض، ثم يجلس عليها". ش: أي قد قال بما قال أهل المقالة الثالثة -من فرش الرجل اليسرى في قعود الصلاة والجلوس عليها، ونصب اليمنى- أيضًا: إبراهيم النخعي. أخرجه بإسناد صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن محل، عن إبراهيم: "كان إذا جلس نصب اليمنى، وأضجع اليسرى". وأخرج عن محمَّد بن سيرين أيضًا نحوه. وأخرج (٢) عن الحسن: "أنه كان ربما أضجع رجليه جميعا، وربما أضجع اليمنى ونصب اليسرى". وأخرج (٣) عن وكيع والفضل بن دكين، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ ﵁: "أنه كان ينصب اليمنى، ويفترش اليسرى".

стр. 2136

ص: باب: التشهد في الصلاة كيف هو ؟ ش: أبي هذا باب في بيان كيفية التشهد في الصلاة، والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفى. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، ومالك بن أنس، أن ابن شهاب، حدثهما عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ: "أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يعلم الناس التشهد على المنبر وهو يقول: قولوا: التحيات الله، الزاكيات الله، والصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا ابن جريج، قال: أنا ابن شهاب، عن حديث عروة، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ ... فذكر مثله. ش: هذان إسنادان صحيحان: أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري، ومالك بن أنس المدني، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ -بتشديد الياء- نسبة إلى القارة، وهم بنو الهون بن خزيمة، شددت الياء لئلا يلتبس بالقارئ الذي هو اسم فاعل من القراءة، وقد قيل: إن له صحبة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة ... إلى آخره، نحوه.

стр. 2137

والآخر: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عروة ... إلى آخره نحوه. قوله: "التحيات" جمع تحية وهي السلامة من جميع الآفات، وقيل: البقاء الدائم، وقيل: العظمة، وفي "المحكم":التحية: السلام. وقال الخطابي: وروي عن أنس في تفسيرها في أسماء الله: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات لا يُحَيَّا بها غيره. وقال ابن الأثير: التحيات كلمات مخصوصة كانت العرب تحيِّي بها الملوك كقولهم: أَبَيْتَ اللعن، وأنعم صباحًا، وعم ظلاما، وزي ده هزار سأل أبي عش عشرة آلاف سنة، وكلها لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى، فتركت، واستعملت بمعنى التعظيم، فقيل: قولوا: التحيات لله: أبي الثناء والعظمة والتمجيد كما يستحقه ويجب له. قوله: "لله" اللام فيه لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن. وقال القرطبي: فيه تنبيه على أن الإخلاص في العبادات والأعمال لا يفعل إلا لله تعالى، ويجوز أن يراد بها الاعتراف بأن ملك ذلك كله لله تعالى. قوله: "الزاكيات" جمع زاكية، وأراد بها الأعمال الزاكيات أي الطاهرات، وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث.

стр. 2138

قوله: "والصلوات" أراد الصلوات الخمس، وقيل: النوافل. قال ابن الأثير: والأول أولى، وقال الأزهري: العبادات، وقال الشيخ تقي الدين: والصلوات تحتمل أن يُراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقدير: أنها واجبة لله، ولا يجوز أن يقصد بها غيره، أو يكون ذلك إخبارًا عن قصد إخلاصنا الصلوات له، أي صلواتنا مخلصة له لا لغيره، ويجوز أن يراد بالصلوات: الرحمة، ويكون معنى قوله: "لله" أي المتفضل بها والمعطي هو الله؛ لأن الرحمة التامة لله تعالى لا لغيره. قوله: "السلام عليك أيها النبي" قيل: معناه التعوذ باسم الله الذي هو السلام، كما تقول: الله معك، أي الله متوليك وكفيل بك، وقيل: معناه السلامة والنجاة لك، كما في قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ (١). وذكر الفخر الفارسي الخبري: معنى السلام على النبي ﵇: أي اسم الله عليك، وتأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات، وسَلِمْتَ من المكاره والمذام والآفات، فإذا قلت: اللهم سلم على محمَّد، إنما تريد: اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص. وقال الشيخ حافظ الدين: يعني السلام الذي سلمه الله عليك ليلة المعراج، ورفع؛ ليدل على الثبوت والاستمرار. وقال ابن الأثير: السلام مُنَكَّرًا. أراد سلام عظيم لا يدرك كنهه ولا يعرف قدره، وأكثر ما جاء في القرآن مُنَكَّرًا، ومن رواه معرفًا فلأنه أراد أنه سلامًا معهودًا، أو جنس السلام. قلت: تفسير الشيخ حافظ الدين يقتضي أن تكون الألف واللام فيه للعهد، وهو السلام الذي سلمه الله عليه ليلة المعراج. قوله: "وبركاته"، جمع بركة، وهي الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقه من البرك، وهو الإبل الكثير.

стр. 2139

قوله: "السلام علينا" أراد به الحاضرين من الإِمام والمأمومين والملائكة ﵈. قوله: "وعلى عباد الله الصالحين" الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد. وقال القرطبي: فيه دليل على أن الدعاء يصل من الأحياء إلى الأموات. قوله: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" قال أهل اللغة: يقال: رجل محمَّد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة. وقال ابن الفارسي: وبذلك سمي نبينا محمدًا ﵇ يعني لعلم الله بكثرة خصاله المحمودة. قلت: الفرق بين محمَّد وأحمد: أن محمدًا مفعّل للتكثير، وأحمد أفعل التفضيل، والمعنى: إذا حمدني أحد فأنت أحمد منهم، وإذا حمدت أحدًا فأنت محمَّد، والعبد الإنسان حرًّا كان أو رقيقا، وجمعه: أعبد وعبيد وعباد وعُبُدٌ وعِبْدان وعُبْدان وأعابد جمع أعبد، والعبدى والعبوداء والعبدة أسماء الجمع، وجعل بعضهم العباد لله، وغيره من الجمع لله والمخلوقين، وخص بعضهم بالعبدى الذين ولدوا في الملك، والأنثى عبدة، والعبدل: العبد، ولامه زائدة. وقال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرت من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي ﵇ ليلة المعراج- وكانت أشرف أوقاته في الدنيا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (١)، وقال في تلك الليلة: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٢). ثم اختلف العلماء في التشهد هل هو واجب أم سنة؟ فقال الشافعي وآخرون: التشهد الأول سنة، والأخير واجب، وقال جمهور المحدثين: هما واجبان.

стр. 2140

وقال أحمد: الأول واجب، والثاني فرض. وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان. وعن مالك بوجوب الأخير. وقال ابن بطال: أجمع فقهاء الأمصار: أبو حنيفة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق والليث وأبو ثور على أن التشهد الأول ليس بواجب حاشا أحمد؛ فإنه أوجبه، ونقل ابن الأثير وجوبهما عن أحمد وإسحاق، ونقله ابن المتن أيضًا عن الليث وأبي ثور. وفي "المغني" لابن قدامة: إن كانت الصلاة مغربًا أو رباعية فهما واجبان فيهما على إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث وإسحاق؛ لأنه ﵇ فعله وداوم عليه، وأمره به في حديث ابن عباس ﵄ بقوله: "فقولوا التحيات لله ... "، والأخرى: ليس بواجب. وفي شرح "الهداية": قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة، وهو المختار والصحيح، وقيل: سنة، وهو الأقيس، ولكنه خلاف ظاهر الرواية. ثم السنة في التشهد الإخفاء؛ لما روى الترمذي (١) بإسناده، عن ابن مسعود: "من السنة أن تخفي التشهد" وقال: حسن غريب. وعند الحاكم (٢) عن عبد الله: "من السنة أن تخفي التشهد". وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" (٣): عن عائشة ﵂ قالت: "نزلت هذه الآية في التشهد: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٤) ".
следующие страницы →