معًا، بل مسح على العمامة مرةً، ومسح على الناصية في مرة أخرى. وفيه نظر؛ لأنه ليس للتفقه فيه مجال فلا بدّ من النقل على ذلك، ويمكن أن يقال أنه مسح مرتين، مرةً على الناصية، ومرةَّ عَلى العمامة، كما نقل عنه المسح في غير هذا الحديث تارة مرةً، وتارة ثلاثًا، ويدل على ذلك تكرار قوله: "فمسح بناصيته" بعد قوله: "فمسح على عمامته"، ولم يقل: فمسح على عمامته وناصيته، فافهم.
وقال ابن حزم أيضًا ما ملخصه: إن الناس اختلفوا في مسح الرأس، فقال مالك بعموم مسح الرأس في الوضوء، وقال أبو حنيفة بمسح مقدار ثلاث أصابع، وعنه ربع الرأس، وقال الثوري: يجزئ في الرأس مسح بعضه ولو شعرة واحدة، ويجزئ مسحه بأصبع، وببعض أصبع، وحد أصحاب الشافعي ما يجزئ من مسح الرأس بشعرتين، ويجزئ بأصبع وببعض أصبع، وأحب ذلك إلى الشافعي: العموم ثلاث مرات.
وقال أحمد بن حنبل: يجزئ للمرأة أن تمسح بمقدم رأسها. وقال الأوزاعي والليث: يجزئ مسح مقدم الرأس فقط، وقال داود: يجزئ من ذلك ما وقع عليه اسم مسح، وكذلك بما مسح من أصبع أو أقل أو أكثر، وأحب إليه العموم، وهذا هو الصحيح، وعن النخعي: إنْ أصاب هذا يعني مقدم رأسه، وصدغيه، وعن الشعبي: إنْ مسح جانب رأسه أجزأه، وروي أيضًا عن عطاء، وصفية بنت أبي عبيد، وعكرمة، والحسن، وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم، ثم قال: ولا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة خلاف لما روينا عن ابن عمر ﵁ أنه كان يدخل يده في الوضوء فيمسح به مسحة واحدة اليافوخ فقط، ولا حجة لمن خالفنا يعني مَن روي عنه من الصحابة وغيرهم: مسح جميع رأسه؛ لأنا لا ننكر ذلك بل نستحبه.
ثم قال: وأما تخصيص أبي حنيفة لربع الرأس، ولمقدار ثلاث أصابع ففاسد، لأنه لا دليل عليه، فإن قالوا: هو مقدار الناصية قلنا لهم: ومن أين لكم بأن هذا هو مقدار الناصية والأصابع تختلف، وتحديد ربع الرأس يحتاج إلى تكسير ومساحة، وهذا باطل.
стр. 282
قلت: قوله: لأنه لا دليل عليه باطل؛ لأن مذهب أبي حنيفة الذي روى عنه الطحاوي والكرخي هو مقدار الناصية لحديث المغيرة المذكور، ولهذا قال أبو الحسين القدوري: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وسكت عليه، ولا يلزم من هذا أن تكون الناصية ربع الرأس تحقيقًا، وأما إذا كان تقريبًا فلا يحتاج إليه؛ نعم روى الحسن عن أبي حنيفة أن مقدار الناصية هو الربع كما قال به زفر باعتبار أن الرأس لها أربعة أركان: الناصية، والقفا، والفودان، فبهذا الاعتبار تكون الناصية ربع الرأس، ولا يلزم من هذه القسمة أن تكون الناصية ربعًا حقيقيًا حتى يلزم ما ذكره ابن حزم، وقد قال ابن فارس: الناصية قصاص الشعر، ثم فسر القصاص بأنه نهاية منبت الشعر من مقدم الرأس، فهذا أعم من أن يكون ربع الرأس على الحقيقة، أو باعتبار أنه أحد الأركان الأربعة، وأما جوازه في غير الناصية فكما أن الرأس كله محل للمسح فلا تتعين الناصية دون غيرها، وإنما الذي تعين هو مقدار الناصية فافهم.
واستدل بعض الشافعية بالحديث المذكور على استحباب تتميم المسح بالعمامة، لتكون الطهارة على جميع الرأس، ولا فرق عندهم بين أن يكون لَبِس العمامة على طهر أو على حدث، وكذا لو كان على رأسه قلنسوة ولم ينزعها ومسح بناصيته يستحب أن يتممّ على القلنسوة كالعمامة، واستدل به أحمد علي جواز المسح على العمامة.
قال ابن المنذر: وممن مسح على العمامة: أبو بكر الصديق، وبه قال عمر، وأنس، وأبو أمامة، وروي عن سعد بن مالك، وأبي الدرداء، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور.
وقال عروة، والنخعي، والشعبي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز المسح عليها.
وفي "المغني": ومن شرائط جواز المسح على العمامة شيئان: أحدهما: أن تكون تحت الحنك، وسواء أرخي لها ذوابة أولا، قاله القاضي، ولا فرق بين الصغيرة
стр. 283
والكبيرة إذا وقع عليها الاسم، وقيل: إنما لم يجز المسح على العمامة التي ليس لها حنك؛ لأن النبي ﵇ أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتعاط، قال أبو عُبيد: الاقتعاط ألَّا يكون تحت الحنك شيء، وروي: "أن عمر ﵁ رأي رجلًا ليس تحت حنكه من عمامته شيء فحنكه بكور منها، وقال: ما هذه الفاسقية" وقال الخلال: أن تكون ساترةً لجميع الرأس إلَّا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين، ويستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس مع المسح على العمامة، نصّ عليه أحمد، وقال الخلال: وإذا نزع عمامته بعد مسحها بطلت طهارته كما لو نزع الخف بعد مسحه، وكذلك إنْ انكشف رأسه، نصّ عليه أحمد إلَّا أن يكون يسيرًا جرت العادة بمثله، مثل: إنْ حك رأسه أو رفعها لأجل الوضوء، فإن انتقضت العمامة بعد مسحها بطلت طهارته وإنْ انتقض بعضها، وقال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت طهارته، وهو المنصوص، وقال ابن عقيل: فيه رواية آخري: لا تبطل.
وأما القلانس فإن كانت طاقية لم يمسح عليها، وأما القلانس المبطنات كَدَنِّيَات القضاة والنوميات فقال إسحاق بن إبراهيم: قال أحمد: لا يمسح على القلنسوة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة، إلَّا أن أنسًا مسح على قلنسوته، وروي الأثرم بإسناده، عن عمر ﵁ أنه قال: "إنْ شاء حسر عن رأسه، وإنْ شاء مسح على قلنسيته وعمامته".
وفي جواز المسح للمرأة على الخمار روايتان: إحداهما: يجوز، والثانية: لا يجوز، قاله نافع، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ولا يجوز المسح على الوقاية قولًا واحدًا، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه لا يشق نزعها والله أعلم (١).
ص: ففي هذا الأثر أن رسول الله ﵇ مسح على بعض الرأس، وهو الناصية، وظهور الناصية دليل على أن بقية الرأس حكمه حكم ما ظهر منه؛ لأنه لو كان
стр. 284
الحكم قد ثبت بالمسح على العمامة لكان كالمسح على الخفين فلم يكن ألَّا وقد غُيِّيت الرجلان فيهما، ولو كان بعض (الرجل) (١) باديًا لما أجزأه أن يغسل ماظهر (منها) (٢)، ويمسح على ما غاب منهما [فجعل حكم ما غاب منهما مضمنًا] (٣) لحكم ما بدا منهما [فلما] (٤) وجب غسل الظاهر؛ وجب غسل الباطن، فكذلك الرأس لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه ليكون حكمه كله حكمًا واحدًا كما كان حكم الرجلين إذا غيّب بعضهما في الخفين حكمًا واحدًا، فلما أكتفى النبي ﵇ في هذا الأثر بمسح الناصية عن مسح ما بقي من الرأس، دلَّ ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، وأن ما فعله فيما جاوز به الناصية فيما سوى ذلك من الآثار كان دليلًا على الفضل لا على الوجوب؛ حتى تستوي هذه الآثار ولا تتضّاد، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أشار بهذا الأثر إلى حديث المغيرة بن شعبة، تحريره أنه ﵇ مسح على بعض رأسه في هذا الحديث، وهو الناصية، وظهورها من بين أجزاء الرأس دليل على أن حكم بقية الرأس من الفودين والقفا كحكم ما ظهر منه، وأن الحكم قد ثبت بالمسح على الناصية إِذْ لو ثبت بالمسح على العمامة لكان حكمه كحكم المسح على الخفين ولم يكن المسح (على) (٥) الخفين إلَّا عند تغيب الرجلين فيهما إِذْ لو كان بعض الرجل ظاهرًا لما أجزأه أن يغسل ما ظهر من ذلك ويمسح ما غاب لعدم [جواز] (٦) الجمع بين الغسل والمسح من غير ضرورة، فإذا وجب غسل ما ظهر، وجب غسل ما بطن، فكذلك الرأس، لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه تحت العمامة ونحوها، ليكون حكمه كله حكمًا واحدًا كما كان حكم الرجلين
стр. 285
كما ذكرنا، ثم إنَّ النبي ﵇ لما اكتفى في هذا الحديث بالمسح على الناصية عن مسح ما بقي من رأسه دل فعله ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، إِذ لو كان غيرها منها فرضًا لما اكتفي بها، ودلّ ذلك أيضًا أن مسحه جميع رأسه في الأحاديث المتقدمة كان ذلك منه على سبيل الفضل والنفل، لا على سبيل الوجوب، إِذْ لو لم يكن الأمر كذلك يلزم التضاد بين هذه الآثار؛ لأن حديث المغيرة يدل على وجوب البعض، وأحاديث غيره تدل على وجوب الكل فإذا حملنا على المعنى المذكور يرتفع التضاد، وتستوي معاني الآثار.
ص: وأما من طريق النظر: فإنا رأينا الوضوءَ يجبُ في أعضاء، فمنه ما حكمُه أن يغسل، ومنها ما حكمُه أن يمسح، فأما ما حكمه أن يغسل فالوجه، واليدان، والرجلان في قول من يوجب غسلهما، فكل قد أجمع أن ما وجب غسله من ذلك فلا بد من غسله كله، ولا يجزى غسل بعضه دون بعض، فكان ما وَجب مسحه من ذلك هو الرأس، فقال قوم حكمهُ أن يُمسح كله كما تغسل تلك الأعضاء كلها.
وقال آخرون: يمسح بعضه دون بعض، فنظرنا فيما حكمه المسح كيف هو؟ فرأينا حكم المسح على الخفين قد اختلف فيه، فقال قوم: يمسح ظاهرهما وباطنهما، وقال آخرون: يمسح ظاهرهما دون باطنهما، فكل قد اتفق أن فرض المسح في ذلك هو على بعضهما دون مسح كلهما، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم مسح الرأس هو على بعضه دون بعض، قياسًا ونظرًا على ما بينا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أي وأما حكم هذا الباب من وجه النظر والقياس وهذا قياس اقتراني جملي مشتمل على مقدمتين؛ لأن تقديره: فرض الرأس في الوضوء مسح كفرض الرجل التي في الخف، وكل رجل في الخف لا يجب استيعاب مسحه، ينتج فرض الرأس لا يجب استيعاب مسحه وكلام الطحاوي ظاهر.
стр. 286
قوله: "والرجلان في قول من يوجب غسلهما" وهم جمهور العلماء خلافًا لابن جرير الطبري وطائفة يسيرة، فإنهم خيروا بين الغسل والمسح، وخلافًا للروافض فإنهم أوجبوا المسح، وما جوّزوا الغسل على ما سيأتي مفصلًا- إنْ شاء الله تعالى.
قوله: "فقال قوم" وهم مالك، وابن عُلية، وأحمد في رواية.
قوله: "وقال آخرون" وهم: أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وغيرهم.
قوله: "فقال قوم يمسح ظاهرهما" وهم: مالك، والشافعي، والزهري وغيرهم.
قوله: "وقال أخرون" وهم: النخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وإسحاق، وغيرهم.
ص: وقد روي في ذلك عمّن بعد النبي ﵇ أيضًا ما يُوافقُ ذلك، حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن الزُبَيْدي، عن الزُهْريّ، عن سالم، عن أبيه: "أنه كان يمسح بمقدم رأسه إذا توضأ".
ش: أي قد روي فيما ذكرنا من التوفيق بين الأحاديث، وتعيّن بعض الرأس في الوجوب، "ما رُوي" عن بعض الصحابة "ما يوافق ذلك"، أي ما ذكرنا، ثم بين ذلك بقوله: "حدثنا ... " إلى آخره.
ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود.
والزُّبَيْدي هو: محمَّد بن الوليد، صاحب الزهريّ، نسبة إلى زُبَيد بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة، وهو: منبه بن مصعب، وهذا هو زبيد الاكبر، إليه ترجع قبائل زُبيد.
والزهري هو: محمَّد بن مسلم.
وسالم هو: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃.
стр. 287
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر "كان يدخل يده في الوَضُوء فيمسح بها مسحةً واحدةً [علي] (٢) اليافوخ فقط".
قلت: اليافوخ اسم لمقدم الرأس، يفعول، والجمع اليآفخ، وأَفَخْتُه: ضربت يافوخه، ويافوخ الليل معظمه.
стр. 288
ص: باب: حكم الأذنين في وضوء الصلاة
ش: أي هذا باب في بيان حكم الأذنين في الوضوء هل يمسحان أم لا؟ فإذا كانا يمسحان، هل يمسحان بماء الرأس أو بماء جديد؟
ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عبيد الله الخولاني، عن عبد الله بن عباس قال: "دخل عليَّ عليٌّ بن أبي طالب ﵁ وقد أراق الماء، فدعا بإناء فيه ماء، فقال: يا ابن عباس ألا أتوضأ لك كما رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قلت: بلى فداك أبي وأمي، فذكر حديثا طويلًا، وذكر فيه أنه أخذ حفنة من ماء بيديه جميعًا فصكّ بهما وجهه، ثم الثانية مثل ذلك، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم ألقم إبهامَيه ما أقبل من أذنيه، ثم أخذ كفا من ماء بيده اليمنى فصبّها على ناصيته، ثم أرسلها تستن على وجهه، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، واليسرى كذلك، ثم مسح برأسه، وظهور أذنيه".
ش: رجاله ثقات.
وعَبَدَة بفتحات (١) قيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب عليه.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، نا محمَّد يعني ابن سلمة،
стр. 289
عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس قال: "دخل عليَّ عليٌّ بن أبي طالب، وقد أهراق الماء، فدعا بوَضوء، فأتيناه بتَور فيه ماء حتى وضعنا بين يديه، فقال: يا ابن عباس ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله ﵇؟ قلت: بلى، فأصغى الإناء على يديه فغسلهما، ثم أدخل يده اليمني، وأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه ثلاثا، ثم تمضمض، واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء، فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت وفي النعلين؟! قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟! قال: وفي النعلين؟! قال: قلت: وفي النعلين؟! قال: وفي النعلين".
وأخرجه أحمد (١)، والبيهقي (٢) أيضًا: وقال الترمذي: سألت محمَّد بن إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث فقال: لا أدري ما هذا الحديث، وقال البيهقي: فكأنه رأى حديث عطاء بن يسار أصحّ.
وحديث عطاء ما رواه زيد بن أسلم عنه قال: "قال لي ابن عباس: ألا أُريك وُضوء رسول الله ﵇ فتوضأ مرة مرة، ثم غسل رجليه وعليه نعله".
أخرجه الجماعة (٣) بألفاظ مختلفة.
стр. 290
قلت: هذا الحديث إسناده جيد، ولكن الجواب عنه أن قوله: "فأخذ حفنة من ماء" يحتمل أن تلك الحفنة قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه وإنْ كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، والحفنة من الماء ربما كفت مع الرفق في مثل هذا، ولو كان أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة، وسيجيء البحث فيه مستقصى باب فرض الرجلين في وضوء الصلاة، إنْ شاء الله.
قوله: "أَلا" كلمة تنبيه.
قوله: "بلى" حرف جواب، وألفه أصلية، وقيل: أصله "بل" والألف زائدة، والفرق بينها وبين "نعم" أنَّ "بلى" حرف إيجاب بعد النفي، و"نعم" تصديق لما قبله نفيا كان أو إثباتا.
قوله: "فداك أبي وأمي" معناه أنت مفدّى بأبي وأمي، والفداء بفتح الفاء والقصر، وإذا كسرت الفاء تُمدُّ، يقال: فَداه يفديه فِداء، وفَدَى، وفَادَاهُ يُفَاديه مُفَادَاة إذا أعطى فداءه وأنقذه، وفَدَاه بنفسه، وفَدَّاه إذا قال له: جُعلِتُ فداك، وقيل: المفاداة: أن يُفْتَكَّ الأسير بأسير مثله.
قلت: فدى الأسير معناه افتكَّهُ بمال، وإذا أخذ مالا ودفع الأسير يقال: أفداه، وإذا دفع أسيرا وأخذ أسيرا عوضه يقال: فاداه.
قوله: "فصك" أي ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ (١).
قوله: "ثم ألقم إبهاميه" أي أدخلهما، من الإلقام، كأنه جعلهما لقمة لأذنيه.
قوله: "يستن" بالسن المهملة أي يسيل وينصب، من سننت الماء إذا صببته صبّا سهلا.
стр. 291
قوله: "وظهور أذنَيْه" أي مسح ظهري أذنيه، أطلق الجمع على التثنية مجازا كما في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١) أي قلباكما.
ص: فذهب قوم بلى هذا الأثر فقالوا: ما أقبل من الأذنين فحكمه حكم الوجه يغسل مع الوجه، وما أدبر منهما فحكمه حكم الرأس يمسح مع الرأس.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبيّ، وابن سيرين، والنخعي، وابن جرير الطبري، وإسحاق بن راهويه.
وقال أبو عمر: حكي هذا القول ابن أبي هريرة عن الشافعي (٢)، وقد روي عن أحمد مثله.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس".
ثنا (٤) ابن عُلية، عن ابن عون، عن ابن سيرين: "كان يغسل أذنيه مع وجهه، ويمسحهما مع رأسه".
стр. 292
ثنا (١) ابن فضيل، عن حُصين، عن إبراهيم قال: "سألته عن مسح الأذنين، مع الرأس أو مع الوجه؟ فقال مع كلٍ".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الأذنان من الرأس يمسح مقدمهما، ومؤخرهما.
ش: أي خالف القوم المذكورين "في ذلك" أي في حكم الأذنين جماعة آخرون وهم: أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، وأصحابهم، فقالوا: الأذنان من الرأس، فإذا كانتا من الرأس فتمسحان مع الرأس، وليس لهما حكم في الغسل، وقال ابن قدامة في"المغني": والأولى ألَّا يخل بمسحهما؛ لكونهما من الرأس، ولكون رسول الله ﵇ مسحهما في وضوئه وقد صح أنه ﵇ مسحهما مع رأسه ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة، وروى ابن عباس: "أن النبي ﵇ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما".
وقال الترمذي: حديث ابن عباس، وحديث الرُّبَيِّع صحيحان، فيستحب أن يدخل سبابته في صماخي أذنيه، ويمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه.
وقال أبو عمر: قال داود: إنْ مسح أذنيه فحسن، وإنْ لم يمسح فلا شيء عليه، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﵇، ولا يوجبون عليه إعادة، إلَّا إسحاق فإنه قال: إنْ ترك مسح أذنيه عمدًا لم يجزه، وقال أحمد: إنْ تركها عمدًا أحببت أن يعيد، وقد كان بعض أصحاب مالك يقول: من ترك سُنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد، وهذا عند الفقهاء ضعيف، وليس لقائله سلف، ولا له حظّ من النظر، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف الفرض والواجب من غيره.
وقال ابن حزم: وأما مسح الأذنين فليس بفرض، ولا هما من الرأس؛ لأن الآثار في ذلك كلها ضعيفة، فلو كانتا من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح
стр. 293
الرأس، وهذا لا يقوله أحد، ويقال لهم: إنْ كانتا من الرأس فما بالكم تأخذون لهما ماء جديدا وهما بعض الرأس؟!
قلت: هذا كلام ساقط؛ لأنه يفرُّ من القياس، ويستدل على خصمه بالقياس على ما لا يخفى من كلامه، قلت: "لأن الآثار في ذلك ضعيفة كلها" غير صحيح؛ لأن الآثار الصحيحة في سُنية مسحهما كثيرة، وورد أيضًا بعض الآثار بأنهما من الرأس بأسانيد جيدة كما نُبينه- إنْ شاء الله.
وقوله: "فلو كان الأذنان ... إلى أخره"، قياس فاسد، على أنه لا يعمل بالقياس؛ لأن معنى كونهما من الرأس كونهما تبعًا لها، فحينئذ لا يثبت لهما حكم الأصل من كل وجه.
وقوله: "ويقال لهم ... إلى آخره" لا يرد على الحنفية أصلًا؛ لأنهم لا يأخذون لهما ماء جديدا، ولا على الشافعية أيضًا؛ لأنهم يأخذون ماء جديدا لورود الأثر، لا لكونهما ليستا من الرأس.
ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة، عن عثمان بن عفان ﵁: "أنه توضأ فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ".
ش: الربيع هو ابن سليمان المرادي المؤذن صاحب الشافعي، وأسد هو ابن موسى، وإسرائيل هو ابن يونس، وعامر بن شقيق بن جمرة -بالجيم- فيه مقال، والبقية ثقات.
وأخرجه الدارقطني (١): عن دَعلج، عن موسى بن هارون، عن أبي خيثمة، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل ... " إلي آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا نحوه.
стр. 294
ص: حدثنا إبراهيم بن محمَّد الصَيْرفي، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا الدراوردي، قال: نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن رسول ﷺ توضأ فمسح برأسه وأذنيه".
ش: أبو الوليد هو: هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاريّ.
والدراورديّ هو: عبد العزيز بن محمَّد.
وأخرجه أبو داود (١): عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحوه بأتم منه، وفيه: "ثم مسح [بها] (٢) رأسه وأذنيه".
والنسائي (٣): ولفظه: "ثم مسح [برأسه] (٤)، وأذنيه باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه".
والترمذي (٥): ولفظه: "مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما".
وقال: حديث حسن (٦)، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا عبد العزيز ... فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "مرة واحدة".
ش: يحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد العزيز هو: الدراوردي.
стр. 295
وأخرجه النسائي (١): أخبرنا الهيثم بن أيوب الطالقاني، ثنا عبد العزيز بن محمَّد قال: ثنا زيد بن أسلم (٢).
يقول مِأقٍ ومؤقٍ بكسرها، وبعضهم يقول ماق بلا همز كقاض، والأفصح الأكثر المأْقي بالهمزة والياء، والمُؤْق بالهمز والضم، وجمع المؤق آماق وأماق، وجمع المأقي مآقي وفي "المطالع": فيه لغات: موق وماق على مثال: قاض، ومؤقٍ على مثال: مُعطٍ ناقص أيضًا، وموقي على مثال: موقع، وأمق على مثال عنق.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا محمَّد بن عجلان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الربيعّ ابنة معوذ بن عفراء: "أن رسول الله ﷺ توضأ عندها فمسح رأسه على مجاري الشعر، ومسح صدغيه، وأذنيه ظاهرهما وباطنهما".
ش: تكرر ذكر ربيع، وأسد، وابن لهيعة عبد الله.
ومحمد بن عجلان المدني روى له مسلم متابعة، وروى له الأربعة.
وعبد الله بن محمد بن عَقيل -بفتح العين- ابن أبي طالب، ضعفه يحيى في رواية، وقال الحاكم كان أحمد وإسحاق بن إبراهيم يحتجان بحديثه، ولكن ليس بالمتين عندهم، وقال يعقوب بن سفيان: صدوق، روى له الأربعة.
والرُبَيِّع -بضم الراء، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر الحروف- ابنة مُعوّذ -بكسر الواو المشددة- بن عفراء الصحابيّة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (٤): عن قتيبة بن سعيد، عن بشر بن المفضل، عن عبد الله بن
стр. 296
محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: "أن النبي ﵇ مسح برأسه [مرتين] (١) بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الرُبيّع: "أن النبي ﵇ توضأ فمسح ظاهر أذنيه، وباطنهما".
وأخرجه الدارقطني (٣)، والبيهقي (٤)، والطبراني (٥).
قوله: "على مجاري الشعر" أي على مواضعه، فإن قلت: ما محل هذه الجملة؟ قلت: "النصب" لأنها بدل من الرأس، والتقدير فمسح على مجاري شعر رأسه.
قوله: "مسح صُدغيه" الصُدغ بضم الصاد ما بين العين والأذن، ويسمى أيضًا الشعر المتدلي عليها: صدغا، يقال: صدغ معقرب.
قوله: "وأذنيه" أي ومسح أذنيه.
قوله: "ظاهرِهما" بالجرّ بدل من أذنيه، و"باطِنِهما" عطف عليه.
ويستفاد منه: استيعاب مجاري شعر الرأس بالمسح، والمسح على الصغدين، وسنية المسح على الأذنين ظاهرهما وباطنهما.
ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ العصفري، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني ابن عجلان، ثم ذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر حسن، عن إبراهيم، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب مقلاص الخزاعي، عن محمَّد بن عجلان ... إلى آخره.
стр. 297
ص: حدثنا أبو العوام محمَّد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا عمي أبو الأسود، قال: حدثني بكر بن مضر، عن ابن عجلان ... فذكره بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر رجاله ثقات، وأبو الأسود اسمه: النضر بن عبد الجبار بن النضير، كلاهما بالضاد المعجمة لكن الأول مكبر، والثاني مصغر.
وأخرجه أبو داود (١): من حديث بكر بن مضر، عن ابن عجلان ... إلى آخره، ولفظه: "رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ، قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وأدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة".
وأخرجه الترمذي (٢): وقال: حديث حسن (٣).
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا همام، قال: ثنا محمَّد بن عجلان، فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا حسن، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهمام بن يحيى.
وأخرجه أحمد (٤): من حديث ابن عجلان ... إلى آخره، ولفظه: "أن رسول الله ﵇ توضأ عندها، فمسح برأسه، فمسح الرأس كله من فوق الشعر كل ناحية بمَنْصِب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته" انتهى، ومَنْصِب الشعر: أصله، بفتح الميم، وكسر الصاد.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا شريك، عن عبد اللهَ بن محمَّد، عن الربيّع قالت: "أتانا النبي ﵇ -فتوضأ فمسح ظاهر أذنيه وباطنهما".
стр. 298
ش: هذا طريق آخر وهو حسن.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: "وضأت النبي ﵇ فأتيتُه بميضأة تسع مُدّا أو مدّا وثلثا، فقال: اسكبي، فتوضأ ومسحَ مقدم رأسه، ومسح ظاهر أذنيه وباطنهما".
و"الميضأة" -بكسر الميم-: الركوة.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا رَوحُ بن القاسم، عن عبد الله بن محمَّد، عن الربيع، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا حسن.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): وقال: ثنا أبو مسلم الكشِّي، ثنا محمَّد بن المنهال ... إلى آخره، ولفظه:"قالت: كان النبي ﵇ يأتينا فنأتيه بمضأة لنا فيها ماء، يأخذ بمد المدينة مدا ونصفا أو ثلثا، فأَصُبُّ عليه فيغسل يديه ثلاثا، ويمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه ثلاثا، ويمسح برأسه مرة واحدة، ويمسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وبظهر قدميه".
ص: ففي هذه الآثار أن حكم الأذنين ما أقبل منهما وما أدبر من الرأس، وقد تواترت الآثار بذلك ما لم يتواتر بما خالفه، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أي ففي هذه الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الثانية.
قوله: "وقد تواترت" أي تكاثرت وتتابعت، وليس المراد منه التواتر المصطلحي.
قوله: "بما خالفه" أراد به حديث أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى.
قوله: "فهذا وجه هذا الباب" أراد أن العمل بالذي تواتر أولى من الذي لم يتواتر مثله، وهذا هو الوجه في التوفيق بين الأحاديث المخالفة.
стр. 299
ص: وأما من طريق النظر: فإنا قد رأيناهم لا يختلفون أن المحرمة ليس لها أن تغطي وجهها، ولها أن تغطي رأسها، وكلٌّ أجمع أن لها أن تغطي أذنيها ظاهرهما وباطنهما، فدلّ ذلك أن حكمهما حكم الرأس في المسح لا حكم الوجه.
ش: هذا ظاهر.
قوله: "رأيناهم" أي أهل المقالة الأولى والثانية، وجه القياس يقول الأذنان من الرأس: لأنهما تُغطيان معها في إحرام المرأة، وكل جزء من أجزاء الرأس يغطي فهو من الرأس، ينتج أن الأذنين من الرأس.
ص: وحجةٌ أخرى: أنا رأيناهم لم يختلفوا أن ما أدبر منهما يمسح مع الرأس، واختلفوا فيما أقبل منهما على ما ذكرنا، فنظرنا في ذلك، فرأينا الأعضاء التي اتفق على فرضها في الوضوء هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس، فكان الوجه يغسل كله، وكذلك اليدان، وكذلك الرجلان، ولم يكن حكم شيء من تلك الأعضاء خلاف حكم البقية، بل جعل حكم كل عضو منها حكمًا واحدا فجعل مغسولا كله أو ممسوحا كله، واتفقوا أن ما أدبر من الأذنين فحكمه المسح، فالنظر على ذلك أن يكون ما أقبل منهما كذلك، وأن يكون حكم الأذنين كله حكما واحدا كما كان سائر الأعضاء التي ذكرنا؛ فهذا هو وجه النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.
ش: أي "حجة أخرى" عقلية، وارتفاعها بالابتداء، وخبرها قوله: "إنا رأيناهم" أي أهل المقالتين، وهذه ظاهرة، ولكن قيل: هذا النظر ليس بمستقيم؛ لأن الأذنين ليستا من الأعضاء الأربعة التي اتفق على فرضيتها حتى يلزم أن يكون حكمهما حكمًا واحدا، فنقول: لا يضرنا ذلك؛ لأن حقيقة وجه النظر هو أن الوضوء ليس فيه عضو -سواء كان عضو الفرض كالأعضاء الأربعة أو عضو السُّنه كالرقبة- يختلف حكمه بأن يمسح بعضه ويغسل بعضه، بل إما يغسل كله وإما
стр. 300
يمسح كله، فالنظر على [ذلك] (١) ينبغي أن تكون الأذنان مما يمسح كله قياسا على نظائرها.
قوله: "وهو قول أبي حنيفة" أي وجه النظر الذي اقتضى أن يكون ما أقبل من الأذنين وما أدبر منهما من الرأس فيمسحان معها، هو قول أبي حنيفة.
ص: وقد قال بذلك جماعة من أصحاب رسول الله ﵇، حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن حُمَيد قال: "رأيت أنس بن مالك توضأ، فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما مع رأسه، وقال: إنّ ابن مسعود كان يأمر بالأذنين.
ش: أي قد قال بأن ما أقبل من الأذنين وما أدبر منهما من الرأس؛ جماعة من الصحابة، وبيّن ذلك بقوله: حدثنا ... إلى آخره.
وإسناده صحيح، وهُشيم بن بشير، وحميد الطويل أبو عُبيدة البصري.
وأخرجه الدارقطني (٢): عن أحمد بن عبد الله الوكيل، عن الحسن بن عرفة، عن هشيم ... إلى آخره نحوه سواء.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد، فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن حميد الطويل.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٣) من طريقين:
الأول: عن أبي سعيد بن أبي عمرو، عن محمَّد بن يعقوب، عن محمَّد بن هشام، عن مروان بن معاوية، عن حميد قال: "توضأ أنس ونحن عنده، فجعل يمسح
стр. 301
باطن أذنيه وظاهرهما، فرأى شدة نظرنا إليه، فقال: إنَّ ابن مسعود كان يأمرنا بهذا".
الثاني: عن محمد بن عبد الله الحافظ، عن محمد بن يعقوب، عن أسيد بن عاصم، عن الحسن بن حفص، عن سفيان الثوري، عن حميد قال: "رأيت أنس ابن مالك توضأ ومسح أذنيه، فنظرنا إليه، قال: كان ابن أمّ عبد يأمرنا بذلك".
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن أبي جمرة قال: "رأيت ابن عباس توضأ فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما".
ش: إسناده صحيح.
وأبو جمرة -بالجيم، والراء- واسمه نصر بن عمران الضُبَعي البصري، روى له الجماعة.
ص: فهذا ابن عباس ﵄ قد روى عن علي ﵁ عن النبي ﵇ ما قد رويناه في أول هذا الباب، وروى عنه عطاء بن يسار، عن النبي ﵇ كما رويناه في الفصل الثاني من هذا الباب، ثم عمل هو بذلك، (وترك ما حدثه) (١) عليّ عن النبي ﵇ فهذا دليل أن نسخ ما روى عن علي ﵁ قد كان ثبت عنده.
ش: قد تقّرر أن الراوي إذا عمل بخلاف ما روى، أن ذلك فيه احتمالات كثيرة، وأحسنها أن يحمل ما رواه على النسخ، تحسينا بالظن في حق الصحابي ﵁.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: "الأذنان من الرأس".
ش: إسناده صحيح.
ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري.
стр. 302
وأبوه: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، روى له الجماعة. وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق المدني.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي أسامة، عن أسامة، عن هلال بن أسامة، عن ابن عمر قال: "الأذنان من الرأس".
ثنا (٢) عبد الرحيم بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع قال: "كان ابن عمر يمسح أذنيه ويقول: هما من الرأس".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "الأذنان من الرأس".
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن غيلان بن عبد الله، قال: سمعت ابن عمر يقول: "الأذنان من الرأس".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
وهذا الطريق أخرجه الدارقطني (٤): عن أحمد بن عبد الله النحاس، عن الحسن ابن عرفة، عن هشيم، عن غيلان بن عبد الله مولى بني مخزوم، قال: سمعت ابن عمر يقول: "الأذنان من الرأس".
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، يتتبع بذلك الغضون".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم.
стр. 303
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن عبد الله بن عمر، عن نافع: "أن ابن عمر كان يمسح بأذنيه مع رأسه إذا توضأ، يدخل أصبعيه في الماء فيمسح بهما أذنيه، ثم يرد إبهاميه خلف أذنيه".
قوله: "الغضون" جمع غَضْن -بفتح الغين وسكون الضاد المعجمتين- وجاء بالتحريك أيضًا، وهي مكاسر الأذنين.
وقد روي أيضًا عن أبي موسى، فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن الحسن، عن أبي موسى قال: "الأذنان من الرأس"، والحسن [لم يسمع] (٣) من أبي موسى.
وعن عثمان ﵁ فروى ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن الجُريري، عن عروة بن قبيصة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن عثمان قال: "واعلموا أن الأذنين من الرأس".
وعن ابن عباس، فروى ابن أبي شيبة (٤): عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: "الأذنان من الرأس".
وعن أبي هريرة، فروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٥): عن عبد الله بن محّرر، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: "الأذنان من الرأس".
وروي عن التابعين أيضًا، وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦): عن عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: "الأذنان من الرأس".
стр. 304
وروى عبد الرزاق (١): عن معمر، عن قتادة: "أنه كان يمسح الأذنين، ويقول: الأذنان من الرأس".
وروى أيضًا (٢): عن الثوري، عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم: "أنه كان يَمسحُ ظهور الأذنين، وبطونهما".
стр. 305
ص: باب: فرض الرجلين في الوضوء
ش: أي هذا باب في بيان فرض الرجلين في الوضوء، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النَزّال بن سبرة قال: "رأيت عليّا ﵁ صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أُتي بماء فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشربَ فضله قائمًا، ثم قال: إنَّ ناسا يزعمون أن هذا يكره، وإني رأيت رسول الله ﷺ يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم.
وأخرجه أحمد في مسنده (١): عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: "أُتي علي بكوز وهو في الرحبة، فأخذ كفّا من ماء، فمضمض واستنشق، ومسح وجهه، وذراعيه، ورأسه، ثم شرب وهو قائم، ثم قال: هذا وضوء من لم يُحدث، هكذا رأيت رسول الله ﵇[فعل] (٢) ".
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٣): أخبرنا أبو علي الروذباري، نا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن محموية العسكري، نا جعفر بن محمَّد القلانسي، ثنا آدم، نا شعبة، نا عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن [سبرة] (٤) يُحدّث عن علي بن أبي طالب ﵁: "أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أُتي بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه، ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال:
стр. 306
إنَّ ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث".
رواه البخاري في الصحيح (١): عن آدم بن أبي إياس ببعض معناه.
قوله: "في الرحبة" أراد بها رحبة الكوفة، وهي رحبة خنيس بن سَعْد أخو النعمان بن سَعْد جدّ أبي يوسف القاضي.
وفيه: دلالة على استحباب شرب الماء الذي فضل من الوضوء قائما (٢).
ص: قال أبو جعفر: وليس في هذا الحديث عندنا دليل أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه، وكان ذلك المسح هو غسلا فكذلك يحتمل أن يكون مَسْحه لرجليه كذلك.
ش: أشار بهذا إلي أن احتجاج مَن يذهب إلى أن وظيفة الرجلين المسح بهذا الحديث غير صحيح؛ لأنه ليس فيه ذلك على [الإطلاق] (٣) ألا ترى أنه قال فيه: "فمسح بوجهه" ولم يكن ذلك إلاَّ غسلا؛ لأنهم قائلون أيضًا أن الوجه لا يمسح، ولا اليدين، فكذلك يكون معنى المسح في الرجلين الغسل.
فإن قيل: سلمنا أن المراد بالمسح الغسل في الوجه واليدين، ولكن لا نسلم ذلك في الرجلين، فإن قوله: "ومسح برأسه ورجليه" قرينة تدل على أن المراد من المسح في الرجلين هو خلاف الغسل؛ بقرينة ذكر الرأس؛ لأن وظيفتها المسح بالإجماع، ويدل عليه أيضًا ما روي عن عكرمة: "غسلتان ومسحتان" وأراد بالغسلتن غسل الوجه، وغسل اليدين، وأراد بالمسحتين مسح الرأس، ومسح الرجلين.
قلت: ولئن سلمنا ذلك فهذا كان في وضوء متطوع به، لا في وضوء واجب عليه من الحدث الذي يوجب الوضوء، وذلك لقوله ﵁: "وهذا وضوء مَنْ لم
стр. 307
يُحدث"، وقال البيهقي: وفي هذا الحديث دلالة على أن الحديث الذي روي عن النبي ﵇ في المسح على الرجلين -إنْ صحّ- فإنما عنى به وهو طاهر غير محدث إلَّا أن بعض الرواة اختصر الحديث فلم ينقل قوله: "هذا وضوء مَنْ لم يحدث". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو كُريب، قال ثنا عبدة، عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبد الله الخولاني، عن ابن عباس ﵄ قال: "دخل عليَّ عليٌّ ﵁ وقد أراق الماء، فدعا بوَضوء فجئناه بإناء من ماء، قال: يابن عباس ألا أتوضأ لك كما رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ؟ قلت: بلى، فداك أبي وأمي -فذكر حديثا طويلا- قال: ثم أخذ بيديه جميعا حفنة من ماء فصك بها على قدمه اليمنى، وفي اليسرى كذلك.
ش: قد مرَّ هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في أول باب حكم الأذنين في وضوء الصلاة، وأَعادَه لأجل التبويب.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵄ قال: "توضأ رسول الله ﵇، فأخذ ملء كله ماء، فرش به على قدميه وهو منتعل".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وأخرجه أبو داود بأتم منه (١): وقد ذكرناه في باب حكم الأذنين.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): عن أبي الحسن بن عبدان، عن أحمد بن عُبَيد، عن إسماعيل بن إسحاق، عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز بن محمَّد ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣) مطولا.
стр. 308
ص: حدثنا أبو أميّة، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أبنا شريك، عن السُّدي، عن عبد خير، عن عليّ ﵁: "أنه توضأ فمسح على ظهر القدم، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﵇ فعله لكان باطن القدم أحق من ظاهره".
ش: أبو أمية اسمه محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، وثقه ابن حبان. وشريك بن عبد الله النخعي.
والسُّدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي الأعور التابعي، كان يقعد في سدة باب الجامع بالكوفة؛ فسمي السدي، روى له الجماعة إلاَّ البخاري.
عبد خير بن يزيد، أبو عمارة الكوفي، وثقه يحيى وأحمد بن عبد الله.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن السُّدي ... إلى آخره، ولفظه: "ومسح على ظهر قدميه، ثم قال هذا طهور (٢) من لم يحدث، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﵇ مسح على ظهر قدميه، رأيت أن بطونهما أحق، ثم شرب فضل وضوئه ... "
وأخرج أيضًا (٣): عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي ﵁ قال: "لو كان الدين برأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكني رأيت رسول الله ﵇ مسح ظاهرهما".
وأصحابنا استدلوا بهذا في كتبهم عل أن السُنَّة في مسح الخفين أن يكون على ظاهرهما.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن الحسين اللهبي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله ﵇ يصنع هكذا".
стр. 309
ش: أحمد بن الحسين من ولد أبي لهب بن عبد المطلب، ثقة مأمون.
وابن أبي فديك اسمه محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك، واسم أبي فديك دينار، روى له الجماعة.
وابن أبي ذئب اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن سعد المدني، روى له الجماعة.
وأخرجه البزار في "مسنده": عن إبراهيم بن سعيد، عن روح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام بن يحيى قال: أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: ثنا علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع: "أنه كان جالسا عند النبي ﵇ فذكر الحديث حتى قال: إنَّه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فغسل وجهَه ويدَيْه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين".
ش: إسناد صحيح على شرط البخاري، نصفه بَصْري، ونصفه مدني.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): بتمامه، وقال: نا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن منهال، ونا محمَّد بن حيان المازني، قال: نا أبو الوليد الطيالسي، قال: أنا همام، أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه -أبي رفاعة بن رافع- زاد أبو الوليد في حديثه: وكان رفاعة، ومالك أخوين من أهل بدر قال: "بينما رسول الله ﷺ جالس، نظر حوله فإذا رجل فاستقبل القبلة فصلى ركعتين، وقال حجاج في حديثه: كنت جالسا عند النبي ﵇ إِذ جاء رجل فدخل المسجد فصل، فلما قضى صلاته، جاء فسلم على رسول الله ﵇ وعلى القوم، فقال رسول الله ﵇: وعليك، ارجع فصل؛ فإنك لم تصل! قال: فرجع فصلى، فجعل يَرمُق صلاته لا يدري ما يعيب منها! قال: فلما قضى،
стр. 310
جاء فسلم على رسول الله ﵇ وعلى القوم، فقال له رسول الله ﵇: وعليك، ارجع فصل؛ فإنك لم تصل، قال: وذكر ذلك إما مرتين، وإما ثلاثا، فقال الرجل: ما أدري ما عِيب عليَّ؟ فقال النبي ﵇: إنَّه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله يغسل وجهه، ويدَيه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيسّر، ثم يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، فيستوي قائما حتى يأخذ كل عظم مأخذه، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد، فيمكن جبهته -قال همام: وربما قال: فيمكن وجهه- من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيرفع رأسه، فيستوي قاعدا على مقعدته، ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ، ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" واللفظ لحديث حجاج. انتهى.
قلت: هذا دليل واضح، وبرهان ساطع على أن قراءة الفاتحة ليست فرضًا في الصلاة كما زعم به الشافعي، إِذْ لو كانت فرضا لقال: ويقرأ فاتحة الكتاب، ولم يقل به، بل قال: ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيَسّر، وهو أعم من الفاتحة وغيرها، وهذا مقام التعليم والبيان، فلو كانت الفاتحة فرضا لبيّنه ﵇ فافهم.
والحديث رواه أبو داود أيضًا (١) في "باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود": عن الحسن بن علي، عن هشام بن عبد الملك والحجاج ... إلى آخره.
ورواه الترمذي (٢): وقال: حديث رفاعة بن رافع حديث حسن، وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عباد بن تميم، عن عمه: "أن النبي ﵇ توضأ ومسح على القدمين"، وأن عروة كان يفعل ذلك.
стр. 311
ش: روح بن الفرج أبو الزنباع المصري، كان من الثقات، روى عنه الطبراني أيضًا.
وعمرو بن خالد بن فروخ، أبو الحسن الحراني، سكن مصر، وثقه العجلي، وروى له ابن ماجه.
وعبد الله بن لهيعة قد ذكرنا أن أحمد وثقه، وجماعة ضعفوه.
وأبو الأسود اسمه: محمَّد بن عبد الرحمن، يتيم عروة بن الزبير، ثقة.
وعم. عباد: هو عبد الله بن زيد الأنصاري الصحابي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي عبد الرحمن المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، عن عباد بن ميم، عن عبد الله بن زيد: "أن النبي ﵇ توضأ، ومسح بالماء على رجليه".
وهذا إسناد صحيح، ولكن قال أبو عمر: هذا إسناد لا تقوم به حجة، وما أدري أيّ شيء الذي أنكره من ذلك.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن عبد الله بن زيد.
وفي "الأوسط" (٣): من حديث عباد بن تميم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ، ويمسح بالماء على رجليه".
قوله: "وإن عروة كان يفعل ذلك"، من كلام أبي الأسود، أبي كان يفعل المسح على رجليه.
ص: فذهب قوم إلى هذا وقالوا: هذا حكم الرجلين يمسحان كما تمسح الرأس.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن، والشعبي، وعكرمة، والإمامية القائلين بإمامة عليّ ﵁ نصّا ظاهرا.
стр. 312
وفي "المغني": وقالت الروافض: الواجب المسح، والغسل لا يجوز.
وفي "البدائع": قالت الرافضة: الواجب هو المسح لا غير، وقال الحسن البصري: بالتخيير بين الغسل والمسح، وقال بعض المتأخرين بالجمع بينهما.
وقال ابن حزم في "المحلّى": وأما قولنا في الرجلين فإن القرآن نزل بالمسح، وهكذا جاء عن ابن عباس، نزل القرآن بالمسح يعني في الرجلين في الوضوء، وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وغيرهم، وهو قول الطبريّ.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن علية، عن أيوب قال: "رأيت عكرمة يمسح على رجليه، وكان يقول به".
نا (٢) ابن عُلَيَّة، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: "إنما هو المسح على القدمين، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما".
نا (٣) ابن عُلَيَّة، عن داود، عن الشعبي قال: "إنما هو المسح على القدمين".
نا (٤) ابن عُلَيَّة، عن مالك، عن زبيد اليامي، عن الشعبي، قال: "نزل جبريل ﵇ بالمسح على القدمين".
نا (٥) ابن عُلَية، عن حميد قال: "كان أنس إذا مسح على قدميه بلّهما" وهذه الأسانيد كلها جيدة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يغسلان.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، والليث بن سعد، والشافعي،
стр. 313
ومالكًا، وأحمد، وإسحاق، وأبا عُبَيد، والحسن بن صالح، وداود بن علي، والحكم ابن عتيبة، فإنهم قالوا: وظيفة الرجلين الغسل، وبه قال من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وحذيفة، وأبو هريرة، وتميم الداري، وسلمة بن الأكوع، وعائشة ﵃ وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﵇ على غسل القدمين، وقد لقي عبد الرحمن مائة وعشرين صحابيا، وقال عطاء بن أبي رباح: لم أدرك أحدا منهم يمسح على القدمين، وقد لقي عطاء عشرة من الصحابة، وذكر أبو محمَّد الجماعيلي أن لُقيّه لأربعة عشر صحابيًّا، وفي "التهذيب" ذكر أكثر من ذلك.
ص: واحتجوا في ذلك من الآثار، بما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيُّ، قال: نا زائدة بن قدامة، قال: ثنا علقمة بن خالد -أو خالد بن علقمة- عن عبد خير، قال: "دخل عليٌّ الرحبةَ ثم قال لغلامه: إيتني بطَهُور، فأتاه بماء وطست [فتوضأ] (١) فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، وقال: هكذا [كان] (١) طهُور رسول الله ﵇".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من غسل القدمين.
وهذا الحديث أخرجه الطحاوي في أول باب الوضوء للصلاة مرة مرة، وثلاثا ثلاثا بهذا الإسناد بعينه، ولكن لفظه هناك: "عن عليّ أنه توضأ ثلاثا ثلاثا".
وأخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والدارقطني، وقد ذكرناه (٢).
والرحبة هي رحبة الكوفة ذكرناها عن قريب واعلم أنه قد تواترت الأخبار عن النبي ﵇ بغسل الرجلين في الوضوء، فثبت به الحكم قطعا، وما يروى عن عليّ وابن عباس وابن عمر وغيرهم من المسح عليهما كما ذكرنا فهي أخبار آحاد لا يجب قبولها من وجهين:
стр. 314
أحدهما: لما فيه من الاعتراض على موجب الآية من الغسل، على ما نبين ذلك إنْ شاء الله تعالى.
والثاني: أن أخبار الآحاد غير مقبولة في مثله؛ لعموم الحاجة إليه، وقد روي عن عليّ ﵁ "أنه قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) بالنصب، وقال: المراد الغسل" فلو كان عنده عن النبي ﵇ جواز المسح والاقتصار عليه دون الغسل، لما قال: إن مراد الله الغسل، كذا قاله أبو بكر الجصاص.
وقال البيهقي: وحديث عبد خير عن عليّ في المسح على ظهر القدمين إنْ صح فالمراد به ظهر الخفين، وقد روي عن عليّ من أوجه كثيرة أنه غسل رجليه في الوضوء.
قلت: أما الجواب عن الأحاديث التي فيها مسح الرجلين، فقد أجاب أبو جعفر: عن الحديث الأول -أعني حديث النزال بن سبرة- أنه ليس فيه دليل على أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه، وهو لا شك أنه غسل؛ لأن الوجه لا يمسح عليه بالإجماع، فكذلك المراد من قوله: "ومسح رجليه" معناه غسلهما.
فإن قيل: هل أتى المسح بمعنى الغسل؟
قلت: نعم، وقد قال أبو زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضائه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك، أي أذهب عنك وطهرك من الذنوب.
وأما الجواب عن الحديث الثاني- وهو حديث ابن عباس ﵄ فهو أن يقال: إنه ضعيف، وقد قال الترمذي: سألت محمَّد بن إسماعيل عنه فضعفه، ولئن سلمنا أنه صحيح، ولكنه قال: "ثم أخذ بيديه جميعا حفنة من ماء"، والحفنة من الماء قد تصل إلى ظاهر القدم وباطنه وإنْ كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: "ففتلها بها،
стр. 315
ثم الأخرى مثل ذلك" والحفنة قد تكفي مع الرفق في مثل هذا، ولو كان أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة.
وأما الجواب عن الحديث الثالث -وهو حديث عطاء بن يسار، عن ابن عباس- فهو أن المراد به غسل قدميه وهو منتعل، والدليل على ذلك أنه قال: "فأخذ ملء كفه ماء" ولو كان المراد أنه مسح لكان يكفي أقل من ذلك؛ لأن المسح هو الإصابة وليس الإسالة.
وأما الجواب عن الحديث الرابع، وهو حديث السُّدي، عن عبد خير، عن عليّ ﵁ فمراده باطن الخف الذي على القدم.
قال البيهقي في "المعرفة" (١): هذا حديث تفرّد به عبد خير الهمداني، عن عليّ ﵁ وعبد خير لم يحتج به صاحب الصحيح، وقد اختلف عليه في متن هذا الحديث، فروي هكذا، وروي عنه أن ذلك كان على الخفين، أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال: نا أحمد بن عبيد الصفار قال: نا عباس بن الفضل الأسفاطي، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا حفص -هو ابن غياث- عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن عليّ ﵁ قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكنِّي رأيت رسول الله ﵇ يمسح على ظاهرهما" ويحتمل أن يكون المراد بالأول ما فسّر في هذا، وروي من وجه آخر عن عبد خير: أن المسح إنما كان في وضوء من لم يُحدث.
وأما الجواب عن الحديث الخامس -وهو حديث نافع عن ابن عمر- فالمراد أنه مسح على جورَبَيْه المنعلين، أو كان هذا في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه من الحدث.
وكذلك الجواب عن حديث علي ﵁: "أنه توضأ وضوءا خفيفا، ثم مسح على نعليه" أراد به على جورَبيه المنعلين أو في وضوء متطوع به.
стр. 316
وأما الجواب عن الحديث السادس -وهو حديث رفاعة بن رافع- فالمراد أنه مسح برأسه وخفيه على رجليه، وقد قال بعضهم في هذا الحديث: إن هذا وأمثاله من الآثار الدالة على مسح الرجلين في الوضوء من غير خف منسوخة بالأحاديث الواردة بغسلها، وقد قال الطحاوي: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى أمرهم رسول الله ﵇ بإسباغ الوضوء وخَوَّفهم، فقال: "ويل للأعقاب من النار" فدلّ ذلك على أن حكم المسح الذي قد كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا من الأحاديث التي وردت بالغسل.
وأما الجواب عن الحديث السابع -وهو حديث عباد بن تميم عن عمه- فالمراد أنه مسح على الخفين على القدمين، أو مسح على القدمين في وضوء متطوع به، كما ذكرناه.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيّ، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي حيّةالوادعي، عن عليّ ﵁ عن النبي ﵇.
ش: هذا طريق آخر عن حسين، عن محمَّد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعي، عن أبي حيّة -بالياء آخر الحروف- لا يُعرفُ اسمُه، عن عليّ، وقد ذكر هؤلاء في أول "باب الوضوء مرة مرة".
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر عن علي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله.
وأخرجه أبو داود (١): نا مسدّد وأبو توبة، نا [أبو الأحوص، و] (٢) نا عمرو ابن عون قال: أنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية قال: "رأيت عليّا
стр. 317
توضأ فذكر وضوءه ثلاثا ثلاثا، قال: ومسح رأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله ﵇".
وأخرجه الترمذي (١): عن هناد وقتيبة، كلاهما عن أبي الأحوص نحوه، وزاد فيه: "ثم قام فأخذ فضل طَهُوره فشربه وهو قائم".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن مالك بن عرفطة قال: سمعت عبد خير ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر بن عبد الملك بن عمرو العَقَدي البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن مالك بن عرفطة ... إلى آخره.
ومالك بن عرفطة، ذكر في "التكميل": مالك عن عبد خير عن علي في الوضوء، وعنه شعبة، وتابعه أبو عوانة بعد ما كان يسميه باسمه الصحيح، قال أبو داود: إنما هو خالد بن علقمة، أخطأ فيه شعبة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): وقال: نا يحيى بن سعيد، نا شعبة، حدثني مالك ابن عرفطة، سمعت عبد خير قال: "كنت عند عليّ ﵁ فَأُتي بكرسي وتور، قال: فغسل كفيه ثلاثا، ووجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه -وصف يحيى- فبدأ بمقدم رأسه إلى آخره، قال: ولا أدري أرد يده أم لا، وغسل رجليه، ثم قال: من أحبّ أن ينظر إلى وضوء رسول الله فهذا وضوء رسول الله ﵇" قال أبو عبد الرحمن: هذا أخطأ فيه شعبة إنما هو خالد بن علقمة، عن عبد خير.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: ثنا إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان ﵁: "أنه توضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا وقال: رأيت رسول الله ﵇ توضأ هكذا".
стр. 318
ش: ذكر الطحاوي هذا بعينه إسنادا ومتنا في باب الوضوء مرة مرة.
ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، عن عثمان مثله.
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وابن أبي عقيل اسمه عبد الغني، واسم أبي عقيل رفاعة بن عبد الملك الجمحي.
ويونس الأول هو: ابن عبد الأعلى، والثاني هو: ابن يزيد الأيلي.
وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان [أخبره]، (٢): "أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ دعا بإناء، فأفرغ على كفَّيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين".
وأخرجه مسلم (٣): عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو، وحرملة بن يحيى كلاهما، عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه مع بعض زيادة.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن أبي مريم، قال: "دخلت على زيد بن دارة بيته، فسمعني وأنا أمضمض فقال لي: يا محمَّد، فقلت: لبيك، فقال: ألا أخبرك عن وضوء رسول الله ﵇؟ قلت: بلى. قال: رأيت عثمان بن عفان عند المقاعد دعا بوضوء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: من أحب أن ينظر إلى وُضوء رسول الله ﵇ فلينظر إلى وضوئي".
стр. 319
ش: رجاله كلهم ثقات.
وأخرجه الداراقطني (١): عن الحسين بن إسماعيل، عن محمَّد بن عبد الله المخرمي، عن صفوان بن عيسى ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي (٢): عن أبي الحسن علي بن محمَّد بن علي المقرئ، عن الحسن ابن محمَّد بن إسحاق الإسفرائيني، عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن مسدد بن مسرهد، عن صفوان ... إلى آخره.
قوله: "عند المقاعد"، وهي في المدينة حيث يُصلَّي على الجنائز عند المسجد.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: سمعت كثير بن زيد، قال: ثنا المطلب بن عبد الله بن حَنطب المخزومي، عن حمران بن أبان: "أن عثمان ﵁ توضأ، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، وقال: لو قلت أنَّ هذا وضوء رسول الله ﵇ صدقت".
ش: أبو بكر الحنفي الصغير اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، روى له الجماعة.
وكثير بن زيد الأسلمي السهمي، وثقه محمَّد بن عبد الله بن عمار، وقال يحول: ليس بذاك القوي، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
والمطلب بن عبد الله، وثقه ابن حبان.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": نا أبو موسى، نا عبيد الله بن عبد المجيد، ثنا كثير بن زيد المدني، نا المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حمران بن أبان: "أن عثمان توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: لو قلت هذا وضوء رسول الله ﵇ صدقت".
стр. 320
ص: حدثنا ابن أبي عقيل، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري، قال: سمعت أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد يقول: سمعت المستورد بن شداد القُرشيَّ يقولُ: "رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه".
قال أبو جعفر: وهذا لا يكون إلَّا في الغَسل؛ لأن المسح لا يبلغ فيه ذلك، إنما هو على ظهور القدمين خاصة.
ش: يزيد بن عمرو المعافري المصري، قال أبو حاتم: لا بأس به، والمعافري -بفتح الميم- نسبة إلى المعافِر بن يَعْفُر، قبيل عامتهم بمصر.
وأخرجه أبو داود (١): عن قتيبة، عن ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه. ولفظه: "إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره".
وأخرجه الترمذي (٢): وقال: هذا حديث غريب (٣) لا نعرفه إلَّا من حديث ابن لهيعة.
وأخرجه ابن ماجه (٤): عن محمَّد بن المصفى الحمصي، عن محمَّد بن حمير، عن ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا".
ش: إسناده صحيح.