← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: "صلى رسول الله ﷺ في خوفٍ الظهرَ، فصفّ بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدوّ، فصلى ركعتين ثم سلّم، فانطلق الذين صلّوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلّوا خلفه، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلّم، فكانت لرسول الله ﵇ أربعًا ولأصحابه ركعتين ركعتين". الثاني: عن أبي بكرة، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي حُرّة واصل بن عبد الرحمن، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة نُفَيْع، عن النبي ﵇. وأخرجه النسائي (٢): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﵇: "أنه صلّى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين، والذين جاوءا بَعدُ ركعتين، فكانت للنبي ﵇ أربع ركعات ولهؤلاء ركعتين ركعتين" انتهى. وقال المنذري في "مختصر السنن": قال بعضهم: كان النبي ﵇ في غير حكم سفر، وهم مسافرون، وقال بعضهم: هذا خاص بالنبي ﵇؛ لفضيلة الصلاة خلفه. وقال الخطابي والنووي: وفيه دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتفل، ويُعترض عليه بأنه لم يُسلّم من الفرض كما في حديث جابر. وقيل: إنه ﵇ كان مخيَّرًا بين القصر والإتمام في السفر فاختار الإتمام واختار لمن خلفه القصر. وقال بعضهم: كان في حَضر ببطن نخلة على باب المدينة ولم يكن مسافرًا، وإنما كان خوف فمنع منه محترسًا.

стр. 2487

قلت: يتقوى هذا بحديث أخرجه البيهقي في "المعرفة" (١) من طريق الشافعي: أخبرنا الثقة ابن عيينة أو غيره، عن يونس، عن الحسن، عن جابر: "أن النبي ﵇ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخلة، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلَّم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم". وأخرج الدارقطني (٢): عن عنبسة، عن الحسن، عن جابر: "أن النبي ﵇ كان محاصرًا لبني محارب، فنودي بالصلاة ... " فذكر نحوه. والأول أصحّ، إلا أن فيه شائبة الانقطاع؛ فإن شيخ الشافعي مجهول، وأما الثاني ففيه عنبسة بن سعيد القطان ضعفه غير واحد. وقال غيره: لم نجد عن النبي ﵇ أنه صلى صلاة الخوف قط في حضر، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد، والله أعلم. وأما حديث جابر فأخرجه من طريقين صحيحين أيضًا: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم مطولًا (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عفان، قال: نا أبان، قال: نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: "أقبلنا مع رسول الله ﵇ حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله

стр. 2488

- ﵇، قال: فجاء رجل من المشركين وسيفُ رسول الله ﵇ معلّقٌ بشجرة، فأخذ سيف النبي ﵇ واخترطه، فقال لرسول الله ﵇: أتخافني؟ قال: لا، قال: فَمَنْ يمنعك مني؟ قال: الله يَمْنعني منك. قال: فتهدَّده أصحاب النبي ﵇ فأغمد السيف وعلقه، قال: فنُودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال: فكانت لرسول الله ﵇ أربع ركعات وللقوم ركعتان". وأخرجه البخاري تعليقًا (١) وقال: قال أبان: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر: "كنا مع رسول الله ﵇ بذات الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة ... " إلى آخره نحوه. وكذلك أخرجه أبو داود (٢) معلقًا وقال: وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﵇. واستدل بهذا الحديث صاحب "الهداية" من أصحابنا أن الإِمام إذا كان مقيمًا يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعتين. وقال ابن قدامة: وتأول القاضي هذا الحديث على أن النبي ﵇ صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين، وهذا ظاهر الفساد جدًّا؛ لأنه يخالف صفة الرواية، وقول أحمد، ومحَمْله محملٌ فاسدٌ، أما الرواية فإنه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين ولم يذكر قضاء، ثم قال في آخره: وللقوم ركعتين ركعتين، وأما قول أحمد فإنه ستة أوجه أو سبعة يروي فيها كلها جائز، وعلى هذا التأويل لا يكون ستة ولا خمسة، ولأنه قال: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فهو جائز، وهذا مخالف لهذا التأويل، وأما فساد المحمل، فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها ك ما قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ

стр. 2489

الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) وعلى هذا التأويل يجعل مكان الركعتين أربعًا ويتم الصلاة المقصورة، ولم ينقل عن النبي ﵇ أنه أتم صلاة السفر فكيف يحمل ها هنا على أنه أتمها في موضع وجد فيه ما يقتضي التخفيف؟ قلت: هذا الكلام لا يخلو عن نوع نظر، فإن قوله: "فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها". غير صحيح إن أراد العموم؛ لأن المقيمن إذا صلوا صلاة الخوف لا يجوز لهم أن يقصروا. وكذا قوله: "ولم ينقل عن النبي ﵇ أنه أتم الصلاة في السفر". فيه نظر؛ لأنا قد ذكرنا عن البعض أنه ﵇ كان مخيرًا في السفر بين القصر والإتمام، فعلى هذا يمكن أن يكون في حديث جابر مسافرًا ويكون قد أتم الصلاة، والله أعلم. الطريق الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصري شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري الكوفي، عن سليمان بن قيس اليشكري الكوفي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عفان، نا أبو عوانة، نا أبو بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر بن عبد الله قال: "قاتل رسول الله ﵇ محاربَ خصفَة بنَخْلٍ، فرأوا من المسلمين غِرّةً، فجاء رجل منهم يُقال له: غَوْرث بن الحارث حتى قام على رسول الله ﵇ بالسيف فقال: مَنْ يمنعك مني؟ [قال: الله . فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﵇ فقال: من يمنعك مني؟] (٣) قال: كن كخير آخذ، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلّى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه،

стр. 2490

قال: قد جئتكم من عند خير الناس، فلما كان الظهر والعصر صلى بهم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء عدوهم، وطائفة صلوا مع رسول الله ﵇ فصلى بالطائفة الذين كانوا معه ركعتين، ثم انصرفوا، فكانوا بمكان أولئك الذين بإزاء عدوهم، وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله ﵇ ركعتين، فكان للقوم ركعتان ركعتان، ولرسول الله ﵇ أربع ركعات". وقال البخاري (١): قال مسدد: عن أبي عوانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، وقاتل فيها محاربَ خَصَفة. قوله: "كان النبي ﵇ يحارب خَصَفَة" هكذا وقع في نسخ الطحاوي "يحارب" بالياء آخر الحروف، وهو جملة تقع خبرًا لـ"كان"، ورأيت في بعض النسخ "محارب خصفة" بالميم، فإن صح فوجهه أن يكون اسم فاعل من حَارَبَ، ويكون مضافًا إلى "خصفة" منصوبًا لأنه خبر كان، والذي في رواية البخاري وأحمد كما ذكرنا آنفًا "قاتل النبي ﵇ مُحاربَ خصفة". قال في "العباب" وغيره: مُحاربٌ قبيلةُ من فهرٍ، وخَصَفَة -بفتح الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة- أبو حيّ من العرب، وهو خصفة بن قَيْس غيلان. وفي "مطالع الأنوار": خصفة والد محارب. فالمعنى على روايتهما: قاتل رسول الله ﷺ مُحاربَ التي هي قبيلة من خصفة، فتكون الإضافة؛ للبيان والتمييز، فافهم. قوله: "بنَخْل" في رواية أحمد أي: في نَخْلٍ، وهو موضع بنجد من أرض غطفان. ص: فقال قوم بهذا وزعموا أن صلاة الخوف كذلك. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري ومن تبعه ممن ذكرناهم عن قريب، فإنهم زعموا أن صلاة الخوف تصلى على نحو ما ذكر في أحاديث أبي بكرة وجابر ﵁، وفي بعض النسخ، فقال قوم بهذا وأوجبوا صلاة الخوف، كذلك قال

стр. 2491

أبو داود، وبذلك كان يفتي الحسن، وقال أيضًا: وبالطريق المذكور يكون في صلاة المغرب للإمام ست ركعات وللقوم ثلاث؛ وذلك لأنها تصلى مرتين. ص: ولا حجة لهم عندنا في هذه الآثارة لأنه يجوز أن يكون النبي ﵇ صلاّها كذلك لأنه لم يكن في سفر تَقَصرُ في مثله الصلاة، فصلى بكل طائفة ركعتين، ثم قضوا بعد ذلك ركعتين ركعتين. وهكذا نقول نحن إذا حضروا العدو في مصرٍ فأراد أهل ذلك العصر أن يصلوا صلاة الخوف فعلوا هكذا، يعني بعد أن تكون تلك الصلاة ظهرًا أو عصرًا أو عشاء، قالوا: فإن القضاء ما ذكر. قيل لهم: قد يجوز أن يكونوا قد قَضْوا ولم يُنقل ذلك في الخبر، وقد يجيء في الأخبار مثل هذا كثير، وإن كانوا لم يقضوا فإن ذلك لا حجة لهم فيه عندنا أيضًا؛ لأنه قد يجوز أن يكون ذلك كان من النبي ﵇ والفريضة حينئذٍ تُصلّى مرتين، فيكون كل واحد منهما فريضةً، وقد كان يفعل ذلك في أول الإِسلام ثم نسخ. كما حدثنا حُسَين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: ثنا حسين المُعلّم، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان مولى ميمونة ﵂ قال: "أتيت المسجد فرأيت ابن عمر ﵁ جالسًا والناس في الصلاة، فقلتُ: ألا تُصلّي مع الناس؟ فقال: قد صلّيت في رحلي، إن رسول الله ﵇ نهى أن تُصلّى فريضةً في يوم مرتين". والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة، فقد كان المسلمون هكذا يصنعون في بدء الإِسلام، يُصلّون في منازلهم ثم يأتون المسجد فيصلون تلك الصلاة التي أدركوها على أنها فريضة، فيكونوا قد صلوا فريضة في يوم مرتين، حتى نهاهم النبي ﵇ عن ذلك، وأمر بعد ذلك من جاء إلى المسجد فأدْركَ تلك الصلاة أن يُصلّيها ويجعلها نافلة. وترك ابن عمر ﵄ الصلاة مع القوم يحتملُ عندنا ضَرْبين: يَحْتملُ أن تكون تلك الصلاة صلاةً لا يُتطوَّعُ بعدَها، فلم يكن يجوز أن يصليها إلا على أنها فريضة

стр. 2492

فقال: "نهى رسول الله ﵇ أن تُصلّى صلاةُ فريضة في يوم مرتين" أي: فلا يجوز أن أصليها فريضة؛ لأني قد صلّيتُها مرةً، ولا أدخلُ معهم لأني لا يجوز لي التطوع في ذلك الوقت. ويحتمل أن يكون سمع من النبي ﵇ النهي عن إعادتها على المعنى الذي نهى عنه، ثم رخص رسول الله ﵇ بعد ذلك أن تُصلى على أنها نافلة، فلم يَسْمَعْ ذلك ابنْ عمر. فنظرنا في ذلك، فإذا ابنُ أبي داود حدثنا، قال: ثنا الوَهْبِيُّ، قال: ثنا الماجشون، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع قال: "أرسلني مُحَرَّر بن أبي هريرة بلى ابن عمر أسأله: إذا صَلَّى الرجل الظَّهرَ في بَيْته ثم جاء إلى المسجد والناس يُصلّون فصلى معهم، أيّتُهما صلاته؟ قال ابن عمر ﵄: صلاته الأول". ففي هذا الحديث أن ابن عمر ﵄ قد رأى أن الثانية تكون تطوعًا، فدل ذلك على أن تركه للصَّلاة في حديث سُلَيْمان إنما كان لأنها صلاة لا يجوز أن يُتطوَّعَ بعدَها، وإن كان حديثا أبي بكرة وجابر الذين ذكرنا كانا والحكم على ما وصَفْنا: أن مَنْ صلى فريضةً جاز أن يُعيدها فتكون فريضة، فلذلك صلاها رسول الله ﵇ مرتين بالطائفتين، وذلك هو جائز لو بقي الحكم على ذلك، فأما إذا نُسِخ ونُهِىَ أن تُصلّى فريضةٌ مرتين؛ فقد ارتفعَ ذلك المعنى الذي له صَلّى بكُلّ طائفة ركعتَيْن، وبطل العمل به، فلا حجة لهم في حديث أبي بكرة وجابر؛ لاحتمالهما ما ذكرناه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حَبّان -يعني ابن هلال- قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن عامر الأحول، عن عمرو بن شعيب، عن خالد بن أيمن المعافِريّ قال: "كان أهل العَوالي يُصلّون في منازلهم ويُصلّون مع النبي ﵇، فنهاهم النبي ﵇ أن يُعيدوا الصلاة في يوم مرتين. قال عمروٌ: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: صدق". ش: أي: ولا حجة لهؤلاء القوم الذين ذهبوا إلى حديثي أبي بكرة وجابر ﵄، وذلك لأنه يجوز أن يكون النبي ﵇ صَلاّها كذلك -أي ركعتين ركعتين- لأنه -أي

стр. 2493

لأن النبي ﵇- لم يكن في سفر تُقصر في مثله الصلاة، يعني كان مقيمًا، فلذلك صلى بكل طائفة ركعتين، وهكذا هو الحكم فيما إذا حضر العدو مصرًا من أمصار المسلمين وأراد أهل العصر أن يصلّوا صلاة الخوف، فلهم أن يُصلوا كذلك إذا صلّوا صلاة رباعيةً. قوله: "قالوا: فإن القضاء ما ذكر" سؤال من جهة هؤلاء القوم، تقريره أن يُقال: كيف قلتم: إنه يحتمل أن يكون مقيمًا وصلى بكل طائفة ركعتين ثم قضوا بعد ذلك ركعتين ركعتين، والحال أن القضاء ما ذكر في الحديث؟ وتقرير الجواب ما أشار إليه بقوله: قيل لهم -أي لهؤلاء القوم-: قد يجوز أن يكون قد قضوا ركعتين ركعتين ولم يُنقل ذلك في الخبر اكتفاء لدلالة مرأى الحال عليه، وهذا الباب واسع شائع ذائع. قوله: "وإن كانوا لم يقضوا ... " إلى آخره، جواب على تقدير عدم القضاء، بيانه: وإن سلمنا أنهم لم يقضوا شيئًا؛ فكذلك لا حجة لكم فيه أيضًا؛ لأنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ قد فعل ذلك حين كان يُصلي الفريضة مرتين، فتكون كلتا الصلاتين فريضةً، فلما نسخ ذلك انتسخ ذاك أيضًا. قوله: "وقد كان يُفعل ذلك ... " إلى آخره، إشارة إلى بيان ما ذكره من قوله: "والفريضة حينئذٍ تُصلّي مرتين" أي: قد كان يُفعل تكرار أداء الفريضة في ابتداء الإِسلام، ثم نسخ. واستدل عليه بما أخرجه عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد روى له الجماعة، عن حسين بن ذكوان المعلم البصري روى له الجماعة، عن عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص احتج به الأربعة، عن سليمان بن يسار الهلالي أبي أيوب المدني مولى ميمونة زوج النبي ﵇ أخي عطاء بن يسار ... إلى آخره.

стр. 2494

وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو كامل، ثنا يزيد -يعني ابن زريع- عن عمرو بن شعيب، عن سليمان مولى ميمونة قال: "أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون، قلت: ألا تُصلي معهم؟ قال: قد صليتُ (قد صليت) (٢) إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا تصلوا في يوم مرتين". وأخرجه النسائي (٣): أنا إبراهيم بن محمَّد التيمي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان مولى ميمونة قال: "رأيت ابن عمر جالسًا على البلاط والناس يصلون، قلت: يا أباعبد الرحمن، ما لك لا تُصلِّي؟ قال: إني قد صليت، إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا تعاد الصلاة في يوم مرتان". قوله: "ألا تصلي؟ " استفهام على سبيل الإنكار عليه. قوله: "في رحلي" أي: في منزلي. قوله: "على البَلاط" بفتح الباء الموحدة وهي ضرب من الحجارة تُفرشُ به الأرضُ، ثم سُمِّي المكانُ بلاطًا اتساعًا، وهو موضع معروف بالمدينة. قوله: "نهى أن تُصلَّى فريضة في يوم مرتين" قال الخطابي: هذا محمول على صلاة الاختيار دون ما لها سبب كالرجل يدرك جماعةً فيصلي معهم في غير العصر والصبح وقد كان صلى؛ ليدرك فضيلة الجماعة جمعًا بين الأحاديث. قلت: هذا محمول على أن يصلي الفرض مرتين بنية الفرض في كل منهما، أو هو محمول على صلاة العصر والصبح؛ لأن تكرارهما منهي لورود النهي بعد الصلاة العصر والصبح، ويكون سؤال سليمان عن ابن عمر وجوابه إياه عند صلاة العصر أو الصبح.

стр. 2495

قوله: "والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة"؛ لأن النهي هو الحظر والمنع وذا لا يكون إلا بعد الإطلاق والإباحة. قوله: "في بَدْء الإسلام" أي في ابتداء الإِسلام. قوله: "وتركُ ابن عمر ﵄" كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "يحتمل عندنا" خبره، وأشار بهذا إلى بيان معنى ترك ابن عمر الصلاة مع القوم، وهو أن ذلك يحتمل مَعْنَيَيْن. الأول: أن تكون تلك الصلاة التي كان ابن عمر تركها صلاةً لا يتُطوع بعدها نحو صلاة العصر أو الصبح، فحينئذٍ لا يجوز أن يُصليها إلا على أنها فريضة لعدم جواز التطوع، والصلاة على أنها فريضة أيضًا لا يجوز لنهيه ﵇ أن تُصلى فريضة في يوم مرتين. والثاني: يحتمل أن يكون ابن عمر ﵄ قد سمع من النبي ﵇ النهي عن إعادة الفريضة وتكرارها مرتين مطلقًا، ثم إن النبي ﵇ قد رخص بعد ذلك أن تُصلّى على أنها نافلة، فلم يبلغ ذلك ابن عمر ﵄، فترك الصلاة مع القوم بناءً على ما سمعه من النهي عن إعادة الفريضة. فلما تحقق ها هنا احتمالان، نَحْتاجُ إلى نظر في ذلك، هل يوجد شيء من الآثار يحقق أحد الاحتمالين؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا إبراهيم بن أبي داود البُرلسي قد حدّث عن أحمد بن خالد بن موسى بن وهب الوَهْبي الكندي الحمصي شيخ البخاري في غير الصحيح عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون أبي عبد الله روى له الجماعة -وقد ذكرنا أن الماجشون لقب لُقِّب به لحمرة خدَّيه- عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع مولى سعيد بن العاص المدني وثقه ابن حبان، عن محرّر -براءين مهملتين الأصلين مفتوحة مشددة- ابن أبي هريرة وثقه ابن حبان وروى له النسائي وابن ماجه.

стр. 2496

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن ربيعة بن عمار وأبي العميس، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، عن ابن عمر قال: "صلاته الأولى" انتهى. فهذا الحديث قد دلّ على تحقق الاحتمال الثاني؛ لأنه قد رأى أن الصلاة الثانية تكون تطوعًا، فدلّ على أن تركه الصلاة مع القوم في حديث سليمان مولى ميمونة إنما كان لأن تلك الصلاة كانت صلاة لا يجوز أن يتطوع بعدها فكانت، إما عصرًا أو صبحًا. قوله: "وإن كان حديثا أبي بكرة وجابر اللذين ذكرنا كانا والحكم ما وصفنا" أي: وُجدا ووقعا، و"كان" ها هنا تامّة و"الحكم" مبتدأ، وما وصفنا خبره، والجملة وقعت حالًا. قوله: "جاز أن يعيدها" جواب "إنْ" في قوله: "وإن كان حديث أبي بكرة". وباقي الكلام ظاهر. قوله: "حدثنا أبو بكرة ... " إلى آخره، إشارة إلى تأكيد ما ورد من النهي عن إعادة الصلاة في يوم مرتين. أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حَبّان -بالفتح وتشديد الباء الموحدة- ابن هلال الباهلي روى له الجماعة، عن همام بن يحيى العَوْذي أبي بكر البصري روى له الجماعة، عن قتادة بن دعامة، عن عامر بن عبد الواحد الأحول البصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن عمرو بن شعيب، عن خالد بن أيمن المُعَافري ذكره ابن أبي حاتم في الصحابة، وأنكر عليه أبو عمر بن عبد البرّ وقال: لا يُعرف هذا في الصحابة ولا ذكره فيهم غيره. قلت: هذا مجرد إنكار فلا يُسَمعُ ذلك؛ لأنه لا يلزم من عدم ذكر غيره إياه في الصحابة أن لا يكون هو صحابيًّا، فقد يمكن أن يكون قد ثبت عند ابن أبي حاتم

стр. 2497

كونه من الصحابة، ويفهم من كلام الطحاوي أيضًا أنه صحابي، فإذا اتفق إمامان مثلهما على شيء لا يبقى فيه مجال للإنكار والرد. وقد أخرج ابن أبي حاتم هذا الحديث في ترجمة خالد بن أيمن المعافري (١)، ونسبته إلى المَعافر -بفتح الميم- بن يَعفر بن مالك بن الحارث بن قرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن غريب بن زيد بن كهلان قبيل ينسب إليه كثيرٌ، عامّتُهم بمصْر. قوله: "كان أهل العوالي" وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، والنسبة إليها عُلْوِيّ على غير قياس. قوله: "قال عمرو" أي: عمرو بن شعيب. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله في هذا ما يَدُلّ على غير هذا المعنى. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري: "أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة في الخوف أيّ يوم أنزل؟ وأين هو؟ قال: انطلقنا نَتَلَقّى عير قريش آتيةً من الشام حتى إذا كنا بنَخْل جاء رجل من القوم إلى رسول الله ﵇ فقال: أنت محمَّدٌ؟ قال: نعم. قال: تخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك. قال: فسَلّ السَيْفَ، فتهدده القوم وأوعدوه، فنادى النبي ﵇ بالرحيل، وأخذوا السلاح، ثم نودي بالصلاة، فصلى النبي ﵇ بطائفة من القوم وطائفةُ أخرى يَحْرسونهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم سلم، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصافّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم ثم سلم، فكان للنبي ﵇ أربع ركعات، وللقوم ركعتان ففي يومئذٍ أنزل الله تعالى إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح".

стр. 2498

ففي هذا الحديث ما يَدُلّ على أن النبي ﵇ صلى بهم أربعًا يومئذٍ قبل إنزال الله في قصر الصلاة ما أنزل عليه، وأن قصر الصلاة إنما أمر الله به بعد ذلك فكانت الأربع يومئذٍ مفروضة على النبي ﵇ وكان المؤتمون به فرضهم أيضًا كذلك؛ لأن حكمهم حينئذٍ كان في سفرهم كحكمهم في حضرهم، ولابد إذا كان ذلك كذلك من أن تكون كل طائفة من هاتين الطائفتين قد قضت ركعتين ركعتين كما يُفعَل لو كانت في الحضر. ش: أي قد روي عن جابر بن عبد الله في هذا الباب ما يدل على غير المعنى المذكور في الرواية السابقة؛ وذلك لأنه أخبر في هذا الحديث أن النبي ﵇ صلى بالقوم أربع ركعات؛ لأن الله تعالى لم يكن أنزل بَعدُ في قصر الصلاة، وأنه إنما أنزل القصر بعد ذلك، فكانت الأربع حينئذٍ مفروضة عليهم؛ لأن السفر كان كالحضر قبل نزول القصر، فإذا كان الأمر كذلك فلابد أن تكون كل واحدة من الطائفتين قد قضت ركعتين ركعتين كما كان يجب عليهم ذلك لو كانوا في الحضر. ثم إسنادُ حديث جابر صحيح، وقال البخاري: ويقال إن سليمان اليشكري مات في حياة جابر بن عبد الله ولم يسمع منه قتادة. والحديث أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا عبد الله بن محمَّد الأزدي، نا إسحاق بن إبراهيم، نا معاذ بن هشام، نا أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري: "أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة في الخوف، أين أنزل وأين هو؟ فقال: خرجنا نتلقى عيرًا لقريش أتت من الشام، حتى إذا كنا بنخلٍ جاء رجل إلى رسول الله ﵇ وسيفه موضوع، فقال: أنت محمَّد؟ قال: نعم ... " إلى آخره نحوه. قوله: "عِير قريش" أي: إبلهم بأحمالها وهو بكسر العين. قال ابن الأثير: العير: الإبل بأحمالها، فِعل من عَارَ يَعِيرُ إذا سار، وقيل: هي قافلة الحمير فكثرت

стр. 2499

حتى سميت بها كل قافلة كأنها جمع عَير، وكان قياسُها أن تكون فُعُلا بالضم كسُقُف في سَقْف، إلا أنه حوفظ على الياء بالكسر نحو عِين. قوله: "آتيةً" بالنصب على أنها حال من "العير". قوله: "بنخل" أي في نَخْل، وهو بفتح النون وسكون الخاء المعجمة على لفظ جمع نخلة، قال يعقوب: هي قرية بوادي يُقال لها شَرْح لفزارة وأشجع وأنمار وقريش والأنصار. وقال ابن حبيب: هي لبني فزارة. وقال ابن عوف: على ليلتين من المدينة. وقال غيره: ما بين القَصير والثاملية حضَر محارب. قوله: "جاء رجل" واسمه غورث بن الحارث. قوله: "على أعقابهم" جمع عَقِب -بفتح العين وكسر القاف- وهي مؤخر الرحل، والمعنى: تأخروا إلى ورائهم. قوله: "في مَصافّ أصحابهم" بفتح الميم وتشديد الفاء جمع مَصَفٍّ وهو موضع الحرب الذي تكون فيه الصفوف. قوله: "إقصار الصلاة" بكسر الهمزة. ص: فإن قال قائلٌ: ففي هذا الحديث ما يَدُلّ على خروج النبي ﵇ من الصلاة بعد فراغه من الركعتين اللتين صلاهما بالطائفة الأولى، واستقباله الصلاة في وقت دخول الطائفة الثانية معه فيها؛ لأن في الحديث "ثم يُسَلّم". قيل له: قد يحتملُ أن يكون ذلك السلام المذكور في هذا الموضع هو سلام التشهد الذي لا يُراد به قطع الصلاة، ويحتمل أن يكون سلامًا أراد به إعلام الطائفة الأولى بأوان انصرافها، والكلام حينئذٍ مباح له في الصلاة غير قاطع لها على ما قد رُوي في ذلك عن عبد الله بن مسعود، وعن أبي سعيد الخدري، وعن زيد بن أرقم ﵃ على ما قد رويناه عن كل واحد منهم في الباب الذي ذكرنا فيه وجوه حديث ذي اليدين في غير هذا الموضع من هذا الكتاب.

стр. 2500

ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف قلتم: فكان الأربعُ يومئذٍ مفروضةً على النبي ﵇ وعلى المأمومين به، والحديث يدل على أنه ﵇ خرج من الصلاة بعد فراغه من الركعتين اللتن صلاهما بالطائفة الأولى، وعلى أنه استقبل الصلاة في وقت دخوله فيها مع الطائفة الثانية، والذي دلّ على ذلك هو قوله: "ثم سلّم". والتسليم قاطع؛ لقوله ﵇: "وتحليلها التسليم" (١). وتقرير الجواب أن يقال: يحتمل أن يكون سلامه بين الأربع لم يكن لأجل قطع الصلاة، وإنما كان سلام التشهد لأن في التشهد على رأس الركعتين الأولتين من ذوات الأربع تسليمًا في تشهده، ويحتمل أن يكون التسليم حيئنذٍ لم يكن ممنوعًا؛ لكون الكلام مباحًا حينئذٍ غير قاطع للصلاة على ما بيّن ذلك في باب "سجود السهو" على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ أنه صلاّها على غير هذا المعنى. حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقيُّ، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني يزيدُ بن الهاد، قال: حدثني شرحبيل بن سَعْد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ في صلاة الخوف قال: "قام النبي ﵇ وطائفة من خلفه من وراء الطائفة التي خلف النبي ﵇ قعودٌ ووجوههُم كلُهم إلى النبي ﵇، فكبَّر ﷺ وكبرت الطائفتان، وركع وركعت الطائفة التي خلفه والأخرَى قعُودٌ، ثم سجد فسجدوا أيضًا والآخرون قعودٌ، ثم قام وقاموا فنكصوا خلفه، حتى كانوا مكان أصحابهم، وأتت الطائفة الأخرى فصلى بهم النبي ﵇ ركعةً وسجدتين والآخرون قعود، ثم سلم، فقامت الطائفتان كلتاهما فصلوا لأنفسهم ركعةً وسجدتين، ركعةً وسجدتين".

стр. 2501

فهذا الحديث عندنا من المحال الذي لا يجوز كونه؛ لأن فيه أنهم دخلوا في الصلاة وهم قعود. وقد أَجْمَع المسلمون أن رجلًا لو افتتح الصلاة قاعدًا، ثم قام فأتّمها قائمًا ولا عذر له في شيء من ذلك؛ أن صلاته باطلة، فكان الدخول لا يجوز إلا على ما يكون عليه الركوع والسجود، واستحال أن يكون الذي خلف النبي ﵇ في الصفّ الثاني دخلوا في الصلاة قعودًا، فثبت عن جابر بن عبد الله ما رويناه عنه عن النبي ﵇ في غير هذا الحديث. ش: أشار بهذا إلى أنه قد روي عن جابر بن عبد الله في صلاة الخوف وجه آخر غير ما ذكر فيما مضى من الوجوه، ولكنه وجه محال؛ لأنه يذكر فيه أن القوم دخلوا في الصلاة وهم قعود وهذا لا يجوز؛ لأن العلماء قد أجمعوا على أن من افتتح الصلاة قاعدًا من غير عذر ثم أتمها قائمًا فإن صلاته باطلة؛ لأن فيه بناء القوي على الضعيف، والدخول في الصلاة إنما يجوز إذا كان على ما يكون عليه الركوع والسجود، فإذا كان كذلك فمن المحال أن يكون الذين خلف النبي ﵇ في الصف الثاني قد دخلوا في الصلاة قعودًا، فثبت عن جابر بن عبد الله ما روي عنه عن النبي ﵇ من غير هذا الوجه، وهذا الوجه لم يصح من جهة المعنى ومن جهة أن في سنده شرحبيل بن سعد، فإنه ضعيف على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فإن قيل: يحتمل أن يكون افتتاحهم الصلاة وهم قعود لأجل شدة الخوف، وكانوا مضطرين إلى ذلك فصاروا معذورين فيه. قلت: هذا لا يتمشى ها هنا؛ لأنه لو كان كما ذكر لكانوا كلهم على هذه الهيئة، فلم يكونوا كذلك حتى لو كان الإِمام مع القوم جميعهم افتتحوا الصلاة وهم قعود في حالة إلجائهم إلى هذه الهيئة يجوز، وكذا لو صلّوا ركبانًا عند شدة الخوف أو بالإيماء يجوز، كما عرف في موضعه. ثم رجال الحديث المذكورون كلهم ثقات إلا شرحبيل بن سعد الخطميم المدني مولى الأئصار، فإن مالكًا قال فيه: ليس بثقة. وقال يحيى: ليس

стр. 2502

بشيء، ضعيف. وقال ابن سَعْد: وله أحاديث وليس يحتج به. وقال النسائي: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له أبو داود وابن ماجه. والحديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" (١): ثنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان، ثنا أبو حاتم محمَّد بن إدريس الرازيّ، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، حدثني يزيد بن الهاد، حدثني شرحبيل بن سَعْد، عن جابر بن عبد الله ... إلى آخره نحوه. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد عرفتَ تساهل الحاكم في باب التصحيح. ص: وذهب أخرون في صلاة الخوف إلى ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُرَقي قال: "صلى النبي ﵇ الظهر بعُسفان، والمشركون بينه وبين القبلة فيهم أو عليهم خالد بن الوليد، فقال المشركون: لقد كانوا في صلاة لو أصَبْنا منهم لكانت الغنيمة، فقال المشركون إنها ستجيء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، قال: ونزل جبريل ﵇ بالآيات فيما بين الظهر والعصر، قال: فصلى النبي ﵇ العصر وصفّ الناس صفين، فكبّر وكبّروا معه جميعًا، ثم ركع وركعوا معه جميعًا، ثم رفع ورفعوا معه جميعًا، ثم سجد وسجد معه الصفُّ الذين يلونه، وقام الصف المؤخر يَحرسونهم بسلاحهم، ثم رفع ورفعوا، ثم سجد الصف الآخر، ثم رفعوا، وتأخر الصف المقدم وتقدّم الصفّ المؤخر، فكبّر وكبّروا معه جميعًا، ثم ركع وركعوا معه جميعًا، ثم رفع ورفعوا معه جميعًا، ثم سجد وسجد الصفُّ الذين يلونه، وقام الصف المؤخر يحرسونهم بسلاحهم، ثم رفع ورفعوا جميعًا، ثم سجد الصف المؤخر، ثم سلم عليهم، وصلاّها مرّةً أخرى في أرض بني سُلَيْم".

стр. 2503

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇: "أنه صلاّها ... " فذكر نحو هذا. وكان ابن أبي ليلى ممن ذهب إلى هذا الحديث، وتركه أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله؛ لأن الله قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١) ففي هذا الحديث أنهم صلوا جميعًا، وفي حديث ابن عمر، وعبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس، وفي حديث حذيفة وزيد بن ثابت ﵃ دخول الطائفة الثانية في الركعة الثانية ولم يكونوا صلوا قبل ذلك، فالقرآن يدل على ما جاءت به الرواية عنهم عن النبي ﵇ في ذلك، فكانت عنده أولى من حديثي أبي عياش وجابر بن عبد الله هَذَيْن. ش: أي ذهب قوم آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبا يوسف في رواية، فإنهم ذهبوا في كيفية صلاة الخوف إلى حديث أبي عياش الزرقي وجابر بن عبد الله في حديثه الذي نحوه. أما حديث أبي عياش فأخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت، عن قبيصة بن عقبة السوائي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد بن جبر، عن أبي عياش -بالياء المشددة آخر الحروف وفي آخره شين معجمة، قيل اسمه: زيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل: عبيد، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية- ابن الصامت، شهد مع النبي ﵇ بعض غزواته. وأخرجه أبو داود (٢): نا سعيد بن منصور، نا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي قال: "كنا مع رسول الله ﵇ بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصَبنا غِرّةً، لقد أصَبْنا غَفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة. فنزلت آية القصر بين الظهر

стр. 2504

والعصر، فلما حضرت العصر، قام رسول الله ﵇ مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصفّ خلف رسول الله ﵇ صف، وصَفّ بعد ذلك الصفّ صَفُّ آخر، فركع رسول الله ﵇ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذين بإزائه، وقام الآخرون يحرسونهم فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا؛ سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصفُّ الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصفّ الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﵇ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يَحْرسونهم، فلما جلس رسول الله ﵇ والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، فسلّم عليهم جميعًا، فصلاّها بعَسْفان، وصلاها يوم بني سُلَيْم". وأخرجه النسائي (١)، والإمام أحمد (٢) والبيهقي (٣) وقال: هذا إسناد صحيح إلا أن بعض أهل العلم بالحديث يشُكك في سماع مجاهد من أبي عياش. ثم ذكر الحديث بإسناد جيد، عن مجاهد، قال: ثنا أبو عياش، وبيّن فيه سماع مجاهد من أبي عياش، وبهذه الصورة أخذ سفيان الثوري. ولما أخرج أبو داود حديثه قال: وهو قول الثوري. وهو أحوط الصور، وإنما كانت أحوط الصور لأنها رويت بطرق كثيرة، والفقهاء لما رجح بعضُهم بعضَ الروايات على بعضٍ احتاجوا إلى ذكر سبب الترجيح، فتارةً يرجحون بموافقة ظاهر القرآن، وتارة بكثرة الرواية، وتارةً بكونها موصولًا وبعضها موقوفًا، وتارة بالموافقة للأصول في غير هذه الصلاة، وتارة بالمعاني، كما أن أبا حنيفة اختار حديث ابن عمر وروايته؛ لأنها تُوافقُ الأصول في أن قضاء الطائفة بعد سلام الإِمام.

стр. 2505

وإلى هذا المعنى أشار الطحاوي بقوله: "وتركه أبو حنيفة ومحمد". أي تركا الحديث المروي عن أبي عياش وجابر نحوه؛ لأن فيه مخالفةً لظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١)، فهذا يقتضي أن يكون القوم طائفتين: طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، وعلى ما ذهب إليه الثوري وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي يكون القوم جميعهم يفتتحون الصلاة مع الإِمام، فهذا خلاف ظاهر القرآن، والذي يُوافق ظاهر القرآن هو حديث عبد الله ابن عمر، وحديث عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، وحديث حذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت ﵃، فلذلك كانت أحاديث هؤلاء عنده -أي عند أبي حنيفة- أولى من حديثي أبي عياش الزرقي وجابر بن عبد الله هذين، وأشار به إلى المذكورَيْن من حديثَيْهما. وأما حديث جابر فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﵇. ولما أخرج أبو داود (٢) حديث أبي عياش الزُّرقي قال: وروى أيوب وهشام، عن أبي الزبير، عن جابر هذا المعنى عن النبي ﵇، وكذلك رواه داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وكذلك عبد الملك، عن عطاء، عن جابر، وكذلك قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن أبي موسى فعله، وكذلك عكرمة بن خالد، عن مجاهد، عن النبي ﵇، وكذلك هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﵇. قلت: رواية عكرمة وعطاء موقوفة، ورواية مجاهد وعروة مرسلة، فالحاصل أن الحديث المذكور روي بطرق مختلفة ما بين مرفوع وموقوف ومرسل.

стр. 2506

قوله: "بعُسفان" بضم العين وسكون السين المهملة وبالفاء بعدها ألف ثم نون، وهي قرية جامعة بها منبر، على ستة أميال من مكة، وذكرت في كتاب "البلدان" أنها على مرحلة من خُلَيص في الجنوب، ومن عُسْفان إلى بطن مرّ ثلاثة وثلاثون ميلًا، وسُمِّيت عسفان لتعسف السيول فيها، وكانت صلاته ﵇ بعسفان صلاة الخوف سنة أربع من الهجرة، وكانت هي غزوة بني لحيان، وهكذا ذكر البيهقي في "الدلائل". وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أنها كانت في جمادى الأولى من سنة ست للهجرة بعد الخندق وبني قريظة، وهو الأشبه مما ذكره البيهقي. وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: "أول ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها بعد بعُسفان بينهما أربع سنين" قال: وهذا عندنا أثبت. قوله: "فيهم" أي: في المشركين. قوله: "أو عليهم" شك من الراوي، أي: أو على المشركين. قوله: "بالآيات" أراد بها آيات القصر وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) الآية، وقال علي ﵁: "نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ (١) بعد قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١) بسنة في غزوة بني أسد؛ صلى رسول الله ﵇ الظهر قال بعضهم: هلًا شدَدْتم عليهم وقد أمكنوكم من ظهورهم؟ فقالوا: بعدها صلاة أحبّ إليهم من آبائهم وأولادهم؛ فنزل ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢) ليشرع صلاة الخوف". قوله: "وصلاها مرةً أخرى في أرض بني سُلَيم" وسُلَيم -بضم السين- قبيلة من قيس غيلان، وهو سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس غيلان، وسُلَيم أيضًا قبيلة في جذام من اليمن.

стр. 2507

ص: وذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان في القبلة فالصلاة كما رَوَى أبو عياش وجابرٌ ﵄، وإن كانوا في غير القبلة فالصلاة كما رَوَى ابن عمر وحذيفة وزيد بن ثابت ﵃؛ لأن في حديث أبي عياش أنهم كانوا في القبلة، وحديث حذيفة وابن عمر وزيد لم يُذكر فيه شيءٌ من ذلك، إلا أنه قد روي عن ابن مسعود في ذلك ما يوافق ما رَوَوْا، وقال: كان العدوّ في غير القبلة. وقال أبو يوسف: فأصحِّح الحديثين، فأجعل حديث ابن مسعود وما يوافقه إذا كان العدو في غير القبلة، وحديث أبي عياش وجابر إذا كان العدو في القبلة، وليس هذا بخلاف التنزيل عندنا؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ إذا كان العدو في غير القبلة، ثم أوحى الله تعالى إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة إذا كانوا في القبلة، ففعل الفعلين جميعًا كما جاء الخبران، وهذا أصح الأقاويل عندنا في ذلك وأولاها؛ لأن تصحيح الآثار يشهد له. وقد دلّ على ذلك أيضًا أن عبد الله بن عباس قد رُوي عنه، عن النبي ﵇ في صلاة الخوف ما ذكرنا في أول هذا الباب مما رواه عنه عبيد الله بن عبد الله من صلاة النبي ﵇ في ذلك بذي قرد، وكان ذلك موافقًا لما روى عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وحذيفة وزيدٌ ﵃ عن النبي ﵇ في ذلك. ثم رُوي عن عبد الله بن عباس في ذلك من رأيه ما قد حدّثنا سليمان بن شُعَيْب، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن صالح الهاشمي أبو بكر، قال: ثنا ابن لهيعة، عن الأعرج أنه سمع عبيد الله بن عبد الله بن عباس يقول: "كان ابن عباس يقول في صلاة الخوف ... " فذكر مثل ما فعل النبي ﵇ في حديث أبي عياش، وحديث جابر بن عبد الله الذي وافقه. فلما كان ابن عباس قد علم من فعل النبي ﵇ على ما رويناه عنه في حديث عبيد الله وقال: "وكان المشركون بينه وبين القبلة" ثم قال هذا برأيه، واستحال أن يكونوا يصلون هكذا والعدو في غير القبلة، ويصلون إذا كان العدو في

стр. 2508

القبلة كما روى عنه عبيد الله؛ لأنهم إذا كانوا لا يستدبرون القبلة والعَدوُّ في ظهورهم كان أحرى أن لا يَسْتدبروها إذا كانوا في وجوههم. ولكن ما ذكرنا عنه من ترك الاستدبار هو إذا كان العدوّ في القبلة، ويحتمل أيضًا أن يكون كذلك إذا كان العدو في غير القبلة كما قال ابن أبي ليلى، فقد أحاط علمنا بقوله بخلاف ما روى عنه عبيد الله، عن النبي ﵇ إذا كان العدوّ في القبلة ولم نَكُن لِنقُول ذلك إلا بعد ثبوت نسخ ما تقدّمه عنده، ولم نَعلم نسخ ذلك عنده إذا كان العدو في غير القبلة، فجعلنا هذا الذي رَوْيناه عنه من قوله هو في العدو إذا كانوا في القبلة، وتركنا حكم العدوّ إذا كانوا في غير القبلة على مثل ما رواه عنه عبيد الله عن النبي ﵇. ش: اعلم أنه رُوي عن أبي يوسف ثلاث روايات في صلاة الخوف. الأولى: أنها لا تُصلى بعد النبي ﵇ على ما يأتي والثانية: مثل قول أبي حنيفة ومحمد. والثالثة: بالتفصيل، وهو أن العدو إذا كانوا في القبلة تُصلّى كما في حديث أبي عياش الزرقي وجابر بن عبد الله، وهو أن يجعل الإِمام الناس صفين، فيكبرّ ويكبّرون معه جميعًا، ثم إذا ركع يركعون معه جميعًا وإذا رفع رأسه يرفعون رءوسهم معه جميعًا، ثم إذا سجد يسجد معه الصف الذين يلونه ويقوم الصف الآخر يحرسونهم بأسلحتهم، ثم إذا رفع الإِمام رأسه من السجدة يرفع معه الصف الذين يلونه، ثم يَسْجد الصَفّ الآخر، فإذا رفعوا رءوسهم من السجود يتأخر الصف المقدم ويتقدم الصف المؤخر، فيكبر الإِمام ويكبرون معه جميعًا، وإذا ركع يركعون معه جميعًا وإذا رفع رأسه يرفعون معه جميعًا، ثم إذا سجد الإِمام سجد معه الصف الذين يلونه، ويقوم الصف الآخر يحرسونهم بأسلحتهم، فإذا رفع الإِمام رأسه يرفعون معه جميعًا، ثم يسجد الصف الآخر، ثم يسلم الإِمام معهم جميعًا. وإن كان العَدُو في غير القبلة تُصلّى كما في حديث عبد الله بن عمر وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت ﵃ وهو أن يجعل الإِمام الناس طائفتين، طائفة بإزاء

стр. 2509

العدو، ويفتتح الصلاة بطائفة فيصلي بهم ركعةً إن كان مسافرًا أو كانت صلاة الصبح، وركعتين إن كان مقيمًا والصلاة من ذوات الأربع، وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، وتعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة. وإنما فصَّل أبو يوسف بهذا التفصيل؛ لأن في حديث أبي عياش أنهم -أي العدو- كانوا في القبلة؛ لأنه قال فيه: "والمشركون بينه وبين القبلة"، وأما في حديث ابن عمر وحذيفة وزيد ﵃ فلم يذكر شيء من ذلك، غير أنه قد روي عن عبد الله بن مسعود في ذلك ما يُوافق ما رَوَوْا، وقال في روايته: "كان العَدّو في غير القبلة"، وهو صَرّح بأنهم لم يكونوا في القبلة، وهو خلاف ما روي في حديث أبي عياش وجابر ﵄، فإذا وقع خلاف بين الروايتين، الأصل فيه التوفيق ما أمكن وإليه أشار أبو يوسف بقوله: "فَأُصَحِّح الحديثين، فأجعل حديث ابن مسعود ... " إلى آخره، وأراد بتصحيح الحديثين العمل بهما بالتوفيق بينهما؛ وذلك أنه حمل حديث ابن مسعود وما يوافقه من أحاديث ابن عمر وحذيفة وزيد بن ثابت على ما إذا كان العدو في غير القبلة وحمل حديث أبي عياش الزرقي وجابر على ظاهره على ما إذا كان العدو في القبلة، وبهذا التصحيح يكون العمل بالحديثين، بخلاف ما إذا عمل بأحدهما حيث يلزم الإهمال للآخر. ولما كان ها هنا سؤال وهو أن يقال: إن ما ذكرتم خلاف لما في الآية، فلا يجوز العمل بخبر يخالف ظاهره ظاهر القرآن. أجاب عنه بقوله: "وليس هذا بخلاف التنزيل عندنا". وتقريره أن يقال: لا نسلم أن ما في حديث أبي عياش وجابر يخالف ظاهر الآية؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا﴾ (١) إذا كان العدو

стр. 2510

في غير القبلة، فتكون الآية مُبينة لصورة الصلاة إذا كان العدو في غير القبلة، ثم بعد ذلك أوحى الله إلى نبيه ﵇ كيف يكون حكم الصلاة إذا كان العدو في القبلة، فيكون النبي ﵇ قد فعل الفعلين جميعًا في الحمالتين وبهما جاء الخبران. واختار الطحاوي أيضًا ما ذهب إليه أبو يوسف من التوفيق المذكور حيث قال: "وهذا أصح الأقاويل عندنا في ذلك" أي في باب صلاة الخوف و"أولاها" أي أحقها بالقبول والعمل؛ "لأن تصحيح الآثار يشهد له" يعني: إذا جُمِعَت الأحاديث التي رُوِيَتْ في هذا الباب وكشف معناها ترجع كلها إلى المعنى الذي ذكره أبو يوسف، فيكون أولى الأقوال وأحقها بالعمل. قوله: "وقد دل على ذلك" أي على ما قاله أبو يوسف أن عبد الله بن عباس قد روى عنه عبيد الله بن عبد الله من صلاة النبي ﵇ بذي قرد ما يوافق ما رواه عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وحذيفة وزيد بن ثابت ﵃، وأراد بالموافقة المذكورة هي الموافقة في كيفية الصورة؛ وذلك أن المذكور فيما رواه عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، هو أن النبي ﵇ جعل الناس صفين صفًّا خلفه، وصفًّا بإزاء العدو ... إلى آخر ما ذكره، وهذا كالمذكور في أحاديث عبد الله بن مسعود وابن عمر وحذيفة وزيد، ثم روى عن عبد الله بن عباس من رأيه واجتهاده أنه ذهب في صلاة الخوف إلى ما ذكر في حديث أبي عياش الزرقي وجابر بن عبد الله ﵄. أخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الله بن محمَّد بن صالح بن قيس الهاشمي، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس. وذهاب ابن عباس إلى ما في حديث أبي عياش بعد روايته عن النبي ﵇ ما رواه عنه عبيد الله بن عبد الله يدل على أنهم كانوا يصلون هكذا والعدو في القبلة كما ذكر أيضًا عبيد الله بن عبد الله في روايته عن عبد الله بن عباس: "والمشركون بينهم وبين القبلة؛ لأنه يستحيل أن يكونوا يصلون على ما في حديث أبي عياش والعدو في غير القبلة"؛ وذلك أنهم إذا كانوا لا يستدبرون القبلة والعدو في ظهورهم فبالطريق

стр. 2511

الأولى أن لا يستدبروها إذا كانوا في وجوههم، ولكن المذكور عنه من ترك الاستدبار هو ما إذا كان العدو في القبلة. قوله: "ويحتمل أيضًا ... " إلى آخره، إشاره إلى توجيه آخر لذهاب ابن عباس برأيه إلى ما في حديث أبي عياش الزرقي، بيان ذلك أن يقال: يحتمل أن يكون ذهاب ابن عباس إلى ما في حديث أبي عياش الزرقي سواء كان العدو في القبلة أو غيرها، كما ذهب إليه عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، فحينئذٍ يكون قوله بخلاف ما روى عنه عبيد الله عن النبي ﵇ إذا كان العدو في القبلة، ولكن لا يمكن أن نقول ذلك إلا بعد ثبوت نسخ ما تقدم ذلك عنده -أي عند ابن عباس- ولا نعلم نسخ ذلك عنده إذا كان العدو في غير القبلة، فإذا كان كذلك حملنا قوله من رأيه على ما إذا كان العدو في القبلة، وتركنا روايته عن النبي ﵇ التي رواها عنه عبيد الله بن عبد الله على مثل ما روى إذا كان العدو في غير القبلة، فافهم فإنه موضع دقيق مأخذه. ص: وقد كان أبو يوسف ﵀ قال مرةً: لا تُصلَّى صلاةُ خوف بعد النبي ﵇، وزعم أن الناس إنما صلّوْها لفضل الصلاة معه، وهذا القول عندنا ليس بشيء؛ لأن أصحاب النبي ﵇ قد صلوها بعده، قد صلاها حذيفة بطبرستان، وما في ذلك فأشهر من أن نحتاج إلى نذكره ها هنا. فإن احتج في ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (١) الآية، فقال: إنما أمر بذلك إذا كان فيهم، فإذا لم يكن فيهم انقطع ما أمر به من ذلك. قيل له: فقد قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢) الآية. فكان الخطاب ها هنا له ﷺ ، وقد أُجمع أن ذلك معمول به بعده كما كان يُعمل به في حياته.

стр. 2512

ولقد حدثني ابن أبي عمران أنه سمع أبا عبد الله محمَّد بن شجاع الثلجيَّ يَعيبُ قول أبي يوسف هذا فيقول: إن الصلاة مع النبي ﵇ وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعًا فإنه لا يجوز لأ حد أن يتكلم فيها بكلام يقطعها، ولا ينبغي أن يفعل فيها شيئًا لا يَفْعله في الصلاة مع غيره، وأنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره من الأحداث كلها، فلما كانت الصلاة خلفه لا يقطعها الذهاب والمجيء واستدبار القبلة إذا كانت صلاة خوف، كانت خلف غيره أيضًا كذلك، والله أعلم. ش: قد ذكرنا أن أبا يوسف روي عنه ثلاث روايات في صلاة الخوف إحداها أتى قال: لا تُصلَّى بعد النبي ﵇ لأنهم إنما صلوها لأجل فضل الصلاة معه؛ إذ الفضل الذي يكون وراءه لا يوجد في الصلاة وراء غيره، فلا تصلى بعده إلا بإمامين؛ لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول، فلا يحتاج إلى مشي واختلاف واستدبار القبلة ونحوها مما هو منافٍ للصلاة. وقال الطحاوي: هذا القول عندنا ليس بشيء؛ لأن الصحابة ﵃ قد صلوها بعده - أي بعد النبي ﵇- منهم حذيفة بن اليمان قد صلاها بطبرستان. وروى البيهقي (١) من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبد السلولي قال: "كنت مع سعيد بن العاص بطبرستان وكان معه نفر من أصحاب النبي ﵇، فقال لهم سعيد: أيكم شهد مع رسول الله ﵇ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، مُرْ أصحابك فليقوموا طائفتين ... " الحديث، وقال الذهبي: سُلَيْم لا يعرف. وأخرج عن مسلم (٢)، عن عبد الصمد بن حبيب، عن أبيه: "أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سَمُرة كابل، فصلّى بهم صلاة الخوف".

стр. 2513

وعن أبي جعفر الرازي (١)، عن قتادة، عن أبي العالية قال: "صلى بنا أبو موسى بأصبهان صلاة الخوف". وعن أبي جعفر الباقر (١): "أن عليًّا ﵁ صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير". وكذلك روى (١) عن جماعة من الصحابة جواز فعلها بعد النبي ﵇ منهم: ابن عباس، وابن مسعود وزيد بن ثابت، وآخرون من غير خلاف يحكى عن أحد منهم، ومثله يكون إجماعًا لا يسعُ خلافه. قوله: "فإن احتج في ذلك" أي فإن احتج أبو يوسف فيما ذهب إليه من منعه صلاة الخوف بعد النبي ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢)؛ وذلك أن الله تعالى قد خصّ هذه الصلاة يكون النبي ﵇ فيهم، فإذا خرج من الدنيا عُدِمَ الشرط، وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط. وأجاب عنه بقوله: "قيل له" أي: لأبي يوسف، وتقريره أن يقال: إن الآية ليس فيها أن الرسول إذا لم يكن معهم لا تجوز، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣) الآية، فإنه لم يوجب كون النبي ﵇ مخصوصًا به دون غيره من الأئمة بعده، وقد أجمعوا أن ذلك معمول به بعده كما هو معمول به في حياته، وكذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٦)، ففي هذه الآيات تخصيص النبي ﵇ بالمخاطبة والأئمة بعده مرادون بالحكم؛ لأنهم قائمون مقامه؛ فكأنه ﵇ فيهم.

стр. 2514

قوله: "ولقد حدثني ابن أبي عمران ... " إلى آخره. إشارة إلى أن النظر والقياس أيضًا يقتضي جوازها بعد النبي ﵇، ووجهه ظاهر. وابن أبي عمران هو أحمد بن موسى بن عيسى الفقيه البغدادي الثقة المثبت، وأبو عبد الله محمَّد بن شجاع البغدادي المشهور بابن الثلجي -بالثاء المثلثة وبالجيم - من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي العابد الزاهد ﵏.

стр. 2515

ص: باب: الرجل يكون في الحرب فتحضره الصلاة وهو راكب، هل يصلى أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الراكب في الحرب تحضره الصلاة، هل يُصلّي وهو راكب أم لا؟ وإذا صلّى كيف يصلّي. والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفى. ص: حدثنا علي بن مَعبد بن نوح، قال: ثنا علي بن مَعبد بن شداد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن زرّ، عن حذيفة قال: سمعت النبي ﵇ يَقولْ يوم الخندق: "شغلونا عن صلاة العصر -قال: ولم يصلها يومئذٍ حتى غابت الشمس- ملأ الله قبورهم نارًا وقلوبهم نارًا وبيوتهم نارًا". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا سلمة بن شبيب، نا عبد الله بن جعفر الرقي، نا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن عديّ بن ثابت، عن ززّ، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا- يعني صلاة العصر". وهذا الحديث رواه عاصم، عن زر، عن علي ﵁، وقال عدي عن زر، عن حذيفة. انتهى. قلت: أخرجه الطحاوي في باب "الصلاة الوسطى" من حديث عاصم، عن زر، عن عليّ ﵁. وكذا نحوه أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦)

стр. 2516

وأحمد (١) والدارمي (٢) والعدني، وقد ذكرنا رواياتهم كلها هناك. قوله: "يوم الخندق" هو يوم الأحزاب ويوم بني قريظة، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل: في الرابعة، والخندق فارسي معرب، وأصله: كَنْده أي: محفور. قوله: "ملأ الله" جملة دُعائية في صورة الإخبار، والمعنى: اللهم املأ قبورهم نارًا، وإنما جمع في الدعاء بين القبور والقلوب والبيوت؛ ليعمّ ذلك ظواهرهم وبواطنهم في دنياهم وآخرتهم. وفيه: أن الصلاة قد فاتت من النبي ﵇، وعدم جوازها راكبًا في حالة الحرب، وجواز الدعاء على الأعداء بما شاء من الأدعية. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الراكب لا يُصلّى الفريضة على دابته وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول، قالوا: لأن النبي ﵇ لم يصل يومئذٍ راكبًا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: ابن أبي ليلى، والحكم بن عُتَيبة والحسن بن حي؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته وإن كان لا يمكنه النزول. قوله: "قالوا" أي القوم المذكورون؛ لأن النبي ﵇ لم يصلّ -أي العصر- حال كونه راكبًا فدل على منع ذلك. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: إن كان هذا الراكب يُقاتِل فلا يصلّ، وإن كان راكبًا لا يقاتل ولا يمكنه النزول صلّى. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر ومالكًا وأحمد؛ فإنهم قالوا: إن كان الراكب في الحرب يقاتل لا يصلي، وإن كان راكبًا لا يقاتل ولا يمكنه النزول صلّى، وعند الشافعي يجوز له أن يقاتل وهو في الصلاة من غير تتابع الضربات والطعنات.

стр. 2517

وتحقيق مذاهب العلماء فيه ما ذكره أبو عمر: أما مراعاة القبلة للخائف في الصلاة فساقطة عنه عند أهل المدينة والشافعي إذا اشتد خوفه، كما يسقط عنه النزول إلى الأرض لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١) قال ابن عمر ﵄: "مستقبل القبلة وغير مستقبلها" وهذا لا يجوز لمصلي الفرض في غير الخوف، وأما قول ابن عمر: "فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها" فإليه ذهب مالك والشافعي وأصحابهما وجماعة غيرهم. قال مالك والشافعي: يصلي المسافر والخائف على قدر طاقته مستقبل القبلة ومستدبرها وبذلك قال أهل الظاهر. وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة، ولا يصلي أحد في حال المسايفة. وقول الثوري نحو قول مالك، ومن قول مالك والثوري: أنه إن لم يقدر على الركوع والسجود فإنه يصلي قائمًا ويومئ بجعل السجود أخفض من الركوع حيث كان وجهه، وذلك عند السلة، والسلة: المسايفة. قال النووي: وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب الضربة أو يطعن الطعنة في الصلاة وإن تابع الضرب أو الطعن أو عمل عملًا بطلت صلاته، وقال الشافعي: لا يجوز لأحدٍ أن يصلي صلاة الخوف إلا بأن يعاني عدوّا قريبًا غير مأمون أن يحمل عليه من موضع يراه، أو يأتيه من يُصدّقه بمثل ذلك من قرب العدو منه ومسيرهم جادّين إليه، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف، فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب لم يُعيدوا. وقال أبو حنيفة: يعيدون. وقال الشافعي: الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالًا وركبانًا إظلال العدو عليهم، فيتراءون معًا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرَمْي إذا كثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب.

стр. 2518

واختلفوا في بناء الصلاة إذا أمن، فقال مالك: إن صلّى آمنًا ركعةً ثم خاف ركب وبنى، وكذلك إن صلى ركعةً راكبًا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال المزني. وقال أبو حنيفة: إذا افتتح الصلاة آمنًا ثم خاف استقبل ولم يبن، وإن صلى خائفًا ثم أمن بنى. وقال الشافعي: يبني النازل ولا يبني الراكب. وقال أبو يوسف: لا يبني في شيء من هذا كله، انتهى. وقال أبو بكر الرازي: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا يصلي في حال القتال، فإن قاتل في الصلاة فسدت صلاته. وقال مالك والليث والثوري: يُصلي إيماءً إذا لم يقدر على الركوع والسجود. وقال الحسن بن صالح: إذا لم يقدر على الركوع من القتال كبرّ بدل كل ركعة. ص: وقد يجوز أن يكون النبي ﵇ لم يصل يومئذٍ؛ لأنه كان يقاتل، فالقتال عمل، والصلاة لا يكون فيها عمل، وقد يجوزأن يكون لم يصل يومئذٍ؛ لأنه لم يكن أمر حينئذٍ ن يصلي راكبًا، فنظرنا في ذلك. فإذا ابن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا أبو عامر، وبشر بن عمر، عن ابن أبي ذئب (ح). وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقبريّ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: "حُبِسْنا يومُ الخندق حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتى كُفِينا، وذلك قول الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (١) قال: فدعى رسول الله ﷺ بلالًا فأقام الظهر، فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر، فصلاّها كذلك،

стр. 2519

ثم أمرَه فأقام المغرب، فصلاّها كذلك، وذلك قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١) ". فأخبر أبو سعيد ﵁ أن تركهم للصلاة يومئذٍ ركبانًا إنما كان قبل أن يباحَ لهم ذلك، ثم أبيح لهم بهذه الآية، فثبت بذلك أن الرجل إذا كان في الحرب لا يمكنُه النزول عن دابته من خوف العدو، وكذا من سبعٍ، أن له أن يصلي عليها إيماءً، وكذلك لو أن رجلًا كان على الأرض وهو يخاف إن سجد أن يَفْترسه سبع أو يضربه رجل بسيف فله أن يصليّ قاعدًا إن كان يخاف ذلك في القيام، ويومئ إيماءً، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا جواب عما قاله أهل المقالة الأولى، وتقريره من وجهين: أحدهما: أن ترك النبي ﵇ الصلاة يومئذٍ إنما كان لأجل كونه مشغولًا بالقتال، فالقتال عمل، وكل عمل يُفسد الصلاة، فالقتال يُفسد الصلاة. والآخر: يجوز أنه لم يُصلّ حينئذٍ لأنه لم يكن مأمورًا حينئذٍ بالصلاة راكبًا، فلذلك لم يصلّ، ثم أكد صحة الوجه الثاني من التأويل بحديث أبي سعيد الخدري، فإنه صرّح فيه أن تركهم للصلاة ركبانًا يومئذٍ إنما كان لأجل عدم إباحة ذلك لهم، وإنما أبيح ذلك بعد ذلك. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي وبشر بن عمر الزّهراني، كلاهما عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أبي سعيد سعد بن مالك الخدريّ. وأخرجه النسائي (٢) نحوه، ولفظه: "شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة

стр. 2520

الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١) فأمر رسول الله ﵇ بلالًا فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يُصليها في وقتها، ثم أقامَ للعصر، فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام للمغرب، فصلاها كما كان يُصليها في وقتها". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا يحيى، نا ابن أبي ذئب، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: "حُبِسْنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هُوِيًّا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (١) أمر النبي ﵇، بلالًا فأقام الظهر ... " إلى آخره نحو رواية النسائي. قوله: "حُبِسْنا" على صيغة المجهول، أي: منعنا عن الصلوات. "حتى كان بعد المغرب بهُوِيّ من الليل" أي الزمان الطويل منه، وقال ابن الأثير: يقال: هَوَى يَهْوي هَويًّا -بالفتح- إذا هبط، وهَوَى يَهْوي هُوِيًّا -بالضم- إذا صعد، وقيل بالعكس، وهو يهوي هُويًّا أيضًا إذا أسرع في السير، والهَوِيّ -بالفتح- الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص بالليل. وقال الجوهري: مضى هَوِيٌّ من الليل -على فعيل- أي هزيع منه. وفي "المطالع": الهُوِيّ قطعة من الليل وقال أيضًا: والهَوِيُّ والهُوِي -يعني بالفتح والضم- المضي والإسراع. وقال الخليل: هما لغتان بمعنىً، والله أعلم.

стр. 2521

ص: باب: الاستسقاء كيف هو؟ وهل فيه صلاة أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان الاستسقاء، هل تصلّى فيه صلاة؟ أم هو دعاء فقط؟ وهو طلب السُّقْيا -بضم السين- وهو المطر. وقال ابن الأثير: هو من طلب السُّقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث، وأسقاهم، والاسم السُّقيا -بالضم- واستسقيتَ فلانًا إذا طلبت منه أن يُسْقِيك. وفي "المطالع": يقال: سَقَى وأَسْقَى بمعنى واحدٍ وقرئ: "يُسقيكم مما في بطونها" (١) بالوجهن، وكذا ذكره الخليل وابن القوطية: سقرى الله الأرض وأسقاها. وقال آخرون: سقيته: ناولته فشرب، وأسقيته: جعلت له سُقْيا يشرب منه، وسُقيا على فُعلى، والاستسقاء: الدعاء لطلب السُّقْيا. وجه المناسبة بين البابين من حيث أن المستسقي لا يخلو عن خوف أيضًا على ما لا يخفى. ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود -وهو أبو بشر البغدادي- قال: ثنا سعيد بن كثير، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يذكر: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان وُجَاهَ المنبر، ورسولُ الله ﵇ قائم يَخطُب، فاستقبل النبي ﵇ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله ﵇، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يُغِثْنا. فرفع النبي ﵇ يَدَيْه فقال: اللهم اسْقِنا. قال أنسٌ: فوالله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعةٍ وما بيَننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابةٌ مثل التُّرْس، فلما توسَّطت السماءَ انتشَرتْ، ثم أمطرت، قال: فوالله ما رأينا الشمس سَبْتًا، قال: ثم دخل رجل من الباب في الجمعة المقبلة، والنبي ﵇ يَخطب الناس،

стр. 2522

فاستقبله قائمًا ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يُمْسكها عنا. فرفع النبي ﵇ يَدَيْه وقال: اللهم حَوْلنا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب. قال: فأَقْلَعَتْ، وخرج يمشي في الشمس". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وسعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان المصري شيخ البخاري. والحديث أخرجه البخاري (١): ثنا محمَّد بن سلام، نا أبو ضمرة، نا شريك ابن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنسًا يذكر: "أن رجلًا دخل يوم الجمعة ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فادع الله أن يغيثنا" وقوله: "اللهم اسقنا" ثلاث مرات، وفي آخره: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس" قال شريك: فسألت أنسًا: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري". وللبخاري فيه روايات متعددة. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حُجْر -قال يحيى: أنا، وقال الآخرون: ثنا- إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن أنس بن مالك: "أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﵇ قائم يخطب ... " إلي آخره نحو رواية البخاري، غير أن في لفظه: "اللهم أغثنا" ثلاث مرات موضع قوله: "اللهم اسقنا"، وفي لفظه أيضا: "اللهم حولنا" كرواية الطحاوي، وليس فيها ذكر الجبال. وأخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤) أيضًا.

стр. 2523

قوله: "من باب كان وُجاه المنبر" بضم الواو وكسرها، قال ابن التين: يعني مستدبر القبلة. قلت: إن كان يريد بالمستدبر المنبر فصحيح، ولكن لا معنى لذكره، وإن كان أراد الباب فلا يتجه لباب يُواجه المنبر أن يستدبر القبلة. وقوله في رواية مسلم: "من باب كان نحو دار القضاء" قال عياض: دار القضاء؛ سميت بذلك لأنها أبيعت في قضاء دين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، كان أنفقه من بيمت المال وكتبه على نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله فإن عجز ماله استعان ببني عديّ ثم بقريش، فباع عبد الله هذه الدار لمعاوية وقضى دَينه، وكان ثمانية وعشرين ألفًا، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر بن الخطاب، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء. وهي دار مروان بن الحكم، وقيل: هي دار الإمارة. قلت: الصحيح أن دينه كان ستةً وثمانين ألفًا. قوله: "وانقطعت السبل" أراد: الطرق، وفي رواية: "تقطعت السبل"، وقال ابن التين: والأول أشبه. واختلف في معناه، فقيل: ضعفت الإبل لقلة الكلأ أن يُسَافَر بها، وقيل: إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبُلّغها، وقيل: إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام ولم يجلبوه إلى الأسواق. قوله: "فادع الله يغثْنا" يجوز فيه الأوجه الثلاثة. الأول: بالجَزْم لأنه جواب الأمر. والثاني: بالرفع على تقدير: هو يُغيثُنا. والثالث: بالنصب بتقدير "أَنْ" كما في رواية البخاري "أن يُغِيثَنَا" وهو بضم الياء. و"اللهم أغثنا" بالألف من أغاث يُغيث، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر: غاث الله الناس والأرض يُغيثَهُم، بفتح الياء.

стр. 2524

قال عياض: قال بعضهم: هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث. قال أبو الفضل: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هَبْ لنا غيثًا، أو ارزقنا غيثًا، كما يقال: سقاه وأسقاه أي: جعل له سُقيا على لغة من فرق بينهما. ويقال: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "اللهم أغثنا" أي: فَرِّج عنا وأدرِكْنا. وقال القزاز: غاثه يغوثه غوثًا وأغاثه يُغيثه إغاثةً، فأميتَ غاث واستُعمل أغاث وفي "النبات" لأبي حنيفة: وقد غيثت الأرض فهي مغيثة ومغيوثة. وقال أبو الحسن اللحياني: أرض مغيثة ومَغْيُوثة أي: مَسْقِيّة. وفي "المحكم": أغاثه وغاثه غوثًا وغِياثًا، والأول أعلى: ويقول الواقع في بليَّة: اللهم أغثني أي: فرِّج عَنِّي. وقال الفراء: الغَيْث والغَوْث متقاربان في المعنى والأصل. وفي "المطالع": والغيث المطر، وقد يُسَمَّي الكلأ غيثًا كما سُمي سماء، وغيثت الأرض فهي مغيثة. قوله "ولا قَزَعَة" بفتح القاف والزاي المعجمة والعين المهملة مثل شَجَرَة، وهي قطعة من السحاب رقيقة كأنها ظل إذا مرّت من تحت السحاب الكثير. وقال أبو حاتم: القزع السحاب المتفرق، وعن الباهلي يقال: ما على السماء قزعة أي: شيء من غير. قوله: "سَلْع" بفتح السين المهملة وسكون اللام بعدها عين مهملة، قال ابن قُرقول: هو جبل بشرق المدينة، ووقع عند أبي سهل بفتح اللام وسكونها، وذكر أن بعضهم رواه بغين معجمة، وكله خطًا. وقال في "المحكم": سَلع موضع. وقيل: جبل، وقال البكراوي هو جبل متصل بالمدينة، وقال الجوهري: السَّلْع جبل بالمدينة، وزعم الهروي أن سلعًا معرفة لا يجوز إدخال الألف واللام عليه، ويعارضه ما في "دلائل النبوة" للبيهقي و"الإكليل" للحاكم وكتاب أبي نعيم الأصبهاني: "فطلعت سحابة من وراء السلع".

стр. 2525

قوله: "ثم أمطرت" يقال: مطرف السماء تُمطر ومَطَرتهم تُمْطرهُم مَطْرًا، وأمطرتهم: أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله: في العذاب خاصةً. وقال الفراء: قطرت السماء وأقطرت مثل مطرت وأمطرت. وفي "الجامع": مطرت السماء تُمطر مَطْرًا أو مَطَرًا، فالمطْر بالسكون المصدر، والمطر الاسم، وفيه لغة أخرى مَطِرت تُمطر مطَرًا وكذا أَمْطرت السماء تمطر. وفي "الصحاح": مطرت السماء، وأمطرها الله، وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت بمعنىً. قوله: "ما رأينا الشمس سَبْتًا" بسين مهملة مفتوحة بعدها باء موحدة ساكنة ثم تاء مثناة من فوق، وعند الداودي: "سِتًّا" بسين مكسورة، وفسَّره: ستة أيام، وَوُهِّم في ذلك، وليس جيّدًا، بل الواهم مَنْ وهَّمَهُ؛ لأن في "الصحيح": "فما زلنا نُمطر حتى كانت الجمعة الأخرى" فهذا يُبيِّن صحة ما ذهب إليه الداودي ويُوهن قول مَنْ قال: أراد بالسبت القطعة من الزمان؛ لأنه قال: أصل السَّبْت: القطع، وإنما أراد: اليوم المسّمى بالسّبْت. قوله: "اللهم حولنا" وكذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: "حوالينا" وهو ظرف متعلق بمحذوف تقديره: اللهم أنزل -أو أمطر- حولنا ولا تنزل علينا. قلت: حاصل المعنى: أَنْزِلْه حوالي المدينة حيث مواضع النبات، فلا تنزله علينا في المدينة ولا في غيرها حيث الأبنية والمساكن. يقال: رأيت الناس حوله وحواليَه وحَوالَه وحَوليه أي: مُطيفين به من جوانبه، وهو من الظروف اللازمة للإضافة. وقال ركن الدين شارح "مختصر ابن الحاجب": ومن الظروف اللازمة للإضافة: حوال وتثنيته، وحَوْل وتثنيته، وجمعه، نحو: أمشي حوله، وقوله ﵇ "حوالينا
следующие страницы →