ذلك: عَبيدة وابن سيرين وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وسالم والبراء بن عازب والأعمش فيما ذكره المصنف.
وقال ابن المنذر: قال أحمد: إذا انتبه من النوم فأدخل يده في الماء قبل الغسل أعجب إلىّ أن يريق ذلك الماء إذا كان من نوم الليل. ولا يهُراق في قول عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي عُبيد.
واختلفوا في المستيقظ من النوم بالنهار، فقال الحسن البصري: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد.
وسهّل أحمد في نوم النهار ونهى عن ذلك إذا قام من نوم الليل، وقال أبو بكر: وغسل اليد في ابتداء الوضوء ليس بفرض. وذهب داود وابن جرير الطبري إلى إيجاب ذلك وأن الماء ينجس إنْ لم تكن اليد مغسولة، وقال ابن القاسم: غسلهما عبادة.
الخامس: أن قوله: "في الإناء" محمول على ما كانت الآنية صغيرة كالكوز، أو كبيرة كالحُبّ ومعه آنية صغيرة، أما إذا كانت الآنية كبيرة وليس معه آنية صغيرة فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة حتى لو أدخل أصابع يده اليسري مضمومة في الإناء دون الكف ويرفع الماء من الحبّ ويصب على يده اليمنى ويدلك الأصابع بعضها ببعض، يفعل كذلك ثلاث مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ في الإناء إنْ شاء، هذا الذي ذكره أصحابنا.
وقال النووي: وإذا كان الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصب منه وليس معه إناء صغير يغترف به، فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره.
قلت: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به ماذا يفعل؟ وما قاله أصحابنا أحسن وأوسع.
стр. 177
السادس: أن الفاء في قوله: "فإنه لا يدري" للتعليل وذلك لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن أن يطوف بيده على ذلك الموضع النجس أو على بَثْرة أو قذر غير ذلك.
قلت: "فيم باتت يده" كناية عن وقوعها على دبره أو ذكره أو نجاسة، وإنما ذكر بطريق الكناية تحاشيا من التصريح به، وذلك من آداب النبي ﵇ ونظائر ذلك كثيرة في القرآن والحديث.
السابع: يُستفاد منه أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإنْ لم تغيره، وهذا حجة قوية لأصحابنا في نجاسة القلتين بوقوع النجاسة فيها وإنْ لم تغيره، وإلَّا لا يكون للنهي فائدة.
الثامن: يُستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثًا لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة أولى، ولم يرد شيء فوق الثلاث إلَّا في ولوغ الكلب، وسيجيء أنه ﵇ أوجب فيه الثلاث وخيَّرَ فيما زاد.
التاسع: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار بل يبقي نجسا معفوّا عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتلّ به سراويله أو قميصه ينجسه.
العاشر: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش؛ فإنه ﵇ قال: "حتى يفرغ عليها" وفي لفظ: "حتى يغسلها" ولم يقل: "حتى يرشها".
الحادي عشر: استحباب الأخذ بالاحتياط في باب العبادات.
الثاني عشر: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهذا بالإجماع، وفي العكس كذلك عندنا خلافا للشافعي، وقال النووي: وفيه دلالة أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته، وإنْ قلت ولم تغيره فإنها تنجسه؛ لأن الذي يعلق باليد ولا يرى قليل جدّا، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن القلتين بل لا تقاربها، قال القشيري: وفيه نظر عندي؛ لأن مقتضى الحديث أن
стр. 178
ورود النجاسة على الماء يؤثر فيه، ومطلق التأثر أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، فإذا سَلَّم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروها فقد ثبت مطلق التأثر، ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس.
[الثالث] (١) عشر: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان، ولهذا قال ﵇: "فإنه لا يدري أين باتت يده" ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة أو نحو ذلك، وإنْ كان هذا معني قوله ﵇؛ وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود، فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح ليزى اللبس والوقوع في الخلاف في المطلوب، وعلي هذا يحمل ما جاء مصرحًا به.
[الرابع] (٢) عشر: أن قوله: "في الإناء" وإنْ كان عامّا لكن القرينة دلّت على أنه إناء الماء، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "في وَضُوئه" وهو الماء الذي يتوضأ به، ولكن الحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة، فافهم.
ص: حدثنا ابن أبي داود وفهد قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله.
ش: هذا طريق آخر إسناده صحيح نصفه مصري ونصفه مدني.
وأبو صالح اسمه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال أبو حاتم: صدوق أمين.
وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.
وسعيد هو ابن المسيب. وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن.
стр. 179
وأخرجه الترمذي (١): من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده".
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا زائدة بن قدامة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذا طريق آخر إسناده صحيح. والأعمش سليمان. وأبو صالح ذكوان.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه قال: "فليغسل يديه مرتين أو ثلاثا".
ش: هذا طريق آخر رجاله رجال الصحيح.
وأبو شهاب اسمه موسى بن نافع.
وأبو صالح ذكوان.
وأبو رزين اسمه مسعود بن مالك.
قوله: "مرتين أو ثلاثا" يفيد أنه إذا اكتفي بالغسل مرتين يجوز؛ لأنه مستحب إذا قلنا: إن هذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تحقق فإنه يجب عليه الغسل إلى أن تطهير، سواء كان بالثلاث أو أكثر، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه ﵇ نبَّه على
стр. 180
العلة وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، ولو كان النهى عامّا لقال: إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها.
وعند بعض الشافعية: حكمه حكم الشك لكن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فَيَسُدُّ الباب لئلَّا يتساهل فيه من لا يعرف.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ مثله.
ش: هذا طريق آخر بإسناد صحيح.
وحجاج هو [ابن] (١) المنهال.
وحماد هو ابن سلمة.
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا ابن وهب، عن جابر بن إسماعيل، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، "أن النبي ﷺ كان إذا قام من النوم فرغ على يديه ثلاثا".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وعُقيل بضم العين.
وابن شهاب محمَّد بن مسلم الزهري.
ورواه الدارقطني (٢): من حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده منه -أو أين طافت يده- فقال له رجل: أرأيت إنْ كان حوضا؟ فحصبه ابن عمر، وقال: أخبرك عن رسول الله ﵇ وتقول: أرأيت إنْ كان حوضا؟ ".
стр. 181
ويُستفاد منه: أن المستحب ألَّا ينقص عن الثلاث، فإن اقتصر على مرتين جاز وليس عليه بأس؛ لما ورد في الحديث السابق: "فليغسل يديه مرتين أو ثلاثًا".
فإن قيل: فإن اقتصر على مرة ماذا يكون حكمه؟
قلت: ظاهر ما رواه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه (ماء) (٢) ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من (منامه) (٣) فليغسل يديه قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" يشعر بجواز الاكتفاء على واحدة ولكن المستحب ألَّا ينقصها عن الثلاث؛ لما تقرر من القواعد: أن المطلق يحمل على المقيد عند اتحاد الحكم.
ص: قالوا: فلما روي هذا عن النبي ﷺ في الطهارة من البول لأنهم كانوا يتغوطون ويبولون ولا يستنجون بالماء، فأمرهم بذلك إذا قاموا من نومهم؛ لأنهم لا يدرون أين باتت يدهم من أبدانهم فقد يجوز أن تكون كانت في موضع قد مسحوه من البول (أو) (٤) الغائط فيعرقون [فتتنجس] (٥) بذلك أيديهم فأمر النبي ﵇ بغسلها ثلاثًا، وكان ذلك طهارتها من الغائط أو البول إنْ كان أصابها، فلما كان ذلك يُطهّر من البول والغائط وهما أغلظ النجاسات؛ كان أحرى أن يطهر مما هو دون ذلك من النجاسات.
ش: أي قال أهل المقالة الثانية: "فلما روي هذا" أي حديث المستيقظ من النوم.
قوله: "وهما أغلظ النجاسات" جملة وقعت حالا.
стр. 182
قوله: "كان أحرى" أي كان الثلاث أولى أن يطهر مما دون البول والغائط من النجاسات.
ص: وقد دلّ على ما ذكرنا من هذا ما قد روي عن أبي هريرة من قوله بعد رسول الله ﵇ كما قد حدثنا إسماعيل بن إسحاق تُرُنْجَه قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة: "في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهرّ، قال: يُغسل ثلاث مرات" فلما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاث تطهر الأناء من ولوغ الكلب فيه، وقد روي عن النبي ﵇ ما ذكرنا، ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به ولا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﵇ إلَّا إلي مثله، وإلَّا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته.
ش: أي قد دل على ما ذكرنا من قولهم: "قالوا: فلما روي ... " إلى آخره "ما قد روي عن أبي هريرة" و"ما" في محل الرفع على أنه فاعل "دلّ". تحرير ذلك: أن أبا هريرة أفتي بغسل الثلاث من ولوغ الكلب، والحال أنه روى عن النبي ﵇ الغسل بالسبع فدل ذلك أن الأمر بالسبع قد نُسخ وأن النسخ قد ثبت عنده، وإنما قلنا ذلك لأن الراوي إذا ظهرت منه المخالفة فيما رواه قولًا أو فعلا فإن كان ذلك تنازع قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر، ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه، وكذلك إنْ لم يُعلم التاريخ؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه، وهو أن يكون ذلك منه قبل أن يبلغه الحديث ثم رجع إلى الحديث، وأما إذا عُلم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به من أن يكون حجة؛ لأن فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه لا أصل للحديث، فإن الحال لا يخلو إما أن [تكون] (١) الرواية تقوّلا منه لا عن سماع، فيكون واجب الرد، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلّة المبالاة والتهاون بالحديث؛ فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا، أو يكون
стр. 183
ذلك عن غفلة ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة، فكذلك خبره، أو يكون ذلك منه على أنه علم انتساخ حكم الحديث، وهذا أحسن الوجوه، فيجب الحمل عليه تحسينا للظن بروايته وعمله؛ فإنه روى على طريق إبقاء الإسناد وعلم أنه منسوخ فأفتي بخلافه، فبهذا الطريق حكمنا في حديث أبي هريرة لأنا نحسن الظن به، فحملنا ما رواه من السبع على أنه كان قد علم انتساخ هذا الحكم فأفتي بالثلاث، أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله ﵇ التقرب فيما وراء الثلاث، وهذا كما في قول عمر ﵁ "متعتان كانتا على عهد رسول الله ﵇ -وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج" (١) فإنما يحمل هذا على علمه بالانتساخ، ولهذا قال ابن سيرين: هم الذين رووا الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة.
وقال صاحب "البدائع": وما رواه الشافعي -أراد به الأمر بالسبع في ولوغ الكلب [في] (٢) الإناء- كان في ابتداء الإِسلام لقطع عادة الناس في الألف بالكلاب، كما أمر بكسر الدِّنان، ونهى عن الشرب في ظروف الخمر حتى حرمت الخمر، فلما تركوا العادة أزال ذلك كما في الخمر، دلّ عليه ما روي في بعض الروايات: "فليغسله سبعا أولاهن -أو أخراهن- بالتراب" وفي بعضها: "وعفروا الثامنة بالتراب" وذلك غير واجب بالإجماع.
قوله: "وقد روي عن النبي ﵇" جملة وقعت حالا.
قوله: "ثبت بذلك" جواب لـ"ما".
ثم إسناد الحديث المذكور صحيح؛ لأن إسماعيل بن إسحاق المعروف بتُرنجه قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو صدوق. وترُونْجَه -بضم التاء المثناة من فوق والراء وسكون النون وفتح الجيم- ووقع صفة له ها هنا.
стр. 184
وأبو نعيم الفضل بن دكين.
وعبد السلام بن حرب روي له الجماعة
وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي أبو عبد الله الكوفي روي له مسلم.
وعطاء بن أبي رباح، روى له الجماعة.
فإن قلت: قال البيهقي: تفرّد به عبد الملك من بين أصحاب أبي هريرة والحفاظ الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في زمانه تركه شعبة ولم يحتج به البخاري في صحيحه وقد اختلف عليه في هذا الحديث فمنهم من يرويه عنه مرفوعا، ومنهم من يرويه عنه موقوفا على أبي هريرة من قوله، ومنهم من يرويه عنه من فعله، وقد اعتمد الطحاوي على الرواية الموقوفة في نسخ حديث السبع، وأن أبا هريرة لا يخالف النبي ﵇ فيما يرويه عنه، وكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الإثبات من أوجه كثيرة لا يكون مثلها غلطا، برواية واحد قد عرف بمخالفة الحفاظ في بعض أحاديثه.
قلت: هذا تحامل منه؛ لأن الحديث رواه الطحاوي بسند صحيح، ثم الدارقطني كذلك بسند قال في "الإمام": هذا سند صحيح، ثم ابن عدي أيضًا عن عمر بن شبة، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك إلى آخره.
وعبد الملك قد أخرج له مسلم في "صحيحه"، وقال ابن حنبل والثوري: هو من الحفاظ. وعن الثوري: هو ثقة متقن فقيه. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة ثبت في الحديث. ويقال: كان الثوري يسميه الميزان.
ولا يلزم من ترك احتجاج البخاري به أن يترك قوله، وتشنيعه على الطحاوي بأنه اعتمد على الرواية الموقوفة في نسخ حديث السبع باطل؛ لأنه لما صح عنده هذه الرواية حمل رواية السبع على النسخ توفيقا بين الكلامين وتحسينا للظن في حق أبي هريرة، ولا سيما وقد تأيدت الرواية الموقوفة بالرواية المرفوعة على ما أخرجه
стр. 185
ابن عدي (١): عن الكرابيسي، عن إسحاق الازرق، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات". ثم قال لم يرفعه غير حسين بن علي الكرابيسي ولم أجد له حديثا منكرا غير هذا، وإنما حمل عليه أحمد بن حنبل من جهة اللفظ بالقرآن، فأما في الحديث فلم أر به بأسا.
وبما روى عبد الرزاق (٢): عن معمر قال: "سألت الزهري عن الكلب يلغ في الإناء، قال: يغسل ثلاث مرات" فهذا الزهري لو لم يثبت عنده نسخ السبع لما أفتي بما أفتي به أبو هريرة.
وروى عبد الرزاق (٣): أيضًا عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء كم يغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب؟ قال: كل ذلك سمعت: سبعا وخمسًا وثلاث مرات".
فإن قلت: قد قال البيهقي: وقد روى حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة فتواه بالسبع كما رواه، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة في الثلاث.
قلت: يحتمل أن تكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده، أو يكون ذلك بطريق الندب، ومُخطِّئ عبد الملك مُخْطئ.
وقد روي عن أبي هريرة مرة واحدة أيضًا، قال عبد الرزاق (٤): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة "في الهرّ يلغ في الإناء قال: اغسله مرة واحدة".
стр. 186
وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح، فهذا أدلّ دليل على ثبوت انتساخ السبع عنده، وأن مراده من رواية الثلاث هو أن يكون على الندب والاستحباب.
ص: ولو وجب أن يعمل بما روينا في السبع ولا يجعل منسوخا لكان ما روى عبد الله بن المغفل في ذلك عن النبي ﵇ أولى مما روى أبو هريرة؛ لأنه زاد عليه.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن أبي التيّاح، عن مُطَرِّف بن عبد الله، عن عبد الله بن مُغفّل ﵁: "أن النبي ﵇ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ما لي وللكلاب؛ ثم قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات وعَفِّروا الثامنة بالتراب".
ش: تحريره أن حديث السبع إذا لم يجعل منسوخا يكون العمل بحديث عبد الله بن مغفل أولى؛ لأنه زاد عليه -أي على حديث أبي هريرة- للاحتياط ولهذا ذهب إليه الحسن وأحمد -في رواية-.
ورجال الحديث رجال الصحيح ما خلا بكَّارا.
وأبو التَيَّاح اسمه يزيد بن حميد وهو بفتح التاء المثناة من فوق ثم الياء آخر الحروف المشددة وفي آخره حاء مهملة.
ومُطَرِّف بضم الميم وتشديد الراء المكسورة.
وأخرجه مسلم (١): عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة إلى آخره، ولفظه "أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب! ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في [إناء أحدكم] (٢) فاغسلوه سبع مرات وعفروا الثامنة بالتراب".
стр. 187
وأبو داود (١): عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه.
والنسائي (٢): عن محمَّد بن عبد الأعلي، عن خالد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه، وليس فيه "ما لي وللكلاب".
وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة، عن شعبة ... إلى آخره مقتصرا على قوله: "إذا ولغ الكلب ... " إلى آخره.
قوله: "ما لي وللكلاب" أراد بهذا التنبيه على النهي عن قتلها.
قوله: "وعفروا" قال صاحب "المطالع": معناه اغسلوه بالتراب، وهو من العَفَر -بالتحريك- وهو التراب، يقال: عفره في التراب يعفره عفرا، وعفره تعفيرا أي مرّغه، وشيء معفور ومعفّر مُترّب.
قوله: "الثامنه بالنصب على الظرفية وموصوفها محذوف، والتقدير: عفروه في المرة الثامنة بالتراب.
ويُستفاد من هذه الروايات: أن قتل الكلاب كان جائزا ثم نُسخ.
وروى الطبراني (٤): من طريق الجارود عن إسرائيل، بإسناده إلى علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم، ومن اقتني كلبا لغير صيد ولا زرع ولا غنم؛ أوى إليه كل (يوم) (٥) قيراط من الإثم مثل أحد".
стр. 188
وأخرج البخاري (١) ومسلم (٢): "من اقتني كلبا إلَّا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان" رواه ابن عمر.
فإن كان الكلب عقورا جاز قتله؛ لحديث عائشة رواه مسلم (٣): "خمس (من الفواسق) (٤) يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُديَّا.
ويُستفاد منه أيضًا: حرمة اقتنائه لغير الحاجة، نحو أن يقتني إعجابا بصورته أو للمفاخرة به، فهذا حرام بلا خلاف، وأما للحاجة نحو: الصيد وحراسة الزرع والغنم فجائز بلا خلاف، وفي معناه لحراسة الدروب والدور، واختلف في اقتناء كلب صيد ولا يصيد.
ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب، عن شعبة فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر إسناده صحيح.
ص: فهذا عبد الله بن مغفل قد روى عن النبي ﵇ أنه يغسل سبعا ويعفّر الثامنة بالتراب، وزاد على أبي هريرة، والزائد أولي من الناقص، فكان ينبغي لهذا المخالف لنا أن يقول: لا يطهر الإناء حتى يغسل ثمان مرات السابعة بالتراب والثامنة كذلك، ليأخذ بالحديثين جميعًا، فإن ترك حديث عبد الله بن مغفل فقد لزمه ما ألزمه خصمه في ترك السبع التي قد ذكرنا، وإلَّا فقد بينَّا أن أغلظ النجاسات يُطهِّر منها الإناء غسلُ ثلاث مرات، فما دونها أحرى أن يُطهّره ذلك أيضًا.
ش: هذا موضح لقوله: "ولو وجب أن يعمل بما رويناه في السبع ... " إلى آخره، وأراد بالمخالف الشافعي وكل من ذهب إلى مذهبه في هذا.
стр. 189
قوله: "والثامنة كذلك" يعني بالتراب فيكون استعمال التراب مرتين؛ لأن في حديث أبي هريرة: "سبع أخراهن بالتراب" وفي حديث ابن مغفل: "الثامنة بالتراب" فإن لم يعمل كذا لا يكون عملا بالحديثين، وقد أوَّل ذلك النووي وغيره حيث قالوا: المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن تراب مع الماء، فكان التراب قائم مقام غسله فسميت ثامنة لهذا.
قلت: هذا مخالف لصريح الحديثين، فإن صريح حديث أبي هريرة يدل على أن يكون التراب واحدة من السبعة، وحديث ابن مغفل صريح بأن تكون الثامنة هو التراب، ولهذا روي عن الحسن أنه قال: "يفتقر إلى دفعة ثامنة".
قوله: "فقد لزمه" أي المخالف المذكور.
قوله: "وإلَّا" أي وإنْ لم يترك حديث ابن مغفل.
"فقد بينّا" يعني فيما مضى.
قوله: "يُطَهِّر منها الإناء" على صيغة المعلوم.
و"غسلُ ثلاث" كلام إضافي فاعله.
و"الإناءَ" بالنصب مفعوله، وفي بعض النسخ: "يَطْهُر منها الإناء بعد غسل ثلاث مرات" فعلى هذا يكون يطهر لازما بخلاف الأول فإنه متعد؛ لأنه من التطهير.
ص: ولقد قال الحسن في ذلك بما روى عبد الله بن مغفل.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة، عن الحسن قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات والثامنة بالتراب".
ش: ذكر هذا تأييدا لقوله: "والزائد أولى، من الناقص" أي لقد قال الحسن البصري في غسل الإناء من ولوغ الكلب فيه.
وأبو داود هو سليمان الطيالسي.
وأبو حرة اسمه واصل بن عبد الرحمن.
стр. 190
ص: وأما النظر في ذلك فقد كفانا الكلام فيه ما بيّنا من حكم اللحمان في باب سؤر الهر.
ش: أي في حكم ولوغ الكلب في الإناء فكان قد بيّن في باب سؤر الهرّ أن ما كان سؤره نجسا كان حكمه حكم سائر النجاسات، وحكم النجاسات أن تُطهر بالغسل ثلاث مرات، فكذلك الإناء الذي ولغ فيه الكلب يطهر بالغسل ثلاث مرات، والتقدير بالثلاث في إزالة النجاسات غير لازم عندنا، بل هو مفوض إلى غالب رأيه وأكثر ظنه، وإنما ورد النص بالثلاث بناء على غالب العادة، فإن الغالب أنَّها تزول بالثلاث، ولأن الثلاث هو الحد المضروب لإبلاع الأعذار كما في قصة العبد الصالح مع موسى ﵇ حيث قال له موسى في المرة الثالثة: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ (١).
ص: وقد ذهب قوم في الكلب يلغ في الإناء أن الماء طاهر ويغسل الإناء سبعا وقالوا: إنما ذلك تعبد تُعبدنا به في الآنية خاصة.
فكان من الحجة عليهم: "أن رسول الله ﷺ لما سئل عن الحياض التي تردها السباع قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا" فقد دلّ ذلك أنه إذا كان دون القلتين حمل الخبث، ولولا ذلك لما كان لذكر القلتين معنى، ولكان ما هو أقل منهما وما هو أكثر سواء، فلما جرى الذكر على القلتين ثبت أن حكمهما خلاف حكم ما هو دونهما، فثبت بهذا من قول رسول الله ﵇ أن ولوغ الكلب في الماء ينجس الماء، وجميع ما بيّنا في هذا الباب هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أراد بالقوم: الأوزاعي ومالكا وأصحابه وبعض الظاهرية فإنهم قالوا: إنَّ الإناء إذا ولغ فيه الكلب لا ينجس الماء ولا الإناء، إنما يغسل سبعا تعبدا.
стр. 191
وقال عياض في "شرح مسلم": مذهبنا في غسل الإناء من ولوغ الكلب تعبد مستحق العدد وهو مذهب أهل الظاهر، لكن يتنزه عنه عندنا مع وجود غيره وهو قول الأوزاعي، وقال الثوري: من لم يجد غيره توضأ به ثم تيمم.
ووافقنا الشافعي في العدد وخالف في نجاسة الكلب فقال: هو نجس. وقد حُكي هذا عن سحنون.
فإن قيل: ما حكم الخنزير إذا ولغ في الإناء؟.
قلت: يقُاس على الكلب لنجاسته، وهو أحد قولي الشافعي، وعند مالك لا يغسل؛ لأنه لا يقتني فلا يوجد فيه علة الكَلِب من أذى الناس، وهو قول للشافعي، وعنه يغسل لتقذره وأكله الأنجاس.
وقال الإِمام: احتج أصحابنا بتحديد غسل الإناء سبع مرات أنه لو كانت العلة النجاسة لكان المطلوب الإنقاء وقد يحصل في مرة واحدة.
واختلف عندنا هل يغسل الإناء من ولوغ الكلب المأذون في اتخاذه؟ فيصح أن يبنى الخلاف على الخلاف في الألف واللام في قوله: "إذا ولغ الكلب" هل هي للعهد أو للجنس؟ فإن كانت للعهد اختص ذلك بالمنهي عن اتخاذه، وهل يغسل الإناء من ولوغه في الطعام؛ أيضًا خلاف، ويصح أن يبنى على خلاف أهل الأصول في تخصيص العموم بالعادة، إذ الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام. انتهى.
والجواب عن ذلك: إنَّا لا نسلم أن يدل تحديد الغسل بالسبع على الطهارة، بل يدل على قوة النجاسة، ولهذا أمر بالتراب في السابعة مبالغة في قصد التنظيف، ولا نسلم أيضًا أن يحصل الإنقاء في مرة واحدة؛ لأن ذلك يعرف عقلًا ويلزمهم في قولهم بالتعبد أن يقولوا بغسل جميع الإناء ما لاقى الولوغ وما لم يلقه، عملًا بحقيقة لفظ الإناء، وأما الألف واللام في "الكلب" فلتعريف الحقيقة وتفيد الاستغراق، بيان ذلك أن المعرف باللام قد يكون نفس الحقيقة من غير نظر إلى الأفراد، مثل: الرجل خير من المرأة، وقد يكون حصة معينة منها واحدًا أو أكثر مثل جاءني رجل،
стр. 192
فقال الرجل كذا، وقد يكون حصة غير معينة منها لكن باعتبار عهدتها في الذهن نحو: ادخل السوق. وقد يكون جميع أفرادها نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١) فإذا لم توجد قرينة البعضية كيف يحمل على العهد، بل يحمل على الاستغراق؛ حتى لا تترجح بعض المتساويات، ولا يفهم من الإطلاق إلَّا الاستغراق، والعهد الذهني موقوف على وجود قرينة البعضية كما قلنا، وأما تخصيص العام بالعادة إنما يكون في موضع يستبعد حمل الكلام على عمومه، نحو ما إذا قال: لا نأكل رأسًا، فإنه يستبعد أن يتناول كلامه رأس العصفور ونحوه، بخلاف الإناء فإنه لا يستبعد -لا عقلًا ولا عادة- أن يتناول الماء والطعام، على أن البعض لم يجوز هذا التخصيص.
قوله: "فإنه" أي التعبد "في الآنية خاصة" احترز به عن الأمر بالغسل في غيرها فإنه للنجاسة.
قوله: "فكان من الحجة عليهم" أي على القوم الذين قالوا بالتعبد.
قوله: "فثبت بهذا" أي بما ذكرنا من قول رسول الله ﵇ أن ولوغ الكلب في الماء ينجس الماء، فحينئذٍ تجب إراقته، وعلي قول الشافعي إذا كان الماء في الإناء مقدار القلتين لم تجب إراقته لأنه طاهر، وأما إذا كان غير الماء فإنه يراق وإنْ كان قلتين أو أكثر، وعن الأوزاعي إذا ولغ الكلب في إناء فيه عشرة أقساط لبن يهرق كله ويغسل الإناء سبع مرات إحداهن بالتراب، وعن المالكية قولان في غير الماء:
أحدهما: أنه طاهر لا يهرق ولكن يغسل الإناء سبعا تعبدا.
والآخر: أنه يهرق ويغسل الإناء سبعا، وقد شنع ابن حزم ها هنا على أبي حنيفة وأساء الأدب وقال: قال أبو حنيفة: لا يغسل الإناء من ولوغ الكلب إلَّا مرة واحدة، وأن كل ما في الإناء يهرق -أي شيء كان- وهذا قول لا يحفظ عن أحد من الصحابة ولا من التابعين؛ إلَّا ما روي عن إبراهيم أنه قال فيما ولغ الكلب:
стр. 193
اغسله، وعنه: اغسله حتى تنقيه. ولم يذكر تحديدا وهو قول مخالف لسُنّة رسول الله ﵇ واحتج له بعض مقلديه بأن أبا هريرة قد روي عنه أنه خالفه، وهو باطل؛ لأنه إنما روى ذلك الخبر الساقط عبد السلام بن حرب وهو ضعيف وعلي نحس روايته شَرَطَ الثلاث، فلم يحصلوا إلَّا على خلاف السُّنة وخلاف ما اعترضوا به عن أبي هريرة، فلا النبي ﵇ اتبعوا، ولا أبا هريرة الذي احتجوا به قلدوا.
قلت: هذا كلام في غاية السخافة والتفاهة؛ لأن أبا حنيفة لم يقل فيه بالمرة، ولا أحد من أصحابه، بل مذهبه أن يغسل ثلاث مرات كما أفتي به أبو هريرة، وحفظ هذا عن أبي هريرة، وكيف يقول وهذا قول لا يحفظ عن الصحابة ولما ثبت نجاسة الإناء بالولوغ، ثبت نجاسة ما يجاوره، سواء كان ماء أو غيره، وهو أيضًا محفوظ عن بعض الصحابة والتابعين.
وقد روى عبد الرزاق (١): عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه كان يكره سؤر الكلب".
وروى (٢): عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء: ولغ الكلب في جفنة قوم فيها لبن فأدركوه عند ذلك، فغرفوا حول ما ولغ، قال لا تشربوه".
وحكمه على حديث عبد السلام بالسقوط ساقط باطل؛ لأن الخبر صحيح صححه جماعة من المحدثين كما ذكرناه، وعبد السلام بن حرب ثقة مأمون حافظ، أخرج له الجماعة.
وغمز أيضًا ابن قدامة في "المغني" علينا حيث قال: قال أبو حنيفة: لا يجب العدد في شيء من النجاسات إنما يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة؛ لأنه روي عن النبي ﵇ أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: "يغسل ثلاثًا أو خمسًا أو
стр. 194
سبعا"، فلم يعين عددا وحديثهم يرويه عبد الوهاب بن الضحاك وهو ضعيف، وقد روى غيره من الثقات: "فليغسله سبعا".
قلت: كان أبو هريرة يغسل ثلاثًا والراوي إذا روى شيئًا ثم فعل بخلافه فالعبرة عندنا لما رأى لا لما روى وقد بسطنا الكلام فيه، وأيضًا روي من طريق أبي هريرة مرفوعًا التخيير المذكور، فلو كان السبع واجبا لم يخير بينه وبين الباقي، وأيضًا هذا الأمر كان حين أمر بقتل الكلاب فلما نهي عن قتلها نسخ ذلك، وأيضًا الأمر بالسبع محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وكون عبد الوهاب ضعيفًا لا يضرنا.
لأن الدارقطني (١): أخرج عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات".
وهذا إسناد صحيح، وقد مر الكلام فيه مستقصى.
стр. 195
ص: باب: سؤر بني آدم
ش: أي هذا باب في بيان أحكام سؤر بني آدم، وأرادَ به ما يبُقِيه في الإناء بعد الغسل والوُضوء، وتأخيره عن سؤر الكلاب من قبيل قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (١).
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا المعليّ بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمَّد بن يحيى الباهلي، عن المعلى بن أسد ... إلى آخره نحوه، وفيه: "بفضل وَضُوء المرأة".
وأخرجه الدارقطني (٣): أيضًا، عن عبد الله بن محمَّد بن سعيد المقرئ، عن أبي حاتم الرازي، عن المعلي بن أسد ... إلى آخره نحوه.
ثم قال: خالفه شعبة، حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا الحسن بن يحيى، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس قال: "تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها".
وهذا موقوف [صحيح] (٤) وهو أولي بالصواب.
стр. 196
وأخرجه البيهقي أيضًا مرفوعا (١) وموقوفا (٢)، ثم قال: الموقوف أولى، وقال: قال البخاري: أخطأ من رفعه.
قلت: الحكم للرافع (٣) لأنه زاد، والراوي قد يفتي بالشيء، ثم يرويه مرة أخرى فيجعل الموقوف فتوى فلا تعارض المرفوع، وعبد العزيز بن المختار أخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة، فلا يضره وقف من وقفه، وصححه ابن حزم مرفوعا من حديث عبد العزيز بن مختار، وقال ابن القطان؛ رفعه عبد العزيز وهو ثقة، ولا يضره وقف من وقفه، وتوقف ابن القطان في تصحيحه لأنه لم يره إلَّا في كتاب الدارقطني، وشيخ الدارقطني فيه لم يعرف حاله، ولو رآه عند ابن ماجه أو عند الطحاوي لا توقف؛ لأن ابن ماجه رواه عن محمَّد بن يحيى، عن المعلى بن أسد، والطحاوي رواه عن محمَّد بن خزيمة وهما مشهوران.
قلت: لا نشك أنه صحيح لأن رجاله رجال الصحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن خزيمة، أما عبد العزيز بن المختار فجاء في هذا الإسناد بطامّة، وهو خبر خطأ في السند والمتن جميعا، وشعبة أحفظ من مائتين من عبد العزيز، وأما عاصم عن ابن سرجس من النوع الذي كان يقول الشافعي: أخذ من طريق المجرَّة.
قوله: "بفضل المرأة" أراد به فضل الماء الذي اغتسلت منه المرأة.
قوله: "ولكن يشرعان جميعا" أراد أنهما يغتسلان معا، فلا يتقدم أحدهما على الآخر حتى لا يكون مغتسلا بفضل الآخر.
стр. 197
ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: نا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: "لقيت مَنْ صَحِبَ النبي ﵇ كما صَحِبَه أبو هريرة أربع سنين، قال: نهى رسول الله ﷺ ... " فذكر مثله.
ش: إسناده صحيح، وصححه ابن القطان، وأبو بكر بن المنذر.
وقال أحمد بن حنبل: إسناده حسن -فيما ذكره الأثرم- ولا التفات إلى قول ابن منده وابن حزم: لا يثبت من جهة سنده، زاد ابن حزم إنْ كان داود هذا هو عم ابن إدريس فهو ضعيف وإنْ لم يكن إياه فهو مجهول؛ لأن الحميدي كتب إلى أبي محمَّد في العراق يخبره بصحة هذا الخبر، ويبين له أن داود هذا هو ابن عبد الله الزعافري أبو العلاء الكوفي، روى عنه جماعة ووثقه أحمد وغيره، وقال ابن مفُوِّز: فلا أدري رجع أبو محمَّد عن قوله أم لا، وذكره البيهقي في "المعرفة"، وقال: هو منقطع، وداود بن عبد الله متفرد به، وذكره في "السنن" وقال رواته ثقات: إلَّا أن حميدا لم يسمّ الصحابي، فهو بمعنى المرسل، إلَّا أنه مرسل جيد؛ لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود لم يحتج به الشيخان انتهى.
وعليه فيه مآخذ:
الأول: قوله: "إنَّه بمعنى المرسَل" إنْ أراد أنه يشبهه في أنه لم يسم الصحابي فصحيح، لكنه لا يمنع خصمه من الاحتجاج ذاهبا إلى أنه لا حاجة إلى تسمية الصحابي بعد أن حكم التابعي له بالصحبة، وإنْ أراد أنه في معناه في أنه لا يحتج به قوم كما لا يحتجون بمرسل التابعي فغير صحيح لما قدمناه.
الثاني: قوله: "مرسل جيّد" غير جيّد؛ بل هو مسند على الصحيح من أقوال العلماء.
الثالث: قوله: "لولا مخالفة الأحاديث الثابتة" يعني بذلك ما تقدم، فليس جيدا لأمرين، الأول: شأن المحدث الأعراض عن المعارضة كما قرره الأئمة.
الثاني: على تقدير التسليم يجاب بأنه لا بأس أن يتوضئا أو يغتسلا جميعًا من إناء
стр. 198
واحد يتنازعاه، على حديث عائشة، وميمونة، وأنس، وغيرهم، علي أنه لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على حديث الحكم الغفاري، ولأن الأحاديث التي وردت في الكراهة عن الصحابة والتابعين لم يكن في شيء منها أن الكراهة في ذلك للرجل أن يتطهر بفضل وضوء المرأة، ولتلك الأحاديث علل ذكرها أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ.
الرابع: قوله: وداود لم يحتج به الشيخان، فيه نظر في موضعين: الأول: أنه إنْ أراد عيبه بذلك فليس بعيب عند المحدثين قاطبة؛ لأنهما لم يلتزما الإخراج عن كل ثقة، ولو التزماه لما [أطاقاه] (١).الثاني: إنْ كان يريد بهذا الكلام رد الحديث وهو الأقرب بضميمة كلامه على انقطاعه وغيره؛ فهو كلام متناقض لا حاصل تحته.
الخامس: قوله: "منقطع" إنما يريد به الإرسال الذي أشار إليه في "السنن" لا الانقطاع الصِناعيّ، وزعم أبو عمر أن أبا عوانة رواه عن داود، عن حميد، عن أبي هريرة، وأخطأ فيه.
قلت: زعم ابن القطان أن المبهم ها هنا قيل: هو عبد الله بن مغفل، وقيل: ابن سرجس.
والحديث أخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن أبي عوانة ... إلى آخره نحوه.
والنسائي (٣): عن قتيبة عن أبي عوانة ... إلى آخره، ولفظه "نهي رسول الله ﵇ أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعا".
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن شعبة، عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم الغفاري قال: "نهى
стр. 199
رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة". لا يدري أبو حاجب أيهما قال.
ش: إسناده حسن، وأبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم العنزي، وثقه ابن حبان، وأخرجه الثلاثة:
فأبو داود (١)، عن ابن بشار، عن أبي داود، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو -وهو الأقرع- "أن النبي ﵇ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة".
والترمذي (٢)، عن ابن بشار، ومحمود بن غيلان كلاهما، عن أبي داود، عن شعبة إلى آخره نحوه.
وابن ماجه (٣)، عن ابن بشار ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "بفضل وضوء المرأة".
وقال جماعة من المحدثين: هذا الحديث لا يصح.
وقال البخاري: سوادة بن عاصم لا أراه يصح عن الحكم بن عَمرو.
وأشار الخطابي أيضًا إلى عدم صحته، وقال ابن منده في كتاب الطهارة: لا يثبت من جهة السند.
وقال أبو عمرو والآثار في هذا الباب مضطربة ولا تقوم بها حجة.
وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: يسنده أحد غير عاصم؟ قال: لا، ويضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غُندَر، بعضهم يقول: من فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: من فضل المرأة، ولا يتفقون عليه، ورواه التيمي إلَّا أنه لم يسمه، قال: عن رجل من الصحابة، والآثار الصحاح واردة بالإباحة.
стр. 200
قلت: لما أخرجه الترمذي قال: هذا حديث حسن.
ورجحه ابن ماجه على حديث عبد الله بن سرجس، وصححه ابن حبان وأبو محمَّد الفارسي، والقول قول من صحَّحه لا من ضعَفه؛ لأنه بسندٍ ظاهره السلامة من مُضعَّفٍ وانقطاع، وقال ابن قدامة: الحديث رواه أحمد واحتج به.
وتضعيف البخاري له بعد ذلك لا يقبل؛ لاحتمال أن يكون وقع له من غير طريق صحيح، ويُجاب عن قول أبي عبد الله بأنه مضطرب بأن معنى ما روي كله يرجع إلى شيء واحد وهو البقية، إِذ الرواية بالمعني جائزة بلا خلاف، وكونه ليس في كتاب غندر ليس بقادح؛ لأن غندر لم يَدَّعِ الإحاطة بجميع حديث شعبه، وإبهام الصحابي لا يضر بالإجماع.
ص: حدثنا حسين بن نصر قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، عن سوادة بن عاصم أبي حاجب، عن الحكم الغفاري قال: نهي رسول الله ﵇ عن سؤر المرأة".
ش: هذا طريق آخر، وفيه قيس بن الربيع، ضَعَّفه يحيى، وتركه النسائي.
والفريابي هو محمَّد بن يوسف شيخ البخاري.
ص: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فكرهوا أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل.
ش: أراد بالقوم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وأحمد بن حنبل، وداود، وآخرين، ولكن عندهم تفصيل:
ففي "المغني": اختلفت الرواية عن أحمد في وضوء الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به، والمشهور عنه أنه لا يجوز له ذلك، وهذا قول عبد الله بن سرجس، والحسن، وغنيم بن قيس، وهو قول ابن عمر في الحائض والجنب، قال أحمد: كرهه غير واحد من أصحاب النبي ﵇، وأما إذا كانا جميعًا فلا بأس، والثانية: يجوز الوضوء به للرجال والنساء. اختارها ابن عقيل، وهو قول أكثر أهل العلم.
стр. 201
وفي "التمهيد": قال أبو عمر: في هذه المسألة أقوال:
الأول: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ما لم تكن حائضا أو جُنبا.
الثاني: الكراهة، أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل.
الثالث: الكراهة في أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، والترخيص في أن تتطهر المرأة بفضل وضوء الرجل.
الرابع: أنهما إذا شرعا جميعا في التطهر فلا بأس به، وإذا خلت المرأة بالطهور فلا خير في أن يتوضأ بفضل طهورها، وهو قول أحمد بن حنبل.
الخامس: لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه؛ شرعا جميعا أو خلا كل واحد منهما به، وعليه فقهاء: الأمصار، والآثار في معناه متواترة.
وفي "المحلى" قال ابن حزم: وكل ما توضأت منه امرأة حائض أو غير حائض، أو اغتسلت منه فأفضلت منه فضلا لم يحل لرجل الوضوء من ذلك الفضل ولا الغسل منه، سواء وجدوا ماء آخر أو لم يجدوا غيره، وفرضهم التيمم حينئذ، وحلالٌ شربه للرجال والنساء، وجائز الوضوء به والغسل للنساء على كل حال، ولا يكون فضلا، إلا ما كان أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله أو أكثر فليس فضلا، والوضوء والغسل به جائز أي للرجال والنساء، وأما فضل الرجل فالوضوء به والغسل جائز للرجل والمرأة، إلَّا أن يصح خبر في نهي المرأة عنه فنقف عنده، ولم نجده صحيحا، فإن توضأ الرجل والمرأة من إناء واحد أو اغتسلا من إناء واحد يغترفان معا فذلك جائز ولا نبالي أيهما بدأ قبل، أو أيهما أتم قبل.
ثم استدل [بحديثي] (١) الحكم وابن سرجس، ثم قال: وبهذا يقول ابن سرجس والحكم وغيرهما، وبه تقول جويرية أم المؤمنين، وأم سلمة أم المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وقد روي عن عمر أنه ضرب بالدرة من خالف هذا القول،
стр. 202
وقال قتادة: "سألت سعيد بن المسيب والحسن البصري عن الوضوء بفضل المرأة، فكلاهما نهاني عنه".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس بهذا كله.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة ومالك والشافعي وجماهير العلماء.
ص: وكان مما احتجوا به في ذلك ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب ابن عطاء، عن شعبة، عن عاصم، عن معاذة، عن عائشة ﵁ قالت: "كنت أنا ورسول الله ﷺ نغتسل من إناء واحد".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن معبد، وعاصم هو ابن سليمان الأحول.
ومعاذة بنت عبد الله العدوية، من العابدات ﵂.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): عن يزيد بن هارون، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٢): عن قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد وكلانا جنب".
قوله: "ورسولُ الله" بالرفع عطف على قوله: "أنا" وذلك لأنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع إلَّا بمؤكد -على ما عرف- وفيه خلاف بين الكوفيين والبصريين.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عاصم، فذكر بإسناده مثله.
стр. 203
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وحماد هو ابن سلمة وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمانية عشر طريقا على ما تقف عليها في هذا الباب.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مثله.
ش: إسناده صحيح، وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن يزيد الفقير، روى له الجماعة. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهريّ.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد، وكان يغتسل من القدح- وهو الفَرق".
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عروة، عن عائشة مثله.
ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد اسمه هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاري وأبي داود.
وأبو بكر بن حفص اسمه عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث أبي الوليد، عن شعبة إلى آخره نحوه، والبزار كذلك بهذا الإسناد.
ص: حدثنا يونس، نا ابن وهب أن مالك حدثه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بمثله.
ش: رجاله كلهم رجال الصحيح.
стр. 204
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عبيد عن حريث، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة مثله.
ش: إسناده معلول بحريث بن أبي مطر أبي عمرو الحنّاط -بالنون- الكوفي، ضعفه يحيى بن معين وغيره.
ويعلى بن عبيد الطنافسي الكوفي، روى له الجماعة، والشعبي هو عامر بن شراحيل، ومسروق هو ابن الأجدع الهمْداني الكوفي، روى له الجماعة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن عبيد الله بن يزيد الحراني، حدثني أبي، عن سليمان بن أبي داود الجزري، عن الحكم بن عتيبة، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أنازع رسول الله ﵇ من إناء واحد" تعني الغسل.
ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب ابن خالد، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن عائشة مثله.
ش: رجاله موثقون وأم منصور اسمها صفية بنت شيبة الحاجب الصحابية.
فهذه طرق سبعة متوالية، والبقية تأتي عن قريب.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحدا".
ش: الوهبي هو أحمد بن خالد الكندي، روى له الأربعة، وهو نسبة إلى أحد أجداه.
وشيبان بن عبد الرحمن المؤدب، روى له الجماعة.
وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، روى له الجماعة.
وزينب بنت أم سلمة صحابية بنت صحابية.
وأم سلمة اسمها هند.
стр. 205
وأخرجه البخاري (١): بأتم منه، عن [سعد] (٢) بن حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أبي سلمة حدثته، أن أم سلمة قالت: "حِضْتُ وأنا مع النبي ﵇ في الخميلة، فانسَلَلْتُ فخرجت منها، فأخذت ثياب حيضتي فلبستها، فقال لي رسول الله ﵇: أَنَفِشتِ؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة".
قالت: وحدثتني "أن النبي ﵇ كان يقبلها وهو صائم، وكنت أغتسل أنا والنبي ﵇ من إناء واحد من الجنابة".
وأخرجه مسلم (٣): أيضًا مختصرا نحو: رواية الطحاوي.
و"الخميلة" هي الأسود من الثياب.
قوله: "فانسللتُ" أي ذهبت في خفية.
قوله: "أنَفِستِ" بنون مفتوحة وفاء مكسورة، قال النووي: هذا هو الصحيح في اللغة أبي أَحِضْتِ، فأما في الولادة فَنُفِست بضم النون وكسر الفاء، وقيل: بضم النون وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا غير.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵁ قال: "أخبرتني ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي ﵇ من إناء واحد".
ش: حدثنا أبو بكرة بكَّار القاضي.
وإبراهيم بن بشار الرمادي، وثقه ابن حبان.
وسفيان هو: ابن عُيينة.
стр. 206
وجابر بن زيد الأزدي اليحمدي، روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة جميعا، عن ابن عيينة -قال قتيبة: ثنا سفيان- عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قال: "أخبرتني ميمونة أنَّهَا كانت تغتسل هي والنبي ﵇ في إناء واحد".
وأخرجه الترمذي (٢): أيضًا نحوه، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عُيينة ... إلى آخره.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم بن عتيية، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "اغتسلت أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد".
ش: إسناده صحيح، وعُتَيبَةُ بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): من حديث الأسود، عن عائشة: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد ونحن جنبان".
ص: حدثنا يزيد بن سنان البصري، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: نا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن عائشة مثله.
ش: إسناده صحيح، وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو.
وعطاء هو ابن أبي رباح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤): عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة أنَّهَا أخبرته، عن النبي ﵇: "أنهما شرعا جميعا وهما جنب في إناء واحد".
стр. 207
وأخرجه البيهقي (١): من طريقه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا سعيد بن يزيد، قال: سمعت عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول: حدثني ناعم مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ في مِركن واحد، نفيض على أيدينا حتى نُنْقيها، ثم نفيض علينا الماء".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وناعم -بالنون- بن أُجَيْل الهَمداني أبو عبد الله المصري مولى أم سلمة زوج النبي ﵇.
وأخرجه النسائي (٢) وقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: ثنا عبد الله بن يزيد ... إلى آخره نحوه.
قوله: "في مِركن" بكسر الميم، وهو الإجّانة التي تغسل فيها الثياب.
قوله: "نفيض" من الإفاضة.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا شعبة (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن عبد اللهَ بن جَبْر، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ يغتسل هو والمرأة من نسائه من الإناء الواحد".
ش: رجال الطريقين كلهم من رجال الصحيحين، ما خلا ابن مرزوق وأبا بكرة.
وأخرجه البخاري (٣)، عن أبي الوليد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه.
стр. 208
ومسلم أيضًا (١) وزاد: "من الجنابة".
قوله: "والمرأةُ" بالرفع عطف على الضمير الذي في "يغتسل"، وقد ذكرنا أنه لا يحسن إلَّا بمؤكد.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فلم يكن في هذا عندنا حجةٌ على كل ما يقول أهل المقالة الأولى؛ لأنه قد يجوز أن يكونا كانا يغتسلان جميعا، وإنما التنازع بين الناس إذا ابتدأ أحدهما قبل الآخر، فنظرنا في ذلك فإذا عليّ بن معبد قد حدثنا، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أسامة بن زيد، عن سالم، عن أم صُبيَّة الجُهنِيّة- زعم أنَّهَا قد أدركت وبايعت رسول الله ﵇ قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله ﵇ -في الوضوء من إناء واحد".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة، عن سالم بن النعمان، عن أم صُبَيّة الجهنية مثله.
ففي هذا دليل على أن أحدهما قد كان يأخذ من الماء بعد صاحبه.
ش: لما احتجت أهل المقالة الثانية بالأحاديث المذكورة على أهل المقالة الأولى، عارضوهم وقالوا: لا نسلم أن أحاديثكم حجة علينا؛ لأن دعوانا في كراهة فضل الرجل للمرأة وفضل المرأة للرجل، وأحاديثكم لا تمنع هذا؛ لأنه يجوز أن يكونا قد اغتسلا معا، فلا يكون كلٌّ منهما مغتسلا بفضل الآخر، وهذا معنى قوله: "فلم يكن في هذا عندنا حجة" ... إلى آخره.
فأجاب أهل المقالة الثانية عن هذا وقالوا: وجدنا أحاديث منها حديث أم صُبَيّة يدل على أن أحدهما قد كان يأخذ من الماء بعد صاحبه، فَفَسَّرت هذه الأحاديث معنى الأحاديث المذكورة، وأزالت الاحتمال الذي ذكروه.
стр. 209
ثم إنَّه أخرج حديث أم صُبيّة من طريقين صحيحين؛ لأن رجالهما كلهم موثقون، وسالم بن النعمان ويقال: أبو النعمان ويقال له: سالم بن سَرْج -بالجيم- وهو ابن خربوذ مولى أم صُبَيّة، وثقه ابن حبان.
والحديث أخرجه أيضًا أبو داود (١)، وقال: ثنا النفيلي، ثنا وكيع، عن أسامة بن زيد، عن ابن خرَّبُوذ، عن أم صُبَيَّة الجُهنية قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله ﵇ في الوضوء من إناء واحد".
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، عن أنس بن عياض، عن أسامة بن زيد، عن سالم أبي النعمان -وهو ابن سرْج- عن أم صُبَيّة الجُهَنيَّةِ، قالت: "ربما اختلفت يدي ويد رسول الله ﵇ في الوضوء من إناء واحد". قال أبو عبد الله (٣): سمعت محمدا يقول: أم صُبَيَّة هي خولة بنت قيس، فذكرت لأبي زرعة، فقال: صدق.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أبان بن صَمْعة، عن عكرمة، عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد، يبدأ قبلي".
ش: إسناده صحيح، وأخرجه البيهقي (٤): وقال أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا محمَّد بن أيوب، نا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أنا ورسول الله ﵇ نغتسل من إناء واحد، فيبدأ قبلي".
ص: ففي هذا دليل على أن سؤر الرجل جائز للمرأة التطهر به.
стр. 210
ش: أي في حديث عائشة هذا دليل صريح أن فضل الرجل يجوز للمرأة أن تتطهر به؛ لأنها قالت: "يبدأ قبلي"، أي يبدأ رسول الله ﵇ في الغرف من الإناء؛ فتكون عائشة ﵂ مغتسلة بما فضله رسول الله ﵇.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢): كلاهما عن عبد الله بن مسلمة، عن أفلح ... إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: نا أفلح. وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا أفلح ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
أحدهما: عن عبد الله بن مسلمة شيخ الشيخين، والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵁ قالت: "كنت أَتَنَازعَ أنا ورسول الله ﷺ -الغُسل من إناء واحد من الجنابة".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وأخرجه النسائي (٣): وقال: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "لقد رأيتُني أُنَازعُ رسول الله ﵇ الإناء أغتسل أنا وهو منه".
стр. 211
قوله: "أتنازع" معناه تريد هي أن تغترف أولا، ويريد رسول الله ﵇ أن يغترف أولا، فيتسابقان في تحصيله.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا الخَصيب، قال: ثنا همام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أنَّهَا والنبي ﵇ كانا يغتسلان من إناء واحد يغترف قبلها وتغترف قبله".
ش: إسناده صحيح، والخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح، وهمام بن يحيى البصري.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"، وقال: ثنا أبو خيثمة، نا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "أغتسلت أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد كل واحد منا يغترف منه".
قوله: "يغترف قبلها وتغترف قبله" معناه أنهما يتسابقان، يسبق أحدهما تارة والآخر أخرى.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك بن فضالة، عن أمه، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد، فأقول: ابْق لي، ابْق لي".
ش: أبو عاصم النَّبيل اسمه الضحاك بن مخلد، روى له الجماعة.
ومبارك بن فضالة بن أبي أمية البصري، ضعفه النسائي، ووثقه ابن حبان، واستشهد به البخاري.
وأم مبارك لا ندري حالها ولا اسمها، ومعاذة [بنت] (١) عبد الله العدوية من العابدات.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): وقال: ثنا هاشم بن القاسم، ثنا المبارك، حدثتني أمي، عن معاذة العدوية، عن عائشة ... إلى آخره نحوه.
стр. 212
ص: حدثنا محمَّد بن العباس بن الربيع اللؤلؤى، قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا المبارك، فذكر بإسناده مثله.
ش: أخرج مسلم (١) هذا الحديث: عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد بيني وبينه، فيبادرني حتى أقول له: دَعْ لي، دَعْ لي" قالت: وهما جنبان.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن معاذة، عن عائشة مثله.
ش: إسناده صحيح، ويزيد الرِّشْك هو يزيد بن أبي يزيد الضبعي أبو الأزهر البصري، روى له الجماعة، والرِّشْك -بكسر الراء وسكون الشين المعجمة- معناه القَسَّام بلغة أهل البصرة، وكان يُقَسِّم الدور فَسُمِّي به، ويقال: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية، وكان كبير اللحية حتى قيل: إنَّ عقربا دخلت في لحيته فمكثت بها ثلاثة أيام فلم يعلم بها.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): وقال: ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة قالت: "سألت عائشة ﵂ عن الغسل من الجنابة، فقالت: إنَّ الماء لا ينجسه شيء؛ قد كنت [أغتسل] (٣) أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحد، يبدأ فيغسل يديه".
ص: حدثنا أبو بكرة [قال] (٤): ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن بعض أزواج النبي ﵇ اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﵇ فتوضأ، فقالت له، فقال: إنَّ الماء لا ينجسه شيء".
стр. 213
ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي، وأبو أحمد اسمه محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري.
وسفيان هو الثوري.
وسماك هو ابن حرب بكسر السين المهملة.
وأخرجه الأربعة، فأبو داود (١): عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "اغتسل بعض أزواج النبي ﵇ في جفنة، فجاء النبي ﵇ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جُنبا، فقال رسول الله ﵇: إنَّ الماء لا يجنب".
والترمذي (٢): عن قتيبة، عن أبي الأحوص ... إلي آخره نحوه.
والنسائي (٣): عن سويد بن نصر، عن عبد الله المبارك، عن سفيان، عن سماك ... إلى آخره، ولفظه: "إنَّ الماء لا ينجسه شيء".
وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص ... إلى آخره نحو رواية أبي داود.
و"الجَفْنة": القصعة الكبيرة، ومعنى "الماء لا يَجنب": لا ينجس، من أجنب إجنابا.
ثم اعلم أن أحاديث هذا الباب رويت عن عشرة من الصحابة، وهم عليّ، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو هريرة، وعائشة، وأم صُبيّة، وأم سلمة، وأم هانئ، وميمونة بنت قيس.
أما حديث علي ﵁ فأخرجه أحمد (٥): من حديث الحارث، عن عليّ ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ وأهله يغتسلون من إناء واحد".
стр. 214
وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني (١) في "الكبير": من حديث عكرمة عنه: "أن رسول الله ﵇ وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة، وتوضآ جميعا للصلاة".
وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا محمَّد بن الحسن الأسديّ، قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ وأزواجه يغتسلون من إناء واحد".
وأما حديث أنس فأخرجه الطحاوي والبخاري، وقد ذكرناه (٣).
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البزار في "مسنده" (٤): من حديث عكرمة، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ كان هو وأهله -أو بعض أهله- يغتسلون من إناء واحد".
وأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي، والبخاري (٣).
وأما حديث أم صُبَيّة فأخرجه الطحاويّ وأبو داود وابن ماجه (٣).
وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطحاوي أيضًا، وأحمد (٣).
وأما حديث أم هانىء فأخرجه النسائي (٥): من حديث مجاهد، عن أم هانئ بنت أبي طالب "أن النبي ﵇ اغتسل هو وميمونة من إناء واحدٍ في قصعة فيها أثر العجين".
وأخرجه ابن ماجه (٦) أيضًا.
стр. 215
وأما حديث ميمونة فأخرجه الترمذي (١): بإسناده إلى ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵇ من إناء واحدٍ من الجنابة"، وقال هذا حديث حسن صحيح.
ص: فقد روينا في هذه الآثار تَطَهُّرِ كل واحد من الرجل والمرأة بسؤر صاحبه، فضاد ذلك ما روينا في أول هذا الباب؛ فوجَبَ النظر ها هنا لنستخرج به من المعنين المتضادين معنى صحيحا، فوجدنا الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذ بأيديهما الماء معا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضيء منه أن حكم كل ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك وكان وضوء كل واحد من الرجل ومن المرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه؛ كان وضوءه بعده من سؤره في النظر أيضًا كذلك، فثبت بهذا ما ذهب إليه الفريق الآخر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن.
ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي وردت عن عائشة، وأم سلمة، وأم صُبَيَّة، وأنس، وابن عباس ﵃.
وأراد بما روينا في أول هذا الباب: حديث عبد الله بن سرجس، والحكم الغفاري. وجه التضاد بينهما ظاهر؛ لأن أحاديث أول الباب تمنع اغتسال الرجل بفضل المرأة واغتسال المرأة بفضل الرجل، وأحاديث عائشة ومن معها تطلق ذلك وتُجَوِّزه، ففي مثل هذا يطلب المخلص، ووجوهه كثيرة على ما عرف في موضعه، منها: يكون بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر والآخر موجبا للإباحة كما فيما نحن فيه، وكان الذي ينبغي على هذا أن تكون أحاديث أول الباب متأخرة عن الأحاديث الأخرى، ولكن هنا أبقى ما كان على ما كان؛ لكون الإباحة أصلًا فصارت الأحاديث [...] (٢) كالمنسوخة [...] (٣).