← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأما الجواب عن الحديث السادس -وهو حديث رفاعة بن رافع- فالمراد أنه مسح برأسه وخفيه على رجليه، وقد قال بعضهم في هذا الحديث: إن هذا وأمثاله من الآثار الدالة على مسح الرجلين في الوضوء من غير خف منسوخة بالأحاديث الواردة بغسلها، وقد قال الطحاوي: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى أمرهم رسول الله ﵇ بإسباغ الوضوء وخَوَّفهم، فقال: "ويل للأعقاب من النار" فدلّ ذلك على أن حكم المسح الذي قد كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا من الأحاديث التي وردت بالغسل. وأما الجواب عن الحديث السابع -وهو حديث عباد بن تميم عن عمه- فالمراد أنه مسح على الخفين على القدمين، أو مسح على القدمين في وضوء متطوع به، كما ذكرناه. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيّ، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي حيّةالوادعي، عن عليّ ﵁ عن النبي ﵇. ش: هذا طريق آخر عن حسين، عن محمَّد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعي، عن أبي حيّة -بالياء آخر الحروف- لا يُعرفُ اسمُه، عن عليّ، وقد ذكر هؤلاء في أول "باب الوضوء مرة مرة". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر عن علي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله. وأخرجه أبو داود (١): نا مسدّد وأبو توبة، نا [أبو الأحوص، و] (٢) نا عمرو ابن عون قال: أنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية قال: "رأيت عليّا

стр. 317

توضأ فذكر وضوءه ثلاثا ثلاثا، قال: ومسح رأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله ﵇". وأخرجه الترمذي (١): عن هناد وقتيبة، كلاهما عن أبي الأحوص نحوه، وزاد فيه: "ثم قام فأخذ فضل طَهُوره فشربه وهو قائم". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن مالك بن عرفطة قال: سمعت عبد خير ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر بن عبد الملك بن عمرو العَقَدي البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن مالك بن عرفطة ... إلى آخره. ومالك بن عرفطة، ذكر في "التكميل": مالك عن عبد خير عن علي في الوضوء، وعنه شعبة، وتابعه أبو عوانة بعد ما كان يسميه باسمه الصحيح، قال أبو داود: إنما هو خالد بن علقمة، أخطأ فيه شعبة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): وقال: نا يحيى بن سعيد، نا شعبة، حدثني مالك ابن عرفطة، سمعت عبد خير قال: "كنت عند عليّ ﵁ فَأُتي بكرسي وتور، قال: فغسل كفيه ثلاثا، ووجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه -وصف يحيى- فبدأ بمقدم رأسه إلى آخره، قال: ولا أدري أرد يده أم لا، وغسل رجليه، ثم قال: من أحبّ أن ينظر إلى وضوء رسول الله فهذا وضوء رسول الله ﵇" قال أبو عبد الرحمن: هذا أخطأ فيه شعبة إنما هو خالد بن علقمة، عن عبد خير. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: ثنا إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان ﵁: "أنه توضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا وقال: رأيت رسول الله ﵇ توضأ هكذا".

стр. 318

ش: ذكر الطحاوي هذا بعينه إسنادا ومتنا في باب الوضوء مرة مرة. ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، عن عثمان مثله. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وابن أبي عقيل اسمه عبد الغني، واسم أبي عقيل رفاعة بن عبد الملك الجمحي. ويونس الأول هو: ابن عبد الأعلى، والثاني هو: ابن يزيد الأيلي. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان [أخبره]، (٢): "أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ دعا بإناء، فأفرغ على كفَّيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين". وأخرجه مسلم (٣): عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو، وحرملة بن يحيى كلاهما، عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه مع بعض زيادة. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن أبي مريم، قال: "دخلت على زيد بن دارة بيته، فسمعني وأنا أمضمض فقال لي: يا محمَّد، فقلت: لبيك، فقال: ألا أخبرك عن وضوء رسول الله ﵇؟ قلت: بلى. قال: رأيت عثمان بن عفان عند المقاعد دعا بوضوء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: من أحب أن ينظر إلى وُضوء رسول الله ﵇ فلينظر إلى وضوئي".

стр. 319

ش: رجاله كلهم ثقات. وأخرجه الداراقطني (١): عن الحسين بن إسماعيل، عن محمَّد بن عبد الله المخرمي، عن صفوان بن عيسى ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البيهقي (٢): عن أبي الحسن علي بن محمَّد بن علي المقرئ، عن الحسن ابن محمَّد بن إسحاق الإسفرائيني، عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن مسدد بن مسرهد، عن صفوان ... إلى آخره. قوله: "عند المقاعد"، وهي في المدينة حيث يُصلَّي على الجنائز عند المسجد. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: سمعت كثير بن زيد، قال: ثنا المطلب بن عبد الله بن حَنطب المخزومي، عن حمران بن أبان: "أن عثمان ﵁ توضأ، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، وقال: لو قلت أنَّ هذا وضوء رسول الله ﵇ صدقت". ش: أبو بكر الحنفي الصغير اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، روى له الجماعة. وكثير بن زيد الأسلمي السهمي، وثقه محمَّد بن عبد الله بن عمار، وقال يحول: ليس بذاك القوي، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. والمطلب بن عبد الله، وثقه ابن حبان. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": نا أبو موسى، نا عبيد الله بن عبد المجيد، ثنا كثير بن زيد المدني، نا المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حمران بن أبان: "أن عثمان توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: لو قلت هذا وضوء رسول الله ﵇ صدقت".

стр. 320

ص: حدثنا ابن أبي عقيل، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري، قال: سمعت أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد يقول: سمعت المستورد بن شداد القُرشيَّ يقولُ: "رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه". قال أبو جعفر: وهذا لا يكون إلَّا في الغَسل؛ لأن المسح لا يبلغ فيه ذلك، إنما هو على ظهور القدمين خاصة. ش: يزيد بن عمرو المعافري المصري، قال أبو حاتم: لا بأس به، والمعافري -بفتح الميم- نسبة إلى المعافِر بن يَعْفُر، قبيل عامتهم بمصر. وأخرجه أبو داود (١): عن قتيبة، عن ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه. ولفظه: "إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره". وأخرجه الترمذي (٢): وقال: هذا حديث غريب (٣) لا نعرفه إلَّا من حديث ابن لهيعة. وأخرجه ابن ماجه (٤): عن محمَّد بن المصفى الحمصي، عن محمَّد بن حمير، عن ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا". ش: إسناده صحيح.

стр. 321

وعبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن، وتصغير الأب. وأبو رافع مولى النبي ﵇، واسمُه أسلم أو إبراهيم. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١): ثنا أحمد -يعني ابن يحيى الحلواني- نا سعيد -يعني ابن سليمان- عن عبد العزيز بن محمَّد الدراورديّ، ثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: "رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثا، ورأيته مرة أخرى توضأ مرة مرة" لا يروى عن أبي رافع إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به الدراورديّ. ص: حدثنا يونس وحسين بن نصر، قالا: ثنا علي بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله ابن عَمرو، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الرُبيّع قالت: "كان رسول الله ﷺ يأتينا فيتوضأ للصلاة، فيغسل رجليه ثلاثا ثلاثا". ش: أخرج الطحاوي هذا الحديث في باب حكم الأذنين، من وجوه كثيرة، والتكرار للتبويب، واختلاف فيه إسنادا ولفظا. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عُمر الحوضي، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ توضأ فمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه، ووضأ قدميه". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود. وأبو عمر الحوضي اسمه حفص بن عمر البصري، شيخ البخاري، والحوضي نسبة إلى حوض داود، محلة ببغداد.

стр. 322

ورواه الطبراني في "الأوسط" (١): عن محمَّد بن يحيى القزاز، عن حفص بن عمر الحوضي ... إلى آخره نحوه، غير أن فيه: "ومسح رأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا". وأخرجه الترمذي (٢) معلقا، وقال وقد روي عن همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا". قوله: "وضأ قدميه" أبي غسلهما، من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، وقد فسره في رواية الطبراني كما ذكرنا. ص: حدثنا أحمد بن أبي داود، قال: نا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ فسأله كيف الطهور؟ فدعا بماء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه، وغسل رجليه، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم". ش: ذكر الطحاوي هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه في باب حكم الأذنين، ولكن اقتصر هناك على حكم الأذنين، وذكرها هنا بقية الحديث، وقد مر الكلام فيه مستقصى هناك. قوله: "فقد أساء" أبي في الأدب بترك السُّنَّة والتأدب بآداب الشرع، و"ظلم" نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب: الوضوء مرة مرة. ويُستفاد منه: أن النية ليست بشرط في الوضوء، إِذ لو كانت شرطا لكان ﵇ علم ذلك الرجل؛ لأن الوضع موضع الحاجة إلى البيان. ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قالا: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن

стр. 323

عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم: "هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﵇ يتوضأ؟ فدعا بماء فتوضأ وغسل رجليه". ش: ذكر هذا في باب فرض مسح الرأس بهذا الإسناد، ولكن المتن يختلف. وأخرجه البخاري (١) بأتم منه، وقال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: "أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -وهو جدّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﵇ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يده فغسل يده مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقن، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه". وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والطبراني من وجوه كثيرة، وقد ذكرناها (٢) في باب: "فرض مسح الرأس". ص: حدثنا بحر قال: ثنا ابن وهب قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: "أن أبا جُبَير الكنديّ قدم على رسول الله ﵇ فأمر له بوضوء، فقال: توضأ يا أبا جُبير، فبدأ بفيه، فقال له رسول الله ﷺ : لا تبدأ بفيك. فإن الكافر يبدأ بفيه، ودعا رسول الله ﵇ بماء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه ... ". ش: إسناده صحيح. وبحر هو ابن نصر بن سابق الخولاني. وجبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمن الحمصي التابعي، أدرك النبي ﵇ وأسلم في خلافة أبي بكر ﵁ روى له الجماعة إلَّا البخاري.

стр. 324

وأبو جبير الكندي شامي، وليس له اسم يعرف. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا ابن قتيبة، قال: ثنا حرملة بن يحيى، نا ابن وهب، قال: نا معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: "أن أبا جبير الكندي قدم على رسول الله ﵇، فأمر له رسول الله ﵇ بوضوء، فقال: توضأ يا أبا جبير. فبدأ بفيه، فقال رسول الله ﵇: لا تبدأ بفيك؛ فإن الكافر يبدأ بفيه، ثم دعا رسول الله ﵇ بوضوء، فغسل يديه حتى أنقاهما، ثم تمضمض واستنثر (واستنشق) (٢)، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث بن سعد، عن معاوية، ثم ذكر مثله بإسناده. قال فهدٌ: فذكرته لعبد الله بن صالح، فقال: سمعته من معاوية بن صالح. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح. ص: فهذه الآثار قد تواترت عن النبي ﵇ أنه غسل قدميه في وضوئه للصلاة. ش: أي الأحاديث المذكورة قد تكاثرت وتتابعت عن النبي ﵇ في غسل القدمين في الوضوء. ص: وقد روي عنه أيضًا ما يدل على أن حكمهما حكم الغسل، فمما روي في ذلك: ما حدثنا يونس، وابن أبي عقيل جميعًا قالا: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه".

стр. 325

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات. وأخرجه مسلم (١): عن سويد بن سعيد، عن مالك ... إلى آخره نحوه، وفي لفظه: "نظر إليها بعينيه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء" وهكذا بعد اليدين، والرجلن، وفي آخره: "حتى يخرج نقيّا من الذنوب". وأخرجه الترمذي (٢): عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى القزاز، عن مالك ... إلى آخره، نحو رواية مسلم، وقال: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "كل خطيئة" أي إثم، من خَطِئ في دينه خِطْئا -بكسر الخاء، وسكون الطاء- إذا أثم فيه، والخِطْئُ: الذنب، وأَخْطَأَ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا، ويقال: خَطِئ بمعنى أخطأ أيضًا، وقيل: خَطِئَ إذا تعمّد، وأخطأ إذا لم يتعمد، ويقال لمن أراد شيئًا ففعل غيره أو فعل غير الصواب: أخطأ. قوله: "بطشتها"، من البطْش وهو السطوة، والأخذ بالعنف، وقد بَطَشَ به يَبْطُشُ، ويَبْطِشُ بَطْشا وبَاطَشَهُ مُباطَشَةً، وعين الفعل في المضارع مضموم ومكسور. قوله: "مَسَّتها"، من المسّ، من مَسِسْتُ الشيء -بالكسر- أمَسُّه مَسّا، فهذه اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد مسَسْتُ الشيءَ -بالفتح- أمَسُّه مَسّا، فهذه بالضم، وربما قالوا: مِسْتُ الشيء بحذف السين الأولى، وتحويل كسرها إلى الميم، ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن المراد من قوله: "كل خطيئة" الصغائر لا الكبائر، وإنْ كانت الخطيئة تتناول الكل، وذلك لأن الكبائر لا تكفرها إلَّا التوبة أو رحمة الله تعالى، وقال القاضي في قوله: "حتى يخرج نقيّا من الذنوب": هذا يعم كل ذنب. قلت: نعم، ذلك بحسب الظاهر، ولكن المراد منه الصغائر كما ذكرنا، ولهذا

стр. 326

لا يخرج من مظالم العباد إلَّا بإرضاء الخصوم فهذه أيضًا ذنوب، وقد يقال: إنَّ المراد من الذنوب: الذنوب التي يقترفها ما بين الوضوئين من الصغائر والكبائر ما خلا مظالم العباد، كما ورد في حديث: "الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما" (١). الثاني: أن قوله: "فإذا غسل رجليه" نص صريح أن وظيفة الرجلين الغسل، ولهذا قال في رواية مسلم: "مع الماء أو مع آخر قطر الماء" وإنما ذكر ذلك عند غسل الوجه وغسل اليدين وغسل الرجلين، ولم يذكر شيئا في مسح الرأس؛ لأنه غير الغسل، فإن قلت: ما معنى خروج الخطيئة عند الغسل، والخروج ونحوه مما يضاف إلى الأجسام؟ قلت: هذه استعارة؛ لأنه شبَّه الخطيئة بالوسخ والدرن الذي يتراكب على الجسم، ثم أثبت له على طريق الترشيح ما يلائمه، وهو الخروج الذي بمعنى الزوال، وجه التشبيه زوال الدرن من الجسم بالماء، والمعنى تزول الخطيئة عنه عند الغسل، بمعنى يغفر لها وتمحى، كما يزول الدرن حقيقة من الجسم عند مماسَّة الماء. الثالث: أن ظاهر الحديث يدل على أن تلك الفضيلة تحصل له وإنْ لم يصل بذلك الوضوء شيئًا من الصلوات، وفيه دليل على أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإنْ لم يصل به. والدليل عليه ما روى البخاري (٢): بإسناده، عن أسامة بن زيد أنه قال: "دفع رسول الله ﵇ من عرفة حتى نزل بالشعب، فبالَ ثم توضأ، ولم يُسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله، قال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء إلى المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلى ولم يُصل بينهما".

стр. 327

فهذا يدل على أن وضوءه ﵇ أولا ما كان لأجل الصلاة، وإنما كان لتحصيل الطهر والتقرب، ولهذا كان ﵇ يقدم الطهارة إذا أوى إلى فراشه، ليكون مَبيتُه على طهر. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني عبّاد بن أبي صالح السمان، أنه سمع أباه يقول: سمعت أبا هريرة يقولُ: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "ما من مسلم يتوضأ فيغسل سائر رجليه إلَّا خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها". ش: ابن أبي مريم هو سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري. وموسى بن يعقوب بن عبد الله المدني، وثقه يحيى، وضعفه ابن المديني، وقال: ليس بشيء. وأخرجه البزّارُ في "مسنده": ثنا محمَّد بن مسكين، نا ابن أبي مريم، نا موسى ابن يعقوب، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يتوضأ للصلاة فيغسل وجهه إلَّا تناثر مع الماء أو مع قطر الماء كل سيئة نظر إليها، ولا تمضمض إلا تناثر مع كل قطر الماء كل سيئة وجد ريحها، ولا يغسل يديه إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة بطش بها، ولا يغسل شيئًا من رجليه إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها، فإذا خرج من المسجد كتبت له بكل خطوة خطاها حسنة، ومحي بها عنه سيئة حتى يأتي مقامه". وأخرجه الطبراني أيضًا في "الأوسط" (١): وقد استدل بهذا الحديث وبأمثاله أصحابنا على أن الماء المستعمل لا يجوز استعماله؛ لأنه أزال الآثام عن المتوضئ، فينتقل ذلك إلى الماء فيتمكن منه نوع خبث، كالماء الذي تصدق به، ولهذا سمّيت الصدقة غسالة الناس، فإذا تمكن منه نوع خبث تسلب عنه الطهورية، ولا تسلب الطاهرية، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم

стр. 328

العراقي أنه كان يقول: إنا نرجوا ألَّا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة، وهو اختيار المحققين، ومشايخنا بما وراء النهر. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: أخبرنا الحمانيّ، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد العبدي، عن أبيه قال: "ما أدري كم حدّثنيه رسول الله ﵇ أزواجا وأفرادا، ما من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ويغسل رجليه حتى يسيل الماء من قبل كعبيه، ثم يقوم فيصلي إلَّا غفر الله له ما سلف من ذنوبه". ش: الحِمَّانيّ هو: يحيى بن عبد الحميد، وثقه ابن معين، وهو بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم. وقيس بن الربيع، مختلف فيه. والأسود بن قيس، روى له الجماعة. وثعلبة بن عباد، قال ابن حزم: مجهول. قلت: روى له الأربعة، وأبوه عِبَاد -بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة- العبدي الصحابي، يُعدّ في أهل الكوفة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): عن العباس بن الفضل الأسفاطي، عن أبي الوليد الطيالسي. وعن أبي حصين القاضي، والحسين بن إسحاق التستري، كلاهما عن يحيى بن عبد الحميد الحماني ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "كم" هنا خبرية، أي كم أحاديث حدثنيها.

стр. 329

وقوله: "أزواجا وأفرادًا" حال عن المحذوف، أبي مجتمعات ومتفرقات. قوله: "ذَقَنِة" بفتح الذال المعجمة وفتح القاف، وهو مجتمع لِحْيَيْه. قوله: "إلى مرفقيه" المِرفَق بكسر الميم، وقال أبو عُبَيدة (١): المِرفَق والمَرفِق من الإنسان والدابة: أعلى الذراع وأسفل العضد، والمِرفق: المتكأ، قال الأصمعي: المرفق من الإنسان والدابة بكسر الفاء، وفي "جامع القزاز": وقال قوم: المرفق من اليد، والمتكأ، والأمر، مكسور الميم، وكذلك قرأ الأعمش، والحسن، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ (٢) بكسر الميم، وقرأها أهل المدينة، وعاصم بالفتح وبهذا يُرَّد على الجوهري أن الفتح لم يقرأ به أحد، وفي "الغريبين": الفتح أقيس، والكسر أكثر في مرفق اليد. قوله: "كعبيه" الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن الكتب في اللغة اسم لما علا وارتفع، ومنه سميت الكعبة، وكذا في العرف يفهم منه الناتئ، وما روي عن هشام، عن محمَّد: أنه المفصل الذي هو معقد الشراك على ظهر القدم فغير صحيح، وإنما قال محمَّد ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع الخف أسفل الكعبين، قيل: إنَّ الكعب هنا الذي في مفصل القدم، فنقل هشام ذلك إلى الطهارة. وقال أبو بكر: الكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي القدم إِذ لو كان العظم الناتئ على ظهر القدم، لكان للرجل اليمنى كعب لا كعبان، وروي عن علي ﵁ أنه قال لقوم: أين الكعبان؟ فأشاروا إلى رأس الساق، فقال: بل هو هذا، وأشار إلى المفصل، وعن الأصمعي: الكعبان عند موصل الساق والقدم، وهما في (وحشي) (٣) الرجلين، وأنكر قول الناس: إنه في ظهر القدم.

стр. 330

وفي "المخصص": في كل رِجْل كعبان وهما ما بين عظمي الساق وملتقى القدمين، والجمع كعوب وكعاب. وفي "العباب": والتركيب يدل على نتوء الشيء. ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش البصري، قال: نا أبو الوليد، قال: نا قيس، فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، عن عبد الله بن محمَّد، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن قيس بن الربيع ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في إحدى طرقه من حديث أبي الوليد. وخُشيش بضم الخاء المعجمة، وبشينين معجمتين بينهما ياء آخر الحروف ساكنة. ص: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرميّ، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شرحبيل بن السِمْط أنه قال: "مَنْ يُحدّثنا عن رسول الله ﷺ ؟ فقال عمرو بن عبسة: سمعت رسول الله ﵇ يقول: إذا دعا الرجل بطهوره فغسل وجهه؛ سقطت خطاياه من وجهه وأطراف لحيته، فإذا غسل يديه سقطت خطاياه من أطراف أنامله، فإذا مسح برأسه سقطت خطاياه من أطراف شعره، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من بطون قدميه". ش: رجاله ثقات. وأيوب هو السختياني. وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، أحد الأئمة الأعلام. وعمرو بن عَبَسَة -بفتحات- بن عامر السُلمي الصحابيّ ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): من حديث عمرو بن عبسة، عن النبي ﵇ قال: "إنَّ العبد إذا توضأ فغسل يديه (جرت) (٢) خطاياه من يديه، وإذا غسل

стр. 331

وجهه (جرت) (١) خطاياه من وجهه، إذا غسل ذراعيه (جرت) (١) خطاياه من ذراعيه ورأسه، إذا غسل رجليه (جرت) (١) خطاياه من رجليه". وقال الطبراني في "الكبير" (٢): حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أبو ثابت محمَّد بن عبيد الله، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، أنه قال لعمرو بن عبسة: حَدِّثنَا حَدِيثا سمعته من رسول الله ﵇. قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض واستنثر تناثرت الخطايا من فمه ومنخره، فإذا غسل وجهه تناثرت الخطايا من وجهه، فإذا غسل يديه تناثرت الخطايا من أظفاره، فإذا مسح رأسه تناثرت الخطايا من شعر رأسه، فإذا غسل رجليه تناثرت الخطايا من أظفار رجليه، فإذا قام فصلّى ركعتين يقبل فيهما بقلبه وطرفه إلى الله خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه". ص: حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب وأبي يحيى وأبي طلحة، عن أبي أمامة الباهلي، عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: "قلت: يا رسول الله كيف الوضوء؟ قال: إذا توضأت فغسلت يديك ثلاثا خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت في منخرك، وغسلت وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك". ش: رجاله ثقات. وأبو يحيى اسمه سُلَيم بن عامر الكلاعي الحمصي، وثقه ابن حبان وروى له مسلم. وأبو طلحة اسمه نُعيم بن زياد الأنماري الشامي، وثقه النسائي وروى له. وأبو أمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي الصحابيّ.

стр. 332

وأخرجه الطبراني (١) بأتم منه: وقال: ثنا بكر بن سهل، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سُليم بن عامر الخبائري، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد، وكل هؤلاء سمعه من أبي أمامة الباهلي صاحب رسول الله ﵇ قال: سمعت عمرو بن عبسة السلمي يقول: "أتيت رسول الله ﵇ وهو نازل بعكاظ فقلت: يا رسول الله من معك في هذا الأمر، قال: معي رجلان: أبو بكر وبلال، فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتني ربع الإِسلام، قلت: يا رسول الله، أمكثُ معك أم ألحق بقومي؟ قال: بل الحق بقومك، فيوشك الله أن يفي بمن يرى إلى الإسلام، ثم أتيته قبيل فتح مكة فسلمت عليه، فقلت: يا رسول الله، أنا عمرو بن عَبَسة أُحبّ أن أسألك عما تعلم وأجهل عنه، وعما ينفعني ولا يضرك. فقال: يا عمرو، إنك تريد أن تسألني عن شيء ما سألني عنه أحد ممن ترى، ولن تسألني إنْ شاء الله إلَّا أخبرتك. فقلت: يا رسول الله فهل من ساعة أقرب من أخرى أو ساعة ينبغي ذكرها؟ قال: نعم، أقرب ما يكون من الدعاء جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تلك الساعة فكن؛ فإن الصلاة مشهودة إلى طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وهي صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح، ويذهب شعاعها، ثم الصلاة مشهودة محضورة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح لنصف النهار؛ فإنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وهي ساعة صلاة الكفار، فقلت: يا رسول الله، هذا في هذا، فكيف الوضوء؟ قال: أما الوضوء فإنك إذا توضأت وغسلت كفَّيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وبين أناملك، فإذا مضمضت واستنشقت في منخريك، وغسلت وجهك، ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين؛ اغتسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله تعالى- خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك.

стр. 333

فقلت: يا عمرو بن عَبَسَة انظر ما تقول كل هذا يُعطى في مجلس واحد؟! قال: والله لقد كبرتْ سنّي، ودنا أجلي، وما بي من فَقْر أن أكذب على رسول الله ﵇ لقد سمعتْ أذناي وَوَعَاه قلبي". قوله: "في مَنْخَريك" بفتح الميم، وهو ثقب الأنف، وقد تكسر الميم اتباعا لكسرة الخاء كما قالوا: مِنْتِن، وهما نادران؛ لأن مِفْعلا ليس من الأبنية، والمنخور لغة في المنخر، قال الراجز: مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إلى مُنْخُورِهِ (١) قوله: "من عامّة خطاياك" أبي من جميع ذنوبك، وسائر آثامك. ص: فهذه الآثار تدلّ أيضًا على أن الرِّجْلين فرضهما الغسل؛ لأن فرضهما لو كان هو المسح لم يكن في غسلهما ثواب، ألا ترى أن الرأس الذي فرضه المسح لا ثواب في غسله، فلما كان في غسل القدمين ثواب دلّ ذلك على أن فرضهما هو الغسل. ش: أي فهذه الأحاديث التي جاءت بفضل الوضوء المذكورة. والدليل على أنه لو غسل رأسه لا ثواب له ما ذكره من فضيلة مسح الرأس في حديث أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا تمضمض أحدكم حُط ما أصاب بفيه، وإذا غسل وجهه حط ما أصاب بوجهه، وإذا غسل يديه حط ما أصاب بيديه، وإذا مسح برأسه تناثرت خطاياه من أصول الشعر، وإذا غسل قدميه حط ما أصاب برجليه". رواه الطبراني في "الأوسط" (٢) برجال الصحيح.

стр. 334

فإن قلت: قد عرفنا أنه إذا غسل رأسه لا يستحق تلك الفضيلة فهل هو يغني عن المسح أم لا؟ قلت: نعم يجزئ؛ لأن المسح إصابة الماء، والغسل فيه الإصابة مع زيادة، وهي الإسالة، ولهذا لو صبّ على رأسه ميزاب أو ترك عليه مطر فأصاب قدر موضع المسح يجزئ عن المسح. وفي "المغني" لابن قدامة: فإن غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين: أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الله أمر بالمسح، والمسح غير الغسل. والوجه الآخر: يجزئه، وهو قول ابن حامد؛ لأنه لو كان عليه جنابة فانغمس في ماء يقصد الطهارتين أجزأه مع عدم المسح، فكذلك إذا كان الحدث الأصغر مفردا. انتهى. ومن أبين الدلائل على ما ذكرتُ حديث ابن عباس في وصفه وضوء علي ﵃ قال: "وأخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته، فتركها حتى تستن على وجهه -أي تسيل". رواه أبو داود (١) وقد ذكرناه. ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا ما يدل على ذلك. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن إسحاق، عن سعيد بن أبي كَرْب، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "رأى النبي ﵇ في قدم رجل لمعة لم يغسلها، فقال: ويل للعراقيب من النار". ش: أي قد روي عن النبي ﵇ أيضًا ما يدل على أن وظيفة الرجلين الغسل لا المسح، ثم بيّنه بقوله: "حدثنا فهد ... " إلى آخره. إسناده صحيح.

стр. 335

وأبو نعيم الفضل بن دكين، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السَّبيعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كَرْب، عن جابر بن عبد الله قال: "سمعت رسول الله ﵇ يقول: ويل للعراقيب من النار". وأخرجه ابن ماجه (٢): عن ابن أبي شيبة نحوه. قوله: "لُمْعَة" بضم اللام، وهي بياض أو سواد أو حمرة تبدو من بين لون سواها، وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليُبْس، والمراد بهَا هنا الموضع الذي لم يصبه الماء، وكذا اصطلح به الفقهاء. قوله: "ويل" من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب وهلاك، وهي تقابل "ويح"، يقال لمن وقع فيما لا يستحقه: ويحه، ترحما، وعن أبي سعيد الخدري: تأويل: وادٍ في جهنم، لو أرسلت عليه الجبال لما غيرته من حره"، وقيل: "ويل" صديد أهل النار. وارتفاعه على الابتداء، والمخصّص كونه مصدرا في معنى الدعاء كما في "سلامٌ عليكم" كما عرف في موضعه. و"العراقيب" خبره، جمع عرقوب، وهو الوتر الذي خلف الكعبين بين مفصل القدم، والساق من ذوات الأربع، وهو في الإنسان فوق العقب، وقال الجوهري: العرقوب: العصب الغليظ المُوتّر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. وقال الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه، وقد عرقبتُ الدابة: قطعت عرقوبها.

стр. 336

ويستفاد منه: وجوب استيعاب غسل الرجلين، وأن المسح غير جائز، ووجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأنَّ ترك البعض منها غير مجزئ حتى إذا كان تحت أظفاره وسَخ أو عجينٌ يَمنعَ وصولَ الماء إليه لا يجوز. وأنه إذا غسل أعضاء وضوئه ولم يسل الماء، بل استعمله مثل الدهن لا يجوز، وفي "البدائع": وهو ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يجوز، وعلى هذا قالوا: لو توضأ بالثلج ولم يقطر منه ماء لا يجوز، ولو قطر منه قطرتان أو ثلاث جازة لوجود الإساله. وأن الجسد يُعذب في النار، وهو مذهب أهل الحق. وأن العالم ينبغي له إنكار ما يرى من تضييع الفرائض والسنن، ويُغَلِّظ القول في ذلك. وأن تعليم الجاهل وإرشاده واجب. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمّل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء". ش: رجاله ثقات، وأبو بكرة بكَّار القاضي، وسفيان هو الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله، وسعيد هو ابن أبي كرب. وأخرجه ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "ويل للأعقاب من النار". قوله: "للأعقاب" جمع عَقِبْ مثال: كَبدْ، وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، وقال أبو حاتم: عَقِبْ، وعَقْب مثال: كَبِدْ وصَقْر، وهي مؤنثة، ولم يكسروا العين كما في كبد وكتف.

стр. 337

وقال النضر بن شُميل: العَقب يكون في المتَن والساقين مختلط باللحم، يمشق منه مشقا، ويهذّب، ويُنَقَّى من اللحم، ويُسَوَّى منه الوتر، وأما العصب فالعِلْباء الغليظ، ولا خير فيه، قال الليث: والعقِب مؤخر القدم فهو من العصب لا من العقَب، وقال الأصمعي: العقب ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك، وفي "المخصّص": عرش (١) القدم أصول سلامياتها المنتشرة القريبة من الأصابع، وعقبها مؤخرها الذي يفصلها عن مؤخر القدم، وهو موقع الشراك من خلفها. فإن قلت: لم خصّ الأعقاب بالعذاب؟. قلت: لأنها العضو التي لم تغسل. وفي "الغريبين": وفي الحديث: "ويل للعقب من النار" أي لصاحب العقب المقصر عن غسلها، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أي أهلها، وقيل: إن العقب تخصّ بالمؤلم من العقاب إذا قصر في غسلها. وفي "المنتهى في اللغة": وفي الحديث: "ويل للأعقاب من النار" أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وذلك أنهم كانوا يبولون على شباق من أعقابهم، ثم يصلون، ولا يغسلون. قوله: "أسبغوا" أمر من الإسباغ، وهو التكميل، والإتمام، والسبوغ: الشمول، وإنما ترك العاطف بين الجملتين؛ لأن الثانية كالبيان للأصلى فلا يحتاج إلى العاطف. فإن قلت: ما الألف واللام في الأعقاب؟ قلت: للعهد، أبي الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء، أو يكون المراد الأعقاب التي صِفَتُها هذه لا كل الأعقاب.

стр. 338

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، قال ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: نا أبو سلمة، قال: ثنا سالم مولى المهري، قال: "سمعت عائشة ﵂ تنادي عبد الرحمن: أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: ويل للأعقاب من النار". ش: رجاله رجال مسلم ما خلا شيخ الطحاوي، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى المهري هو الذي يقال له: سالم سَبَلان، وسالم الدَوْسي، وسالم مولى شداد (١). وأخرجه مسلم (٢): عن هارون بن سعيد الأيلي وأبي الطاهر وأحمد بن عيسى، كلهم عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد قال: "دخلت على عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: ويل للأعقاب من النار". وأخرجه أحمد أيضًا في مسنده (٣). ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عاصم، قال: ثنا ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي سلمة أنه سمع عائشة ﵁ تقول: "يا عبد الرحمن ... " فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن عجلان هو محمَّد، والمقبُري هو سعيد بن أبي سعيد كيسان. وأخرجه أحمد (٤): نا يحيى، عن ابن عجلان، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، قال: "رأت عائشة عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ يتوضأ، فقالت: يا عبد الرحمن، أحسن الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: ويل للأعقاب من النار".

стр. 339

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، عن عائشة مثله. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، وهو سالم سبلان المذكور آنفا. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني سالم الدوسي، قال: سمعت عائشة تقول لعبد الرحمن ابن أبي بكر: "يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: ويل للأعقاب من النار". ص: حدثنا ربيع الجيزيّ، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة بن شريح قال: أنا أبو الأسود، أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدّثه: "أنه دخل على عائشة زوج النبي ﵇ وعندها عبد الرحمن بن أبي بكر ... " ثم ذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو جيد حسن. وأبو زرعة اسمه وهب الله بن راشد الحجري المؤذن، قال أبو حاتم: محله الصدق (٢). وحيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري. وأبو الأسود النَّضر بن عبد الجبار بن نُضير -بضم النون في الجدّ، وبفتحها في الابن- وثقه ابن حبان. وأبو عبد الله هو سالم بن عبد الله مولى شداد، فهذا كما رأيت ذكره في الطريق الأول وقال: سالم مولى المهري، وفي الثاني ذكره وقال: سالم الدوسي، وفي الثالث ذكره وقال: إن أبا عبد الله مولى شداد، والكل واحدٌ كما ذكرنا، وبالطريق الثالث

стр. 340

أخرجه مسلم (١): عن حرملة، عن ابن وهب، عن حيوة، عن محمَّد بن عبد الرحمن، أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدثه: "أنه دخل على عائشة ﵂ ... " فذكر عنها عن النبي ﵇ بمثله. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) -وقال: سالم سبلان-: ثنا حسين، ثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم سبلان قال: "خرجنا مع عائشة إلى مكة، وكانت تخرج بأبي يحيى التيمي؛ يصلي بها، [قال] (٣) فأدركنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فأساء عبد الرحمن الوضوء، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: ويل للأعقاب من النار" (٤). ص: حدثنا فهد، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا سليمان بن بلال، قال: حدثني سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "ويلٌ للأعقاب من النار يوم القيامة". ش: إسناده صحيح، وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم، وقد تكرر ذكره، وأبو صالح ذكوان. وأخرجه مسلم (٥): حدثني زهير بن حرب قال: نا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار". ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "ويل (للعقب) (٦) من النار". ش: إسناده صحيح.

стр. 341

وأخرجه البخاري (١): نا آدم بن أبي إياس، ثنا شعبة، نا محمَّد بن زياد قال: "سمعت أبا هريرة وكان يَمرُّ بنا والناس يتوضئون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوضوء؛ فإن أبا القاسم قال: ويل للأعقاب من النار". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وإسناده صحيح أيضًا. وأخرجه النسائى (٢)، أنا قتيبة، قال: نا يزيد بن زريع، عن شعبة. وأنا مؤمل بن هشام، قال: ثنا إسماعيل، عن شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "ويل للأعقاب من النار". وأخرجه مسلم (٣) أيضًا من حديث شعبة، ولفظه: "ويل للعراقيب من النار". ص: حدثنا يونس قال: ثنا يحيى بن عبد اللهَ بن بُكير قال: حدثني الليث، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزُبيدي قال: سمعتُ رسول الله ﵇ يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا عقبة، ووثقه العجلي. وغيره. والزُّبيدي -بضم الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف- نسبة إلى زُبيد أحد أجداده؛ لأن عبد الله هو: ابن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب بن عمرو بن عُصم بن عُريج بن عمرو بن زُبيد، وإلى زبيد ترجع قبائل كثيرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤):، ثنا هارون قال: نا عبد الله بن

стр. 342

وهب، أخبرني حيوة بن شريح، أخبرني عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث ابن جزء الزُّبيدي، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار يوم القيامة". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): عن يحيى بن أيوب العلاف، عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد والليث بن سعد، عن يحيى بن شريح، عن عقبة بن مسلم ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: نا أبو الأسود، قال: نا الليث وابن لهيعة، قالا: أبنا حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، قال: سمعت عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: قال رسول الله ﵇ ... فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وعبد الله بن لهيعة وإنْ كان فيه مقال فهو مذكور متابعة. وأبو الأسود هو: النضر بن عبد الجبار. وأخرجه الطبراني (٢): من حديث ابن لهيعة وحده، عن حيوة بن شريح ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: نا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵇: "ويل للأعقاب من النار". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك، وأبو يحيى الأعرج اسمه مصدع مولى عبد الله ابن عمرو بن العاص.

стр. 343

وأخرجه الثلاثة، فأبو داود (١): عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن هلال ... إلى آخره نحوه، ولفظه: [أن] (٢) النبي ﵇ رأى قوما وأعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء". والنسائي (٣): عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان. وعن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور ... إلى آخره نحوه. وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلى بن محمَّد، كلاهما عن وكيع، عن سفيان، عن منصور ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: نا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو: "أن النبي ﵇ رأى قوما توضئوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا، فقال: ويل للعقب من النار، أسبغوا الوضوء". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥)، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة ... إلى آخره، ولفظه: "سألت رسول الله ﵇ عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: على النصف من صلاته قائما، قال: وأبصر رسول الله ﵇ قوما يتوضئون لم يتموا الوضوء، فقال: أسبغوا -يعني الوضوء- ويل للعراقيب من النار -أو للأعقاب-". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال:

стр. 344

"سافرنا مع رسول الله ﵇ من مكة إلى المدينة، فأتى على ماء بين مكة والمدينة، فحضرت العصر، فتقدم أناس، فانتهينا إليهم وقد توضأوا وأعقابهم تلوح لم يمسّها ماء، فقال النبي ﵇: ويل للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا أبو يعلى قال: نا أبو خيثمة، قال: نا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال: "رجعنا مع رسول الله ﵇ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا ببعض الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال، قال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء، فقال رسول الله ﵇: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء". وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: عن زهير بن حرب، عن جرير، عن منصور ... إلى آخره نحوه. قوله: "وقد توضئوا" حال، وكذا "وأعقابهم تلوح" وكذا "لم يمسها ماء" أحوال مترادفة أو متداخلة، وتلوح: مِن لاح الشيء إذا ظهر. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكّار، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: "تخلف عنا رسول الله ﵇ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر، ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى: ويل للأعقاب من النار -مرتين أو ثلاثا-". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو عوانة الوضّاح اليشكري. وأبو بشر جعفر بن أبي وحشيّة إياس الواسطي التابعي الكبير. وماهَك بفتح الهاء، والكاف، لا تتصرف للعجمة، والعلمية وهو اسم أبيه، وقيل: اسم أمه، والاصح أن اسم أمه مُسَيْكة، وعن ابن المديني: يوسف بن ماهك

стр. 345

ويوسف بن ماهان واحد، قلت: ماهك بالفارسية تصغير القمر، يعني قمير؛ لأن ماه عندهم اسم القمر، والتصغير عندهم بالكاف. وأخرجه البخاري (١): عن أبي النعمان، عن أبي عوانة إلى آخره نحو: رواية الطحاوي، وفيه فنادى بأعلى صوته. وأخرجه مسلم (٢): عن شيبان بن فروخ وأبي كامل الجحدري جميعًا، عن أبي عوانة إلى آخره نحوه. قوله: "في سفرة" قد جاء مفسرا في الرواية الأولى أنها كانت من مكة إلى المدينة. قوله: "وقد أرهقتنا" جملة حالية، وصلاة العصر فاعِلُهُ، أبي أعجلتنا لضيق وقتها، قال القاضي عياض: ومنه المراهق -بالفتح- في الحج؛ وقيل: بالكسر، وهو الذي أعجله ضيق الوقت أن يطوف. وفي "الموعب": قال أبو زيد: رَهِقتنا الصلاة بالكسر رهوقا: حانت، وأرهقنا نحن الصلاة إرهاقا: أخرناها عن وقتها، وقال صاحب "العين": استأخرنا عنها حتى يدنو وقت الأخرى، ورهِقتُ الشيء رهقا أي دنوت منه. وفي "المحكم": أرهقنا الليل: دنا منّا، ورهِقَتنا الصلاة رهقا: حانتْ. وفي "المعرب": رهقتنا الصلاة غشيتنا. وفي "الاشتقاق" للرُماني: أصل الرهَق الغشيان، وكذا قاله الزجاج. وقال أبو النضر: رهقني: دنا مني، وقال ابن الأعرابي: رهقته، وأرهقته بمعنى دنوت منه. قوله: "ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا" قال القاضي عياض: معناه نغسل كما هو المراد في الآية بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليل

стр. 346

على أنهم كانوا يمسحون، فنهاهم النبي ﵇ -عن ذلك، وأمرهم بالغَسل، وقالوا أيضًا: لو كان غسلاُ لأمرهم بالإعادة لما صلوا. هذا لاحجة فيه لقائله؛ لأنه ﵇ قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم بقوله: "ويل للأعقاب من النار"، ولا يكون هذا إلَّا في الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله: أسبغوا الوضوء، ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبلُ؛ فيلزم أمرهم بالإعادة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة ... فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون حتى أمرهم رسول الله ﵇ بإسباغ الوضوء، وخوّفهم فقال: "ويل للأعقاب من النار" فدلّ ذلك أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. ش: المفهوم من كلامه أن معنى قوله: "ونمسح على أرجلنا" هو أنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إنَّ رسول الله ﵇ منعهم عن ذلك، وأمرهم بالغسل، فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، ولكن فيه ما فيه؛ لأن قوله: "ونمسح على أرجلنا" يحتمل أنْ يكون معناه نغسل غسلا خفيفا مُبقَّعا حتى يرى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى: "رأى قوما توضئوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا" فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكن غسلا قريبا من المسح، فلذلك قال لهم: "أسبغوا الوضوء" وأيضًا إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضا عندهم لما توجه الوعيد؛ لأن المسح لو كان هو المعمول فيما بينهم كان يأمرهم بتركه وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ومن ذلك قال القاضي عياض: معناه نغسل كما ذكرناه آنفا، والصواب أنْ يُقال: إنَّ أمر رسول الله ﵇ بإسباغ الوضوء، ووعيدَه وإنكاره عليهم في ذلك الغسل

стр. 347

يدل على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي، لا الغسل المشابه للمسح كغسل هؤلاء، وما روي من الأحاديث التي فيها المسح صريحا فقد أجبنا عنها في أول الباب، وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله: "أسبغوا الوضوء" غير مُسَلّم؛ لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فُهِمَ من الوعيد؛ لأنه لا يكون إلَّا في ترك واجب، فلما فُهِمَ ذلك من الوعيد أكده بقوله: "أسبغوا الوضوء" ولهذا ترك العاطف فوقع هذا تأكيدًا عامّا يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء؛ لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين، بل قال: أسبغوا الوضوء، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما فكذلك هو مطلوب في غيرهما. فإنْ قيل: لِمَ ذكر الإسباغ عامّا، والوعيد خاصّا؟ قلت: لأنهم ما قصّروا إلَّا في وظيفة الرجلين؛ فلذلك ذكر لفظ الأعقاب، فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص، فهذا كله ظهر لي من الأنوار الربانية، وتحقق عندي أنه صواب، فلذلك غيرت هنا ما قلت هناك والله أعلم. ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب عن رسول الله ﵇ ما لمن غسل رجليه في وضوئه من الثواب، فثبت بذلك أنهما مما يغسل في الوضوء، وأنهما ليستا كالرأس الذي يمسح في الوضوء وغاسله لا ثواب له في غسله، وهذا الذي ثبت (بهذه) (١) الآثار هو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏. ش: أبي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس ... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "ما لمن غسل" مفعول "قد ذكرنا"، و"من" موصولة. وقوله: "من الثواب" بيان لكلمة "ما" فافهم.

стр. 348

ص: وقد اختلف الناس في قوله : ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) فأضافه قوم إلى قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) قصرا على معنى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وأضافه قوم إلى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقرءوا ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) نَسَقا على قوله: فاغسلوا وجوهكم، واغسلوا أيديكم، واغسلوا أرجلكم على الإضمار والنسق. ش: لما ذكر حجج الفريقين من الآثار والأخبار، شرع بذكر استدلالهم بالقرائتين المختلفتين في آية الوضوء، فالفريق الأول -أعني الذين ذهبوا إلى مسح الرجلين- أخذوا بقراءة الجرِّ في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) وجعلوها عطفا على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وهو معنى قوله: "فأضافه قوم إلى قوله: وامسحوا ... " إلى آخره فيكون المأمور في الوضوء أربعة أشياء: غسلان: غسل اليدين، والوجه، ومسحان: مسح الرأس والرجلين، فقرأ بالجرّ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وحمزة، وابن كثير، وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: وقرأ أنس، وعلقمة، وأبو جعفر أيضًا بالخفض، وقال موسى بن أنس لأنس: يا أبا حمزة، إنَّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا حتى ذكر الرجلين، وغسلهما، وغسل العراقيب، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما، وقال: نزل القرآن بالمسح وجاءت السُّنَّهُ بالغسل. وعن ابن عباس وقتادة: "افترض الله -سبحانه- مسحين، وغسلين"، وبه قال عكرمة، والشعبي، واختار الطبري التمييز بينهما، وجعل القراءتين كالروايتين في الخبر، يعمل بهما إذا لم يتناقضا. انتهى. والفريق الثاني -أعني الذين ذهبوا إلى غسل الرجلين- أخذوا بقراءة النصب، وهو معنى قوله: "وأضافه قوم إلى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) وأراد بالإضافة

стр. 349

في الموضعين: العطف؛ لأن معنى العطف: الميل لغة، وفيه معنى الضم؛ لأن العاطف يضم شفقته إلى من يعطف عليه، ويجعلون المعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم واغسلوا أرجلكم، على الإضمار والنسق، أما الإضمار فهو تقدير اغسلوا، وأما النسق فهو العطف على اغسلوا وجوهكم، وممن قرأ بالنصب: عليٌّ، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس -في رواية- وإبراهيم، والضحاك، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، وعلي بن حمزة، وقال الأزهريّ: وهي قراءة ابن عباس، والأعمش، وحفص عن أبي بكر، ومحمد بن إدريس الشافعي ﵏. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: ثبتت القراءة بثلاث روايات: الرفع، قرأ به نافع، ورواه عنه الوليد بن مسلم، وهي قراءة الأعمش. والنصب والجرّ ذكرناهما، وقال الإِمام أبو بكر الرازي ﵀: وهاتان القراءتان قد نزل بهما القرآن جميعًا ونقلهما الأئمة تلقيّا من رسول الله ﵇ ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفهما على الرأس، ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها (على) (١) المغسول من الأعضاء، وذلك لأن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب يجوز أن يكون مراده واغسلوا أرجلكم، ويجوز أنْ يكون معطوفا على الرأس، فيراد بها المسح وإنْ كانت منصوبة فيكون عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح مفعول به، كقول الشاعر: مُعاوِيَ إننا بشرٌ فأسجح (٢) ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى، وتحتمل قراءة الخفض أنْ يكون معطوفا على الرأس، فيراد به المسح، ويحتمل عطفه على الغسل، ويكون

стр. 350

مخفوضا بالمجاورة، كقوله: تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (١)، ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢) فخفضهن بالمجاورة، وهن معطوفات في المعنى على الولدان؛ لأنهن يطفن ولا يطاف بهن، وكما قال الشاعر: فهل أنت إنْ ماتت أتانك ركبُ ... إلى دار بسطام بن قيس فخاطِب فخفض خاطِب بالمجاورة، وهو معطوف على المرفوع من قول راكبُ، والقوافي مجرورة، ألا ترى إلى قوله: فهَلْ مثلُها في مثل حَيّ وكلَّهُم ... على داري بين ليلى وغالِب فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين المسح، والغسل، فلا يخلو حينئذ القول من أحد معانٍ ثلاثة، إما أنْ يقال: إنَّ المراد هما جميعًا مجموعان فيكون عليه أنْ يمسح، ويغسل فيجمعهما، أو يكون أحدهما على التخيير، يفعل المتوضئ أيهما شاء ويكون ما يفعله هو المفروض، أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير، وغير جائز أنْ يكون هما جميعًا على وجه الجمع لاتفاق الجميع على خلافه، ولا جائز أيضًا أنْ يكون المراد أحدهما على وجه التخيير؛ إِذ ليس في الآية ذكر التخيير، ولا دلالة عليه، ولو جاز إثبات التخيير مع عدم لفظ التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع؛ فبطل التخيير بما وصفنا، وإذ انتفى التخيير والجمع، ولم يبق إلَّا أنْ يكون المراد أحدهما لا على وجه التخيير، فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما، فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدى فرضه وأتى بالمراد، وأنه غير ملوم على ترك المسح، فثبتَ أن المراد الغسل، وأيضًا فإن اللفظ للاحتمال الذي ذكرنا مع اتفاق الجميع على أن المراد أحدهما ضار في حكم المجمل المفتقر إلى البيان، فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول ﵇ من فعل أو قول، علمنا أنه مراد الله، وقد ورد البيان عنه ﵇ بالغسل قولًا

стр. 351

وفعلا، أما الأول فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أنه ﵇ غسل رجليه في الوضوء، ولم تختلف الأمة فيه، فصار ذلك واردا مورد البيان، فإذا ورد فعله على وجه البيان فهو على الوجوب، فثبتَ أن ذلك مراد الله بالآية. وأما الثاني فما روى جابر وأبو هريرة، وعائشة، وعبيد الله بن عمر وغيرهم: "أن النبي ﵇ رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء" (١) وتوضأ النبي ﵇ مرة فغسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلَّا به" (١) وأيضًا فلو كان المسح جائزا لما أخلاه النبي ﵇ من بيانه إِذ كان مراد الله في المسح كهو في الغسل، فكان يجب أنْ يكون مسحه في وزن غسله، فلما لم يرد عنه المسح حسب وروده في الغسل؛ ثبت أن المسح غير مراد. وأيضًا فإن القراءتين كالآيتين في أحداهما الغسل وفي الأخرى المسح لاحتمالهما للمعنيين، فإذا وردت آيتان إحداهما توجب الغسل، والأخرى توجب المسح، لما جاز ترك الغسل إلى المسح؛ لأن في الغسل زيادة فعل وقد اقتضاه الأجر بالغسل، فكان يكون حينئذ يجب استعمالها على أعمّهما حكمًا، وأكثرهما فائدة وهو الغسل؛ لأنه يأتي على المسح، والمسح لا يتضمن الغسل، وأيضًا لما حَدّد الرجلين بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كما قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ دلّ على استيعاب الجميع كما دلّ ذكر الأيدي إلى المرافق على استيعابهما بالغسل، وذكر صاحب "البدائع" ما ملخّصه: أن من قال بالمسح أخذ بقراءة الخفض، ومن قال بالتخيير يقول: إنَّ القراءتين ثابتتان، وقد تعذر الجمع بينهما بأن يجمع الغسل والمسح إِذ لا قائل به من السلف فيتخير، وأيهما فعل يكون آتيا بالمفروض، ومن قال بالجمع يقول: القراءتان في آية واحدة كالآيتين، فيجب العمل بهما جميعًا ما أمكن، وهنا أمكن لعدم التنافي بين الغسل والمسح في محل واحد، فيجب الجمع، ولنا قراءة النصب وأنها ترجح؛ لأنها محكمة في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على المغسول، وقراءة

стр. 352

الخفض محتملة؛ لأنه يحتمل عطفها على الرؤوس حقيقة ومحلها الخفض، وعلى الوجه واليدين حقيقة ومحلها النصب إلَّا أنها خفضت للمجاورة كما في: "جُحْر ضبٍّ خرب"، والخرب نعت للجحر لا للضبّ، فكانت قراءة النصب أرجح، إلَّا أن فيه إشكالا وهو أن الكلام في حد التعارض؛ لأن قراءة النصب محتملة أيضًا في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على اليدين والوجه؛ لأنه يحتمل أنَّهَا معطوفة على الرأس، والمراد بها المسح حقيقة، لكنها نصبت على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح به مفعول به فصار كأنه: فامسحوا رؤوسكم، والإعراب قد يتبع اللفظ وقد يتبع المعنى، فحينئذ يُصلب الترجيح من وجه آخر، وذلك من وجوه: أحدها: أنَّ الله مدّ الحكم في الأرجل إلى الكعبين، ووجوب المسح لا يمتد إليهما. الثاني: أنَّ الغَسْلَ يتضمن المسح. والثالث: أنه روى عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "ويل للأعقاب من النار" والوعيد لا يُستحق إلَّا بترك الواجب، والحكم في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين، فإنْ أمكن العمل بهما مطلقا يعمل، وإلَّا يعمل بالقدر الممكن، وها هنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحدٍ في حالة واحدةٍ؛ لأنه لم يقل به أحد، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح؛ لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيحمل في حالتين، فتُحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرِّجْلان باديتان، وقراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفن؛ توفيقا بين القراءتين، وعملا بهما بالقدر الممكن. انتهى. فإنْ قيل: لا يستقيم الحمل على هذا الوجه؛ لأن قراءة الجر تقتضي المسح على الرجل دون الخف. قلت: لما أقيم الخف مقامه كان المسح على الخف كالمسح عليه، وإنما أضيف المسح إلى الرجل دون الخف لئلا يوهم جواز المسح على الخف بدون اللبس، وهذا على اختيار بعض المشايخ الذين أثبتوا جواز المسح على الخف بالكتاب، ولكن الجمهور منهم أثبتوه بالسُّنة المشهورة دون الكتاب وقالوا: لو كان ثابتا

стр. 353

بالكتاب لكان مغيًّا إلى الكعبين كالغسل، وليس كذلك، وأجابوا عن قراءة الجرّ بأن الأرجل في محل النصب أيضًا بالعطف على الوجه فيكون مغسولا، فلا تعارض، وإنما صار مجرورا للمجاورة، وقيل: المراد بالمسح في حق الرجل الغسل، ولكن أُطلق عليه لفظ المسح للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١) وقيل: إنما ذكر بلفظ المسح؛ لأن الأرجل من بين سائر الأعضاء مظنة إسراف الماء بالصبّ، فعطف على الممسوح، وإنْ كانت مغسولة على وجوب الاقتصاد في الصبّ لا لتُمْسح، وجيء بالغاية فقيل: إلى الكعبين إماطة لظن ظان يحسبها أنها ممسوحة؛ إذ المسح لم تصرف له غاية، وإليه أشار العلامة الزمخشري في "الكشاف"، واعترض عليه بأنا لا نسلم أنّ العطف لا لتمسح؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقوله: إماطة لظن ... إلى آخره، غير مسلم أيضًا لأن الحكم الشرعي لا يعلم كيفيته وكميته إلَّا بالشرع، فننتهي إلى ما أنهانا الشارع إليه، وما قاله تعليل في معارضة النص، وهو فاسد، وأيضًا لو كان لتعليله أثر لم يُقرأ بالنصب، وقد ظهر فساد علّته لتخلف المعلول عن العلة، على تقدير قراءة النصب، وها هنا سؤال، وهو أنْ يقال: المسح في المعطوف عليه للإصابة حقيقة، وفي المعطوف إذا جعل للغسل مجاز، فيكون جمعا بين الحقيقة والمجاز. وأجيب بأن المسح الذي يُعبّر به عن الغسل هو لفظ المسح المقدر الذي تدل عليه الواو التي في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فحينئذ لا يلزم ذلك في لفظٍ واحدٍ. ص: وقد اختلف في ذلك أصحاب رسول الله ﵇ فمن دونهم، فمما روي عنهم في ذلك ما: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن قيس، عن عاصم، عن زِرٍّ: "أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالفتح".

стр. 354

ش: أي وقد اختلف في عطف قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هل هو على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أو على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أصحاب رسول الله ﵇ فمن دونهم من التابعين، فمما روي عن الصحابة: ما روي عن ابن مسعود ﵁. أخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن بهدلة الكوفي المقرئ، عن زر بن حُبَيْش، عن عبد الله، وفي قيس خلاف. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): عن أبي بكر أحمد بن علي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله، عن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، عن بُنْدَار، عن أبي داود ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق، قال: ثنا عبد الوارث ابن سعيد ووهيب بن خالد، عن خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن مبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يعني رجع الأمر إلى الغسل". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو حسن؛ لأن علي بن زيد روى له مسلم مقرونا بثابت البناني (٣).

стр. 355

ويوسف بن مهران وثقه أبو زرعة وابن سعد. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: سمعت هشيما يقول: أبنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأها كذلك، وقال: عاد إلى الغسل". ش: هذا طريق آخر وإسناده صحيح. قوله: "قرأها كذلك" يعني وأرجلَكم بالفتح. قوله: "عاد إلى الغسل" أي عاد الأمر أو الحكم إلى غسل الرجلين بمقتضى هذه القراءة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن مجاهد قال: "رجع القرآن إلى الغسل، وقرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. ش: يعقوب: هو ابن إسحاق، وقيس هو ابن الربيع، فيه مقال. وأخرجه البيهقي (١): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس، عن إبراهيم، عن يعقوب بن إسحاق ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن مجاهد ... إلى آخره. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مثله. ش: إسناده صحيح.
следующие страницы →