← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وقال مالك والشافعي: لا يُصلّى لشيء من الآيات سوى الكسوف؛ لأنه ﵇ لم يصلِّ لغيره. قلت: الحديث حجة عليهما؛ لأن قوله: "فإذا رأيتموها" أي الآيات عام يتناول كل ما ذكرنا، وقد أمر النبي ﵇ بالصلاة عند هذه الأشياء، وأمره أقوى من فعله. وقال أبو عمر: وروي عن ابن عباس أنه صلى في زلزلة. وقال ابن مسعود: إذا سمعتم هادًّا من السماء فافزعوا إلى الصلاة. وقال أيضًا: لم يأت عن النبي ﵇ من وجه صحيح أن الزلزلة كانت في عصره ولا صحت عنه فيها سنة، وقد كانت أول ما كانت في الإِسلام على عهد عمر ﵁ فأنكرها وقال: أحْدَثْتم والله، لئن عادَتْ لأخرُجنّ من بين أظهركم" رواه ابن عيينة. قوله: "فصلّوا كأحدث صلاة ... " إلى آخره يعني كأقرب صلاة، أن حَدَثَ يَحْدُثُ حُدُوثًا وحِدْثَانَا، والحَدَث ضد القدم. وقال بعضهم: معناه: أن آيةً من هذه الآيات إذا وقعت مثلا بعد الصبح تُصلى ويكون في كل ركعة ركوعان. وإن كانت بعد المغرب يكون في كل ركعة ثلاث ركوعات، وإن كانت بعد الرباعية يكون في كل ركعة أربع ركوعات. وقال بعضهم: معناه: أن آيةً من هذه الآيات إذا وقعت عقيب صلاة جهرية تصلى ويُجْهَرُ فيها بالقراءة، وإن وقعت عقيب صلاة سرية تُصلَّى ويُخافَت فيها بالقراءة. قلت: رواية البغوي "كأخف صلاة" تدل على أن المراد كأوقع صلاة من المكتوبة إلى الخفة وهي صلاة الصبح، وأراد به أنها تصلى ركعتان كصلاة الصبح، فافهم، والله أعلم.

стр. 2592

ص: فكان أكثر الآثار في هذا الباب هي الموافِقة لهذا المذهب الأخير، فأردنا أن ننظر في معاني الأقوال الأوَل، فكان النعمان بن بشير قد أخبر في حديثه أن رسول الله ﵇ كان يصلي ركعتين ويُسلِّم ويَسألُ، فاحتمل أن يكون النعمان علِم من النبي ﵇ السجود بعد كل ركعة، وعلمه مَنْ وافقه على أن النبي ﵇ صلى ركعتَين ولم يَعْلمه الذين قالوا: ركع ركعتين أو أكثر من ذلك قبل أن يسجد؛ لما كان من طول صلاته، فتصحيح حديث النعمان هذا مع هذه الآثار هو أن يجعل صلاته كما قال النعمان؛ لأن ما روي عن عليّ وابن عباس وعائشة ﵃ يدخل في ذلك ويَزيدُ عليه حديث النعمان فهو أولى من كل ما خالفه. ثم قد شَدَّ ذلك ما حكاه قبيصة من قول رسول الله ﵇: "فإذا كان كذلك فصلّوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة فأخْبَرَنا أنه إنما يُصلَّى في الكسوف كما تُصلَّى المكتوبة. ثم رجعنا إلى قول الذين لم يُوَقِّتُوا في ذلك شيئًا لما رَوَوْه عن ابن عباس، فكان قول النبي ﵇ في حديث قُبَيصة: "فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة" دليلًا على أن الصلاة في ذلك موقتة معلومة لها وقت معلوم وعددٌ معلوم، فبطل بذلك ما ذهب إليه المخالفون لهذا الحديث. ش: أشار بهذا إلى ترجيح المذهب الأخير وهو المذهب الخامس الذي ذهب إليه أبو حنيفة ومن تبعه، أي: فكان أكثر الأحاديث التي وردت في باب صلاة الكسوف هي الموافقة لهذا المذهب الأخير وهو مذهب الفرقة الخامسة؛ وذلك لأن أحاديث عبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب وأبي بكرة نفيع، والنعمان بن بشير، والمغيرة بن شعبة وقبيصة البجلي، وقبيصة الهلالي؛ كلها توافق مذهب هؤلاء كما ذكرنا. قوله: "فأردنا أن ننظر في معاني الأقوال الأُوَل" إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين الأحاديث الواردة في هذا الباب المتضادة بعضها بعضًا، بيان ذلك أن من جملة رواة

стр. 2593

صلاة الكسوف النعمان بن بشير؛ فإنه قد أخبر في حديثه أنه ﵇ كان يُصلي ركعتين ويُسلم، ويسأل حتى انجلت، فيدل ذلك على أنه قد علم من النبي ﵇ أنه سجد بعد كل ركوع واحد في كل ركعة من الركعتين كما هو كذلك في سائر الصلوات، وعلمه أيضًا كذلك كل مَنْ وافقه من الصحابة في نحو روايته أنه صلى ركعتين. وأما الذين خالفوه وقالوا: إنه ركع ركوعين أو ثلاثًا أو أربعًا أو أكثر من ذلك قبل أن يسجد فلم يكونوا علموا ذلك من النبي ﵇؛ لأجل ما كان يطول صلاته، فإذا كان الأمر كذلك توجّه لنا أن نجعل صلاة النبي ﵇ في الكسوف كما قال النعمان، وتكون روايته أصلًا في ذلك؛ لأن ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة ﵃ يدخل فيما قاله النعمان؛ لأن أحاديث الكل تدل على أنه ﵇ قد صلاها ركعتين، ومع هذا يزيد على أحاديثهم حديث النعمان من قوله: "نحوًا من صلاتكم هذه فيركع ويسجد" وفي رواية: "كما تصلون ركعةً وسجدتين"، وفي رواية: "فجعل يصلي ركعتين ويسلم، ويسأل حتى انجلت"، فإذا كان كذلك يكون الأخذ بحديث النعمان أولى من الأخذ بما خالفه. فإن قيل: يحتمل أيضًا أن يكون قد ركع ركوعين في كل ركعة في حديث النعمان، ولئن سلمنا عدم احتماله ذلك وتعارض حديثه بأحاديث غيره؛ فالأخذ بأحاديث غيره مثل حديث علي وابن عباس وعائشة أولى لصحتها وشهرتها واشتمالها أيضًا على الزيادة التي ليست في حديث النعمان؛ والزيادة من الثقة مقبولة. وقد روي عن عروة أنه قيل له: "إن أخاك صلى ركعتين، فقال: إنه أخطأ السنة". قلت: صريح قول النعمان بن بشير: "صلى في كسوف الشمس نحوًا من صلاتكم هذه، فيركع ويسجد" يقطع الاحتمال المذكور، ولانسلم أولوية الأخذ بأحاديث غيره؛ لما علَّلتم بأنها صحيحة مشهورة؛ لأن حديث النعمان أيضًا صحيح مشهور، وقد ذكرنا أن جماعة من العلماء منهم أبو عمر صححوا حديثه هذا، وأما

стр. 2594

الزيادة التي في أحاديث غيره فقد ذكرنا أن رواتها قد ظنوا ذلك لطول قيام النبي ﵇ فيها، وأما الزيادة التي في حديث النعمان فصريحة ليس فيها مجال للظن والوهم، فحينئذٍ يجب قبول هذه الزيادة لكونها من الثقة. وأما قول عروة، فقد قال ابن حزم في "المحلى": عروة أحق بالخطأ من أخيه عبد الله الصاحب الذي عمل بعلم، وعروة أنكر ما لم يعلم. وقد ذهب ابن حزم إلى العمل بما صح ورأى عليه أهل بلده، وقد يجوز أن يكون ذلك اختلاف إباحة وتوسعة غير سنة. قلت: الصواب عندي أيضًا أن لا يقال: اختلفوا في صلاة الكسوف، بل تخيروا، فكل واحد منهم تعلّق بحديث ورآه أولى من غيره بحسب ما أدى اجتهاده إليه في صحته وموافقته للأصول المعهودة في أبواب الصلاة، فأبو حنيفة تعلّق بأحاديث من ذكرناهم من الصحابة ﵃ ورآها أولى من رواية علي وابن عباس وعائشة ﵃ لموافقتها القياس في أبواب الصلاة، على أن في روايتهم احتمالًا وهو ما ذكره محمَّد بن الحسن في "صلاة الأثر" فقال: يحتمل أنه ﵇ أطال الركوع زيادة على قدر ركوع سائر الصلوات، فرفع أهل الصف الأول رءوسهم ظنًّا منهم أنه ﵇ رفع رأسه من الركوع فمَن خلفهم رفعوا رءوسهم، فلما رأى أهل الصف الأول رسول الله ﵇ راكعًا ركعوا فمَن خلفهم ركعوا، فلما رفع رسول الله ﵇ رأسه من الركوع رفع القوم رءوسهم ومَنْ خلف الصف الأول ظنوا أنه ركع ركوعين فرووه على حسب ما وقع عندهم، ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف، وعائشة ﵂ كانت واقفةً في صف النساء، وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت، فنقلا كما وقع عندهما، فيحمل على هذا توفيقًا بين الروايات، انتهى. وفيه نظر؛ لأن هذا الذي ذكره يمكن أن يتمشى في رواية مَنْ روى ركوعين، وأما من روى ثلاث ركوعات أو أربع ركوعات فكيف يتمشى فيه هذا؟! وقد ذكرنا

стр. 2595

أنه روي عن أبي بن كعب أنه روى عن النبي ﵇ عشر ركعات في ركعتي الكسوف وأربع سجدات، ففي هذا ما ذكره من المحال على ما لا يخفى، ولئن سلمنا نقل عائشة وابن عباس لكونهما في صف النساء والصبيان فلا نسلم ذلك في نقل عبد الله بن عمر وغيره. وقد قال مناظرٌ لمحمد بن الحسن ﵀: ألم تعلم أن الحديث إذا جاء من وجهين واختلفا وكانت فيه زيادة كان الأخذ بالزيادة أولى؛ لأن الجائي بها أثبت من الذي نقص الحديث؟ قال: نعم، قال المناظر: ففي حديثنا من الزيادة ما ينبغي أن يرجع إليه، قال محمَّد: فالنعمان بن بشير لا يذكر في كل ركعة ركوعين. قال المناظر: قبلت، فالنعمان يزعم أن النبي ﵇ صلى ركعتين ثم نظر فلم تنجلِ الشمس فقام فصل ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، أفنأخذ به؟ قال: لا. قلت: فأنت إذا تخالف قول النعمان وحديثنا. انتهى. قلت: لقائل أن يقول له كما قال لمحمد سواءً: أنت تأخذ بحديث عائشة وجابر وابن عباس؟ فإن قال نعم. قيل له: قد صحّ عنهم ما ذكر من ثلاث ركعات في كل ركعة وست ركعات، وهذه زيادة، أتأخذ بها؟ فإن قال: لا. قيل له: فأنت إذًا تخالف ما ذكرت أنك اعتمدته، وتخالف أيضًا ما ذهبنا إليه من حجتنا. وقد رأينا حديث أبي بن كعب حديثًا فيه زيادة. رواه الحكم (١): من حديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: "انكسفت الشمس فصلى النبي ﵇، فقرأ سورة من الطُّوَل وركع خمس ركعات وسجد سجدتين"، وقال: الشيخان لم يخرجا لأبي جعفر الرازي، وحاله عند سائر الأئمة أحسن الحال، وهذا الحديث فيه ألفاظ زائدة ورواته صادقون، وصححه أيضًا أبو محمَّد الأشبيلي، وأقره الحافظان ابن القطان وابن الموَّاق؛ فكان ينبغي أن يَعْمَل بها من قال بقبول الزيادة من الثقة.

стр. 2596

قوله: "ثم قد شدّ ذلك" أي قد قوّى وأيّد ما ذكرناه من ترجيح حديث النعمان: ما حكاه قبيصة الهلالي من قوله ﵇: "فإذا كان كذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة" فإنه أخبر في حديثه أن الذي يُصلي في الكسوف هو كالذي يُصلي من المكتوبة، والباقي ظاهر، والله أعلم. ص: وأما قولهم: إن النبي ﵇ قال: "فإذا رأيتم ذلك فصلّوا حتى تنجلي". فقالوا: ففي هذا دليل على أنه لا ينبغي أن يَقطع الصلاة إذا كان ذلك حتى تنجلي. فيقال لهم: فقد قال في بعض هذه الأحاديث: "فصلّوا وادعوا حتى تنكشف". وقد حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد -أراه قال: ولا لحياته- فإذا رأيتم ذلك فعليكم بذكر الله والصلاة". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو كريب قال: ثنا أبو أسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بُردة، عن أبي موسى ﵁ قال: "خسفت الشمس على زمان النبي ﵇، فقام فزعًا -يخْشى أن تكون الساعة- حتى أتى المسجد، فقام فصلى أطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يُخوّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا منها فافزعوا إلى ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره". فأمر النبي ﵇ بالدعاء عندها والاستغفار كما أمر بالصلاة، فدل ذلك أنه لم يُرد منهم عند الكسوف الصلاة خاصّةً، ولكن أريد منهم ما يتقربون به إلي الله من الصلاة والدعاء والاستغفار وغير ذلك.

стр. 2597

وقد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الربيع بن يحيى الأُشْنَاني، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء قالت: "أمر النبي ﵇ بالعتاقة عند الكسوف"، فدل ذلك على ما ذكرناه. ش: هذا جواب عما أوردوه على قوله: "فكان قول النبي ﵇ في حديث قبيصة ... " إلى آخره. تقرير السؤال أن يقال: إن قوله ﵇: "فإذا رأيتم ذلك فصلّوا حتى تنجلي" يدل على أنه لا ينبغي أن تقطع الصلاة عند الكسوف ونحوه حتى تنجلي الشمس؛ لأن كلمة "حتى" للغاية، فينبغي أن يكون انتهاء الصلاة عند الانجلاء فتصلّى إلى أن تنجلي، ولا يكون ذلك إلا بتكرار الركوع وتطويل الصلاة وعدم قطعها إلى الانجلاء. وتقرير الجواب أن يقال: قد ورد أيضًا في بعض الأحاديث "فصلُّوا وادعوا حتى تنكشف"، وفي بعضها: "فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره"، فأمر ﵇ بالصلاة ثم بالدعاء إلى الانجلاء؛ فدل ذلك على أنه ﵇ لم يُرِد منهم مجرد الصلاة، بل أراد منهم ما يتقربون به إلى الله تعالى من الصلاة والدعاء والاستغفار وغير ذلك نحو الصدقة والعتاقة ونحوهما، ودل أيضًا على أن الصلاة في ذلك موقتة معلومة لها وقت معلوم وعدد معلوم كما نص عليه حديث قبيصة، فبطل بذلك ما ذهب إليه مَنْ خالفه. ثم إنه أخرج ها هنا ثلاثة أحاديث -عن ثلاثة من الصحابة وهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وأسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄- تدل على ما ذكرنا من أنه ﵇ لم يُرِد مجرد الصلاة. أما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي بكر بن عياش الأسدي المقرئ الحناط -بالنون- الكوفي روى له الجماعة مسلم في مقدمة كتابه، عن أبي إسحاق

стр. 2598

عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن عبد الله بن السائب الشيباني، ذكره ابن أبي حاتم، وقال: يروي عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، وسمعت أبي يقول: هو مجهول. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" مطولًا: ثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵇: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، فإذا انكسفا فافزعوا إلى، ذكر الله" مختصر من المطول. قوله: "فإذا رأيتم ذلك" أي كسوف الشمس والقمر. قوله: "فعليكم" أي الزموا ذكر الله تعالى والصلاة. وأما حديث أبي موسى الأشعري ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان أيضًا، عن أبي كريب محمَّد بن العلاء الهمداني الكوفي شيخ الجماعة في الكتب الستة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي روى له الجماعة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني روى له الجماعة، عن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري روى له الجماعة، عن أبي موسى الأشعري. وأخرجه البخاري (١): ثنا محمَّد بن العلاء، قال: ثنا أبو أسامة ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣) أيضًا. قوله: "فزعًا" حال، وكذا قوله: "يخشى".

стр. 2599

قوله: "فافزعوا" بالزاي المعجمة أي: الجئوا إلى الذِّكر والدعاء والاستغفار، واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث، وأصل الفزع: الخوف ويوضع موضع الإغاثة والنصر والالتجاء؛ لأن مَنْ شأنه الإغاثة والنصر والالتجاء يكون مُراقِبًا حَذِرًا. وأما حديث أسماء فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن الربيع بن يحيى الأُشْناني أبي الفضل البصري شيخ البخاري وأبي داود، ونسبته إلى بيع الأُشْنان، عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي روى له الجماعة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام زوجة هشام بن عروة، روى لها الجماعة، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄. وأخرجه البخاري (١): ثنا ربيع بن يحيى، ثنا زائدة ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "كان النبي ﵇ يأمرنا بالعَتاقة في صلاة الكسوف". قوله: "بالعَتاقة" بفتح العين، يقال: أعتق العبد يُعتِق -بكسر التاء- عِتقًا وعَتاقًا وعتاقةً، وأعتقتُه أنا. ص: وروي في ذلك عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ﵇. ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شجاع بن الوليد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﵇: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فقوموا فصلّوا". فَأُمِروا في هذا الحديث بالقيام عند رؤيتهم ذلك للصلاة، وأُمِروا في الأحاديث الأُوَل بالدعاء والاستغفار بعد الصلاة حتى تنجلي الشمس، فدل ذلك على أنهم لم يؤمروا ألَّا يقطعوا الصلاة حتى تنجلي الشمس، وثبت بذلك أن لهم أن يطيلوا الصلاة إن أحبوا، وإن شاءوا قصّروا ووصلوها بدعاء حتى تنجلي الشمس.

стр. 2600

ش: أي قد روي أيضًا في الكسوف ما روي عن أبي مسعود الأنصاري واسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة، وأراد بتخريج حديثه أن يوفق بينه وبين الأحاديث التي فيها الأمر بالدعاء والاستغفار إلى انجلاء الشمس، وفي حديث أبي مسعود أمر بالقيام إلى الصلاة عند رؤية الكسوف، وجه التوفيق بينه وبين تلك الأحاديث أن هذا الحديث يدل على أن لهم أن يطيلوا الصلاة إلى الانجلاء إذا أحبوا ذلك، وتلك الأحاديث تدل على أن لهم أن يُقصِّروا الصلاة ولكن يَصِلونها بالدعاء والذكر إلى الانجلاء، والمقصود أنه لم يُرِد مجرد الصلاة ولا مجرد الدعاء، بل المراد إشغال الوقت بهما إلى الانجلاء. فإن قيل: إذا طوّلوا الصلاة إلى الانجلاء لم يكن عملًا بالأحاديث الآخر. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن الصلاة لا تطول إلا بطول القراءة، أو بكثرة الذكر والثناء في الركوع والسجود، أو بكثرة الأدعية في القعدة، فافهم. ثم إسناد حديث أبي مسعود صحيح؛ لأن رجاله رجال الجماعة ما خلا ابن مَعْبد. وأخرجه البخاري (١): ثنا شهاب بن عباد، قال: ثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سمعت أبا مسعود ﵁ يقول: قال النبي ﵇: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فقوموا فصلّوا". وأخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣) نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا الوُحَاظيُّ، قال: ثنا إسحاق بن يحيى الكلبي، قال: ثنا الزهري، قال: كان كُثيرُ بن العباس يُحَدِّث: "أن عبد الله بن عباس

стр. 2601

- ﵄ كان يُحدِّث عن صلاة النبي ﵇ يوم خسفت الشمس مثل ما حدَّث به عروة عن عائشة، فقال الزهري: فقلت لعروة: إن أخاك يوم خسفت الشمس بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل صلاة الصبح، فقال: أجل، إنه أخطأ السنة". فهذا عروة والزهري قد ذكرا عن عبد الله بن الزبير أنه صلى لكسوف الشمس ركعتين، وعبد الله بن الزبير رجل له صحبة، وقد حضره أصحاب رسول الله ﵇ حينئدٍ فلم ينكر ذلك عليه منهم منكر. فأما قول عروة: "إنه أخطأ السنة" فإن ذلك عندنا ليس بشيء. ش: ذكر هذا أيضًا تأكيدًا لقوله: فكان قول النبي ﵇ في حديث قبيصة ... إلى آخره، وتأييدًا له، بيان ذلك: أن عروة بن الزبير ومحمد بن مسلم الزهري قد ذكرا عن عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄: "أن النبي صلّى لكسوف الشمس ركعتين"، وعبد الله بن الزبير صحابي مشهور جليل، وقد فعل ذلك كذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكر ذلك عليه أحد منهم، فصار كالإجماع على أن صلاة الكسوف ركعتان. قوله: "فأما قول عروة ... " إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر تقريره أن يقال: كيف يكون ما ذكرتم عن عبد الله بن الزبير سُنة والحال أن أخاه عروة قد قال: إنه أخطأ السنة؟ والجواب: أن هذا القول من عروة ليس بشيء؛ لأن عبد الله بن الزبير ما فعل ذلك إلا عن علم، وعروة أنكر ما لم يَعْلم، وقد استوفينا الكلام فيه عن قريب. ثم إسناد حديث ابن عباس صحيح. والوُحَاظِيُّ هو يحيى بن صالح أبو زكرياء الدمشقي شيخ البخاري، ونسبته إلى وُحاظة بن سَعْد بضم الواو وبالحاء المهملة والظاء المعجمة. وإسحاق بن يحيى الكلبي الحمْصي روي له أبو داود والبخاري مستشهدًا، والزهري هو محمَّد بن مسلم بن شهاب، وكثير بن العباس بن عبد المطلب ابن عم

стр. 2602

النبي ﵇، ممن وُلد على عهد النبي ﵇ وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وأخرجه البخاري (١) بعد إخراجه حديث عائشة من حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قال: وكان يُحدِّث كثير بن عباس: "أن عبد الله بن عباس كان يحدث يوم خسفت الشمس بمثل حديث عروة عن عائشة، فقلت لعروة: إن أخاك يوم خسفت بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل الصبح، قال: أجل؛ لأنه أخطأ السنة". وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) أيضًا. ص: وجميع ما بيّناه في هذا الباب من صلاة الكسوف أنها ركعتان، وأن المصلي إن شاء طوّلهما، وإن شاء قصّرهما إذا وصلهما بالدعاء حتى تنجلي الشمس؛ قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وهو النظر عندنا؛ لأنا رأينا سائر الصلوات من المكتوبات والتطوع مع كل ركعة سجدتان فالنظر على ذلك أن تكون صلاة الكسوف كذلك، والله أعلم. ش: [قوله:] (٥) "وجميع ما بيناه" كلام إضافي مبتدأ، وخبره هو قوله: "قول أبي حنيفة". قوله: "وهو النظر عندنا" أي: ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن تبعه هو الذي يقتضيه وجه النظر والقياس؛ وذلك لأن سائر الصلوات من الفرائض والسنن والنوافل في كل ركعة منها ركوع واحد وسجدتان، فكذلك ينبغي أن تكون صلاة الكسوف؛ نظرًا وقياسًا عليه، والله أعلم.

стр. 2603

ص: باب: القراءة؛ في صلاة الكسوف كيف هي ؟ ش: أي هذا باب في بيان كيفية القراءة في صلاة الكسوف، ووجه المناسبة بين البابن ظاهر لا يخفى. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "ما سمعت من النبي ﵇ في صلاة الكسوف حرفًا". ش: عمرو بن خالد الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، وقد تكرر الكلام فيه. والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث زيد بن الحباب، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثني عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ صلى صلاة الكسوف فلم نسمع له صوتًا". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢)، والطبراني في "معجمه"، وأبو نعيم في "الحلية" وأبو يعلى المَوْصلي في "مسنده". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة (ح). وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ في صلاة الكسوف لا نسمع له صوتًا". حدثنا حسين، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ابن عِبَاد -رجل من بني عبد القيس- عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 2604

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة، عن سمرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: أخرج حديث سمرة من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن الأسود بن قيس العَبدي الكوفي، عن ثعلبة بن عِباد -بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة- عن سمرة بن جندب. وأخرجه الطبراني (١) مطولًا: من حديث أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، وفيه: "ما نسمع له صَوْتًا". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا: من حديث زهير، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، وفيه: "ما نسمع له صوتًا". الثالث: عن حسين أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن منصور، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ابن عِبَاد -رجل من عبد القيس- عن سمرة: "أن النبي ﵇ صلّى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتًا". الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير، عن سفيان ... إلى آخره.

стр. 2605

وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: نا وكيع، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، عن سمرة بن جندب قال: "صلى بنا النبي ﵇ في كسوف لا نسمع له صوتًا". قال أبو عيسى: حديث سمرة بن جندب حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: هكذا صلاة الكسوف لا يُجْهر فيها بالقراءة؛ لأنها من صلاة النهار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵁. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سَعْد ومالكًا والشافعي وآخرين؛ فإنهم ذهبوا إلى الآثار المذكورة، وقالوا: لا يُجْهر فيها بالقراءة؛ لأنها من صلاة النهار، وصلاة النهار عجماء لا يجهر فيها بالقراءة، وممن ذهب إلى هذا القول الإِمام أبو حنيفة ﵀. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يُجْهر فيها بالقراءة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا يوسف ومحمدًا وأحمد وإسحاق وابن المنذر ومالكًا في رواية؛ فإنهم قالوا: يُجهر في صلاة الكسوف بالقراءة، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وعبد الله بن يزيد ﵃ وهو مذهب الظاهرية أيضًا. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة ﵃ لم يسمعا من النبي ﵇ في صلاته تلك حرفًا -وقد جهر فيها- لبُعْدهما منه، فهذا لا ينفي الجهر؛ إذ كان قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة.

стр. 2606

ومما روي عنه في ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود، قال ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ جَهرَ بالقراءة في كسوف الشمس". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﵇ مثله. فهذه عائشة تُخْبر أنه قد جهر فيها بالقراءة، فهي أولى لما قد ذكرنا. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخرين على الطائفة الأولى في ذلك، أي فيما ذهبوا إليه من جهر القراءة في صلاة الكسوف، وهذا في الحقيقة جوابٌ عن حديثي ابن عباس وسمرة اللَّذيْن تمسك بهما الطائفة الأولى، بيانه أنه يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة لم يسمعا من النبي ﵇ في صلاته تلك حرفًا، والحال أنه ﵇ قد كان جهر فيهما ولكنهما لم يسمعا ذلك لبعدهما عن النبي ﵇، فحكيا على ما شاهداه من ذلك، فإذا كان كذلك فهذا لا ينفي جهرَه ﵇ بالقراءة فيها؛ لأنه قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة، وهو معنى قوله: "إذْ كان قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة"، وكلمة "إذْ" ها هنا للتعليل. ثم بيَّن ذلك بما أخرجه عن عائشة ﵂ من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، وهو إن كان فيه مقال فقد وثقه أحمد وغيره، على أن حديثه ها هنا متُابع لآخر قد رواه بطريق صحيح جدًّا على ما يجيء الآن، وبهذا يندفع ما قاله البيهقي أن الطحاوي قد يحتج في كتابه بابن لهيعة. وهو يَرْوي عن عُقَيل -بضم العين وفتح القاف- بن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأيلي روى له الجماعة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂.

стр. 2607

والثاني: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن الربيع بن سليمان البجلي الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أبي إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمَّد بن الحارث الكوفي سكن المصيصة روى له الجماعة، عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، ومسلم في مقدمة كتابه، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂. وأخرجه البخاري (١) مطولًا: عن محمَّد بن مهران، عن الوليد، عن ابن نمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مطولًا، ثم قال في آخره: تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير، عن الزهري في الجهر. ومسلم (٢) أيضًا: عن محمَّد بن مهران الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: أنا عبد الرحمن بن نمر، أنه سمع ابن شهاب يخبر، عن عروة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات". وأبو داود (٣): عن العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ قرأ قراءةً طويلةً فجهر بها. يعني في صلاة الكسوف". والترمذي (٤): عن أبي بكر محمَّد بن أبان، قال: نا إبراهيم بن صدقة، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ صلّى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 2608

والنسائي (١): عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا الوليد، قال: ثنا عبد الرحمن ابن نمر، أنه سمع الزهريُّ يحدث، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇: "أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات وجهر فيها بالقراءة، كلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد". ص: وقد كان النظر في ذلك لما اختلفوا: أنَّا رأينا الظهر والعصر يُصَلَّيَان نهارًا في سائر الأيام ولا يجهر فيها بالقراءة، ورأينا الجمعة تُصلى في خاصٍّ من الأيام ويجهر فيها بالقراءة، وكانت الفرائض هكذا حكمها، ما كان منها يُفعل في سائر الأيام نهارًا خُوفِتَ فيه، وما كان منها يفعل في خاصً من الأيام جُهِرَ فيه، وكذلك جُعل حكم النوافل، ما كان منها يُفعَل في سائر الأيام نهارًا خُوفِتَ فيه بالقراءة، وما كان منها يُفعل في خاصٍّ من الأيام مثل صلاة العيدين يُجْهر فيها بالقراءة، هذا ما لا اختلاف فيه بين الناس، وكانت صلاة الاستسقاء في قول من يرى في الامشسقاء صلاةً هكذا حكمها عنده يجهر فيها بالقراءة. وقد شَدَّ قوله في ذلك ما روينا عن النبي ﵇ فيما تقدم منا في كتابنا هذا في جهر القراءة في صلاة الاستسقاء. فلما ثبت ما وصَفْنا في الفرائض والسنن؛ ثبت أن صلاة الكسوف كذلك أيضًا، لَمَّا كانت من السنن المفعولة في خاصٍّ من الأيام، وجب أن يكون حكم القراءة فيها كحكم القراءة في السنن المفعولة في خاص من الأيام وهو الجهر لا المخافتة قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله. ش: أي: وقد كان القياس في حكم القراءة في الكسوف حين اختلفوا فيها هل يجهر أو يخافت؟ أنَّا رأينا صلاتي الظهر والعصر يُخافت فيهما بالقراءة لكونهما من الصلوات النهارية غير المخصوصة، ورأينا الجمعة يُجهر فيها بالقراءة لكونها في يوم

стр. 2609

خاصٍّ، فهذا حكم الفرائض، وكذلك حكم النوافل فإن بعضها تُجهر فيه القراءة كصلاتي العيدين؛ لأنهما في يومين خاصِّين وبعضها لا تجهر فيه القراءة كسائر النوافل التي تُصلّى في النهار من غير تخصيص. فهذان الفصلان لا خلاف فيهما للعلماء، فالنظر على ذلك ينبغي أن يكون حكم صلاة الكسوف في القراءة التي هي في وقت خاص كحكم سائر السنن التي تفعل في الأوقات الخاصة، وهو الجهر فيها لا الإسرار؛ قياسًا على ذلك، والله أعلم. قوله: "أنا رَأَيْنَا" بفتح الهمزة؛ لأنه في محل النصب على أنه خبر لكان في قوله: "وقد كان النظر". قوله: "يُصلَّيان" على صيغة المجهول، وكذلك قوله: "تُصلَّى". قوله: "وقد شدّ" أي ثَبَّت وقوَّى. قوله: "في ذلك" قول من يرى في الاستسقاء صلاةً. وقوله: "ما رويناه" في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: "شدّ" و"قَوْله" منصوب؛ لأنه مفعوله. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن الشّيْبَانيّ، عن الحكم، عن حنشٍ: "أن عليًّا ﵁ جهر بالقراءة في كسوف الشمس". قال أبو جعفر ﵀: وقد صلّى عليّ ﵁ مع النبي ﷺ في صلاة الكسوف فيما رويناه فيما تقدم من كتابنا هذا. ش: أي: وقد روي الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف عن علي ﵁. وبيّن ذلك بما أخرجه بإسناد صحيح عن علي بن شيبة بن الصلت، عن قبيصة بن عقبة شيخ البخاري وأحمد، عن سفيان الثوري، عن سليمان بن أبي سليمان الشيباني روى له الجماعة عن الحكم بن عُتَيْبَة أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، عن حَنَش بن المعتمر -ويقال: ابن ربيعة- الكناني الكوفي، وثقه أبو داود واحتج به، وكذا النسائي والترمذي.

стр. 2610

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سفيان، عن الشيباني، عن الحكم، عن حنش الكناني: "أن عليًّا ﵁ جهَر بالقراءة في الكسوف". قوله: "وقد صلّى عليٌّ مع النبي ﵇ ... " إلى، آخره، أشار به إلى أن عليًّا ﵁ إنما جهر بالقراءة في الكسوف لإقامة سنة القراءة فيها؛ وذلك لأنه قد صلَّى مع النبي ﵇ صلاة الكسوف ورآه قد جهر فيها بالقراءة فعلم أنه السنة؛ فلذلك هو جهر لما صلّى، ولو كان النبي ﵇ خافت فيها بالقراءة وعلم عليٌّ بذلك لما كان هو يَجْهر حين صلى.

стр. 2611

ص: باب: التطوع بالليل والنهار كيف هو ؟ ش: أي هذا باب في بيان التطوع كيف يُصلّى في الليل وفي النهار، هل يثنى أو يُربّع؟ والتطوع: ما يفعله الرجل على وَجْه طوعه واختياره من غير إلزام من أحد، ولا موجب له. والمناسبة بين البابين: من حيث أن كلًا منهما مشتمل على صلاة يؤتى بها على وجه التنفل والتطوع من غير إلزام. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت علي بن عبد الله البارقي يُحدّث، عن ابن عمر ﵄ قال: وَأُرَاه قد رفعه إلى النبي ﵇ قال: "صلاة الليل والنهار مَثْنى مَثْنى". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْنِي، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇ مثله. ش: هذا طريقان: أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن يَعْلى بن عطاء العامري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن علي بن عبد الله الأزدي البارقي روى له الجماعة سوى البخاري، ونسبته إلى "بارق" جَبل نَزله بَنُو سَعْد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد؛ فسُمّوا به. وأخرجه أبو داود (١): نا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".

стр. 2612

والترمذي (١): نا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء ... إلى آخره نحوه. والنسائي (٢): عن محمَّد بن بشار أيضًا ... إلى آخره نحوه. وابن ماجه (٣): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع. وثنا محمَّد بن بشار وأبو بكر بن خلاد، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قالا: نا شعبة، عن يعلى بن عطاء ... إلى آخره. وقال النسائي (٢): هذا الحديث عندي خطأ. وقال الترمذي (١): اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر، فرفعه بعضهم وأوقفه بعضهم وقال: والصحيح ما روي عن ابن عمر، عن النبي ﵇ أنه قال: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وروى الثقات عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ ولم يذكروا فيه صلاة النهار. وقال الخطابي: روى هذا عن ابن عمر: نافعٌ وطاوس وعبد الله بن دينار ولم يذكر فيها أحدٌ "صلاة النهار"، وإنما هو "صلاة الليل مثنى مثنى" إلا أن سبيل الزيادات أن تقبل، وقد قبل. وسئِل البخاري عن حديث يعلى بن عطاء أصحيح هو؟ فقال نعم. قلت: لا يلزم من ذلك صحة هذه الزيادة، فيكون قوله: نعم. راجعًا إلى، قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى". والطريق الآخر: عن فهد بن سليمان، عن إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْني -فيه مقال، وروى له أبو داود وابن ماجه- وهو يروي عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃ والقرشي العَدَويّ العُمريُّ أبي عثمان المدني، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر ﵄.

стр. 2613

وقد رواه الترمذي مُعلقًا وقال: وقد روي عن عبيد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇ نحو هذا. قوله: "مَثْنى" خبر عن قوله: "صلاة الليل"، و"مثنى" الثاني تأكيد؛ لأنه داخل في حده؛ إذْ معناه اثنين، اثنين، اثنين، اثنين، فعن هذا قالت النحاة: إن مثنى معدول عن اثنين ففيه العدل والصفة. ص: قال أبو جفر: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هكذا صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلّم في كل ركعتين، واحتجوا بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنهم ذهبوا إلى الحديث المذكور وقالوا: صلاة الليل والنهار ركعتين ركعتين. وقال ابن قدامة: وصلاة التطوع مثنى مثنى يسلّم من كل ركعتين، والتطوع قسمان: تطوع ليل، وتطوع نهار، فأما تطوع الليل فلا يجوز إلا مثنى مثنى، هذا قول أكثر أهل العلم، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس، والأفضل في تطوع النهار أن يكون مثنى مثنى. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما صلاة النهار فإن شئت صليت بتكبيرة ركعتين وإن شئت أربعًا، وكرهوا أن يزيد على ذلك شيئًا، واختلفوا في صلاة الليل فقال بعضهم: إن شئت صليت بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًّا، وإن شئت ثمانيًا، وكرهوا أن يزيد على ذلك شيئًا وممن قال ذلك: أبو حنيفة ﵁، وقال بعضهم: صلاة الليل مثنى مثنى يُسلّم في كل ركعتين، وممن قال ذلك: أبو يوسف، فإما ما ذكرناه في صلاة النهار فهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي والثوري وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وإسحاق؛ فإنهم قالوا: صلاة النهار إن شاء يصليها ركعتين وإن شاء يصليها أربعًا، ولكن الأربع أفضل.

стр. 2614

ثم اختلف هؤلاء في صلاة الليل، فقال بعضهم -وهم أبو حنيفة وسفيان والحسن بن حي-: إن شئت صليت بتكبيرة واحدة ركعتين وإن شئت صليت أربع ركعات، وإن شئت ست ركعات، وإن شئت ثمان ركعات، وكرهوا أن يزيد على ذلك أي على الثمان. وقال بعضهم -وهم: أبو يوسف ومحمد وأبو ثور-: صلاة الليل مثنى مثنى، يسلّم في كل ركعتين، وهو قول الطائفة الأولى. وقال ابن قدامة: وكان إسحاق يقول: صلاة النهار أختار أربعًا، وإن صلى ركعتين جاز، ويشبهه قولُ الأوزاعي وأصحاب الرأي. وقال بعض أصحابنا: ولا يزاد في الليل على اثنتيْن ولا في النهار على أربع، ولا يصح التطوع بركعة ولا بثلاث، وهذا ظاهر كلام الخرقي. وقال القاضي: ولو وصل ستًّا في ليل أو نهار كُرهَ وصحّ. وقال أبو الخطاب: في صحة التطوع بركعة روايتان: إحداهما: يجوز؛ لما روى سعيد، قال: ثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه قال: "دخل عمر المسجد، فصلى ركعة ثم خرج، فتبعه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعةً. قال: هو تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء نقص". قلت: روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵇: "أنه نهى عن البُتَيْراء" أخرجه أبو عمر (١)، وقد ذكرناه بإسناده في باب "الوتر". وفي "التلويح شرح البخاري": قال الثوري: صلِّ ما شئت بعد أن تقعد في كل ركعتين. وهو قول الحسن بن حيّ. وقال الأوزاعي: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربع، وبه قال النخعي.

стр. 2615

ص: وكان من حجتهم على أهل المقالة الأولى: أن كل من روى حديث ابن عمر ﵄ سوى عليّ البارقي وسوى ما روى العمريُّ، عن نافع، عن ابن عمر- إنما يُقصد إلى صلاة الليل خاصةً دون صلاة النهار، وقد ذكرنا ذلك في باب "الوتر". ش: أي وكان من دليلهم -أي دليل أهل المقالة الثانية- على أهل المقالة الأولى، وأشار به إلى الجواب عن الحديث المذكور، وهو أن كل من روى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر -غير علي البارقي، وغير عبيد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر لم يذكروا في رواياتهم: "النهار" وإنما ذكروا: "الليل" فقط؛ ولهذا قال الترمذي: ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ ولم يذكروا فيه: "صلاة النهار". ولأجل ذلك أيضًا قال النسائي: وهذا الحديث عندي خطأ. وقال الدارقطني: هذا غير محفوظ، وإنما تعرف: "صلاة النهار" عن يعلى بن عطاء، عن علي البارقي، عن ابن عمر، وقد خالفه نافع -وهو أحفظ منه- فذكر أن صلاة الليل مثنى مثنى والنهار أربعًا، وفي رواية يحيى، عن عبيد الله، عن نافع: "أن ابن عمر كان يصلي بالليل مثنى مثنى وبالنهار أربعًا" ورواه وهب بن وهب القاضي -وهو متروك- عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" ووهم فيه والمحفوظ عن عبيد الله ما ذكرناه. وروى إبراهيم الحُنيني، عن مالك والعمري، عن نافع، عن ابن عمر يرفعه: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" وكذلك روي عن عبد الله، عن نافع. ولا يثبت عنه، وإنما تعرف هذه اللفظة من رواية الحُنيني. قال ابن عبد البر: ورواية الحنيني خطأ لم يتابعه عن مالك أحد. وفي سؤالات "مضر بن محمد": سألت يحيى بن معين عن صلاة الليل والنهار

стр. 2616

فقال: صلاة النهار أربع لا يفصل بينهن، وصلاة [الليل] (١) ركعتان، فقلت: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. قال: بأيّ حديث؟ قلت: بحديث شعبة، عن يعلى، عن علي الأزدي، عن ابن عمر. فقال: ومَنْ علي الأزدي حتى أقبل منه هذا؟! أَدَعُ يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يتطوع بالنهار أربعًا لا يفصل بينهن" وآخذ بحديث علي الأزدي؟! لو كان حديث علي صحيحًا لم يخالفه ابن عمر. قال يحيى: وكان شعبة يتقي هذا الحديث وربما لم يرفعه، وقال الفضل بن زياد: قيل لأحمد: رواه أحدٌ عن ابن عمر غير عليّ؟ قال: نعم، إلا أنه أوقفه. ص: وقد روي عن ابن عمر مِنْ فعله بعد النبي ﵇ ما يدل على فَسادِ هَذيْن الحَدِيثَيْن أيضًا اللّذَيْن ذكرناهما في أول هذا الباب. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يُصلّي بالليل ركعتين وبالنهار أربعًا". وحدثنا فهدٌ، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله، عن زيْدٍ، عن جَبَلَة بن سُحيم، عن عبد الله بن عمر: "أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا لا يفصل بينهن بسلام، ثم بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا". فاستحال أن يكون ابن عمر يَرْوي عن النبي ﵇ ما رواه عنه عليٌّ البارِقيُّ، ثم يفعل هو خلاف ذلك. ش: هذا جواب آخر عن الحديث المذكور الذي احتجت به الطائفة الأولى، بيانه: أنه قد روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يُصَلي بالليل ركعتين وبالنهار أربعًا وذلك بعد النبي ﵇، وهذا يدل على فساد الحديث المذكور الذي روي من حديث علي البارقي، عن ابن عمر، ومن حديث العمري، عن نافع، عن ابن عمر؛ وذلك

стр. 2617

لأنه يستحيل أن يكون ابن عمر يَرْوي عن النبي ﵇ ذلك ثم يفعل هو بخلاف ذلك، فلو كان ابن عمر حفظ عن النبي ﵇: "صلاة النهار مثنى" لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعًا. وقال أبو داود: وفي هذا توهين لحديث علي الأزدي البارقي. ثم إنه أخرج أثر ابن عمر من طريقين صحيحين: أحدهما: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عَمْرو الرقي روى له الجماعة، عن نافع، عن ابن عمر. والآخر: عن فهد أيضًا، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عَمْرو الرقي، عن زيد بن أبي أُنَيْسة الجَزَرِي، عن جبلة بن سُحَيم التَيْمي، عن عبد الله ابن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعًا". ص: وأما ما روى في ذلك عن غير ابن عُمَر، عن النبي ﵇: فحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا عُبَيدة الضبّيُ (ح). وحدثنا ربيعٌ الجيزيُّ، قال: ثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زبد بن أبي أُنَيْسة، عن عبيدة (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن عبيدة، عن إبراهيم النخعي، عن سهم بن منجاب، عن قزَعة، عن القَرْثعَ، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: "أدمن رسول الله ﵇ أربع ركعات بعد زوال الشمس، فقلت: يا رسول الله ﵇ إنك تُدمِنُ هؤلاء الأربع ركعات؟ فقال: يا أبا أيوب، إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء فلم تُرْتَجْ حتى يُصلَّى

стр. 2618

الظهرُ، فأحب أن يصعد لي فيهن عمل صالح قبل أن تُرْتَجَ. فقلت: يا رسول الله ﵇، في كلهن قراءة؟ قال: نعم، قلت: بينهن تسليمٌ فاصل؟ قال: لا، إلا التشهد". فقد ثبت بهذا الحديث أنه قد يجوز أن يتطوع بأربع ركعات بالنهار لا يُسلَّم بينهن، مثبت بذلك قول مَنْ ذكرنا أنه ذهب إلى ذلك. ش: أي: وأما ما روي من التطوع في النهار بأربع ركعات عن غير عبد الله بن عمر من الصحابة ﵃ فحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁. وأخرجه من أربع طرق: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السَّدوسي، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد روى له الجماعة، عن عُبَيْدة -بضم العين وفتح الباء- بن مُعَتّب الضبي الكوفي روى له الجماعة سوى مسلم والنسائي، ولكن البخاري مستشهدًا، وفيه كلام كثير، عن إبراهيم النخعي، عن سَهْم بن مَنْجاب بن راشد الضبي الكوفي روى له الجماعة سوى البخاري، عن قَزَعة بن يحيى -ويقال: ابن الأسود- أبي الغادية البصري روى له الجماعة، عن القَرْثَع -بفتح القاف وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة وفي آخره عين مهملة- الضبي، وكان من القراء الأولين، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، وقال ابن حبان: يروي أحاديث يخالف فيها الثقات. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو معاوية، نا عُبَيْدة، عن إبراهيم، عن سَهْم ابن مَنْجَاب، عن قزعة، عن القَرْثَع، عن أبي أيوب الأنصاري قال: "أدْمَن رسول الله ﵇ أربع ركعات عند زوال الشمس، قال: فقلت: يا رسول الله، ما هذه الركعات التي أراك قد أَدْمَنْتها؟ قال: إن أبواب السماء تفتح عند زوال الشمس فلا تُرْتَجُ حتى يُصلّى الظهر فأُحبُّ أن يَصْعد لي فيها خيرٌ. قال: قلت:

стр. 2619

يا رسول الله، تقرأ فيهن كلهن؟ قال: قال: نعم. قال: قلت: ففيها سلامٌ فاصل؟ قال: لا". وأخرجه أبو داود (١) مختصرًا، وليس في روايته ذكر قَزَعة، وقال: ثنا ابن المثنى، نا محمَّد بن جعفر، نا شعبة، قال: سمعت عُبَيْدة، عن إبراهيم، عن ابن مَنْجَاب، عن قَرْثَع، عن أبي أيوب، عن النبي ﵇ قال: "أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبوابُ السماء" قال أبو داود: بلغني عن يحيى بن سعيد القطان، قال: لو حَدَّثت عن عُبَيْدة بشيء لحَدّثْتُ بهذا الحديث. قال أبو داود: عُبيدة ضعيف، وابن منجاب هو سهم. وقال: البيهقي: وجاء هذا الحديث عن شعبة، وفيه عن سَهْم، عن قزعة، عن قَرْثَع. وقيل: عن قَرْثعَ، عن قزعة. قوله: "أَدْمَن رسول الله" من قولهم: فلان يُدمن كذا أي يُديمُه. وقوله: "أربع ركعات" مفعول لقوله: "أدمن". قوله: "فلم ترتج" أي: فلم تغلق من ارْتَجْتُ الباب إذا أغلقته، والإِرْتاج: الغَلْقُ، ويُرْوَى: "فلن ترتج" ويروى: "فلا تُرتج". الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي البصري الأعرج شيخ أبي داود والنسائي -وثقه ابن يونس والخطيب- عن علي بن معبد بن شداد العبدي -وثقه أبو حاتم- عن عُبَيد لله بن عَمرو الرَّقّي روى له الجماعة، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري روى له الجماعة، عن عبيدة ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث هشيم وإسماعيل بن زكرياء، كلاهما عن عبيدة، عن إبراهيم، عن سهم بن منجاب، عن قزعة، عن قرثع، عن

стр. 2620

أبي أيوب الأنصاري قال: "أدمن رسول الله ﵇ أربع ركعات يُصلّيهن حين تزول الشمس في منزل أبي أيوب، فقلت: يا رسول الله ﵇، ما هذه الصلاة؟ قال: إن أبواب السماء تفتح حين تزول الشمس فلا تُرتَج حتى يُصلّى الظهر، فأحب أن يَصْعَدَ لي فيهن خيرٌ قبل أن تُرتَج أبواب السماء. قال: يا رسول الله ﵇، تقرأ فيهن -أو يقرأ فيهن- كلهن؟ قال: نعم. قال: فيهن سلام فاصل؟ قال: لا، إلا في آخرهن". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدِي روى له الجماعة، عن إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني روى له الجماعة، عن عبيدة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبد الرحمن بن سهل الرازي، عن سهل بن عثمان، ثنا محمد بن فضيل، عن عبيدة، عن إبراهيم، عن سهم بن منجاب، عن القَرْثعَ الضبي، عن أبي أيوب قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي أربع ركعات قبل الظهر حين تزول الشمس، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الصلاة؟ قال: إن أبواب السماء تفتح عند زوال الشمس حتى يُصلّى الظهر، وإني لأحب أن يرفع لي فيهن عمل صالح". وفي رواية أخرى له: "قال: تقرأ فيهن؟ قال: نعم. قال: تفصل فيهن بسلام؟ قال: لا". الرابع: عن عبد العزيز بن معاوية القرشي، عن فهد بن حَيَّان -بالياء آخر الحروف المشددة- النهشلي البصري -ضعفه ابن المديني وأبو حاتم- عن شعبة بن الحجاج، عن عُبَيْدة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): عن ابن المثنى، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة ... إلى آخره وقد ذكرناه.

стр. 2621

وأخرجه ابن ماجه (١): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن عبيدة بن مُعَتّب الضبي، عن إبراهيم، عن سهم بن مِنْجاب، عن قزعة، عن قَرْثَع، عن أبي أيوب الأنصاري: "أن النبي ﵇ كان يصلي قبل الظهر أربعًا، إذا زالت الشمس لا يفصل بينهن بسلام، وقال: إن أبواب السماء تفتح إذا زالت الشمس". قوله: "فقد ثبت بهذا الحديث" أي بحديث أبي أيوب الأنصاري، أنه قد يجوز أن يتطوع الرجل بالنهار بأربع ركعات بتسليمة واحدةٍ في آخرهن، فثبت بذلك -أي بحديث أبي أيوب- قول مَنْ ذكرنا أنه ذهب إلي ذلك أي إلى أن التطوع بالنهار هو أربع ركعات بتسليمة واحدة، وهو قول أصحابنا، فإذا كان حجة لهم يكون حجة على مَنْ خالفهم في ذلك. فإن قيل: قال أبو جعفر المعروف بالإمام: رأيت أبا عبد الله وإسحاق بن أبي إسرائيل في المسجد الجامع قبل الصلاة، فصلى أبو عبد الله عشر ركعات ركعتن ركعتين، وصلى إسحاق ثمان ركعات أربعًا أربعًا لم يفصل بينهن بسلام. فقلت لإسحاق، فقال: حديث أبي أيوب أن النبي ﵇ كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بسلام. فجئت إلى أبي عبد الله فسألته فقال: حديث شعبة عن يعلى بن عطاء، فذكر الحديث الذي مضى ذكره في أول الباب، قال: فقلت: فحديث أبي أيوب في الأربع؟ قال: هذا رواه قَرْثعَ وقَزْعة، ومن قَرْثَع وقَزْعة؟! انتهى. وفي "صحيح ابن خزيمة" (٢): وأما الخبر الذي احتج به بعض الناس في الأربع قبل الظهر بتسليمة -حديث أبي أيوب- فإنه روي بسند لا يَحتَجُّ بمِثله مَنْ له معرفة برواية الآثار، وروي شبيهًا به عن المسيب بن رافع، عن علي بن الصلت، عن أبي أيوب مرفوعًا إلا أنه ليس فيه: "لا يسلم بينهن" ولست أعرف عليًّا هذا

стр. 2622

ولا أدري من أيّ بلاد الله تعالى، ولا أفهم أَلقِيَ أبا أيوب أم لا؟ ولا يحتج بمثل هذه الأسانيد إلا معاند أو جاهل. قلت: الجواب عليه من وجهين: الأول: بطريق المنع، فنقول: قول أبي عبد الله: "مَنْ قَرْثَع وقَزْعة؟ " لا يلزم منه تضعيفهما ولا تضعيف الحديث بهما؛ لأن قزعة روى له الجماعة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأما قَرْثَع فإنه تابعي، ولما أخرج أبو داود حديثه عن أبي أيوب لم يضعفه بقرثع وإنما ضَعّفه بعُبَيْدة بن معتب. فإن قيل: فحينئذٍ ثبت المدعى، وصار الحديث ضعيفًا وهو الوارد عليكم. قلت: يحتمل أن يكون عبيدة ثقة عند الطحاوي، وقال أبو زرعة: ليس بقوى. وقال ابن عدي: يكتب حديثه. وأما تشنيع ابن خزيمة فغير رائج ولا طائل؛ لأنه متحامِلٌ فيما قاله، وقد قال أبو نعيم الحافظ في كتاب "قربان المتقين": روى حديث أبي أيوب عنه أبو أسامة، عن ابن زَحْر، عن علي بن القاسم، والشعبي من حديث السريّ بن إسماعيل ومحمد بن أيوب من حديث السكن بن أبي كريمة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. ورواه ثوبان عن النبي ﵇ كرواية أبي أيوب من حديث صالح بن جبير، ثنا أبو أسماء الرحبي، عنه. وعمر بن الخطاب ﵁ من رواية عبد الله بن محمَّد بن فاختة، ثنا هارون، ثنا علي بن عاصم، عن يحيى البكاء، عن ابن عمر، عنه. وعبد الله بن السائب من رواية ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عنه. والعباس بن عبد المطلب من رواية موسى بن عبيدة، عن سعيد بن أبي سعيد مولى أبي بكر، ثنا محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبي رافع، عنه.

стр. 2623

والفضل بن عباس من رواية عبد الرحمن بن حميد الطائي، عن أبيه، عن أبي رافع، عنه. وأم سلمة من رواية عمر بن قيس، عن ابن جبير، عنها. الجواب الثاني: بطريق التسليم وهو أن نقول: ولئن سلمنا ضعف هذا الحديث، فالأحاديث الضعيفة يحتج بها في أبواب الفضائل والرغائب، وما نحن فيه من هذا القبيل، وأيضًا يجوز أن يكون ذُكِرَ هذا الحديث متابعة لا روى في هذا الباب من الصحيح، فافهم. ص: وقد روي هذا أيضًا عن جماعة من المتقدمين، حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن عُبَيدة، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله يُصلي أربع ركعات قبل الظهر، وأربع ركعات بعد الجمعة، وأربع ركعات بعد الفطر والأضحى، ليس فيهن تَسليم فاصل، وفي كلهن القراءة". حدثنا أبو بشر الرّقي، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن مُحِلّ الضبي، عن إبراهيم: "أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حُصَيْن، عن إبراهيم قال: "ما كانوا يسلّمون في الأربع قبل الظهر". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، قال: "سأل محل الضَبيٌّ إبراهيم عن الركعات قبل الظهر أيُفْصَلُ بينهن بتسليم؟ فقال: إن شئت اكتفيت بتسليم التشهد وإن شئت وصلت". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن أبي معشر، أن إبراهيم قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، إلا أنك إن شئت صليت من النهار أربع ركعات لا تسلم إلا في آخرهن".

стр. 2624

قال أبو جعفر ﵀: فقد ثبت حكم صلاة النهار على ما ذكرنا وروينا في هذه الآثار، لم يَدْفع ذلك ولم يعارضه شيء، وأما صلاة الليل فقد ذكرنا فيها من الاختلاف ما ذكرنا في أول هذا الباب. ش: أي وقد روي التطوع بالنهار بأربع ركعات بتسليمة واحدة في آخرهن عن جماعة من الصحابة والتابعين. وأخرج عن الصحابة: عن ابن مسعود ﵁ من طريقين: أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن إبراهيم بن طهمان الخراساني، عن عُبَيْدة بن مُعَتّب الضبي الكوفي، عن إبراهيم النخعي قال: كان عبد الله ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عباد بن عوّام، عن حصين، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: "أربع قبل الظهر لا يُسلّم بينهن إلا أن يتشهد" انتهى. قلت: رواية إبراهيم عن عبد الله مرسلة. والآخر: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمَّد ابن خازم روى له الجماعة، عن مُحِل -بضم الميم وكسر الحاء المهملة- بن محرز الضبي الأعور الكوفي -وثقه ابن معين وأحمد، وقال النسائي: ليس به بأس. وأخرج عن إبراهيم من ثلاث طرق: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي روى له الجماعة. وهذا إسناد صحيح. الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي روى له الجماعة، عن مغيرة بن مقسم الضبي روى له الجماعة.

стр. 2625

قوله: "أَيُفْصلُ" الهمزة فيه للاستفهام. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضُّبَعي، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي معشر زياد بن كليب الكوفي، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. قوله: "لم يدفع ولم يعارضه" تنازعا في قوله: شيء، وقد عُرِفَ أن الإعمال في مثل هذا للثاني عند البصرية، وللأول عند الكوفية. ص: وكان من حجة الذين جعلوا له أن يُصلي بالليل ثمانيًا لا يَفْصِل بينهن بتسليم: حديث رسول الله ﷺ : "أنه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة منها الوتر ثلاث". فقيل لهم: فقد روى الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أنه كان يُسَلِّم بين كل اثنين منهن". وهذا الباب إنما يؤخذ من جهة التوقيف والاتباع لِمَا فعل النبي ﵇ وأمر به وفعله أصحابه من بعده، فلم نجد عنه من قوله ولا من فعله أنه أباح في الليل بتكبيرة أكثر من ركعتين، فبذلك نأخذ، وهو أصح القولين عندنا في ذلك، والله أعلم. ش: أراد بهؤلاء الذين جعلوا للمتطوع أن يُصلي بالليل ثمان ركعات بتسليمة واحدة: الثوري والحسن بن حيّ وأبا حنيفة ﵏؛ فإنهم استدلوا على ذلك بما روي عن النبي ﵇ أنه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعةً منها الوتر ثلاث. وقد أخرجه مسندًا في باب الوتر، ولما كان اختيار الطحاوي في هذا ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد من أن التطوع بالليل لا يزاد على ركعتين بتسليمة واحدة، ذكر استدلال هؤلاء، ثم أجاب عنه بقوله: "فقيل لهم" أي لهؤلاء الذين جعلوا له أن يصلي بالليل ثمانيًا بتسليمة واحدة: "فقد روى الزهري، عن عروة، عن عائشة ... " إلى آخره.

стр. 2626

وقد أخرجه في باب "الوتر" بقوله: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث وابن أبي ذئب، عن ابن شهاب أخبرهم، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يُصلّى فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يُسلِّم بين كل ركعتين ... " الحديث. وقد ذكرنا هناك أن مسلمًا (١) وأبا داود (٢) أخرجاه أيضًا. قوله: "وهذا الباب" أشار به إلى باب كيفية إقامة النوافل. قوله: "فبذلك نأخذ" أي بما روي عن النبي ﵇ أنه كان يسلم بين كل ركعتين من النوافل. قوله: "وهو أصح القولين عندنا في ذلك" أي هذا الذي أخذنا هو أصح القولين، وأراد بهما قول أبي حنيفة ومن تبعه، وقول أبي يوسف ومحمد، وبقولهما قال الشافعي ومالك وأحمد أيضًا كما ذكرناه، والله أعلم.

стр. 2627

ص: باب: التطوع بعد الجمعة كيف هو ؟ ش: أي هذا باب في بيان كيفية التطوع بعد صلاة الجمعة، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ كان مُصلّيًا منكم بعد الجمعة فليصلّ أربعًا". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وسفيان هو ابن عُيَيْنة، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات المدني، روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: نا جرير. ونا عمرو الناقد وأبو كريب، قالا: نا وكيع، عن سفيان، كليهما عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلّ أربعًا". وليس في حديث جرير "منكم"، وفي لفظٍ له: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا"، وفي لفظٍ آخر: "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، ونا محمَّد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكرياء، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ -قال ابن الصباح-: "مَنْ كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا" وتمّ حديثه -وقال ابن يونس-: "إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا".

стр. 2628

وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. فإن قيل: ينبغي أن يكون هذا واجبًا؛ لوجود الأمر. قلت: نبّه ﵇ على عدم الوجوب بقوله: "مَنْ كان منكم مُصلِّيًا" وهو القرينة الصارفة عن الوجوب فيكون سنة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه هو أربع ركعات لا يُفصل بينهن بسلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا حنيفة ومحمدًا وأحمد في رواية وإسحاق، فإنهم قالوا: السنة بعد صلاة الجمعة أربع ركعات، ويحكى ذلك عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي، وقال القاضي عياض: قال أبو حنيفة وإسحاق: يصلي أربعًا لا يفصل بينهن بسلام. قوله: "واحتجوا في ذلك بهذا الحديث" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة ﵁. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه: ركعتان كالتطوع بعد الظهر. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مالكًا وأحمد في رواية ويحيى بن يحيى والزهري؛ فإنهم قالوا: بل التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ركعتان. ويحكى ذلك عن ابن عمر.

стр. 2629

وقال عياض: أخذ مالك برواية ابن عمر وجعله في الإِمام أشدّ، ووسَّع لغيره في الركوع في المسجد مع استحبابه أن لا يفعلوا، ووجه ذلك أن لا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا، أو يظن جاهل ممَّنْ رآه يتنفل بعدها بركعتين أنها ظهرٌ. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بشْرٍ الرَقّى، قال: ثنا حجاج بن محمَّد، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أنه كان لا يصلي الركعتين بعد الجمعة إلا في بيته". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارِمٌ، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "رأى رجلًا يصلي ركعتين بعد الجمعة فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعًا؟ قال: وكان ابن عمر يصلي الركعتين في بيته ويقول: هكذا فعل النبي ﵇". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر ﵄. وأخرجه من وجهين صحيحين: أحدهما: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقّي، عن حجاج بن محمَّد المصيصي الأعور روى له الجماعة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني روى له الجماعة، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته". وأخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وليس في حديثه: "في بيته".

стр. 2630

وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أنه وصف تطوع صلاة النبي ﵇ فقال: وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلّي ركعتين في بيته". والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم -وهو محمَّد بن الفضل السَّدُوسي البصري شيخ البخاري- عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا محمَّد بن عبيد وسليمان بن داود -المعنى- قالا: ثنا حماد بن زيد، نا أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ رأى رجلًا يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعًا؟ وكان عبد الله يصلي ركعتين يوم الجمعة في بيته ويقول: هكذا فعل رسول الله ﵇". قلت: وإنما أنكر ابن عمر على ذلك الرجل لأنه أوصل الركعتين بالجمعة من غير فصل بكلام ونحوه، ولأنه خالف فعل الرسول ﵇ في زعمه؛ لأنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته ويقول هكذا فعل رسول الله ﵇. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ستٌ، أربعٌ ثم ركعتان. ش: أي خالف الفريقن المذكررَيْن جماعة آخرون؛ وأراد بهم: عطاء ومجاهدًا وحميد بن عبد الرحمن والثوري والشافعي وأبا يوسف، فإنهم قالوا: التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ست ركعات، أربع بتسليمة، ثم ركعتان بعدها، ويحكى ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري. ص: وقالوا: قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ قال ما رواه عنه أبو هريرة أولًا، ثم فعل ما رواه عنه ابن عمر، فكان ذلك زيادة فيما تقدم من قوله، والدليل على ما ذهبوا إليه من ذلك:
следующие страницы →