وفيه أيضًا مجهول.
وأخرجه الطبراني (١): من حديث هشام بن حسان، عن سالم الخياط، عن كثير بن المطلب.
وقال: ثنا محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، ثنا زيد بن أخرم، ثنا عبد القاهر بن شعيب، عن هشام بن حسان، عن سالم بن عبد الله، عن كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ خرج من الكعبة فقام حيال الركن، فصلى ركعتين والناس يقرون بين يديه يطوفون بالبيت الرجال والنساء".
قوله: "باب بني سهم" باب من أبواب مسجد الكعبة.
قوله: "وبين الطواف" في رواية النسائي بفتح الطاء وتخفيف الواو، وقد ضبطه بعضهم من أفاضل المحدثين بضم الطاء وتشديد الواو، وأراد به جمع طائف، ولكل منهما وجه، والله أعلم.
واستفيد من الحديث: أن مرور المار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وأن درء المار ليس بشرط لصحة الصلاة، إذ لو كان شرطًا لما كان ﵇ ترك الدرء في الحديث المذكور؛ لأنه لم ينقل أنه درأهم، وأن نصب السترة ليس بشرط لصحة الصلاة؛ إذ لو كان شرطًا لنصبها ﵇ حينئذ.
ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، أنه قال: تذاكروا عند عائشة ﵂ ما يقطع الصلاة؟ فقالوا: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة فقالت عائشة ﵂: لقد عدلتمونا بالكلاب والحمير، وقد كان رسول الله ﵇ يصلي في وسط السرير وأنا عليه مضطجعة، والسرير بينه وبين القبلة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس بين يديه فأؤذيه فأنسل من قَبِل رجلي انسلالًا".
стр. 3397
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وبشر بن عمر، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي وأنا بينه وبين القبلة، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم بين يديه، فأنسل انسلالا".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا مالك، عن أبي النضر (ح).
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب وأشهب، عن مالك عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت:"كنت أمد رجلي في قبلة رسول الله ﵇ -وهو يصلي؛ فإذا سجد غمزني فرفعتهما فقبضتهما فإذا قام مددتهما".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي وهي معترضة أمامه في القبلة، فإذا أراد أن يوتر غمزها برجله فقال: تنحي".
حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس البصري، قال: ثنا المقرى، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ يسبح من الليل وعائشة معترضة بينه وبين القبلة".
حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي يرقد عليه هو وأهله، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوتر".
ش: هذه سبع طرق صحاح، ستة منها عن نفس عائشة، وواحد عن علي بن أبي طالب في قضية عائشة:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني روى له الجماعة، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي الضحى مسلم ابن صبيح -بضم الصاد وفتح الباء الموحدة- العطار الكوفي روى له الجماعة.
стр. 3398
عن مسروق بن الأجدع روى له الجماعة ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا إسماعيل بن خليل، ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن مسلم -يعني بن صبيح- عن مسروق، عن عائشة: "أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: لقد جعلتمونا كلابًا؛ لقد رأيت النبي ﵇ يصلي وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير، فتكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله فأنسل انسلالًا".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو الناقد وأبو سعيد الأشج، قالا: ثنا حفص بن غياث.
ونا عمر بن حفص بن غياث -واللفظ له- قال: ثنا أبي، قال: نا الأعمش، قال: نا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂.
قال: وحدثني مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة: "وذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت رسول الله ﵇ يصلي وأني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي رسول الله ﵇، فأنسل من عند رجليه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم وبشر بن عمر بن الحكم الزهراني، كلاهما عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "عدلتمونا بالكلاب والحمر؛ لقد رأيتني
стр. 3399
مضطجعة على السرير فيجيء رسول الله ﵇ فيتوسط السرير، فيصلي فأكره أن أسنحه، فأنسل من قِبَل رجلي السرير، حتى أنسل من لحافي".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ الشيخين وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن أبي النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله ﵇ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، وأشهب بن عبد العزيز القيسي، كلاهما عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره، نحو رواية البخاري.
الخامس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة.
وأخرجه أبو داود (٣): نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر.
ونا القعنبي، نا عبد العزيز يعني بن محمد وهذا لفظه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت: "كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله ﵇، فيصلي رسول الله ﵇ وأنا أمامه، إذا أراد أن يوتر -زاد عثمان: غمزني ثم اتفقا- فقال تنحي".
стр. 3400
السادس: عن إبراهيم بن محمد بن يونس البصري مولى عثمان بن عفان نذيل مصر، عن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي المصري وثقه يحيى وأبو داود، عن عمه إياس بن عامر الغافقي وثقه ابن حبان، عن علي بن أبي طالب.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرحمن، نا موسى بن أيوب ... إلى آخره نحوه سواء.
السابع: عن محمد بن عمرو بن يونس الثعلبي المعروف بالسوسي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا هشام، حدثني أبي، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: "إن النبي ﵇ كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة راقدة على الفراش الذي يرقد عليه، حتى إذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت".
وأخرجه ابن ماجه (٤) أيضًا.
قوله: "لقد عدلتمونا" أي لقد سويتمونا بالكلاب، من قولك عدلته بهذا إذا سويت بينهما، وكذلك عادلت.
قوله: "وقد كان رسول الله ﵇ يصلي في وسط السرير" وفي بعض النسخ: "يصلي وسط السرير، بدون كلمة "في" وكذا رواية السراج في "مسنده"، والوَسَط
стр. 3401
بفتح السين لأن كل ما متصل كالدار والرأس فهو بالفتح، وكل ما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغير ذلك فهو بالسكون، ولهذا يسكن السين في قوله: "الجالس وَسْط الحلقة ملعون" ويقال كل ما يصلح فيه "بين" فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه "بين" فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر.
قوله: "وأنا عليه مضطجة" جملة إسمية وقعت حالًا.
قوله: "فتبدوا لي الحاجة" أي تظهر لي الحاجة، وفي رواية السراج: "فتكون لي الحاجة".
قوله: "فأنسل" أي أمضي بتأن وتدريج، وهو من الانسلال وثلاثية سل، من سللت الشيء أسلُّه سلًا، يقال: سللت السيف وأستللته بمعنى؛ قاله الجوهري.
قوله: "انسلالا" نصب على أنه مفعول، لقوله فأنسل.
قوله: "لقد رأيتني" أي لقد رأيت نفسي.
قوله: "أن أسنحه" بالحاء المهملة، أي أكره أن استقبله ببدني في صلاته، من سَنَحَ لي الشيء: إذا عَرَضَ، ومنه السانح ضد البارح.
قوله: "غمزني" من غمزت الشيء بيدي، قاله الجوهري، وأُنشد (١):
وكلنتُ إذا غَمزتُ قَنَاةَ قوم ... كَسَرتُ كُعُوبَهَا أو تَسْتَقِيما
وغمزته بعيني؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ (٢) والمراد به ها هنا الغمز باليد.
وفيه حجة لأصحابنا لأن الأصل في الرجل أن تكون بغير حائل؛ عرفًا وكذلك اليد؛ كذا قال ابن بطال، وقال: وقول الشافعي: كان غمزه إياها على ثوب فيه بعد. انتهى.
стр. 3402
وأيضًا من الجائز أن يمس منها عضوًا بغير حائل؛ لأن المكان إذا كان بغير مصباح لا يتأتى فيه الاحتراز كما إذا كان فيه مصباح، والنبي ﵇ في هذا المقام في مقام التشريع لا الخصوصية إذ من المعلوم أن الله تعالى عصمة في جميع أفعاله وأقواله.
وقال القاضي عياض: فيه دليل على أن محاذاة المرأة في الصلاة للمصلي غير مفسدة لصلاة الرجل سواء كانت في صلاة معه أم لا خلافًا لأبي حنيفة في أن صلاة المحاذي لها من الرجال تفسد.
قلت: يالله العجب كيف يصدر مثل هذا الكلام عن مثل هذا الرجل من غير تحقيق مذهب أبي حنيفة، فأبو حنيفة: لم يقل: إن مجرد المحاذاة تفسد صلاة الرجل، بل المحاذاة المفسدة عنده أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في صلاة مطلقة تحريمة وأداء، وها هنا لم تكن عائشة ﵂ شريكة النبي ﵇ في صلاته، ولا مقيدة به، وأبو حنيفة أيضًا يقول في مثل هذا بعدم الفساد، فكيف يجعل القاضي الصورة الاتفاقية حجة على من يقول بها؛ نصرة لإمامه ومن تبعه؛ فافهم.
قوله: "أمامه" بفتح الهمزة أي قدامه.
قوله: "تَنَحَّي" أي تحولي وابعدي، وهو أمر من تنحى يتنحى فللمذكر تَنَحِّ وللمؤنث تَنَحِّى بفتح الحاء وإسكان الياء.
قوله: "يسبح من الليل" أي يتطوع من الليل، ومنه يقال لصلاة النافلة: سبحة وهي من التسبيح، كالسخرة من التسخير، وإنما خصت النافلة بالسبحة، وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة.
قوله: "على الفراش الذي يرقد هو" أي ينام عليه النبي ﵇ "وأهله".
قوله: "فأُوتر" من قول عائشة إخبار عن نفسها، أي فأوتر أنا، ووقع في رواية البخاري: "فأوترت"، ووقعت الروايتان جميعًا في "مسند السراج".
стр. 3403
ويستنبط منها أحكام:
الأول: أن المرأة لا تقطع الصلاة.
الثاني: جواز الصلاة إلى المرأة، وكرهه البعض النبي ﵇ لخوف الفتنة بها وبذكرها، وإشغال القلب بها بالنظر إليها، والنبي ﵇ منزه عن هذا كله، مع أنه كان بالليل والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، وهو المختار عندي في هذا الزمان، وحكم الصبي الأمرد كحكم المرأة في ذلك.
الثالث: جواز الصلاة إلى النائم.
والرابع: استحباب صلاة الليل.
والخامس: جواز الصلاة على السرير من غير كراهه.
والسادس: أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة.
والسابع: إن تأخير الوتر إلى آخر الليل مستحب لمن يشق بالانتباه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان يفرش لي حيال مصلى رسول الله ﵇، كان يصلي وإني حياله".
ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق.
وعفان هو ابن مسلم الصفار، ووهيب هو ابن خالد البصري، وخالد هو الحذاء، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وزينب بنت أبي سلمة صحابية، وأم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): قال: ثنا عفان ... إلى آخره نحوه غير أن في لفظه: "حيال مسجد رسول الله ﵇" أي تلقاء وجهه.
قوله: "وإني حياله" جملة اسمية وقعت حالًا، أي والحال أني أنا تلقاء وجهه.
стр. 3404
ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا الشيباني، عن عبد الله بن شداد، قال: حدثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: "كان فراشي حيال مصلى رسول الله ﵇، فربما وقع ثوبه عليَّ وهو يصلي".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصالح هو ابن عبد الرحمن، وسعيد هو ابن منصور الخراساني شيخ مسلم، وأبي داود وهشيم هو ابن بشير، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله بن شداد بن الهاد أبو الوليد المدني روى له الجماعة، وأمه سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء بنت عميس وكانتا أختي ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵇ لأمها.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عمرو بن عون، ثنا خالد عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخمرة".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا بكر بن عيسى الراسبي، نا أبو عوانة، نا سليمان الشيباني، نا عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: سمعت خالتي ميمونة -يعني بنت الحارث- زوج النبي ﵇: "أنها كانت تكون حائضًا وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﵇ وهو يصلي على خمرته، إذا سجد أصابني بعض ثوبه".
قوله: "حيال مصلى رسول الله ﵇" أي تلقاء وجهه، والمصلى: الموضع الذي كان يصلي فيه ﵇ في بيته، وهو مسجده الذي عينه للصلاة فيه.
قوله: "على الخُمْرة" بضم الخاء المعجمة وسكون الميم، وهي كحصر صغير يعمل من سعف النخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك فهي حصير، وسميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها.
стр. 3405
ص: فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﵇ بما يدل على أن بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل كل مار بين يدي المصلي في حديث ابن عمر وأبي سعيد عن النبي ﵇ شيطانًا، وأخبر أبو ذر عن النبي ﵇ أن الكلب الأسود إنما يقطع الصلاة لأنه شيطان؛ فكانت العلة التي لها جعلت لقطع الصلاة قد جعلت في بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النبي ﵇ أنهم لا يقطعون الصلاة؛ فدل أن كل مارٍّ بين يدي المصلي مما سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصلاة.
ش: أي فقد تكاثرت وتتابعت، وأراد بهذه الآثار: الأحاديث التي رواها عن عائشة وعلي وأم سلمة وميمونة بنت الحارث ﵃، يعني أحاديث هؤلاء تواردت بدلالتها على أن مرور بني آدم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة.
قوله: "وقد جعل كل مارٍّ ... " إلى آخره، بيانه أن النبي ﵇ جعل كل مارٍّ بين يدي المصلي -من بني آدم وغيرهم من الحيوان- شيطانًا، وذلك في حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد الخدري، وقد كان أخبر أبو ذر الغفاري عن النبي ﵇ أن الكلب الأسود إنما يقطع الصلاة لأنه شيطان فصارت العلة في الجميع كون المار شيطانًا، وقد ثبت عن النبي ﵇ أن بني آدم لا يقطعون الصلاة، فكذلك ينبغي أن لا يقطع مرور غيرهم من الحيوانات، نظرًا على ذلك وقياسًا عليه، لعموم علة القطع في الكل.
قوله: "فكانت العلة التي لها" أي للحيوانات من غير بني آدم.
وقوله: "قد جعلت في بني آدم" أيضًا خبر "كانت" فافهم.
قوله: "فدل ... إلى آخره" نتيجة مترتبة على ما قبله من الكلام.
ص: والدليل على صحة ما ذكرنا: أن ابن عمر -مع روايته ما ذكرنا عنه عن النبي ﵇- قد روي عنه من قوله من بعده ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم قال: "قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصلاة الكلب والحمار، فقال: ابن عمران ﵄ لا يقطع صلاة المسلم شيء".
стр. 3406
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد، عن شعبة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع وسالم، عن ابن عمر قال: "لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، مثله.
فهذا ابن عمر قد قال هذا بعد رسول الله ﵇، وقد سمع ذلك من النبي ﵇، فقد دل هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله ﵇ حتى صار ما قال به أولى عنده من ذلك.
ش: أي الدليل والحجة على صحة ما ذكرنا -من أن مرور كل مارٍّ بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة سواء كان من بني آدم أو غيرهم من الحيوانات- قول عبد الله بن عمر: "لا يقطع صلاة المسلم شيء" و: "لا يقطع الصلاة شيء" وقد قال ابن عمر هذا القول بعد النبي ﵇، والحال أنه قد كان سمع من النبي ﵇ أنه قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين" فدل ما قاله من بعد النبي ﵇ على انتساخ ما كان سمعه منه؛ إذ لو لم يكن كذلك لما رأى ما صار إليه أول مما سمعه.
ثم إنه أخرج أثر ابن عمر من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عيينة، عن الزهري ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): أنا الحاكم، نا أبو العباس، نا أحمد بن شيبان، نا سفيان، عن الزهري ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "لا يقطع الصلاة شيء".
стр. 3407
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث البصري، عن شعبة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع مولى ابن عمر وسالم بن عبد الله، كلاهما عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم، قال: وكان لا يصلي إلا إلى سترة".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، مثل المذكور.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا يقطع الصلاة شيء وذُبُّوا عن أنفسكم".
ص: وأما القتال المذكور في حديث ابن عمر وأيى سعيد ﵃ من المصلي لمن أراد المرور بين يديه، فقد يحتمل أن يكون ذلك أبيح في وقت كانت الأفعال فيه مباحة في الصلاة، ثم نسخ ذلك بنسخ الأفعال في الصلاة؛ فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
ش: هذا جواب عما قال بعضهم بقتال المصلي للمار بين يديه بظاهر حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله ﵇: "إن أبي فليقاتله" وتقريره أن يقال: كان الأمر بالقتال حين كانت الأفعال التي ليست من جنس الصلاة مباحة في الصلاة، نحو المشي وتناول الشيء ونحوهما؛ فلما نسخ هذا الحكم نسخ ذلك أيضًا؛ لأنه من جملة الأفعال التي ليس من الصلاة، وقد قال غيره: إن الأمر على حاله ولكن المراد منه التغليظ والبالغة في الدرء، فكأنه من شدة منعه ودفعه صار مقاتلا، وقد مرَّ الكلام فيه مرة.
стр. 3408
ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لا يختلفون في الكلب غير الأسود أن مروره بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، فأردنا أن ننظر في حكم الأسود هل هو كذلك أم لا؟ فرأينا الكلاب كلها حرام أكل لحومها ما كان منها أسود، وما كان منها غير أسود، وما كان منها غير أسود فلم تكن حرمة لحومها لألوانها ولكن لعلتها في أنفسها، وكذلك كل ما نهي عن أكله من كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، والحمر الأهلية؛ لا يفترق في ذلك حكم شيء منها لاختلاف ألوانها، وكذلك أسئارها كلها، فالنظر على ذلك أن يكون حكم الكلاب كلها في مرورها بين يدي المصلى سواء، فكما كان غير الأسود منها لا يقطع الصلاة فكذلك الأسود؛ ولما ثبت في الكلاب بالنظر ما ذكرنا كان الحمار أولى أن يكون كذلك؛ لأنه قد اختلف في أكل لحوم الحمر الأهلية فأجازه قوم، وكرهه آخرون، فإذا كان ما لا يؤكل لحمه باتفاق المسلمين لا يقطع مروره الصلاة، كان ما اختلف في كل لحمه أحرى أن لا يقطع مروره الصلاة؛ فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر غَنيّ عن مزيد البيان.
قوله: "فأجازه قوم" وأراد بهم جماعة من المالكية والظاهرية، وقال أبو عمر: وأما لحم الحمر الإنسية فلا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها، وعلى ذلك جماعة السلف إلا ابن عباس وعائشة؛ فإنهما كانا لا يريان بائسًا بأكلها على اختلاف فيه عن ابن عباس، والصحيح عنه فيه ما عليه الناس والله أعلم.
قوله: "وكرهه آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير الفقهاء والتابعين ومن بعدهم، والمراد من الكراهة كراهة التحريم، وأما البغل فإن كانت أمه حمارة فهو حرام بلا خلاف، وإن كانت فرسًا ففيه خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه كالخلاف في لحم الفرس، وإن كانت بقرة فهي تُؤكل بلا خلاف، وعن بعضهم أن البغل لا يؤكل على كل حال.
стр. 3409
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن نفر من أصحاب رسول الله ﵇ قد ذكرنا ما روي عنهم فيما تقدم في هذا الباب.
ش: أي قد روي أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة عن طائفة من الصحابة ﵃، وقد روي في ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعائشة ﵃ فيما تقدم.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن عليًّا وعثمان ﵄ قالا: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرءوا ما استطعتم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: "لا يقطع صلاة المسلم الكلب ولا الحمار ولا المرأة، ولا ما سوى ذلك من الدواب، وادرءوا ما استطعتم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: "أنه كان يصلي فمر بين يديه رجل، قال: فمنعته إلا أن يمر بين يدي، فذكرت ذلك لعثمان بن عفان وكان خال أبيه فقال: لا يضرك".
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن بسر بن سعيد وسليمان بن يسار حدثاه، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثهما: "أنه كان في صلاة فمر به سليط بن أبي سليط، فجذبه إبراهيم فخر فشج، فذهب إلى عثمان بن عفان ﵁، فأرسل إلي فقال لي: ما هذا؟! فقلت مر بين يدي فرددته لئلا يقطع صلاتي، قال: أو يقطع صلاتك؟ قلت أنت أعلم قال: لا يقطع صلاتك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا الزبرقان بن عبد الله، عن كعب بن عبد الله قال: سمعت حذيفة ﵁ يقول: "لا يقطع الصلاة شيء".
стр. 3410
ش: أي وقد روي في أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصل لا يقطع الصلاة عن جماعة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان ﵃.
وأخرج عن عثمان من ثلاث طرق:
في الأول: معه علي بن أبي طالب، وهو عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثلاثتهم عن قتادة، عن سعيد بن المسيب.
وهؤلاء أئمة أجلاء أثبات.
وأخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبدة ووكيع، عن [سعيد] (٢)، عن قتادة عن ابن المسيب، عن علي وعثمان قالا: "لا يقطع الصلاة شيء، فادرءوهم عنكم ما استطعتم".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، عن أبيه إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف المدني، وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وكانت من المهاجرات الأُوَل، ويقال: إنه ولد في حياة النبي ﵇.
وهؤلاء كلهم ثقات.
وأخرج عبد الرزاق (٣): عن ابن جريج قال: "أراد رجل أن يجوز أمام حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى عثمان ﵁، فقال للرجل: وما يضرك لو
стр. 3411
ارتددت حين ردك؟! ثم أقبل على حميد فقال: له فما ضرك لو جاز أمامك؟ إن الصلاة لا يقطعها شيء إلا الكلام والأحداث، وكان خال أبيه أي كان عثمان خال أبي سعد بن إبراهيم؛ لأن أخت عثمان هي أم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كما ذكرناه الآن.
الثالث: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المعروف بعلان عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن بكر بن مضر بن محمد المصري روى له المجماعة سوى ابن ماجه، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري روى له الجماعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج روى له الجماعة، عن بُسْر -بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة- بن سعيد المدني العابد روى له الجماعة، وعن سليمان بن يسار الهلالي أخو عطاء بن يسار روى له الجماعة، كلاهما عن إبراهيم بن عبد الرحمن المذكور فيما مضى.
وسليط بن أبي سليط قال البخاري في "تاريخه": يعد في أهل الحجاز، سمع عثمان، وعنه ابن سيرين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن مالك قال: "بلغني أن رجلًا أتى عثمان بن عفان برجل كسر أنفه، فقال: له مَرَّ بين يديَّ في الصلاة وأنا أصلي، وقد بلغني ما سمعت في المارِّ بين يدي المصلي، قال له عثمان: فما صنعت أشرَّ يا ابن أخي، ضيعت الصلاة وكسرت أنفه".
وأخرج عن علي بن أبي طالب ﵁: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الحارث بن عبد الله الأعور، فيه مقال كثير، كذبه جماعة، وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه.
стр. 3412
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري ومعمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرأ عن نفسك ما استطعت".
وأخرج عن حذيفة ﵁: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن الزبرقان بن عبد الله العبدي أبي الزرقاء الكوفي، وثقه ابن حبان.
عن كعب بن عبد الله العبدي الكوفي، وثقه ابن حبان.
عن حذيفة بن اليمان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن الزبرقان، عن كعب بن عبد الله، عن حذيفة قال: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرأ ما استطعت".
стр. 3413
ص: باب: الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها كيف يقضيها
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي ينام عن الصلاة أو ينساها كيف يقضيها إذا ذكرها؟
والمناسبة بين هذا والتي قبله من الأبواب: أن ما مضى كان في أحكام الصلوات المؤداة في وقتها، وهذا في بيان الصلاة الفائتة.
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قيس بن حفص الدارمي، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، عن ذي مخمر بن أخي النجاشي، قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر فنمنا، فلم نستيقظ إلا بحَرِّ الشمس، فتنحينا عن ذلك المكان، قال: فصلى بنا رسول الله ﵇ فلما كان من الغد حين بذغ القمر أمر بلالا فأذن، ثم أمره فأقام، فصلى بنا الصلاة، فلما قضى الصلاة قال: هذه صلاتنا بالأمس".
ش: أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي الطرسوسي شيخ النسائي أيضًا، وقيس بن حفص بن القعقاع التميمي الدارمي شيخ البخاري، ومسلمة بن علقمة المازني أبو محمد البصري إمام مسجد داود بن أبي هند، روى له الجماعة سوى البخاري.
وداود بن أبي هند دينار روى له الجماعة، والعباس بن عبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، وذكره في "التكميل" وسكت عنه أيضًا وقال: لم يرو عنه إلا داود بن أبي هند.
وذو مِخْمَر -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- ويقال ذو مخبر بالباء الموحدة موضع الميم الثانية الحبشي خادم للنبي ﵇، وهو ابن أخي النجاشي.
стр. 3414
والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أحمد بن داود المكي، نا قيس بن حفص الدارمي، نا مسلمة بن علقمة، نا داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، ثنا ذو مخبر بن أخي النجاشي، قال: كنت مع رسول الله ﵇ في غزاة، فَسَرَوْا من الليل ما سَرَوْا، ثم نزلوا، فأتاني رسول الله ﵇ فقال: يا ذا مخمر، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، فأخذ برأس ناقتي فقال: أقعد ها هنا ولا تكونن لكاعًا الليلة، فأخذت برأس الناقة فغلبتني عيناي فنمت، وأنسلت الناقة فذهبت، فلم أستيقظ إلا بحر الشمس، فأتاني النبي ﵇ فقال: يا ذا مخبر، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: كنت والله لكع كما قلت لك، فتنحينا عن ذلك المكان، فصلى بنا رسول الله ﵇، فلما قضى الصلاة دعى أن ترد الناقة فجاءت بها إعصار ريح تسوقها فلما كان من الغد حين برق الفجر أمر بلالًا فأذن، ثم أمره فأقام، ثم صلى بنا فلما قضى الصلاة قال: هذه صلاتنا بالأمس، ثم ائتنف صلاة يومه ذلك".
قوله: "فتنحينا عن ذلك المكان" أي تحولنا عنه.
قوله: "حين بزغ القمر" أي حين طلع، والبزوغ الطلوع، يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر وغيرهما إذا طلعت.
ويستفاد منه: أن الفائتة يؤذن لها ويقام وأن قضاء الصلاة الفائتة واجبة وأن يصليها مرة أخرى كما ذهب إليه بعض الناس على ما يجيء مع الجواب عنه إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ومن الغد للوقت".
стр. 3415
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا سريج بن النعمان الجوهري، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب، سمع سمرة بن جندب ﵁ يقول: قال رسول الله ﵇ فذكر مثله.
ش: هذان طريقان، أحدهما إسناده صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، عن سمرة بن جندب ﵁.
وأخرجه البزار في مسنده نحوه.
والآخر: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن سُريج -بضم السين المهملة، وبالجيم في آخره- ابن النعمان بن مروان الجوهري اللؤلؤي أي الحسن البغدادي من رجال البخاري، عن حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب الندبي الأزدي البصري، ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وقال أحمد: ليس هو قويّا في الحديث، وروى له الترمذي، وابن ماجه.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، قال: ثنا همام، أنا بشر بن حرب، عن سمرة بن جندب -قال: أحسبه مرفوعًا-: "من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت".
ص: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: هكذا يفعل من نام عن صلاة أو نسيها، واحتجوا في ذلك بهذين الحديثين.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من الظاهرية، ونفرًا من أهل الحديث؛ فإنهم قالوا: إن من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يصليها مرتين، مرة عند تذكرها، ومرة أخرى في مثل الوقت الذي قد فاتت فيه الصلاة من الأمس، ويحكى أيضًا مثل هذا عن سمرة وسعد ﵄.
стр. 3416
قوله: "بهذين الحديثين" أراد بهما حديث ذي مخبر الحبشي، وحديث سمرة بن جندب.
ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا بل يصليها مع التي يليها من المكتوبة، وليس عليه غير ذلك، واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مروان بن جعفر بن سعد السَّمُري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن خُبيب بن سليمان بن سمرة، عن جعفر بن سعد بن سمرة، عن خُبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة أنه كتب إلى بنيه: "أن رسول الله ﵇ -كان يأمرهم إذا شغل أحدهم عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها الذي تصلي فيه، أن يصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة".
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم أيضًا: طائفة من الظاهرية، ونفرًا من أهل الحديث؛ فإنهم قالوا: إن من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة، واحتجوا في ذلك بحديث سمرة.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرسي، عن مروان بن جعفر بن سعد السمري شيخ أبي حاتم، فقال: صدوق، وقال الأزدي: يتكلمون فيه.
عن محمد بن إبراهيم بن خُبيب -بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة- بن سليمان بن سمرة بن جندب، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عن حاله، وقال: روى عن جعفر بن سعد بن سمرة رسالة سمرة، سمعت أبي يقول ذلك.
وهو يروي عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب الفزاري أبي محمد السَّمُري والدمروان، قال عبد الحق: ليس هو ممن يعتمد عليه.
روى له أبو داود.
عن خُبيب -بضم الخاء المعجمة- بن سليمان بن سمرة بن جندب الفزاري أبي سليمان الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات" وروى له أبو داود.
стр. 3417
عن أبيه سليمان بن سمرة، ذكره ابن حبان في "الثقات" وروي له أبو داود.
عن أبيه سمرة بن جندب ﵁.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا موسى بن هارون، قال: ثنا مروان بن جعفر السمرى، نا محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة قال: "إن رسول الله ﵇ كان يأمرنا إن شغل أحدنا عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها الذي تصلي فيه، أن يصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يصليها إذا ذكرها وإن كان ذلك قبل دخول وقت التي تليها، ولا شيء عليه غير ذلك.
ش: أي خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير العلماء والفقهاء من التابعين ومن بعدهم، وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: بل يصلي الصلاة الفائتة إذا ذكرها أيّ وقتٍ كان عند مالك والشافعي وأحمد، وفي غير وقت الطلوع والغروب والاستواء عند أبي حنيفة وأصحابه، ثم إنهم اتفقوا أنه يصليها وإن كان ذلك قبل دخول وقت الصلاة التي تليها، ولا شيء عليه غير تلك الفائتة عندهم جميعًا.
ص: واحتجوا في ذلك بحديث أبي قتادة وعمران وأبي هريرة عن رسول الله ﵇ حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فصلاها بعد ما استوت ولم ينتظر دخول وقت الظهر، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من هذا الكتاب.
ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي قتادة الحارث بن ربعي، وعمران بن الحصين، وأبي هريرة ﵃، وقد أخرج الطحاوي أحاديث هؤلاء في باب: "الرجل يدخل في صلاة الغداة فيصلي منها ركعة ثم تطلع الشمس".
стр. 3418
أما حديث أبي قتادة: فأخرجه عن ابن أبي داود، عن إبراهيم بن الجراح، عن أبي يوسف، عن حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه قال: "أسرى رسول الله ﵇ في غزوة من غزواته ونحن معه ... " الحديث.
وأخرجه مسلم (١)، والنسائي (١).
وأما حديث عمران بن الحصين: فأخرجه عن عليّ بن شيبة، عن روح، عن هشام، عن الحسن، عنه قال: "سرينا مع رسول الله ﵇ في غزاة -أو قال: في سرية- ... " الحديث.
وأخرجه أحمد (١) والحاكم في مستدركه (١).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه: عن روح بن الفرج، عن أبي مصعب الزهري، عن ابن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ عرس ذات ليلة بطريق مكة .... " الحديث.
وأخرجه مسلم (١)، وأبو داود (١): وقد استوفينا الكلام فيها فليعاود إليه.
ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، عن خالد، عن عطاء بن السائب، عن بُرَيد بن أبي مريم، عن أبيه قال: "نام رسول الله ﵇ وأصحابه عن صلاة الفجر، ثم طلعت الشمس، فأمر رسول الله ﵇ بلالًا فأذن، ثم صلى ركعتين، ثم أمره فأقام، فصلى بهم المكتوبة.
ش: إسناده صحيح.
وابن أبي داود وهو إبراهيم، وسعيد بن سليمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود، وخالد هو الحذاء روى له الجماعة، وعطاء بن السائب أبو محمد الكوفي ثقة، غير أنه اختلط في آخر عمره، روى له الأربعة.
وبُريد -بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف- ابن أبي مريم السلولي البصري، وثقه يحيى وأبو زرعة والنسائي، وروى له الأربعة.
стр. 3419
وأبوه ابن أبي مريم واسمه مالك بن ربيعة بن مريم السلولي، من أصحاب الشجرة.
وأخرجه النسائي (١): أنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن بُرَيد بن أبي مريم، عن أبيه قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح نزل رسول الله ﵇، فنام ونام الناس، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله ﵇ المؤذن فأذن، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام، فصلى بالناس، ثم حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة".
وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: الذي فاتته صلاة لا يجب عليه قضاؤها إلا مرة واحدة، أيّ وقتٍ ذكرها غير الأوقات الثالثة.
الثاني: أن الفائتة يؤذن لها ويقام، وقد اختلف فيه العلماء، فقال أبو حنيفة: إذا كانت عليه فوائت كثيرة أذن للأولى وأقام وكان مخيرًا في الباقي إن شاء أذن وأقام وإن شاء اقتصر على الإقامة، وبه قال أحمد: وقد اختلف قول الشافعي في ذلك، فأظهر أقاويله أنه يقام للفوائت ولا يؤذن لها، والأصح ما قاله أبو حنيفة؛ لأنه ذكر في الحديث الأذان والإقامة، وهذه زائدة على حديث أبي هريرة؛ لأنه لم يذكر في حديثه الأذان، ولكن الزيادة إذا صحت تقبل والعمل بها واجب.
والثالث: أن ركعتي الفجر إذا فاتتا مع الفرض تقضيان معه بعد طلوع الشمس، والله أعلم.
стр. 3420
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا زافر بن سليمان، عن شعبة، عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في غزوة تبوك، فلما كنا بدهاس السهل من الأرض قال رسول الله ﵇: من يكلؤنا الليلة؟ قال: بلال أنا قال إذن تنام، فنام حتى طلعت الشمس فاستيقظ فلان وفلان، فقالوا: تكلموا حتى يستيقظ: فاستيقظ رسول الله ﵇ فقال: أفعلوا ما كنتم تفعلون، وكذلك يفعل من نام أو نسي".
ش: إسناده حسن، وأبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، وعبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي شيخ البخاري، وزافر بن سليمان الإيادي وثقه أحمد ويحيى وأبو داود، وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه.
وجامع بن شداد المحاربي أبو صخرة الكوفي روى له الجماعة، وعبد الرحمن بن علقمة -ويقال: ابن أبي علقمة- الثقفي، ويقال: له صحبة. وأنكره ابن حبان وذكره في التابعين "الثقات".
وأخرجه أبو داود (١): نا ابن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن جامع بن شداد، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: "أقبلنا مع رسول الله ﵇ من الحديبية، فقال النبي ﵇: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبي ﵇ فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون، قال: ففعلنا، قال: فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا غندر، عن شعبة، عن جامع بن شداد، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود
стр. 3421
قال: "أقبلنا مع رسول الله ﵇ من الحديبية، فذكروا أنهم نزلوا دهاسًا من الأرض -يعني بالدهاس: الرمل- قال: فقال رسول الله ﵇: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا، فقال النبي ﵇: إذن تنام قال: فناموا حتى طلعت عليهم الشمس، قال: فاستيقظ ناس فيهم فلان وفلان وفيهم عمر ﵁، فقلنا اهضبوا -يعني تكلموا- قال: فاستيقظ النبي ﵇، فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون، قال: كذلك لمن نام أو نسي".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا يحيى، نا شعبة، حدثني جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت ابن مسعود يقول: "أقبل النبي ﵇ من الحديبية ليلًا، فنزلنا دهاسًا من الأرض، فقال: من يكلؤنا؟ قال بلال: أنا، قال: أذن تنام، قال: لا، فنام حتى طلعت الشمس، فاستيقظ فلان وفلان منهم عمر ﵁، فقال: اهضبوا، فاستيقظ النبي ﵇ فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون، فلما فعلوا قال: هكذا فافعلوا لمن نام منكم أو نسي".
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢)، والطيالسي في "مسنده" (٣).
قوله: "في غزوة تبوك" وكانت في سنة تسع من الهجرة في شهر رجب، وفي رواية غير الطحاوي: "الحديبية" موضع تبوك كما ذكرناه، وكافت في سنة ست بلا خلاف.
قوله: "فلما كنا بدَهَاس" بفتح الدال وتخفيف الهاء وفي آخره سين مهملة وهو ما سهل في الأرض ولان ولم يبلغ أن يكون رملًا، وكذلك الدهس، وقد فسره في الحديث بقوله: "السهل من الأرض" بجر السهل على أنه بدل من الدهاس، وفي بعض النسخ: "فلما كنا بدهاس من الأرض" وقد فسره في رواية ابن أبي شيبة بقوله: "يعني بالدهاس الرمل".
стр. 3422
قوله: "من يكلؤنا" أي من يحرسنا، من كَلَأَ يَكْلَأُ كِلَاءة أي حَفِظَ يَحْفَظُ حِفْظًا.
قوله: "قال: إذن تنام" أي قال النبي ﵇ حينئذ: تنام أنت يا بلال، وإنما قال ذلك لأنه كان ثقيل النوم.
قوله: "افعلوا ما كنتم تفعلون" يعني من الطهارة وستر العورة، واستقبال القبلة، والأذان، والإقامة.
قوله: "وكذلك يفعل من نام" أي مثل ما فعلتم يفعل من نام غيركم عن الصلاة أو نسيها.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في ذلك أيضًا ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "من نسي صلاة فيصلها إذا ذكرها، قال همام: فسمعت قتادة يحدث من بعد ذلك فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) ".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها".
ش: أي قد روي عن النبي ﵇ في ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية ما حدثنا ... إلى آخره.
وهذان إسنادان صحيحان:
أحدهما: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن همام بن يحيى بن دينار البصري، عن قتادة.
وأخرجه الجماعة، فالبخاري (٢): عن أبي نعيم وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
стр. 3423
ومسلم (١): عن هداب بن خالد، عن همام .... إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٢): عن محمد بن كثير، عن همام .... إلى، آخره نحوه، وليس فيه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
والترمذي (٣): عن قتيبة وبشر بن معاذ، كلاهما عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها".
والنسائي (٤): عن قتيبة، عن أبي عوانة .... إلى آخره نحو رواية الترمذي.
وابن ماجه (٥): عن نصر بن علي الجهضمي، عن يؤيد بن زريع، عن حجاج، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: "سئل النبي ﵇ عن الرجل يغفل عن الصلاة أو يرقد عنها؟ قال: يصليها إذا ذكرها.
والطريق الآخر: عن فهد بن سليمان، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن قتادة .... إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (٦): والنسائي (٧): نحوه كما ذكرناه لأن.
قوله: "إذا ذكرها" أي إذا ذكر تلك الصلاة، وهذا القيد ليس للوجوب، حتى لو صلاها بعد ذلك يجوز، وقد اختلفوا في قضاء الفائتة هل هو على الفور؟ والصحيح أن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور، ولكن يستحب قضاؤها على الفور، وحكى البغوي وجهًا عن الشافعي أنه على الفور، وأما الفائتة بلا عذر فالأصح قضاؤها على الفور، وقيل: له التأخير كما في الأول.
стр. 3424
قوله: "لذكري" بكسر الراء وياء الإضافة، والمعنى لا وقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة، أو لذكر صلاتي، وقيل: لأن أذكرك بالثناء أو لذكري خاصة لا ترائي بها ولا تشوبها بذكر غيري، وقيل: لذكري لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها.
ويستفاد منه أمور:
الأول: في قوله: "إذا ذكرها" دليل على وجوب قضاء الفائتة سنة سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أو بغير عذر.
فإن قلت: الحديث مقيد بالنسيان.
قلت: لخروجه على سبب، ولأنه إذا وجب القضاء على العذر فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
الثاني: قال النووي: فيه دليل على قضاء السنن الراتبة.
قلت: لا دليل فيه؛ لأن قوله: "من نسي صلاة" صلاة الفرض بدلالة القرينة.
الثالث: فيه دليل على أن أحدًا لا يصلي عن أحد، وهو حجة على الشافعي.
الرابع: فيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره، اللهم إذا كانت عليه صلوات فائتة فحضره الموت فأوصى بالفدية عنها؛ فإنه يجوز كما بيَّن ذلك في الفروع.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وثابت هو البناني، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي قتادة قال: "ذكروا للنبي ﵇ نومهم عن
стр. 3425
الصلاة، فقال: إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها".
وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة أيضًا، نحوه سواء.
ص: ففي هذا الحديث من قول رسول الله ﷺ ما يدل على أن لا شيء عليه غير قضاؤها.
ش: أشار به إلى الحديث الذي رواه أنس وأبو قتادة، وأراد أن فيه دليلًا صريحًا على أن الرجل إذا فاتته صلاة بأي وجه كان، لا يجب عليه إلا قضاء تلك الصلاة لا غير.
ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك في غير هذا الحديث ما قد زاد على هذا اللفظ:
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ لا كفارة لها إلا ذلك، ثم قال: سمعته يحدث ويزيد ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢).
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﵇ قال: "من نسي صلاة أو نام عنها فإن كفارتها أن يصليها إذا ذكرها".
فلما قال: لا كفارة لها إلا ذلك استحال أن يكون عليه مع ذلك غيره؛ لأنه لو كان عليه مع ذلك غيره إذن لما كان ذلك كفارة لها".
ش: أي قد روي عن أنس أيضًا فيما ذهب إليه أهل المقالة الثانية غير ما روي فيما مضى من الحديث ما قد زاد على لفظ الحديث المذكور، وهو قوله: "لا كفارة لها إلا ذلك" والعمل بهذه الزيادة واجبة؛ لأنها من الثقات، فالمعنى: لا كفارة لتلك الصلاة الفائتة غير قضائها، فلما قال: هذا القول استحال أن يكون عليه مع ذلك غيره، أي
стр. 3426
مع القضاء غير القضاء؛ وذلك لأنه لو كان عليه غير القضاء لما كان ذلك القضاء كفارة لها والإشارة في "ذلك" إلى الصلاة ولكن التذكير باعتبار المذكور.
ثم انه أخرج هذا الحديث بالزيادة المذكورة من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس.
وهذا عين الإسناد في ذاك الحديث غير أن فيه فهذا عوض أحمد بن داود.
وقد أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، بهذه الزيادة وقد ذكرناه (١).
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، وكان عبد الوهاب بن عطاء الخفاف صاحب سعيد هذا وراوي كتبه.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال نبي الله ﵇: "من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها".
ص: وقد روى الحسن، عن عمران بن الحصين في حديث النوم عن الصلاة حتى طلعت الشمس "أن رسول الله ﵇ صلاها بهم، فقلنا: يا رسول الله أَلَا تقضيها لوقتها من الغد؟ فقال النبي ﵇: أينهاكم الله عن الربا ويقلبه منكم".
وقد ذكرنا ذلك بإسناده في غير هذا الموضع من هذا الكتاب، فلما سألوا النبي ﵇ عن ذلك فأجابهم بما ذكرنا، استحال أن يكون عرفوا أن يقضوها من الغد إلا بمعاينتهم رسول الله ﵇ فعل ذلك فيما تقدم، أو أمرهم به أمرًا فدل ذلك على نسخ ما روى ذو مخمر وسمرة ﵄، وإن كان متأخرًا عنه فهو أولى منه؛ لأنه ناسخ له، فهذا هو وجه هذا الباب من طريق الآثار.
стр. 3427
ش: قد ذكر الطحاوي ما رواه الحسن البصري عن عمران بن الحصين ﵁ في باب: "الرجل يدخل في الصلاة الغداة فيصلي منها ركعة ثم تطلع الشمس" عن علي بن شيبة، عن روح، عن هشام، عن الحسن، عن عمران بن الحصين قال: "سرينا مع النبي ﵇ في غزاة -أو سَرّية- فلما كان آخر السَّحَر عَرّسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يثب فَزِعًا دَهِشًا فاستيقظ رسول الله ﵇ فأمرنا فارتحلنا من مسيرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا، فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالًا فأذن، فصلينا ركعتين، فأقام فصلى الغداة، فقلنا: يا نبي الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال النبي ﵇: أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم؟! " والمعنى أن الله تعالى أمركم بصلاة واحدة في كل وقت من الأوقات الخمسة، فإذا فأتت عنكم بنوم أو نسيان أو غير ذلك فأتوا ببدلها ومثلها مرة واحدة، ولا تصلوا أكثر من ذلك؛ لأن ذلك يكون زيادة، والزيادة على الجنس ربًا، فالله تعالى قد نهاكم عن الربا، ثم هو كيف يقبله منكم؟! فدل ذلك على انتساخ حديث ذي مخمر وسمرة بن جندب حيث أخبرا فيه أن القضاء يكون مرتين: مرة إذا ذكرها، ومرة من الغد للوقت.
بيان ذلك: أن الصحابة ﵃ لما قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد، أجاب النبي ﵇ عن ذلك بشيء يدل على المنع عن ذلك، ولكن لم يكن سؤالهم ذلك إلا من أحد وجهين: إما أنهم قد عاينوا النبي ﵇ قد فعل ذلك قبل هذا الوقت، أو كان قد أمرهم بذلك فيما تقدم، فلذلك سألوا هذا السؤال، فبدون أحد هذين الوجهين سؤالهم مستحيل، فلما أجاب النبي ﵇ في هذا الحديث بما أجاب؛ دل ذلك على أن حكم حديث ذي مخمر وسمرة قد كان قبل ذلك، وأنه انتسخ بهذا؛ لأن المتأخر ينسخ المتقدم، فهذا وجه النسخ في هذا الموضع، فافهم.
وقال الخطابي ﵀: يشبه أن يكون الأمر بالصلاة حين ذكرها ومن الغد للوقت في حديث ذي مخمر وسمرة للاستحباب، ليحرز فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة الوقت، ويقال: ويحتمل أن يكون ﵇ لم يرد إعادة الصلاة المنسية حتى
стр. 3428
يصليها مرتين، وإنما أراد أن هذه الصلاة وإن انتقل وقتها بالنسيان إلى وقت الذكر فإنها باقية على وقتها فيما بعد مع الذكر؛ لئلا يظن ظانٌ أن وقتها قد تغير.
قلت: جاء في حديث أبي قتادة في رواية أبي داود: "فليقض معها مثلها". فهذا يدفع هذا الاحتمال من التأويل، والجواب القاطع ما ذكره الطحاوي ﵀.
ص: وأما من طريق النظر فإنا رأينا الله أوجب الصلوات لمواقيتها، وأوجب الصيام لميقاته في شهر رمضان، ثم جعل على من لم يصم شهر رمضان عدة من أيام آخر، فجعل قضاؤه في خلافه من المشهور، ولم يجعل مع قضائه بعدد أيامه قضاء مثلها فيما بعد ذلك؛ فالنظر على ما ذكرنا أن تكون الصلاة إذا نسيت أو فأتت أن يكون قضاؤها يجب فيما بعدها وإن لم يكن دخل وقت مثلها، ولا يجب مع قضائها مرة قضاؤها ثانية؛ قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من الصيام الذي وصفنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: مُلخّص ما قاله من وجه النظر والقياس: أن الصلاة والصوم عبادتان بدنيتان متساويتان في الفرضية والثبوت، ولما كان الواجب في الصوم إذا فات عن أيامه قضاؤه بعدد الإيام الفائتة بدون زيادة عليها؛ كان النظر والقياس على ذلك أن تكون هكذا الصلاة إذا فاتت عن وقتها أن تقضي مرة واحدة ولا يزاد على ذلك، وأن يجب قضاؤها فيما بعد وإن لم يكن دخل وقت مثلها، والله أعلم.
ص: وقد روي ذلك عن جماعة من المتقدمين:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: "من نسي صلاة فذكرها مع الإمام فليصل التي معه ثم ليصل التي نسي ثم ليصل الأخرى بعد".
حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا أبو إبراهيم الترجماني، قال: ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 3429
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، عن سعيد ابن عبد الرحمن ... فذكر بإسناده مثله ولم يرفعه.
وقوله: "فليصل التي معه" فذلك محتمل عندنا أن يفعل ذلك على أنها له تطوع.
ش: أشار بذلك إلى قوله: "ولا يجب مع قضائها مرة قضاؤها ثانية" وأخرج ذلك عن ابن عمر من ثلاث وجوه: اثنان موقوفان، وواحد مرفوع.
الأول من الموقوف: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا حفص بن غياث، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: "إذا ذكرت و [أنت] (٣) تصلي العصر أنك لم تصلى الظهر مضيت فيها ثم صليت الظهر، فإذا صليت العصر وذكرت أنك لم تصل الظهر [فصليت] (٤) أجزأتك".
قوله: "فليصل التي معه" أي فليصل الصلاة التي مع الإِمام، أراد أنه يفعل ذلك على وجه التطوع، أشار إليه الطحاوي.
وقوله: "فليصل التي معه فذلك ... إلى آخره" وذلك لأن الحاضرة فسدت بذكر تلك الفائتة، فلما فسد وصف الصلاة وهو الفرضية بقي أصل الصلاة وهو كونها تطوعًا.
قوله: "ثم ليصل الأخرى بعد" أي ثم ليصل الصلاة الأخرى بعد ذلك وهي الصلاة التي قد كان نسيها، فهذا يدل على وجوب الترتيب، إذ لو كان غير واجب لما أمر بإعادة الصلاة التي كانت مع الإِمام، فافهم.
стр. 3430
الثاني وهو المرفوع: أخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن أبي إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم بن بسام الترجماني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الجمحي المدني قاضي بغداد في عسكر المهدي زمن الرشيد، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ العمري المدني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثل المذكور.
وهذا إسناد صحيح لأن رجاله ثقات.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي إبراهيم الترجماني، نا سعيد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من نسي صلاة ولم يذكرها إلَّا وهو مع الإِمام فليصل مع الإِمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلى مع الإمام، قال البيهقي: تفرد برفعه الترجماني، ورواه جماعة عن نافع من قول ابن عمر، فإعادتها عند الشافعي استحباب لا إيجاب.
قلت: الترجماني أخرج له الحاكم في "المستدرك" وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وعن يحيى بن معين: ليس به بأس. وكذا قال أبو داود والنسائي، ذكر ذلك المزي في كتابه، ومشهور عن ابن معين أنه إذا قال عن شخص: ليس به بأس كان توثيقًا منه له؛ ففي رواية الترجماني زيادة الرفع، وهي زيادة ثقة فوجب قبولها على مذاهب أهل الفقه والأصول، ثم على تقدير أنه من قول ابن عمر ﵄ فقد قال: الطحاوي في كتاب "اختلاف العلماء": لا نعلم عن أحد من الصحابة خلافة، وكذا ذكر صاحب "التمهيد"، وذكر في "الاستذكار" (٢) قول ابن عمر ثم قال: أوجب الترتيب أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والليث، وأوجبه ابن حنبل في ثلاث سنين وأكثر، وقال آخذ بقول ابن المسيب فيمن ذكر
стр. 3431
صلاة في وقت صلاة، كمن ذكر العشاء آخر وقت صلاة الفجر، قال: يصلي الفجر، ولا يضيع صلاتين قال الأثرم: قيل لأحمد: بعض الناس يقول: إذا ذكرت صلاة وأنت في أخرى لا تقطعها، وإذا فرغت قضيت تلك ولا إعادة عليك. فأنكره وقال: ما أعلم أحدًا قاله، وأعرف من قال: أقطع وأنا خلف الإِمام وأصلي التي ذكرت؛ لقوله ﵇: "فليصلها إذ اذكرها" قال: وهذا شنيع أن يقطع وهو وراء الإمام، ولكنه [يتمادى مع الإِمام، فإن كان وحده قطع. وقال الشافعي وداود: يتمادى مع الإِمام] (١) ثم يصلي التي ذكر ولا يعيد هذه، وذكر أبو عمر أنه نقض أصله المذكور (٢) أولا: ثم ذكر أن الزهري يفتي بقول ابن عمر وهو الذي يروي قوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها، قال: الله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) ".
وبهذا الحديث يحتج من قدم الفائتة على الوقتية وإن خرج الوقت، قالوا: جعل ذكرها وقتًا لها فكأنهما صلاتان اجتمعتا في وقت، فيبدأ بالأولى.
الثالث وهو موقوف أيضًا: عن محمد بن حميد، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو أيضًا طريق صحيح، والله أعلم.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن إبراهيم: "في رجل نسي الظهر فذكرها وهو في العصر، قال: ينصرف فيصلي الظهر، ثم يصلي العصر".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنبأنا منصور ويونس، عن الحسن أنه كان يقول: "يتم العصر التي دخل فيها، ثم يصلي الظهر بعد ذلك".
стр. 3432
ش: هذان إسنادان:
أحدهما: عن إبراهيم النخعي، وإشارته إلى أنه يوجب الترتيب بين الفائتة والحاضرة، ولهذا حكم بفساد العصر بذكره الظهر فيها.
أخرجه بإسناد صحيح: عن صالح، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن مغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الأعمى الفقيه، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن هشيم ... إلى آخره نحوه سواء.
والأخر: عن الحسن البصري وأشار به إلى أن مذهبه اشتراط الترتيب بين الفائتة والحاضرة، ولكن عنده إذا ذكر الظهر في العصر مثلًا لا تبطل العصر بل يتمها تطوعًا، ثم يصلي الظهر الفائتة، ثم يعيد العصر.
أخرجه بإسناد صحيح أيضًا: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن منصور بن زاذان الواسطي روى له الجماعة، ويونس بن عبيد بن دينار البصري روى له الجماعة، كلاهما عن الحسن ﵀.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن نحو مذهب إبراهيم فقال: في "مصنفه" (٢): عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: "في رجل نسي صلاة حتى يدخل في الأخرى، قال: فإن كان قد صلى منها شيئًا أتمها، ثم صلى الأولى، قال معمر: قال الحسن: ينصرف فيبدأ بالأولى". والله تعالى أعلم.
стр. 3433
ص: باب: دباغ الميتة هل تطهر أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان دباغ جلود الميتة هل تطهير بالدباغ أم لا؟ يقال: دَبغَ إهابه يَدْبَغُهُ ويَدْبَغَهُ -بضم عين الفعل وفتحها- دبغًا ودباغةً ودباغًا إذا أزال فساده بشيء كالقرظ والشبِّ والعفص ونحو ذلك أو بإلقائه في الشمس أو تعليقه في الهواء، أو بتتريبه ونحو ذلك، فالأول: دباغ حقيقي والثاني: حكمى، فكلاهما يجوز عند أصحابنا على ما بين في الفروع، وهذا الباب والبابان اللذان بعده مستدركة بعد ترتيب الأبواب؛ ولذلك لم ترل المناسبة بينها وبين ما قبلها.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر ووهب، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: "قرئ علينا كتاب رسول الله ﵇ ونحن بأرض جهينة وأنا غلام شاب: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: حدثني أسباط بن محمد، عن الشيباني، عن الحكم ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "كتب إلينا رسول الله ﵇ ... ".
حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا محمد بن المبارك، قال: ثنا صدقة بن خالد، عن يزيد بن أبي مريم، عن القاسم بن مخيمرة، عن عبد الله بن عكيم قال: "حدثني أشياخ جهينة قالوا: أتانا كتاب رسول الله ﵇ أو قرئ علينا كتاب رسول الله ﵇ ألَّا تنفعوا من الميتة بشيء".
ش: هذه ثلاث طرق رجالها كلهم ثقات، ولكن نقل عن يحيى بن معين أنه ضعف هذا الحديث وقال: ليس بشيء، إنما هو حدثني أشياخ جهينة، رواه عنه داود بن علي.
قلت: ينبغي أن يكون تضعيفه مصروفًا إلى الطريق الثالث على ما لا يخفى.
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك العقدي ووهب ابن جرير، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
стр. 3434
الأنصاري، عن عبد الله بن عكيم أبي معبد، إدرك النبي ﵇ ولم يره، قاله: ابن مندة وأبو نعيم، وقال أبو عمر: اختلف في سماعه من النبي ﵇.
وأخرجه أبو داود (١) في كتاب اللباس: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: "قُرئ علينا كتاب رسول الله ﵇ بأرض جهينة وأنا غلام شاب: ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
وأخرجه النسائي (٢) في كتاب الفرع والعتيرة: عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن مفضل، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم نحو رواية أبي داود.
الثاني: عن محمد بن عمرو، عن أسباط بن محمد بن عبد الرحمن القرشي الكوفي، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم.
وأخرجه الترمذي (٣) في كتاب اللباس: عن محمد بن طريف الكوفي، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش والشيباني، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عكيم قال: "أتانا كتاب رسول الله ﵇: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
وأخرجه ابن ماجه (٤) أيضًا في كتاب اللباس: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن الشيباني.
стр. 3435
وعن أبي بكر، عن غندر، عن شعبة، ثلاثتهم عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم، به.
ورواه البيهقي (١) أيضًا نحوه في كتاب الطهارة.
الثالث: عن عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام، عن محمد بن المبارك بن يعلى الصوري القلانسي، عن صدقة بن خالد الدمشقي الأموي، عن يزيد -بالياء آخر الحروف المفتوحة، وكسر الزاي المعجمة- ابن أبي مريم الشامي، عن القاسم بن مخيمرة الهمداني أبي عروة الكوفي نزيل دمشق، عن عبد الله بن عكيم.
قوله: "ونحن بأرض جهينة" جملة حالية، وكذلك قوله: "وأنا غلام".
قوله: "بإهاب" الإهاب اسم لجلد لم يدبغ، قال الجوهري: والجمع أَهَب، على غير قياس، مثل أَدم وأَفَق عَمَدٍ، جمع أَديِم وأَفِق وعَمُود، وقد قالوا: أُهُبْ -بالضم- وهو قياس، وقال أبو عبيد: الجلد أول ما يدبغ سمي مَيتة على وزن فعيلة ثم هو أفِيق وأفِق ثم يكون أديما. وقال النضر بن شميل: الإهاب جلد البقر والغنم والإبل، وما عداه فإنما يقال له: جلد لا إهاب، وقد أنكرت طائفة من أهل العلم قول النضر هذا، وزعمت أن العرب تسمي كل جلد إهابًا، واحتجت بقول عنترة:
فشككت بالرمح الطويل إهابه ... ليس الكريمُ على القَنَا بمحرم (٢)
ص: فذهب قوم إلى أن جلود الميتة لا تطهير وإن دبغت، ولا تجوز الصلاة عليها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي وابن المبارك ومالكًا وإسحاق وأبا ثور ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل؛ فإنهم قالوا: جلود الميتة لا تطهر وإن دبغت، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور.