والحديث أخرجه الجماعة (١) بوجوه متعددة، وبألفاظ مختلفة [كما سنذكره] في بابه، باب الرجل يشك في صلاته إن شاء الله تعالى، والباقي غني عن الشرح.
ص: وقد روي أيضًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعًا، فليبن علي اليقين ويدع الشك، فإن كانت صلاته نقصت فقد أتمها، وكانت السجدتان ترغمان الشيطان، وإن كانت صلاته تامة كان ما زاد والسجدتان له نافلة".
فقد جعل رسول الله ﵇ الخامسة زائدة، والسجدتن اللتين تطوعًا, ولم يجعل ما تقدم من الصلاة بذلك فاسدًا إذ كان المصلي قد خرج منها البتة، فثبت بذلك أن الصلاة تتم بغير تسليم، وأن التسليم من سننها لا من صلبها.
ش: حديث أبي سعيد الخدري أيضًا من جملة الدليل لمن قال بسنية السلام على من قال بفرضيته، وسيجيء بيانه في بابه إن شاء الله تعالى؛ فلذلك علقه ها هنا ولم يسنده.
وأخرجه مسلم، (٢) وأبو داود، (٣) النسائي، (٤) وابن ماجه (٥)، على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
قوله: "ترغمان" أي تغيضان وتذلان من الرغام وهو التراب، ومنه أرغم الله أنفه.
стр. 2242
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكان تصحيح معاني الآثار في هذا الباب يوجب ما ذهب إليه الذين قالوا: لا تتم الصلاة حتى يقعد فيها مقدار التشهد. لأن حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قد احتمل ما ذكرنا، واختلف في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﵇ -على ما وصفنا, ولم يبق إلا حديث ابن مسعود ﵁ وهو الذي يختلف فيه.
ش: أراد أن الآثار التي ذكرت في هذا الباب إذا نُظر فيها وصحح معانيها ظهر أن الذي ذهب إليه من قال: لا تتم الصلاة إلا بالقعود مقدار التشهد هو الصحيح، وهو مذهب أبي حنيفة ومن تبعه في ذلك؛ وذلك لأن حديث علي ﵁ الذي رواه محمد بن الحنفية عنه عن النبي ﵇ قد بينا أنه لا يصلح أن يكون دليلا على أن يكون تمام الصلاة بالسلام، ولا لفرضية السلام.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قد بينا أنه مضطرب مختلف فيه، ولم يبق من ذلك سالمًا إلا حديث عبد الله بن مسعود الذي لم يختلف فيه، والاحتمال ينافيه؛ فحينئذ ثبت به قول من ذهب إلى أن الصلاة لا تتم إلا بالقعود قدر التشهد، وأنها تتم بدون السلام.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر؛ فإن الذين قالوا: إنه إذا رفع رأسه من آخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته، قالوا: إنا رأينا هذا القعود قعودا للتشهد، وفيه ذكر يُتَشَهَّد به، وتسليم يُخْرج به من الصلاة، وقد رأينا قبله في الصلاة قعودًا فيه ذكر يُتَشَهَّد به، فكل قد أجمع أن ذلك القعود الأول وما فيه من الذكر ليس هو من صلب الصلاة بل هو من سننها.
ثم اختلفوا في القعود الأخير، فالنظر على ما ذكرنا أن يكون كالقعود الأول ويكون ما فيه كما في القعود الأول فيكون سنة، وكل ما يفعل فيه سنة كما كان القعود الأول سنة وكل ما يفعل فيه سنة، وقد رأينا القيام الذي في كل الصلاة، والركوع، والسجود
стр. 2243
الذين فيها أيضًا كله كذلك؛ فالنظر على ما ذكرنا أن يكون القعود فيها أيضًا كله كذلك، فكما كان بعضه باتفاقهم سنة؛ كان ما بقي منه كذلك أيضًا في النظر.
ش: هذا الوجه من النظر والقياس للفريق الذين ذهبوا إلى أن المصلي إذا رفع رأسه من السجدة في آخر الصلاة تمت صلاته ولا يبقى عليه شيء، وبين ذلك بوجهين:
أشار إلى الأول بقوله: "إنا رأينا هذا القعود قعودًا" إلى قوله: "وكل ما يفعل فيه سنة".
وإلى الثاني بقوله: "وقد رأينا القيام ... إلى آخره"، وإنما خَصَّ هؤلاء بالذكر لهم بيان النظر والقياس؛ لأن الفريقين الآخرين متفقون في فرضية القعود في آخر الصلاة مقدار التشهد، وإنما الخلاف بينهم في لفظ السلام كما بيناه. فافهم.
ص: فاحتج عليهم الآخرون فقالوا: قد رأينا القعود الأول من قام عنه ساهيا فاستتم قائمًا أمر بالمضي في قيامه ولم يؤمر بالرجوع إلى القعود.
ورأينا من قام من القعود الأخير ساهيا فاستتم قائمًا أمر بالرجوع إلى القعود.
قالوا: فما يؤمر بالرجوع إليه بعد القيام عنه فهو فرض، وما لم يؤمر بالرجوع إليه بعد القيام عنه فليس ذاك بفرض، ألا ترى أن من قام وعليه سجدة من صلاته حتى استتم قائمًا أمر بالرجوع إلى ما قام عنه؛ لأنه قام فترك فرضًا، فأمر بالعود إليه، فكذلك القعود الأخير لما أمر الذي قام عنه بالرجوع إليه كان ذلك دليلًا أنه فرض، فلو كان غير فرض إذًا لما أمر بالرجوع إليه كما لم يؤمر بالرجوع إلى القعود الأول.
ش: هذا جواب عن وجه النظر الذي ذكره هؤلاء المذكورون، ملخصة أن يقال: الذي ذكرتم من قياس القعود الأخير على الأول في عدم الفرضية فاسد؛ لأنا وجدنا دليلًا يفرق بينهما بأن يجعل الأول سنة، والثاني فرضًا، وهو قوله:
стр. 2244
"قد رأينا القعود الأول من قام عنه حال كونه ساهيا ... إلى آخره" وهو ظاهر غني عن الشرح.
ولكن لهم أن يقولوا نحن ما نوجب الرجوع إلى القعود في الحالتين فيصح حينئذ القياس، ويمكن أن يجاب بأن الرجوع وإن لم يكن فرضًا لأجل القعود يكون فرضًا لأجل الخروج من الصلاة بالتسليمة إن كانوا يرونها فرضًا، وبغيرها إن لم يروها فرضًا، وفيه نظر لا يخفى. فافهم.
ص: فكان من الحجة عليهم للآخرين: أنه إنما أمر اللي قام من القعود الأول حتى استتم قائمًا بالمضي في قيامه، وأن لا يرجع إلى قعوده؛ لأنه قام من قعود غير فرض فدخل في قيام فرض، فلم يؤمر بترك الفرض والرجوع إلى غير الفرض، وأمر بالتمادي على الفرض حتى يتمه، وكان لو قام عن القعود الأول فلم يستتم قائمًا أمر بالعود إلى القعود؛ لأنه لما لم يستتم قائما فلم يدخل في فرض فأمر بالعود مما ليس بسنة ولا فرض إلى القعود الذي هو سنة، فكان يؤمر بالعود مما ليس بسنة ولا فريضة إلى ما هو سنة، ويؤمر بالعود من السنة إلى ما هو فريضة.
وكان الذي قام من القعود الأخير حتى استتم قائما داخلا لا في سنة ولا في فريضة، وقد قام من قعود هو سنة فأمر بالعود إليه، وترك التمادي فيما ليس سنة ولا فريضة، كما أمر اللي قام من القعود الأول الذي هو سنة فلم يستتم قائمًا فيدخل في الفريضة أن يرجع من ذلك إلى القعود الذي هو سنة، فلهذا أمر الذي قام من القعود الأخير حين استتم قائمًا بالرجوع إليه.
قال أبو جعفر ﵀: فهذا هو النظر عندنا في هذا الباب لا ما قال الآخرون، ولكن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ذهبوا في ذلك إلى قول الذين قالوا: إن القعود الأخير مقدار التشهد من صلب الصلاة.
ش: لما أجاب عن وجه النظر والقياس الذي ذكره أولئك القوم فيما ذهبوا إليه، بَيَّنَ ها هنا وجه النظر والقياس الصحيح الذي ذكره مخالفوهم، وفي هذا أيضًا جواب
стр. 2245
عن النظر الذي ذكره أولئك القوم مع بيان القياس الصحيح، ولهذا رأيت في بعض النسخ قد ذكر فيه قوله: "فاحتج عليهم الآخرون" إلى قوله: "أمر بالرجوع إلى القعود الأول" فقط ولم يزد عليه وذكر عقيبه: "ولكن أبا حنيفة ... " إلى آخره، وفي بعض النسخ ذكر قوله: "فكان من الحجة عليهم للآخرين ... " إلى آخره فقط من غير ذكر قوله: "فاحتج عليهم الآخرون". وفي بعضها ذكر ذا وذا، وهو الأكثر.
ووجهه ما ذكرنا وللقائل أن يقول: قوله: "فدخل في قيام فرض" غير مسلم؛ لأن القيام الفرض هو الذي يكون عقيب القعود، وهذا القيام في حكم القعود، ولهذا يؤمر بالرجوع إذا لم يحصل كماله.
ص: وقد قال بما قالوا من ذلك بعض المتقدمين:
حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن يونس، عن الحسن: "في الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر سجدة، قال: لا تجزئه حتى يتشهد أو يقعد قدر التشهد".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن سابق الرشيدي، قال: ثنا حيوة بن حدثنا عن ابن جريج قال: "كان عطاء يقول: إذا تشهد الرجل التشهد الأخير فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأحدث -وإن لم يكن سلم عن يمينه وعن يساره- فقد تمت صلاته، أو قال: فلا يعود إليها".
ش: أي قد قال بما قال الفريقان من ذلك أي من وجوب القعدة الأخيرة وعدم وجوب التسليمة بعض المتقدمين من السلف، فممن قال بوجوب القعدة الأخيرة منهم: الحسن البصري.
أخرج ذلك عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التميمي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن الحسن البصري.
стр. 2246
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: "إذا رعف بعد ما يفرغ من السجدة الأخيرة فلينصرف وليتوضأ, فليرجع فليتشهد ما لم يتكلم، فإن تكلم استأنف الصلاة"
وقد روي عن الحسن خلافة أيضًا، قال ابن أبي شيبه في "مصنفه" (٢): ثنا حفص، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: "إذا رفع رأسه ثم أحدث فقد أجزأته صلاته".
وكذ روى عن إبراهيم (٣): ثنا حفص، عن حجاج، عن طلحة، عن إبراهيم قال: "إذا أتم الركوع والسجود، ثم أحدث فقد انقضت صلاته، وإن لم يتشهد".
وممن قال بعدم وجوب التسليمة: عطاء بن أبي رباح.
أخرجه عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن سعيد بن سابق بن الأزرق الرشيدي مولى عبيد الله بن حجاب يكنى أبا عثمان، ذكره ابن يونس في علماء مصر، وسكت عنه، والظاهر أن نسبته إلى رشيد بلدة بساحل مصر قريبة من الإسكندرية.
وهو يروي عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد، روى له الجماعة.
عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي أحد مشايخ أبي حنيفة.
стр. 2247
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن هشيم، عن ابن جريج، عن عطاء، نحوه.
وأخرج عنه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢) بخلاف ذلك: عن ابن جريج، عن عطاء: "في رجل أحدث في صلاته قبل أن يتشهد، قال: فحسبه فلا يعد". والله أعلم (٣).
стр. 2248
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ص: باب: الوتر
ش: أي هذا باب في بيان الوتر وأحكامه، والمناسبة بينه وبين الأبواب التي قبله التي فيها أحكام الفرائض هي أن اتصاله بالفرض أقوى من اتصال النفل به، وهو في اللغة خلاف الشفع.
وفي "العباب": الوتْر -بالكسر- الفرد، والوَتر-بالفتح-: الذَّحْل، هذه لغة أهل العالية، فأما لغة أهل الحجاز فبالضد منهم، وأما تميم (١) فبالكسر فيهما، وقرأ الكوفيون -غير عاصم-: "والشفع والوتر" بكسر الواو.
وقال يونس في كتاب "اللغات": وتَرتُ الصلاة مثل أوتَرْتُها، وفي الحديث: "يا أهل القرآن أوْتِروا، فإن الله وتر يحب الوتر" (٢)، وكذلك: أوترت القوس ووتّرتُها أيضًا توتيرًا بمعنى إذا جعلتَ عليها الوَتَرَ بالتحريك.
ص: حدثنا ابراهيم بن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة (ح).
وحدثنا أبو بكرة بكار بن قتيية، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي التَّيَّاح، قال: سمعت أبا مجلز يُحدّثُ عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇ قال: "الوتر آخر الليل".
حدثنا سليمان بن شعيب الكَيْساني، قال: أنا عبد الرحمن بن زياد، قال: أنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا مجلز فذكر مثله.
حدثنا سليمان، قال: أنا الخَصِيبُ بن ناصح، قال: أنا همام، عن قتادة، عن أبي مجلز قال: "سألت ابن عباس ﵄ عن الوتر، فقال: سمعت رسول الله ﵇
стр. 2249
يَقُول: الوتر ركعة من آخر الليل. وسألت ابن عمر ﵄ فقال: قال رسول الله ﵇: ركعة من آخر الليل".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم البُرلّسي، عن علي بن الجعْد الجوهري أحد أصحاب أبي حنيفة وشيخ البخاري وآخرين، عن شعبة، عن أي التَّيَّاح -بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة- واسمه يزيد بن حُميد, عن أبي مجلز -بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام وفي آخره زاي معجمة- واسمه لاحق بن حميد، عن ابن عمر.
وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن يحيى، قال: ثنا وهبُ بن جرير -ثم ذكر كلمة- قال: ثنا شعبة، عن أبي التَّيَّاح؟ عن أبي مجلز ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي التياح ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث شعبة، عن أبي التياح، عن أبي مجلز، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "الوتر ركعة من آخر الليل".
الثالث: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيْساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن قتادة بن دعامة السدوسي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (٣): نا ابن مثنى، نا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، قال: سمعت ابن عمر يحدث عن النبي ﵇ قال: "الوتر ركعة من آخر الليل".
стр. 2250
الرابع: عن سليمان بن شعيب أيضًا، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد- بن ناصح، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي مجلز ... إلى آخره.
وأخرجه مُسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا همام قال: ثنا قتادة، عن أبي مجلز قال: "سألت ابن عباس ... " إلى آخره نحوه سواء.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فقلَّدوه وجعلوه أصلًا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء ابن أي رباح، وسعيد بن المسيب، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وأبا ثور، وإسحاق، وداود بن علي فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث وجعلوه أصلًا في الإيتار بركعة، إلا أن مالكًا قال: ولابد أن يكون معها شفع -ليُسلّم بينهن- في الحضر والسفر. وعنه: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة، وكذا فعله سحنون في مرضه.
وقال ابن العربي: أقل النفل عند الشافعي ركعة، وحقيقة مذهبه تكبيرة، فإنه عنده لو كبَّر لصلاة، ثم بدا له في تركها فخرج عنها، كتب له ثواب التكبيرة، وليس له أصل، وأما ركعة واحدة فلم تشرع إلا في الوتر، وفعله أبو بكر وعمر، ورُوي عن عثمان وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس (٢) وأبي موسى وابن الزبير، وعائشة ﵃.
وقال أبو عمر: وممن رُوي عنه أجازه الوتر بواحدة ليس قبلها شيء: عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومعاوية، فقد روي عن ابن عباس أنه قيل له: إن معاوية فَعَلَهُ، فقال: أصاب السنة (٣).
وقال ابن حزم في "المحلى" (٤): وأفضل الوتر من آخر الليل، والليل ينقسم على ثلاثة عشرة وجهًا أيها فعل أجزأه، وأحبها إلينا وأفضلها أن يصلي ثنتي عشرة ركعة،
стр. 2251
يسلم من كل ركعتين، ثم يصلي ركعة واحدة ويسلم، لما روت عائشة: "أن نبي الله ﷺ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين".
أخرجه أبو داود.
الثاني: أن يصلي ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين منها، ثم يصلي خمس ركعات متصلات لا يجلس إلا في آخرهن؛ لرواية عائشة ﵂: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل ثلاثة عشرة ركعة يوتر منهن بخمس ركعات لا يجلس في شيء من الخمس إلا في آخرهن، ثم يجلس ويسلم".
أخرجه النسائي (١).
والثالث: أن يصلي عشر ركعات يُسلّم من آخر كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة؛ لرواية عائشة ﵂: "كان رسول الله ﵇ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العتمة- إلى الفجر إحدى عشرة ركعةً، يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بواحدة".
أخرجه مسلم (٢).
والرابع: أن يصلي ثمان ركعات، يسلِّم في كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة؛ لما روي عن ابن عمر: "أَن رجلًا سأل رسول الله ﵇ عن صلاة الليل، فقال: مثني مثني، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة".
أخرجه مسلم (٣).
والخامس: أن يصلي ثماني ركعات لا يجلس في شيء منهن جلوس تشهد إلا في آخرها، فإذا جلس في آخرهن وتشهد قام دون أن يسلم فأتى بركعة واحدة ثم
стр. 2252
يجلس ويتشهد ويسلم؛ لرواية عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يوتر بتسع ركعات يقعد في الثامنة، ثم يقوم فيركع ركعة".
أخرجه النسائي (١).
والسادس: أن يصلي ست ركعات، يسلم في آخر كل ركعتين منها، ويوتر بسابعة؛ لقوله ﵇: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" (٢).
والسابع: أن يصلي سبع ركعات لا يجلس ولا يتشهد إلا في آخر السادسة منهن، ثم يقوم دون أن يسلم فيأتي بالسابعة، ثم يجلس ويتشهد ويسلِّم؛ لرواية عائشة: "أن رسول الله ﵇ لما كبر وضعف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض ولا يُسلّم فيصلي السابعة، ثم يسلم (٣) ".
والثامن: أن يصلي سبع ركعات لا يجلس جلوس تشهدٍ إلا في آخرهن، فإذا كان في آخرهن جلس وتشهد وسلَّم؛ لرواية عائشة ﵂ أيضًا قالت: "لما أسنَّ رسول الله ﵇ وأخذ اللحم؛ صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ثم يصلي ركعتين بعد أن يسلم".
والتاسع: أن يصلي أربع ركعات يتشهد ويسلِّم من كل ركعتي ثم يوتر بواحدة ﵇: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" (١).
العاشر: أن يصلي خمس ركعات متصلات، لا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرهن؛ لرواية عائشة: "أن النبي ﵇ كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن".
أخرجه النسائي (٢)، وبه قال بعض السلف.
стр. 2253
والحادي عشر: أن يصلي ثلاث ركعات، يجلس في آخر الثانية منهن ويتشهد ويسلِّم، ثم يأتي بركعة واحدة ويتشهد في آخرها ويسلم في آخرها؛ لقوله ﵇: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وهذا قول مالك.
الثاني عشر: أن يصلي ثلاث ركعات يجلس في الثانية، ثم يقوم دون أن يسلَّم، ثم يأتي بالثالثة، ثم يجلس ويتشهد ويسلم كصلاة المغرب"، وهو اختيار أبي حنيفة لرواية عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان لا يسلم في ركعتي الوتر".
والثالث عشر: أن يركع ركعة واحدة فقط، وهو قول الشافعي وأبي سليمان وغيرهما.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فافرقوا على فرقتين، فقال بعضهم: الوتر ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، وقال بعضهم: الوتر ثلاث ركعات، يسلم في الاثنتين منهن، وفي آخرهن.
ش: أي خالف الجماعة المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وعبد الله بن المبارك وعمر بن عبد العزيز وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية والشافعي في قول، والحسن بن حيّ ومالكًا في الصحيح.
ولكن هؤلاء افترقوا إلى فرقتين أيضًا، فقال بعضهم وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري وابن المبارك: الوتر ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن كصلاة المغرب.
وقال أبو عمر: يُروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبي أمامة وحذيفة وعمر بن عبد العزيز والفقهاء السبعة.
وقال الترمذي: وذهب قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم إلى أن الوتر ثلاث ركعات.
(قال سفيان: إن شئت أوترت بخمس، وإن شئت أوترت بثلاث،
стр. 2254
وإن شئت أوترت بركعة) (١) قال سفيان: والذي أستحب: أن يوتر بثلاث ركعات. وهو قول ابن المبارك وأهل الكوفة. انتهى.
قوله: "وقال بعضهم" وهم: مالك والشافعي في قول وأحمد في رواية وإسحاق: الوتر ثلاث ركعات يسلّم في الاثنتين منهن وفي آخرهن، وأرادوا أنه ثلاث ركعات بتسليمتين.
وعن الشافعي: أنه بالخيار؛ إن شاء أوتر بركعة، وإن شاء أوتر بثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشرة، في الأوقات كلها.
وقال الزهري: في شهر رمضان ثلاث ركعات، وفي غيره ركعة واحدة.
وقال الخطابي: قال سفيان الثوري: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة.
وقال مالك: الوتر ثلاث يفصل بينهن، فإن لم يفصل ونسي إلى أن قام في الثالثة سجد سجدتي السهو.
ص: وكان قول رسول الله ﵇: "الوتر ركعة من آخر الليل" قد يحتمل عندنا ما قال أهل المقالة الأولى، ويَحتمل أن تكون ركعة مع شفع قد تقدمها، وذلك كله وتر، فتكون تلك الركعة تُوترُ الشفع المتقدم لها.
ش: أراد أن الحديث المذكور لا يصلح للاستدلال؛ لأن له الاحتمالين المذكورين، فإذا تمسك الخصم بأحدهما؛ يتمسك الآخر بالآخر، فلا يتم الاستدلال لإحدى الطائفتين.
ص: وقد بيَّن ذلك ما قد رواه بعضهم عن ابن عمر: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أَن رجلًا سأل رسول الله ﵇ عن صلاة الليل، فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصلِّ ركعة توتر لك صلاتك".
стр. 2255
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇ نحوه.
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، عن هشيم، عن أبي بشْر، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
أخبرنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن حبيب، عن طاوس، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، قال: ثنا عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فِطْرٌ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس قال: سمعت ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن بديل بن مَيْسرة وأيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحَاظِي، قال: ثنا معاوية بن سَلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ونافع، عن ابن عمر ﵄، أخبرهما عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم وحميد بن عبد الرحمن، حدثاه عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 2256
ش: أي وقد بيَّن ما ذكرنا من الاحتمال بَعضُ الرواة من التابعين عن عبد الله بن عمر ﵄.
وأخرج ذلك من اثني عشر طريقًا صحيحًا رجالها كلهم ثقات.
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد أحد أصحاب أبي حنيفة وشيخ البخاري، عن عبد الله بن عون المزني البصري، عن نافع ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا محمَّد بن سعيد، وابن عون، وغيرهما، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا سأل النبي ﵇ عن صلاة الليل، قال: مثني مثنى، فإذا خشيت الصبح فصلِّ لك ركعة توتر لكَ صلاتك".
الثاني: على شرط الصحيحين ورجالها كلهم رجال مسلم.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أن رجلًا سأل النبي ﵇ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﵇: صلاة الليل مثنى مثني، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدةً توتر له ما قد صلَّى".
الثالث: رجاله رجال الصحيحين ما خلا شيخ الطحاوي.
والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام، يحيى هو ابن سعيد الأنصاري.
وأخرجه البزار: من حديث يحيى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "صلاة الليل مثنى مثني، فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلى ركعةً واحدةً توتر له صلاته".
الرابع: أيضًا رجاله رجال الصحيحين ما خلا نصر بن مرزوق.
стр. 2257
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: "سمعت رجلًا يسأل النبي ﵇ وهو على المنبر: كيف يصلي أحدنا بالليل؟ فقال ﵇: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما مضى من صلاتك".
الخامس: [من] (١) طريق أبي داود، وأبو بكرة هو بكار القاضي.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث عمرو، عن طاوس، عن ابن عمر: "أن رجلًا سأل النبي ﵇ عن صلاة الليل، فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة".
السادس: عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): نا محمَّد، نا شعبة، عن أبي بشر، سمعت عبد الله بن شقيق يحدث، عن ابن عمر ﵄: "أَن رجلًا سأل النبي ﵇ عن الوتر، قال: فمشيت أنا وذلك الرجل، فقال رسول الله ﵇: صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة".
السابع: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي أحد أصحاب أبي حنيفة، وثقه أبو حاتم، عن جرير بن حازم، عن منصور بن المعتمر، عن حبيب بن أبي ثابت الكوفي، عن طاوس، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن حبيب بن
стр. 2258
أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عمر قال: "سئل النبي ﵇ عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة".
الثامن: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن خالد بن مهران الحذاء ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا محمَّد بن محمَّد التمار، ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مثنل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فاسجد سجدة".
التاسع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن فطر بن خليفة القرشي الكوفي الحناط -بالنون- احتج به الأربعة، وروى له البخاري مقرونًا بغيره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا فطر ابن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس قال: سمعت ابن عمر يحدث، عن النبي ﵇ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة".
العاشر: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن مسدد شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن بديل بن مَيْسرة وأيوب السختياني كلاهما, عن عبد الله بن شقيق ... إلى آخره.
وأخرجه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٢) ثنا أبو الربيع، نا حمّاد، نا أيوب وبُديْل، عن عبد الله ابن شقيق، عن ابن عمر: "أن رجلًا سأل النبي ﵇ كيف صلاة الليل؟ فقال: مثنى مثنى, فإذا خشيت الصبح فصلىّ ركعةً، واجعل آخر صلاتك وترًا".
стр. 2259
الحادي عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوُحَاظِي شيخ البخاري وأحد أصحاب أبي حنيفة، ونسبته إلى وُحاظة -بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظاء المعجمة- ابن سعد بن عوف، وهو يروي عن معاوية بن سلام الحبشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف المدني.
وأخرجه البزار في "مسنده ": ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، نا عبيد الله بن موسى، نا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ونافع، عن ابن عمر، أن النبي ﵇ قال: "صلاة الليل ركعتين، فإذا خشيتم الصبح فأوتروا بواحدة".
وأخرجه النسائي (١) أيضًا نحوه.
الثاني عشر: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بَحشَل، عن عمه عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم ابن عبد الله بن عمر وحميد بن عبد الرحمن بن عوف كلاهما، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه البزار: ثنا محمَّد بن معمر، ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن النعمان، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن وسالم، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة".
ص: وحدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا علي بن بحر القطان، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الوضين بن عطاء، قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر: "أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة واحدة".
وأخبر ابن عمر ﵄ أن النبي ﵇ كان يفعل ذلك، فقد أخبر أنه كان يصلي شفعًا ووتْرًا، وذلك في الجملة كله وتر، وقوله "يفصل بتسليمة" يَحتملُ أن تكون تلك التسليمة يُريدُ بها التشهد، ويحتمل أن يكون التسليم الذي يقطع الصلاة، فنظرنا في ذلك، فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن
стр. 2260
نافع: "أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن منصور، عن بكر بن عبد الله قال: "صلى ابن عمر ركعتين ثم قال: يا غلام، أرحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة".
ففي هذه الآثار أنه كان يوتر بثلاث ولكنه يفصل بين الواحدة والاثنتين، فقد اتفق عنه في الوتر أنه ثلاث.
وقد جاء عنه من رأيه أيضًا ما يدل على أن قول النبي ﵇ الذي ذكرناه كما وصفنا أنه يحتمل من التأويل.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني بكر ابن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عقبة بن مسلم قال: "سأَلت عبد الله بن عمر ﵄ عن الوتر، فقال: أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم؛ صلاة المغرب، قال: صدقت -أو أحسنت- ثم قال: بينا نحن في المسجد، قام رجل فسأل رسول الله ﵇ عن الوتر -أو عن صلاة الليل- فقال رسول الله ﵇: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة".
أفلا ترى أن ابن عمر حين سأله عقبة عن الوتر فقال: أتعرف وتر النهار؟ أي: هو كهو، وفي ذلك ما يُنبئك أن الوتر كان عند ابن عمر ثلاثًا كصلاة المغرب، إذ جعل جوابه لسائله عن وتر الليل: أتعرف وتر النهار؟ صلاة المغرب، ثم حدثه بعد ذلك عن النبي ﵇ بما ذكرنا، فثبت أن قوله: "فأوتر بواحدة" أي مع شيء تقدمها توتر بتلك الواحدة ما صليت قبلها، وكل ذلك وتر.
ش: أشار بهذا الكلام إلى إثبات ما ذكره من احتمال قوله ﵇: "الوتر ركعة"، وأن معناه ركعة مع شفع تقدمها، وإلى أن الوتر ثلاث ركعات كالمغرب، بيان ذلك: أنه أخرج عن أحمد بن داود المكي شيخ الطهبراني أيضًا، عن علي بن بحر
стр. 2261
القطان البغدادي، وثقه يحيى وأبو حاتم والعجلي والدارقطني والحاكم، عن الوليد بن مسلم الدمشقي روى له الجماعة، عن الوضين بن عطاء بن كنانة الدمشقي، وعن أحمد: ليس به بأس، كان يرى القدر. وقال الجوزجاني: واهي الحديث. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، روى له أبو داود وابن ماجه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر: "أنه كان يفصل بين شفعه ووتره
بتسليمة واحدة". ففيه شيئان:
- أحدهما: أنه أخبر أنه كان يصلي شفعًا ووترًا وهذا كله وتر؛ لأنه ثلاث ركعات.
- والآخر: أنه أخبر أنه كان يفصل بتسليمة واحدة فهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ذكر التسليم وأراد به التشهد من قبيل ذكر الشيء باسم ما يجاوره.
والآخر: أن يكون المراد به التسليم الحقيقي الذي يقطع الصلاة، فنظرنا في ذلك فوجدنا يونس بن عبد الأعلى المصري قد روى عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "كان يُسلِّم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته".
وأخرجه البخاري (١) معلقًا، وقال: وعن نافع: "أن عبد الله بن عمر كان يسلِّم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته".
وأخرجه البيهقي (٢) مسندًا: من طريق الشافعي، عن مالك، عن نافع.
ووجدنا أيضًا صالح بن عبد الرحمن قد روى عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن منصور بن المعتمر، عن بكر بن عبد الله المزني قال: "صلى ابن عمر ... " إلى آخره.
стр. 2262
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا منصور، عن بكر بن عبد الله المزني: "أن ابن عمر صلى ركعتين ثم سلَّم, ثم قال: أدخلوا إليّ ناقتي فلانة، ثم قام فأوتر بركعة".
ففي هذين الأثرين أنه كان يوتر بثلاث ولكنه كان يفصل بين الواحدة والاثنتين بتسليمة، فثبت لنا أحد شقي المدّعئ؛ لأن المدّعى شيئان:
أحدهما: كون الوتر ثلاث ركعات.
والآخر: كونه بتسليمة واحدة.
ففيما ذكرنا ثبت أن الوتر ثلاث ركعات.
وأما ثبوت الشق الآخر فبقول ابن عمر أيضًا حين سأله عقبة بن مسلم عن الوتر فقال: "أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، صلاة المغرب. قال: صدقت أو أحسنت".
أخرجه بإسناد مصري صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضًا, عن يحيى بن عبد الله بن بكير الدمشقي المصري شيخ البخاري وغيره، عن بكر بن مضر بن محمَّد أبي عبد الملك المصري، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري، عن عقبة بن مسلم التجيبي أبي محمَّد المصري القاضي إمام مسجد الجامع العتيق بمصر، قال العجلي: مصري تابعي ثقة.
وأخرجه الطبراني مقتصرًا على قول النبي ﵇ وقال: ثنا يحيى بن علي بن صالح , ثنا إسحاق بن بكر بن مضر , ثنا أبي , عن جعفر بن ربيعة , عن عقبة بن مسلم قال: "سألت عبد الله بن عمر عن الوتر فقال: بينما نحن في المسجد، قام رجل فسأل رسول الله ﵇ عن الوتر وعن صلاة الليل فقال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أصبحت وخشيت الصبح فأوتر بواحدة".
стр. 2263
ثم معنى قوله: "أتعرف وتر النهار" أن الوتر كصلاة المغرب، وصلاة المغرب ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، فقوله هذا يدل على أن الوتر عنده ثلاث ركعات بتسليمة واحدة كصلاة المغرب.
ودلَّ هذا أيضًا على أن المراد من قوله ﵇: "فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" أي مع شيء تقدمها ليكون بتلك الواحدة ما صلي قبلها وترًا.
وإنما قلنا: إن قول ابن عمر دلَّ على هذا المعنى؛ لأنه لما قال لعقبة بن مسلم: أتعرف وتر النهار؟ قال عقيب ذلك: قال رسول الله ﵇: "صلاة الليل مثني مثني فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة"، فحديثه بذلك عقيب جوابه لُعقبة بما أجاب يدل على ما ذكرنا من المعنى المذكور.
فإن قيل: قد جاء عن ابن عمر أنه كان يَفْصل في وَتره بتسليمةٍ فكيف تستدل على أنه بلا فصل -كالمغرب- بقوله لعقبة: "أتعرف وتر النهار"؟
قلت: ذاك فعله وهذا قوله، والأخذ بالقول أولى؛ لأنه أقوى على ما عرف في موضعه، ومما يقوِّي ذلك: أن الحسن البصري حكى إجماع المسلمين على الثلاث بدون الفصل.
فقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص، حدثنا عمرو، عن الحسن قال: "أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يُسلّم إلا في آخرهن".
وأيضًا فالذي جاء عن ابن عمر مما ذكر طريقه ضعيف؛ لأن فيه الوضين بن عطاء، ضعَّفه جماعة على ما ذكرناه، على أنه قد أنكره الحسن البصري على ما روى البيهقي في "سننه" (٢): من حديث يزيد بن زريع، قال: ثنا حبيب المعلم قال: "قيل للحسن: إن ابن عمر كان يُسلّم في الركعتين من الوتر. فقال: كان عمر أفقه منه؛ كان ينهض في الثالثة بالتكبير".
стр. 2264
ص: وقد بيَّن ذلك أيضًا: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن أبي في إسحاق، عن عامر الشعبي قال: "سألت ابن عباس وابن عمر ﵃: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ باليل؟ فقالا: ثلاث عشرة ركعة؛ ثمان ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر".
ش: أي وقد بيَّن أيضًا ما ذكرنا- من أن المراد من قوله: "فأوتر بواحدة" أي مع شيء تقدمها، وكذا المراد من قوله: "الوتر ركعة" أي ركعة مع شفع تقدمها: ما روي عن عبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃.
أخرجه بأسناد صحيح على شرط الشيخين: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن سعيد بن أبي مريم الجمحي شيخ البخاري، عن محمد بن جعفر بن كثير الأنصاري، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي المدني، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عامر بن شراحيل الشعبي.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا محمَّد بن عبيد بن ميمون أبو عبيد المديني، نا أبي، عن محمَّد بن جعفر، عن موسى بن عقبة ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "منها ثمان بالليل" (٢).
قوله: "ثمان" مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: منها ثمان ركعات، كما هو في رواية ابن ماجه.
قوله "ويوتر بثلاث" أي: يوتر النبي ﵇ بثلاث ركعات.
قوله "وركعتين بعد الفجر" أي: ويصلي ركعتين بعد طلوع الفجر الثاني، وأراد بهما سنة الفجر.
стр. 2265
وفيه من الفوئد: أنه ﵇ كان يؤخر الوتر إلى آخر الليل، فدلّ على استحباب ذلك، وعلى استحباب قيام الليل، وعلى أن الوتر ثلاث ركعات، وهو يُبيِّن أن معنى قوله ﵇: "فأوتر بواحدة" أي مع شفع تقدمها، يوتر بتلك الواحدة ما يُصلي قبلها، وكذلك معنى قوله: "الوتر ركعة من آخر الليل" كما ذكرناه.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني المطلب بن عبد الله المخزومي: "أن رجلًا سأل ابن عمر ﵄ عن الوتر، فأمره أن يفصل. فقال الرجل: إني أخاف أن يقول الناس: هي البتيراء. فقال ابن عمر: تريد سنة الله وسنة رسوله؟ هذه سنة الله وسنة رسوله".
ش: ذكره أيضًا دليلًا على ما قاله من أن المراد من قوله ﵇: "فأوتر بواحدة" يعني مع شيء تقدمها، وإن كان لا يدل على أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة في آخرها؛ وذلك لأنه لم يقصد من ذكره ها هنا إلا المعنى الذي ذكره.
وأخرجه عن سليمان بن شعيب الكيْساني، عن بشر بن بكر التِنّيِسي البجلي وثقه أبو زرعة وآخرون وروى له البخاري، عن الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب القرشي المخزومي المدني، وثقه أبو زرعة والدارقطني، وقال محمَّد بن سعد: كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه؛ لأنه يرسل عن النبي ﵇ كثيرًا وليس له لقيُّ، وعامة أصحابه يدلسون.
قلت: مثل الأوزاعي روى عنه، واحتجت به الأربعة ويكفي هذا في الاحتجاج بحديثه.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا يحيى بن عبد الله البَابُلْتي، ثنا الأوزاعي، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: "سأل رجل ابن عمر عن الوتر، فقال: أوتر بواحدة. فقال الرجل: إني أخشى أن يقول الناس إنها البتيراء. قال: سنة الله وسنة رسوله تريد؟ هذه سنة الله وسنة رسوله ﵇".
стр. 2266
وأخرجه البيهقي (١): عن أحمد بن عيسى، نا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، حدثني المطلب بن عبد الله فقال: "أتى ابن عمر رجل فقال: كيف أوتر؟ قال: أوتِرْ بواحدة. قال: إني أخشى أن يقول الناس إنها البتيراء. قال: أسنة الله ورسوله تريد؟ هذه سنة الله ورسوله".
وقال الذهبي: أحمد بن عيسى التنيسي الخشاب تالفٌ. انتهى.
و"البُتَيراء" على وزن فُعَيلاء وهو مصغر بَتْراء مؤنث أبتر من البَتْر وهو القطع، وقد جاء من غير تصغير في حديث زياد أنه قال في خطبته: "البَتْراء".
وإنما قيل هكذا؛ لأنه لم يذكر فيها الله ، ولا صلى فيها على النبي ﵇.
ومعناه الشرعي ما قاله ابن الأثير في "النهاية": البتيراء هو أن يوتر بركعة واحدة، وقيل: هو الذي شرع في ركعتين فأتم الأولى ثم قطع الثانية، ثم قال: ومنه حديث سعد: "أنه أوتر بركعة فأنكر عليه ابن مسعود وقال: ما هذه البُتَيْراء".
قلت: فدل ذلك أن ابن مسعود ﵁ يرى أن البُتَيْراء هو الإيتار بركعة واحدة، وأما ابن عمر ﵄ فإنه قد فسر البتيراء نحو القول الأول.
وأخرج البيهقي (٢): عن الحاكم، قال: أنا الأصم، نا الصغاني، نا إسحاق بن إبراهيم الرازي، ثنا سلمة الأبرش، نا ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي منصور مولى سعد بن أبي وقاص قال: "سألت ابن عمر عن وتر الليل، فقال: يا بُنَي هل تعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، المغرب. قال: صدقت، وتر الليل واحدة؛ بذلك أمر رسول الله ﵇. قلت: يا أبا عبد الرحمن، إن الناس يقولون: إن تلك البتيراء. قال: يا بني، ليس تلك البتيراء، إنما البتيراء أن يصلي الرجل الركعة التامة في ركوعها وسجودها وقيامها ثم يقوم في الأخرى ولا يتم لها ركوعًا ولا سجودًا ولا قيامًا، فتلك البتيراء".
فإن قلت: هل ورد النهي عن البتيراء؟
стр. 2267
قلت: روى أبو عمر في" التمهيد" (١): ثنا عبد الله بن محمَّد بن يوسف، ثنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل بن الفرج، أبنا أبي، ثنا الحسن بن سليمان قبيْطة، ثنا عثمان بن محمَّد بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: "أن رسول الله ﵇ نهى عن البتيراء؛ أن يُصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها".
فإن قيل: قال ابن حزم في "المحلى" (٢): ولم يصح عن النبي ﵇ نهيٌ عن البتيراء، ولا في الحديث على سقوطه بيان ما هي البتيراء.
قلت: تعلق ابن حزم بما قالوا: إن في إسناد حديث أبي سعيد الخدري عثمان بن محمَّد بن عثمان بن أبي عبد الرحمن، وهو ضعيف لقول العُقَيلي: الغالب على حديثه الوهم. وهذا تعلّق لا طائل تحته؛ لأن أحدًا غير العُقيلي لم يتكلم فيه بشيء، وكلام العقيلي خفيف، ألا ترى أن الحاكم أخرج لعثمان بن محمَّد هذا في كتابه "المستدرك على الصحيحين"؟ وبقية الرجال ثقات (٣).
أما شيخ أبي عمر: فهو عبد الله بن محمَّد بن يوسف، هو ابن الفرضي الإِمام الثقة الحافظ.
وأما الحسن بن سليمان بن سلام الفزاري: فهو أبو علي الحافظ يُعرف بقُبَيْط، قال فيه ابن يونس: كان ثقةً حافظًا.
وأما الدراوردي: فإن الجماعة أخرجوا له، غير أن البخاري أخرج له مقرونًا بغيره.
وأما عمرو بن يحيى بن سعيد أبو أمية المكي: فإن البخاريّ روى له، وأما أبوه
стр. 2268
يحيى بن سعيد بن عمرو بن العاص بن أمية القرشي أبو أيوب المدني: فإن مسلمًا روى له.
فحينئذٍ يكون هذا الحديث صحيحًا ولا سيما على شرط الحاكم وقد قال صاحب "الهداية" في باب سجود السهو: لأن الركعة الواحدة لا تجزئه لنهيه ﵇ عن البتيراء. وأراد به الحديث المذكور.
ص: وقد روي عن عائشة في ذكرها وتر النبي ﵇ ما يدل على حقيقة ما ذكرنا: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ -لا يُسلِّم في ركعتي الوتر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد ... فذكر بإسناده مثله.
فأخبَرت أن الوتر ثلاثٌ، لا يسلم بين شيء منهن.
ش: لما ذكر أن حقيقة معنى قوله ﵇: "أوتْرِ بواحدة" وقوله: "الوترُ ركعة واحدة" هو أن يكون بشفع قد تقدمها، وأن الوتر ثلاثٌ بتسليمة واحدة في آخره؛ ذكر حديث عائشة هذا شاهدًا لما ذكره؛ فإنها أخبرت في حديثها هذا أنه ﵇ كان لا يُسلم في ركعتي الوتر، وهذا صريح على أنه كان يوتر بثلاث ركعات بقعدتين وتسليمة واحدة في آخره.
وأخرجه من طريقين صحيحين على شرط مسلم:
أحدهما: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرّقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس، عن سعيد بن أبي عروبة مهران البصري، عن قتادة بن دعامة السَّدُوسي، عن زُرارة بن أوفى أي الحاجب البصري، عن سعد بن هشام بن عامر الأنصاري ابن عم أنس بن مالك.
وهؤلاء كلهم روى لهم الجماعة ما خلا سَعْدًا، فإنه روى له تعليقا البخاري، وما خلا أبا بشر فإنه أيضًا ثقة.
стр. 2269
وأخرجه النسائي (١): أنا إسماعيل بن مسعود، نا بشر بن المفضل، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، أن عائشة ﵂ حدثته: "أن رسول الله ﵇ كان لا يُسلّم في ركعتي الوتر".
والآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن محمَّد بن المنهال التميمي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع القيسي شيخ ابن المديني، عن سعيد بن أبي عروبة ... إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا أبو محمَّد بن صاعد، ثنا محمَّد بن عمرو ابن سليمان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد بن أبي عروبة ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث أبان، عن قتادة، عن زرارة، عن سَعد بن هشام، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن".
ص: ثم قد رُوِيَ عن عائشة ﵂ بعد هذا أحاديث في الوتر إذا كُشِفَت رَجعَتْ إلى معنى حديث سَعْد بن هشام هذا، فمن ذلك ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هُشَيم، قال: أنا أبو حرة، قال: ثنا الحسين، عن سَعْد بن هشام، عن عائشة قالت: "كان رسولُ الله ﵇ إذا قامَ من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر".
فأخْبَرتْ ها هنا أنه كان يُصلي ركعتين، ثم ثمانيًا، ثم يوتر، فكان مَعْنى "ثم يوتر" يحتمل: ثم يوتر بثلاث منهن ركعتان من الثمان وركعة بعدها، فيكون جميع ما صلى إحدى عشرة.
ويحتمل: ثم يوتر بثلاثٍ مُتتابعات، فيكون جميع ما صلى ثلاث عشرة ركعةً.
стр. 2270
فنظرنا فيما يحتمل من ذلك؛ هل جاء شيء يدل على شيء منه بعينه؟ فإذا إبراهيم ابن مرزوق ومحمد بن سليمان الباغندي قد حدثانا، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حُصَيْن بن نافع العَنْبرِي، عن الحسن، عن سَعْد بن هشام قال: "دخلتُ على عائشة ﵂ فقلت: حدثيني عن صلاة رسول الله ﵇، قالت: كان النبي ﵇ يصلي بالليل ثمان ركعات ويُوتر بالتاسعة، فلما بَدّنَ صلى ست ركعات وأوْتر بالسابعة وصلى ركعتين وهو جالس".
ففي هذا الحديث أنه كان يوتر بالتاسعة فذلك يَحْتَمل أن يكون يُوتِرَ بالتاسعة مع اثنتين من الثمان التيم قبلها حتى يتفق هذا الحديث وحديث زرارة ولا يتضادان.
ش: اعلم أنه قد ووي عن عائشة ﵂ أن وتر النبي ﵇ ثلاث بتسليمة واحدة وهو في رواية سعد بن هشام عنها كما مر آنفًا، وروي عنها أيضًا أحاديث في بعضها ما يناقض هذا، وأحاديث أخرى بينها تضادّ ظاهرًا, ولكن إذا كشفت معانيها تَرْجع كلها إلى معنى واحد وهو المعنى الذي يُفهم من حديث سعد بن هشام من أن الوتر ثلاث ركعات بقعدتين وتسليمة واحدة في آخره، فأشار إلى بيان ذلك بقوله: ثم قد رُوي عن عائشة ﵂ ... إلى آخره.
فمن جملة ذلك ما رواه سعد بن هشام عنها: "أَنه ﵇ كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم صلى ثمان ركعات ثم أوتر".
أخرجه من طريق صحيح على شرط مسلم، عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم ابن بَشِير، عن أبي حُرّة -بضم الحاء المهملة- واصل بن عبد الرحمن البصري، روى له مسلم والنسائي، عن الحسن البصري، عن سعد بن هشام.
وأخرجه مسلم (١) والنسائي (٢) مقتصرا على قوله: "بركعتين خفيفتين" بهذا
стр. 2271
الإسناد بعينه، فأخبرت عائشة ﵂ في هذا الحديث أنه ﵇ كان يصلي ركعتين، ثم يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر فقولها: "ثم يوتر" يحتمل وجهين:
الأول: ثم يوتر بثلاث ركعات منهن ركعتان من الثمان وركعة بعدها، فيكون حينئذٍ جميع ما صلى إحدى عشرة ركعة؛ ثمان ركعات تطوع، وثلاث وتر.
الثاني: ثم يوتر بثلاث ركعات متتابعات، فيكون جميع ما صلى ثلاث عشرة ركعة؛ عشر ركعات تطوع، وثلاث وتر، فبهذا الاحتمال لا يحكم بشيء بعينه إلا إذا دلّ دليل على شيء من ذلك بعينه.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا سَعْد بن هشام أيضًا روى عن عائشة: "أنه ﵇ كان يُصلي بالليل ثمان ركعات ويوتر بالتاسعة"، فهذا صريح على أنه كان يوتر بالتاسعة مع الركعتين من ثمان ركعات التي قبلها، فدلّ ذلك على أن المراد في الحديث الأول هو الاحتمال الأول؛ لأن الحديثين كليهما من رواية الحسن البصري، عن سَعْد بن هشام، وقد بيَّن أحدهما معنى الآخر.
وإنما قلنا هكذا؛ ليقع الاتفاق بين روايتي سَعْد بن هشام عن عائشة، اللتين بينهما تضاد ظاهرًا، بيانه: أن زرارة بن أوفى روى عن سَعْد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﵇: "أنه كان لا يسلم في ركعتي الوتر"، وأن الحسن البصريّ روى عن سعد في الروايتين المذكورتين أنه كان يصلي ثمان ركعات في إحديهما: "ثم أوتر"، وفي الأخرى: "ثم يوتر بالتاسعة" فبين قوله: "لا يسلم في ركعتي الوتر" وقوله:"ثم أوتر" تضادّ ظاهرًا؛ لأن الأول يدل على أن الثلاث متتابعات، والثاني يدل على أن الثالثة مفصولة من الركعتين، فإذا حملنا معنى قوله: "ثم أوتر" على معنى أنه أوتر بالتاسعة مع اثنتين من الثمان التي قبلها؛ يقع الاتفاق ويرتفع التضاد.
ثم إسناد حديث ابن مرزوق صحيح أيضًا، ورجاله ثقات.
ومحمد بن سليمان بن الحارث الباغندي قال الدارقطني: لا بأس به. وقال الخطيب: رواياته كلها مستقيمة. ونسبته إلى باغند قرية من قرى واسط.
стр. 2272
وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، وحصين بن نافع الفهري التميمي الوراق البصري، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي.
وأخرجه النسائي بهذا الإسناد (١): أنا محمَّد بن عبد الله الخلنجي، قال: ثنا أبو سعيد -يعني مولى بني هشام- قال: ثنا حصين بن نافع، قال: ثنا الحسن، عن سعد بن هشام: "أنه وقد على أم المؤمنين عائشة ﵂ فسألها عن صلاة رسول الله ﵇، فقالت: كان يصلي من الليل ثمان ركعات ويوتر بالتاسعة ويصلي ركعتين وهو جالس".
وأخرجه (٢) من طريق آخر: أخبرنا زكرياء بن يحيى، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد الرزاق قال: أبنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، قال: أخبرني سعد بن هشام، عن عائشة أنه سمعها تقول: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر بتسع ركعات ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فلما ضَعُف أوتر بسبع ركعات ثم يصلي ركعتين وهو جالس".
وأخرجه من خمس طرق أخرى مطولة ومختصرة (٣).
وأخرجه مسلم (٤) مطولًا جدًّا.
وكذا أخرجه أبو داود (٥) بطرق مختلفة مطولة ومختصرة.
وقوله: "ويوتر بالتاسعة" أي بالركعة التاسعة، والمعنى يجعل التاسعة وترًا بركعتين قبلها والكل ثلاث وتر.
стр. 2273
قوله: "فلما بَدَّن" بتشديد الدال مَعْناه كَبُر وأسنَّ، وأما بَدُنَ -بتخفيف الدال وضمها- فمعناه كثر لحمه وسمن، ولم يكن سمينًا. كذا قاله أبو عبيدة.
قلت: يَردُّ عليه ما جاء من حديث ابن أبي فضالة في صفته ﵇: "بادن متماسك" من البدانة وهي كثرة اللحم.
قوله: "وأوتر بالسابعة" أي بالركعة السابعة، ومعناه: بركعتين قبلها كما ذكرناه.
قوله: "وهو جالس" كلمة وقعت حالًا.
وقد أخذ الأوزاعي وأحمد بظاهر الحديث، فأباحا ركعتين بعد الوتر جالسًا، وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله. قال النووي: وأنكره مالك.
قلت: الصواب أن النبي ﵇ فعل هاتين الركعتين بعد الوتر جالسًا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز الفعل جالسًا, ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرةً أو مرتين أو مرات قليلة.
فإن قيل: قد أخبرت عائشة ﵂ بقولها: "كان يصلي" وهذه لفظة تدل على الاستمرار والثبات.
قلت: المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أنّ "كان" لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماضي يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على التكرار عُمِل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها. وفيه نظر؛ لأن أهل اللغة والعربية ذكروا أن "كان" تدل على الثبات والاستمرار، وفرَّقوا بينها وبين "صار"، وقالوا: إن "صار" تدل على الحدوث والتجدد، واستشهدوا عليه بجواز القول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وبعدم جواز "صار الله"، فافهم.
والتحقيق فيه: أنه ﵇ كان يفعل ذلك مستمرًّا بعد أن بدَّن، فتكون مداومته على ذلك للعجز؛ ولأن باب النفل أوسع، والله أعلم.
стр. 2274
واستدل به الشافعي في أحد أقواله: أن الوتر سبع ركعات، ونحن نقول أن الوتر منها ثلاث ركعات ليس إلا، والأربع قبله نفل، والحديث لا يدل على أن الوتر سبع ركعات، وإنما قال: "ويوتر بالسابعة" أي بالركعة السابعة مع شفع تقدمها.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة، عن الحسن، عن سعد بن هشام الأنصاري: "أنه سأل عائشة ﵂، عن صلاة رسول الله ﵇ بالليل، فقالت: كان يُصلي العشاء، ثم يتجوز بركعتين وقد أعد سواكه وطَهُورَه فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يقوم فيصلي ثمان ركعات يُسوِّي بينهن في القراءة، ويوتر بالتاسعة، فلما أسنَّ رسول الله ﵇ وأخذه اللحم جعَل تلك الثماني ستًّا ثم يوتر بالسابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ".
ففي هذا أنه كان يُصلّي قبل الثمان التي يوتر بتاسعتهن أربعًا، فجميع ذلك ثلاث عشرة ركعة منها الوتر اللي فسرة زرارة، عن سعد، عن عائشة ﵂ وهو ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن. فقد صحت رواية سعد عن عائشة ﵂ وباتت على ما ذكرنا.
ش: ذكر هذه الرواية شاهدة لما قاله من أن المراد من قول عائشة ﵂ في الحديث الذي رواه عنها سعد بن هشام أيضًا "أن رسول الله ﵇ كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر" أنه يوتر بالتاسعة مع اثنتين من الثمان التي قبلها، وأنه يدل على أن الوتر ثلاث ركعات من غير فصل بينها بتسليمة؛ لأنه ذكر في هذا الحديث أنه ﵇ كان يصلي قبل ثمان ركعات التي يوتر بتاسعتهن أربعًا، فيكون جميع ذلك ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وهو ثلاث ركعات على ما فسره زرارة بن أوفى في روايته عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ لا يُسلِّم في ركعتي الوتر".
стр. 2275
ثم إنه أخرج الحديث المذكور بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي حرة واصل بن عبد الرحمن، عن الحسن البصري ... إلى آخره.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة، عن الحسن، عن سعد بن هشام الأنصاري: "أنه سأل عائشة ﵂ عن صلاة النبي ﵇ بالليل، فقالت: كان رسول الله ﵇ إذا صلى العشاء تجوّز بركعتين، ثم ينام وعند رأسه طَهوُره وسواكه، فيقوم فيتسوَّك ويتوضأ, ويصلي ويتجوَّز بركعتين، ثم يقوم فيصلي ثمان ركعات يسوِّي بينهن في القراءة، ثم يوتر بالتاسعة، ويصلي ركعتين وهو جالس، فلما أسنَّ رسول الله ﵇ وأخذ اللحم، جعل الثمان ستًّا ويوتر بالسابعة، ويصلي ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ ".
قوله: "ثم يتجوز بالركعتين" أي يخففهما ويُسْرع بهما، وقيل: هو من التجاوز وهو القطع والسير.
قوله: "طَهُوره" بفتح الطاء: اسم لما يتطهر به.
قوله: "ويوتر بالتاسعة" أي بالركعة التاسعة مع شفع تقدمها، وكذا معنى قوله: "ثم يوتر بالسابعة".
ويستفاد منه أحكام:
استحباب التأهب بأسباب العبادات قبل وقتها والاعتناء بها، واستحباب السواك عند القيام من النوم، وجواز النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وعدم الكراهة في القراء في الركعة الثانية بسورة وهي فوق السورة التي قرأها في الركعة الأولى، فافهم.
стр. 2276
ص: وقد روي عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ في ذلك ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا هُشَيم بن بشير، قال: أنا خالد الحذاء، قال: أنا عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة ﵂ عن تطوع رسول الله ﵇ بالليل، فقالت: كان إذا صلى بالناس العشاء يدخل فيصلي ركعتين، قالت: وكان يصلي من الليل تِسْع ركعات فيهن الوتر، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين في بَيْتي ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر".
ففي هذا الحديث أنه كان يُصلّي إذا دخل بَيْته بعد العشاء ركعتين، ومن الليل تسعًا فيهن الوتر، فذلك عندنا على تسعٍ غير الركعتين اللتين كان يخففهما على ما قال سعد عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يفتتح صلاته من الليل بركعتين خفيفتين"، وإنما حملنا معنى حديث عبد الله بن شقيق على هذا المعنى ليتفق هو وحديث سَعْد بن هشام ولا يتضادان.
ش: لما كان حديث عبد الله بن شقيق يخالف ظاهر حديث سَعْد بن هشام، وكلاهما يَرْويان عن عائشة ﵂؛ ذكره عقيب حديث سعد ليوفِّق بينهما دفعًا للتضاد، أما بيان التضاد: فإن الذي ذكره سعد في حديثه: أن جميع ما كان يصليه ﵇ ثلاث عشرة ركعة؛ لأنه كان يصلي ركعتين بعد العشاء ويتجوز بهما، ثم يصلي ركعتين أخراوين بعد قيامه من النوم، ثم يصلي ثمان ركعات ويوتر بالتاسعة، فالجملة ثلاث عشرة ركعة منها الوتر ثلاث ركعات.
والذي ذكره عبد الله بن شقيق: أنه كان إذا صلى بالناس العشاء يدخل فيصلي ركعتين، ثم كان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، فالجملة إحدى عشرة.
وأما بيان وجه التوفيق بينهما: أن حديث عبد الله بن شقيق محمول على معنى حديث سَعْد وهو أن المراد من الركعتين اللتين كان يصليهما إذا دخل، والتسع التي كان يصليها بعدهما التي فيهن الوتر غير الركعتين الخفيفتين اللتن قد ذكرتا في حديث سعد بن هشام عن عائشة المذكور فيما مضى، فحينئذٍ يكون الجميع هنا أيضًا ثلاث عشرة ركعة؛ فتتفق الروايتان ولا تختلفان.
стр. 2277
ثم إسنادُ حديث عبد الله بن شقيق صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات قد فذكروا غير مرة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا هُشَيم، ثنا خالد، عن عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﵇ من التطوع، فقالت: كان يصلي قبل الظهر أربعًا في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بهم العشاء، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا, وليلًا طويلًا جالسًا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين، ثم يخرج ليصلي بالناس صلاة الفجر" انتهى.
من فوائده: أن الوتر ثلاث ركعات؛ لأن قوها: "فيهن الوتر" أي في التسع الوتر وهو ثلاث، وأن صلاة السنن في المنازل أفضل، وفيه ترغيب لقيام الليل ولو جزءًا يسيرًا.
ص: وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ في ذلك: [ما قد] (٢) حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: حدثني أبان بن يزيد، قال: حدثني ابن أبي كثير، قال: ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: "أن نبي الله ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، وصلى بين أذان الفجر والإقامة ركعتين".
فيحتمل أن تكون الثمان ركعات التي أوتر بتاسعتهن في هذا الحديث هي الثمان التي ذكر سعد بن هشام عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﵇ كان يصلي قبلهن أربع
стр. 2278
ركعات" ليتفق هذا الحديث وحديث سعد، ويكون هذا الحديث قد زاد على حديث سعد وحديث عبد الله بن شقيق تطوع رسول الله ﵇ بعد الوتر.
ويحتمل أيضًا أن تكون هذه التسع هي التسع التي ذكرها سعد بن هشام في حديثه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﵇ كان يصليهما لما بدّن؛ فيكون ذلك تسع ركعات مع الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما صلاته، ثم كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا بدلًا مما كان يصليه قبل أن يُبدّن قائمًا وهو ركعتان، فقد عاد ذلك أيضًا إلى ثلاث عشرة ركعة.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﵇ بالليل، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يُصلي ركعتين وهو جالس، وإذا أراد أن يركع قام فركع قائمًا ثم سجد، وكان يصلي ركعتين بين الأذان والإقامة من صلاة الصبح".
فهذا الحديث معناه معنى حديث أحمد بن داود، عن سهل بن بكار غير أنه ترك ذلك الوتر.
وحدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمَّد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة منها ركعتان وهو جالس، ويصلي ركعتين قبل الصبح".
فتلك ثلاث عشرة ركعة، فقد وافق هذا الحديث أيضًا حديث أحمد بن داود.
وقولها: "يصلى ركعتين قبل الصبح" يعني قبل صلاة الصبح، وهما الركعتان اللتان ذكرهما أحمد بن داود في حديثه أنه كان يصليهما بين الأذان والإقامة.
وحدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا القواريري (ح).
وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قالا: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن أبي لبيد، قال: سمعت أبا سلمة يقول: "دخلت على عائشة ﵂، فسألتها عن
стр. 2279
صلاة رسول الله ﵇ بالليل، فقالت: كانت صلاته في رمضان وغيره سواء؛ ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر".
فقد وافق هذا الحديث أيضًا ما رويناه قبله من حديث أبي سلمة.
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره: "أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﵇ في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي ﵇ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. قالت عائشة ﵂: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيناي تنامان ولا ينام قلبى".
فيحتمل هذا الحديث أن يكون قولها "ثلاثا" تريد [يوتر] (١) بإحداهن مع اثنتين من الثمان، ثم يصلي الركعتين الباقيتين، وهما الركعتان اللتان ذكرهما أبو سلمة فيما تقدم مما روينا عنه أنه كان يصليهما وهو جالس؛ حتى يتفق هذا الحديث وما تقدمه من أحاديثه، ويحتمل أن تكون الثلاث كلها وترًا، وهو أغلب المعنيين؛ لأخها قد فَصَّلت صلاته فقالت: فكان يصلي أربعًا، ثم أربعًا، ووصفت ذلك كله بالحسن والطول، ثم قالت: "ثم يصلي ثلاثًا" ولم تصف ذلك بطول، وجمعت الثلاث بالذكر، فذلك عندنا على الوتر، فيكون جميع ما كان يصليه إحدى عشرة ركعة مع الركعتين الخفيفتين اللتين في حديث سعد بن هشام، أو مع الركعتين اللتين كان يصليهما وهو جالس بعد الوتر وهذا أشبه بروايات أبي سلمة؛ لأن جميعها تُخبرُ عن صلاته بعد ما بدّن، وحديث سعد بن هشام يخبز عن صلاته بعد ما بدَّن وعن صلاته قبل ذلك.
ش: لما ذكر فيما مضى أنه قد روي عن عائشة أحاديث في الوتر إذا كشفت رجعت إلى معنى حديث سعد بن هشام الذي رواه عنه زرارة بن أوفى وهو: "أنه ﵇ كان
стр. 2280
لا يُسلّم في ركعتي الوتر"، ثم وفق بين ما وقع في روايات سعد بن هشام من التخالف ظاهرًا، وكذا ما وقع بين روايته وبين رواية عبد الله بن شقيق؛ شرع ها هنا بذكر ما رواه أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة؛ ليوفق بينه وبين ما روي من غيره عن عائشة في هذا الباب، فأخرج حديثه من ستة طرق:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن سهل بن بكار بن بشر الدارمي البصري المكفوف شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار البصري، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن مثنى، قال: نا ابن أبي عدي، نا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﵇، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، قالا: نا أبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة: "أن نبي الله ﵇ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة؛ كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بركعة ثم يصلي -قال مسلم: بعد الوتر- ركعتين وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ويصلي بين أذان الفجر والإقامة ركعتين".
وأخرجه النسائي (٣): أنا عبد الله بن فضالة بن إبراهيم، قال: ثنا محمَّد -يعني ابن المبارك- الصوري، قال: ثنا معاوية -يعني ابن سلام- عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: "أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله ﵇