← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وقد أخرجه في باب "الوتر" بقوله: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث وابن أبي ذئب، عن ابن شهاب أخبرهم، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يُصلّى فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يُسلِّم بين كل ركعتين ... " الحديث. وقد ذكرنا هناك أن مسلمًا (١) وأبا داود (٢) أخرجاه أيضًا. قوله: "وهذا الباب" أشار به إلى باب كيفية إقامة النوافل. قوله: "فبذلك نأخذ" أي بما روي عن النبي ﵇ أنه كان يسلم بين كل ركعتين من النوافل. قوله: "وهو أصح القولين عندنا في ذلك" أي هذا الذي أخذنا هو أصح القولين، وأراد بهما قول أبي حنيفة ومن تبعه، وقول أبي يوسف ومحمد، وبقولهما قال الشافعي ومالك وأحمد أيضًا كما ذكرناه، والله أعلم.

стр. 2627

ص: باب: التطوع بعد الجمعة كيف هو ؟ ش: أي هذا باب في بيان كيفية التطوع بعد صلاة الجمعة، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ كان مُصلّيًا منكم بعد الجمعة فليصلّ أربعًا". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وسفيان هو ابن عُيَيْنة، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات المدني، روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: نا جرير. ونا عمرو الناقد وأبو كريب، قالا: نا وكيع، عن سفيان، كليهما عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلّ أربعًا". وليس في حديث جرير "منكم"، وفي لفظٍ له: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا"، وفي لفظٍ آخر: "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، ونا محمَّد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكرياء، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ -قال ابن الصباح-: "مَنْ كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا" وتمّ حديثه -وقال ابن يونس-: "إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا".

стр. 2628

وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. فإن قيل: ينبغي أن يكون هذا واجبًا؛ لوجود الأمر. قلت: نبّه ﵇ على عدم الوجوب بقوله: "مَنْ كان منكم مُصلِّيًا" وهو القرينة الصارفة عن الوجوب فيكون سنة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه هو أربع ركعات لا يُفصل بينهن بسلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا حنيفة ومحمدًا وأحمد في رواية وإسحاق، فإنهم قالوا: السنة بعد صلاة الجمعة أربع ركعات، ويحكى ذلك عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي، وقال القاضي عياض: قال أبو حنيفة وإسحاق: يصلي أربعًا لا يفصل بينهن بسلام. قوله: "واحتجوا في ذلك بهذا الحديث" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة ﵁. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه: ركعتان كالتطوع بعد الظهر. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مالكًا وأحمد في رواية ويحيى بن يحيى والزهري؛ فإنهم قالوا: بل التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ركعتان. ويحكى ذلك عن ابن عمر.

стр. 2629

وقال عياض: أخذ مالك برواية ابن عمر وجعله في الإِمام أشدّ، ووسَّع لغيره في الركوع في المسجد مع استحبابه أن لا يفعلوا، ووجه ذلك أن لا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا، أو يظن جاهل ممَّنْ رآه يتنفل بعدها بركعتين أنها ظهرٌ. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بشْرٍ الرَقّى، قال: ثنا حجاج بن محمَّد، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أنه كان لا يصلي الركعتين بعد الجمعة إلا في بيته". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارِمٌ، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "رأى رجلًا يصلي ركعتين بعد الجمعة فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعًا؟ قال: وكان ابن عمر يصلي الركعتين في بيته ويقول: هكذا فعل النبي ﵇". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر ﵄. وأخرجه من وجهين صحيحين: أحدهما: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقّي، عن حجاج بن محمَّد المصيصي الأعور روى له الجماعة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني روى له الجماعة، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته". وأخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وليس في حديثه: "في بيته".

стр. 2630

وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أنه وصف تطوع صلاة النبي ﵇ فقال: وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلّي ركعتين في بيته". والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم -وهو محمَّد بن الفضل السَّدُوسي البصري شيخ البخاري- عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا محمَّد بن عبيد وسليمان بن داود -المعنى- قالا: ثنا حماد بن زيد، نا أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ رأى رجلًا يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعًا؟ وكان عبد الله يصلي ركعتين يوم الجمعة في بيته ويقول: هكذا فعل رسول الله ﵇". قلت: وإنما أنكر ابن عمر على ذلك الرجل لأنه أوصل الركعتين بالجمعة من غير فصل بكلام ونحوه، ولأنه خالف فعل الرسول ﵇ في زعمه؛ لأنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته ويقول هكذا فعل رسول الله ﵇. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ستٌ، أربعٌ ثم ركعتان. ش: أي خالف الفريقن المذكررَيْن جماعة آخرون؛ وأراد بهم: عطاء ومجاهدًا وحميد بن عبد الرحمن والثوري والشافعي وأبا يوسف، فإنهم قالوا: التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ست ركعات، أربع بتسليمة، ثم ركعتان بعدها، ويحكى ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري. ص: وقالوا: قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ قال ما رواه عنه أبو هريرة أولًا، ثم فعل ما رواه عنه ابن عمر، فكان ذلك زيادة فيما تقدم من قوله، والدليل على ما ذهبوا إليه من ذلك:

стр. 2631

أن سليمان بن شعيب حدثنا، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عطاء -قال أبو إسحاق: حدثني غير مرة- قال: "صليت مع ابن عمر يوم الجمعة، فلما سلم قام فصلّى ركعتين، ثم قام فصلى أربع ركعات، ثم انصرف". فهذا ابن عمر ﵄ قد كان يتطوع بعد الجمعة بركعتين، ثم أربع، فيحتمل أن يكون فعل ذلك لما كان قد ثبت عنده من قول النبي ﵇ في ذلك وفعله، على ما ذكرناه. ش: أي قال هؤلاء الآخرون، وهذه إشارة إلى الجواب عن حديث أبي هريرة والتوفيق بين الأحاديث، بيانه: أن حديث ابن عمر ﵄ يَحْتملُ أن يكون متأخرًا عن حديث أبي هريرة، مشتملًا عليه وعلى زيادة؛ فيجب قبولها والعمل بها. والدليل على هذا التوفيق: ما قاله عطاء بن أبي رباح أنه قال: "صليت مع ابن عمر يوم الجمعة، فلما سلم قام، فصلى ركعتين، ثم قام فصل أربع ركعات، ثم انصرف" ففعله هذا يدلُّ على أنه قد ثبت عنده ذلك من قول النبي ﵇ وفعله. ثم إنه أخرج حديث عطاء هذا عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن ابن زياد الثقفي الرصاصي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عطاء. وهؤلاء كلهم ثقات. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عطاء قال: "كان ابن عمر ﵄ إذا صلَّى الجمعة صلَّى بعدها ست ركعات، ركعتين ثم أربعًا". ص: وقد روي عن علي ﵁ مثل ذلك: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ أنه قال: "مَنْ كان مصليًا بعد الجمعة فليصل ستًّا".

стр. 2632

حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "علّم ابن مسعود الناس أن يُصلُّوا بعد يوم الجمعة أربعًا، فلما جاء عليٌّ ﵁ علمهم أن يُصلُّوا ستًّا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: "قدم علينا عبد الله، فكان يُصلّي بعد الجمعة أربعًا، فقدم بعده عليٌّ ﵁ فكان إذا صلّى الجمعة صلى بعدها ركعتين وأربعًا، فأعجبنا علي ﵁ فاخترناه". ش: أي قد روي عن علي بن أبي طالب مثل ما روي عن عبد الله بن عمر من فعل التطوع بعد الجمعة بستّ ركعاتٍ. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي حَصِين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، واسمه عثمان بن عاصم الكوفي، روى له الجماعة، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلمي الكوفي القاري ولأبيه صحبة، روى له الجماعة. وأخرج عبد الرزاق (١) من حديث أبي إسحاق أنه قال: "كان علي ﵁ يصلي بعد الجمعة ست ركعات" قال: وبه نأخذ. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن حبيب قال: "كان عبد الله يصلي أربعًا، فلما قدم عليٌّ ﵁ صلّى ستًّا، ركعتي وأربعًا".

стр. 2633

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيمُ، قال: أنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "قدم علينا ابن مسعود ﵁ فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعًا، فلما قدم عليٌّ ﵁ أمرَنا أن نصلّي ستًّا، فأخذنا بقول عليّ ﵁ وتركنا قول عبد الله، قال: كنَّا نصلي ركعتين ثم أربعًا". ص: وثبت بما ذكرنا أن التطوع الذي لا ينبغي تركه بعد الجمعة ستٌّ، وهو قول أبي يوسف إلا أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يُبدأ بالأربع ثم يُثنَّى بالركعتين؛ لأنه هو أبْعد من أن يكون قد صلّى بعد الجمعة مثلها على ما قد نُهِيَ عنه، فإنه قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن سليمان بن مُسهِر، عن خَرشة بن الحر "أن عمر ﵁ كان يكره أن يُصلّى بعد صلاة مثلها". قال أبو جعفر: فلذلك استحبّ أبو يوسف ﵀ أن يُقدِّم الأربع قبل الركعتين؛ لأنهن لسْن مثل الركعتين، وكره أن تُقدَّم الركعتان لأنهما مثل الجمعة. وأما أبو حنيفة ﵁ فكان يذهب في ذلك إلي القول الذي بدأنا بذكره في أول هذا الباب، والله أعلم. ش: أي وثبت بما ذكرنا من الآثار المذكورة أن المستحب أن يصلي بعد صلاة الجمعة ستّ ركعات، وهو قول أبي يوسف والشافعي والثوري وآخرين -الذين ذكرناهم فيما قبل- إلا أن أبا يوسف قال: أحب إليَّ ... إلى آخره. ثم إسناد الأثر المذكور صحيح، أخرجه عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري روى له الجماعة، عن سفيان

стр. 2634

الثوري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن سليمان بن مُسْهِر الفزاري الكوفي روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن خَرَشَة -بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة والشين المعجمة- ابن حُرّ الفزاري، وكان يتيمًا في حجر عمر بن الخطاب ﵁ ويقال: له صحبة، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشة قال: "كان عمر ﵁ يكره أن يُصلَّى خلف صلاة مثلها". ونا هشيم (٢)، عن الأعمش، عن سليمان بن مُسْهِر، عن خرشة بن الحر، عن عمر ﵁: "أنه كره أن يُصلّى بعد المكتوبة مثلها" انتهى. وذلك أنه إذا تنفل بعد الفرض مثله لا يتميز الفرض من النفل، وللفرض مزية كبيرة على النفل، والله تعالى أعلم.

стр. 2635

ص: باب: الرجل يفتتح الصلاة قاعدًا هل يجوز له أن يركع قائمًا ؟ ش: أي هذا باب في بيان من شرع في الصلاة قاعدًا هل يجوز له أن يركع حال كونه قائمًا؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفى. ص: حدثنا سليمان بن شُعَيْب، قال: ثنا الخَصِيب بن ناصح، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يُكبِّر للصلاة قائمًا وقاعدًا، فإذا صلى قائمًا يركع قائمًا، وإذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسّان، عن محمَّد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ أنه سألها عن ذلك فحدثته عن النبي ﵇ مثله سواء. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، قال: ثنا أبو هلال، عن محمَّد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن بكُير، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا بُدَيل بن مَيْسرة، عن ابن شقيق، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن بُدَيْل ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمّل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة ... " فذكر مثله. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل المنقري، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن بُدَيل بن مَيْسرة وحميد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 2636

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا المَسْعوديّ، عن يونس بن عُبَيْد، عن عبد الله بن مغفل، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه ثمان طرق صحاح: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيْساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي نزيل مصر، عن يزيد بن إبراهيم التُّسْتري أبي سعيد البصري، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق العُقَيلي -بضم العين- أبي عبد الرحمن البصري، عن عائشة أم المؤمنين- ﵂. وأخرجه النسائي (١): أنا عَبْدة بن عبد الرحيم، قال: أنا وكيع، قال: حدثني يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي قائمًا وقاعدًا، وإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا وإذا افتتح قاعدًا ركع قاعدًا". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا أبو معاوية، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبد الله بن شقيق قال: "سألنا عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﵇، فقالت: كان رسول الله ﵇ يُكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن عبد الله بن أبي بكر واسمه السَّكَنُ بن الفضل الأَزْدي العَتكي -بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق- نسبة إلى عَتِيك أب حَيٍّ من العرب، وهو عتيك بن أسد بن عمران بن عَمْروُ مزيقياء ابن ماء السماء.

стр. 2637

وهو يروي عن أبي هلال محمَّد بن سليم الراسِبي، عن محمَّد بن سيرين ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا الحسن بن موسى، نا أبو هلال، عن محمَّد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ أم المؤمنين قالت: "كان رسول الله ﵇ يكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا، فإذا صلى قائمًا ركع قائمًا وإذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا". الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن بُكَير القرشي المصري، عن حماد بن زيد، عن بُدَيْل بن ميسرة العقيلي البصري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي. وأخرجه مسلم (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا حماد، عن بديل وأيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يُصلّي ليلًا طويلًا، وإذا صلّى قائمًا يركع قائمًا وإذا صلّى قاعدًا ركع قاعدًا". وأخرجه أبو داود (٣): عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن بديل وأيوب يحدثان عن عبد الله بن شقيق ... إلى آخره نحوه. الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن محمد بن سنان الباهلي شيخ البخاري ومسلم، عن إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة. وأخرجه أحمد (٤) أيضًا من حديث بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا".

стр. 2638

السادس: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة. وأخرجه أحمد (١): عن إسماعيل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﵇، قالت: كان يُصلي أربعًا قبل الظهر وثنتين بعدها، وثنتين قبل العصر، وثنتين بعد المغرب، وثنتين بعد العشاء، ثم يُصلّي من الليل تسعًا. -قلت: أقائمًا أم قاعدًا؟ قالت: يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا. قلت: كيف يصنع إذا كان قاعدًا؟ قالت: إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا- وركعتين قبل الصبح". السابع: عن أحمد بن داود المكي، عن موسى بن إسماعيل المِنقري البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن بُدَيل بن ميسرة وحميد الطويل ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن حميد الطويل، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﵇ بالليل فقالت: كان يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا". الثامن: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المَسعْودي الكوفي، عن يونس بن عبيد ابن دينار البصري، عن عبد الله بن مَعْقِل بن مُقرن المزني الكوفي، عن عائشة ﵂. ص: فذهب قوم إلى كراهة الركوع قائمًا لمن افتتح الصلاة قاعدًا، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.

стр. 2639

ش: أراد بالقوم هؤلاء: محهمد بن سيرين وأشهب من المالكية وبعض الظاهرية؛ فإنهم ذهبوا إلى كراهة الركوع قائمًا لمن شرع في الصلاة قائمًا، واحتجوا في ذلك بظاهر هذا الحديث. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا به بأسًا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم: الحسن البصري والثوري والنخعي وأبا حنيفة وأصحابه والشافعي ومالكًا وأحمد فإنهم لم يروا به -أي بما ذكر من الصورة- بأسًا. ثم اعلم أن الصلاة قاعدًا من غير عذر في الفرض لا تجوز إجماعًا وفي النفل تجوز إجماعًا؛ لأن باب النفل أوسع؛ لأنه جاء عنه ﵇ أنه كان يصلي في شيخته قاعدًا وإذا شرع في النفل قائمًا ثم أراد التخفيف على نفسه بالجلوس. فقال القاضي عياض: مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وعامة العلماء جواز تمام صلاته جالسًا، وكره ذلك محمد بن الحسن وأبو يوسف في آخرين، واختلف كبراء أصحاب مالك إذا نَوَى القيام فيها كلها هل له أن يجلس؟ فأجازه ابن القاسم، ومنعه أشهب، ثم اختلف في صفة جلوسه في حال القيام والركوع، فقيل: متربعًا، وهو قول مالك والثوري والليث وأحمد وإسحاق واحد قولي الشافعي ووافق أبو يوسف إلا أنه قال: يثني رجليه عند الركوع كالتشهد. وقيل: جلوسه كله كهيئة جلوسه في التشهد. قاله ابن المنكدر، وهو قول ابن أبي حازم ومحمد بن عبد الحكم وأحد قولي الشافعي وربيعة. وقال ابن قدامة في "المغني" (١): لا نعلم خلافًا في إباحة التطوع جالسًا وأنه في القيام أفضل ويكون في حال القيام متربعًا ويثني رجليه في الركوع والسجود، روي ذلك عن ابن عمر وأنس وابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير ومالك والثوري والشافعي وإسحاق، وعن أبي حنيفة كقولنا، وعنه: يجلس كيف شاء، وروي عن

стр. 2640

ابن المسيب وعروة وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز وعطاء الخراساني أنهم كانوا يحتبون في التطوع، واختلف فيه عن عطاء والنخعي، ثم قال: وهو مخيرّ في الركع والسجود، إن شاء من قيام، وإن شاء مِن قعود، ثم روى الحديث المذكور والحديث الذي يأتي، ثم قال: قال أحمد وإسحاق: العمل على كلا الحديثين. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها أخبرته: "أنها لم تر النبي ﵇ يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسنَّ، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد الركوع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آيةً ثم ركع". حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هشام، قال: حدثني أبي، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود وأبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ عن النبي ﵇ مثله. ففي هذا الحديث غير ما في حديث عبد الله بن شقيق؛ لأن في هذا أنه كان يركع قائمًا بعد ما افتتح الصلاة قاعدًا، وهذا أولى من الحديث الأول الذي رواه ابن شقيق؛ لأن صبره على الركوع حتى يركع قاعدًا لا يدل ذلك على أنه ليس له أن يقوم فيركع قائمًا بعد ما افتتح قاعدًا، فلهذا جعلنا هذا الحديث أولى مما قبله، وهو قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه حديث عروة، عن عائشة، فإنه ذكر في حديثه عن عائشة خلاف ما ذكره عبد الله بن شقيق عنها، ولكن

стр. 2641

الحديثين صحيحان، ولكن الطحاوي رجَّح الحديث الثاني على الأول في حق العمل بالوجه الذي ذكره. وقال أحمد ﵀: الحديثان صحيحان والعمل عليهما. وكذا قال إسحاق بن راهويه. ثم إنه أخرج هذا الحديث من أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن هشام ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا زهير، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "ما رأيت رسول الله ﵇ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا قط حتى دخل في السنّ، فكان يجلس فيقرأ، حتى إذا بقي أربعين أو ثلاثين آية قام فقرأها ثم سجد". الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣): حدثني زهير بن حرب، قال: نا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة قالت: "ما رأيت رسول الله ﵇ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا حتى إذا كبر قرأ جالسًا، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع".

стр. 2642

الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود، وأبي النضر -بالضاد المعجمة- مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن عبد الله بن يزيد وأبي النضر مولى عُمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالسٌ، فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فإذا قضى صلاته نظر فإن كنت يَقْظى تحدث معي وإن كنت نائمة اضطجع". وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك إلى قوله: "مثل ذلك". وأخرجه أبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك نحو مسلم، فافهم.

стр. 2643

ص: باب: التطوع في المساجد ش: أي هذا باب في بيان حكم التطوع في المساجد، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو المطرف بن أبي الوزير، قال: ثنا محمَّد بن موسى، عن سعد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما فرغ رأى الناس يُسبِّحون، فقال: يا أيها الناس، إنما هذه الصلاة في البيوت". ش: رجاله ثقات، وأبو بكرة بكار، وأبو المطرف محمَّد بن عمر بن مطرف القرشي الهاشمي البصري، ومحمد بن موسى بن أبي عبد الله الفِطْري -بالفاء المكسورة- روى له الجماعة إلا البخاري، وسعد بن إسحاق روى له الأربعة، وأبوه إسحاق بن كعب وثقه ابن حبان، وجدّه كعب بن عُجْرة الصحابي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو بكر بن أبي الأسود، حدثني أبو مطرف محمَّد بن أبي الوزير، نا محمَّد بن موسى الفطري، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ أتى مسجد بني عبد الأشهل فصلّى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يُسبِّحون بعدها، فقال: هذه صلاة البيوت". وأخرجه الترمذي (٢)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح ما روي عن ابن عمر قال: "كان النبي ﵇ يصلّي الركعتين بعد المغرب في بيته". وأخرجه ابن ماجه (٣) أيضًا. قوله: "عبد الأشهل" بالشين المعجمة بطن من الأنصار.

стр. 2644

قوله: "يُسبِّحون" أي يتنفلون، وأراد بها سنة المغرب، وإنما قال: "إنما هذه الصلاة في البيوت" لأنها أبعد من الرياء، ولئلا تخلى البيوت عن ذكر الله تعالى. ص: حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وَهْب، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حَرَام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سَعْد قال: "سألت النبي ﵇ عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد فقال: قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد؛ فلأن أصلي في بَيْتي أحبُّ إليّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاةً مكتوبةً". ش: رجاله ثقات، وحرام -بفتح الحاء والراء المهملتين- ضد حلال، بن حكيم بن خالد بن سعد بن حكيم الأنصاري روى له الأربعة، ووثقه العجلي. وعبد الله بن سعد الأنصاري الحَرَامِي عدادُه في الصحابة، سكن دمشق. وأخرجه الطبراني بأتمّ منه: ثنا بكر بن سهل، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سَعْد قال: "سألت رسول الله ﵇ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في بيتي، والصلاة في المسجد، وعن مؤاكلة الحائض، فقال رسول الله ﵇: إن الله لا يستحيي من الحق -وعائشة إلى جَنْبه- أما أنا فإذا كان مني وطء، قمت فتوضأت ثم اغتسلت، فأما الماء يكون بعد الماء فذاك المَذْي وكل فحل يُمْذِي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة، وأما الصلاة في المسجد والصلاة في بيتي فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد؛ فلأن أصلي في بيتي أحبَّ إليّ من أن أصلّي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة، وأما مؤاكلة الحائض فواكلها". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن التطوع لا ينبغي أن يُفْعل في المساجد إلا الذي لا ينبغي تركه مثل الركعتين بعد الظهر والركعتين بعد المغرب، والركعتين عند دخول المسجد، وأما ما سوى ذلك فلا ينبغي أن يُصَلّى في المساجد ولكن يُؤَخر ذلك إلى البيوت.

стр. 2645

ش: أراد بالقوم هؤلاء: السائب بن يزيد والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وإبراهيم النخعي وعُبَيْدة؛ فإنهم قالوا: لا ينبغي أن يفعل التطوع في المساجد إلا تحية المسجد وركعتا الظهر والمغرب. وقال عياض: وذهب بعضهم إلى ترك التنفل بعد الفرائض في المسجد جملةً، وإليه ذهب النخعي وعبيدة؛ لئلا تخلى بيوتهم من الصلاة، ولئلا يختلط أمرها على الجُهّال فيَعدُّونها من الفرائض، وذهب بعضهم إلى كونها في المسجد أجمع، وذهب مالك والثوري إلى كونها في النهار في المسجد وبالليل في البيوت. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: التطوع في المساجد حسنٌ غيرأن التطوع في المنازل أفضل منه. ش: أي خالف القومَ المذكورين في الحكم المذكور جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وآخرين من العلماء، فإنهم قالوا: التطوع في المساجد حسن لكونها بنيت لأجل إقامة الصلوات، ولكنها في البيوت والمنازل أحسن وأفضل لكونها أبعد من الرياء، ولئلا تُخلى المنازل عن بركتها وعن نزول الملائكة فيها. وقال ابن قدامة: الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء وهو من عمل السر وفعله في المسجد علانية والسر أفضل. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: قال لي العباس: "بِت الليلة بآل النبي ﵇، قال: فصلى النبي ﵇ العشاء، ثم صلى بعدها حتى لم يبق في المسجد غيره". فهذا رسول الله ﵇ قد كان يتطوع في المسجد هذا التطوع الطويل، فذلك عندنا حسن، إلا أن التطوع في البيوت أفضل منه لقوله: "خيرُ صلاة المرء في بيْته إلا المكتوبة".

стр. 2646

وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس. أخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي روى له الجماعة، عن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبِيعي الكوفي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن المنهال بن عمرو الأسدي الكوفي روى له الجماعة سوى مسلم، عن علي بن عبد الله بن عباس روى له الجماعة البخاري في "الأدب". وأخرجه الطبراني في "الكبير" بهذا الإسناد، وقد ذكرناه في باب الوتر؛ لأن الطحاوي أخرج هناك طرفًا منه. قوله: "لقوله ﵇: خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" هذا حديث صحيح قد أخرجه معلقًا ها هنا. وأخرجه الترمذي (١): عن زيد بن ثابت، عن النبي ﵇ قال: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة". وأخرجه أبو داود (٢): عن زيد بن ثابت أن النبي ﵇ قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي إلا المكتوبة". وأخرجه الجماعة (٣): عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﵇: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا".

стр. 2647

وأخرج الطبراني: من حديث عبد الرحمن بن سابط، عن أبيه يَرْفَعه: "نَوِّروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن ولا تتخذوها قبورًا كما اتخذها اليهود والنصارى". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بسند جيد: عن زيد بن خالد الجهني يرفعه: "صلّوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا".

стр. 2648

ص: باب: التطوع بعد الوتر ش: أي هذا باب في بيان حكم التطوع بعد الوتر، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدُ، قال: ثنا أسباط، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﵇ يوتر أول الليل وفي وسطه وفي آخره، ثم ثبت له الوتر في آخره". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر وعفان، قالا: ثنا شعبة، قال: أبو إسحاق أنبأني غير مرة، قال: سمعت عاصم بن ضمرة يحدث، عن علي ﵁ عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ربيعٌ الجيزي، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا إسرائيل. وقال مرةً أخرى: أخبرنا أبو إسرائيل، عن السُّدِّيِّ، عن عبد خير قال: "خرج علينا عليّ ﵁ ونحن في المسجد فقال: أين السائل عن الوتر؟ فانتهينا إليه، فقال: إن رسول الله ﵇ كان يوتر أول الليل، ثم بدا له فأوتر وَسْطَه، ثم ثبت له الوتر في هذه الساعة. قال: وذاك عند طلوع الفجر". قال أبو جعفر ﵀: وهذا عندنا على قرب طلوع الفجر قبل أن يطلع الفجر؛ حتى يَسْتوى معنى هذا الحديث ومعنى حديث عاصم بن ضمرة. ش: هذه أربعة أسانيد: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أسد بن موسى الثقة، عن أسباط بن محمَّد القرشي الكوفي روى له الجماعة، عن مطرف بن طريف الحارثي الكوفي روى له الجماعة، عن أبي إسحاق

стр. 2649

عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي روى له الأربعة، ووثقه العجلي وابن المديني. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن فضيل، نا مطرف، عن أبي إسحاق ... إلى آخره نحوه. قوله: "يوتر في أول الليل" أراد به بعد صلاة العشاء الآخرة، وقد علم بذلك أن وقت الوتر ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، ففِعْلُه ﵇ أول الليل وأوسطه؛ بيان للجواز، وتأخيرُه إلى آخر الليل؛ تنبيه على الأفضل لمن يثق بالانتباه، وكان بعض السلف يوترون أول الليل، منهم: أبو بكر وعثمان وأبو هريرة ورافع بن خديج. وبعضهم يوترون آخر الليل، منهم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وغيرهم من التابعين. وأما أمره ﵇ لأبي هريرة قبل النوم بالوتر فهو اختيار منه له حين خشي أن يستولي عليه النوم، فأمره بالأخذ بالثقة. والترغيب في الوتر في آخر الليل هو لمن قوي عليه ولم تكن عادته أن تغلبه عيناه. قوله: "وفي وسْطه" بسكون السين، والفرق بينه وبين الوسَط بالتحريك أن الوسْط بالسكون يقال في مكان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح، وقيل: كل ما يصلح فيه "بين" فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه "بنين" فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه الأشبه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي وعفان بن مسلم كلاهما، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة ... إلى آخره.

стр. 2650

وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، وثنا محمَّد بن بشار، نا محمَّد ابن جعفر، قالا: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: "من كل الليل قد أوتر رسول الله ﵇، من أوله وأوسطه، وانتهى وتره إلى السحر". الثالث: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن يعقوب بن إسحاق بن عباد العبدي البصري، عن إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁. وهذا أيضًا إسناد صحيح. الرابع: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار الكوفي شيخ البخاري وأحمد، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي أبي محمَّد الكوفي الأعور روى له الجماعة إلا البخاري، كان يقعد في سُدَّة باب الجامع بالكوفة فسُمِّي السُّدّي. وهو يروي عن عبد خير بن يزيد أي عمارة الكوفي روى له الأربعة، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا غسّان بن الربيع، نا أبو إسرائيل، عن السدي، عن عبد خير قال: "خرج علينا علي بن أبي طالب ﵁ ونحن في المسجد، فقال: أين السائل عن الوتر؟ فمن كان منا في ركعة شفع إليها أخرى حتى اجتمعنا إليه، فقال: إن رسول الله ﵇ كان يوتر في أول الليل ثم أوتر في وسطه، ثم أثبت الوتر في هذه الساعة. قال: وذلك عند طلوع الفجر".

стр. 2651

قوله: "وقال مرة أخرى: أبو إسرائيل" أي قال عبيد الله بن موسى مرة: أخبرنا إسرائيل، ومرة أخرى قال: أبو إسرائيل. وكذا وقع في رواية أحمد كما ذكرنا، وأبو إسرائيل اسمه إسماعيل بن أبي إسحاق وهو إسماعيل بن خليفة العَبْسي، قال أبو زرعة: يُعدّ في الكوفيين، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: أبو إسرائيل يكتب حديثه، وعن يحيى: صالح. وعن أبي زرعة: صدوق كوفي إلا أنه كان في رأيه غلو. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه ويكتب حديثه وهو سيء الحفظ. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الوقت الذي ينبغي أن يُجعل فيه الوتر هو السحر، وأنه لا يتطوع بعده، وأن من تطوع بعده فقد نقضه وعليه أن يعيد وترًا آخر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمرو بن ميمون ومكحولًا وإسحاق؛ فإنهم قالوا: وقت الوتر الذي ينبغي أن يفعل فيه هو وقت السحر ولا يتطوع بعده، فلو تطوع بعده فقد نقض وتره وعليه أن يعيد وترًا آخر، ويحكى ذلك عن علي، وأسامة، وأبي هريرة، وعمر، وعثمان، وسعد، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود ﵃. وحاصل ما ذهبوا إليه: أن من أوتر أول الليل، ثم قام للتهجد ينبغي له أن يصلي ركعةً يشفع الوتر الأول، ثم يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر في آخر التهجد. ص: واحتجوا في ذلك بتأخير النبي ﵇ الوتر إلى آخر الليل، ربما روي عن جماعة من أصحابه ﵇ من بعده أنهم كانوا يَروْن أن كل مَنْ تطوع بعد وتره فقد نقضه. وذكروا في ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، أن عثمان ﵁ قال: "إني أوتر أول الليل، فإذا قمت من أخر الليل صليت ركعةً فما شبهتها إلا بقلوص أضمها إلى الإبل".

стр. 2652

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وَهْب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر ﵁ كان يفعل ذلك". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن حِطّان بن عبد الله، قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: "الوتر على ثلاثة أنواع: رجل أوتر أول الليل، ثم استيقظ فصلى ركعتين، ورجل أوتر أول الليل ثم استيقظ فوصل إلى وتره ركعةً، فصلى ركعتين ركعتين ثم أوتر، ورجل أَخَّرَ وتره إلى آخر الليل". حدثنا محمَّد بن بحر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام، عن قتادة ومالك بن دينار، عن خلاس قال: "كنت جالسًا عند عمار ﵁، فأتاه رجل فقال له: كيف توتر؟ قال: أترضى بما أصنع؟ قال: نعم. قال: أحسب قتادة قال في حديثه-: فإني أوتر بليلٍ خمس ركعاتٍ ثم أرقد، فإذا قمتُ من الليل شفعتُ". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن زيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عمر ﵄ قال: "من أوتر فبدا له أن يُصلّى، فليشفع إليها بأخرى حتى يوتر بَعْدُ". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن مسروق، قال: قال ابن عمر: "شيء أفعله برأي لا أرويه ... " ثم ذكر نحوًا من ذلك. قال مسروق: وكان أصحاب ابن مسعود ﵁ يَتَعجّبُون من صنيع ابن عمر ﵄.

стр. 2653

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة: "أن رجلًا استفتاه عن رجل أوتر أول الليل ثم نام، ثم قام، كيف يصنع؟ قال: يُتمَّها عشرًا". وقد روي عن أبي هريرة خلاف هذا القول وسنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. ش: أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بتأخير النبي ﵇ وتره إلى آخر الليل، واحتجوا أيضًا بما روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يرون أن كل من صلى تطوعًا بعد أن صلى وتره فقد نقض وتره، وممن روي ذلك عنهم: عثمان بن عفان وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة ﵃. أما أثر عثمان فأخرجه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير بن سُوَيْد الكوفي المعروف بالقبطي روى له الجماعة، عن موسى بن طلحة بن عبيد الله التَيمي المدني نزيل كوفة روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان وشعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن عثمان ﵁: "أنه كان يشفع بركعة ويقول: ما أشبهها إلا بالغربية من الإبل". قوله: "إلا بقَلُوص" بفتح القاف وهي الناقة الشابة. والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة ... إلى آخره. وأما أثر أبي بكر ﵁ فأخرجه بإسناد حسن جيد، عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن

стр. 2654

عمران بن بشير بن محرر وثقه ابن حبان، عن أبيه بشير بن محرر -براء مهملة مكررة- روى له أبو داود عن سعيد بن المسيب: "أن أبا بكر ﵁ كان يفعل ذلك" وأشار به إلى ما روي عن عثمان ﵁. وأخرجه البيهقي (١) بأتمّ منه: من حديث سعيد بن المسيب قال: "كان ابن عمر ﵄ يوتر أول الليل، فإذا قام، نقض وتره ثم صلى، ثم أوتر آخر صلاته -أو آخر الليل- وكان عمر ﵁ يوتر آخر الليل، وكان خيرًا مني ومنهما أبو بكر ﵁ يوتر أول الليل ويشفع آخره". وأما أثر علي ﵁ فأخرجه بإسناد جيد أيضًا: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي هارون إبراهيم بن العلاء الغَنَوي البصري ونسبته إلى غني بن يعصر -قبيلة- عن حِطان -بكسر الحاء- بن عبد الله، روى له البخاري وأبو داود والنسائي. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث شعبة، عن أبي هارون الغنوي، سمعتُ حطان، سمع عليًّا يقول: "الوتر ثلاثة أنواع ... " إلى آخره. وأما أثر عمار ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن بحر بن مطر البغدادي، عن يزيد بن هارون، عن همام بن يحيى، عن قتادة ومالك بن دينار البصري الزاهد المشهور الثقة الكبير، روى له البخاري مستشهدًا والأربعة كلاهما، عن خِلاس -بكسر الخاء المعجمة- بن عمرو الهجري روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو الهجري، عن عمار قال: "أما أنا فأوتر، فإذا قمتُ صليت مثنى مثنى وتركت وتري الأول كما هو".

стр. 2655

وأما أثر عبد الله بن عمر ﵄ فأخرجه من طريقين بإسناد صحيح أيضًا. الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن زيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان كلاهما، عن ابن عمر. وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن هشيم، عن حصين، عن الشعبي، عن ابن عمر. والثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زهير ابن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، عن مسروق بن الأجدع. وأخرجه الطيالسي في "مسنده". وأما أثر أبي هريرة: فأخرجه عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود أيضًا، عن حرب بن شداد اليشكري، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي الحارث الغفاري، ذكره أبو أحمد فيمن لم يقف على اسمه، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه وعن اسمه. وأخرجه الطيالسي في "مسنده": عن حرب بن شداد اليشكري ... إلى آخره نحوه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالتطوع بعد الوتر، ولا يكون ذلك ناقضًا للوتر. شْ: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: طاوسًا وعلقمة وأبا مجلز والنخعي والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وعبد الله بن المبارك والشافعي ومالكًا وأحمد وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالتطوع بعد الوتر ولا يكون ذلك

стр. 2656

ناقضًا للوتر، ويروى ذلك عن أبي بكر الصديق وعمار وسعد بن أبي وقاص وعائذ بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وعائشة ﵃. وقال ابن حزم في "المحلى": والوتر آخر الليل أفضل، ومن أوتر أوله فحسَنٌ، والصلاة بعد الوتر جائزة ولا يعيد وترًا آخر ولا يشفع بركعة. ص: وروَوْا عن النبي ﵇ في ذلك ما حدثنا فهدٌ، قال: ثنا يحيى بن عبد الله البَابُلْتي، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ ركع ركعتين بعد الوتر فقرأ فيهما وهو جالسٌ، فلما أراد أن يركع قام فركع". وقد ذكرنا مثل ذلك أيضًا عن عائشة في باب الوتر في حديث سعد بن هشام. ش: أي: روى هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه عن النبي ﵇ حديث عائشة ﵂. أخرجه عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الله بن الضحاك بن بَابُلْت البَابُلْتي أبي سعيد الحراني ابن امرأة الأوزاعي، فيه مقال، فعن يحيى بن معين: أنه لم يسمع والله من الأوزاعي شيئًا. وقال ابن عدي: وليحيى البابلْتي عن الأوزاعي أحاديث صالحة (١). وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء معضلات يَهِم فيها فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به. قلت: استشهد به البخاري في كتاب الحج في باب نزول النبي ﵇ بمكة. وهو يروي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن مثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، نا هشام، عن

стр. 2657

يحيى، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﵇ فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعةً، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح". وأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) أيضًا. ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه دلالة على إباحة التطوع بعد الوتر، وهو حجة على من منع ذلك. الثاني: احتج به الأوزاعي، وأباح ركعتين بعد الوتر جالسًا، وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنع مَنْ فعله. وأنكره مالك. قلت: الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما ﵇ بعد الوتر جالسًا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر وبيان جواز النفل جالسًا، ولم يُواظب على ذلك، بل فعله مرةً أو مرتين أو مرات قليلة، ولا يغترّ بقول عائشة ﵂: "كان يصلي" فإن المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين: أن "كان" لا يلزم منها الدوام والتكرار، وإنما هي فعل ماض يدل على وقوعه مرةً، فإن دلّ دليل على التكرار عُمل به وإلا فلا يقتضيه بوضعها، كذا قالوا، وفيه نظر، وقد مرّ تحقيق هذا في باب الوتر فليعاود إليه. الثالث: فيه بيان جواز النفل كما ذكرناه، والله أعلم. ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا عمارة بن زاذان، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﵇ كان يَقرأ في الركعتين بعد الوتر بالرحمن والواقعة".

стр. 2658

ش: أبو غسان مالك بن إسماعيل النَّهْدي شيخ البخاري، وعمارة بن زاذان الصيدلاني أبو سلمة البصري فيه مقال، فقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال الدارقطني: ضعيف. ووثقه ابن حبان، وأحمد في رواية، وعن يحيى: صالح. وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. وأخرجه البيهقي (١): من حديث محمَّد بن بزيع، عن إسحاق الأزرق، نا عمارة بن زاذان، نا ثابت البناني، عن أنس: "كان رسول الله ﵇ يوتر بتسع ركعات، فلما أسنّ وثقل أوتر بسبع، ويصلّي ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما الرحمن والواقعة. قال أنس: ونحن نقرأ بالسور القصار: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ (٢) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٣) ونحوها". وقال مرة: "نقرأ فيهن". وقال: تفرد به عمارة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: ثنا عبد الوارث، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: "أن النبي ﵇ كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ". ش: عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله الطفاوي أبو بكر البصري شيخ البخاري وأبي داود، وعبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة البصري روى له الجماعة، وأبو غالب البصري اختلف في اسمه، فقيل: حَزوّر، وقيل: سعيد بن حزور، وقيل: نافع، وقال الترمذي في بعض حديثه: هذا حسن، وفي بعضه: هذا حديث صحيح. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ثقة. وروى له الأربعة. وأبو أمامة الباهلي اسمه صُدَي بن عجلان.

стр. 2659

وأخرجه البيهقي (١) بأتمّ منه من حديث أبي غالب، عن أبي أمامة: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر بسبع حتى إذا بدّن وكثر لحمه أوتر بثلاثٍ وصلى ركعتين وهو جالس فقرأ فيهما ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ". ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن شريح بن عُبَيْد، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفَيْر، عن أبيه، عن ثوبان مولى النبي ﵇ قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سَفرٍ فقال: إن هذا السفر جَهْدٌ وثِقل، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له". ش: عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، ومعاوية بن صالح بن حُدَير الحِمْصي قاضي الأندلس روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، وشريح بن عبيد الحضرمي أبو الصلت الشامي الحِمْصي، قال العجلي: تابعي ثقة، وروى له أبو داود وابن ماجه. وعبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي أبو حُميد الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". وأبوه جبير بن نفير الحضرمي الحمصي روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا إسماعيل بن عياش الوراق، ثنا محمَّد بن إسحاق، نا أبو صالح، أخبرني معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في السفر فقال: إن السفر جَهْد وثِقَلٌ، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له".

стр. 2660

قوله: "جَهْد" بفتح الجيم أي مشقة وتعب، ولا تستعمل في هذا المعنى إلا بالفتح، وأما الجُهد -بالضم- فهو الوِسْع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة. قوله: "وثِقَل" بكسر الثاء وفتح القاف ضد الخِفَّة، وأما الثِّقْل -بكسر الثاء وسكون القاف- فهو واحد الأثقال مثل حِمْل وأَحْمَال، ومنه قولهم: أعط ثِقْلَه أي وزنه، وأما الثَّقَل-بفتحتين- فهو متاع المسافر وحشمه، والثقلان: الإنس والجن، والثَّقلةُ -بزيادة الهاء- هي الفتور والكسل في الجسم. قوله: "فإن استيقظ" جوابه محذوف تقديره: فإن انتبه أحدكم فيها "وإلا" أي وإن لم يستيقظ كانت الركعتان له من صلاة الليل، فدل الحديث على إباحة الصلاة بعد الوتر وأنها لا تنقض وتره. ص: فهذا رسول الله ﷺ قد تطوع بعد الوتر بركعتين وهو جالس، ولم يكن ذلك ناقضًا لوتره المتقدم، فهذا أولى مما تأوّله أهل المقالة الأولى وادّعوه من معنى حديث علي ﵁ أن النبي ﵇ انتهى وتره إلى السحر مع أن ذلك أيضًا ليس فيه خلاف عندنا لهذا؛ لأنه قد يجوز أن يكون وتره ينتهي إلى السحر ثم يتطوع بعده قبل طلوع الفجر. فإن قال قائل: فيحتمل أن تكون تانك الركعتان هما ركعتا الفجر فلا يكون ذلك من صلاة الليل. قيل له: لا يجوز ذلك من جهتين: أما إحداهما: فلأن سعد بن هشام إنما سأل عائشة عن صلاة النبي ﵇ بالليل، فكان ذلك منها جوابًا لسؤاله، وإخبارًا منها إياه عن صلاته بالليل كيف كانت. والجهة الأخرى: أنه ليس لأحد أن يُصلّي ركعتي الفجر جالسًا وهو يُطيق القيام؛ لأنه بذلك تارك لقيامها، وإنما يجوز أن يُصلّي قاعدًا وهو يطيق القيام ما

стр. 2661

له أن لا يصليه البتّة ويكون له تركه، فيكون كما له تركه بكماله يكون له ترك القيام فيه، فأما ما ليس له تركه فليس له ترك القيام فيه، فثبت بذلك أن تينك الركعتين اللتين تطوع بهما النبي ﵇ بعد الوتر كانتا من صلاة الليل، وفي ذلك ما يجب به قول الذين لم يَرَوْا بالتطوع في الليل بعد الوتر باسًا ولم ينقضوا الوتر، وقد روي عن النبي ﵇ في ذلك من قوله- ما يدل على هذا أيضًا - ما قد ذكرنا عنه في حديث ثوبان ﵁. ش: نبّه بقوله: "فهذا رسول الله ﵇" على أنه ﵇ قد تطوع بعد وتره كما صرَّح به في حديث عائشة وأنس وأبي أمامة ﵃، وأنه قد دل على أن ذلك لم يكن ناقضًا لوتره المتقدم، وكذا أمره بالركعتين في حديث ثوبان يدلّ على ذلك. ثم إنه رجَّح هذا المعنى الذي احتج به أهل المقالة الثانية على المعنى الذي تأوّله أهل المقالة الأولى من قول علي ﵁ في حديثه: "ثم ثبت له الوتر في هذه الساعة. قال: وذاك عند طلوع الفجر". وقد أوّل الطحاوي هذا فيما مضى بقوله: "وهذا عندنا على قرب طلوع الفجر قبل أن يطلع الفجر"، فيكون المعنى: عند مشارفة الوقت الذي صلّي فيه على طلوع الفجر كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) أي: فإذا أشرفن على بلوغ الأجل، وإنما أوّل بهذا التأويل ليرتفع الخلاف بين حديثي علي: أحدهما: ما رواه عنه عاصم بن ضمرة: "كان النبي ﵇ يوتر أول الليل وفي وسطه وفي آخره، ثم ثبت له الوتر في آخره". والآخر: ما رواه عنه عبد خير: "كان يوتر أول الليل، ثم بدا له فأوتر وسطه، ثم ثبت له الوتر في هذه الساعة. قال: وذاك عند طلوع الفجر". قوله: "مع أن ذلك أيضًا ... " إلى، آخره، جواب آخر بطريق التسليم، يعني:

стр. 2662

سلمنا أن وتره ﵇ قد انتهى إلى السَّحَر، ولكن هذا لا يمنع عن تطوعه بعد طلوع الفجر؛ فإنه يجوز أن يكون وتره ينتهي إلى السَّحَر، ثم يتطوع بعد طلوع الفجر. قوله: "فإن قال قائل ... " إلى آخره ظاهرٌ غنيٌّ عن مزيد البيان. قوله: "تانك الركعتان" أراد بهما الركعتين اللتين صلاهما النبي ﵇ بعد وتره في حديث عائشة وهو من أسماء الإشارة في تثنية المؤنث، ويجوز فيه تخفيف النون وتشديدها فتقول: تانك وتانّك وجمعها أولئك من غير لفظ واحده، وتقول في تثنية المذكر: ذانك وذانّك بالتخفيف والتشديد، قال الله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) فقرئ بالتشديد والتخفيف، وتقول في مفرد المؤنث: تلك وتالك وتيك وتاك، ويقال أيضًا: هاتيك وهاتاك وهاتلك وهاتالك، وفي مفرد المذكر: ذلك وذاك، وكل هذه إشارات لغير الحاضر، فافهم. قوله: "فلأن سعد بن هشام إنما سأل عائشة ... " إلى آخره، قد مرَّ حديثه مستوفى في باب الوتر. قوله: "وهو يطيق القيام" جملة حالية في الموضعين. قوله: "ما له أن لا يصليه" في محل النصب على أنه مفعول لقوله: "وإنما يجوز أن يصلي قاعدًا". قوله: "البتةَ" نصب على المصدر من بتّ يبتّ، وهو مصدر معرف باللام نحو ضربت الضربَةَ. قوله: "فيكون كما له تركه" أي: كما للمصلي ترك ما له أن لا يصليه بكماله يكون له ترك القيام فيه؛ لكونه نفلًا محضًا بخلاف سنة الفجر فإنها سنة مؤكدة كادت أن تكون واجبة، فلا يجوز ترك القيام فيها عند القدرة عليه، ألا ترى أن الحسن البصري قد ذهب إلى وجوب ركعتي الفجر، وهو مذهب بعض الظاهرية أيضًا.

стр. 2663

ص: وقد حدثنا عمران بن موسى الطائي وابن أبي داود، قالا: نا أبو الوليد (ح) وحدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "لا وتران في ليلة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا ملازم بن عمرو، قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم وأبو الوليد، قالا: ثنا ملازم، عن عبد الله ابن بدر ... فذكر مثله بإسناده. ش: ذكر حديث طلق بن علي بن المنذر الحنفي السُّحَيْمي اليمامي الصحابي ﵁، لكونه حجة لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية فيما إذا تطوع بعد الوتر لا يكون ذلك نقضًا لوتره، فلا يعيد وتره؛ لأنه ﵇ قال: "لا وتران في ليلة"، يعني: لا يُصلّى وترٌ مرتين في ليلة واحدة. وأخرجه من أربع طرق: الأول: عن عمران بن موسى الطائي وإبراهيم بن أبي داود البرلّسي كلاهما، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن أيوب بن عتبة اليمامي قاضي اليمامة، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو النضر، قال: ثنا أيوب -يعني ابن عتبة- قال: ثنا قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "لا وتران في ليلة". ومعناه: أن من أوتر ثم صلى بعد ذلك لا يعيد الوتر. الثاني: عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، عن علي بن الجعد بن عبيد الجَوْهري الثقة المتقين المثبت، عن أيوب بن عتبة ... إلى آخره.

стр. 2664

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١). الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن ملازم بن عمرو بن عبد الله السُّحَيمي أبي عمرو اليمامي، عن عبد الله ابن بدر بن عميرة السُّحَيْمي اليمامي، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي، عن النبي ﵇ مثله. وأخرجه أبو داود (٢) بأتمّ منه: ثنا مسدد، ثنا ملازم بن عمرو، نا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق قال: "زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان وأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة وأوتر بنا، ثم انحدر إلى مسجده، فصلى بأصحابه حتى إذا بقيَ الوتر قدّم رجلًا فقال: أوتِرْ بأصحابك، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقولُ: لا وتران في ليلة". الرابع: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، كلاهما عن ملازم بن عمرو ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أنا هناد بن السَّرِي، عن ملازم بن عمرو، قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق قال: "زارنا أي طلق بن علي في يوم من رمضان فأمسى بنا وقام بنا تلك الليلة ... " إلى آخره نحو رواية أبي داود. فإن قيل: كيف استدل بهذا الحديث للطائفة الثانية، وفي إسناده أيوب بن عتبة وقد قال فيه يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال مسلم: ضعيف. وقال البخاري: هو عندهم ليّن. وفي إسناده أيضًا قيس بن طلق وقد ضعّفَه غير واحد؟

стр. 2665

قلت: أما أيوب فقد قال ابن عدي: يكتب حديثه، وعن يحيى: لا بأس به. وأما قيس بن طلق فقد قال العجلي: يمامي تابعي ثقة، وهكذا وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرج الترمذي (١) حديثه هذا: عن هناد، عن ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر، عنه. وقال: هذا حديث حسن غريب. والحديث الحسن يجوز الاحتجاج به، ولئن سلمنا إجماع ضعف أيوب بن عتبة، فقد أخرج الحديث من طريقين ليس فيهما أيوب، فافهم. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﵇ قال لأبي بكر ﵁: "متى توتر؟ قال: أول الليل بعد العتمة. قال: أخذتَ بالوُثْقَى، وقال لعمر ﵁: متى توتر؟ قال: آخر الليل. قال: أخذتَ بالقوة". حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: "أن أبا بكر وعمر ﵁ تذاكرا الوتر عند رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أما أنا فأصلي ثم أنام على وترٍ، فإذا استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، فقال عمر ﵁: لكني أنام على شفع ثم أوتر من آخر السَّحَر. فقال ﵇ لأبى بكر: حَذِرَ هذا، وقال لعمر: قَوِي هذا". فدل قول النبي ﵇: "لا وتران في ليلة" على ما ذكرنا من نفي إعادة الوتر، ووافق ذلك قول أبي بكر: "أما أنا فأوتر أول الليل، فإذا استيقظت صليتُ شفعًا حتى الصباح". وتركُ النبي ﵇ النكيرَ عليه دليل على أن حكم ذلك كما كان يَفعلُ، وأن الوتر لا تَنقُضُه النوافل التي يُتنفّلُ بها بعده.
следующие страницы →