← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قوله: "أتنازع" معناه تريد هي أن تغترف أولا، ويريد رسول الله ﵇ أن يغترف أولا، فيتسابقان في تحصيله. ص: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا الخَصيب، قال: ثنا همام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أنَّهَا والنبي ﵇ كانا يغتسلان من إناء واحد يغترف قبلها وتغترف قبله". ش: إسناده صحيح، والخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح، وهمام بن يحيى البصري. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"، وقال: ثنا أبو خيثمة، نا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "أغتسلت أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد كل واحد منا يغترف منه". قوله: "يغترف قبلها وتغترف قبله" معناه أنهما يتسابقان، يسبق أحدهما تارة والآخر أخرى. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك بن فضالة، عن أمه، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد، فأقول: ابْق لي، ابْق لي". ش: أبو عاصم النَّبيل اسمه الضحاك بن مخلد، روى له الجماعة. ومبارك بن فضالة بن أبي أمية البصري، ضعفه النسائي، ووثقه ابن حبان، واستشهد به البخاري. وأم مبارك لا ندري حالها ولا اسمها، ومعاذة [بنت] (١) عبد الله العدوية من العابدات. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): وقال: ثنا هاشم بن القاسم، ثنا المبارك، حدثتني أمي، عن معاذة العدوية، عن عائشة ... إلى آخره نحوه.

стр. 212

ص: حدثنا محمَّد بن العباس بن الربيع اللؤلؤى، قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا المبارك، فذكر بإسناده مثله. ش: أخرج مسلم (١) هذا الحديث: عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد بيني وبينه، فيبادرني حتى أقول له: دَعْ لي، دَعْ لي" قالت: وهما جنبان. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن معاذة، عن عائشة مثله. ش: إسناده صحيح، ويزيد الرِّشْك هو يزيد بن أبي يزيد الضبعي أبو الأزهر البصري، روى له الجماعة، والرِّشْك -بكسر الراء وسكون الشين المعجمة- معناه القَسَّام بلغة أهل البصرة، وكان يُقَسِّم الدور فَسُمِّي به، ويقال: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية، وكان كبير اللحية حتى قيل: إنَّ عقربا دخلت في لحيته فمكثت بها ثلاثة أيام فلم يعلم بها. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): وقال: ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة قالت: "سألت عائشة ﵂ عن الغسل من الجنابة، فقالت: إنَّ الماء لا ينجسه شيء؛ قد كنت [أغتسل] (٣) أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد، يبدأ فيغسل يديه". ص: حدثنا أبو بكرة [قال] (٤): ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن بعض أزواج النبي ﵇ اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﵇ فتوضأ، فقالت له، فقال: إنَّ الماء لا ينجسه شيء".

стр. 213

ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي، وأبو أحمد اسمه محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري. وسفيان هو الثوري. وسماك هو ابن حرب بكسر السين المهملة. وأخرجه الأربعة، فأبو داود (١): عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "اغتسل بعض أزواج النبي ﵇ في جفنة، فجاء النبي ﵇ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جُنبا، فقال رسول الله ﵇: إنَّ الماء لا يجنب". والترمذي (٢): عن قتيبة، عن أبي الأحوص ... إلي آخره نحوه. والنسائي (٣): عن سويد بن نصر، عن عبد الله المبارك، عن سفيان، عن سماك ... إلى آخره، ولفظه: "إنَّ الماء لا ينجسه شيء". وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. و"الجَفْنة": القصعة الكبيرة، ومعنى "الماء لا يَجنب": لا ينجس، من أجنب إجنابا. ثم اعلم أن أحاديث هذا الباب رويت عن عشرة من الصحابة، وهم عليّ، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو هريرة، وعائشة، وأم صُبيّة، وأم سلمة، وأم هانئ، وميمونة بنت قيس. أما حديث علي ﵁ فأخرجه أحمد (٥): من حديث الحارث، عن عليّ ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ وأهله يغتسلون من إناء واحد".

стр. 214

وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني (١) في "الكبير": من حديث عكرمة عنه: "أن رسول الله ﵇ وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة، وتوضآ جميعا للصلاة". وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا محمَّد بن الحسن الأسديّ، قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ وأزواجه يغتسلون من إناء واحد". وأما حديث أنس فأخرجه الطحاوي والبخاري، وقد ذكرناه (٣). وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البزار في "مسنده" (٤): من حديث عكرمة، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ كان هو وأهله -أو بعض أهله- يغتسلون من إناء واحد". وأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي، والبخاري (٣). وأما حديث أم صُبَيّة فأخرجه الطحاويّ وأبو داود وابن ماجه (٣). وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطحاوي أيضًا، وأحمد (٣). وأما حديث أم هانىء فأخرجه النسائي (٥): من حديث مجاهد، عن أم هانئ بنت أبي طالب "أن النبي ﵇ اغتسل هو وميمونة من إناء واحدٍ في قصعة فيها أثر العجين". وأخرجه ابن ماجه (٦) أيضًا.

стр. 215

وأما حديث ميمونة فأخرجه الترمذي (١): بإسناده إلى ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحدٍ من الجنابة"، وقال هذا حديث حسن صحيح. ص: فقد روينا في هذه الآثار تَطَهُّرِ كل واحد من الرجل والمرأة بسؤر صاحبه، فضاد ذلك ما روينا في أول هذا الباب؛ فوجَبَ النظر ها هنا لنستخرج به من المعنين المتضادين معنى صحيحا، فوجدنا الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذ بأيديهما الماء معا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضيء منه أن حكم كل ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك وكان وضوء كل واحد من الرجل ومن المرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه؛ كان وضوءه بعده من سؤره في النظر أيضًا كذلك، فثبت بهذا ما ذهب إليه الفريق الآخر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي وردت عن عائشة، وأم سلمة، وأم صُبَيَّة، وأنس، وابن عباس ﵃. وأراد بما روينا في أول هذا الباب: حديث عبد الله بن سرجس، والحكم الغفاري. وجه التضاد بينهما ظاهر؛ لأن أحاديث أول الباب تمنع اغتسال الرجل بفضل المرأة واغتسال المرأة بفضل الرجل، وأحاديث عائشة ومن معها تطلق ذلك وتُجَوِّزه، ففي مثل هذا يطلب المخلص، ووجوهه كثيرة على ما عرف في موضعه، منها: يكون بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر والآخر موجبا للإباحة كما فيما نحن فيه، وكان الذي ينبغي على هذا أن تكون أحاديث أول الباب متأخرة عن الأحاديث الأخرى، ولكن هنا أبقى ما كان على ما كان؛ لكون الإباحة أصلًا فصارت الأحاديث [...] (٢) كالمنسوخة [...] (٣).

стр. 216

وقد قال البيهقي في الخلافيات: وحديث أبي حاجب عن الحكم إنْ كان صحيحا فمنسوخ، بإجماع الحجة على خلافه. قوله: "وَكَان وضوء" الواو فيه للحال. قوله: "فثبت بهذا" أبي بما ذكرنا من وجه النظر. قوله: "وهو قول أبي حنيفة" أي الذي ذكرنا من ثبوت ما ذهب إليه الفريق الآخر، وهو قول الشافعي، ومالك أيضًا.

стр. 217

ص: باب: التسمية علي الوضوء ش: أي هذا باب في بيان التسمية عند الوضوء، ولما فرغ عن بيان المياه التي هي آكد لتحصيل الطهارة، شرع في بيان أحكام الوضوء، وقدم بيان التسمية لاحتياج كل أمر ذي بال إليها في الابتداء به. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن حرملة، أنه سمع أبا ثِفال المُريّ يقول: سمعت رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنَّهَا سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله يقول: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". ش: شيخ الطحاوي وثقه ابن يونس، وعفان بن مسلم روى له الجماعة، ووهيب بن خالد روى له الجماعة، وعبد الرحمن بن حرملة المري روى له مسلم، وأبو ثفال -بكسر الثاء المثلثة بعدها الفاء وضبطه الدارقطني بضم الثاء- واسمه ثمامة بن وائل المري الشاعر، قال البخاري: في حديثه نظر، روى له الترمذي وابن ماجه، والمُرِّي -بضم الميم وتشديد الراء- نسبه إلى مرة بن غطفان. ورباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب بن عبد العزيز القرشي العامري المدني قاضيها، روى له الترمذي وابن ماجه هذا الحديث. وجدة رباح اسمها: أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال: لا أدري ما اسمها. وأبو جدة رباح هو: سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرة. وأخرجه الترمذي (١) عن نصر بن علي وبشر، كلاهما عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن حرملة ... إلى آخره نحوه من غير ذكر: "لا صلاة لمن لا وضوء له".

стр. 218

وابن ماجه (١): عن الحسن بن علي الخلال، عن يزيد بن هارون، عن يزيد بن عياض، عن أبي ثفال ... إلى آخره، ولفظه: "لا صلاة لمن لا وضوء له ... " إلى آخره. وأخرجه الدارقطني (٢): وزاد: "ولا يؤمن بالله من لم يؤمن بي ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار". وكذا رواه البيهقي (٣). وقال ابن قطان في كتاب "الوهم والإيهام": فيه ثلاثة مجاهيل الأحوال؛ جدة رباح لا يعرف لها اسم ولا حال، ورباح أيضًا مجهول الحال، وأبو ثفال كذلك مع أنه أشهرهم. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (٤) هذا الحديث عندنا ليس بذلك الصحيح، وأبو ثفال مجهول، ورباح مجهول. وقال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد. وعن الترمذي: أبو ثفال ليس بالمعروف جدّا. قلت: قوله: أبو ثفال ليس بالمعروف جدّا. غير مُسَلَّم؛ لأن البزار ذكر أنه مشهور. وعن البخاري: ليس في هذا الباب حديث أحسن عندي من حديث رباح بن عبد الرحمن. قوله: "لا صلاة" كلمة "لا" لنفي الجنس، وخبرها محذوف، أي لا صلاة حاصلة لمن لا وضوء له، أيّ صلاة كانت، وهذا بإجماع المسلمين من السلف والخلف، أن الصلاة لا تصح إلَّا بالوضوء.

стр. 219

فإن قلت: قوله: "صلاة". مفرد مقابل المثنى والمجموع، وهو يدل على الوحدة، والاستغراق يدل على الكثرة، فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين. قلت: لا تنافي بين الاستغراق وإفراد الاسم؛ لأن "لا" التي لنفي الجنس إنما تدخل على الاسم المفرد حال كونه مجردا عن إرادة معنى الوحدة والكثرة؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى منوطة بالإرادة الجارية على قانون الوضع، وإنما يلزم التنافي لو لم تجرد عن معنى الوحدة وأدخل عليه "لا" وكذلك الجواب في "لام" الاستغراق، ولأن معنى قولنا: "لا صلاة" كل فرد من أفراد الصلاة، لا مجموع الصلاة من حيث هو مجموع، والذي ينافي الإفراد والوحدة هو الثاني، كما في قولك: لا رجل في الدار. كل فرد من أفراد الرجال لا مجموع الرجال. وقوله: "لا وضوء له" يتناول الوضوء الضمني أيضًا، أعني الوضوء الذي يوجد في الاغتسال، بأن اغتسل ولم يتوضأ، ويتناول خلفه الذي هو التيمم؛ لأنه طهارة في حق عادم الماء. قوله: "ولا وضوء" عطف على قوله: "لا صلاة". فإن قيل: إذا كان "ولا وضوء" عطف على "لا صلاة" كان ينبغي ألَّا يجوز الوضوء بدون ذكر الله كما لا تجوز الصلاة بدون الوضوء. قلت: نعم، ظاهر الكلام يقتضي ذلك، كما ذهب إليه جماعة، ولكن خرج هذا عن ذلك الحكم بدليل آخر سنذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. واستنبط منه أحكام: الأول: احتجت به جماعة على فرضية التسمية في الوضوء على ما يجيء مفصلا. والثاني: قوله: "اسم الله" يتناوله كل اسم -يعني من أسماء الذات والصفات- فظاهره يدل على أنه إذا ذكر الله على الوضوء مطلقا يكون أتي بالوجوب عند من يرى الوجوب، وبالسُّنة عند من يرى التسمية سُنة.

стр. 220

وقال ابن قدامة في "المغني" (١): وصفتها أن يقول: بسم الله، لا يقوم غيرها من الذكر مقامها، لأن التسمية عند الإطلاق تنصرف إلى قول: "بسم الله" بدليل التسمية المشروعة على الذبيحة والطعام وشرب الشراب. قلت: لفظ الحديث بعمومه ينافي هذا؛ لأنه لم يقل: لمن لم يذكر لفظة الله؛ وإنما قال: لمن لم يذكر اسم الله، وأسماء الله كثيرة بخلاف الذبيحة؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح، فيجب أن يأتي بلفظة اسم الله؛ ليكون إظهارا لمخالفيهم في ذلك. والثالث: لفظ الحديث يدل على أن يكون ذكر اسم الله واقعا على الوضوء لقوله: "عليه" أي على الوضوء، ومعنى وقوعه عليه: أن يكون الوضوء مشمولا به، ولا يكون مشمولا به إلَّا بتقديم التسمية عليه، ولهذا قال بعضهم يسمي قبل الاستنجاء، لما أن الاستنجاء سُنَّه من سنن الوضوء، فيسمي قبله لتقع جميع أفعال الوضوء، فرضها وسننها بالتسمية. وقال بعضهم: يسمي بعده؛ لأن قبله حال انكشاف العورة، وذكر الله تعالى حال كشف العورة غير مستحب؛ تعظيما لاسم الله تعالى كذا في مبسوط شيخ الإِسلام. وذكر في "فتاوى قاضي خان": والأصح أنه يسمي مرتين، فلو سمى في أثناء الوضوء ينبغي أن يجزئ؛ لأنه ذكر اسم الله عليه، ولو سمى بعد فراغه منه لا يجزئ ولا يكون مقيما للتسمية. ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود البغداديُّ، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عُفير، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن أبي ثفال المري، قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان يقول: حدثتني جدتي، أنها سمعت رسول الله ﵇ يقول ذلك. ش: هذا طريق آخر، وفيه أن جَدَّة رباح هي التي سمعت رسول الله ﵇.

стр. 221

وقال الدارقطني في "علله": اختلف فيه عن عبد الرحمن بن حرملة، فروى عنه وهيب، وبشر بن المفضل، وابن أبي فديك، وسليمان بن بلال، عن أبي ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، عن النبي ﵇ وخالفهم حفص بن ميسرة، وأبو معشر نجيح، وإسحاق بن حازم، فرووه عن ابن حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن، عن جدته، أنها سمعت النبي ﵇، ولم يذكروا أباها في الإسناد. قلت: في رواية الطحاوي سليمان بن بلال من جملة من خالف وهيبا وبشر بن المفضل وابن أبي فديك، وهذه الرواية تدل على أن جدة رباح صحابية، وقد ذكرنا أن ابن حبان ذكرها في التابعيات. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا الدراوردي، عن ابن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن العامري، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: محمَّد بن سعيد بن سليمان الملقب: حمدان، وثقه ابن حبان، وروى له الترمذي. والدراوردي هو عبد العزيز بن محمَّد، روى له الجماعة؛ البخاري مقرونا بغيره، نسبة إلى دراورد، قرية بخراسان. وابن حرملة عبد الرحمن. وأبو ثفال ثمامة. وابن ثوبان هو محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي المدني، روى له المجماعة. وأخرج أبو داود (١): عن قتيبة بن سعيد، عن محمَّد بن موسى، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر [اسم] (٢) الله عليه".

стр. 222

ورواه أحمد (١) بهذا الإسناد. ورواه ابن ماجه (٢): عن أبي كريب وعبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن ابن أبي فديك، عن محمَّد بن موسى ... إلي آخره نحوه. فهذا أبو جعفر الطحاوي قد أخرج حديث التسمية عن صحابيين: سعيد بن زيد، وأبي هريرة. وفي الباب عن عائشة، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وأنس، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي سبرة. أما حديث عائشة ﵂ فرواه البزار في "مسنده" (٣) وقال: ثنا إبراهيم بن زياد الصائغ، نا أبو داود الحفري، نا سفيان، عن حارثة بن محمَّد، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان إذا بدأ الوضوء سمى". وأخرجه الدارقطني (٤)، ولفظه: "كان رسول الله ﵇ إذا مَسَّ طهورا سمى الله". وأما حديث أن سعيد، فرواه ابن ماجه (٥): من ثلاث طرق عن كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، أن النبي ﵇ قال:"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". وأما حديث سهل بن سعد فرواه ابن ماجه أيضًا (٦): وقال: نا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له،

стр. 223

ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي ﵇ ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار". وأما حديث أنس ﵁ فرواه النسائي (١): وقال: أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس قال: "طلب بعض أصحاب النبي ﵇ وَضُوءا، فقال رسول الله ﷺ : هل مع أحد منكم ماء؟ فوضع يده في الماء ويقول توضئوا بسم الله، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، حتى توضئوا من عند آخرهم" قال: [ثابت] (٢): قلت لانس: كم تراهم؟ قال: نحوًا من سبعين. وأما حديث ابن عمر- ﵄ فرواه الدارقطني (٣)، وقال: نا أحمد بن محمَّد بن زياد، ثنا محمد بن غالب، ثنا هشام بن بهرام، ثنا عبد الله بن حكيم، عن عاصم بن محمَّد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فذكر اسم الله على وضوءه كان طهورا لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوءه كان طهورا لأعضائه". وأخرجه البيهقي (٤): بهذا الإسناد ثم قال: هذا ضعيف، وأبو بكر الداهري غير ثقة عند أهل العلم بالحديث. قلت: أراد بأبي بكر الداهري عبد الله بن حُكيم -بضم الحاء وفتح الكاف، وذكره المزي بفتح الحاء-. قال يحيى بن معين: عبد الله بن حكيم أبو بكر الداهري ليس بشيء، وقال السعدي: كذاب مُصَرِّح. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات. وأما حديث ابن مسعود ﵁ فرواه الدارقطني (٥) أيضًا وقال: نا عثمان بن أحمد

стр. 224

الدقاق، نا إسحاق بن إبراهيم بن [سنين] (١)، قال: ثنا يحيى بن هاشم، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله؛ فإنه يطهر جسده كله، وإنْ لم يذكر اسم الله على طهوره لم يطهر منه إلَّا ما مَرَّ عليه الماء، فإذا فرغ من طهوره فليَشْهَدْ أن لا إله إلَّا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا قال ذلك؛ فتحت له أبواب السماء". ورواه البيهقي (٢) مثله: وزادَ بعدَ قوله: "وأن محمدا عبده ورسوله": "ثم ليصل عليَّ، فإذا قال ذلك فتحت له أبواب الرحمة"، ثم قال: وهذا ضعيف لا أعلمه رواه عن الأعمش غير يحيى بن هاشم وهو متروك الحديث. وأما حديث أبي سبرة فرواه الطبراني في "الكبير" (٣): بإسناده إليه مرفوعًا قال: "لا صلاة" لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لم يعرف حق الأنصار". ص: فذهب قوم إلى أن من لم يسم على وضوء الصلاة فلا يجزئه وضوءه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم: الحسن البصري، وإسحاق، وأحمد -في رواية- وبعض الظاهرية. وقال صاحب "البدائع": وقال مالك: إنَّ التسمية فرض إلَّا إذا كان ناسيا؛ فتقام التسمية بالقلب مقام التسمية باللسان دفعا للحرج، واحتج له بالحديث المذكور. وهذا غير صحيح؛ لأن مذهب مالك أن التسمية سُنة، وقد قال صاحب "الجواهر في مذهب مالك": وأما فضائله أي الوضوء فأربع: التسمية.

стр. 225

فهذا عدّها من الفضائل، وبين الفضيلة والفريضة فرق كثير. وروي عن الواقدي: ليس ذلك مما يؤمر به؛ من شاء قال ذلك ومن شاء لم يقله، وروي عن علي بن زياد إنكارها. وفي "المغني": ظاهر مذهب أحمد أن التسمية مسنونة في طهارات الحدث كلها، رواه جماعة من أصحابه عنه، وقال الخلال: الذي استقرت الروايات عنه: أنه لا بأس به -يعني إذا ترك التسمية- وهذا قول الثوري، ومالك، والشافعي، وأبي عُبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى: أن التسمية واجبة في جميع طهارات الحدث: الوضوء، والغسل، والتيمم، وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الحسن، وإسحاق. ثم إذا قلنا بوجوبها فتركها عمدا لم تصح طهارته، فإن تركها سهوا صحت -وهو قول إسحاق- وإنْ ذكرها في اثناء الطهارة أتى بها، وقال أبو الفرج: إذا سمى في أثناء الوضوء أجزأ يعني على كل حال؛ لأنه قد ذكر اسم الله على الوضوء، وقال بعض أصحابنا: لا تسقط بالسهو لظاهر الحديث، وقياسا لها على سائر الواجبات، والأول أولى. قال أبو داود: قلت لأحمد: إذا نسى التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو ألَّا يكون عليه شيء (١). ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من لم يسم على وضوئه فقد أساء، وقد طهّره وضوئه ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدا، ومالك، والشافعي، وأحمد -في أصح روايتيه- فإنهم قالوا: من لم يُسم على وضوئه جاز وضوئه، ولكنه يكون مُسيئا لتركه السُّنة. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان، عن

стр. 226

المهاجر بن قنفذ: "أنه سلم على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه قال: إنَّه لم يمنعني أن أرد عليك إلَّا أني كرهت أن أذكر الله إلَّا على طهارة". ففي هذا الحديث: أن رسول الله كره أن يذكر الله إلَّا على طهارة، وردّ السلام بعد الوضوء الذي صار به متطهرا، ففي ذلك دليل أنه قد توضأ قبل أن يذكر اسم الله تعالى. ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بما قد حدثنا ... إلي آخره. وسعيد هو ابن أبي عروبة أبو النضر البصري، روى له الجماعة. وحُضَين -بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء وفي آخره نون- روى له مسلم وهذا الإسناد صحيح. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن المثني، ثنا عبد الأعلي، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ "أنه أتى النبي ﵇ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد [عليه] حتى توضأ، ثم اعتذر إليه قال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلَّا على طهر أو [قال] (٢) على طهارة". وأخرجه النسائي (٣)، وابن ماجه (٤) أيضًا. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥)، عن محمَّد بن جعفر، عن سعيد ... إلي آخره نحو رواية الطحاوي.

стр. 227

وكذلك البيهقي في "سننه" (١)، ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٢)، والحكم في "مستدركه" (٣)، وقال: إنَّه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": هذا الحديث معلول، ومعارض؛ أما كونه معلولا فلأن سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط. وقد رواه النسائي (٤): من حديث شعبة عن قتادة به وليس فيه: "أنه لم يمنعني ... " إلى آخره، ورواه حماد بن سلمة عن حميد وغيره، عن الحسن، عن مهاجر منقطعا، فصار فيه ثلاث علل. وأما كونه مُعَارَضا فبما رواه البخاري (٥) ومسلم (٦): من حديث كريب عن ابن عباس قال: "بتّ عند خالتي ميمونة ... " الحديث. ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم الله تعالى وقراءة القرآن مع الحدث. قوله: "ففي هذا الحديث" أي حديث مهاجر، أراد أن هذا الحديث دلّ أنه ﵇ توضأ قبل أن يذكر اسم الله؛ فدل ذلك على عدم اشتراط التسمية. وفي "المبسوط": عَلَّم رسول الله ﷺ الأعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية. فتبيَّن بهذا أن المراد من قوله ﵇: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" نفي الكمال لا نفي الجواز، وفي الحديث المعروف: "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله أقطع" أي ناقص غير كامل، وقد قيل: إنَّ الأحاديث التي وردت في هذا الباب كلها ليست بصحيحة ولا أسانيدها مستقيمة، ولهذا قال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيّد.

стр. 228

قلت: قد ذكرنا عن جماعة أنهم صححوا حديث المهاجر، والأولى أن يقال الحديث محمول على نفي الفضيلة، حتى لا يلزم الزيادة على مطلق الكتاب بخبر الواحد، وذلك نحو قوله ﵇: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد". فإن قيل: قوله ﵇: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" نظير قوله ﵇: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب" في كونه خبر الواحد، فكيف اختلف حكمهما من السُّنة والوجوب؟ قلت: قد قال بعضهم: لا نسلم أنهما نظيران في كونهما خبر الواحد، بل خبر الفاتحة أشهر من خبر التسمية فقدر مرتبة الحكم على حسب مرتبة العلة، وفيه نظر؛ لأن لقائل أن يقول: إذا كان خبر الفاتحة مشهورا لكان تعيين الفاتحة فرضا؛ لجواز الزيادة على النص بالخبر المشهور، والأحسن أن يقال: قارن خبر الفاتحة مواظبة النبي ﵇ عليها من غير ترك، فهذا دليل الوجوب، بخلاف التسمية حيث لم تثبت فيها مواظبة. فإن قلت: حديث عائشة ﵂ الذي أخرجه البزّار الذي ذكرناه عن قريب يدل على أنه ﵇ كان يسمّي في الوضوء دائما. قلت: نعم، لكن لا نسلّم أنَّهَا كانت باعتبار أنَّهَا سُنّة الوضوء بل باعتبار أنَّهَا مستحبة في ابتداء جميع الأفعال. ص: وكان قوله ﵇: "لا وضوء لمن لم يُسمّ" يحتمل أيضًا ما قال أهل المقالة الأولي، ويحتمل لا وضوء له أي لا وضوء له متكاملا في الثواب كما قال: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، فلم يُرد بذلك أنه ليس بمسكين خارج من حدّ المسكنة كلها حتى تحرم عليه الصدقة، وإنما أراد بذلك أنه ليس بالمسكين المتكامل المسكنة الذي ليس بعد درجته في المسكنة درجة. ش: ملخص كلامه أن الحديث له احتمالان، فلا تقوم به الحجة.

стр. 229

فإن قلت: ما وجه ترجيح احتمال نفي الكمال مع أنه لا دليل يقُطعُ به لأحد الاحتمالين؟ قلت: طلب الموافقة لمعنى حديث المهاجر حتى لا يقع التضاد بينهما، على ما يذكره الطحاوي عن قريب. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عُمر الحوضى، قال: ثنا خالد بن عبد اللهَ، عن إبراهيم الهَجَريّ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﵇ قال: "ليس المسكينَ بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان. قالوا: فما المسكين؟ قال: الذي يستحي أن يسأل، ولا يجدُ ما يُغنيه، ولا يفُطنُ له فيعطَى". ش: لما نَظَّرَ بهذا في معنى نفي الكمال ذكره مسندا وإلَّا فليس له مدخل في هذا الباب. وأبو عُمر الحوضي اسمه حفص بن عمر، شيخ البخاري وأبي داود، والحوضي نسبة إلى حَوْض داود، مَحلَّه كانت ببغداد. وخالد بن عبد الله الطحان، روى له الجماعة، وإبراهيم بن مسلم الهجري قال الأزدي: صدوق، وفي "الميزان": ضعّفه ابن معين، والنسائي. وأبو الأحوص اسمُه عوف بن مالك، روى له مسلم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) قال: ثنا أبو معاوية، ثنا إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس المسكين بالطواف ولا بالذي تردّه التمرة ولا التمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان، ولكن المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا، ولا يُفْطَنُ له فَيُتصَدَّق عليه" وأخرجه الجماعة غير ابن ماجه من حديث أبي هريرة كما يأتي إنْ شاء الله تعالي. قوله: "ليس المسكين" هو مِفْعِيل من صيغ المبالغة كمنطيق، واشتقاقه من السكون، ويستوي في هذه الصيغة المذكر والمؤنث، يقال: رجل مسكين، وامرأة مسكين،

стр. 230

ويقال: مسكينة أيضًا، وجمعه مساكين ومسكينون، وقال الجوهري: المسكين الفقير، وقد يكون مع الذلة والضعف، يقال: تسكن الرجل وتَمسكن، كما قالوا: تمدرع من المدرعة، وتمندل من المنديل على تمفعل وهو شاذ، والقياس: تسكن وتدرع وتندل مثل: تسمع وتَحَلَّم، وكان يونس يقول: المسكين أشد حالًا من الفقير، قال: وقلت لأعرابي: أنت أفقير أنت؟ فقال: لا والله، بل مسكين. وقال الخطابي: وقد اختلف الناس في المسكين والفقير، والفرق بينهما. فروي عن ابن عباس أنه قال: المساكين هم الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين، وعن مجاهد، وعكرمة، والزهري: أن المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل. وعن قتادة أن الفقير هو الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج، وقال الشافعي: الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا، زَمِنا كان أو غير زمن، والمسكين من له مال أو حرفة ولا يقع منه موقعا ولا يغنيه، سائلا كان أو غير سائل. وقال بعض أهل اللغة: المسكين الذي لا شيء له، والفقير من له البلغة من العيش، واحتج بقى الراعي: أما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتَه وَفْقَ العِيال فلم يُتركْ له سَبَدُ. قال: فجعل للفقير حلوبته. وقيل: المسكين أحسن حالًا من الفقير لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١) فأثبت لهم مع المسكنة ملكا وكسبا، وهما: السفينة، والعمل بها في البحر، وقيل: إنما سماهم مساكين مجازا، على سبيل الترحم والشفقة عليهم إِذْ كانوا مطلوبين. وقال صاحب الهداية: الفقير من له أدنى شيء، والمسكين من لا شيء له وهذا مروي عن أبي حنيفة، وقد قيل على العكس والأول أصح، ووجهه ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢) أي: لاصقا بالتراب من الجوع والعري، ووجه الثاني أن الفقير مشتق من انكسار فقار الظهر فيكون أسوأ حالًا من المسكين، فإن قلت: فائدة هذا الخلاف ماذا؟ قلت: في الوصايا والأوقاف وفي الزكاة لا يظهر الخلاف عندنا.

стр. 231

قوله: "بالطَوَّاف" خبر ليس، و "الذي ترده التمرة" جملة وقعت صفة للمسكين، يعني ليس المسكين بالدوران على الناس، والطواف: اسم من الطوف، يقال: طاف حول البيت يطوف طوفا، وطوَفانا، وتَطَوَّف، واستطاف كله بمعنى. قوله: "ما يغنيه" من الإغناء. قوله: "ولا يُعطى له" على صيغة المجهول، أي لا يُعلم له فقر حتى يُعطي له شيء، من فَطَن يفطِنُ، من باب ضَرَبَ يَضْربُ. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم، فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، وقبيصة روى له الجماعة، وسفيان هو: الثوري، وإبراهيم هو: ابن مسلم الهجري. ص: حدثنا يونس قال: ثنا ابنُ وهب، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ نحوه. ش: يونس هو: ابن عبد الأعلي، شيخ مسلم، وابن وهب هو: عبد الله بن وهب المصري، روى له الجماعة، وابن أبي ذئب هو: محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني روى له الجماعة، وأبو الوليد اسمه: عبد الله بن الحارث الأنصاري البصري، نسيب محمَّد بن سيرين، ختن ابن سيرين على أخته، قال: أبو زرعة ثقة. وقال: أبو حاتم يكتب حديثه. ص: حدثنا أبو أميّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم، قال: ثنا عليّ بن عياش الحِمْصي، عن ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله. ش: أبو أميّة وثقه ابن حبان، وروي عنه النسائي، وعلي بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- أبو الحسن الحمصي أحد مشايخ البخاري، وروى له الأربعة، وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي أبو عبد الله

стр. 232

الدمشقي الزاهد، روى له الأربعة، وعن يحيى ضعيف، وعنه صالح، وعنه لا شيء، وعن النسائي ليس بثقة، وعن دحيم ثقة يُرمى بالقدر. وأخرجه مسلم (١): عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة -يعني: الحزامي- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمةُ واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: وما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غناء يُغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا". ص: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ مثله. ش: هذا طريق آخر على شرط مسلم، عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله ابن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن الأعرج. وأخرجه أبو داود (٢): عن عثمان بن أبي شيبة، وزهير بن حرب كلاهما عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئا، ولا يفطنون به فيعُطونه". وأخرجه النسائي (٣): عن علي بن حجر، عن إسماعيل، عن شريك، عن عطاء ابن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان؛ إن المسكين المتعفف، واقرأوا إنْ شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٤) ".

стр. 233

ص: وكما قال: "ليس المؤمن الذي يبيتُ شبعان وجارُه جائع". حدثنا بذلك أبو بكرة قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن المُساور -أو ابن أبي المُساور- قال: سمعت ابن عباس ﵁ يُعاتبُ ابن الزبير في البخل ويقول: قال رسول الله ﷺ : "ليس المؤمن الذي يبيت شبعان، وجارُه إلى جَنبه جائع". ش: هذا عطف على قوله: كما قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان" أي وكما قال رسول الله ﷺ . قوله: "حدثنا بذلك" أي بقوله: "ليس المؤمن " ... إلى آخره. وأبو بكرة بكَّار القاضي، ومؤمل بن إسماعيل القرشي البصريّ وثقه يحيى وابن حبان، وسفيان هو: الثوري، وعبد الملك بن أبي بشيرالبصري، وثقه يحيى، وعبد الله بن المساور وثقه ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن المساور، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يؤمن مَن باتَ شبعان وجارُه طاوٍ إلى جَنْبه". وأخرجه البخاري في كتاب "الأدب" (٢) من حديث عبد الله بن مساور. قوله: "شبعان" نصب على أنه خبر لقوله: "يبيت" الواو في "وجاره" للحال، وكلمة "إلى" في "إلى جنبه" بمعنى عند، كما في قول الشاعر: أم لا سبيل إلي الشباب وذكره .... أشهى إلىَّ من الرحيق السَلْسل أي: أشهى عندي. ص: فلم يُرد بذلك أنه ليس بمؤمن إيمانا خرج بتركه إياه إلى الكفر، ولكنه أراد به أنه ليْس في أعلي مراتب الإيمان، في أشباه لهذا كثيرة يطول الكتابُ بذكرها،

стр. 234

فكذلك قوله:" لا وضوءَ لِمَنْ لم يُسمّ" لم يُرد بذلك أنه ليس بمتوضيء وضوءا لم يخرج به من الحدث، ولكنه أراد أنه ليس بمتوضئ وضوءا كاملا في أسباب الوضوء الذي يُوجبُ الثواب، فلما احتمل هذا الحديث من المعاني ما وصفنا، ولم تكن هناك دلالة يُقطع بها لأحد التأويلين على الآخر، وجبَ أن يُجعل معناه موافقا لمعاني حديث المهاجر حتى لا يتَضادان، فثبت بذلك أن الوضوء بلا تسمية يخرجُ به المتوضيء من الحدث إلى الطهارة. ش: أي لم يرد النبي ﵇ بذلك أي بقوله: "ليس المؤمن الذي يبيت شبعان، وجاره جائع"، أنه خرج بتركه ذلك عن الإيمان إلى الكفر؛ لأن حقيقة الإيمان موجودة فيه لعدم ما يضادِده، ولكنه ﵇ أراد بذلك أنه ليس المؤمن الكامل في مراتب الإيمان، والإيمان له مراتب، وشُعب كما قال ﵇: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" فبتركه شعبة منها لا يخرج عن حقيقة الإيمان، ولكن عن تلك الشعبة التي هي من فضائل الإيمان. قوله: "في أشباه لهذا كثيرة" يتعلق بمحذوف، أي كما أراد ﵇ هذا المعني في أشباه، أي أمثال ونظائر لهذا، أي للحديث المذكور. قوله: "كثيرة" بالجرّ صفة لأشباه. منها ما رواه البخاري (١): عن مسدّد، عن يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه". ومنها ما رواه (٢) أيضًا عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ -قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده، وولده" وهذا من إفراد البخاريّ.

стр. 235

ومنها ما رواه (١): عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: مَنْ يا رسول الله؟، قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه"، وأمثال هذا كثيرة، وكل ما ورد من ذلك فهو محمول على المعنى الذي ذكره. قوله: "حتى لا يتضادان" أي حديث التسمية وحديث المهاجر، ولأن حديث التسمية يقتضي عدم جواز الوضوء بدونها، وحديث المهاجر يقتضي [جوازه] (٢) بدونها، فإذا أُوّلَ معنى حديث التسمية، بالتأويل المذكور يتوافق مع حديث الهاجر، ويرتفع التضاد، والعمل بالحديثين أولى من العمل بأحدهما وإهمال الآخر. ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا أشياء لا يُدْخَلُ فيها إلَّا بكلام، منها العقدة التى يعْقدها الناس لبعض من البياعات والإجارات والمناكحات والخلع، وما أشبه ذلك فكانت تلك الأشياء لا تجب إلَّا بأقوال، وكانت الأقوال منها إيجاب؛ لأنه يَقولُ: قد بعتك، قد زوجتك، قد خلعتك، فتلك أقوال فيها ذكر العقود، وأشياء يُدْخَلُ فيها بأقوال وهي: الصلاة، والحج، فَيدخَلُ في الصلاة بالتكبير، وفي الحج بالتلبية، فكان التكبير في الصلاة والتليية في الحج ركنا من أركانهما، ثم رجعنا إلى التسمية في الوضوء، هل تشبه شيئًا من ذلك؟ فرأيناها غير مذكور فيها إيجابُ شيء كما كان في النكاح والبيوع؛ فخرجت التسمية لذلك من حكم ما وصفنا، ولم تكن التسمية أيضًا ركنا من أركان الوضوء كما كان التكبر ركنا من أركان الصلاة، وكما كانت التلبية ركنا من أركان الحج؛ فخرج بذلك أيضًا حكمها من حكم التكبير والتلبية، فبطل بذلك قولُ مَنْ قال: إنَّه لا بد منها في الوضوء كما لا بد من تلك الأشياء فيما يُعمل فيه. ش: ملخّصه أن ثمة أشياء لا يمكن تحصيلها إلَّا بالقول كما في البيع مثلا، فإنه لا يمكن تحصيله إلَّا بالقول، وهو الإيجاب، وكما في الصلاة لا يصح الشروع فيها إلَّا بالقول وهو التكبير، وكما في الحج لا يصح الشروع فيه إلَّا بالقى وهو التلبية،

стр. 236

فنظرنا في التسمية في الوضوء هل لها شبه لشيء من تلك الأشياء؟ فلم نجد فيها إيجاب شيء كما في البيع ونحوه، فخرجت من حكم ذلك، ولم تكن هي ركنا من أركان الوضوء كالتكبير في الصلاة، والتلبية في الحج، فخرجت بذلك أيضًا من حكم ذلك، فحينئذ بطل القول بأنه لا بد منها في الوضوء كما لا بد من الإيجاب في المعاملات، والقول المخصوص في العبادات، فافهم. قوله: "من البِياعات" بكسر الباء، وتخفيف الياء، جمع بياعه، مصدر كالبيع. ص: فإن قيل: فإنا قد رأينا الذبيحة لا بدّ من التسمية عندها، ومَنْ ترك ذلك متعمدًا لم تؤكل ذبيحته، فالتسمية أيضًا على الوضوء كذلك، قيل له: ما ثبتَ في حكم النظر أن مَنْ ترك التسميةَ متعمدًا على الذبيحة أنَّهَا لا تُؤكلُ؛ فقد تنازع الناسُ في ذلك، فقال بعضهم: تؤكل، وقال بعضهم: لا تؤكل، فأما من قال: تؤكل فقد كُفِينا البيانَ لقوله، وأما من قال لا تؤكل فإنه يقول: إن تركها ناسيا أكل، وسواءٌ عنده كان الذابح مسلما أو كافرا بعد أن يكون كتابيّا، فجعلت التسمية ها هنا في قول من أوجبها في الذبيحة إنما هي لبيان الملَّة، فإذا سَمى الذابح صارت ذبيحته من ذبائح الملّة المأكولة ذبيحتها، وإذا لم يُسم جُعلت من ذبائح الملل التي لا تؤكل ذبيحتها، والتسمية للوضوء ليست للملّة إنما هى مجعولة لذكر على سبب من أسباب الصلاة، فرأينا من أسباب الصلاة: الوضوء، وستر العورة، فكان مَنْ ستر عورته لا بتسمية لم يضره ذلك، فالنظر على ذلك أن يكون مَنْ تطهير أيضًا لا بتسمية لم يضره ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏. ش: هذا السؤال وارد على وجه النظر المذكور، تقريره أن يقال: إنا وجدنا شيئا يحتاج في الدخول له إلى التسمية ليصح ذلك الشيء كالذبيحة، قال: من أراد أن يذبح لا بد من التسمية عنده حتى تحل ذبيحته حتى إذا تركها عمدًا لم تؤكل ذبيحته؛ لفوات شرطه، فكان ينبغي أن تكون التسمية على الوضوء كذلك، والجامع أن كلَّا منهما فِعْل تدخل فيه.

стр. 237

وتقرير الجواب أن نقول: لا نسلم ثبوت عدم أكل الذبيحة بترك التسمية عمدًا فيما يقتضيه النظر والقياس، فهذا باب تنازع فيه العلماء، فقال بعضهم: تؤكل، وهو قول الشا فعي، ومالك -في قول- وأحمد -في رواية- وقال بعضهم: لا تؤكل، وهو قول الحنفية، فعلى القول الأول لا يرد السؤال، فلا يحتاج إلى الجواب، وهو معنى قوله: فأما من قال تؤكل فقد كفينا البيان، فنحتاج إلى الجواب على القول الثاني، وهو أن يقال: وجوب التسمية على الذبيحة لبيان الملَّة، أي الدين، حتى إذا سمى تصير ذبيحته من ذبائح أهل الدين، وإذا لم يسمّ لم تؤكل؛ لأنَّا إنما أُمرنا بها إظهارا لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا يسمّون آلهتهم عند الذبح، فكان الترك عمدًا مفسدا، والتسمية على الوضوء ليست لأجل ذلك المعنى، وإنما هي مجعولة لذكر على شرط من شروط الصلاة، وشروط الصلاة كثيرة وهي: الوضوء، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها، فلم يقل أحد: إنَّ ستر العورة يحتاج إلى التسمية، أو استقبال القبلة، وأن تركها يضر ذلك، فالنظر على ذلك إذا توضأ ولم يسمّ لا يضره ذلك. قوله: "من أسباب الصلاة" أراد بها الشروط، وأطلق عليها أسبابا باعتبار اللغة، فإن السبب هو الذي يتوصل به إلى المقصود، ومنه سمى الحبل سببا؛ فكذلك الشروط يتوصل بها إليه. وفي الاصطلاح: السبب ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به، والشرط ما يوجد الحكم عند وجوده، وينعدم عند عدمه. قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" وهو قول الشافعي ومالك أيضًا كما ذكرناه.

стр. 238

ص: باب: الوضُوء مرة مرة وثلاثا ثلاثا ش: أي هذا باب في بيان الوضوء الذي ورد عن النبي ﵇ مرة مرة، وثلاث مرات، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفِريابيُّ، قال: ثنا زائدة بن قدامة، قال: ثنا علقمة بن خالد -أو خالد بن علقمة- عن عبد خير، عن علي ﵁: "أنه توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: هذا طهورُ رسول الله ﷺ ". ش: الفِريابيُّ محمَّد بن يوسف شيخ البخاري، وزائدة بن قدامة روى له الجماعة، وعلقمة بن خالد الهمداني أبو حيَّة -بالياء آخر الحروف- وثقه يحيى، وروى له الأربعة، ويقال له: خالد بن علقمة؛ فلذلك قال: أو خالد، ولا يفهم من التشكيك أنهما شخصان شك الراوي في تعيين أحدهما؛ وإنما هما شخص واحد، وعبد خير بن يزيد الهمداني الكوفي أدرك الجاهلية، ووثقه يحيى، العجلي، وروي له الأربعة. ورواه أبو داود (١): بأتم منه، وقال: ثنا مُسدّد، قال: ثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير قال: "أتانا علي ﵁ وقد صلي، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهُور وقد صلي؟! ما يريد إلَّا أن يُعلمنا، فَأُتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل [يده] (٢) ثلاثا، ثم (مضمض) (٣) واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده الشمال ثلاثا، ثم جعل يده بالإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله الشمال ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﵇ فهو هذا".

стр. 239

وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن خالد بن علقمة ... إلى آخره نحوه، إلَّا أنّ في لفظه: "أتينا عليّ بن أبي طالب ... ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا" والباقي لا خلاف فيه. قوله: "هذا طُهور رسول الله ﵇" بضم الطاء، وقيل: بالفتح. والضم أرجح. قوله: "فدعا بطهور" بفتح الطاء لا غير. قوله: "وطستٍ" بالجرّ، عطف على قوله: "بإناءً" وأصله طسّ، بدليل جمعه على طسوس (٢)، والعامة تقوله: بالشين المعجمة. قوله: "واستثر" أي استنشق، وانتصاب "ثلاثا" الأول على أنه صفة لمصدر محذوف، أي توضأ توضئا ثلاثيا، أي ثلاث مرات، أي محدودا بهذا العدد [١/ق ٤٦ - أ]،، والثاني تأكيد للأول. ويستفاد منه: أن الثلاث سُنَّة، ولكن وردت أحاديث صحيحة بالثلاث، وبالمرة، وفي بعض الأعضاء بالثلاث وبعضها مرتين مرتين، وبعضها مرّة، فالاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، وعن هذا قال أصحابنا: الأولى فرض، والثانية مستحبة، والثالثة سُنة، وقيل: الأولى فرض، والثانية سُنة، والثالثة إكمال السُّنة، وقيل: الثانية والثالثة سُنّة، وقيل: الثانية سُنَّة والثالثة بدل، وقيل: على عكسه، وعن أبي بكر الإسكاف: أن الثلاث تقع فرضا كما إذا الحال في الركوع والسجود، وقال بعض أصحابنا: إنَّ الزائد على الثلاث لا يقع طهارة ولا يصير الماء به مستعملا إلَّا إذا قصد به تجديد الوضوء، وما ذكر في "الجامع" أن ماء الرابعة في غسل الثوب النجس طهور، وفي العضو النجس مستعمل محمول على ما نوى بها القربة.

стр. 240

وفي "العتابي": وماء الرابعة مستعمل في العضو النجس؛ لأن الظاهر هو قصد القربة حتى يقوم الدليل على خلافه. وفي "شرح النسفي": فيه لأنه وجد فيه معنى القربة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور، ولهذا صار الماء مستعملا به، وفي "المحيط": أن ماء الرابعة لا يصير مستعملا إلَّا بالنيَّة. وعند الشافعية خمسة أوجه: أصحها: إنْ صلى بالوضوء الأول فرضا أو نفلا استحب وإلَّا فلا، وبه قطع البغوي. وثائيها: إنْ صلى فرضا استحب وإلَّا فلا وبه قطع الفوراني. وثالثها: مستحب إنْ فعل بالوضوء الأول ما يقصد له الوضوء وإلَّا فلا، ذكره الشاشيّ. ورابعها: إنْ صلي بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر، أو قراءة القرآن في مصحف استحبّ وإلَّا فلا، وبه قطع أبو محمَّد الجوينيّ. وخامسها: مستحب وإنْ لم يفعل بالوضوء الأول شيئًا أصلًا، حكاه إمام الحرمين قال: وهذا إنما يصح إذا تخلل بين الوضوء والتجديد زمن يقع مثله تفريق، فأما إذا وصله بالوضوء فهو في حكم غَسْلة رابعة. ص: حدثنا حُسَين، قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي حية الوادعي، عن علي ﵁ عن النبي ﵇ نحوه. ش: هذا طريق آخر، والفريابي محمَّد بن يوسف، وإسرائيل هو ابن يونس السَبيعي الهَمذاني الكوفي، روى له الجماعة، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله الكوفي جَدُّ إسرائيل، روى له الجماعة، وأبو حيّة -بالياء آخر الحروف- بن قيس الوادعي الخارفي الهمداني الكوفي، قال الحاكم أبو أحمد: لا يعرف اسمه، وقال أبو زرعة: لا يسمّى، وقال ابن ماكولا: مختلف في اسمه فيقال: عمرو بن نصر، ويقال: عامر بن الحارث. وعن أحمد: شيخ، روى له الأربعة.

стр. 241

وأخرجه الترمذي (١) قال: ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي حيّة، عن علي ﵁: "أن النبي ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق قال: "رأيت عليّا وعثمان ﵁ توضئا ثلاثا ثلاثا، وقالا: هكذا كان يتوضأ رسول الله ﷺ . ش: علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري، وأبي داود ثقة متقن من أصحاب الإِمام أبي يوسف، وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ضعيف، وعبدة بن أبي لبابة الأسدي الكوفي نزيل دمشق روى له الجماعة، وأبو وائل شقيق بن سلمة. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا محمود بن خالد الدمشقي، نا الوليد بن مسلم الدمشقي، نا ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق بن سلمة قال: "رأيت عثمان وعليّا يتوضئان ثلاثا، ويقولان: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ . ص: حدثنا أحمد بن يحيى الصُوري، قال: حدثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا ابن ثوبان، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر عن أحمد بن يحيى الصوريّ، عن الهيثم بن جميل البغدادي، نزيل انطاكية، قال الدارقطني: ثقة حافظ، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: ثنا إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان ﵁: "أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا".

стр. 242

ش: عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي البصري، أخو أبي بكر الحنفي، روى له الجماعة، وإسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله القرشي المدني، عن يحيي: لا يكتب حديثه، وقال ابن حبان: يحتج به فيما وافق الثقات، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، وثقه العجلي وابن حبان. وعبد الله بن جعفر والد معاوية المذكور الصحابي المشهور ﵁. وأخرجه الدراقطني (١): وقال: ثنا الحسن بن إسماعيل، ثنا محمَّد بن إسماعيل ابن يوسف السُلمي، نا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر، عن سليمان ابن بلال، عن إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن أبيه عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان: "أنه توضأ فغسل يديه ثلاثا كل واحدة منهما، واستنشق ثلاثا، ومضمض ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه كل واحد منهما ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا كل واحد منهما، ثم قال: رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ هكذا". واعلم أن حديث عثمان ﵁ روي من وجوه كثيرة وطرق مختلفة. فأخرجه البخاري (٢): عن حمران مولى عثمان: "أنه رأى عثمان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا (ويديه ثلاثا إلى المرفقين) (٣) ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". ومسلم (٤): عن حمران: "أن عثمان بن عفان دعا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه (ثلاثا) (٥)، ثم غسل يده

стр. 243

اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك ... " الحديث. وأبو داود (١): عن حمران قال: "رأيت عثمان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ... " إلى آخره نحوه. والنسائي (٢): عن حمران ... إلى آخره نحو رواية أبي داود، إلَّا أن موضع "واستنثر": "واستنشق". وأحمد (٣): عن حمران قال: "دعا عثمان بماء وهو على المقاعد، فسكب على يمينه فغسلها، ثم أدخل يمينه في الإناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاث مرار ومضمض واستنثر، وغسل ذراعيه إلي المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاث مرار ... " الحديث. والبرار (٤): عن حمران، عن عثمان: "أنه دعا بوضوء، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم ضحِكَ، قال: ألا تَسْألوني ما أضحكني؟ قلنا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: ضحكت أن رسول الله ﷺ دعا بوضوء قريبا من هذا المكان، فتوضأ رسول الله ﵇ كما توضأت، ثم ضحك كما ضحكتُ، ثم قال: ألا تسألوني ما أضحكني؟ قلنا: ما أضحكك يا نبي الله؟ قال: أضحكني أن العبد إذا توضأ فغسل وجهه؛ حطّ الله عنه كل خطيئة [أصاب] (٥) بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، فإذا مسح رأسه كان كذلك، فإذا طهّر قدميه كان كذلك".

стр. 244

قلت: رجال البزار رجال الصحيح. والدارقطني (١): عن ابن البَيلماني، عن أبيه، عن عثمان بن عفان: "أنه توضأ بالمقاعد -والمقاعد بالمدينة حيث يصلي على الجنائز عند المسجد- فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، واستنثر ثلاثا، ومضمض ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا، وسلم عليه رجل وهو يتوضأ فلم يردّ عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه يعتذر إليه، وقال: لم يمنعني أن أردّ عليك إلَّا أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من توضأ هكذا ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله؛ غفر له ما بين الوضوئين". وأبو يعلى (٢): عن غسان، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي النضر: "أن عثمان ﵁ دعا بالوضوء، وعنده الزبير وطلحة وعلي وسعد ﵁ فتوضأ وهم ينظرون، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم أفرغ على يمينه ثلاث مرات، وعلي شماله ثلاث مرات، ومسح برأسه، ورش على رجله اليمنى ثلاث مرات، ثم غسلها، ثم رش على رجله اليسرى، ثم غسلها ثلاث مرات، ثم قال للذين حضروا: أنا أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﵇ كان يتوضأ كما توضأت الآن؟ قالوا: نعم، وذلك لشيء بلغه". قلت: أبو النضر لم يسمع من أحد من العشرة، وغسان بن الربيع ضعفه الدارقطني مرة، وقال مرة: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سُمَيعْ، عن أبي أمامة "أن النبي- ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا". ش: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وسُمَيعْ -بضم السين المهملة، وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة- ذكره الطبراني،

стр. 245

وقال: سُميع الزيات، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: سُميع شيخ يروي عن أبي أممامة، روي عنه عمر وبن دينار المكي، لا أدري مَنْ هو، ولا ابن مَنْ هو. ومن قال هذا سُبيع بالباء الموحدة موضع الميم فقد صحف، وسبيع هذا هو ابن خالد اليشكري، ويقال له: خالد بن سبيع، ويقال له: خالد بن خالد هكذا سمّاه النسائي وروى له، وأبو أمامة اسمُه صُدَي بن عجلان ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سُمَيع، عن أبي أمامة: "أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل يديه ثلاثا، وتمضمض واستنشق (ثلاثا ثلاثا) (٢)، وتوضأ ثلاثا ثلاثا". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣) نحوه. ص: ففي هذه الآثار أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، وقد روي عنه أنه توضأ مرة مرة. حدثنا الربيع بين سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﵇ توضأ مرة مرة". ش: أراد بهذه الآثار حديث علي، وعثمان، وأبي أمامة ﵃. قوله: "وقد روي عنه" أي عن النبي ﵇: "أنه توضأ مرة مرة" كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ وغيره، والربيع صاحب الشافعي، وأسد هو: ابن موسى المصري، وثقه النسائي. وابن لهيعة عبد الله بن لَهيعة -بفتح اللام، وكسر الهاء- قاضي مصر، تكلموا فيه، ولكنه من المرضيين عند الأحمدين، أعني ابن حنبل، والطحاوي.

стр. 246

والضحاك بن شرحبيل وثقه ابن حبان، وزيد بن أسلم المدني الفقيه روى له الجماعة. وأبوه أسلم أبو زيد مولى عمر، روى له الجماعة. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو كريب، نا رشدين بن سعد، أنا الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﵇ في غزوة [تبوك] (٢) توضأ واحدة واحدة". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن ابن عباس ﵄ قال: "ألا أنبئكم بوضوء رسول الله ﷺ مرة مرة، أو قال: توضأ مرة مرة". ش: أبو عاصم: النبيل الضحاك بن مخلد، وسفيان هو الثوري. إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (٣): عن محمَّد بن يوسف، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (٤): عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان ... إلى آخره، ولفظه: "ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﵇، فتوضأ مرة مرة". والترمذي (٥): عن محمَّد بن بشار، عن يحيى. وعن قتيبة وهناد وأبي كريب، ثلاثتهم عن وكيع، عن سفيان ... والنسائي (٦): عن محمَّد بن المثني، عن يحيى، عن سفيان ... إلى آخره نحو: رواية أبي داود.

стр. 247

وابن ماجه (١): عن أبي بكر بن خلاد، عن يحيي بن سعيد، عن سفيان إلى آخره، ولفظه: "رأيت رسول الله ﵇ توضأ غرفة غرفة". قوله: "ألا" كلمة تنبيه. و"أنبئكم" أي أخبركم، من النبأ وهو الخبر، ومنه النبيّ؛ لأنه يخبر عن الله تعالى. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحَاظِي، قال: ثنا عبيد الله ابن عمرو، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: "توضأ رسول الله ﵇ مرة مرة". ش: يحيي بن صالح الدمشقي، وثقه ابن حبان، وكان مُرْجئا، والوُحاظي -بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة، وبعد الألف ظاء معجمة- نسبة إلى وُحَاظَة بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك. وعُبيد الله بن عمرو أبي الوليد الرقي، روى له الجماعة. وابن أبي نجيح اسمه عبد الله، واسم أبي نجيح يَسَار -بالياء آخر الحروف- روى له الجماعة. (وأخرجه) (٢) الطبراني في "الأوسط" (٣): ثنا محمَّد بن أبان، ثنا محمَّد بن الليث أبو الصباح الهدادي، ثنا بكر بن يحيي بن زبان، ثنا مندل بن علي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: "رأيت رسول الله ﵇ توضأ مرة مرة، ثم قام فصلّى". لم يروه عن ابن أبي نجيح إلَّا مندل، تفرد به بكر. قلت: هذا عبيد الله بن عمرو أيضًا روى عنه، فكيف يقول لم يروه عنه إلَّا مندل؟! ومندل ضعيف، ضعفه أحمد، وابن المديني، وابن معين في رواية، ووثقه في أخرى.

стр. 248

وأخرجه البزار (١): نحو رواية الطحاوي. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن مَعبد، ثنا عبيد الله، عن الحسن بن عمارة، عن ابن أبي نجيح، ثم ذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وعبيد الله هو ابن عمرو المذكور. والحسن بن عُمارة: الفقيه، فيه مقال كثير. وهذا ابن عمارة روى عن ابن أبي نجيح هذا الحديث، وقد قال الطبراني: لم يروه عن ابن أبي نجيح إلَّا مندل! ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، وابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطى، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا، ورأيته غسل مرة مرة". ش: سعيد بن سليمان المشهور بسعدويه، روى له الجماعة. وعبد العزيز بن محمَّد الدراوردي روى له الجماعة، البخاري مقرونا بغيره. وعمرو بن أبي عمرو -واسمه ميسرة- مولى المطلب بن عبد الله بن حَنْطب أبو عثمان المدني، روى له الجماعة. وعبد الله بن عبيد الله -بتكبير الإبن، وتصغير الأب- ابن أبي رافع مولى النبي ﵇ روى له مسلم حديثا واحدا، وأبوه عبيد الله بن أبي رافع المدني روى له الجماعة، وأبوه أبو رافع مولى النبي ﵇ اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا

стр. 249

عبد الله بن عمر الخطابي، ثنا الدراورديّ، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ (توضأ) (١) ثلاثا ثلاثا، ورأيته (توضأ) (٢) مرة مرة". ص: فثبت بما ذكرنا عن رسول الله ﷺ أنه توضأ مرة مرة فثبت بذلك أن ما كان منه من وضوئه ثلاثا؛ إنما لإصابة الفضل لا للفرض. ش: كلامه يُشْعر بأن الثانية والثالثة فضيلة، وإنما الفرض هو المرة، فإن قلت: أخرج أبو داود (٢): من حديث عمرو بن شعيب في حديث الوضوء ثلاثا ثلاثا، وفي آخره: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم -أو ظلم وأساء". فهذا يقتضي أن يكون بترك الثانية والثالثة مسيئًا ظالما، وتارك الفضيلة غير مسيء ولا ظالم. قلت: معنى قوله: "فقد أساء" أي في الأدب بتركه السُّنة والتأدب بآداب الشرع، ومعنى "ظلم" نفسه بما نقصها من الثواب وفي تركه الفضيلة والكمال، ويقال: إنما يكون ظالما إذا اعتقد خلاف السنة في الثلاث. وقد قيل: إن حديث عمرو بن شعيب هذا لا يُعادل الأحاديث الصحيحة التي فيها الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، ولكن فيه ما فيه؛ لأن حديثه صحيح عند من يصحح رواية شعيب عن جده عبد الله، لصحة الإسناد إليه، وقيل: الإساءة ترجع إلى الزيادة، والظلم إلى النقصان؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير محله، قلت: الزيادة على الثلاث أيضًا وضع الشيء في غير محله، وأيضًا إنما يتمشى هذا في رواية تقديم الإساءة على النقصان.

стр. 250

وفي "البدائع" (١): واختلف في تأويله، فقيل: زاد على مواضع الوضوء ونقص عن مواضعه. وقيل: زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ونقص عن الواحدة. والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل، معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عن الثلاث ولم ير الثلاث سنة؛ لأن من لم ير سُنة النبي ﵇ سُنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد، حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سُنة؛ لا يلحقه هذا الوعيد؛ لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذا نوى به، وإنه نور على نور على لسان النبي ﵇. وقال البخاري: كره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يُجَاوَزَ فعل النبي ﵇. هذا من البخاري إشارة إلي نقل الإجماع على منع الزيادة على الثلاث، وقد قال الشافعي في "الأم": لا أحب الزيادة عليها، فإن زاد لم أكرهه -إن شاء الله. وذكر أصحابه ثلاثة أوجه؛ أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة كراهة تنزيه، وثانيها: أنها حرام، وثالثها: أنها خلاف الأولى. وأبعد قوم فقالوا: إذا زاد على الثلاث بطل وضوءه. حكاه الدارمي في استذكاره، وهو خطأ. وبقيت هنا فائدتان: الأولى: بيان ما روي عنه ﵇ أنه توضأ مرتين مرتين، وما روي عنه أنه توضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثًا، وما روي أنه توضأ بعض وضوءه مرة وبعضه ثلاثًا، فهذه ثلاثة أقسام لم يذكرها الطحاويّ، فنقول: قال البخاريّ (٢): ثنا الحسين بن عيسي، ثنا يونس بن محمَّد، أنا فليح بن
следующие страницы →