قوله: "ساعتئذ" أي حينئذ، أي حين قوله: السلام عليكم.
قوله: "على الرضف" بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة وفي آخره فاء، وهو الحجارة المحماة على النار، واحدها رضفة.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة وهشام الدستوائي، عن حماد، عن أبي الضحى، عن مسروق.
الثالث: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن هشام، عن حماد، عن أبي الضحى، عن مسروق بن الأجدع.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي رزين قال:"صليت خلف علي بن أبي طالب ﵁ فسلم عن يمينه وعن يساره".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال: "كان علي ﵁ يسلم عن يمينه وعن شماله، قيل لسفيان: عليّ؟ قال: نعم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا شعبة، عن عاصم، عن أبي رزين قال: "صليت خلف علي وعبد الله ﵄ فسلما تسليمتين".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن شقيق بن سلمة، عن عليّ ﵁: "أنه كان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: أنا الخصيب، قال: ثنا همام، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي: "أنه صلى خلف عليّ وابن مسعود ﵄ فكلاهما سلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".
стр. 2207
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن شقيق، عن علي ﵁: "أنه كان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله".
ش: أخرج أثر علي بن أبي طالب الذي يخالف ما روي عن عائشة -وفي بعض طرقه عن ابن مسعود أيضًا- من ستة طرق صحاح:
الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي رزين مسعود بن مالك الأسدي الكوفي ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن إسماعيل بن سميع قال: سمعت أبا رزين يقول: "سمعت عليًّا ﵁ يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله، والتي عن شماله أخفض".
الثاني: عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أبي رزين ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر والثوري، عن عاصم، عن أبي رزين: "أن عليًّا ﵁ كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني شيخ البخاري ... إلى آخره.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد بن فروخ الجزري الحراني شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية بن حديج، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن شقيق بن سلمة ... إلى آخره.
стр. 2208
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن علي ﵁، نحوه.
الخامس: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان.
عن همام بن يحيى، عن عطاء بن السائب بن مالك المدني، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي القارئ.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢): من طريق أبي وائل وأبي عبد الرحمن السلمي: "أن علي بن أبي طالب كان يسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".
ومن طريق (١) أبي عبد الرحمن السلمي: "أن عبد الله بن مسعود كان يسلم في الصلاة تسليمتين".
السادس: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): من حديث الأعمش، عن شقيق، عن علي ﵁.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله: "أن أمير مكة صلى فسلم تسليمتين، فقال ابن مسعود ﵁: أترى من أين علقها؟ ".
стр. 2209
ش: ذكر الطحاوي هذا مرة في هذا الباب، عن إبراهيم بن أبي داود، عن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن الحكم ومنصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، وذكر أن الحكم رفعه، وقد ذكرنا هناك أن مسلمًا أخرجه، ورجال هذا أئمة أجلاء.
وعثمان بن أبي شيبة شيخ مسلم وأبي داود.
وجرير بن عبد الحميد الرازي القاضي أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة.
والأعمش هو سليمان.
ومالك بن الحارث السلمي الرقي روى له مسلم وأبو داود والنسائي.
وعبد الرحمن بن يزيد النخعي أبو بكر الكوفي، روى له الجماعة.
قوله: "أن أمير مكة" شرفها الله تعالى، هو نافع بن عبد الحارث.
والدليل عليه ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء: "أنَّ نافع بن عبد الحارث -وهو أمير مكة- كان إذا سلم التفت فيسلم عن يمينه، ثم يسلم عن شماله، فبلغت ابن مسعود ﵁ فقال: أنى أخذها ابن عبد الحارث؟ ". فقال ابن جريج: وبلغني أن ابن مسعود قال: "أنى أخذها؟! فإني رأيت بياض وجه رسول الله ﵇ من كلا الشقين إذا سلم".
قوله: "من أين عَلقَها؟ " أي من أين أخذها، وقد مَرَّ الكلام فيه مستقصى عن قريب.
ص: قال ابن أبي داود: قال يحيى بن معين: هذا من أصح ما روي في هذا الباب.
стр. 2210
ش: أي قال إبراهيم بن أبي داود البرلسي شيخ الطحاوي راوي الأثر المذكور، قال يحيى بن معين: هذا -أي أثر ابن مسعود المذكور- من أصح ما روي في باب "ما روي عن الصحابة في أن السلام في الصلاة مرتين" والله أعلم.
والدليل عليه: أن مسلما أخرجه كما ذكرناه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: "كان عمّار ﵁ أميرًا علينا سنة، لا يصلي صلاة إلا سلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".
ش: إسناده صحيح، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله، وحارثة بن مضرب العبدي الكوفي وثقه يحيى، وقال أحمد: حسن الحديث. روى له الأربعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: "صليت خلف عمار؛ فسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله".
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن أبي إسحاق، نحوه.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن محبد الله بن بكير، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: "أنه رأى سهل بن سعد الساعدي إذا انصرف من الصلاة سلم عن يمينه وعن شماله".
ش: إسناده صحيح على شرط البخاري.
وأبو حازم اسمه سلمة بن دينار الأعرج الأفزر المدني القاضي الزاهد الحكيم.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣) مرفوعًا: عن سهل بن سعد، وقد ذكرناه.
стр. 2211
ص: قال أبو جعفر ﵀: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار ﵃، ومن ذكرنا، معهم يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم، لا ينكر ذلك عليهم غيرهم على قرب عهدهم برؤية رسول الله ﵇ وحفظهم لأفعاله، فما ينبغي لأحد خلافهم لو لم يكن روي في ذلك عن النبي ﵇ شيء، فكيف وقد روي عنه ﵇ ما يوافق فعلهم ﵃؟!
ش: هذا ظاهر غني عن مزيد البيان.
قوله: "أبو بكر" وما عطف عليه عطف بيان عن قوله: "أصحاب رسول الله ﵇"
قوله: "لا ينكر ذلك ... إلى آخره" إشارة إلى أن الإجماع وقع على أن التسليم مرتان.
ص: فإن أنكر منكر ما روينا عن أبي وائل عن علي ﵁: "أنه كان يسلم في الصلاة تسليمتين". وما روينا عنه في ذلك عن عبد الله، واحتج لما أنكر من ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: "قلت لأبي وائل: أتحفظ التكبير؟ قال: نعم قلت: فالتسليم؟ قال: واحدة".
قال: فكيف يجوز أن يحفظ هو التسليم واحدة! وقد رأى عليًّا وعبد الله يسلمان اثنتين؟! أفترى عَمَّن حفظ الواحدة عن غيرهما، وعنهما كان يحفظ، وبهما كان يقتضي؟ ففي ثبوت هذا عنه ما يجب به فساد ما رويتم عنه في التسليمتين.
قيل له: إن الذي روينا عنه في التسليمتين صحيح، لم يدخله شيء في إسناده ولا في متنه، وذلك على السلام من الصلوات ذات الركوع والسجود، والذي أراده أبو وائل في حديث عمرو بن مرة من السلام مرة واحدة هو في الصلاة ذات التكبير، فإنه قد كان جماعة من الكوفين منهم إبراهيم يسلمون في صلواتهم على جنائزهم تسليمة
стр. 2212
خفيفة، ويسلمون في سائر صلواتهم تسليمتين، وهكذا معنى حديث أبي وائل عندنا في ذلك والله أعلم.
وهذا أولى أن يحمل عليه ما روي عنه من ذلك؛ حتى لا يضاد بعضه بعضا.
ش: هنا اعتراض من جهة الخصم، تقريره أن يقال: إنكم قد رويتم عن علي ﵁ في رواية أبي وائل شقيق بن سلمة عنه: أن السلام في آخر الصلاة مرتان، وعندنا ما ينافي هذا ويضاده، وذلك أن عمرو بن مرة، قال لأبي وائل: "أتحفظ التكبير؟ قال: نعم، قال: فالتسليم؟ قال: واحدة". فكيف يجوز أن يحفظ التسليم واحدة حال كونه رائيًا عليًّا وابن مسعود يسلمان ثنتين، فهل هو حفظ الواحدة عن غيرهما -والحال أنه كان يحفظ عنهما وبهما كان يقتدي ويتبع- فإذن في ثبوت ما ذكرنا فساد ما ذكرتم وبطلانه.
وتقرير الجواب أن يقال: إن ما رويناه صحيح سندًا ومتنًا فلا يمكن إنكاره ودفعه، ولكن له محمل، وما رويتم له محمل، وهو أن ما رويناه محمول على السلام من الصلوات التي لها ركوع وسجود، والذي رويتم محمول على صلاة الجنازة، فإن جماعة الكوفيين -منهم إبراهيم النخعي- كانوا يسلمون في الصلاة على الجنازة تسليمة واحدة خفيفة.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص، عن الشيباني، عن عبد الملك بن إياس، عن إبراهيم قال: "تسليم السهو والجنازة واحدة".
وروي ذلك. عن علي وابن عمر، وابن عباس ﵃.
قال ابن أبي شيبة (٢): ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمير بن سعيد قال: "صلى علي ﵁ على يزيد بن المكلف فكبر عليه أربعًا، وسلم تسليمة خفيفة عن يمينه".
стр. 2213
ثنا (١) علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه فكبر، فإذا فرغ سلم على يمينه واحدة".
ثنا (٢) وكيع والفضل بن دكين، عن سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنه كان يسلم على الجنازة تسليمة".
ص: فإن قال قائل: فقد كان عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين يسلمون في صلاتهم تسليمة واحدة، وذكر في ذلك ما حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن محمَّد.
وعن أشعث، عن الحسن: "أنهما كانا يسلمان في الصلاة تسليمة واحدة حيال وجوههما".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن ابن عون، عن الحسن ومحمد: "تسليمة واحدة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد، عن سعيد، عن عمر بن عبد العزيز، مثله.
قيل له: صدقت، قد روي هذا عن هؤلاء، وقد روي عمن قبلهم ممن ذكرنا ما يخالف ذلك، مع ما قد تواتر عن رسول الله ﵇ مما قدمت ذكره في هذا الباب.
ش: وجه هذا الإيراد: أنه قد روي عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومحمد بن سيرين أنهم كانوا يسلمون في صلواتهم تسليمة واحدة، وهذا أيضًا يدل على أن التسليم مرة واحدة.
وأخرج ذلك عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن معاذ بن معاذ ابن نصر البصري قاضيها، عن عبد الله بن عون البصري، عن محمَّد بن سيرين.
стр. 2214
وعن أشعث بن عبد الملك الحبراني البصري، عن الحسن البصري.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن الحسن وابن سيرين: "أنهما كانا يسلمان تسليمة عن أيمانهما".
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن هشام بن حسان: "أن الحسن وابن سيرين كانا يسلمان في الصلاة واحدة".
وأخرجه أيضًا عن إبراهيم بن مرزوق من وجهين:
أحدهما: عنه عن سعيد بن عامر، عن عبد الله بن عون، عن الحسن البصري ومحمد ابن سيرين.
وأخرجه عبد الرزاق (١) نحوه.
والآخر: عن ابن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن سعيد بن أبي عروبة أبي النضر البصري، عن عمر بن عبد العزيز.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن سهل بن يوسف، عن حميد قال: "صليت خلف عمر بن عبد العزيز ﵁ فسلم واحدة".
وتقرير الجواب أن يقال: سلمنا ما ذكرتم من رواية هذا عن هؤلاء، ولكن قد روي عمن قبلهم من الصحابة ما يخالف ذلك، والأخذ به أول من وجهين:
أحدهما: أن من قبلهم أكبر وأولى بالاتباع من هؤلاء، وهذا ما لا نزاع فيه.
الآخر: أن ما روي عنهم قد تأكد بما قد روي عن النبي ﵇ بروايات كثيرة مما ذكر في هذا الباب من أنه ﵇ كان يسلم في آخر صلاته تسليمتين. فافهم.
ص: وقد روى عن سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى -وهما من التابعين أكبر من أولئك- خلاف ما روي عنهم.
стр. 2215
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن زهرة بن معبد قال: "كان سعيد بن المسيب يسلم عن يمينه وعن يساره".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن الحكم قال: "كنت أصلي مع ابن أبي ليلى، فسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".
ش: أي قد روي عن سعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري والحال أنهما من التابعين أكبر من أولئك أبي الحسن البصري وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز خلاف ما روي عنهم، أبي عن هؤلاء الثلاثة.
وبين ذلك بما أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب المصري، عن سعيد بن أبي أيوب واسمه مقلاص الخزاعي المصري، عن زهرة بن معبد بن عبد الله أبي عقيل المدني نزيل مصر.
وعن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا الفضل بن دكين ووكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى: "أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم، السلام عليكم".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فهذان تابعيان معهما من القدم ومن الصحبة لجماعة من أصحاب رسول الله ﵇ ما ليس للذي يخالفهما ممن ذكرنا في هذا الباب، فالذي روينا عنهما في ذلك أولى؛ لاقتدائهما بمن قبلهما ولموافقتهما لما قد ثبت عن رسول الله ﵇ في ذلك، وهذا أيضًا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أشار بـ"هذان" إلى سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى أراد أنهما من قدماء التابعين، وممن صحبا جماعة من الصحابة ﵃.
стр. 2216
بيان الأول: أن ميلاد سعيد بن المسيب قد كان لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁ وقيل: لأربع، ووفاته كانت في سنة أربع وسبعين من الهجرة.
وميلاد ابن أبي ليلى كان لست بقين من خلافة عمر ﵁، ووفاته كانت في سنة ثلاث وثمانين من الهجرة.
وأما الحسن البصري فإن ميلاده كان لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، ووفاته كانت في سنة عشر ومائة.
وأما محمد بن سيرين فإن ميلاده كان لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، ووفاته كانت في سنة عشر ومائة أيضًا.
وأما عمر بن عبد العزيز فإن ميلاده كان في سنة إحدى وستين من الهجرة، ووفاته كانت في سنة إحدى ومائة من الهجرة.
وبيان الثانى: أن سعيد بن المسيب كان زوج ابنة أبي هريرة، وكان أعلم الناس بحديثه، وكان أبو هريرة أكثر الصحابة حديثا، وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب، وهو أثبتهم في أبي هريرة. وقال قتادة: ما رأيت أحدًا قط أعلم بالحلال والحرام من سعيد بن المسيب. وقال سليمان بن موسى: كان سعيد بن المسيب أفقه التابعين. ويقال له: سيد التابعين، وقد قال الإِمام أحمد: سعيد بن المسيب أفضل التابعين. وقد قال الحاكم: إنه أدرك العشرة. وهو وهم.
وروى عن عمر كثيرًا، وعن عثمان، وعلي، وسعد، وأبي هريرة، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وبلال، وجابر بن عبد الله، وجبير ابن مطعم، وحسان بن ثابت، وحكيم بن حزام، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد الجهني، وسراقة بن مالك، وصهيب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، والمسور بن مخرمة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي الدرداء، وأبي ذر، وأبي سعيد الخدري، وأبي قتادة، وأبي موسى الأشعري، وعائشة
стр. 2217
أم المؤمنين، وأم سلمة زوج النبي ﵇، وأم شريك، وأسماء بنت عميس، وآخرين كثيرين من الصحابة.
وأما ابن أبي ليلى فإنه أيضًا أدرك كثيرًا من الصحابة، وقال عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﵇ كلهم من الأنصار. وقال عبد الملك بن عمير: لقد رأيت عبد الرحمن ابن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب النبي ﵇ يستمعون لحديثه وينصتون له، فيهم البراء بن عازب.
قوله: "فالذي روينا عنهما" أبي عن سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى "في ذلك" أي في التسليم مرتين أولى؛ لاقتدائهما بمن قبلهما من الصحابة الذين روي عنهم أن التسليم مرتان.
قوله: "ولموافقتهما" أي ولأجل موافقة سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى لما قد ثبت عن رسول الله ﵇ من أن التسليم مرتان، ولا شك أن الأخذ بما يوافق ما ثبت عن النبي ﵇ أولى وأحق من الأخذ بما لا يوافقه، وهذا ظاهر لا نزع فيه، والله أعلم.
стр. 2218
ص: باب: السلام في الصلاة هو من فرضها أم من سننها ؟
ش: أي هذا باب في بيان السلام في آخر الصلاة هل هو من فروض الصلاة أو من سننها؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي , قال: ثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن محمَّد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير، وإحلالها التسليم".
ش: الفريابي هو محمَّد بن يوسف شيخ البخاري، وقد تكرر ذكره.
وعبد الله بن عَقِيل -بفتح العين- ابن أبي طالب القرشي المدني وفيه مقال، فقال ابن سعد: منكر الحديث لا يحتجون بحديثه. وعن يحيى: ليس حديثه بحجة. وعنه: ضعيف الحديث. وعنه: ليس بذاك. وقال النسائي: ضعيف. وقال الترمذي: صدوق. وروى له أبو داود والترمذي.
ومحمد بن الحنفية هو محمَّد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية واسمها خولة بنت جعفر بن قيس روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل، عن محمَّد بن الحنفية، عن على ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد وقتيبة ومحمود بن غيلان، قالوا: ثنا وكيع، عن سفيان.
وثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان ... إلى آخره نحوه.
стр. 2219
وأخرجه ابن ماجه (١) أيضًا: ثنا علي بن محمَّد، ثنا وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي (٢) بلفظ الطحاوي.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٣) وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقال الترمذى: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمَّد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
وقال أيضًا: سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل، قال محمَّد: هو مقارب الحديث.
وقال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث: وفي الباب عن جابر وأبي سعيد.
قلت: أما حديث جابر فأخرجه الترمذي (٤) أيضًا: ثنا أبو بكر محمَّد بن زنجويه البغدادي وغير واحد، قالوا: أنا حسين بن محمَّد، قال: ثنا سليمان بن قرم، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء".
وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه ابن ماجه (٥): ثنا سويد بن سعيد، نا علي بن مسهر، عن أبي سفيان طريف السعدي. (ح)
وثنا أبو كريب، نا أبو معاوية، عن أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن
стр. 2220
أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
قوله: "مفتاح الصلاة" أي الذي تفتح الصلاة به، والمفتاح مفعال من الفتح، شبه الصلاة بالخزانة المقفولة على طريق الاستعارة بالكناية، وهي التي لا يذكر فيها سوى المشبه، ثم أثبت لها المفتاح على سبيل الاستعارة الترشيحية وهي ما يقارن ما يلائم المستعار منه.
قوله: "الطهور" بفتح الطاء، وهو اسم لما يتطهر به، وهو بعمومه يتناول الماء والتراب، والظاهر أنه بضم الطاء؛ لأن المراد به الفعل.
قوله: "وإحرامها التكبير" أي إحرام الصلاة بإتيان التكبير، فكأن المصلي بالتكبير والدخول فيها صار ممنوعًا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير: إحرام وتحريم؛ لمنعه المصلي من ذلك.
قوله: "وإحلالها التسليم" أي تحليل الصلاة يكون بالسلام في آخرها، فكأن المصلي يحل له ما حرم عليه فيها بالتكبير من الأقوال والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها كما يحل للمُحْرِم بالحج عند الفراغ منه ما كان حرامًا عليه.
ويستدل به على فرضية الطهارة لأجل الصلاة؛ لأن الشارع جعل الطهور مفتاحًا لها، فتكون الطهارة موقوفًا عليها، والصلاة موقوفة، فلما كان الموقوف فرضًا كان الموقوف عليه فرضًا مثله؛ لأنه شرط، والمشروط لا يوجد بدونه، واستدل به أصحابنا على فرضية تكبيرة الإحرام.
فإن قيل: هذا خبر آحاد فكيف تثبت به الفرضية؟
قلت: أصل فرضية التكبير في أول الصلاة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١)، وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ (٢) غاية ما في الباب يكون الحديث
стр. 2221
بيانا لما يراد به النص، واستدل به أبو يوسف على أن الشروع في الصلاة لا يصح إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، وهي أربعة ألفاظ: الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، الله كبير.
واستدل الشافعي ومالك أنه لا يصير شارعًا إلا بلفظ واحد وهو: الله أكبر.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يصح الشروع بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير، مثل: الله أكبر، الله أجل، الله أعظم، الرحمن أكبر، الرحمن الأجل، أو الحمد لله أو سبحان الله، أو لا أكبر إلا الله، لقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١)
والمراد به ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة؛ لأنه عقب الصلاة الذكر بحرف التعقيب بلا فصل، فلا يجوز تقييده بلفظ مشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد.
ص: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا انصرف من صلاته بغير تسليم فصلاته باطلة؛ لأن رسول الله ﵇ قال: "تحليلها التسليم" فلا يجوز أن يخرج منها بغيره.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: مالكا والشافعي وأحمد وأصحابهم، فإنهم ذهبوا إلى أن الرجل إذا انصرف من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، حتى قال النووي: ولو أحل بحرف من حروف: "السلام عليكم، لم تصح صلاته، واستدلوا على ذلك بقوله ﵇: "تحليلها التسليم".
وقال ابن قدامة: إذا فرغ من صلاته وأراد الخروج منها سلم عن يمينه ويساره، وهذا التسليم واجب لا يقوم غيره مقامه، وبهذا قال مالك والشافعي، والواجب عندهم فرض، فلا فرق بينهما.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فافترقوا في ذلك على قولين: منهم من قال: إذا قعد مقدار التشهد فقد تمت صلاته وإن لم يسلم. ومنهم من قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته وإن لم يتشهد ولم يسلم.
стр. 2222
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح، وابن المسيب، وإبراهيم، وقتادة، وأبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدًا، وابن جرير الطبري؛ فإنهم ذهبوا إلى أن التسليم ليس بفرض، حتى لو تركه لا تبطل صلاته، ولكن افترق هؤلاء أيضًا على قولين:
فمنهم من قال: إذا قعد مقدار التشهد، فقد تمت صلاته، وإن لم يسلم حتى إذا أحدث في ذلك الوقت لا يضر صلاته، وليس عليه شيء، وهو مذهب أبي حنيفة.
ومنهم من قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة في الصلاة فقد تمت صلاته وإن لم يتشهد ولم يسلم، وهو مذهب عطاء وإبراهيم، وإليه ذهب مالك أيضا, ولكن التسليم عنده فرض كما بينا، فحاصل مذهب مالك: أنه يرى بفرضية التسليم في آخر الصلاة، ولا يرى بفرضية الجلوس في آخر الصلاة.
ص: وكان من الحجة للفريقين جميعًا على أهل المقالة الأول: أن ما روي عن النبي ﵇ من قوله: "تحليلها التسليم" إنما روي عن علي ﵁، فقد روي عن علي ﵁ من رأيه في مثل ذلك ما يدل على أن معنى قول رسول الله ﵇ ذلك كان عنده على غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى.
فذكروا ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن أبي عوانة، عن الحكم، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: "إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته".
قال أبو جعفر ﵀: فهذا علي ﵁ قد روى عن النبي ﵇ أنه قال: "وتحليلها التسليم" ولم يكن ذلك عنده على أن الصلاة لا تتم إلا بالتسليم إذ كانت تتم عنده بما هو قبل التسليم، وكان معنى "وتحليلها التسليم" عنده إنما هو التحليل الذي ينبغي أن يحل به لا بغيره، والتمام الذي لا يجب -بما يحدث بعده إعادة الصلاة- غيره.
ش: أي كان من الدليل والبرهان لأهل المقالتين على أهل المقالة الأولى، ملخص هذا: أن استدلال أهل المقالة الأول بالحديث المذكور على ما ذهبوا
стр. 2223
إليه غير صحيح؛ لأن هذا الحديث روي عن علي ﵁ عن النبي ﵇، وروي عنه أيضًا من رأيه اجتهاده ما يدل على أن معنى قوله ﵇: "وتحليلها السلام" ليس على ما حمله أهل المقالة الأولى، وهو قوله: "إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته".
وأخرجه بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن الحكم بن عتيبة، عن عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، عن علي ﵁.
فدل هذا أنه ليس معنى ما رواه عن النبي ﵇ أن الصلاة لا تتم إلا بالتسليم؛ لأن تمام الصلاة عنده بشيء هو قبل التسليم، وهو رفع رأسه من آخر سجدة، فدل ذلك أن معنى قوله: "تحليلها التسليم" عنده هو التحليل الذي ينبغي أن يحل به لا بغيره. فافهم.
قوله: "إذ كانت" كلمة "إذْ" للتعليل.
قوله: "والتمام" مبتدأ وخبره قوله: "غيره" أي غير السلام، وقوله: "إعادة الصلاة" مرفوع بقوله: "لا تجب".
وجواب أخر: أن الحديث المذكور من أخبار الآحاد، والفرضية لا تثبت بها، إلا أنا أثبتنا به الوجوب احتياطا.
فإن قيل: لما أخرج البيهقي أثر علي ﵁ قال: عاصم ليس بقوي، وعلي ﵁ لا يخالف ما رواه، وإن صح عنه فمجموع ما رواه هو وغيره لا حجة في قول أحد من أمة النبي ﵇ معه ﵇.
قلت: عاصم وثقه ابن المديني وأحمد بن عبد الله، واحتج به الأربعة، وقوله: وعلي ﵁ لا يخالف ما رواه، لخصمه أن يعكس الأمر ويجعل قوله دليلا على نسخ ما رواه؛ إذْ لا يظن به أن يخالف النبي ﵇ إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رواه، وقد رُوِيَ عن جماعة من السلف كقول علي ﵁.
стр. 2224
فروى عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، عن عطاء: "فيمن أحدث بصلاته قبل أن يتشهد، قال: حسبه فلا يعيد".
وعن (٢) ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء: "إذا رفع الإِمام رأسه من السجود في آخر صلاته فقد تمت صلاته وإن أحدث".
وعن قتادة (٣)، عن ابن المسيب: "فيمن يحدث بين ظهراني صلاته، قال: إذا قضى الركوع والسجود فقد تمت صلاته".
وعن الثوري (٤)، عن منصور قلت لإبراهيم: "الرجل يحدث حين يفرغ من السجود في الرابعة وقبل التشهد؟ قال: تمت صلاته".
ثم هذا كله على تقدير تسليم صحة الحديث المذكور، إذْ لو اعتبرنا ما قالوا في ابن عقيل يسقط به الاحتجاج.
فإن قيل: فما تقول في حديث الخدري الذي تقدم ذكره؟
قلت: في سنده أبو سفيان طريف السعدي، قال أبو عمر: أجمعوا على أنه ضعيف الحديث، كذا في الإِمام، ثم على تقدير صحة الحديث قال أبو عمر: لا يدل على أن الخروج من الصلاة لا يكون إلا بالتسليم إلا بضرب من دليل الخطاب، وهو مفهوم ضعيف عن الأكثرين.
ص: فإن قال قائل: فقد قال: "تحريمها التكبير" فكان هو الذي لا يدخل فيها إلا به، وكذلك لما قال: "وتحليلها التسليم" كان كهو أيضًا لا يخرج منها إلا به.
قيل له: إنه لا يجوز الدخول في الأشياء إلا من حيث أمر به من الدخول فيها، وقد يخرج من الأشياء من حيث أمران يخرج منها ومن غير ذلك، ومن ذلك:
стр. 2225
أنا قد رأينا أن النكاح قد نهى أن يعقد على المرأة؛ وهي في عدة، وكان مَنْ عقده عليها وهي كذلك لم يكن بذلك مالكا لبضعها, ولا وجب له عليها نكاح، في شباه لذلك كثيرة يطول بذكرها الكتاب، وأمر ألا يخرج منه إلا بالطلاق الذي لا إثم فيه، وأن تكون المطلقة طاهرًا من غير جماع، وكان من طلق على غير ما أمر به من ذلك فطلق ثلاثا أو طلق امرأته حائضًا يلزمه ذلك وإن كان آثما، ويخرج بذلك الطلاق المنهي عنه من النكاح الصحيح، فكان قد بينت الأسباب التي تملك بها الأبضاع كيف هي، والأسباب التي تزول بها الأملاك عنها كيف هي، ونهوا عما خالف ذلك أو شيئًا منه، فكان من فعل ما نهي عنه من ذلك ليدخل به في النكاح لم
يدخل به فيه، فإذا فعل شيئًا منه ليخرج به من النكاح خرج به منه، فلما كان لا يدخل في الأشياء إلا من حيث أمر به من الدخول فيها، ويخرج منها من حيث أمر به من الخروج منها وبغير ذلك؛ كان كذلك النظر في الصلاة أن يكون كذلك، فيكون الدخول فيها غير واجب إلا بما أمر به من الدخول فيها، ويكون الخروج منها بما أمر به، مما يخرج به منها ومن غيى ذلك.
ش: تقرير السؤال أن يقال: لا يصح الدخول في الصلاة إلا بالتكبيرة لقوله ﵇: "تحريمها التكبير" فكذلك لا يصح الخروج منها إلا بلفظ السلام لقوله ﵇: "وتحليلها التسليم".
وتقرير الجواب ملخصا: أن الدخول في الأشياء لا يجوز إلا من حيث أمر به من الدخول فيها, ولكن الخروج منها يجوز أن يكون من حيث أمران يخرج منها، ويجوز أن يكون من غير ما أمر به أن يخرج منها، غاية ما في الباب يكون مسيئًا في ذلك، ونظير ذلك من الصور كثير، منها النكاح: فإنه نهى أن يعقد على المرأة إذا كانت في العدة، فالدخول فيه لا يصح إلا من حيث أمر به، وهو أن تكون المرأة خالية من الأزواج والموانع الشرعية، حتى إذا عقد عليها وهي في عدة لا يصير به الزوج مالكا لبضعها, ولا تثبت بذلك أمور الزوجية، ولكن الخروج في مثل هذه الصورة يجوز أن يكون من حيث أمر به أن يخرج منها ويجوز
стр. 2226
أن يكون من غير ذلك، مثلا أمر الزوج أن يطلق امرأته طلاقًا لا إثم فيه، وتكون المرأة طاهرًا من غير جماع، فهذا هو الأمر الذي أمر فيه أن لا يخرج منه إلا به، ثم لو ترك هذا وخرج منه من غير ما أمر به، فإن طلقها ثلاث تطليقات دفعة واحدة، أو طلقها وهي حائض فإنه يقع طلاقه في الصورتين كما أوقعه، فهذا قد خرج منه من غير ما أمر به ولكنه كان مسيئًا.
فعلم من ذلك أن حالة الخروج من الشيء لا تقتضي أن تكون على صفة حالة الدخول فيه، فإذا كان الأمر كذلك كان النظر والقياس في الصلاة أن يكون كذلك، فيكون الدخول فيها لا يصح إلا من حيث أمر به من الدخول فيها، فلا يصح الدخول فيها إلا بالتكبير، ويكون الخروج منها بما أمر به من السلام، وبغير ذلك من الأفعال التي تنافي الصلاة، فيكون هذا أيضًا صحيحًا ولكنه يكون مسيئًا لتركه السنه, والله أعلم.
قوله: "من ذلك أنا قد رأينا" فقوله: "أنا رأينا" في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "من ذلك"، وأشار بذلك إلى قوله: "وقد يخرج من الأشياء ... " إلى آخره.
قوله: "وهي بذلك" أي والحال أن المرأة كذلك، أي في عدة الغير.
قوله: "لم يكن بذلك" أبي بذلك العقد.
قوله: "في أشباه لذلك" أبي في أمثال ونظائر لما ذكر من الصورة.
قوله: "كثيرةٍ" بالجر صفة لقوله: "أشباه".
قوله: "ويخرج بذلك الطلاق المنهي عنه" أبي يخرج المطلق بالطلاق الذي أوقعه ثلاثا أو في حالة الحيض، و"الطلاق" مجرور؛ لأنه بدل عن قوله: "بذلك" أو صفة له. فافهم.
قوله: "فكان قد بُيِّنَهت" على صيغة المجهول من التبيين.
стр. 2227
قوله: "يلزمه ذلك" خبر لقوله: "وكان من طلق على غير ما أمر به" وقوله: "مطلق ثلاثا" تفسير لما قبله. فافهم.
ص: وكان ما احتج به من ذهب إلى أنه إذا رفع رأسه من أخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته بما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﵇ قال: "إذا رفع رأسه من أخر سجدة فقد مضت صلاته إذا هو أحدث".
حدثنا يزيد بن سنان ومحمد بن عباس اللؤلؤي، قالا: ثنا معاذ بن الحكم، عن عبد الرحمن بن زياد ... فذكر مثله بإسناده.
ش: لما ذكر فيما مضى أن منهم من قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته، وإن لم يتشهد ولم يسلم، وهم: عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، أراد أن يبين احتجاجهم ثم يجيب عنه، وقد احتج هؤلاء فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وأخرجه من طريقين:
أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الله بن المبارك الزاهد المشهور، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قاضيها، فيه مقال، فقال الترمذي: ضعيف. وعن أحمد: ليس بشيء. وعنه: منكر الحديث. وقال أحمد بن صالح: ثقة. وكان ينكر على من يتكلم فيه، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية، قال البخاري: في حديثه مناكير. وروى له من الأربعة غير النسائي.
وعن بكر بن سوادة بن ثمامة الحذامي البصري، عن يحيى والنسائي: ثقة. روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
стр. 2228
كلاهما يرويان عن عبد الله بن عمرو.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا ابن المبارك، ثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﵇ قال: "إذا رفع رأسه من آخر السجود ثم أحدث فقد تمت صلاته".
والآخر: عن يزيد بن سنان القزاز ومحمد بن عباس اللؤلؤي، كلاهما عن معاذ بن الحكم بن رافع البجلي أبي سعيد البصري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ... إلى آخره.
وأخرجه العدني: عن عبد الرزاق، عن الإفريقي، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، ولفظه: "إذا جلس الإِمام ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته".
وقال البيهقي (٢): ورواه معاذ بن الحكم، عن الإفريقي وزاد فيه: "وقضى تشهده"، والإفريقي واهٍ.
ص: قيل لهم: إن هذا الحديث قد اختلف فيه، فرواه قوم هكذا، ورواه آخرون على غير ذلك.
حدثنا إبراهيم بن منقذ وعلي بن شيبة، قالا: ثنا أبو عبد الرحمن المقرى، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي وبكر بن سوادة الجذامي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﵇ قال: "إذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود فيها".
قال أبو جعفر ﵀: فهذا معناه غير معنى الحديث الأول، وقد روي هذا الحديث أيضًا بلفظ غير هذا:
стр. 2229
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا معاذ بن الحكم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ... فذكر مثل حديث أبي بكرة، عن أتيت داود، عن ابن المبارك.
قال معاذ: فلقيت عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فحدثني به عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، فقلت له: لقيتهما جميعًا؟ فقال: كلاهما حدثني به، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته، فلا يعود لها".
ش: أي قيل لهؤلاء القوم -الذين ذهبوا إلى، أن من رفع رأسه في آخر سجدة في صلاته فقد تمت صلاته وإن لم يتشهد ولم يسلم، واحتجوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو-: إن هذا الحديث قد اختلفت فيه الناس، فرواه قوم هكذا أي كما ذكرنا في رواية أبي بكرة عن أبي داود الطيالسي، ورواية يزيد بن سنان، ومحمد بن عباس اللؤلؤي، عن معاذ بن الحكم، ورواه آخرون وهم: علي بن شيبة وإبراهيم بن منقذ العصفري ويزيد بن سنان القزاز على غير ذلك، أي على غير الوجه الذي رواه أولئك القوم.
والحاصل أن هذا جواب عن الحديث المذكور بأنه مضطرب، فلا يقوم به الاحتجاج.
وكذا قال الترمذي: وقد اضطربوا في إسناده.
فالذي يفهم من كلام الطحاوي أن علة الحديث عنده كونه مضطربا, ولهذا لم يستدل بما رواه يزيد بن سنان، عن معاذ بن الحكم، عن الثوري ... إلى، آخره لأصحابنا فيما ذهبوا إليه من أن المصلي إذا قعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته، واستدل لهم على ذلك بحديث ابن مسعود ﵁ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى؛ لأنه سالم من الاضطراب.
وغير الطحاوي أجاب عن الحديث المذكور بأنه ضعيف معلول بالإفريقي، فقال الدارقطني: عبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به. وقال عبد الرحمن بن
стр. 2230
أبي حاتم: هذا الحديث منكر، سمعت أبي يقول ذلك. وقال البخاري: عبد الرحمن ابن رافع التنوخي رواه، وفي حديثه مناكير. وقال الذهبي: في إسناده الإفريقي وهو واهٍ. وقال البيهقي: هذا الحديث ضعيف، وإن صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم، وقال الخطابي: هذا حديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم، ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره؛ لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد على ما رووه عن ابن مسعود ﵁، ثم لم يقووا قولهم في ذلك؛ لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس، أو كان متيممًا فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم فقد فسدت صلاته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد: لا ينتقض الوضوء إلا أن يكون في صلاة، والأمر في اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث بيّن.
قلت: نعم، الحديث مضطرب على ما أشار إليه الطحاوي، ولكن كلام الخطابي كله مدخول فيه، أما عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وإن كان ضعفه البعض فقد وثقه آخرون، فقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم. قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم. وقال أحمد بن محمَّد ابن الحجاج بن رشدين، عن أحمد بن صالح قال مرة: من يتكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات. وقال عباس بن محمَّد: سمعت ابن معين يقول: ليس به بأس. وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: هو ثقة. وقال البخاري: روى عنه الثوري. وقال عبد الرحمن: ليس به بأس. وقال [الترمذي] (١): رأيت محمَّد بن إسماعيل يقوي أمره يقول: هو مقارب الحديث.
стр. 2231
وقوله: "وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم" غير مسلم؛ لأن الاستدلال على فرضية السلام بقوله: "وتحليلها التسليم" غير صحيح على ما ذكرنا, ولأنه ليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلا أنه خص التسليم لكونه واجبا، وبهذا يُدفع كلام البيهقي أيضًا: "وإن صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم"، ولأنه مجرد دعوى لا دليل عليها.
وقوله: "ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهره ... " إلى آخره غير صحيح؛ لأن عطاء بن أبي رباح وابن المسيب والحسن البصري وقتادة ذهبوا إلى ذلك، وأخذوا بظاهره كما بيناه، وأيضًا فإن أبا يوسف ومحمدًا من أصحابنا قالا به.
وليس المراد من قوله في الحديث: "وقعد" نفس القعود بل المراد القعود قدر التشهد كما فسره في حديث روي عن عطاء عن ابن عباس كما نذكره عن قريب.
وقوله: "لأنهم قالوا: إذا طلعت الشمس ... " إلى آخره، غير صحيح أيضًا؛ لأن بطلان الصلاة في هذه الصورة عند أبي حنيفة بناء على أن الخروج من الصلاة بفعل الصلي فرض، وليس لهذا تعلق بالحديث المذكور عند أبي حنيفة، وأما أبو يوسف ومحمد فلا يريان بطلان الصلاة في هذه الصور بهذا الحديث. فافهم.
ثم الحديث الذي رواه عن إبراهيم بن منقذ وعلي بن شيبة، كلاهما عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﵇ قال: إذا قضى الإِمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة".
قوله: "إذا قضى الإِمام الصلاة" معناه إذا فرغ منها وقعد في آخرها، فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته؛ لأنه لم يبق عليه شيء من الفرائض.
стр. 2232
وفيه حجة على من يرى التسليم فرضًا، وحجة لأصحابنا في المصلي إذا سبقه الحدث بعد ما قعد قدر التشهد، لا يضر ذلك صلاته فيقوم ويتوضأ ويسلم لأنه لم يبق عليه إلا التسليم، فيأتي به.
وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملا ينافي الصلاة تمت صلاته؛ لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان.
ومما يؤيد ذلك ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "الحلية" (١): في ترجمة عمر بن ذر: حدثنا محمَّد بن المظفر، ثنا صالح بن أحمد، ثنا يحيى بن مخلد المفتي، ثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج، عن عمر بن ذر، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﵇ كان إذا فرغ من التشهد أقبل علينا بوجهه وقال: من أحدث بعد ما فرغ من التشهد فقد تمت صلاته".
وما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: "إذا جلس الإِمام في الرابعة ثم أحدث فقد تمت صلاته، فليقم حيث شاء".
قوله: "وقد روى هذا الحديث" أراد به حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه إبراهيم بن منقذ، ثم بين هذه الرواية بقوله: "حدثنا يزيد بن سنان ... إلى آخره".
قوله: "فذكر مثل حديث أبي بكرة عن أبي داود" أبي ذكر يزيد بن سنان في حديثه في هذه الرواية مثل حديث أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الله بن المبارك.
قوله: "قال معاذ" أبي معاذ بن الحكم المذكور.
стр. 2233
وأخرجه الترمذي (١) أيضًا، وقال: ثنا أحمد بن محمَّد، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة أخبراه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أحدث -يعني الرجل- وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم، فقد جازت صلاته".
ص: واحتج الذين قالوا: لا تتم الصلاة حتى يقعد فيها بمقدار التشهد بما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، وأبو غسان -واللفظ لأبي نعيم- قال: ثنا زهير بن معاوية، عن الحسن بن حرّ، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﵇ أخذ بيده وعلمه التشهد.
فذكر التشهد على مثل ما ذكرنا عن عبد الله في باب التشهد، وقال: "فإذا فعلت ذلك وقضيت هذا فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد".
حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا الحسن بن حرّ ... فذكر مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا أبو معشر البراء، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﵇ ... ثم ذكر التشهد وقال: "لا صلاة إلا بتشهد"، فرووا ما ذكرنا من قول النبي ﵇.
ثم رووا من قول عبد الله بن مسعود ﵁ ما قد حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وكيع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "التشهد انقضاء الصلاة، والتسليم إذن بانقضائها".
стр. 2234
ش: أي احتج الفريق الذين قالوا -وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا، ومن كان معهم ممن ذكرناهم فيما مضى-: لا تتم الصلاة حتى يقعد فيها قدر التشهد، واحتجوا على ذلك بحديث عبد الله بن مسعود ﵁.
وأخرجه عن أربع وجوه: ثلاثة مرفوعة، وواحد موقوف على ابن مسعود:
الأول: عن فهد بن سليمان الكوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وعن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، كلاهما عن زهير بن معاوية بن حديج، عن الحسن بن حر بن الحكم النخعي الكوفي، عن القاسم بن مخيمرة الهمداني الكوفي، عن علقمة بن قيس الكوفي.
وهذا إسناد صحيح، ورجاله أئمة ثقات.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، ثنا زهير، نا الحسن بن حرّ، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني: "أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﵇ أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة ... فذكر مثل دعاء حديث الأعمش، إذا قلت هذا -أو قضيت هذا- فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد".
الثاني: عن الحسين بن نصر بن المعارك، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن الحسن بن حر ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢): أنا أبو عروبة، قال: ثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا الحسن بن حرّ، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني: "أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن النبي ﵇ أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة: التحيات لله، والصلوات
стр. 2235
والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" قال زهير: غفلت حين كتبته من الحسن. فحدثني من حفظه عن الحسن بنفسه: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" قال زهير: ثم رجعت إلى حفظي: "فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ الأربعة، عن أبي معشر يوسف بن يزيد العطار البراء، سمي به لأنه كان يبري النبل، وقيل: العود، روى له الشيخان.
عن أبي حمزة -بالحاء المهملة، والزاي المعجمة- واسمه محمَّد بن ميمون السكري (١)، روى له الجماعة.
عن إبراهيم النخعي، عن علقمة.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا محمَّد بن مرداس، قال: ثنا محبوب بن الحسن، قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "كان النبي ﵇ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: تعلموها فإنه لا صلاة إلا بتشهد، يقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات ... " إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا عبدان بن أحمد، ثنا زيد بن الحرشي، ثنا صفدي بن سنان، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "كان النبي ﵇ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: تعلموا؛ فإنه لا صلاة إلا بالتشهد".
стр. 2236
وهذا ظاهره متروك؛ بدليل حديث الأعرابي، والفرضية لا تثبت بخبر الآحاد، غاية ما في الباب تثبت به السنة، كما في قوله ﵇: "لا وضوء لمن لم يسم" و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وذهب إلى ظاهره أحمد وأبو ثور والليث وآخرون. وكذا قال الشافعي في التشهد الأخير.
الرابع: وهو الموقوف أخرجه بإسناد صحيح أيضًا: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن حسان، عن أبي وكيع الجراح بن مليح، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الأشجعي، عن عبد الله.
وأخرج البيهقي (١): من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال عبد الله: "مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلم الإِمام فقم إن شئت" ومعنى اللفظين في الحقيقة واحد على ما لا يخفى، فقوله: "التشهد انقضاء الصلاة" يعني تنقضي الصلاة بالقعود مقدار التشهد، فهذا يدل على فرضية القعدة في آخر الصلاة؛ لأن ما ينقضي به الفرض فهو فرض بخلاف السلام، فإنه لا ينقضي به الفرض، وإنما هو إذن بانقضائه، أي: إعلام به.
وبقي الكلام في الحديث الأول من وجهين:
الأول: أن الخطابي زعم أنهم اختلفوا في هذا الكلام هل هو من قول النبي ﵇ أو من قول ابن مسعود؟ فإن صح مرفوعًا إلى النبي ﵇ ففيه دلالة على أن الصلاة على النبي في التشهد غير واجبة.
وقال البيهقي بعد أن روى هذا الحديث: الأصح أنه من قول ابن مسعود، يعني قوله: "فإذا فعلت ذلك أو قضيت هذا ... " إلى آخره.
وقال ابن حبان بعد أن أخرجه (٢): وقد أوهم هذا الحديث من لم يُحكم الصناعة أن الصلاة على النبي ﵇ ليست بفرض.
стр. 2237
فإن قوله: "إذا قلت هذا" زيادة أخرجها زهير بن معاوية في الخبر عن الحسن ابن حر.
ثم قال: ذكر بيان أن هذه الزيادة من قول ابن مسعود لا من قول النبي ﵇ وأن زهيرًا أدرجه في الحديث.
ثم أخرجه (١): عن ابن ثوبان، عن الحسن بن حر، عن القاسم بن مخيمرة به سندًا ومتنا، وفي آخره قال ابن مسعود: "فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف".
ثم أخرجه (٢): عن حسين بن علي الجعفي، عن الحسن بن حر، به، وفي آخره: قال الحسن: وزادني محمَّد بن أبان بهذا الإسناد قال: "فإذا قلت هذا فإن شئت فقم". قال: ومحمد بن أبان ضعيف قد تبرأنا من عهدته في كتاب "الضعفاء".
وقال الدارقطني في "سننه" (٣) بعد أن أخرجه: هكذا أدرجه بعضهم في الحديث عن زهير، ووصله بكلام النبي ﵇، وفصله شبابة بن سَوَّار عن زهير فجعله من كلام ابن مسعود، وهو أشبه بالصواب؛ فإن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن حر كذلك وجعل آخره من كلام ابن مسعود، ولاتفاق حسين الجعفي، وابن عجلان، ومحمد بن أبان في روايتهم عن الحسن بن حر على ترك ذكره في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على ذلك، ثم ساق جميع ذلك بالأسانيد وفي آخره: قال ابن مسعود: "إذا فرغت من هذا ... " إلى آخره.
والجواب عن ذلك جميعه من وجوه:
стр. 2238
الأول: أن أبا داود روى ل هذا الحديث وسكت عنه، ولو كان فيه ما ذكروه لنبه عليه؛ لأن عادته في كتابه أن يلوح على مثل هذه الأشياء، وكذلك الطحاوي سكت عن هذا ولم يلوح عليه.
الثاني: زعم أبو زيد الدبوسي وغيره أن هذه الزيادة رواها أبو داود الطيالسي، وموسى بن داود الضبي، وهاشم بن القاسم، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن يحيى النيسابوري في آخرين متصلًا، فرواية من رواه مفصولا لا تقطع بكونه مدرجًا؛ لاحتمال أن يكون نسيه ثم ذكره، فسمعه هؤلاء متصلًا، وهذا منفصلًا، أو قاله ابن مسعود ﵁ فُتْيا كعادته، وقد وجدنا في حديث الإفريقي الذي مضى ذكره عن قريب ما يدل على صحة هذا.
الثالث: أن ابن ثوبان الذي ذكره البيهقي وابن حبان قد ضعفه ابن معين، والبيهقي بنفسه ذكره في باب "التكبير أربعًا".
وكذلك غسان بن الربيع الذي روي عن ابن ثوبان ضعفه الدارقطني وغيره، وبمثل هذا لا تعلل رواية الجماعة الذين جعلوا هذا الكلام متصلًا بالحديث، وعلى تقدير صحة السند الذي روي فيه موقوفًا، فرواية من وقف لا تعلل بها رواية من رفع؛ لأن الرفع زيادة مقبولة على ما عرف من مذهب أهل الفقه والأصول، فيحمل على أن ابن مسعود سمعه من النبي ﵇ فرواه كذلك مرة، وأفتى به مرة أخرى، وهذا أولى من جعله من كلامه؛ إذ فيه تخطئة الجماعة الذين وصلوه، ثم لو سلمنا حصول الوهم في رواية من أدرجه لا يتعين أن يكون الوهم من زهير بل ممن رواه عنه؛ لأن شبابة رواه عنه موقوفًا.
الوجه الثاني: في استنباط الأحكام منه وهو على وجوه:
الأول: أنه ينافي فرضية الصلاة على النبي ﵇ في الصلاة؛ لأنه ﵇ علق التمام بالقعود، وهو حجة على الشافعي؛ لأن قوله: "إذا فعلت ذلك" إشارة إلى التشهد والمعنى: إذا قرأت التحيات، "أو قضيت هذا" أي القعود، وحاصل المعنى: إذا
стр. 2239
قرأت التشهد وأنت قاعد؛ لأن قراءة التشهد في غير الصلاة لم تشرع، ولم تعتبر أو قعدت ولم تقل، فيكون التخيير في القول لا في الفعل؛ إذ الفعل ثابت في الحالين، وكل منهما لا يدل على وجوب الصلاة عليه ﵇.
وأيضًا أنه ﵇ علّم التشهد لعبد الله بن مسعود، ثم أمر عقيبه أن يتخير من الدعاء ما يشاء، ولم يعلم الصلاة عليه، ولو كانت فرضًا لعلمه؛ إذ موضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب، وأيضًا لما علم الأعرابي أركان الصلاة لم يعلمه الصلاة عليه، ولو كانت فرضًا لعلمه إياها، وكذا لم ترد في تشهد أحد من الصحابة ﵃، ومن أوجبها فقد خالف الآثار. وقالت جماعة من أهل العلم: إن الشافعي خالف الإجماع في هذه المسألة، وليس له سلف يقتدي به، منهم ابن المنذر وابن جرير الطبري، والطحاوي، وهو يستدل بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (١) والأمر للوجوب، فلا تجب خارج الصلاة فتعينت الصلاة، وليس في الآية دلالة على ما قال؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، بل يجب في العمر مرة؛ كما اختاره الكرخي، أو كلما ذكر اسم النبي ﵇ كما اختاره الطحاوي ﵀.
الثاني: أنه ينافي فرضية السلام في الصلاة؛ لأنه ﵇ خير المصلي بعد القعود بقوله: "إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وهو حجة على الشافعي أيضًا حيث فرض السلام.
الثالث: احتج به أصحابنا على فرضية القعدة الأخيرة؛ وذلك لأنه ﵇ علق تمام الصلاة بالقعود، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وهو حجة على مالك حيث لم يفترض القعدة الأخيرة.
فإن قيل: "أو" الأحد الشيئين، وليس فيه دلالة على ما ادعيتم؟
قلت: جوابه ما ذكرنا من قولنا: وحاصل المعنى ... إلى آخره.
فإن قيل: كيف تثبت الفرضية بخبر الواحد؟
стр. 2240
قلت: ليس الثبوت به، بل هو بالكتاب؛ لأن نفس الصلاة ثابتة به، وتمامها منها بالخبر بيان لكيفية الإتمام، والبيان به يصح كما في مسح الرأس.
الرابع: احتج به أبو يوسف ومحمد والإثنا عشرية المشهورة: أن الصلاة لا تبطل فيها؛ لأنه لم يبق عليه شيء، فاعتراض العوارض عليه كاعتراضها بعد السلام والله أعلم.
ص: ثم قد روي عن النبي ﵇ أيضًا ما يدل على أن ترك السلام غير مفسد للصلاة، وهو أن رسول الله ﵇ صلى الظهر خمسًا، فلما سلم أخبر بصنيعه، فثنى رجله فسجد سجدتين.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ بذلك.
قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل التسليم، ولم ير ذلك مفسدًا للصلاة؛ لأنه لو رآه مفسدا لها إذًا لأعادها، فلما لم يعدها وقد خرج منها إلى خامسة لا بتسليم، دل ذلك أن السلام ليس من صلبها، ألا ترى أنه لو كان جاء بالخامسة وقد بقي عليه مما قبلها سجدة كان بذلك يفسد الأربع؛ لأنه خلطهن بما ليس منهن، فلو كان السلام واجبا كوجوب السجود في الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك، ولكنه بخلافه فهو سنة.
ش: هذا بيان الحجة لمن قال السلام في آخر الصلاة سنة، على من قال: إنه فريضة، وقد بين ذلك بحديث عبد الله بن مسعود الذي رواه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ... إلى آخره.
ورواته كلهم ثقات قد تكرر ذكرهم.
стр. 2241
والحديث أخرجه الجماعة (١) بوجوه متعددة، وبألفاظ مختلفة [كما سنذكره] في بابه، باب الرجل يشك في صلاته إن شاء الله تعالى، والباقي غني عن الشرح.
ص: وقد روي أيضًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعًا، فليبن علي اليقين ويدع الشك، فإن كانت صلاته نقصت فقد أتمها، وكانت السجدتان ترغمان الشيطان، وإن كانت صلاته تامة كان ما زاد والسجدتان له نافلة".
فقد جعل رسول الله ﵇ الخامسة زائدة، والسجدتن اللتين تطوعًا, ولم يجعل ما تقدم من الصلاة بذلك فاسدًا إذ كان المصلي قد خرج منها البتة، فثبت بذلك أن الصلاة تتم بغير تسليم، وأن التسليم من سننها لا من صلبها.
ش: حديث أبي سعيد الخدري أيضًا من جملة الدليل لمن قال بسنية السلام على من قال بفرضيته، وسيجيء بيانه في بابه إن شاء الله تعالى؛ فلذلك علقه ها هنا ولم يسنده.
وأخرجه مسلم، (٢) وأبو داود، (٣) النسائي، (٤) وابن ماجه (٥)، على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
قوله: "ترغمان" أي تغيضان وتذلان من الرغام وهو التراب، ومنه أرغم الله أنفه.
стр. 2242
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكان تصحيح معاني الآثار في هذا الباب يوجب ما ذهب إليه الذين قالوا: لا تتم الصلاة حتى يقعد فيها مقدار التشهد. لأن حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قد احتمل ما ذكرنا، واختلف في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﵇ -على ما وصفنا, ولم يبق إلا حديث ابن مسعود ﵁ وهو الذي يختلف فيه.
ش: أراد أن الآثار التي ذكرت في هذا الباب إذا نُظر فيها وصحح معانيها ظهر أن الذي ذهب إليه من قال: لا تتم الصلاة إلا بالقعود مقدار التشهد هو الصحيح، وهو مذهب أبي حنيفة ومن تبعه في ذلك؛ وذلك لأن حديث علي ﵁ الذي رواه محمد بن الحنفية عنه عن النبي ﵇ قد بينا أنه لا يصلح أن يكون دليلا على أن يكون تمام الصلاة بالسلام، ولا لفرضية السلام.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قد بينا أنه مضطرب مختلف فيه، ولم يبق من ذلك سالمًا إلا حديث عبد الله بن مسعود الذي لم يختلف فيه، والاحتمال ينافيه؛ فحينئذ ثبت به قول من ذهب إلى أن الصلاة لا تتم إلا بالقعود قدر التشهد، وأنها تتم بدون السلام.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر؛ فإن الذين قالوا: إنه إذا رفع رأسه من آخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته، قالوا: إنا رأينا هذا القعود قعودا للتشهد، وفيه ذكر يُتَشَهَّد به، وتسليم يُخْرج به من الصلاة، وقد رأينا قبله في الصلاة قعودًا فيه ذكر يُتَشَهَّد به، فكل قد أجمع أن ذلك القعود الأول وما فيه من الذكر ليس هو من صلب الصلاة بل هو من سننها.
ثم اختلفوا في القعود الأخير، فالنظر على ما ذكرنا أن يكون كالقعود الأول ويكون ما فيه كما في القعود الأول فيكون سنة، وكل ما يفعل فيه سنة كما كان القعود الأول سنة وكل ما يفعل فيه سنة، وقد رأينا القيام الذي في كل الصلاة، والركوع، والسجود
стр. 2243
الذين فيها أيضًا كله كذلك؛ فالنظر على ما ذكرنا أن يكون القعود فيها أيضًا كله كذلك، فكما كان بعضه باتفاقهم سنة؛ كان ما بقي منه كذلك أيضًا في النظر.
ش: هذا الوجه من النظر والقياس للفريق الذين ذهبوا إلى أن المصلي إذا رفع رأسه من السجدة في آخر الصلاة تمت صلاته ولا يبقى عليه شيء، وبين ذلك بوجهين:
أشار إلى الأول بقوله: "إنا رأينا هذا القعود قعودًا" إلى قوله: "وكل ما يفعل فيه سنة".
وإلى الثاني بقوله: "وقد رأينا القيام ... إلى آخره"، وإنما خَصَّ هؤلاء بالذكر لهم بيان النظر والقياس؛ لأن الفريقين الآخرين متفقون في فرضية القعود في آخر الصلاة مقدار التشهد، وإنما الخلاف بينهم في لفظ السلام كما بيناه. فافهم.
ص: فاحتج عليهم الآخرون فقالوا: قد رأينا القعود الأول من قام عنه ساهيا فاستتم قائمًا أمر بالمضي في قيامه ولم يؤمر بالرجوع إلى القعود.
ورأينا من قام من القعود الأخير ساهيا فاستتم قائمًا أمر بالرجوع إلى القعود.
قالوا: فما يؤمر بالرجوع إليه بعد القيام عنه فهو فرض، وما لم يؤمر بالرجوع إليه بعد القيام عنه فليس ذاك بفرض، ألا ترى أن من قام وعليه سجدة من صلاته حتى استتم قائمًا أمر بالرجوع إلى ما قام عنه؛ لأنه قام فترك فرضًا، فأمر بالعود إليه، فكذلك القعود الأخير لما أمر الذي قام عنه بالرجوع إليه كان ذلك دليلًا أنه فرض، فلو كان غير فرض إذًا لما أمر بالرجوع إليه كما لم يؤمر بالرجوع إلى القعود الأول.
ش: هذا جواب عن وجه النظر الذي ذكره هؤلاء المذكورون، ملخصة أن يقال: الذي ذكرتم من قياس القعود الأخير على الأول في عدم الفرضية فاسد؛ لأنا وجدنا دليلًا يفرق بينهما بأن يجعل الأول سنة، والثاني فرضًا، وهو قوله:
стр. 2244
"قد رأينا القعود الأول من قام عنه حال كونه ساهيا ... إلى آخره" وهو ظاهر غني عن الشرح.
ولكن لهم أن يقولوا نحن ما نوجب الرجوع إلى القعود في الحالتين فيصح حينئذ القياس، ويمكن أن يجاب بأن الرجوع وإن لم يكن فرضًا لأجل القعود يكون فرضًا لأجل الخروج من الصلاة بالتسليمة إن كانوا يرونها فرضًا، وبغيرها إن لم يروها فرضًا، وفيه نظر لا يخفى. فافهم.
ص: فكان من الحجة عليهم للآخرين: أنه إنما أمر اللي قام من القعود الأول حتى استتم قائمًا بالمضي في قيامه، وأن لا يرجع إلى قعوده؛ لأنه قام من قعود غير فرض فدخل في قيام فرض، فلم يؤمر بترك الفرض والرجوع إلى غير الفرض، وأمر بالتمادي على الفرض حتى يتمه، وكان لو قام عن القعود الأول فلم يستتم قائمًا أمر بالعود إلى القعود؛ لأنه لما لم يستتم قائما فلم يدخل في فرض فأمر بالعود مما ليس بسنة ولا فرض إلى القعود الذي هو سنة، فكان يؤمر بالعود مما ليس بسنة ولا فريضة إلى ما هو سنة، ويؤمر بالعود من السنة إلى ما هو فريضة.
وكان الذي قام من القعود الأخير حتى استتم قائما داخلا لا في سنة ولا في فريضة، وقد قام من قعود هو سنة فأمر بالعود إليه، وترك التمادي فيما ليس سنة ولا فريضة، كما أمر اللي قام من القعود الأول الذي هو سنة فلم يستتم قائمًا فيدخل في الفريضة أن يرجع من ذلك إلى القعود الذي هو سنة، فلهذا أمر الذي قام من القعود الأخير حين استتم قائمًا بالرجوع إليه.
قال أبو جعفر ﵀: فهذا هو النظر عندنا في هذا الباب لا ما قال الآخرون، ولكن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ذهبوا في ذلك إلى قول الذين قالوا: إن القعود الأخير مقدار التشهد من صلب الصلاة.
ش: لما أجاب عن وجه النظر والقياس الذي ذكره أولئك القوم فيما ذهبوا إليه، بَيَّنَ ها هنا وجه النظر والقياس الصحيح الذي ذكره مخالفوهم، وفي هذا أيضًا جواب
стр. 2245
عن النظر الذي ذكره أولئك القوم مع بيان القياس الصحيح، ولهذا رأيت في بعض النسخ قد ذكر فيه قوله: "فاحتج عليهم الآخرون" إلى قوله: "أمر بالرجوع إلى القعود الأول" فقط ولم يزد عليه وذكر عقيبه: "ولكن أبا حنيفة ... " إلى آخره، وفي بعض النسخ ذكر قوله: "فكان من الحجة عليهم للآخرين ... " إلى آخره فقط من غير ذكر قوله: "فاحتج عليهم الآخرون". وفي بعضها ذكر ذا وذا، وهو الأكثر.
ووجهه ما ذكرنا وللقائل أن يقول: قوله: "فدخل في قيام فرض" غير مسلم؛ لأن القيام الفرض هو الذي يكون عقيب القعود، وهذا القيام في حكم القعود، ولهذا يؤمر بالرجوع إذا لم يحصل كماله.
ص: وقد قال بما قالوا من ذلك بعض المتقدمين:
حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن يونس، عن الحسن: "في الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر سجدة، قال: لا تجزئه حتى يتشهد أو يقعد قدر التشهد".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن سابق الرشيدي، قال: ثنا حيوة بن حدثنا عن ابن جريج قال: "كان عطاء يقول: إذا تشهد الرجل التشهد الأخير فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأحدث -وإن لم يكن سلم عن يمينه وعن يساره- فقد تمت صلاته، أو قال: فلا يعود إليها".
ش: أي قد قال بما قال الفريقان من ذلك أي من وجوب القعدة الأخيرة وعدم وجوب التسليمة بعض المتقدمين من السلف، فممن قال بوجوب القعدة الأخيرة منهم: الحسن البصري.
أخرج ذلك عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التميمي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن الحسن البصري.