وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث سفيان، عن الركين، عن القاسم بن حسان قال: "أتيت فلان بن وديعة، فسألته عن صلاة الخوف فقال: أثبت زيد بن ثابت ... " إلى آخره نحوه.
ثم قال البيهقي: أراد بقوله: "ذهب هؤلاء وجاء أولئك" في تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم.
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان ... إلى آخره. وزاد عبد الله بن وديعة في هذه الرواية: "فكانت" أي الصلاة "لرسول الله ﵇ ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة".
وأخرجه الطبراني في "الكبير (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن الرُّكين بن الرَّبيع بن عُمَيلة الفزاري، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت قال: "سألته عن صلاة الخوف فقال: قام رسول الله ﵇ فصلى بهم، فقام صفّ خلفه، وصفّ موازي العدو، فصل بهم ركعةً، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء، وجاء هؤلاء فصلى بهم ركعةً ثم انصرف".
وأما حديث حديفة بن اليمان ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي الكوفي، عن الأسود بن هلال المحاربي أبي سلام الكوفي، عن ثعلبة بن زهدم التميمي الحنظلي الصحابي ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني أشعث بن سليم، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم قال: "كنا مع
стр. 2452
سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلَّى مع رسول الله ﵇ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقام حذيفة وصفّ الناس خلفه صفين، صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعةً ولم يَقْضوا".
وأخرج أيضًا (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن سفيان، عن الأشعث بن أبي الشعثاء ... إلى آخره.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمّل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني الأشعث بن سُلَيم، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زَهْدم قال: "كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﵇ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعةً وبهؤلاء ركعةً ولم يقضوا".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ البخاري وأحمد، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، عن عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، عن مُخْمل -بضم الميم وسكون الخاء المعجمة- بن دَمَاث -بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم وفي آخره ثاء مثلثة- الكوفي وثقه ابن حبان، قال: "غزوت مع سعيد بن العاص ... " إلى آخره.
وهو سعيد بن العاص بن أحيحة القرشي الأموي أبو عبد الرحمن المدني، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان ﵁، استعمله عثمان على الكوفة، وغزا طَبَرِسْتان فافتتحها -وهي بفتح الطاء والباء الموحدة والراء وسكون السين المهملة وبالتاء المثناة من فوق وبعد الألف نون- وهي بلاد كثيرة المياه والأشجار
стр. 2453
والغالب عليها الجبال وأبنيتها بالخشب والقصب، وهي بلاد كثيرة الأمطار، ويرتفع منها أبرسم يعم الآفاق، وغالب خبزهم الأرز، وهي شرقي كبلان؛ وانما سميت بذلك لأن طَبَر بالفارسية الفأس، وأستان الناحية، ومن كثرة اشتباك أشجارها لا يَسْلك فيها الجيش إلا بعد أن تقطع الأشجار من بين أيديهم بالطبر، فسميت لذلك طبرستان أي: ناحية الطبر، ومن بلادها: رُويان خرج منها جماعة من أهل العلم، وناتل، والأرجان، وويمَه، وآمُل وهي أكبر مدينة بطبرستان ومنها أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري، وما مَطير خرج منها جماعة من أهل العلم.
وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، عن يزيد بن صهيب الفقير أبي عثمان الكوفي روى له الجماعة غير الترمذي.
وأخرجه النسائي (١): أنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: أنبأني يزيد الفقير، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله ﵇ فأقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﵇ وقامت خلفه طائفة، وطائفة مواجهة العدو، فصل بالذين خلفه ركعةً وسجد بهم سجدتين، ثم إنهم انطلقوا فقاموا مقام أولئك الذين كانوا في وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة فصل رسول الله ﵇ ركعةً وسجدتين، ثم إن رسول الله ﵇ سلَّم، فسلَّم الذين خلفه وسلَّم أولئك".
وله رواية أخرى (٢): عن يزيد الفقير، عن جابر نحوه، وفي آخره: "فكانت للنبي ﵇ ركعتان ولهم ركعة".
стр. 2454
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) مطولًا ومختصرًا بوجوه متعددة.
وأما حديث سهل بن أبي حثمة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز البصري أحد الأئمة الحنفية الكبار، قال ابن الجوزي: ولي لقضاء بالشام والكوفة وبغداد، وكان عالمًا ورعًا ثقة قدوة في العلوم غزير الفضل والدين، ذكره صاحب "الهداية" في كتاب الرهن.
وهو يروي [عن] (٣) أبي حفص الفلاس الحافظ واسمه عمرو بن علي، وهو باسمه أشهر منه بكنيته، وهو شَيْخ الجماعة، يَرْوي عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃ روى له الجماعة، عن أبيه القاسم بن محمَّد روى له الجماعة، عن صالح بن خوَّات -بالخاء المعجمة وبتشديد الواو وفي آخره تاء مثناة من فوق- بن جبير الأنصاري المدني، روى له الجماعة حديث صلاة الخوف.
عن سهل بن أبي حثمة عبد الله الأنصاري الصحابي ﵁.
والحديث أخرجه الجماعة:
فقال البخاري (٤): ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوَّات، عن سهل بن أبي حثمة قال: "يقوم الإِمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه، وطائفة من قِبَل العدو ووجوههم إلى العدو، فيُصلِّي بالذين معه ركعة ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعةً فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين".
стр. 2455
ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇ مثله.
وقال مسلم (١): ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوَّات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﵇ صلَّى بأصحابه في الخوف، فصفّهم خلفه صفّين، فصلى بالذين يلونهم ركعةً، ثم قام، فلم يزل قائمًا حتى صلَّى الذين خلفهم ركعةً، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعةً، ثم قعد حتى صلَّى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم".
وقال أبو داود (٢): ثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوَّات، أن سهل بن أبي حثمة الأنصاري حدثه: "أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام وطائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإِمام ركعة ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم سلَّموا وانصرفوا -والإمام قائم- فكانوا وجاه العدو، ثم يُقبل الآخرون الذين لم يُصلُّوا فيكبروا وراء الإِمام، فيركع بهم، ويسجد بهم، ثم يُسلِّم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون".
وقال الترمذي (٣): ثنا محمَّد بن بشار، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن صالح بن خوَّات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة: "أنه كان يقول في صلاة الخوف: يقوم الإِمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قِبَل العدو ووجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة ويركعون لأنفسهم ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك،
стр. 2456
فيركع بهم ركعةً ويسجد بهم سجدتين، فهي له ثنتان ولهم واحدة ثم يركعون ركعةً، ويسجدون سجدتين".
قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوَّات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇ بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري.
وقال النسائي (١): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﵇ صلَّى بهم صلاة الخوف، فصفّ صفًّا خلفه وصفًّا مُصافّوا العدو، فصلَّى بهم ركعةً، ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك فصلّى بهم ركعةً، ثم قاموا فقضوا ركعةً ركعةً".
وقال ابن ماجه (٢): ثنا محمَّد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوَّات، عن سَهْل بن أبي حثمة: "أنه قال في صلاة الخوف قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قِبَل العدو ووجوههم إلى الصف، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم ثم يذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين، فهي له ركعتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين".
قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوَّات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇ بمثل حديث يحيى بن سعيد.
стр. 2457
ص: قيل لهم: هذا غير موافق لما روى مجاهد، ولكنه موافق لما روى عبيد الله، عن ابن عباس، وقد تقدّمت حجتنا في أول هذا الباب أن النبي ﵇ محال أن يكون الفرض عليه في تلك الصلاة ركعة واحدة ثم يَصِلُها بأخرى لا يسلم بينهما، فثبت بما ذكرنا أن فرض صلاة الخوف ركعتان على الأمام، ولم يذكر المأمومين بقضاء ولا غيره في هذه الآثار، فاحتمل أن يكونوا قضوا ولا بد -فيما يوجبه النظر- أن يكونوا قد قضوا ركعةً ركعةً؛ لأنا رأينا الفرض على الإمام في صلاة الأمن والإقامة مثل الفرض على المأموم سواء، وكذلك الفرض عليهما في صلاة الأمن في السفر سواء، ومحال أن يكون المأموم فرضه ركعةً فيدخل مع غيره ممن فرضُه ركعتان إلا وجب عليه مثل ما وجب على إمامه ألا تُرى أن مسافرًا لو دخل في صلاة مقيم صلى أربعًا فكان المأموم يجب عليه ما يجب على إمامه، وقد يكون على المأموم ما ليس على إمامه، من ذلك أنَّا رأينا المقيم يُصلي خلف المسافر بصلاته ثم يقوم بعد ذلك فيقضي تمام صلاة المقيم، فكان المأموم قد يجب عليه ما ليس على إمامه ولا يجب على إمامه ما لا يجب عليه، فلما ثبت بما ذكرنا وجوب الركعتين على الإِمام ثبت أن مثلهما على المأموم.
ش: أي قيل لهؤلاء القوم في جواب ما ذكروا من موافقة أحاديث زيد بن ثابت وحذيفة وجابر بن عبد الله وسهل بن أبي حثمة: هذا غير موافق لما رواه مجاهد، عن عبد الله بن عباس من قوله: "إن صلاة الخوف ركعة واحدة"، ولكنه موافق لما رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ بذي قرد صلاة الخوف ... " الحديث، وأشار بقوله: "وقد تقدمت حجتنا في أول هذا الباب ... " إلى قوله: "ومحال أن يكون الفرض على الإمام ركعةً فَيصِلُها بأخرى" بلا قعود للتشهد ولا تسليم.
قوله: "إن النبيَّ ﵇" بالفتح بدل من قوله: "حُجّتَنَا".
قوله: "ثم يَصِلُها بأخرى" أي يصلُ الركعة الواحدة بركعة أخرى.
стр. 2458
قوله: "فثبت" أي: إذا كان كذلك؛ ثبت بما ذكرنا أن فرض صلاة الخوف ركعتان على الإِمام، فإذا كان على الإِمام ركعتين وجب أن يكون على المأموم مثلهما، وذلك بطريق النظر والقياس؛ لأنه لم يذكر المأمومين في هذه الأحاديث بقضاء ولا غيره، ولكن الذي يقتضيه القياس أن يكونوا قد قضوا ركعةً ركعةً، والباقي ظاهر.
ص: وقد روي عن حليفة ﵁ من قوله ما يدل على ما تأوّلنا في حديثه وحديث زيد وجابر وابن عباس ﵃ أنهم قضوا ركعةً ركعةً.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدٍ، عن حذيفة قال: "صلاة الخوف ركعتان وأربع سجدات".
قال أبو جعفر ﵀: فدلَّ ذلك على أبيهم قد كانوا فعلوا ذلك مع رسول الله ﵇ في الأحاديث الأول.
ش: أشار بهذا إلى تأييد ما ذكره من التأويل في أحاديث هؤلاء الصحابة ﵃ وهو أن الذي يوجبه النظر والقياس: أن يكون المأمومون قد قضوا ركعة ركعة؛ لأن من جملة من روى من هؤلاء الصحابة حذيفة بن اليمان، وقد روي عنه من رأيه ما يدل على تأويل حديثه بالتأويل الذي ذكرناه.
أخرجه بإسناده صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن سُلَيم -بضم السين- بن عبد السلولي الكوفي وثقه ابن حبان، عن حذيفة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سُليم ابن عبدٍ، عن حذيفة قال: "صلاة الخوف ركعتان وأربع سجدات، فإن أعملك العدو حلَّ لك القتال والكلام بين الركعتين" انتهى.
стр. 2459
فكلامه هذا قد دلَّ على أنهم كانوا يفعلون ذلك مع رسول الله ﵇ فيما مضى من أحاديث هؤلاء الصحابة ﵃.
ص: ثم اعتبرنا بالآثار هل نجد فيها من ذلك شيئًا؟
فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة، عن الحسن، عن أبي موسى: "أن رسول الله ﵇ ﵇ صلى بأصحابه صلاة الخوف، فصلى بطائفة منهم ركعة وكانت طائفة بإزاء العدو، فلما صلى بهم ركعة سلم، فنكصوا على أعقابهم حتى انتهوا إلى إخوانهم ثم جاء الآخرون فصلَّى بهم رسول الله ﵇ ركعة، ثم سلَّم، فقام كل فريق فصلوا ركعةً ركعةً".
قال أبو جعفر ﵀: فقد أخبر في هذا الحديث أنهم قضوا، فبيَّن ما وصفنا أنه يحتمل في الآثار الأول، وكان قوله: "ثم سلَّم بعد الركعة الأولى" يحتمل أن يكون سلامًا لا يريد به قطع الصلاة ولكن يريد به إعلام المأمومين موضع الانصراف.
ش: أي ثم اعتبرنا الأحاديث المروية في هذا الباب هل نجد فيها من ذلك شيئًا؟ أي من التأويل الذي ذكرناه الذي أيده قول حذيفة، فإذا أبو بكرة بكار القاضي قد حدث، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي حرة واصل ابن عبد الرحمن البصري روى له مسلم، عن الحسن البصري، عن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) موقوفًا، وقال: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: "أن أبا موسى ﵁ صلى بأصحابه بأصبهان، فصلَّت طائفة منهم معه، وطائفة مواجهة العدوّ، فصلى بهم ركعةً، ثم نكصوا وأقبل الآخرون يتخللونهم، فصلى بهم ركعةً، ثم سلَّم، وقامت الطائفتان فصلتَّا ركعةً ركعةً".
قوله: "نكصوا على أعقابهم" أي رجعوا إلى ورائهم، والنكوص: الرجوع إلى وراء، وهو القهقرى، يقال: نكص ينكص من باب نصر ينصر فهو ناكص.
стр. 2460
قوله: "فبيَّن" أي حديث أي موسى، وقوله: "ما وصفنا" مفعوله، وقوله: "أنه يحتمل" مفعول "وصفنا".
وقوله: "وكان قوله: ثم سلم ... " إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: كيف تكون صلاة الخوف ركعتين وقد سلم ﵇ عقيب الركعة الأولى؟ فالسلام فاصل بين الركعتين، فلا تكون إلا ركعة في حق الطائفة الأولى، وركعة أيضًا في حق الطائفة الثانية.
وتقرير الجواب أن يقال: إن سلامه ﵇ يحتمل أن يكون لم يُردْ به قطع الصلاة، وإنما أراد به أن يعلم المأمومين موضع الانصراف إلى جهة العدو لتأتي الطائفة الذين تجاههم، وهذا التأويل أيضًا يرفع التضاد بين الأحاديث ولتتفق معانيها.
ص: حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا قييصة، قال: ثنا سفيان (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن خُصَيْفٍ، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "صلى النبي ﵇ صلاة الخوف في بعض أيامه، يصفّ صفًّا خلفه وصفًّا مُوَازِينَ العَدوّ وكلُّهم في صلاة، فصلَّى بهم ركعةً، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء، فصلَّى بهم ركعةً ركعةً، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء، وهؤلاء إلى مصافّ هؤلاء فقضوا ركعةً".
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا بكر بن بكار القيسي، قال: ثنا عبد الملك بن حسين، قال: ثنا خُصَيْفٌ، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله ﵁ قال: "صلَّى رسول الله ﵇ صلاة الخوف في حَرّة بني سُلَيم ... " ثم ذكر نحوه غير أنه لم يذكر: "وكلهم في صلاة" وزاد: "وكانوا في غير القبلة".
قال أبو جعفر ﵀: فقد أخْبَر في هذا الحديث أنهم قضوا ركعةً ركعةً، وأخبر أنهم دخلوا في الصلاة جميعًا، فثبت بما ذكرنا من الآثار أن صلاة الخوف ركعتان، غير أن حديث ابن مسعود ذكر فيه دخولهم في الصلاة معًا، فأردنا أن ننظر: هل عارض هذا الحديث غيره في هذا المعنى؟
стр. 2461
فنظرنا في ذلك، فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإِمام وطائفة من الناس فيصلي بهم ركعة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو لم يُصلوا، فيتقدم الذين لم يصلوا ويتأخر الآخرون فيصلي بهم ركعةً، وينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فتقوم كل طائفة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعةً ركعةً بعد أن أن ينصرف الإمام، فتكون كل واحدة من الطائفتين قد صلّوا ركعتين ركعتين. قال نافع: لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي ﵇".
فقد أخبر في هذا الحديث أن دخول الثانية في الصلاة بعد أن يصلي الإمام والطائفة الأولى ركعة، والكتاب شاهدٌ بهذا؛ لأن الله قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، فقد ثبت بما وصفنا أن دخول الثانية في الصلاة بعد فراغ الإِمام من الركعة الأول.
وهذا الخبر صحيح الإسناد، وأصله مرفوع وإن كان نافعٌ قد شك فيه في وقت ما حدثه مالكًا، وهكذا روى عنه أصحابه الأكابر.
حدثنا عليُّ بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "صلى النبي ﵇ صلاة الخوف في بعض أيامه فقامت طائفة منهم معه وطائفة منهم فيما بينه وبين العدو، فصلى بهم ركعةً، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعةً".
حدثنا فهد بن سليمان وأحمد بن مسعود الخياط، قالا: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ بمثل معناه.
وقد رواه أيضًا سالم عن أبيه مرفوعًا.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو الربيع الزَهْرانيُّ، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب كذلك.
стр. 2462
حدثنا أبو محمَّد فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم، أن ابن عمر قال: "غزوت مع النبي ﵇ غَزْوَته قِبلَ نجد فوازَيْنا العدو ... " ثم ذكر مثله.
ش: أخرج حديث عبد الله بن مسعود ﵁ من ثلاث طرق؛ لكونه دالًا على أن المأمومين في صلاة الخوف قد قضوا ركعةً ركعةً، وأخبر أيضًا أنهم دخلوا في الصلاة جميعًا، فإذا كان كذلك يثبت به أن صلاة الخوف ركعتان فيصير حجة على من يقول أنها ركعة كما ذكرنا.
ثم الطريق الأول: عن علي بن شيبة بن الصَّلْت، عن قبيصة ابن عقبة السوائي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري، عن خُصَيْف -بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء- ابن عبد الرحمن الجَزَري أبي عون الخزاعي فيه مقال؛ فعن أحمد: ليس بحجة ولا قوي في الحديث. وعنه: ضعيف الحديث. وعنه: ليس بذاك. وعنه شديد الاضطراب في المسند. وعن ابن معين: صالح. وعنه: ثقة. وكذا قال العجلي وأبو زرعة: إنه ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً. وروى له الأربعة.
وهو يروي عن أبي عُبيدة عامر بن عبد الله بن مسعود، وقيل: اسمه كنيته، روى له الجماعة، عن أبيه عبد الله بن مسعود.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن خُصَيْف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله ﵇ فصلى صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، قال: وهم في صلاة كلهم، قال: فكبر وكبروا جميعًا، فصلى بالصف الذي يليه ركعة وصف موازي العدو. قال: ثم ذهب هؤلاء، وجاء هؤلاء فصلى بهم ركعةً، ثم قام هؤلاء الذين صلى بهم الركعة الثانية فقضوا مكانهم، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء وجاء أولئك فقضوا ركعة".
стр. 2463
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان، عن خُصَيْف ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي مطولًا (١)، ثم قال: ورواه الثوري، عن خُصَيْف فقال: "صفٌّ خلفه، وصف موازي العدو، وكل في صلاة".
الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن بكر بن بكار القيسي البصري فيه مقال، فعن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. ووثقه أبو عاصم النبيل وابن حبان.
وهو يروي عن عبد الملك بن حسين أبي مالك النخعي المعروف بابن ذر، فيه كلام، فعن يحيى: ليس بشيء. وقال الفلاس: ضعيف الحديث منكر الحديث. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وروى له ابن ماجه، وهو يروي عن خُصَيْف، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله.
وأخرجه أبو داود (٢): وليس فيه ذكر حرة بني سليم ولا قوله: "وكانوا في غير القبلة" فقال: ثنا عمران بن ميسرة، نا ابن فُضيل، نا خُصَيْفٌ، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: "صلَّى رسول الله ﵇ صلاة الخوف، فقاموا صفًّا خلف رسول الله ﵇ وصفًّ مستقبل العدو، فصلَّى بهم النبي ﵇ ركعة، ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبل هؤلاء العدو، فصلَّى بهم النبي ﵇ ركعة، ثم سلَّم، فقام هؤلاء فصلّوا لأنفسهم ركعةً ثم سلّموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعةً ثم سلّموا".
وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن محمَّد بن فضيل، عن خصيف ... إلى آخره نحوه سواء.
стр. 2464
فإن قيل: كيف يذكره الطحاوي في معرض الاستدلال لأهل المقالة الثانية والاحتجاج على أهل المقالة الأولى، وقد رأيت ما قالوا في بعض رواته كما ذكرنا؟! وقد قال البيهقي: هذا مرسل، أبو عبيدة لم يدرك أباه، وخصيف ليس بالقوي وقال الترمذي: أبو عبيدة لم يعرف اسمه ولم يسمع من أبيه شيئًا.
قلت: قال أبو داود: كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين، وابن سبع سنين مميز يحتمل السماع والحفظ؛ ولهذا يؤمر الصبي ابن سبع سنين بالصلاة تخلقًا وتأدبًا.
وأما خصيف فقد ذكرنا أن أبا زرعة والعجلي وابن معين وابن سعد وثقوه، وقال النسائي: صالح.
وأما بكر بن بكار فقد ذكرنا أن أبا عاصم وابن حبان وثقاه.
وأما عبد الملك بن حسين وإن كانوا قد ضعفوه فإن حديثه في المتابعات، وحديث الضعيف إذا ذكر مع حديث الثقة لا يُناقش فيه، بل يكون مما يُقوّى به الصحيح ويصحح به الضعيف.
قوله: "في حَرَّة بني سُليم" الحَرَّة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء- وهي أرض ذات حجارة سود. وبنو سليم قبيلة من قيس غيلان، وهو سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصيفة بن قيس غيلان.
ثم اعلم أنه لما كان المذكور في طريق حديث ابن مسعود قوله: "وكلهم في صلاة" مما يخدش استدلال أهل المقالة الثانية؛ لأن مذهبهم أن دخول الطائفة الثانية في صلاة الإمام لا يكون إلا بعد أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة.
أجاب عن هذا بقوله: غير أن حديث ابن مسعود ذكر فيه دخولهم في الصلاة معًا، فأردنا أن ننظر هل عارض هذا الحديث -أي حديث ابن مسعود- غيره في هذا المعنى -أي في دخولهم في الصلاة معًا- فأخرج في ذلك حديث ابن عمر ﵄ وهو يخبر أن دخول الثانية في الصلاة بعد أن يصلي الإمام والطائفة الأول ركعةً، ثم قال:
стр. 2465
والكتاب شاهد بهذا؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وهو يدل على شيئين:
الأول: أن الإمام يجعلهم طائفتين في الأصل: طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو على ما قال أبو حنيفة؛ لأنه قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ (١).
والثاني: قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١) نفى كل جزء من الصلاة، فظهر أن الآية دلت على أنهم لا يكونون جميعًا مع الإمام، وثبت أن دخول الطائفة الثانية في الصلاة بعد فراغ الإمام من الركعة الأولى، فهذا كله موافق لمذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ومخالف لمذهب الخصم؛ لأن منهم من يقول: يفتتح جميعٌ الصلاةَ مع الإمام، وهذا خلاف الآية الكريم.
ولما عارض هؤلاء بقولهم: إن خبر ابن عمر موقوف وخبر ابن مسعود مرفوع فكيف يعارضه؟ أجاب عنه بقوله: "وهذا الخبر" أي خبر ابن عمر "صحيح الإسناد وأصله مرفوع"، وقد دل عليه أن أكابر أصحاب نافع مولى ابن عمر مثل موسى بن عقبة وأيوب بن موسى ومجاهد وآخرين رووه عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا وكذا قال مالك: قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﵇.
ثم بيّن ذلك بخمس طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
الثاني: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن موسى ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر.
стр. 2466
وأخرجه النسائي (١): أنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا يحيى ابن آدم، عن سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: "صلى رسول الله ﵇ صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلَّى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلَّى ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعةً ركعةً".
وأخرجه مسلم (٢) والدارقطني (٣) أيضًا نحوه.
الثالث: عن فهد بن سليمان وأحمد بن مسعود الخياط، كلاهما عن محمَّد بن كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي المكي روى له الجماعة، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): نا أبو المغيرة، نا الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ صلَّى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعةً وسجدتين -والطائفة الأخرى مواجهة للعدو- ثم انصرفت الطائفة التي مع النبي ﵇ وأقبلت الطائفة الأخرى فصلى بها رسول الله ﵇ ركعةً وسجدتين، ثم سلَّم النبي ﵇، ثم قام كل رجل من الطائفتين فركع لنفسه ركعة وسجدتين".
وهذان الطريقان بيان قوله: "وهكذا روى عنه أصحابه الأكابر" أي أصحاب نافع كما ذكرنا، ثم أكَّد كلامه ذلك بما رواه أيضًا غير نافع عن ابن عمر مرفوعًا وهو قوله: "وقد رواه أيضًا سالم عن أبيه مرفوعًا" أي قد روى الحديث المذكور أيضًا سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر.
стр. 2467
وقد أخرج عنه من طريقين صحيحين:
أحدهما: وهو الطريق الرابع مما ذكرنا، عن يزيد بن سنان، عن أبي الربيع الزَهْراني -واسمه سليمان بن داود الأزدي، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود- عن فليح بن سليمان، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبد بن حميد، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "صلى رسول الله ﵇ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي ﵇ ركعةً، ثم سلَّم النبي ﵇ ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة".
وحدثنيه (٢) أبو الربيع الزهراني، قال: نا فليح، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: "أنه كان يحدث عن صلاة رسول الله ﵇ في الخوف ويقول: صليتها مع رسول الله ﵇" بهذا المعنى.
والثاني: هو الطريق الخامس مما ذكرنا، عن فهد بن سليمان عن أبي اليمان الحكم ابن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار أبي بشر الحمصي روى له الجماعة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب عن الزهري قال: "سألته: هل صلى النبي ﵇ يعني صلاة الخوف؟ قال: أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر قال: غزوت مع رسول الله ﵇ قِبَل نجد فوازينا العَدُوّ، فصاففْنا لهم، فقام رسول الله ﵇ يُصلِّي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله ﵇ بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تُصَلّ، فجاءوا فركع رسول الله ﵇ بهم ركعةً وسجد سجدتن ثم سلَّم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعةً وسجد سجدتين".
стр. 2468
وأخرجه أبو داود (١): عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن سالم.
وأخرجه الترمذي (٢): عن محمَّد بن عبد الملك، عن يزيد بن زريع ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع ... إلى آخره نحوه.
قوله: "غزوتَه" بالنصب على المصدرية.
قوله: "قِبَل نجدد" بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، أي جهة نجد، وهي من بلاد العرب، وهو خلاف الغور، والغور هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. قال الجوهري: وهو مذكر. وأنشد ثعلب:
ذراني من نجدٍ فإن سنينه ... لعبن بنا شِيبًا وشيَّبنَنا مُرْدا
قوله: "فوازينا" من الموازاة وهي المقابلة، وأصله من آزى، يقال: آزيته إذا حاذيته، قال الجوهري: ولا تقل: وازيته. والذي في الحديث يرده.
قال ابن الأثير: الإزاء: المحاذاة والمقابلة، ومنه حديث صلاة الخوف: "فوازينا العدو" أي قابلناهم، وأنكر الجوهري أن يقال: وازينا.
ثم اعلم أن أباحنيفة ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير الطبري وبعض أصحاب الشافعي احتجوا بهذه الأحاديث على أن صلاة الخوف تصل بأن يجعل الإِمام الناس طائفتن، طائفة بإزاء العدو، ويفتتح الصلاة بطائفة فيصلى بهم ركعة إن كان مسافرًا أو كانت الصلاة صلاة الفجر وركعتين إن كان مقيمًا والصلاة من ذوات الأربع، وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية
стр. 2469
فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، وتعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة، ورويت هذه الصورة عن سفيان الثوري أيضًا.
وقال أبو بكر الجصاص ﵀: أشد الأقاويل موافقة لظاهر الآية قول أبي حنيفة ومحمد؛ وذلك لأنه تعالى قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١)، وجائز أن يكون مراده الطائفة التي بإزاء العدو، وجائز أن يريد به الطائفة المصلية والأولى أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو؛ لأنها تحرس هذه المصلية، وقد عُقل من ذلك أنهم لا يكونون جميعًا مع الإِمام؛ لأنهم لو كانوا مع الإِمام لما كانت طائفة منهم قائمةً مع النبي ﵇، بل يكونون جميعًا معه وذلك خلاف الآية، ثم قال: وقولنا موافق السنة الثابتة من النبي ﵇ والأصول؛ وذلك لأن النبي ﵇ قال (٢): "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا"، وقال (٣): "إني امرؤ قد بدَّنتُ، فلا تبادروني بالركوع ولا السجود".
ومن مذهب المخالف: أن الطائفة الأولى تقضي صلاتها وتخرج منها قبل الإِمام، وفي الأصول أن المأموم مأمور بمتابعة الإِمام لا يجوز الخروج منها قبله، وأيضًا جائز أن يلحق الإِمام سهو وسهوه يلزم المأموم ولا يكون للخارجين من صلاته قبل فراغه إن سجدوا، ويخالف هذا القول الأصول من جهة أخرى وهي اشتغال المأموم بقضاء صلاته والإمام قائم أو جالس تارك لأفعال الصلاة فتحصل، مخالفة الإِمام في النفل وترك الإِمام لأفعال الصلاة لأجل المأموم وذلك ينافي معنى الاقتداء والائتمام، ومنع الإِمام من الاشتغال بالصلاة لأجل المأموم، وهذان وجهان أيضًا خارجان من الأصول.
стр. 2470
فإن قيل: جائز أن تكون صلاة الخوف مخصوصًا بجواز انصراف الطائفة الأولى قبل الإِمام كما جاز المشي فيها.
قيل له: المشي له نظير في الأصول، وهو الراكب المنهزم يصلي وهو سائر بالاتفاق، وأيضًا قد ثبت عندنا أن الذي سبقه الحدث في الصلاة فينصرف ويتوضأ ويبني، وقد وردت السنة عن رسول الله ﷺ رواه ابن عباس (١) وعائشة (٢) ﵃ أن النبي ﵇ قال: "من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته"، والرجل يركع ويمشي إلى الصف ولا تبطل صلاته، وركع أبو بكر ﵁ حتى دخل المسجد ومشى إلى الصف فلما فرغ النبي ﵇ قال له: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (٣) ولم يأمره باستئناف الصلاة، فكان للمشي في الصلاة نظائر في الأصول، وليس في الخروج من الصلاة قبل فراغ الإِمام نظير فلم يجز فعله.
وأيضًا فإن المشي فيها اتفاق بيننا وبين مالك والشافعي، ولما قامت به الدلالة سلمناه لهما، وما عدا ذلك فواجب حمله على موافقه الأصول وحتى تقوم الدلالة على جواز خروجه عنها.
ص: وذهب آخرون في ذلك إلى ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عن مَن صلى مع النبي ﵇ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صَفّت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالدين معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، ثم جاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلَّم بهم".
стр. 2471
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر ﵃، عن صالح بن خوّات الأنصاري، أن سهل بن أبي حَثْمة أخبره أن صلاة الخوف ... فذكر نحوه، ولم يذكره عن النبي ﵇ وزاد في ذكر الركعة الآخرة قال: "فيركع بهم، ثم يسجد، ثم يسلم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلمون".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد ... فذكر بإسناده مثله.
ش: أي ذهب جماعة آخرون في باب "صلاة الخوف" إلى حديث صالح بن خوّات، وأراد يهم: مالكًا في رواية، والشافعي وأحمد وأصحابهما الأكثرين.
وقال أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد": وإلي حديث يزيد بن رومان ذهب الشافعي وأصحابه في صلاة الخوف، وبه قال داود، وهو قول مالك الأول؛ لأن ابن القاسم ذكر عنه أنه رجع إلي حديث القاسم بن محمَّد في ذلك، والخلاف منه إنما هو في موضع واحد؛ وذلك أن الإِمام عنده لا ينتظر الطائفة التي تقضي لأنفسها.
قال ابن القاسم: كان مالك يقول: لا يسلم الإمام حتى تقوم الطائفة الثانية فتتم لأنفسها ثم يسلم بهم.
وقال عياض في "شرح مسلم": أخذ مالك برواية صالح بن خوّات التي رواها عنه في "موطإه"، وأخذ الشافعي وأشهب من أصحاب مالك برواية ابن عمر ﵄.
وقال ابن قدامة في "المغني" بعد أن ذكر حديث سهل بن أبي حثمة: وبهذا قال مالك والشافعي.
ثم قال: ولنا ما روى صالح بن خوات عن مَن صلى مع النبي ﵇ يوم ذات الرقاع.
وقال صاحب "البدائع": احتج الشافعي بما روى سهل بن أبي حثمة، ولنا ما روى ابن مسعود وابن عمر ﵁ انتهى.
стр. 2472
وقال أحمد: وقد روي عن النبي ﵇ صلاة الخوف على أوجه، وما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا، واختار حديث سهل بن أبي حثمة.
وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم، قال: قد ثبتت الروايات عن النبي ﵇ في صلاة الخوف فرأى كل ما روي عن النبي ﵇ في صلاة الخوف فهو جائز، وهذا على قدر الخوف.
قال إسحاق: ولسنا نختار حديث سهل بن أبي حثمة على غيره من الروايات.
ثم إنه أخرج حديث صالح بن خوّات من ثلاث طرق صحاح.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١) في باب "غزوة ذات الرقاع": ثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوّات عن مَنْ شهد رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلى صلاة الخوف: "أن طائفةً صلت معه ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره.
وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك.
الثاني: وهو موقوف: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا ... إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٥): عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوّات الأنصاري، أن سهل بن أبي حثمة الأنصاري حدثه: "أن صلاة
стр. 2473
الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعةً ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ثبت، وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلّمون وينصرفون والإمام قائم، فيكونون وجاه العدو، ثم يُقبل الآخرون الذين لم يسلمّون فيكبرون وراء الإِمام، فيركع بهم الإِمام ويسجد، ثم يُسلّم، فيقومون، فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلّمون".
الثالث: موقوفٌ أيضًا، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوّات، أن سهل بن أبي حثمة أخبره.
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمَّد، عن سهل بن أبي حثمة قال: "صلاة الخوف أن يقوم الإِمام مستقبل القبلة، ويقوم معه طائفة من أصحاب، وتقوم طائفة مستقبلة العدو، فيصلي بالطائفة التي معه ركعةً ثم يستأخر أولئك، وتقوم الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة، فيكون الإِمام قد صلى ركعتين، وتصلي كل طائفة مكانها ركعة".
قوله: "يوم ذات الرقاع" وهي غزوة مشهودة كانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد؛ سميت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين ثقبت من الحفاء فلفّوا عليها الخرق، هذا هو الصحيح في سبب تسميتها، وقيل: سميت به لجبل هناك يقال له الرقاع؛ لأن فيه بياضًا وحمرة وسوادًا، وقيل: سميت بشجرة هناك يقال لها ذات الرقاع، وقيل: لأن المسلمين رقّعوا راياتهم، ويحتمل أن هذه الأمور كلها وجدت فيها.
وقال النووي: شرعت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وقيل: في غزوة بني النضير.
قوله: "وُجَاه العدو" بضم الواو أي مقابلهم وحذاءهم. وقال ابن الأثير: وتكسر الواو وتضم، وفي رواية "تجاه العدو" والتاء بدل من الواو مثلها في تقاة وتخمة.
стр. 2474
وقال ابن قدامة: والعمل بهذا -أي بحديث صالح بن خوّات- أولى؛ لأنه أشبه بكتاب الله تعالى، وأحوط للصلاة والحرب.
أما موافقة الكتاب: فإن قوله الله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا﴾ (١) يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعنده -أي عند أبي حنيفة- تصلى معه ركعة فقط، وعندنا جميع صلاتها معه، إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلّم معه، ومن مفهوم قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ (١) أن الطائفة الأولى قد صلّت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصل إلا بعضها.
وأما الاحتياط للصلاة: فإن كل طائفة تأتي بصلاتها متوالية، بعضها توافق الإِمام فيها فعلا، وبعضها تفارقه وتأتي به وحدها كالمسبوق، وعنده تنصرف من الصلاة فإما أن تمشي وإما أن تركب، وهذا عمل كثير وتستدبر القبلة، وهذا ينافي الصلاة ويفرق بين الركعتين تفريقًا كثيرًا بما ينافيها، ثم جعلوا الطائفة الأولى مؤتمةَ بالإمام بعد سلامه، ولا يجوز أن يكون المأموم مأمومًا في ركعة يأتي بها بعد سلام إمامه.
وأما الاحتياط للحرب: فإنه يتمكن من الضرب والطعن والتحريض، وإعلام غيره بما يراه مما يخفى عليه من أمر العدو وتحذيره، وإعلام الذين مع الإِمام بما يحدث، ولا يمكن هذا على قولهم؛ ولأن مبنى صلاة الخوف على التخفيف؛ لأنهم في موضع الحاجة إليه، وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف ما كانت حال الأمن؛ لأن كل طائفة تحتاج إلى مضي إلى مكان الصلاة، ورجوع إلى وجاه العدو، وانتظار لمضي الطائفة الأخرى ورجوعها، فعلى تقدير أن يكون بين المكانين نصف ميل تحتاج كل طائفة إلى مشي ميل، وانتظار الأخرى قدر مشي ميل وهي في الصلاة، ثم تحتاج إلى تكلف الرجوع إلى موضع الصلاة لاتمام الصلاة من غير حاجة إليه والمصلحة تتعلق به فلو احتاج الأمر إلى مثل هذه الكلفة في الجماعة لسقطت عنه، فكيف نكلف الخائف وهو في مظنة التخفيف والحاجة إلى الرفق به؟
стр. 2475
وأما مفارقة الإِمام فجائزة للعذر ولابد منها على القولين، فإنهم جوّزوا للطائفة الأولى مفارقة الإِمام والذهاب إلى وجه العدو، وهذا أعظم مما ذكرناه؛ فإنه لا نظير له في الشرع، ولا يوجد مثله في موضع آخر، والله أعلم، انتهى.
قلت: في جميع ما ذكره نظر:
أما قوله: أما موافقة الكتاب ... إلى آخره فليس كذلك، بل الذي ذكره يخالف الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١) يدل على معنيين:
أحدهما: أن الإِمام يجعلهم طائفتين في الأصل، طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو على ما قال أبو حنيفة؛ لأنه قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ (١) وعلى قولهم يفتتح جميع الصلاة مع الإِمام.
والثاني: قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١) يقتضي نفي كل جزء من الصلاة، وهم يقولون: يفتتح الجميع الصلاة مع الإِمام فيكونون حينئذٍ بعد الافتتاح فاعلين لشيء من الصلاة، وهذا خلاف الآية.
وأما قوله: "وعنده ينصرف في الصلاة ... " إلى آخره فغير مسلّم؛ وذلك لأن المشي له نظير في الأصول وهو الراكب المنهزم يصلي وهو سائر بالاتفاق، وقد مر الكلام فيه عن قريب مستقصى.
وأما قوله: "ولا يجوز أن يكون المأموم مامومًا في ركعة يأتي بها بعد سلام إمامه" فغير مسلّم أيضًا؛ لأن الطائفة الأولى لاحقة ولهذا يُتمُّون صلاتهم بغير قراءة، فكأنهم في الحقيقة وراء الإِمام.
وأما قوله: "فإنه يتمكن من الضرب والطعن" فمردود بقوله: "فإما أن يمشي وإما أن يركب"، وهذا عمل كثير؛ وذلك لأن المشي إذا كان عملًا كثيرًا فكذلك
стр. 2476
الضرب والطعن عمل كثير، بل هو أقوى في الإفساد من ذاك، فكلما أجابوا عن ذلك فهو جوابنا عن ذاك.
وأما قوله: "وعلى قولهم: تطول الصلاة ... " إلى آخره، فغير مُسلَّم، بل تطويل الصلاة فيما ذكروه؛ لأن ثبات الإِمام قائمًا لأجل الطائفة الأولى لأن يتموا صلاتهم، وثباته جالسًا لأجل الطائفة الثانية ليتموا صلاتهم حتى يسلّم معهم مما يوجب التطويل، لكون الإِمام مقيدًا بالصلاة لأجل تكميل الطائفتين صلاتهم فيحتاج ذلك إلى زمن مديد، وفيما ذكرنا لا يلبث الإِمام في الصلاة إلا زمنًا يسيرًا فهذا أولى؛ لأن الإِمام هو الأصل في إعلام غيره بما يراه مما يخفى عليه من أمر العدو وتحذيره.
وأما قوله: "فإنه لا نظير له في الشرع" فباطل؛ لما قلنا: إن الراكب المنهزم يصلي وهو سائر، فكذلك الطائفة الأولى إذا فارقوا الإِمام وذهبوا إلى وجه العدو ويكونون سائرين فسيرهم لا يضر صلاتهم، وهم وإن فارقوا الإِمام ظاهرًا ولكنهم وراء الإِمام حكمًا لأنهم لاحقون، والله أعلم.
ص: فقيل لهم: إن هذا الحديث فيه زيادة أنهم قد قضوا وهم مأمومون قبل فراغ الإمام من الصلاة في حديث يزيد بن رومان، عن صالح بن خوّات.
وقد روينا من حديث شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات خلافًا لذلك؛ لأن في حديث يزيد بن رومان أنه ثبت بعدما صلى الركعة الأولى قائمًا وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، ثم جاءت الأخرى بعد ذلك، وفي حديث شعبة، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن صالح بن خوات أنه صلى بطائفة منهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء ولم يذكر أنهم صلّوا قبل أن ينصرفوا، فقد خالف القاسم يزيد بن رومان.
فإن كان هذا يؤخذ من طريق الإسناد فإن عبد الرحمن، عن أبيه القاسم، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇، أحسن من يزيد بن رومان، عن صالح، عمن أخبره، فإن تكافئا تضادَّا، فإن تضادَّا لم يكن لأحد الخصمين في أحدهما حجة على خصمه؛ لأن لخصمه عليه مثل ما له على خصمه.
стр. 2477
فإن قال قائل: فإن يحيى بن سعيد قد روى عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوات، عن سهل ما يوافق ما روى يزيد بن رومان، ويحي بن سعيد ليس بدون عبد الرحمن بن القاسم في الضبط والحفظ.
قيل له: يحيى بن سعيد كما ذكرت، ولكن لم يرفع الحديث إلى النبي ﵇ وإنما أوقفه على سهل، فقد يجوز أن يكون ما روى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح هو الذي كان كذلك عند سهل عن النبي ﵇ خاصةً، ثم قال: هو من رأيه ما بقي وصار ذلك رأيًا منه لا عن النبي ﵇؛ ولذلك لم يرفعه يحيى إلى النبي ﵇.
فلما احتمل ذلك ما ذكرنا ارتفع أن تقوم به حجة أيضًا.
والنظر يدفع ذلك؛ لأنا لم نجد في شيء من الصلوات أن المأموم يصلي شيئًا منها قبل الإِمام، وإنما يفعله المأموم مع فعل الإمام أو بعد فعل الإمام، وإنما يُلْتَمسُ علم ما اختلف فيه مما أُجمِع عليه.
فإن قالوا: قد رأينا تحويل الوجه عن القبلة قد يجوز في هذه الصلاة ولا يجوز في غيرها، فما تُنكرُون أن يكون قضاء المأموم قبل فراغ الإِمام كذلك جُوّز في هذه الصلاة ولم يجوز في غيرها؟
قيل لهم: إن تحويل الوجه عن القبلة قد رأيناه أبيح في غير هذه الصلاة للعذر، فأبيح في هذه الصلاة كما أبيح في غيرها، وذلك أنهم أجمعوا أن مَنْ كان منهزمًا فحضرت الصلاة أنه يصلي وإن كان على غير القبلة، فلما كان قد يُصلّي كل الصلاة إلى غير قبلة لعلة العذر ولا يُفسد ذلك عليه صلاته، كان انصرافه على غير قبلةٍ في بعض صلاته أحرى أن لا يضره ذلك، فلما وجدنا أصلًا في الصلاة إلى غير القبلة مجمعًا عليه أنه قد يجوز بالعذر؛ عطفنا عليه ما اختلف فيه من استدبار القبلة في الانصراف للعدو.
ولما لم نجد لقضاء المأموم قبل أن يفرغ الإمام من الصلاة أصلًا فيما أُجْمِعَ عليه يدلَّ عليه فنَعطفَه عليه؛ أبطلنا العمل به، ورجعنا إلى الآثار الأُخَر التي قدمنا ذكرها التي معها التواتر وشواهد الإجماع.
стр. 2478
ش: أي فقيل لأولئك الذين ذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث صالح بن خَوّاتٍ، فهذا جَوابٌ عما احتجوا به من هذا الحديث، تقريره: أن في هذا الحديث زيادة وهي أنهم قد قضوا صلاتهم والحال أنهم مأمومون قبل فراغ الإِمام من الصلاة؛ لأنه ذكر في حديث يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات: "ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا ... " إلى آخر الحديث، فهذا صريح أنهم أتموا قبل فراغ الإِمام، ويخالف هذا حديث شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات؛ لأن فيه "أنه صلى بطائفة منهم ركعةً" ولم يذكر فيه أنهم قد صلوا قبل أن ينصرفوا، فوقع بين الروايتين تضادّ وتعارض ظاهرًا.
ثم لا يخلو إما أن نقول بالتساوي بينهما، أو نذهب إلى الترجيح.
فإن كان الترجيح؛ فخبر عبد الرحمن، عن أبيه القاسم، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇ أحسن وأولى وأرجح من خبر يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات عمّن أخبره؛ لأن يزيد بن رومان لا يعادل القاسم.
وإن كان القول بالتساوي فهو عين التضادّ بين الخبرين وهو معنى قوله: "فإن تكافئا" أي: فإن تساويا وتنظرا -من الكفؤ وهو النظير- تضادّا لعدم المرجح، فإذا تضادّا لم يكن لأحد الخصمين حجة؛ لأن أحدهما إذا احتج على الآخر بأحد الخبرين، يحتج الآخر عليه بالآخر.
قوله: "فإن قال قائل: فإن يحيى بن سعيد ... " إلى آخره، اعتراض من جهة الخصم، تقريره أن يقال: (إن يحيى بن سعيد الأنصاري) (١) قد روى عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوات، عن سهل ما يوافق ما روى يزيد بن رومان وهو الذي رواه مالك بن أنس عنه عن القاسم كما مرَّ، ويحيى بن سعيد ليس بأدنى من عبد الرحمن بن القاسم في الضبط والإتقان والحفظ، فحينئذٍ يرجح خبر يزيد بن رومان.
стр. 2479
وتقرير الجواب أن يقال: سلَّمنا أن يحيى بن سعيد كما ذكرتم ليس بأدنى من عبد الرحمن، بل هو يفوق عليه، ولكنه لم يرفع الحديث إلى النبي ﵇ وإنما ذكره موقوفًا على سهل، ولا شك أن الموقوف لا يعادل المرفوع، ويحتمل أيضًا أن يكون ما رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم، عن صالح بن خوات هو الذي كان عند سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇ خاصةً ثم يكون ما بقي منه قولًا بالرأي منه لا عن النبي ﵇ فلذلك لم يرفعه يحيى بن سعيد إلى النبي ﵇، فلقد كان هذا الاحتمال موجودًا، فارتفذع أن تقوم به حجة.
وقال أبو بكر الرازي: حديث يزيد بن رومان مضطرب.
وقال صاحب "البدائع": الرواية عن سهل بن أبي حثمة متعارضة؛ فإن بعضهم روى عنه مثل مذهبنا أيضًا فكان الأخذ برواية ابن مسعود وابن عمر وحذيفة أولى؛ لأن الرواية عن هؤلاء لم تتعارض مع أن في حديث سهل بن أبي حثمة ما يدل على كونه منسوخًا؛ لأن فيه أن الطائفة الثانية يقضون ما سُبقوا به قبل فراغ الإِمام ثم يُسلّمون معه، وكان هذا في ابتداء الإِسلام أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته ثم يتابع الإِمام، فهذا قد نسخ، ولهذا لم يأخذ أحد من العلماء برواية أبي هريرة ﵁.
قوله: "والنظر يدفع ذلك" أي وجه النظر والقياس يدفع ما ذكره الخصم من كيفية صلاة الخوف؛ لأن فيما ذكروه أنهم قد قضوا وهم مأمومون قبل فراغ الإِمام من الصلاة، ونحن لم نجد في شيء من الصلوات أن المأموم يصلي شيئًا من الصلاة قبل الإِمام، وإنما الذي يفعله المأموم إما أن يكون مع فعل الإِمام أو بعد ما يفرغ الإِمام، ولذلك قال صاحب "البدائع": إن ما ذكروه منسوخ لما ذكرناه الآن.
قوله: "وإنما يُلتمس علم ما اختلف فيه مما أجمع عليه" أراد بهذا أن الذي يختلف فيه ينبغي أن يكون له نظير مما فيه الإجماع حتى يقاس ذلك المختلف فيه على الأمر المجمع عليه، فهذا الذي ذكروه لا نظير له فيما أجمع عليه، فإذا كان كذلك فقد ظهر فساده.
стр. 2480
فإن قالوا: لا يلزم ذلك، فإنا قد نجد صورة في موضع يجوز فعلها مع أنه لا نظير لها في موضع من المواضع كتحويل الوجه عن القبلة فإنه يجوز ذلك في هذه الصلاة مع أنه لا يجوز في غيرها أصلًا، فلم تنكرون أن يكون قضاء المأموم صلاته قبل فراغ الإِمام كذلك يكون جائزًا في هذه الصلاة مع عدم جوازه في غيرها من الصلوات؟
والجواب عنه ما ذكره بقوله: "قيل لهم ... " إلى آخره، تقريره أن يقال: لا نسلّم اختصاص جواز تحويل الوجه عن القبلة بهذه الصلاة، بل قد أبيح ذلك في غير هذه الصلاة أيضًا لأجل العذر وذلك أنهم أجمعوا أن من كان منهزمًا فحضرت الصلاة أنه يصلي وإن كان على غير القبلة، فظهر من ذلك أن جميع الصلاة تُصلَّى إلى غير جهة القبلة لأجل العذر ولا يُفسد ذلك عليه صلاته، فإذا كان هذا لا يُفسد في جميع الصلاة ولا يضرّه ذلك ففي بعض الصلاة وهي صلاة الخوف بالطريق الأولى أن لا يفسدها ولا يضره ذلك، فلما وجدنا هذا الأصل وهو جواز الصلاة إلى غير جهة القبلة لأجل العذر مجمعًا عليه؛ عطفنا عليه ما اختلف فيه من استدبار القبلة في الانصراف لأجل العذر؛ لأنا قد ذكرنا أن علم ما اختلف فيه إنما يُلتَمس مما أجمع عليه، ولما لم نجد لما ذكروه -وهو قضاء المأموم صلاته قبل فراغ الإِمام- منها أصلًا أبطلنا العمل به ورجعنا إلى الأحاديث التي معها التواتر وشواهد الإجماع، وأراد بالتواتر التكاثر والتوارد، ولم يُردْ به التواتر المصطلح عليه في الأصول، وأراد بشواهد الإجماع: وجود الأصل الصحيح المجمع عليه ليقاس عليه المختلف فيه.
قوله: "يدل عليه" جملة وقعت صفة لقوله: "أصلًا" فأصلًا منصوب على أنه مفعول لقوله: "ولما لم نجد".
قوله: "فنَعْطِفَه" بنصب الفاء بتقدير "أن".
وقوله: "أبطلنا العمل به" جواب لقوله: "ولما لم نجد".
ص: وقد روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ خلاف ذلك كله كما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا حيوة وابن لهيعة، قالا: ثنا
стр. 2481
أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن الأسدي، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم، أنه سأل أبا هريرة: "هل صليت مع رسول الله ﵇ صلاة الخوف؟ قال: نعم. قال مروان: متى؟ قال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﵇ لصلاة العصر، وقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابلوا العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبَّر رسول الله ﵇ وكبّروا جميعًا الذين معه والذين مقابلوا العدو، ثم ركع رسول الله ﵇ ركعةً واحدةً، وركعت معه الطائفة التي تليه، ثم سجد، وسجدت معه الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلوا العدو، ثم قام رسول الله ﵇، وقامت الطائفة الذين معه، فذهبوا إلى العدو، فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا، وسجدوا، ورسول الله ﵇ قائم كما هو، ثم قاموا، فركع رسول الله ﵇ ركعةً أخرى، وركعوا معه، ثم سجد، وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﵇ قاعدٌ ومن معه، فسلّم رسول الله ﵇ وسلّموا جميعًا، فكانت لرسول الله ﵇ ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمَّد بن إسحاق حدثه، قال: حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن أبي هريرة قال: "صلّى رسول الله ﵇ صلاة الخوف فصلى الناس صَدْعَيْن، فصلَّت طائفة خلف النبي ﵇، وطائفة وجاه العدو، فصلَّى النبي ﵇ بِمَنْ خلفه ركعةً، وسجد بهم سجدتين، ثم قام وقاموا معه، فلما استووا قيامًا، ورجع الذين خلفه وراءهم القهقرى، فقام وراء الذين بإزاء العدو، وجاء الآخرون، فقاموا خلف النبي ﵇، فصلوا لأنفسهم ركعةً والنبي ﵇ قائم، ثم قاموا، فصلى النبي ﵇ بهم ركعة أخرى، فكانت لهم ولرسول الله ﵇ ركعتان، وجاء الدين بإزاء العدو فصلّوا لأنفسهم ركعةً وسجدتين، ثم جلسوا خلف النبي ﵇، فسلّم بهم جميعًا".
стр. 2482
ففي هذا الحديث تحوُّل الإِمام إلى العدو بالطائفة التي صلّت معه الركعة، وليس ذلك في شيء من الآثار غير هذا الحديث، وفي كتاب الله ما يدل على دفع ذلك؛ لأن الله قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١) ففي هذه الآية معنيان موجبان لدَفْع هذا الحديث.
أحدهما قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١)، فهذا يدل على أن دخولهم في الصلاة إنما هو في حين مجيئهم لا قبل ذلك.
والثاني قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١) ثم قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١) وذكر الإتيان للطائفتين إلى الإمام، وقد وافق ذلك من فعل النبي ﵇ الآثار المتواترة التي بدأنا بذكرها، فهي أولى من هذا الحديث.
ش: أي قد روي عن أبي هريرة في كيفية صلاة الخوف خلاف ما روي عن غيره في هذا الباب؛ لأنه ذكر فيه تحوُّل الإِمام إلى العدو بالطائفة التي صلت معه الركعة حيث قال: "ثم قام رسول الله ﵇ وقامت الطائفة الذين معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوهم"، فهذا خلاف ما ذكر في أحاديث غيره كلها، وقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١) الآية، يدفع هذا الحديث من وجهين، وهو معنى قوله: "ففي هذه الآية مَعْنيان مُوجبان لدفع هذا الحديث ... " إلي آخره، وهو ظاهر غني عن مزيد البيان.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي عبد الرحمن المقرئ -واسمه عبد الله بن يزيد القصير روى له الجماعة- عن حيوة بن شريح بن صفوان أبي زرعة المصري الزاهد العابد روى له الجماعة، وعن عبد الله بن لهيعة المصري -فيه مقال، ذكر ها هنا متابعًا- كلاهما يرويان عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن ابن
стр. 2483
نوفل بن الأسود القرشي الأسدي المدني روى له الجماعة، عن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبي عبد الله المدني، روى له الجماعة، عن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي روى له الجماعة سوى مسلم.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، نا أبو عبد الرحمن المقرئ، نا حيوة وابن لهيعة، قالا: نا أبو الأسود ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه: "ولكل واحد من الطائفتين ركعةً ركعةً".
وأخرجه النسائي أيضًا (٢): عن عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، وعن محمَّد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن حيوة، كلاهما عن أبي الأسود، أنه سمع عروة بن الزبير ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
قوله: "قال مروان: متى؟ " أي: متى صليت مع رسول الله ﵇؟
قوله: "عام غزوة نجد" هي غزوة ذات الرقاع؛ لأن ذات الرقاع من النجد، فهذا يقتضي أن تكون غزوة نجد بعد الخندق، وكذا ذهب البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدل على ذلك بأن أبا موسى الأشعري شهدها، وقدومه إنما كان ليالي خيبر صحبة جعفر وأصحابه ﵃، ومما يدل على أنها كانت بعد الخندق أن ابن عمر ﵄ إنما أجازه رسول الله ﵇ في القتال أول ما أجازه يوم الخندق، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "غزوت مع رسول الله ﵇ قِبل نجد" فذكر صلاة الخوف، وقد ذكر ابن هشام حديث صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، ولكن لم يذكر غزوة نجد ولا ذات الرقاع، ولم يتعرض لزمان ولا لمكان.
قلت: أسلم أبو هريرة عام خيبر وكانت خيبر سنة سبع في المحرم، فدلّ ذلك على أن غزوة نجد كانت في سنة سبع، والله أعلم.
стр. 2484
قوله: "مقابلوا العدو" أصله: مقابلون فسقطت النون للإضافة، وفي بعض الرواية "مقابلَ العدو" بنصب اللام، ومعناه بحذائهم.
قوله: "والآخرون قيام" أي قائمون.
قوله: "تقابلهم" بالباء الموحدة من المقابلة وهي المواجهة.
الطريق الثاني: عن إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن يونس بن بكير بن واصل الكوفي الجمال روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، عن محمَّد بن إسحاق المدني استشهد به البخاري وروى له مسلم في المتابعات واحتج به الأربعة، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير بن العوام روى له الجماعة، عن عروة بن الزبير بن العوام روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث ابن إسحاق، نا محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن أبي هريرة قال: "صلى رسول الله ﵇ بالناس صلاة الخوف، فَصَدَع الناس صَدْعين، فقامت طائفة خلفه وطائفة تجاه العدو ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غيى أن في روايته ذكر "الرسول" موضع "النبي ﵇" في جميع المواضع.
قوله: "فصدع الناس" أي: فرق الناس نصفين، وأصله من صَدَعْتُ الرداء صَدْعًا إذا شققته، والاسم الصِّدع بكسر الصاد، والصَّدع في الزجاجة بالفتح، وأراد به ها هنا: جعلهم فرقتين.
قوله: "قيامًا" جمع قائم، ونصبه على الحال من الضمير الذي في "استووا".
قوله: "القهقَرى" وهو الرجوع إلى وراء، وانتصابه من قبيل قولهم: قعدت جلوسًا، وفي مشيهم هكذا لا يكون استدبار القبلة.
ص: وذهب آخرون في صلاة الخوف إلى ما حدثناأبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة: "أن النبي ﵇ صلّى بهم
стр. 2485
صلاة الخوف، فصلى بطائفة منهم ركعتين ثم انصرفوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، فصلى رسول الله ﵇ أربعًا، وكل طائفة ركعتين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله ﵇ بذات الرقاع فأقيمت الصلاة ... " فذكر مثله.
وحدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشْر، عن سليمان بن قيس، عن جابر بن عبد الله قال: "كان النبي ﵇ يُحارِبُ خَصفَةَ، فصلى صلاة الخوف ... " فذكر مثل ذلك.
ش: أي ذهب جماعة آخرون في كيفية صلاة الخوف إلى حديث أبي بكرة وجابر ابن عبد الله ﵄، وأراد بهم: الحسن البصري والأشعث وسليمان بن قيس.
وقال أبو داود بعد أن أخرج حديث أبي بكرة: وبذلك كان يفتي الحسن البصري؛ وذلك لأنه على قضية التعديل وعبرة التسوية بين الصلاتين لا تفضل فيها طائفة على الأخرى، بل كلّ يأخذ قسطه من فضيلة الجماعة وحصته من بركة الأسوة.
ثم إنه أخرج حديث أبي بكرة -وهو نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي الصحابي ﵁- من طريقين صحيحين.
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن الأشعث بن عبد الملك الحُمراني أبي هانئ البصري، وثقه النسائي، وروى له البخاري تعليقًا، واحتج به الأربعة.
عن الحسن البصري، عن أبي بكرة.
стр. 2486
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: "صلى رسول الله ﷺ في خوفٍ الظهرَ، فصفّ بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدوّ، فصلى ركعتين ثم سلّم، فانطلق الذين صلّوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلّوا خلفه، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلّم، فكانت لرسول الله ﵇ أربعًا ولأصحابه ركعتين ركعتين".
الثاني: عن أبي بكرة، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي حُرّة واصل بن عبد الرحمن، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة نُفَيْع، عن النبي ﵇.
وأخرجه النسائي (٢): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﵇: "أنه صلّى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين، والذين جاوءا بَعدُ ركعتين، فكانت للنبي ﵇ أربع ركعات ولهؤلاء ركعتين ركعتين" انتهى.
وقال المنذري في "مختصر السنن": قال بعضهم: كان النبي ﵇ في غير حكم سفر، وهم مسافرون، وقال بعضهم: هذا خاص بالنبي ﵇؛ لفضيلة الصلاة خلفه.
وقال الخطابي والنووي: وفيه دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتفل، ويُعترض عليه بأنه لم يُسلّم من الفرض كما في حديث جابر.
وقيل: إنه ﵇ كان مخيَّرًا بين القصر والإتمام في السفر فاختار الإتمام واختار لمن خلفه القصر.
وقال بعضهم: كان في حَضر ببطن نخلة على باب المدينة ولم يكن مسافرًا، وإنما كان خوف فمنع منه محترسًا.
стр. 2487
قلت: يتقوى هذا بحديث أخرجه البيهقي في "المعرفة" (١) من طريق الشافعي: أخبرنا الثقة ابن عيينة أو غيره، عن يونس، عن الحسن، عن جابر: "أن النبي ﵇ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخلة، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلَّم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم".
وأخرج الدارقطني (٢): عن عنبسة، عن الحسن، عن جابر: "أن النبي ﵇ كان محاصرًا لبني محارب، فنودي بالصلاة ... " فذكر نحوه.
والأول أصحّ، إلا أن فيه شائبة الانقطاع؛ فإن شيخ الشافعي مجهول، وأما الثاني ففيه عنبسة بن سعيد القطان ضعفه غير واحد.
وقال غيره: لم نجد عن النبي ﵇ أنه صلى صلاة الخوف قط في حضر، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد، والله أعلم.
وأما حديث جابر فأخرجه من طريقين صحيحين أيضًا:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه مسلم مطولًا (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عفان، قال: نا أبان، قال: نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: "أقبلنا مع رسول الله ﵇ حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله
стр. 2488
- ﵇، قال: فجاء رجل من المشركين وسيفُ رسول الله ﵇ معلّقٌ بشجرة، فأخذ سيف النبي ﵇ واخترطه، فقال لرسول الله ﵇: أتخافني؟ قال: لا، قال: فَمَنْ يمنعك مني؟ قال: الله يَمْنعني منك. قال: فتهدَّده أصحاب النبي ﵇ فأغمد السيف وعلقه، قال: فنُودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال: فكانت لرسول الله ﵇ أربع ركعات وللقوم ركعتان".
وأخرجه البخاري تعليقًا (١) وقال: قال أبان: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر: "كنا مع رسول الله ﵇ بذات الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة ... " إلى آخره نحوه.
وكذلك أخرجه أبو داود (٢) معلقًا وقال: وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﵇.
واستدل بهذا الحديث صاحب "الهداية" من أصحابنا أن الإِمام إذا كان مقيمًا يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعتين.
وقال ابن قدامة: وتأول القاضي هذا الحديث على أن النبي ﵇ صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين، وهذا ظاهر الفساد جدًّا؛ لأنه يخالف صفة الرواية، وقول أحمد، ومحَمْله محملٌ فاسدٌ، أما الرواية فإنه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين ولم يذكر قضاء، ثم قال في آخره: وللقوم ركعتين ركعتين، وأما قول أحمد فإنه ستة أوجه أو سبعة يروي فيها كلها جائز، وعلى هذا التأويل لا يكون ستة ولا خمسة، ولأنه قال: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فهو جائز، وهذا مخالف لهذا التأويل، وأما فساد المحمل، فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها ك ما قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ
стр. 2489
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) وعلى هذا التأويل يجعل مكان الركعتين أربعًا ويتم الصلاة المقصورة، ولم ينقل عن النبي ﵇ أنه أتم صلاة السفر فكيف يحمل ها هنا على أنه أتمها في موضع وجد فيه ما يقتضي التخفيف؟
قلت: هذا الكلام لا يخلو عن نوع نظر، فإن قوله: "فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها". غير صحيح إن أراد العموم؛ لأن المقيمن إذا صلوا صلاة الخوف لا يجوز لهم أن يقصروا.
وكذا قوله: "ولم ينقل عن النبي ﵇ أنه أتم الصلاة في السفر". فيه نظر؛ لأنا قد ذكرنا عن البعض أنه ﵇ كان مخيرًا في السفر بين القصر والإتمام، فعلى هذا يمكن أن يكون في حديث جابر مسافرًا ويكون قد أتم الصلاة، والله أعلم.
الطريق الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصري شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري الكوفي، عن سليمان بن قيس اليشكري الكوفي، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عفان، نا أبو عوانة، نا أبو بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر بن عبد الله قال: "قاتل رسول الله ﵇ محاربَ خصفَة بنَخْلٍ، فرأوا من المسلمين غِرّةً، فجاء رجل منهم يُقال له: غَوْرث بن الحارث حتى قام على رسول الله ﵇ بالسيف فقال: مَنْ يمنعك مني؟ [قال: الله . فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﵇ فقال: من يمنعك مني؟] (٣) قال: كن كخير آخذ، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلّى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه،
стр. 2490
قال: قد جئتكم من عند خير الناس، فلما كان الظهر والعصر صلى بهم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء عدوهم، وطائفة صلوا مع رسول الله ﵇ فصلى بالطائفة الذين كانوا معه ركعتين، ثم انصرفوا، فكانوا بمكان أولئك الذين بإزاء عدوهم، وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله ﵇ ركعتين، فكان للقوم ركعتان ركعتان، ولرسول الله ﵇ أربع ركعات".
وقال البخاري (١): قال مسدد: عن أبي عوانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، وقاتل فيها محاربَ خَصَفة.
قوله: "كان النبي ﵇ يحارب خَصَفَة" هكذا وقع في نسخ الطحاوي "يحارب" بالياء آخر الحروف، وهو جملة تقع خبرًا لـ"كان"، ورأيت في بعض النسخ "محارب خصفة" بالميم، فإن صح فوجهه أن يكون اسم فاعل من حَارَبَ، ويكون مضافًا إلى "خصفة" منصوبًا لأنه خبر كان، والذي في رواية البخاري وأحمد كما ذكرنا آنفًا "قاتل النبي ﵇ مُحاربَ خصفة".
قال في "العباب" وغيره: مُحاربٌ قبيلةُ من فهرٍ، وخَصَفَة -بفتح الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة- أبو حيّ من العرب، وهو خصفة بن قَيْس غيلان.
وفي "مطالع الأنوار": خصفة والد محارب.
فالمعنى على روايتهما: قاتل رسول الله ﷺ مُحاربَ التي هي قبيلة من خصفة، فتكون الإضافة؛ للبيان والتمييز، فافهم.
قوله: "بنَخْل" في رواية أحمد أي: في نَخْلٍ، وهو موضع بنجد من أرض غطفان.
ص: فقال قوم بهذا وزعموا أن صلاة الخوف كذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري ومن تبعه ممن ذكرناهم عن قريب، فإنهم زعموا أن صلاة الخوف تصلى على نحو ما ذكر في أحاديث أبي بكرة وجابر ﵁، وفي بعض النسخ، فقال قوم بهذا وأوجبوا صلاة الخوف، كذلك قال