في الفجر والمغرب. فثبت بما ذكرنا أن مذهب علي ﵁ في القنوت هو مذهب عمر ﵁ الذي وصفنا، ولم يكن عليٌّ ﵁ يقصد بذلك إلى الفجر خاصة؛ لأنه قد كان يفعل ذلك في المغرب، فيما ذكر إبراهيم ﵁.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: حدثني حصين بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن بن معقل يقول: "صليت خلف علي ﵁ المغرب فقنت ودعا".
فكل قد أجمع أن المغرب لا يقنت فيها إذا لم تكن حرب، وأن عليًّا ﵁ إنما قنت فيها من أجل الحرب، فقنوته في الفجر أيضًا عندنا كذلك.
ش: لما كان الخصم استدل أيضًا -فيما ذهب إليه من القنوت في الفجر- بما روي عن علي ﵁ أنه كان يقنت في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ذكره، وهو ظاهر.
وأخرج ما روي عنه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن رُبَيعة -بالتصغير- السلمي الكوفي، ولأبيه صحبة، وأبو عبد الرحمن روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم ... إلى آخره.
وفيه حجة لأصحابنا: أن القنوت فيما يقنت قبل الركوع.
فإن قيل: روى البيهقي في "سننه" (٢): من حديث يزيد بن أبي زياد، سمعت أشياخنا يحدثون: "أن عليا ﵁ كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع".
قلت: يزيد بن أبي زياد ضعيف، وحكى البيهقي نفسه تضعيفه عن ابن معين في باب "رفع اليدين عنوإلافتتاح خاصة"، ثم إنه روى عن الأشياخ وهم مجهولون، والذي رواه الطحاوي وابن أبي شيبة أولى.
стр. 2067
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، كلاهما عن شعبة، عن أبي حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد- عثمان بن عاصم بن حُصَير -بالتصغير- الأسدي الكوفي.
عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني قال: "قنت بنا ... " إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده": عن شعبة ... إلى آخره.
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن أبي حصين ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن معقل قال: "قنت في الفجر رجلان من أصحاب النبي ﵇: علي وأبو موسي".
وقال البيهقي: هذا عن علي صحيح مشهور.
قلت: الجواب عنه ما ذكره الطحاوي، وأيضًا هذا الأثر مضطرب.
فإن ابن حبان أخرج في "صحيحه" (٢): عن أبي مالك، [عن أبيه] (٣): "أنه صلى خلف علي ﵁ فلم يقنت".
قوله: "كلاهما عن أبي حصين" أي شعبة وسفيان كلاهما رويا عن أبي حصين.
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبيد بن حسن المزني الكوفي، عن عبد الله بن معقل بن مقرن.
وأخرج ما رواه إبراهيم النخعي الذي يدل على أن قنوت علي إنما كان للمحاربة عن طريقين رجالهما ثقات:
стр. 2068
الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه الأعمى، عن إبراهيم النخعي.
وأخرج محمَّد بن الحسن في "آثاره" (١): عن أبي حنيفة عن حماد، عن إبراهيم: "أن أهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه".
وأخرج ابن حزم في "المحلى" (٢): من طريق ابن المجالد عن أبيه، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود، قالا: "ما قنت رسول الله ﵇ في شيء من الصلوات إلا إذا حارب، فإنه كان يقنت في الصلوات كلهن، ولا قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا، ولا قنت علي ﵁ حتى حارب أهل الشام، فكان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يقنت أيضًا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن مُحرز بن هشام، عن جرير بن حازم، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي.
وأخرج ما رواه عبد الرحمن بن معقل الذي يدل على أن عليًّا كان يقنت في المغرب أيضًا عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن معقل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- ابن مقرِّن المزني الكوفي ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا شريك، عن حصين، عن عبد الرحمن بن معقل، قال: "صليت خلف علي ﵁ المغرب فقنت".
стр. 2069
ص: وأما عبد الله بن عباس ﵄ فروي عنه ما قد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن عوف، عن أبي رجاء، عن ابن عباس قال: "صليت معه الفجر فقنت قبل الركوع".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عوف ... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "وقال: هذه الصلاة الوسطى".
قال أبو جعفر ﵀: فقد يجوز أيضًا في أمر ابن عباس في ذلك ما جاز في أمر علي ﵁، فنظرنا هل روي عنه خلاف هذا؟ فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال: "صليت خلف ابن عمر وابن عباس ﵃ فكانا لا يقنتان في صلاة الصبح".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن منصور، قال: أنا مجاهد، أو سعيد بن جبير: "أن ابن عباس ﵄ كان لا يقنت في صلاة الفجر".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث، قال: "صليت خلف ابن عباس في داره الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: أخبرني عمران بن الحارث السلمي قال: "صليت خلف ابن عباس الصبح، فلم يقنت".
فكان الذي يروي عنه القنوت هو أبو رجاء إنما كان ذلك وهو بالبصرة واليا عليها لعلي ﵁، وكان أحد من يروي عنه بخلاف ذلك سعيد بن جبير، وإنما كانت صلاته بعد ذلك بمكة، وكانت صلاته في ذلك مذهب عمر وعلي ﵄، فكان الذين قد روينا عنهم القنوت في الفجر إنما كان ذلك منهم للعارض الذي ذكرنا، فقنتوا فيها وفي غيرها من الصلوات، وتركوا ذلك في حال عدم ذلك العارض.
стр. 2070
ش: لما استدل الخصم أيضًا بما روي عن ابن عباس من قنوته في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ملخصه: أن قنوت ابن عباس ﵄ يجوز أن يكون كقنوت علي -يعني لأجل الحراب- كان يدعو على الأعداء، على أنه قد روى عنه سعيد بن جبير وعمران بن الحارث عدم القنوت أصلًا، والذي روى عنه القنوت هو أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وكان ذلك لما كان ابن عباس بالبصرة واليا عليها من جهة علي بن أبي طالب ﵁، والذي روى عنه سعيد بن جبير كان بمكة بعد ذلك، فدل أن ما كان منه من القنوت في الصبح إنما كان لأجل العارض وهو الحرب، فكل من روي عنه من الصحابة من القنوت في الصبح فمحمول على هذا العارض، والدليل على صحة هذا: أن بعضهم كان يقنت أيضًا في غير الصبح، وقد ذكرنا عن قريب أن ابن حزم روى أن عليًّا ﵁ كان يقنت في الصلوات كلهن، وكان ذلك حين كان يحارب أهل الشام، فهذا كله يدل على بطلان قول من يرى القنوت في الصبح دائمًا.
وقد أخرج ما روي عن قنوته من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة بن محمَّد السوائي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان، أدرك زمان النبي ﵇ ولم يره، وأسلم بعد الفتح وأتى عليه مائة وعشرون سنة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنف" (١): ثنا هشيم، عن عوف، عن أبي رجاء، قال: "رأيت ابن عباس يمد ضَبعيه في قنوت صلاة الغداة إذ كان بالبصرة".
الثاني: أخرجه الطحاوي بعينه في باب: الصلاة الوسطى.
وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد.
стр. 2071
وأخرجه البيهقي (١) مطولًا وقد ذكرناه هناك.
وأخرج ما روي عن عدم قنوته من أربع طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن واقد الخياط أبي عبد الله مولى زيد بن خليد، وثقه ابن حبان، عن سعيد بن جبير.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر ﵃ "أنهما كانا لا يقنتان في الفجر".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء ... إلى آخره.
وهؤلاء قد تكرروا جدًّا.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا الحسن بن علي، عن زائدة، عن منصور، قال: حدثني مجاهد وسعيد بن جبير: "أن ابن عباس كان لا يقنت في صلاة الفجر".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عمران بن الحارث السلمي أبي الحكم الكوفي، روى له مسلم والنسائي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث قال: "صليت مع ابن عباس في داره الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده".
стр. 2072
الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن ... إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده".
ص: وقد روينا عن آخرين من أصحاب رسول الله ﷺ ترك القنوت في سائر الدهور.
فمن ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "كان ابن مسعود لا يقنت في شيء من الصلوات إلا الوتر، فإنه كان يقنت قبل الركعة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا المسعودي ... فذكر مثل حديث أبي بكرة، عن أبي داود، عن المسعودي، بإسناده.
حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن المبارك، عن فضيل بن غزوان، عن الحارث العكلي، عن علقمة بن قيس قال: "لقيت أبا الدرداء ﵁ بالشام فسألته عن القنوت فلم يعرفه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمَّد بن مسلم الطائفي، قال: ثنا عمرو بن دينار قال: "كان عبد الله بن الزبير يصلي بنا الصبح بمكة فلا يقنت".
стр. 2073
ش: أي قد رويخا عن جماعة آخرين من الصحابة ﵃ ترك القنوت أصلًا في سائر الأزمان، لا في الحرب ولا في غيرها، وهم أربعة أنفس ها هنا: عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير ﵃.
أما أثر ابن مسعود فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن علقمة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس: "أن ابن مسعود لم يكن يقنت في الفجر".
الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا فضيل بن محمَّد الملطي، ثنا أبو نعيم، ثنا أبو العميس، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة، إذا قنت قنت في الوتر قبل الركعة".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو البصري العقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله ... إلى، آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الثوري ... إلى آخره نحوه.
الرابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد الرحمن ابن عبد الله المسعودي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه.
стр. 2074
وأخرج الطبراني في "الكبير" (١): عن علي بن عبد العزيز عن حجاج بن المنهال، عن حماد، عن أبي حمزة، عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع ولا يقنت في صلاة الفجر".
وأخرج محمَّد بن الحسن في "آثاره" (٢): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود كان يقنت السنة كلها في الوتر قبل الركوع" قال محمَّد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة.
وأخرج أيضًا (٣): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود لم يقنت هو ولا أحد من أصحابه حتى فارق الدنيا- يعني في صلاة الفجر".
وأما أثر أبي الدرداء عويمر بن مالك ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الكوفي الحماني؛ وثقه يحيى وغيره، عن عبد الله بن المبارك، عن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي، عن الحارث بن يزيد العكلي روى له مسلم، عن علقمة بن قيس.
قوله: "فلم يعرفه" أي لم يعهده في الصبح عن النبي ﵇ ولا عن الصحابة، ونظير هذا ما روي عن ابن عمر ﵄ لما سأله أبو الشعثاء عن القنوت في الفجر: "ما شعرت أن أحدًا يفعله" رواه عبد الرزاق وغيره، وقد مرّ.
وأما أثر عبد الله بن عمر ﵄ فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر.
والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك، عن نافع.
стр. 2075
وأما أثر عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄ فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري شيخ البخاري.
عن محمَّد بن مسلم بن سوسن الطائفي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عمرو بن دينار المكي روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا روح بن عبادة، عن زكرياء بن إسحاق، قال: حدثني عمرو بن دينار: "أن ابن الزبير ﵄ صلى بهم الصبح فلم يقنت".
ص: فهذا عبد الله بن مسعود لم يكن يقنت في دهره كله، وقد كان المسلمون في قتال عدوهم في كل ولاية عمر ﵁، أو في أكثرها، فلم يكن يقنت لذلك، وهذا أبو الدرداء ينكر القنوت، وابن الزبير لا يفعله، وقد كان محاربًا حينئذ لأنَّا لم نكن نعلم أم الناس إلا في وقت ما كان الأمر صار إليه.
فقد خالف هؤلاء عمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵃ فيما ذهبوا إليه من القنوت في حال المحاربة بعد ثبوت زوال القنوت في حال عدم المحاربة، فلما اختلفوا في ذلك، وجب كشف ذلك من طريق النظر لنستخرج من المعنيين معنى صحيحًا، فكان ما قد روينا عنهم أنهم قنتّوا فيه من الصلوات لذلك الصبح والمغرب خلا ما روينا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ "أنه كان يقنت في صلاة العشاء" فإن ذلك يحتمل أيضًا أن تكون هي المغرب، ويحتمل أن تكون هي العشاء الآخرة، ولم نعلم عن أحد منهم أنه قنت في ظهر ولا عصر في حال حرب ولا غيره، فلما كانت هاتان الصلاتان لا قنوت فيهما في حال الحرب ولا في حال عدم الحرب، وكان الفجر والمغرب والعشاء لا قنوت فيهن في حال عدم الحرب؛ ثبت أن لا قنوت
стр. 2076
فيهن في حال الحرب أيضًا، وقد رأينا الوتر فيها القنوت عند أكثر الفقهاء في سائر الدهر، وعند خاصٍّ منهم في ليلة النصف من شهر رمضان خاصة، فكانوا جميعًا إنما يقنتون لتلك الصلاة خاصة لا لحرب ولا لغيره.
فلما انتفى أن يكون القنوت فيما سواها يجب لعلة الصلاة خاصة، لا لعلة غيرها، انتفى أن تكون تجب لمعنى سوى ذلك.
فثبت بما ذكرنا أنه لا ينبغي القنوت في الفجر في حال حرب ولا غيره، قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: ملخص هذا: أن هؤلاء الأربعة من الصحابة ﵃ لم يكونوا يقنتون في صلاة الصبح.
أما ابن مسعود فإنه لم يكن يقنت أصلًا في جميع دهره، والحال أن المسلمين كانوا في قتال عدوهم في كل ولايات عمر بن الخطاب ﵁ أو في أكثرها، وذلك لأن أكثر البلاد فتحت في أيامه كالشام ومصر وأكثر العراق، ولم تزل عساكره تجول يمينا وشمالا, ولو كان ابن مسعود يرى القنوت في أيام الحرب لكان قنت، فحيث ترك أصلًا، دَلَّ على أن حكمه مرفوع.
وأما ابن عمر فكذلك لم يكن يفعله حترل روى ابن عبد البر عنه: "أنه كان يقول: القنوت في الفجر بدعة".
وأما أبو الدرداء فإنه أنكره بالكلية.
وأما ابن الزبير فإنه لم يكن يفعله، والحال أنه كان محاربا؛ لأنه لم يؤم الناس إلا حين صار الأمر إليه، وذلك حين ادعى الخلافة في مكة، وبويع له في جمادى الأول سنة أربع وستين بمكة، واستبد بأمرها، ثم انتشرف بيعته في الحجاز واليمن والعراق والمشرق والمغرب، وبعض بلاد الشام، وكانت أيامه تسع سنين وعشرة أيام، وقتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى أو الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وعن مالك وغيره: أن مقتله كان على رأس ثنتين وسبعين، وكان سنه يوم قتل اثنتن وسبعين سنة.
стр. 2077
فهؤلاء قد خالفوا عمر وعليًّا وابن عباس ﵃ فيما ذهبوا إليه من القنوت في حال المحاربة، مع اتفاقهم كلهم على زوال حكمه في حال عدم المحاربة، فإذا كان اختلافهم في حال المحاربة؛ وجب كشف ذلك من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر.
قوله: "قنتوا فيه من الصلوات لذلك" أي لأجل الحرب.
قوله: "الصبح" بالنصب؛ لأنه خبر كان في قوله: "فكان ما قد روينا".
قوله: "والمغرب" عطف عليه قوله: "فإن ذلك يحتمل أيضًا ... إلى آخره"؛ لأن لفظ العشاء مشترك بين صلاة المغرب التي تسمى العشاء الأولى، وصلاة العشاء التي تسمى العشاء الآخرة، فإذا كان مشتركا بين المعنيين يحتمل أن يراد به أحد المعنيين عند الإطلاق.
قوله: "ولم نعلم عن أحد منهم أنه قنت في ظهر ولا عصر" فيه نظر؛ لأنا قد ذكرنا أن ابن حزم قد أخرج عن علي: "أنه كان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يقنت أيضًا كذلك يدعو كل واحد منهما على صاحبه".
وروى السراج في "مسنده": ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا عبد الصمد، ثنا ثابت، ثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "قنت النبي ﵇ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة، يدعو على رعل وذكوان وعصية، ويؤمِّن من خلفه".
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ثنا حُمام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، نا محمَّد ابن عبد الملك بن أيمن، نا أبو عبد الله الكابُلي، نا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا محمَّد بن أنس، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب: "أن النبي ﵇ كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها".
стр. 2078
قوله: "وقد رأينا الوتر فيها القنوت عند أكثر الفقهاء" وأراد بهم: إبراهيم النخعي، وعلقمة، وحماد بن أبي سليمان، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير، وأبا حنيفة وأصحابه، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق؛ فإن هؤلاء كلهم يرون القنوت في الوتر قبل الركوع، وهو مذهب ابن مسعود وابن عمر وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب والحسن بن علي ﵃.
وقال الترمذي (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قال الحسن بن علي ﵃: "علمني رسول الله ﵇ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبي ﵇ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا.
واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق. انتهى.
قلت: أبو الحوراء -بالحاء والراء المهملتين- اسمه ربيعة بن شيبان.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هشيم، قال: أنا منصور، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد: "أن عمر ﵁ قنت في الوتر قبل الركوع".
ثنا (٣) شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبيه: "أن عليًّا ﵁ كان يقنت في الوتر بعد الركوع".
стр. 2079
ثنا (١) حفص، عن ليث، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه: "أن [عبد الله] (٢) ﵁ كان يوتر فيقنت قبل الركوع".
ثنا (٣) هشيم، قال: أنا مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان يقول في قنوت الوتر قبل الركوع إذا فرغ من القراءة ... ".
ثنا (٤) ابن نمير، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع".
ثنا (٥) يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة: "أن ابن مسعود وأصحاب النبي ﵇ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع".
وقال السراج في "مسنده": ثنا أبو كريب، ثنا محمَّد بن بشر، عن العلاء بن صالح، ثنا زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أنه سأله عن القنوت في الوتر، فقال: ثنا البراء بن عازب قال: سنة ماضية".
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٦)، ولكن قال: هذا وهم إنما هو الفجر.
فإن قيل: هل روي عن النبي ﵇ أنه قنت في الوتر قبل الركوع؟
قلت: نعم، فقال الدارقطني (٧): ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا علي بن خشرم، ثنا عيسى بن يونس، عن فطر عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ يوتر بثلاث:
стр. 2080
بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١)، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣)، ويقنت قبل الركوع، فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد بها صوته، في الأخيرة يقول: رب الملائكة والروح".
ثنا (٤) الحسن بن يحيى بن عياش، ثنا الحسن بن محمَّد الزعفراني، ثنا يزيد بن هارون، أنا أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله ﵁ قال: "بت مع رسول الله ﵇ لأنظر كيف يقنت في وتره؟ فقنت قبل الركوع، ثم بعثت أمي أم عبد، فقلت: بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت في وتره؟ فأتتني فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع". ثم قال الدارقطني: أبان متروك.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): عن يزيد بن هارون، عن أبان ... إلى آخره، نحوه.
وقال الدارقطني (٦): ثنا عبد الصمد بن علي، ثنا عبد الله بن غنام، ثنا عقبة بن مكرم، ثنا يونس بن بكير، ثنا عمرو بن شمر، عن سلام، عن سويد بن غفلة قال: "سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ يقولون: قنت رسول الله ﵇ في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك".
وقال ابن ماجه (٧): ثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زُبَيْد اليامي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر فيقنت قبل الركوع".
стр. 2081
قلت: هذا سند صحيح، وسيجيء مزيد الكلام فيه في بابه إن شاء الله تعالى.
قوله: "وعند خاص منهم" أي وعند قوم مخصوصين من الفقهاء: القنوت في ليلة النصف من شهر رمضان خاصة، وأراد بهم: الشافعي، ومالكا في رواية ابن نافع عنه، وأحمد في وجه، وقال الترمذي: وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁: "أنه كان لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع". وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعي وأحمد.
وفي "الروضة" للنووي: ولنا وجه يقنت في جميع شهر رمضان، ووجه أنه يقنت في جميع السنة، والصحيح اختصاص النصف الأخير من رمضان، وهو نص الشافعي ﵀.
وفي "الجواهر" للمالكية: والمشهور أنه لا يقنت في النصف الأخير من رمضان، وهو قول ابن القاسم.
وفي "الحاوي" في فقه أحمد: وأقله أي أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، يسلم في كل ركعتين، ويوتر بركعة، وإن سرد عشرًا وجلس ثم أوتر بالأخيرة وتحيَّا وسلم صح مع ترك السنة، وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين أو سردًا بسلام كالمغرب، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة "سبح"، وفي الثانية "الكافرون"، وفي الثالثة "الإخلاص" يقنت فيها بعد الركوع، ويجوز قبله، ويرفع يديه ويقول: اللهم إنا نستعينك ... إلى آخره.
стр. 2082
ص: باب: ما يبدأ بوضعه في السجود اليدين أو الركبتين
ش: أي هذا باب في بيان ما يبدأ المصلي في سجوده بوضع اليدين أولا أم الركبتين ثم اليدين؟
قوله: "اليدين" منصوب بفعل محذوف، أي هل يضع اليدين أولا أو يضع الركبتين أولا، ويجوز أن يكون مفعولا للمصدر المضاف إلى فاعله، أعني قوله: "بوضعه".
وقوله: "في السجود" معترض بين الفاعل والمفعول.
والمناسبة بين البابين من حيث إن هذا الحكم يتعقب الركوع والقنوت في صلاة الفجر على مذهب من يرى القنوت بعد الركوع. فافهم.
ص: حدثنا عليّ بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا الدراوردي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه كان إذا سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه، وكان يقول: كان النبي ﵇ يفعل ذلك".
ش: إسناده صحيح، وعلي بن عبد الرحمن هو المعروف بعلان؛ قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بمصر وهو صدوق. وروى له النسائي في اليوم والليلة" حديثا واحدًا.
وأصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الفقيه وراق عبد الله بن وهب، شيخ البخاري.
والدراوردي هو عبد العزيز بن محمَّد، روى له الجماعة البخاري مقرونا بغيره، ونسبته إلى، دراورد قرية بخراسان.
وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃، أبو عثمان المدني، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة.
стр. 2083
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا الحسن بن الحسن بن عبد الرحمن القاضي، ثنا محمَّد بن أصبغ بن الفرج، حدثنا أبي، ثنا عبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الدراوردي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، قال: وكان النبي ﵇ يفعل ذلك" ثم قال: رواه ابن وهب وأصبغ ومحرزبن سلمة، عن عبد العزيز، ولا أراه إلا وهما، فالمشهور عن ابن عمر ما رواه حماد بن زيد وابن علية، عن أيوب، عن نافع عنه قال: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه".
قلت: الذي أخرجه الطحاوي أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحديث الذي علله به فيه نظر؛ لأن كلا منهما منفصل عن الآخر، وحديث أبي هريرة الذي يأتي دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر هذا، فحينئذ يمكن أن يرجح إلى حديث وائل الذي يأتي؛ لأن دلالته فعلية على ما هو الأرجح عند الأصوليين، ولهذا قال النووي في "شرح المهذب": لا يظهر لي الآن ترجيح أحد المذهبين من السنة.
ولكن الطحاوي رجح حديث أبي وائل؛ لأن الحديث لم يختلف عنه بخلاف حديث أبي هريرة فإنه قد اختلف عنه على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور وأصبغ بن الفرج، قالا: ثنا الدراوردي، عن محمَّد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 2084
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز ابن محمَّد، قال: حدثني محمَّد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه ثم ركبتيه".
ش: هذان إسنادان صحيحان.
ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو عبد الله المدني، وثقه النسائي وابن حبان.
وأبو الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان المدني، روى له الجماعة.
والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز المدني.
والحديث أخرجه النسائي (١): أنا هارون بن محمَّد بن بكار من كتابه، قال: ثنا مروان بن محمَّد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يكبرك بروك البعير".
وأخرجه أبو داود (٢): عن سعيد بن منصور، عن عبد العزيز ... إلى آخره نحوه.
والدارمي "سننه" (٣): عن يحيى بن حسان، عن عبد العزيز بن محمَّد ... إلى آخره نحوه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فقال قوم: هذا كلام محال؛ لأنه قال: لا يبرك كما يرك البعير، والبعير إنما يرك على يديه، ثم قال: ولكن يضع يديه قبل ركبتيه
стр. 2085
فأمره ها هنا أن يضع كما يضع البعير، ونهاه في أول الكلام أن يفعل ما يفعل البعير، فكان من الحجة عليهم في ذلك في تثبيت هذا الكلام وتصحيحه, ونفي الإحالة عنه أن البعير ركبتاه في يديه، وكذلك في سائر البهائم وبنو آدم ليسوا كذلك. فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ فيضع أولًا يديه اللتين ليس فيهما ركبتاه، ثم يضع ركبتيه، فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من الفقهاء طعنوا في الحديث المذكور، وقالوا: معناه متناقض؛ لأنه قال: "لا يبرك المصلي كما يبرك البعير"، والبعير إنما يبرك على يديه، ثم قال: "ولكن يضع يديه قبل ركبتيه"، وهذا تناقض؛ لأنه نهى في الأول أن يفعل مثل ما يفعل البعير، وأمر في الثاني بأن يفعل مثل ما يفعل البعير أيضا؛ لأنه قال: "ولكن يضع يديه ثم ركبتيه"، وقد مر أن البعير إنما يبرك على يديه.
فأجاب الطحاوي عن ذلك بقوله: فكان من الحجة عليهم، أي على هؤلاء القوم، بيانه: أن هذا الكلام صحيح وليس محال ولا متناقض؛ وذلك لأن البعير ركبتاه في يديه، وكذلك في سائر البهائم بخلاف بني آدم، فإن ركبهم في أرجلهم، فمعنى قوله: لا يبرك المصلي على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ فيضع أولًا يديه اللتين ليست فيهما ركبتاه، ثم يضع ركبتيه اللتين في رجليه فيكون هذا الفعل بخلاف ما يفعل البعير، وهذا ظاهر.
ومن هذا أخذ ابن حزم في كتابه في وجه التوفيق فقال: وركبتا البعير في ذراعيه.
ص: فذهب قوم إلى أن اليدين يبدأ بوضعهما في السجود قبل الركبتين، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي ومالكا في رواية، وأحمد في قول؛ فإنهم قالوا: يبدأ المصلي في سجوده أولا بوضع يديه، ثم ركبتيه، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، وعن قتادة: "يفعل أهون ذلك عليه".
стр. 2086
قال ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا معتمر، عن معمر، قال: "سئل قتادة؛ عن الرجل إذا انصبّ من الركوع يبدأ بيديه؟ قال: يصنع أهون ذلك عليه".
وعن مالك التخيير، وقال في "الجواهر": ثم يكبر للسجود فإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه، أو ركبتيه قبل يديه.
وقال ابن حزم في "المحلى": وفرض على كل مصلٍ أن يضع إذا سجد يديه على الأرض قبل ركبتيه، واستدل بالحديث المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يبدأ بوضع الركبتين قبل اليدين.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والنخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد في الأصح، ومسلم بن يسار؛ فإنهم قالوا: يبدأ أولا بوضع الركبتين قبل اليدين. ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁.
وفي "الروضة" للنووي: فالسنة أن يكون أول ما يقع على الأرض من الساجد ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه.
وفي "الحاوي" في فقه أحمد: ثم يسجد مكبرًا واضعًا ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه.
وعنه: يضع يديه قبل ركبتيه.
وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم يرون أن يضع الرجل ركبتيه على الأرض قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﵇ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه".
стр. 2087
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الفحل".
قال أبو جعفر ﵀: فهذا خلاف ما روى الأعرج عن أبي هريرة، ومعنى هذا: لا يبرك على يديه كما يبرك البعير على يديه.
ش: أي احتج الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة هذا.
وأخرجه بإسنادين فيهما عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني ضعيف جدًّا، قال في "الميزان": واه. وقال ابن الجوزي: قال أحمد وعمرو بن علي: منكر الحديث متروكه. وقال أحمد مرة: ليس بذاك. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء لا يكتب حديثه. وقال النسائي وعلي بن الجنيد: متروك.
وجده أبو سعيد المقبري واسمه كيسان روى له الجماعة.
وابن فضيل هو محمَّد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي، روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده ... إلى آخره، نحوه، غير أن في لفظه: "بروك الجمل".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة يرفعه ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي.
وأخرجه الترمذي معلقًا (٣)، وقال: وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﵇.
وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى القطان وغيره. انتهى.
стр. 2088
فهذا كما رأيت: عبد الله بن سعيد، عن أبيه في رواية الترمذي، وفي رواية الطحاوي والبيهقي وابن أبي شيبة: عبد الله بن سعيد، عن جده، واسم جده كيسان وقد ذكرناه، واسم أبيه سعيد بن أبي سعيد المقبري، يروي عن أبي هريرة وابن عمر، روى عنه مالك وابن أبي ذئب وعبد الرحمن بن إسحاق، وعن أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: مدني ثقة.
قوله: "بروك الفحل" أي كبروك الفحل، وأراد به فحل الإبل، وفسره في رواية الترمذي حيث قال: بروك الجمل، والجمل الفحل من الإبل، وقال الفراء: الجمل زوج الناقة.
قوله: "قال أبو جعفر ... إلى آخره" بيان ذلك أن هذه الرواية عن أبي هريرة تعارض رواية الأعرج عنه؛ لأن في رواية الأعرج: وضع اليدين أولًا ثم الركبتين، وفي هذه الرواية: وضع الركبتين أولا ثم اليدين، وأشار الطحاوي إلى دفع المعارضة بقوله: ومعنى هذا: لا يبرك على يديه كما يبرك البعير على يديه، ولا يتم الكلام به على ما لا يخفى.
والأحسن أن يقال في دفع المعارضة: إن هذه الرواية ضعيفة ومعلولة بعبد الله بن سعيد، ورواية الأعرج صحيحة، فلا مساواة بينهما فلا تعارض، ولكن يكون الحديث حينئذ حجة لأهل المقالة الأولى.
فإن قيل: ما جواب أهل المقالة الثانية عن ذلك حينئذ؟
قلت: قد قال بعضهم حديث الأعرج أيضا معلول؛ لأن البخاري قال: محمَّد ابن عبد الله بن الحسن لا يتابع على حديثه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟
فإن قيل: قول البخاري لا يتابع على حديثه ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي إياه.
стр. 2089
قلت: ولئن سلمنا ذلك فحديث الأعرج منسوخ كما ذكره البعض، وقال ابن قدامة: وروي عن أبي سعيد قال: "كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين" وهذا يدل على نسخ ما تقدمه.
والأحسن أن يقال في ذلك ما قاله الطحاوي: إن حديث أبي هريرة اختلف عنه، وحديث وائل لم يختلف عنه، والأخذ به أصلى.
وعن هذا قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من حديث الأعرج عن أبي هريرة. والله أعلم.
ص: حدثنا أحمد أبي عمران، قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شريك، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "كان رسول الله ﵇ إذا سجد بدأ بوضع ركبتيه قبل يديه".
حدثنا ابن أبي داود, قال ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله، ولم يذكر وائلا.
ش: هذان إسنادان:
الأول: مرفوع صحيح ورجاله ثقات، واسحاق بن أبي إسرائيل المروزي نزيل بغداد شيخ البخاري في غير "الصحيح"، قال ابن معين: هو ثقة من ثقات المسلمين.
واسم أبي إسرائيل إبراهيم.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي وحسين بن عيسى، قالا: ثنا يزيد بن هارون ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "وإذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه على ركبتيه".
стр. 2090
وأخرجه الترمذي (١): ثنا سلمة بن شبيب وعبد الله بن منير والحسن بن علي الحلواني وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغير واحد، قالوا: ثنا يزيد بن هارون ... إلى آخره، نحو رواية أبي داود.
وأخرجه النسائي (٢): عن الحسن بن عيس، عن يزيد بن هارون ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن الحسن بن علي الخلال، عن يزيد بن هارون ... إلى آخره، نحوه.
الإسناد الثاني: مرسل، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري، عن همام بن يحيى، عن سفيان الثوري.
وقال الترمذي (١) بعد أن رواه مسندا: هذا حديث غريب حسن، لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا غير شريك، وروى همام، عن عاصم مرسلا, ولم يذكر فيه وائل بن حجر.
وقال النسائي (٤): لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون.
وقال الدارقطني (٥): تفرد به يزيد، عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به.
وقال البيهقي: هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام مرسلا.
стр. 2091
ص: كذا قال ابن أبي داود- من حفظه: عن سفيان الثوري، وقد غلط، والصواب: شقيق وهو أبو ليث كذلك حدثنا يزيد بن سنان من كتابه، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا همام، عن شقيق أبي ليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه.
وشقيق أبو ليث هذا لا يعرف.
ش: أي كذا قال إبراهيم بن أبي داود البرلسي: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال: ثنا سفيان، عن عاصم ... إلى آخره، من حفظه دون كتاب، وقد غلط إبراهيم فيه، والصواب: ثنا همام، ثنا شقيق، عن عاصم؛ كذلك حدثنا يزيد بن سنان القزاز من كتابه، قال: حدثنا حبان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- ابن هلال، عن همام، عن شقيق ... إلى آخره.
وشقيق أبو ليث هذا لا يعرف، يعني مجهول، وذكره ابن أبي حاتم وقال: شقيق أبو ليث يروي عن عاصم بن كليب، روى عنه همام بن يحيى، وسكت عنه.
وأخرجه أبو داود (١) أيضا من طريقين:
الأول: عن محمد بن معمر، عن الحجاج بن منهال، عن همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: "أن النبي ﵇ ... " فذكر حديث الصلاة قال: "فلما سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقعا كفاه".
الثاني: قال همام: وحدثنا شقيق، قال: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﵇ بمثل هذا.
وهذا مرسل.
واعلم أن هذا من قوله: "كذا قال ابن أبي داود" إلى قوله: "لا يعرف" غير موجود في كثير من النسخ، وفي بعض النسخ مضروب عليه، والظاهر أن هذا تخبيط
стр. 2092
من النساخ، وأنه من النسخة غير أنهما لما طال هجراخها بين أهل العلم وقع فيها الخلط.
ص: فلما اختلف عن النبي ﵇ فيما يبدأ بوضعه في ذلك؛ نظرنا فيه، فكان سبيل تصحيح معاني الآثار: أن وائلا لم يختلف عنه، وإنما الاختلاف عن في هريرة، فكان ينبغي أن يكون ما روي عنه لما تكافأت الروايات فيه؛ ارتفع وثبت ما روى وائل ﵁.
ش: أشار بهذا الكلام إلى ترجيح حديث وائل بن حجر على حديث أبي هريرة، بيان ذلك: أن أبا هريرة اختلف عنه كما ذكر فيما مضى، فإن رواية الأعرج عنه تعارضها وتخالفها رواية عبد الله بن سعيد عن جده عنه كما مر بيانه، وحديث وائل لم يختلف عنه، فيكون أرجح من حديث أبي هريرة؛ لأن الاتفاق من أسباب الترجيح.
ولهذا قال الخطابي: حديث وائل أثبت من حديث أبي هريرة، على أنَّا قلنا: إن بعضهم ادعى انتساخ حديث أبي هريرة، كما مر بيانه مستوفى.
قوله: "تكافأت" أي تساوت، من تكافأ تتكافأ، أي: تتساوى، ومنه الحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" أي تتساوى في القصاص والديات، وأصله من الكفؤ، وهو النظير والمساوي.
ص: فهذا حكم تصحيح معاني الآثار في ذلك، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنَّا قد رأينا الأعضاء التي قد أمر بالسجود عليها هبم سبعة أعضاء، بذلك جاءت الآثار عن رسول الله ﵇. فما روي عنه في ذلك:
ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمَّد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال النبي ﵇: "أمر العبد أن يسجد على سبعة آراب: وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه، أيها لم تقع فقد انتقض".
стр. 2093
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل، عن عامر، عن أبيه قال: قال النبي ﵇: "إذا سجد العبد سجد على سبعة آراب ... " ثم ذكر مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد (ح).
وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني الليث، قال: ثنا ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن عباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن يزيد بن الهاد ... فذكر بإسناد مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس: "أُمر النبي ﵇ أن يَسْجد على سبعة أعظم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس مثله.
قال أبو جعفر ﵀: فكانت هذه الأعضاء هي التي عليها السجود، فنظرنا في ذلك كيف حكم ما اتفق عليه منها لنعلم به كيف حكم ما اختلفوا فيه منها؟ فرأينا الرجل إذا سجد يبدأ بوضع أحد هذين إما ركبتاه وإما يداه، ثم رأسه بعدهما، ورأيناه إذا رفع بدأ برأسه فكان الرأس مقدمًا في الرفع مؤخرًا في الوضع، يُثَنِّي بعد رفع رأسه برفع يديه، ثم ركبتيه، هذا اتفاق منهم جميعًا، فكان النظر على ما وصفنا في حكم الرأس إذا كان مؤخرًا في الوضع لما كان مقدمًا في الرفع، أن تكون اليدان كذلك لما كانتا مقدمتين على الركبتين في الوفع، أن تكونا مؤخرتين عنهما في
стр. 2094
الوضع، فثبت بذلك ما روي عن وائل؛ فهذا هو النظر، وبه نأخذ، وهو قول أتيت حنيفة وأتيت يوسف، ومحمد ﵏.
ش: أي هذا الذي ذكرنا من ترجيح حديث وائل بالوجه المذكور هو حكم تصحيح الآثار المتعارضة والمتضادة، وأما وجه حكمها من طريق النظر والقياس، أن الأعضاء التي أمر المصلي أن يسجد عليها سبعة، وهي: الوجه والكفان والركبتان والقدمان، ورأيناهم قد اتفقوا أن المصلي إذا سجد يبدأ إما بركبتيه، وإما بيديه، ثم برأسه بعدهما، وإذا رفع بدأ أولا برأسه، ثم بيديه، ثم بركبتيه، فكان الرأس مقدفا في الرفع مؤخرًا في الوضع؛ فالنظر والقياس على ذلك أن تكون اليدان كذلك كما كانتا مقدمتين على الركبتين في الرفع ينبغي أن تكونا مؤخرتين عن الركبتين في الوضع.
قوله: "أحد هذين" إشارة إلى الركبتين وإلى اليدين، باعتبار المذكور، فلذلك ذكر اسم الإشارة.
قوله: "ثم يثني" من التثنية.
قوله: "إذ كان مؤخرًا" أي حين كان.
قوله: "مقدمتين" بفتح الدال المشددة، وكذلك قوله: مؤخرتين بفتح الخاء. فافهم.
قوله: "فمما روي عنه في ذلك" أي من الذي روي عن النبي ﵇ في السجود على الأعضاء.
وأخرج ذلك عن ثلاثة من الصحابة، وهم: سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة، وعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عباس ﵃.
أما حديث سعد فأخرجه من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو إبراهيم ابن عمر بن مطرف الهاشمي المكي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن المدني،
стр. 2095
عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المدني، عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص المدني، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة.
وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (١): حدثني ابن أبي شيبة، نا محمَّد بن عمر، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمَّد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "إذا سجد العبد سجد على سبعة آراب: وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه، فما لم يضع فقد انتقص".
الآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عن عبد الله بن جعفر ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة نحوه (٢).
وأما حديث عباس بن عبد المطلب فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد المدني، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن عباس بن عبد المطلب ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا قتيبة بن سعيد، نا بكر يعني ابن مضر، عن ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه".
стр. 2096
وأخرجه الترمذي (١): عن قتيبة أيضًا ... إلى آخره نحوه.
وقال: حديث العباس حديث حسن صحيح وعليه العمل عند أكثر أهل العلم.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢)، والحاكم في "مستدركه" (٣)، وسكت عنه.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن يوسف التنيسي، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن عباس بن عبد المطلب ... نحوه.
وأخرجه النسائي (٤): عن قتيبة، عن بكر، عن ابن الهاد نحو رواية أبي داود المذكورة آنفا.
وأخرجه ابن ماجه (٥): عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن الهاد ... إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن يزيد بن الهاد ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٦): ثنا محمد بن عقبة السدوسي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن يزيد بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي ﵇ قال: "أمر المرء أن يسجد على سبعة آراب: يديه ورجليه وركبتيه، ووجهه".
стр. 2097
وأخرجه أحمد في"مسنده" (١): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمَّد، عن عامر بن سعد، عن العباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد الرجل سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه".
واعلم أن حديث العباس هذا عزاه جماعة إلى مسلم، منهم صاحب الأطراف، والحميدي في "الجمع بين الصحيحين" والبيهقي في "سننه"، وابن الجوزي في "جامع المسانيد" وفي "التحقيق"، ولم يذكره عبد الحق في الجمع بين الصحيحين، ولم يذكر القاضي عياض لفظ الآراب في "مشارق الأنوار" الذي وضعه على ألفاظ البخاري ومسلم والموطأ.
قال القاضي: وهذه اللفظة لم تقع عند شيوخنا في مسلم ولا في النسخ التي رأينا، والتي في كتاب مسلم: "سبعة أعظم". انتهى.
والذي يظهر -والله أعلم- أن أحدهم سبق بالوهم وتبعه الباقون، وهو محل اشتباه فإن العباس يشتبه بابن عباس، وسبعة آراب قريب من سبعة أعظم. والله أعلم.
وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بن كيسان، عن عبد الله بن عباس: "أمر النبي ﵇ أن يسجد على سبعة أعظم".
وأخرجه البخاري (٢): ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: "أمر النبي ﵇ أن يسجد على سبعة أعضاء- ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا، الجبهة واليدين والركبتين والرجلين".
стр. 2098
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى وأبو الربيع الزهراني-قال يحيى: أنا، وقال أبو الربيع: ثنا- حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "أمر النبي ﵇ أن يسجد على سبعة، ونهي أن يكف شعره أو ثيابه" هذا حديث يحيى، وقال أبو الربيع: "على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه: الكفين والركبتين والقدمين والجبهة".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال: نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﵇ أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعره ولا ثيابه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة أيضا، عن حماد ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٤) من طريق أخر أيضًا، وقال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم، ولا نكف ثوبا ولا شعرًا".
ومن طريق آخر أيضًا (٥): ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال النبي ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر".
стр. 2099
وكذا أخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا محمَّد هو ابن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف ثوبًا ولا شعرًا".
حدثنا (١) بهز، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن طاوس، عن طاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله ﵇ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين والرجلين وأطراف القدمين، ولا أكفت الثياب ولا الشعر".
حدثنا (٢) أبو الطاهر، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن رسول الله ﵇ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة، ولا أكفت الشعر ولا الثياب، الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين".
وأخرجه أبو داود (٣): نا محمَّد بن كثير، أنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "أمرت -وربما قال: أمر- نبيكم أن يسجد على سبعة آراب".
وأخرجه ابن ماجه (٤): ثنا بشر بن معاذ الضرير، ثنا أبو عوانة وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم".
الطريق الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن المنهال التميمي الضرير الحافظ شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع العيشي
стр. 2100
البصري، عن روح بن القاسم التميمي العنبري، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﵇ أن يسجد على سبع، ونهي أن يكف شعره وثيابه".
قوله: "آراب" بالمد جمع "إِرْب" بكسر الهمزة وسكون الراء، وهو العضو، والمعنى: أمر العبد أن يسجد على سبعة أعضاء.
قوله: "وجهه" بالجر عطف بيان لقوله: "آراب" وما بعده عطف عليه.
قوله: "أيها لم يقع" أي أيّ الأعضاء من هذه الأعضاء السبعة لم يقع على الأرض فقد انتقض سجوده، والضمير في انتقض يرجع إلى السجود الذي دل عليه قوله: "أن يسجد"، وقد اختلف العلماء فيما يجري السجود عليه من الآراب السبعة بعد إجماعهم على أن السجود على الأرض فريضة.
فقال النووي: أعضاء السجود سبعة وينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا، وأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفي بعضها، والأنف مستحب فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين.
وقال أبو حنيفة، وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء.
وقال أحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا؛ لظاهر الحديث.
وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد؛ لأنه قال: "سبعة آراب"، وفي رواية أخرى: "سبعة أعظم" فإن جعلا عضوين صارت ثمانية.
فإن قيل: ذكر الأنف في رواية مسلم حيث قال:" أمرت أن أسجد على سبعةٍ: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين".
стр. 2101
قلت: الجواب ما ذكرناه، وإنما ذكر الأنف استحبابا، وهو تابع للجبهة، ألا ترى كيف ذكر أصحاب التشريح فقالوا: إن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فوق الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الحد واحدًا، وهو المعنى المشار إليه في حديث عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- والرجلين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر" فقد سوى بينهما, ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعًا, ولا تكون سبعة إلا إذا كانت الجبهة والأنف عضوًا واحدًا.
وقال ابن بطال: وقالت طائفة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه، روي ذلك عن ابن عمر وعطاء وطاوس، والحسن وابن سيرين والقاسم، وسالم والشعبي والزهريّ، قال: وهذا هو قول مالك، ومحمد وأبي يوسف، والشافعي -في أحد قوليه- وأبي ثور، والمستحب عندهم أن يسجد على أنفه مع جبهته، وروي عن أبي حنيفة أنه إن اقتصر على أحدهما: -الأنف أو الجبهة- جاز، هذا هو الصحيح من مذهبه، وروى أسد بن عمرو عنه: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر، وهو قول تلميذيه، وفي بعض شروح الهداية عنه: إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما.
وفي "الأسرار" للدبوسي جاز ذلك، وقد أشار أبو حفص في "المنظومة" أنه يجوز بلا عذر، وحكى ابن شاس في "الجواهر" أنه قول مالك.
وقال ابن جرير في "تهذيب الآثار": حكم الجبهة والأنف سواء، فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتيه دون الأصابع أو الأصابع دونهما، لا فرق بين ذلك، قال: وبنحو هذا الذي قلناه قال جماعة من السلف.
قال ابن بطال: وبه قال طاوس وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم.
وفي "المبسوط": ونقل عن ابن عمر مثل قول إمامنا النعمان.
стр. 2102
وأما اليدان والركبتان والقدمان فهل يجب السجود عليهما؟ فقال الشيخ محيى الدين: فيه قولان للشافعي:
أحدهما: لا يجب لكن يستحب استحبابًا متأكدًا.
والثاني: يجب وهو الأصح، وهو الذي رجحه الشافعي، فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته، وإذا أوجبا لم يجب كشف القدمين والركبتين، وفي الكفين قولان للشافعي: أحدهما يجب كشفهما كالجبهة، وأصحهما لا يجب.
وفي "شرح الهدايه": السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب.
وفي "الواقعات": لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه، وقال أبو الطيب: مذهب الشافعي أنه لا يجب وضع هذه الأعضاء، وهو قول عامة الفقهاء، وعند زفر وأحمد بن حنبل: يجب، وعن أحمد: في الأنف روايتان.
وفي "المغني" لابن قدامة: والسجود على جميع هذه الأعضاء واجب إلا الأنف فإن فيه خلافا كما سنذكره، وبهذا قال طاوس والشافعي -في أحد قوليه- وإسحاق، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي- في القول الآخر: لا يجب السجود على غير الجبهة، وفي الأنف روايتان:
إحداهما: يجب السجود عليه، وهذا قول سعيد بن جبير، وإسحاق، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة.
والرواية الثانية: لا يجب السجود عليه، وهو قول طاوس وعطاء، وعكرمة والحسن، وابن سيرين والشافعي، وأبي ثور وصاحبي أبي حنيفة.
فإن قيل: كيف اقتصر أبو حنيفة في فرض السجود على الجبهة أو الأنف وحدها؟ والأحاديث المذكورة تدل على أن الفرض على الأعضاء السبعة كما ذهب إليه الشافعي وزفر وغيرهما ممن ذكرنا فيما مضى؟
قلت: الأمر في النص تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على التقييد ببعض أعضاء الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فنحمله على بيان السنة؛ عملا بالدليلين.
стр. 2103
ثم اختلف أصحابنا الثلاثة في ذلك البعض، فقال أبو حنيفة ﵀: هو الجبهة أو الأنف من غير تعيين، لو وضع أحدهما في حالة الاختيار تجزئه، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة، ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة.
وعند أبي يوسف ومحمد: هو الجبهة على التعيين لو ترك السجود عليهما حالة الاختيار لا تجزئه، وأجمعوا على أنه لو وضع الأنف وحده في حال العذر تجزئه، ولا خلاف في أن المستحب هو الجمع بينهما حالة الاختيار.
ص: وقد روي ذلك أيضا عن عمر، وعبد الله وغيرهما، كما حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود، قالا: "حفظنا من عمر ﵁ في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه، كما غير البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه".
حدثنا أبوبكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، أن الحجاج بن أرطاة أخبرهم، قال: قال إبراهيم النخعي: حُفِظَ عن عبد الله بن مسعود ﵁: "أن ركبتيه كانتا تقعان إلى الأرض قبل يديه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن مغيرة قال: "سألت إبراهيم عن الرجل يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد، فقال: "أو يضع ذلك إلا أحمق أو مجنون".
ش: أي قد روي وضع الركبتين قبل اليدين أيضًا عن عمر بن الخطاب وعبد الله ابن مسعود، وكذا روي عن إبراهيم النخعي.
أما أثر عمر ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس والأسود بن يزيد ... إلى آخره.
стр. 2104
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أن عمر ﵁ كان يضع ركبتيه قبل يديه".
وثنا يعلى (٢)، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود: "أن عمر ﵁ كان يقع على ركبتيه".
وأخرجه عبد الرزاق أيضا في "مصنفه" (٣): عن الثوري ومعمر، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أن عمر ﵁ كان إذا ركع يقع كما يقع البعير، ركبتاه قبل يديه، وكان يكبر وهو يهوي".
وأما أثر ابن مسعود فأخرجه من طريق فيه ضعف وانقطاع، أما الضعف فإن الحجاج بن أرطاة فيه مقال، وأما الانقطاع فإن إبراهيم لم يرو عن ابن مسعود شيئًا (٤).
وأبو بكرة هو بكار القاضي.
وأبو عمر حفص بن عمر الضرير شيخ أبي داود وابن ماجه.
وأما أثر إبراهيم فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب ابن جرير بن حازم، عن شعبة، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥): عن الثوري، عن معمر، عن إبراهيم: "في الرجل تقع يداه قبل ركبتيه قال إبراهيم: أو يفعل ذلك إلا المجنون". والله أعلم.
стр. 2105
ص: باب: وضع اليدين في السجود أين ينبغي أن تكون ؟
ش: أي هذا باب في بيان أن اليدين أين يستحب أن تكونا في وضعهما حالة السجود، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد فذكروا صلاة رسول الله ﵇، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة النبي ﵇؛ إن النبي ﵇ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه".
ش: ذكر هذا الإسناد بعينه في باب "التكبير للركوع والتكبير للسجود"، غير أنه اقتصر هناك على رفع اليدين في حالتي الركوع والسجود، والكل حديث واحد، وإنما قطعه لأجل التبويب.
وأبو عامر العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو، ونسبته إلى عَقَد -بفتح العين المهملة والقاف- صنف من الأزد.
والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقد ذكرناه هناك.
قوله: "ونحى" من التنحية وهي الإبعاد، واستدل بقوله: "أمكن أنفه وجبهته" مَنْ يقول: لا بد من السجود على الجبهة والأنف جميعًا، ولا يقتصر على إحداهما، واستدل من يرى الاقتصار على الجبهة بما روى ابن أبي شيبة (١): من طريق جابر بن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله ﷺ يسجد في أعلى جبهته على قصاص الشعر". وقالوا: ذلك محمول على السنة والفضيلة جمعًا بين الدليلين.