← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض -وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك له؛ فإنه لم يمنعني أن كلمك إلا أني كنت أصلي". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (١): عن محمد بن رمح المصري، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "بعثني النبي ﵇ لحاجة، ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت علي آنفًا وأنا أصلي". وأخرجه مسلم (٢): عن محمد بن رمح أيضًا نحوه، وفي آخره: "وهو موجه حينئذ قبل المشرق". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر ﵁. وهذه الأسانيد كلها صحاح. وأخرجه البيقهي في "سننه" (٣): من حديث سليمان بن حرب، عن يزيد بن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر، نحوه. الرابع: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع القرشي الإسكاف، عن جابر ابن عبد الله. الخامس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي شيخ البخاري، عن أبي معاوية محمد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان ... عن جابر ... إلى آخره.

стр. 3362

وإسنادهما صحيح. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي- زاد أبو معاوية: ولو سلُم علي لرددت عليه". قوله: "فهذا جابر بن عبد الله ... " إلى آخره إشارة إلى تصحيح معاني هذه الأحاديث التي رويت عن جابر نظير ما روي عن عبد الله بن مسعود؛ بيانه: أن جابرًا أخبر في حديثه أن رسول الله ﵇ لم يرد لما سلم عليه، وأنه إنما رد عليه بعد فراغه من صلاته، كما قد أخبر عبد الله بن مسعود في حديثه كذلك، وأخبر جابر أيضًا في حديثه أنه ﵇ قال: "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي" فهذا بعمومه يتناول عدم الرد مطلقًا سواء كان بإشارة أو غيرها، وأخبر جابر أيضًا في حديثه الآخر أنه ﵇ أومأ إليه بيده حين سلم، ثم قال له بعد أن فرغ من صلاته: "أما أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي". فأخبر ﵇ أنه لم يكن رد عليه في الصلاة، فدل ذلك أن تلك الإشارة التي كانت منه في الصلاة لم تكن لأجل رد السلام عليه؛ وإنما كانت لأجل النهي عن السلام على المصلي ". وهذا جابر ﵁ قد روى هكذا عن النبي ﵇، ثم قد روي عنه من نفسه أنه قال: "ما أحب أن أسلم على المصلي، ولو سُلم علي وأنا في الصلاة لرددت عليه". وقد كره السلام على المصلي، والحال أنه قد سلم على رسول الله ﵇ وهو يصلي فأشار إليه رسول الله ﵇ فلو كانت تلك الإشارة التي كانت من النبي ﵇ ردًّا لسلام جابر عليه إذًا -أي حينئذ- لما كره جابر السلام على المصلي؛ لأن رسول الله ﵇ لم ينهه عن ذلك، ولكنه إنما كره ذلك لأن إشارته تلك كانت عنده نهيًا منه له -أي لجابر ﵁ عن السلام عليه في الصلاة.

стр. 3363

ص: فإن قال قائل: فقد قال جابر ﵁ في حديثكم هذا: "ولو سُلِّم علي لرددت". قيل له أفقال جابر: لرددت في الصلاة؟ قد يجوز أن يكون أراد بقوله: "لرددت" أي بعد فراغي من الصلاة، وقد دل على ذلك من مذهبه: ما حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام، قال: سأل سليمان بن موسى عطاء: أسالت جابرًا عن الرجل يسلم عليك وأنت تصلي فقال: لا ترد عليه حتى تقضي صلاتك؟ فقال: نعم". قال أبو جعفر ﵀: فدل ذلك أن الرد الذي أراد جابر في الحديث الأول هو الرد بعد الفراغ من الصلاة، فقد وافق ذلك ما روى عن رسول الله ﵇، ودل في معناه على ما ذكرنا. ش: تقرير السؤال أن يقال: في حديث جابر الذي احتججتم به لِمَا ذهبتم إليه: "ولو سُلِّم عليّ لرددت" وهو يدل على أنه ينبغي أن يرد السلام، وأنتم قد تركتم هذا حيث منعتم الرد في الصلاة مطلقًا. وتقرير الجواب أن يقال: لم يقل جابر: لرددت عليه في الصلاة، وإنما قال: "لرددت" مطلقًا، فيجوز أن مراده: لرددت بعد فراغي من الصلاة، وقد دل على أن مراده بعد الصلاة: ما أخرجه عن علي بن زيد بن عبد الله الفرضي الطرسوسي، عن موسى بن داود الضبي من رجال مسلم، عن همام بن يحيى البصري من رجال الجماعة، عن سليمان بن موسى القرشي الأموي الدمشقي الأشدق فقيه أهل الشام في زمانه، ثقة كبير، روى له الجماعة إلا البخاري. عن عطاء بن أبي رباح المكي ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن عطاء نحوه. قوله: "أفقال جابر" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "وقد دل على ذلك" أي على ما ذكرنا من التأويل.

стр. 3364

ص: وقد روي عن ابن عباس ﵄ في هذا نحو من ذلك. حدثنا عبد الله بن محمد بن خُشيش، قال: ثنا عارم، قال: ثنا جرير بن حازم، عن قيس، عن عطاء: "أن ابن عباس سلم عليه رجل وهو يصلي فلم يرد عليه شيئًا، وغمز بيده". فهذا ابن عباس ﵄ إنما لم يردُّ في صلاته على الذي سلم عليه وهو فيها، ولكنه غمز بيده على الكراهية منه لما فعل فلما كان عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وقد كانا سلما على النبي ﵇ وهو يصلي قد كرها من بعد رسول الله ﵇ السلام على المصلي فثبت بذلك أن ما كان من إشارة النبي ﵇ التي علماها لم تكن ردًا وإنما كانت نهيًا؛ لأن الصلاة ليست بموضع سلام؛ لأن السلام كلام، فجوابه أيضًا كذلك، فلما كانت الصلاة ليست بموضع كلام؛ لم تكن أيضًا بموضع لرد سلام، ولما لم تكن موضعًا لرد سلام لم تكن موضعًا للإشارة لرد السلام، وذلك لأن رسول الله ﵇ قد أمر بتسكين الأطراف في الصلاة. حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن جابر بن سمرة قال: "دخل رسول الله ﵇ المسجد فرأى قومًا يصلون وقد رفعوا أيديهم، فقال مالي أراكم ترفعون أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة". فلما أمر رسول الله ﵇ بالسكون في الصلاة، وكان رد السلام بالإشارة فيه خروجًا من ذلك لأن فيه رفع اليد وتحريك الأصابع، ثبت بذلك أنه قد دخل فيما أمر به رسول الله ﵇ من تسكين الأطراف في الصلاة، وهذا القول الذي بَيَّنَّا في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس ﵄ -فيما ذكرنا من إشارة النبي ﵇ في الصلاة حين سلم عليه عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله كانت نهيًا عن ذلك ولم تكن ردًّا للسلام- نحو من ذلك، أي مثل ونظير لما ذكرنا، بيانه: أن ابن عباس لما سُلم عليه وهو في الصلاة لم يرد عليه وغمز بيده لأجل كراهته هذا الفعل منه، فثبت من ذلك أن الإشارة في الصلاة لأجل رد السلام مكروهة لا ينبغي أن تفعل،

стр. 3365

ألا ترى أن عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله سلما على النبي ﵇ وهو في الصلاة ثم كرها من بعد رسول الله ﵇ السلام على المصلي، وذلك لكونهما قد علما أن الإشارة التي كانت من النبي ﵇ حين سلما عليه وهو في الصلاة لم تكن لأجل الرد وإنما كانت لأجل النهي عن ذلك الفعل، وذلك لأن الصلاة ليست بمحل للسلام؛ لأن السلام كلام، فجوابه أيضًا يكون كلامًا، فلما ثبت أن الصلاة ليست بمحل للكلام، لم تكن أيضًا بمحل لرد السلام؛ لأنه كلام كالسلام، فإذا ثبت أنها ليست بمحل لرد السلام لم تكن أيضًا بمحل للإشارة التي تكون لرد السلام؛ لأنها تكون كرد السلام، وقد قلنا: إن ردَّ السلام كالكلام، فالكلام ممنوع فالسلام مثله، ورده كذلك سواء كان قولًا أو إشارة، والدليل على ذلك أيضًا أن النبي ﵇ قد أمر المصلي بتسكين أطرافه في الصلاة كما في حديث جابر بن سمرة، ورد السلام بالإشارة تحريك للأطراف؛ لأن فيها رفع اليد وتحريك الأصابع، وهذا خلاف ما أمر به النبي ﵇، وذلك لا يجوز، والله أعلم. ثم إسناد أثر ابن عباس صحيح، وقد مر غير مرة أن خُشَيْشا بضم الخاء وفتح الشين الأولى وسكون الياء آخر الحروف، وكلها معجمات، وعارم -بالعين المهملة- لقب محمد بن الفضل شيخ البخاري، وقيس هو ابن سعد من رجال مسلم، وعطاء هو ابن أبي رباح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح: "أن رجلًا سلم على ابن عباس وهو في الصلاة فأخذ بيده فصافحه، وغمز بيده". وقال أيضًا (٢): ثنا حفص، عن ليث، عن عطاء قال: "سلمت على ابن عباس وهو في الصلاة فلم يردّ عليّ، وبسط يده إليّ وصافحني".

стр. 3366

وكذلك إسناد حديث جابر بن سمرة صحيح، ومحمد بن سعيد بن سليمان الأصبهاني شيخ البخاري، وشريك هو ابن عبد الله النخعي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات. والأعمش هو سليمان بن مهران، والمسيب بن رافع الأسدي الكاهلي روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: "خرج علينا رسول الله ﵇ فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمس؟ اسكنوا في الصلاة. قال: ثم خرج علينا فرآنًا حَلِقًا، فقال: ما لي أركم عزين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: ألا تصفون كما تصّف الملائكة عند ربها فقلنا: يا رسول الله ﵇، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف". وأخرجه النسائي (٢): أنا قتيبة، قال: ثنا عبثر، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﵇ ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة كأنها أذناب الخيل الشمس؟! اسكنوا في الصلاة". انتهى. وهذا كما رأيت قد وقع في روايتي مسلم والنسائي بين المسيب بن رافع وبن جابر بن سمرة تميم بن طرفة، وليس هو بمذكور في رواية الطحاوي، وكل منهما قد روى عن جابر بن سمرة فسنده أعلى من سندهما (٣).

стр. 3367

قوله: "وقد رفعوا أيديهم" جملة حالية. قوله: "شُمس" بضم الشين المعجمة وسكون الميم وبضمها أيضًا جمع أشمس، وهو النَّفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته، وقال الجوهري: فرس شموس أي صعب الخلق، ولا تقل شموص قوله: "اسكنوا" أمر من سَكَنَ يَسْكُنُ، أي اثبتوا ولا تتحركوا، ولا تحركوا أطرافكم بل لازموا السكون والقرار؛ لأنكم بين يدي ربكم جلت قدرته. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن فيه دلالة على أن رد السلام بالإشارة في الصلاة مكروه؛ لأنه مأمور بالسكون وهو عدم الحركة، فإذا أشار احتاج إلى رفع اليد وتحريك الأصابع، كما ذكرناه. الثاني: استدل به بعض أصحابنا على ترك رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، واعترض عليه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين بأن هذا كان في التشهد لا في القيام، تفسره رواية عبد الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: "كنا إذا صلينا خلف النبي ﵇ قلنا السلام عليكم السلام عليكم، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال: ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس؟! إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله". وهذا قول معروف لا اختلاف، فيه ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات أيضًا منهيًّا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، بل أطلق. والجواب عن هذا: أن هذين حديثان لا يُفَسَّر أحدهما بالآخر، وقد جاء في الحديث الأول: "دخل رسول الله ﵇ المسجد، فرأى قومًا يصلون وقد رفعوا أيديهم" وهذا ظاهره أنهم كانوا في حالة الركوع والسجود ونحو ذلك، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده وروى الآخر في وقت آخر كما شاهده، وقد ذكر ابن القصار أن هذا

стр. 3368

الحديث حجة في النهي عن رفع الأيدي في الصلاة، وذكر أن في ذلك نزلت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١). الثالث: فيه أن الإِمام إذا رأى شيئًّا منكرًا يفعله القوم في الصلاة ينهاهم عن ذلك، فبالقياس على ذلك وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل أحدٍ يقدر على ذلك، والله أعلم.

стр. 3369

ص: باب: المرور بين يدي المصلي هل يقطع ذلك عليه صلاته أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان مرور [المارّ] (١) بين يدي المصلي هل يقطع ذلك على المصلي صلاته أم لا؟. وجه المناسبة بين البابين: أن فيما قبله كان الخلاف في الإشارة المفهمة في الصلاة هل تقطعها أم لا؟ وفي هذا الخلاف في مرور المار بين يدي المصلي هل يقطع الصلاة أم لا؟ ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن منصور، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﵇: "لا يقطع الصلاة مرور شيء إذا كان بين يديه كآخرة الرحل، وقال: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود، قال: قلت يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألتني عما سألت رسول الله ﵇ فقال: "إن الكلب الأسود شيطان". ش: إسناده صحيح، ويونس هو ابن عبيد بن دينار البصري، روى له الجماعة، ومنصور هو ابن زاذان الواسطي روى له الجماعة، وحميد بن هلال بن هبيرة البصريّ روى له الجماعة، وعبد الله بن الصامت الغفاري البصري ابن أخي أبي ذر روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وأبو ذر جندب بن جنادة. وأخرجه مسلم (٢): ثنا ابن أبي شيبة، قال: نا إسماعيل بن علية. وحدثني زهير بن حب، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن حميد ابن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﵇: "إذا قام

стр. 3370

أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﵇ كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان". وأخرجه الأربعة (١) أيضًا مطولًا ومختصرًا. قوله: "كآخرة الرحل" أي كقدر مؤخر الرَّحل، و"الرَّحل" بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين: الذي تركب عليه الإبل، وهو الكور. وقال الجوهري: الرحل رحل البعير وهو أصغر من القتب، والجمع الرحال، وثلاثة أرحل. وقال عياض: آخرة الرحل هو العود الذي في آخر الرحل. والمؤخرة: -بضم الميم وكسر الخاء- كذا قاله أبو عبيد، وحكى ثابت فيه فتح الخاء، وأنكره ابن قتيبة، وأنكر ابن مكي أن يقال مقدِّم ومؤخِّر -بالكسر- إلا في المعين خاصة، وغيره بالفتح، ورواه بعض الرواة بفتح الواو وتشديد الخاء. قوله: "من الأبيض" معناه ما بال الأسود من الأبيض. قوله: "إن الكلب الأسود شيطان" فيه معنيان: الأول يجوز أن يكون حقيقًا ويكون الكلب الأسود جنسًا من الشياطين؛ لأن الشياطين أجناس وأنواع كالعفاريت والسفالي والغيلان، ويجوز أن يكون بمعنى تشبيه بليغ لوصف خاص فيه دون غيره من الكلاب. ويستنبط منه أحكام: الأول: أن المصلي إذا كان بينه وبين المار سترة؛ لا يضر صلاته مرور المار.

стр. 3371

واختلفوا في المقدار الذي يكون بينه وبين السترة؛ فقيده بعض الناس بشبر، وآخرون بثلاثة أذرع وبه قال الشافعي وأحمد، وهو قول عطاء وآخرون بستة ذكر السفاقسي قال: أبو إسحاق: رأيت عبد الله بن مغفل يصلي بينه وبين القبلة ستة أذرع، وفي نسخة "بثلاثة أذرع"، وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح نحوه، وقال: القرطبي لم يحد مالك في ذلك حدًّا إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من يمر بين يديه. وقال: أبو داود (١): نا القعنبي والنفيلي، قالا نا عبد العزيز -هو ابن أبي حازم- قال: أخبرني أبي، عن سهل قال: "كان بين مقام النبي ﵇ وبين القبلة ممر عنز". الثاني: أن مقدار السترة ينبغي أن يكون كقدر مؤخرة الرحل، وقال: عياض أقل ما يجزئ من ذلك: قدر عظم الذراع في غلظ الرمح عند مالك وهو التفات إلى صلاته ﵇ لمؤخرة الرحل في الارتفاع وللعنزة في الغلظ. الثالث: اختلف العلماء في هذا الحديث، فقال بظاهرة جماعة من الصحابة والتابعين على ما يجيء بيانه مستقصى إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة أن النبي ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ما استطاع؛ لا يقطع الشيطان عليه صلاته". ش: إسناده صحيح، وسفيان هو ابن عيينة. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا ابن الصباح، أنا سفيان. ونا عثمان بن أبي شيبة وحامد بن يحيى وابن السرح، قالوا: ثنا سفيان، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة يبلغ به النبي ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم ... " إلى آخره نحوه.

стр. 3372

وأخرجه النسائي (١)، وابن حبان في "صحيحه" (٢): في النوع الخامس والتسعين من القسم الأول. قوله: "فليدن منها" أي فليقرب من السترة. قوله: "لا يقطع الشيطان عليه صلاته" خرج مخرج التعليل، ومعنى قطع الشيطان صلاته عليه إذا لم يدن من السترة: أنه ربما يمر بينه وبينها أحد أو حيوان فيحصل له التشوش بذلك، ولا يدري كم صلى، فتحصل له وسوسة، فتقطع صلاته، وإنما نسب إلى الشيطان لأن قطع العبادة وإبطالها من أعمال الشيطان. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث، عن ابن عباس -رفعه شعبة- قال: "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال: أحسبه قد أسنده إلى النبي ﵇- قال: "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب والحمار واليهودي والنصراني والخنزير، ويكفيك إذا كانوا منك قدر رمية لم يقطعوا عليك صلاتك". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن قتادة، عن جابر بن زيد أي الشعثاء اليحمدي الجوفي -بالجيم- نسبة إلى درب الجوف بالبصرة وقيل ناحية عمان. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد ... إلى آخره نحوه، ثم قال: أوقفه سعيد وهشام وهمام عن قتادة، عن جابر بن زيد على ابن عباس.

стр. 3373

والثاني: عن إبراهيم بن أبي داود إلبرلسي، عن محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري، شيخ الأربعة، ووثقه النسائي وابن حبان. عن معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي روى له الجماعة، عن أبيه هشام روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير روى له الجماعة، عن عكرمة مولى ابن عباس روى له الجماعة مسلم مقرونًا بغيره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن إسماعيل البصري، ثنا معاذ، نا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال: أحسبه عن رسول الله ﵇- قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير السترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة حجر". وقال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء؛ فلم أر أحدًا جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحدًا يحدث به عن هشام وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة وهو شيخه محمد بن إسماعيل، والمنكر فيه ذكر المجوسي وفيه على قذفة بحجر، وذكر الخنزير وفيه نكارة. قال: ولم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي سمينة وأحسبه وهم لأنه كان يحدثنا عن حفظه. وقال ابن القطان: ليس في سنده متكلم فيه، غير أن علته بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقال: إنه مرفوع. وفي "العلل" (٢) لابن أبي حاتم: سُئِل أبو زرعة عن حديث رواه عبيس بن ميمون، عن ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يرفعه: "يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة واليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير" فقال: هذا حديث منكر.

стр. 3374

ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا معاذ، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل أن رسول الله ﵇ قال: "يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة". ش: إسناده صحيح، وابن أبي عروبة هو سعيد بن مهران أبو النضر البصري. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا جميل بن الحسن، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل، عن النبي ﵇ -قال: "يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار". ص: فذهب قوم إلى هله الآثار، فقالوا: يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار إذا مروا بين يدي المصلي. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وعكرمة وأبا الأحوص ومكحولا وأحمد بن حنبل وإسحاق وأهل الظاهر؛ فإنهم قالوا: يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار. ويحكى ذلك عن أبي ذرٍّ وابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵃. وأخرج عبد الرزاق (٢): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ماذا يقطع الصلاة؟ قال: المرأة الحائض والكلب الأسود". وأخرج (٣): عن معمر، عمن سمع عكرمة يقول: "يقطع الصلاة الكلب والخنزير واليهودي والنصراني والمجوسي والمرأة الحائض". وأخرج (٤): عن ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس مثله.

стр. 3375

وأخرج (١): عن ابن التيمي، عن أبيه، عن عكرمة وأبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود". وأخرج (٢): عن ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة". وأخرج ابن أبي شيبة (٣): عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: "الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة". وأخرج (٤): عن غندر، عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قال: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب". وأخرج (٥): عن غندر، عن شعبة، عن زياد بن فياض، عن أبي الأحوص مثله. وأخرج (٦): عن أبي داود، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: "يقطع الصلاة الكلب، قيل له: فالمرأة؟ قال: لا إنما هن شقائق أخواتكم وأمهاتكم". وقال ابن حزم في "المحلى" (٧): ويقطع صلاة المصلي كون الكلب بين يديه مارًّا، وغير مارٍّ، صغيرًا أو كبيرًا، حيًّا أو ميتًا، أو كون الحمار بين يديه كذلك أيضًا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارة أو غير مارة إلا أن تكون مضطجعة معترضة فلا تقطع الصلاة حينئذ، ولا تقطع النساء بعضهن صلاة بعض. انتهى. فإن قيل: ما الحكمة في تخصيص الكلب الأسود والمرأة والحمار عند من يرى قطع الصلاة بمرورها؟

стр. 3376

قلت: أما الكلب الأسود فإنه صرح في الحديث أنه شيطان، وأن الشياطين كثيرًا ما يتصورون في صور الكلاب السود، ولأن الملائكة لا تحضر موضعها. وأما المرأة فلأجل جريان الحيض ونجاسته عليها؛ ولهذا جاء في حديث ابن عباس "والحائض" مكان "المرأة". وأما الحمار فلاختصاص الشيطان به في قصة نوح ﵇ في السفينة وتعلقه له، لنهاقته عند رؤيته وقد يقال في المرأة من هذا المعنى أيضًا لأنها تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، وأنها من مصائد الشيطان وحبائله. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يقطع الصلاة شيء من هذا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعبيدة والشعبي، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وابن سيرين والنخعي والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: لا يقطع الصلاة شيء من هذا، ويحكى هذا عن عثمان وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وحذيفة وعائشة ﵃. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: "جئت أنا والفضل ونحن على أتان، ورسول الله ﵇ يصلي بالناس بعرفة، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا عنها وتركناها ترتع، فلم يقل لنارسول الله ﵇". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ويونس، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل: "ورسول الله ﵇ يصلي بالناس بمنى". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر وروح ووهب، قالوا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن صهيب، عن ابن عباس قال: "مررت برسول الله ﵇ وهو يصلي وأنا على حمار ومعي غلام من بني هاشم، فلم ينصرف".

стр. 3377

ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس ﵄. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه المدني. وأخرجه الجماعة، وأبو داود (١) أخرج نحوه: عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: عن محمد بن منصور، عن سفيان، قال: ثنا الزهري، قال: أخبرني عبيد الله، عن ابن عباس قال: "جئت أنا والفضل على أتان لنا، ورسول الله ﵇ يصلي بالناس بعرفة -ثم ذكر كلمة معناها- فمررنا على بعض الصف فنزلنا وتركناها ترتع، فلم يقل لنا رسول الله ﵇ شيئًا". وأخرجه ابن ماجه (٣): عن هشام بن عمار، عن سفيان، عن الزهري ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ويونس بن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه قال: "أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﵇ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليّ أحد".

стр. 3378

وأخرجه مسلم (١): حدثني يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره نحوه. وقال أيضًا (١): حدثني حرملة بن يحيى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس أخبره: "أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله ﵇ قائم يصلي بمنرل في حجة الوداع يصلي بالناس، قال: فسار الحمار بين يدي بعض الصف، ثم نزل عنه فصف مع الناس". حدثنا (١) يحيى بن يحيى وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الزهري بهذا الإسناد قال: "والنبي ﵇ يصلي بعرفة". حدثنا (٢) إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، قالا: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري بهذا الإسناد ولم يذكر فيه منى ولا عرفة، وقال: "في حجة الوداع أو يوم الفتح". وأخرجه الترمذي (٣): نا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: "كنت رديف الفضل على أتان، فجئنا والنبي ﵇ يصلي بأصحابه بمنى، قال: فنزلنا عنها فوصلنا بالصف، فمرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم". قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. وأخرجه البزار بسند صحيح ولفظه عن ابن عباس: "أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﵇ بعرفة وهو يصلي المكتوبة ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه".

стр. 3379

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١) ولفظه: "جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ... " الحديث. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي وروح بن عبادة ووهب بن جرير بن حازم، ثلاثتهم عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار العرني الكوفي، عن صهيب أبي الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس. وأخرجه النسائي (٢): أنا أبو الأشعث، قال: ثنا خالد، قال: ثنا شعبة، أن الحكم أخبره، قال: سمعت يحيى بن الجزار يحدث، عن صهيب، قال سمعت ابن عباس يحدث: "أنه مرّ بين يدي رسول الله ﵇ هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله ﵇ وهو يصلي، فنزلوا ودخلوا معه فصلوا، فلم ينصرف، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب فأخذتا بركبتيه ففرع بينهما ولم ينصرف". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء قال: "تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس فقال: جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله ﵇ يصلي، فنزل ونزلت، فتركنا الحمار أمام الصف، فما بالاه، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف فما بالى ذلك". وأخرجه الطيالسي في "مسنده": ثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن صهيب- قلت: من صهيب؟ قال: بصري قال: عن ابن عباس: "أنه كان على حمار هو وغلام من بني هاشم، فمر بين يدي النبي ﵇ وهو يصلي، فلم ينصرف

стр. 3380

لذلك، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فأخذتا بركبتي رسول الله ﵇ ففرغ بينهما -يعني فرق بينهما- ولم ينصرف لذلك". وأخرجه البيهقي في "سننه (١): بهذا الطريق. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢). قوله: "ونحن على أتان" جملة اسمية وقعت حالًا، قال عياض: الأتان أنثى الحمير، وقد جاء في الحديث الآخر: "على حمار" أراد به الجنس ولم يرد الذكورية، كما يقال إنسان للذكر والأنثى، وقال البخاري في روايته: "على حمار أتان". قلت: الأَتَان بالفتح الحمارة، والجمع: آتُن، أُتْن وأُتُن ويقال: بالكسر لغة أيضًا ذكره ابن عديس في "المثنى"، وفي "المحكم" الأتان: الحمار، والمأتوناء اسم للجمع، واستأتن الحمار صار أتانا، وفي "الصحاح": ولا تقل: أتانة، وقال ابن قرقول: جاء في بعض الحديث أتانة وضبط الأصيلي حمارٍ أتانٍ على النعت أو البدل منونين، "وجاء على حمار" "وجاء على أتان فالأولى الجمع بينهما، وقال: سراج بن عبد الملك أتان وصف للحمار ومعناه صلب قوي، مأخوذ من الأتانة وهي الحجارة الصلبة قال: وقد يكون بدل غلط قال: وقد يكون البعض من الكل؛ لأن الحمار يشمل الذكر والأنثى كالبعير، وقال ابن سراج: وقد يكون على حمار أتان على الإضافة، أي على حمار أنثى. وكذا وجدته مضبوطًا في بعض الأصول. قوله "بعرفة" وقد جاء "بمنى" كما ذكرنا في رواية البخاري وأبي داود والترمذي، وقد جاء اللفظان في "صحيح مسلم"، وقد ذكرناه. والمشهور أن هذه القضية كانت في حجة الوداع، وقد ذكرنا في رواية مسلم: "في حجة الوداع أو يوم الفتح" فلعلها كانت مرتين ويكون اختلاف لفظ مني وعرفة على هذا، فافهم.

стр. 3381

قوله: "ترتع " أي ترعى، يقال: رتعت الإبل إذا رعت. قوله: "فما بالاه" أي فما أكترث له، من بالى يبالي مبالاة. ويستفاد منه أحكام: فيه دليل على أن الحمار لا يقطع الصلاة، وزعم ابن القصار أن من قال: إن الحمار يقطع الصلاة قال: إن مرور حمار عبد الله كان خلف الإِمام بين يدي بعض الصف. قلت: هذا كلام جيد لولا روايته البزار من أن ذلك كان بين يدي النبي ﵇ كما ذكرناها آنفا. وفيه حجة على أن الإِمام سترة لمن خلفه، لقوله: "فلم يقل لنا رسول الله ﵇ شيئا" ولأن سكوت النبي ﵇ -إن كان رآه- حجة في جواز ذلك، وإن كان لم يره فقد رآه جملة أصحابه فلم ينكروه عليه ولا أحد منهم. وفيه جواز الارتداف على الحمير. ص: ففي حديث عبيد الله عن ابن عباس أنهما مرا على الصف، فقد يجوز أن يكونا مرا على المأمومين دون الإمام وكان ذلك غير قاطع على المأمومين، ولم يكن في ذلك دليل على حكم مرور الحمار بين يدي الإِمام، ولكن في حديث صهيب عن ابن عباس: أنه مر برسول الله ﵇ فلم ينصرف؛ فدل ذلك على أن مرور الحمار بين يدي الإمام غير قاطع للصلاة، وقد روي عن ابن عباس في الحديث الذي ذكرناه عنه في الفصل الأول من حديث ابن أبي داود: أن الحمار يقطع الصلاة ... في أشياء ذكرها معه في ذلك الحديث قال: وأحسبه قد أسنده. فهذا الحديث الدي رويناه عن عبيد الله وصهيب عن ابن عباس مخالف لذلك؛ فأردنا أن نعلم أيهما نسخ الآخر؟ فنظرنا في ذلك فإذا أبو بكرة قد حدثنا قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا سماك، عن عكرمة قال: "ذكر عند ابن عباس ما يقطع الصلاة؟ فقالوا: الكلب والحمار، فقال ابن عباس: إليه يصعد الكلم الطيب، وما يقطع هذا ولكنه يكره".

стр. 3382

فهذا ابن عباس قد قال: بعد رسول الله ﵇: إن الحمار لا يقطع الصلاة؛ فدل ذلك على أن ما روى عنه عبيد الله وصهيب كان متاخرًا عما رواه عنه عكرمة من ذلك. ش: أراد بهذا تصحيح معاني الأحاديث المذكورة، وبيان النسخ فيها. بيانه: أن ما رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس المذكور فيما مضى ليس فيه دليل على حكم مرور الحمار بين يدي الإِمام؛ لأنه قال: فمررنا على بعض الصف، فقد يجوز أن يكون مرورهما على المأمومين دون الإِمام، وكان ذلك غير قاطع على المأمومين؛ وهذا قال من يري أن الحمار يقطع الصلاة: إن مرور حمار عبد الله كان خلف النبي ﵇ بين يدي بعض الصف، وليس فيه دليل على أن مروره بين يدي الإِمام غير قاطع للصلاة. ولكن روي عن ابن عباس في الحديث الذي رواه إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن المقدمي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال: أحسبه قد أسند إلى النبي ﵇- قال: "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب والحمار ... " الحديث. فهذا الحديث يدل على أن مروره يقطع الصلاة مطلقًا؛ ولكن يعارضه ما رواه عبيد الله بن عبد الله وصهيب، عن ابن عباس؛ لأن فيه أن ذلك لا يقطع الصلاة، فقد حصل التعارض والتخالف بين حديثي ابن عباس، فيحتاج فيه أن نتظر حتى نعلم أيهما الناسخ، فنظرنا في ذلك فوجدنا عكرمة قد روى عن ابن عباس أنه قال: "ما يقطع هذا ولكنه يكره". أخرجه بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، وثقه ابن حبان ويحيى وآخرون. عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عكرمة مولى ابن عباس، عنه.

стр. 3383

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الثوري، عن سماك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن سماك، نحوه. فدل ذلك أن ما رواه عبيد الله وصهيب عنه كان متأخرًا عما رواه عنه عكرمة المذكور في الفصل الأول، والمتأخر ناسخ للمتقدم؛ وذلك لأن قول ابن عباس هذا بعد النبي ﵇ يدل على أنه قد ثبت عنده ارتفاع حكم ما رواه قيل ذلك، فيكون قوله دلالة للتأريخ، وقد أجاب بعضهم عن أحاديث القطع بأن المراد بالقطع: المبالغة في الخوف على فسادها بالشغل بهم، كما يقال للمادح: قطعت عنق أخيك. أي فعلت به فعلًا يخاف عليه هلاكه منه كمن قطع عنقه، وقد يجاب بأن الحديث الأول لا يساوي هذا الحديث ولا يدانيه على ما ذكرنا، ثم معنى قول ابن عباس: "إليه يصعد الكلم الطيب" إشارة إلى أن المصلى مشتغل بذكر ربه متوجه إليه فكلمه وذكره الطيب يصعدان إلى الله تعالى، والعمل الصالح يرفعه فلا يقطع صلاته مرور الحمار ولا الكلب ولا المرأة. وقال: ابن حزم احتجِ بعض المخالفين بقول الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) قال: "فما يقطع هذا"، قال علي: يقطعه عند هؤلاء المشغبين قبلة الرجل امرأته ومسه ذكره وأكثر من قدر الدرهم من بول، ويقطعه عند الكل رويمة تخرج من الدبر متعمدة. قلت: هذا كلام سخيف لأن بهذه الأشياء يرتفع الوضوء فيبقى المصلي بلا طهارة فكيف لا تقطعها هذه الأشياء، بخلاف مرور الحمار والكلب والمرأة فإن لا يرفع الوضوء بالإجماع، والمصلي بذلك على طهارته في ذكره وكلمه الطيب، وعمله الصالح يرفعه فلا يضره ولا يقطعه ذلك، والله أعلم.

стр. 3384

ص: وقد روي عن الفضل بن عباس عن النبى ﵇ ما يدل على أن الحمار أيضًا لا يقطع الصلاة: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن محمد بن عمر، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس ﵃ قال: "زارنا رسول الله ﵇ -في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى فصلى العصر وهما بين يديه فلم تزجرا ولم تؤخرا. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا معاذ بن فضالة، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ... فذكر بإسناده نحوه. حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يحيى بن أيوب (ح). وحدثنا محمد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال عبد الله بن صالح في حديثه: عن محمد بن عمر، وقال ابن أبي مريم في حديثه: قال: حدثني محمد بن عمر ... ثم ذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "زار رسول الله ﵇ عباسًا ﵁". فقد وافق هذا الحديث حديث صهيب وعبيد الله عن ابن عباس الذي قدمنا ذكرهما في الفصل الذي قبل هذا. ثم رجعنا إلى حكم مرور الكلب بين يدي المصلي كيف هو، وهل يقطع الصلاة أم لا؟ فكان أحد من روينا عنه عن النبي ﵇ أنه يقطع الصلاة ابن عباس، قد روينا ذلك عنه في أول هذا الباب، ثم قد روي في حديث الفضل الذي ذكرنا ما قد خالفه، ثم روينا عن ابن عباس بعد من قوله بعد رسول الله ﵇ في حديث عكرمة عنه أن الكلب لا يقطع الصلاة؛ فدل ذلك على ثبوت نسخ ذلك عنده، وعلى أن ما رواه الفضل عن النبي ﵇ من ذلك كان متأخرًا لما رواه ابن عباس عن النبي ﵇.

стр. 3385

ش: أخرج ما روي عن الفضل بن عباس من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي. عن عباس بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، وثقه ابن حبان. عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب ﵄. وأخرجه النسائي (١): أنا عبد الرحمن بن خالد، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: قال: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس قال: "زار رسول الله ﵇ عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﵇ العصر ... " إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن معاذ بن فضالة الزهراني شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمد بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن العباس، عن الفضل بن عباس قال: "أتانا رسول الله ﵇ ونحن في بادية ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك". الثالث: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن محمد بن عمر، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس.

стр. 3386

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) نحوه. الرابع: عن محمد بن حميد أيضًا، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢): ثنا يحيى بن أيوب العلاف، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، أن عباس بن عبيد الله بن عباس حدثه، عن الفضل بن عباس قال: "أتى رسول الله ﵇ عباسًا في بادية لنا، فصلى العصر وبين يديه كليبة لنا أو حمارة لنا فما ينهاها ولا يؤخرها". وقد طعن ابن حزم في هذا الحديث: أن العباس بن عبيد الله بن العباس لم يدرك عمه الفضل. قلت: ذكر جماعة من الثقات أنه روى عن عمه الفضل بن عباس فيدل هذا على أنه أدركه. قوله: "كليبة" تصغير كلبة. قوله: "فلم تزجرا" على صيغة المجهول أي الكليبة والحمارة وكذا قوله: "ولم تؤخرا" على صيغة المجهول. قوله: "تعبثان" أي تلعبان، من العبث وهو الإفساد، وفي بعض نسخ أبي داود "تعيثان" من عاث الذئب في الغنم تعوث عيثًا: إذا أفسد، ويجوز أن تكون عثي يعثي عيثا إذا أفسد، من باب عَلِمَ يَعْلَم، ويقال: عَثَا يَعْثو من باب نَصَرَ يُنْصُر، وتكون التثنية تعثيان بتقديم الثاء المثلثة. ومما يستفاد من هذا الحديث: أنه إذا صلى في الصحراء بلا سترة لا بأس عليه، قال الأبهري: لا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من

стр. 3387

المرور بين يديه واختلفوا في موضع يأمن، فعن مالك قولان، وعند الشافعي هي مشروعة مطلقًا، فإن كان في الفضاء هل يصلي إلى غير سترة؛ فأجازه ابن القاسم لهذا الحديث، وقال مطرف وابن الماجشون: لا بد من السترة، وذكر عن عروة وعطاء وسالم والقاسم والشعبي والحسن أنهم كانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترة. قوله: "فقد وافق هذا الحديث" أي قد وافق حديث الفضل بن عباس هذا حديث صهيب البكري البصري وحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة اللذين ذكرا فيما مضى في الفصل الذي قبل هذا، وهما رويا عن ابن عباس في حديثيهما حكم الحمار، وأنه لا يقطع الصلاة فكذلك روى الفضل في حديثه المذكور حكم الحمار وأنه لا يقطع الصلاة، وزاد هو في روايته هذه "الكلب" بأنه لا يقطع الصلاة، وقد كان روي عن ابن عباس أن مرور الكلب بين يدي المصلي يقطع الصلاة، وهو المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وروي عنه أيضًا ما يخالفه، وهو الذي احتج به أهل المقالة الثانية، وقد ذكرنا أن بينهما تعارضًا ظاهرًا، وذكرنا أيضًا أن روايته الثانية ناسخة للأولى؛ لأنه روي عنه من بعد النبي ﵇ -فيما رواه عكرمة عنه- أن الكلب لا يقطع الصلاة، وفتواه هذه تدل على انتساخ ذلك الحديث الذي فيه القطع؛ لأنه لو لم يعلم ذلك ولم يثبت عنده لما قال بعد النبي ﵇ قولًا يخالف ما رواه عنه، ودل ذلك أيضًا على أن ما رواه الفضل عن النبي ﵇ من ذلك كان متأخرًا عما رواه عبد الله بن عباس عن النبي ﵇، والمتأخر ناسخ للمتقدم بلا خلاف. ص: غير أن أبا ذر ﵁ روى عن النبي ﵇ أنه فصل بين الكلب الأسود من غيره من الكلاب، فجعل الأسود يقطع الصلاة، وجعل ما سواه بخلاف ذلك، وأن رسول الله ﵇ سئل عن ذلك فقال: "الأسود شيطان". فدل ذلك على أن المعنى الدي وجب به قطعه إنما هو لأنه شيطان، فأردنا أن ننظر هل عارض ذلك شيء؟

стр. 3388

فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو ظفر، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار. وعن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن في سعيد، جميعًا عن النبي ﵇ مثله. ففي هذا الحديث أن كل مارٍّ بين يدي المصلي شيطان وقد سوى في هذا بني آدم والكلب الأسود إذا مروا بين يدي المصلي. ش: استثنى هذا الكلام عما قبله؛ ليبين وجه التوفيق بين ما روي عن ابن عباس والفضل وبن ما روي عن أبي ذر الغفاري جندب بن جنادة المذكور في أول الباب؛ وذلك لأن أبا ذر روى أن الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة، وأن خلافه من الكلاب بخلاف ذلك، وهما رويا أن الكلب مطلقًا لا يقطع الصلاة. وجه التوفيق في ذلك: هو أن النبي ﵇ لما سئل عن الكلب الأسود قال: الأسود شيطان، فعلل بأن المعنى الموجب لقطع الأسود هو كونه شيطانًا، فإذا كانت العلة هذه فقد وجدنا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ جعل كل مارٍّ بين يدي المصل شيطانًا، وهو بعمومه يتناول بني آدم والكلب الأسود والأبيض والأحمر وغير ذلك، فعلم من ذلك أن الكلب على سائر ألوانه حكمه في هذا الأمر كحكم غيره من بني آدم والحمار، في عدم القطع؛ لأنه ﵇ أمر بالدرء في حق كل مارٍّ ولم يخص مارًّا عن مارٍّ. فإن قيل: إذا سلم ذلك، فما وجه التخصيص بذكر الأسود؟

стр. 3389

قلت: قد قيل: إن الكلب الأسود جنس من الشياطين أو إن الشياطين غالبًا يتمثلون بصورة الكلب الأسود؛ فلذلك خصصه بالذكر، مع أن حكم الكل سواء كما ذكرناه. ثم إنه أخرج حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك ﵁ من ثلاث طرق صحاح. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم القرشي، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك. والنسائي (٣): عن قتيبة، عن مالك نحوه، غير أنه ليس في روايته: "فإنما هو شيطان". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي ظفر عبد السلام بن مطهر شيخ البخاري وأبي داود، عن سليمان بن المغيرة القيسي البصري روى له الجماعة، عن حميد بن هلال بن هبيرة العدوي روى له الجماعة، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ نحوه. وأخرجه البزار في "مسنده": حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثني أبي، عن أبيه، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﵇ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فأراد أحد أن يمر بين يديه فليمنعه، فإن أبي فليقاتله فإنه شيطان" وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يونس، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد إلا عبد الوارث، وقد رواه سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد.

стр. 3390

الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، شيخ البخاري في "أفعال العباد"، وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق وذكره ابن حبان في "الثقات". عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن صفوان بن سليم المدني روى له الجماعة، عن عطاء بن يسار. عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، جميعًا عن أبي سعيد، عن النبي ﵇. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، ثنا عبد العزيز -وهو ابن محمد- عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان". قوله: "فلا يدعن" بنون التأكيد المشددة، أي فلا يتركن. قوله: "وليدرأه ما استطاع" أي وليدفعه قدر استطاعته. قال القاضي عياض: أي ليدفعه ويمنعه عن ذلك، ولا يسامحه في المرور، وهو معنى قوله: "ما استطاع". قوله: "فإن أبي" أي امتنع. "فليقاتله" قال القاضي: أي إن أبى بالإشارة ولطيف المعنى؛ فليمانعه، وليدافعه بيده عن المرور، وليعنف عليه في ردّه. قال أبو عمر: هذا لفظ جاء على وجه التغليظ والمبالغة. وقال الباجي: يحتمل أن يكون بمعنى فليلعنه، فالمقاتلة بمعنى اللعن موجودة، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (١) قال: ويحتمل أن تكون بمعنى: فليعنفه على فعله ذلك، وليؤاخذه، وخرج من ذلك معنى المقاتلة المعلومة بالإجماع.

стр. 3391

قوله: "فإنما هو شيطان" قال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه: الحامل له على ذلك شيطان، يؤيده حديث ابن عمر عند مسلم: "لا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أي فليقاتله، فإن معه القرين". وعند ابن ماجه: "فإن معه العُزَّى" (١) وقيل: معناه فإنما هو فعل الشيطان لشغل قلب المصلي كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه من قولهم: بئر شطون أي بعيدة، ومنه سمي الشيطان لبعده عن رحمة الله، فسماه شيطانًا لاتصافه بوصفه، كما يقال: فلان الأسد، أي يبطش ويقوى كبطشه وقوته. قلت: فعل هذا يكون هذا من باب التشبيه البليغ، نحو زيد أسد، شبه المارّ بين يديه بالشيطان لاشتراكهما في شغل قلب المصلي والتشويش عليه. ثم اعلم أن الشيطان اسم لكل متمرد، قال الجوهري: كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب فهو شيطان، فعل هذا يجوز حمل الكلام على ظاهره. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن المصلي لا يُمَكن أحدًا من المرور بين يديه لقوله: "فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه". الثاني: أنه يدفع المار مهما أمكن، فإن امتنع عليه فليقاتله بمعنى فليعنف في المنع عنه كما ذكرنا. وقال النووي: هذا أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه قال القاضي عياض: وأجمعوا أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم تكون هدرًا فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك. قال: ابن شعبان عليه الدية في ماله كاملة وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر. ذكره ابن التين.

стр. 3392

قال عياض: واتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده، وإنما يدافعه ويرده من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، واتفقوا على أنه إذا مر لا يرده كَيْلَا يصير مرورًا ثانيًا، وقد روي عن البعض: يرده. واختلفوا إذا جاز بين يديه وأدركه هل يرده أم لا؟ فقال ابن مسعود: يرده وروي ذلك عن سالم والحسن، وقال أشهب: يرده بإشارة ولا يمشي إليه؛ لأن مشيه أشد من مروره؛ فإن مشي إليه ورده لم تفسد صلاته. فإن قيل: المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي أو هو من أجل مرور المار؟ قلت: الظاهر أنه من أجل مرور المار، يدل عليه قوله ﵇: "لأن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه" (١) وقال في حق المصلي: "إن الصلاة لا يقطعها شيء" (٢). الثالث: أن المقاتلة المذكورة إنما تكون بعد الدفع لاحتمال أن يكون المار ساهيًا أو لم ير المصلي أو لم يتبين له أنه يصلي أو فعله عامدًا؛ فإن رجع حصل المقصود، فإن لم يرجع قوتل وحكى السفاقسي عن أبي حنيفة بطلان الصلاة بالدفع، وهو قول الشافعي في القديم وقال ابن المنذر: يدفع في نحوه أولًا مرة، ويقاتله في الثانية، وقيل: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشد من الرد منُكِرًا عليه، وهذا كله ما لم يكثر، فإن أكثر فسدت صلاته وضَمَّن عمر بن عبد العزيز رجلًا دفع آخر وهو يصلي فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه. ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن صدقة، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين".

стр. 3393

ومعنى هذا معنى حديث أبي سعيد سواء، وأن ابن آدم في مروره بين يدي أخيه المصلي مرور بقرينه أيضًا بين يديه، وهو شيطان. ثم قد أُجْمع على أن مرور بني آدم بعضهم ببعض في صلاتهم لا يقطعها؛ قد روي ذلك عن النبي ﵇ من غير وجه. حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن كثير بن كثير، عن بعض أهله سمع المطلب يقول: "رأيت النبي ﵇ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه ليس بينه وبين القبلة شيء". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت ابن جريج، يحدث عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده المطلب بن أبي وداعة فذكر مثله غير أنه قال: "ليس بينه وبين الطوّاف سترة". قال سفيان فحدثنا كثير بن كثير بعد ما سمعته من ابن جريج قال: أخبرني بعض أهلي، ولم أسمعه من أبي. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا هشام -أراه- عن ابن عم المطلب بن أبي وداعة عن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ بذلك. ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر مثل ما روى عن أبي سعيد الخدري في درء المصلي المار بين يديه ومقاتلته معه لكونه شيطانًا، ومعنى الحديثين في الحقيقة سواء؛ لأنه قال في حديث أبي سعيد: "فإنما هو شيطان" وفي حديث ابن عمر: "فإنه معه القرين" أي الشيطان، ولا شك أنه إذا مر بين يدي المصلي يمر بقرينه أيضًا لأنه لا يفارقه، فعلى هذا يكون في حديث أبي سعيد مجاز من قبيل ذكر الشيء باسم مجاوره؛ لأنه أطلق عليه الشيطان وأراد قرينه، فيكون حديث ابن عمر مفسرًا لحديث أبي سعيد ﵃ فحينئذ اتفق معنى الحديثين، ولكنهم لما أجمعوا على أن مرور بني آدم بعضهم ببعض في صلاتهم لا يقطع الصلاة كما روي ذلك في أحاديث كثيرة على

стр. 3394

ما يأتي؛ ثبت بذلك أن مرور غير بني آدم من الحيوانات كذلك لا يقطعها؛ لأن النبي ﵇ أمر بالدرء في حق كل مارّ ولم يخص مارّا دون مارّ، وأخبر أن كل مارّ بين يدي المصلي شيطان، فكانت العلة الموجبة للدرء والمقاتلة عامة في حق الكل، فكما أنه لا يبطل الصلاة في بني آدم فكذلك في غيرهم. ثم حديث عبد الله بن عمر صحيح ورجال إسناده ثقات، غير أن في يعقوب بن حميد اختلافًا، والأكثرون على توثيقه كما ذكرناه. وابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني روى له الجماعة، والضحاك بن عثمان بن عبد الله أبو عثمان المدني الكبير روى له الجماعة سوى البخاري، وصدقة بن يسار الجزري ثقة روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وأخرجه مسلم (١): حدثني هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، قالا: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين". انتهى. أي المصاحب من الشياطين، والقرين يكون في الخير والشر، وفي الحديث ما من أحد إلا وُكِّل به قرينه أي مصاحبه من الملائكة والشياطن، وكل إنسان فإن معه قرينًا منهما فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه. وأما حديث المطلب بن أبي وداعة السهمي الصحابي ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة السهمي المكي من رجال البخاري، عن بعض أهله وهو مجهول، سمع المطلب بن أبي وداعة إلى آخره.

стр. 3395

وأخرجه أبو داود (١) في كتاب الحج: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، قال لي بعض أهلي يحدثني عن جده: "أنه رأى النبي ﵇ يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يقرون بين يديه وليس بينهما سترة، قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة، وقال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه، قال: ثنا كثير، عن أبيه فسألته فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي. الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه كثير بن المطلب وثقه ابن حبان، عن جده المطلب بن أبي وداعة ... إلى آخره. وهذا إسناد حسن جيد. وأخرجه النسائي (٢): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عيسى بن يونس، قال: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله ﵇ طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى ركعتين بحزائه في حاشية المقام وليس بينه وبين الطُوَّاف أحد، وقال ابن المديني: قال سفيان: سمعت ابن جريج يقول: أخبرني كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده، فذهبت إلى كثير فسألته، فقال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي عن جدي. ذكره البيهقي في "سننه" (٣): عن ابن المديني. الثالث: عن يزيد بن سنان شيخ النسائي أيضًا، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد، عن هشام بن حسان، عن ابن عم المطلب بن أبي وداعة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇.

стр. 3396

وفيه أيضًا مجهول. وأخرجه الطبراني (١): من حديث هشام بن حسان، عن سالم الخياط، عن كثير بن المطلب. وقال: ثنا محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، ثنا زيد بن أخرم، ثنا عبد القاهر بن شعيب، عن هشام بن حسان، عن سالم بن عبد الله، عن كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ خرج من الكعبة فقام حيال الركن، فصلى ركعتين والناس يقرون بين يديه يطوفون بالبيت الرجال والنساء". قوله: "باب بني سهم" باب من أبواب مسجد الكعبة. قوله: "وبين الطواف" في رواية النسائي بفتح الطاء وتخفيف الواو، وقد ضبطه بعضهم من أفاضل المحدثين بضم الطاء وتشديد الواو، وأراد به جمع طائف، ولكل منهما وجه، والله أعلم. واستفيد من الحديث: أن مرور المار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وأن درء المار ليس بشرط لصحة الصلاة، إذ لو كان شرطًا لما كان ﵇ ترك الدرء في الحديث المذكور؛ لأنه لم ينقل أنه درأهم، وأن نصب السترة ليس بشرط لصحة الصلاة؛ إذ لو كان شرطًا لنصبها ﵇ حينئذ. ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، أنه قال: تذاكروا عند عائشة ﵂ ما يقطع الصلاة؟ فقالوا: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة فقالت عائشة ﵂: لقد عدلتمونا بالكلاب والحمير، وقد كان رسول الله ﵇ يصلي في وسط السرير وأنا عليه مضطجعة، والسرير بينه وبين القبلة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس بين يديه فأؤذيه فأنسل من قَبِل رجلي انسلالًا".

стр. 3397

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وبشر بن عمر، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي وأنا بينه وبين القبلة، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم بين يديه، فأنسل انسلالا". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا مالك، عن أبي النضر (ح). وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب وأشهب، عن مالك عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت:"كنت أمد رجلي في قبلة رسول الله ﵇ -وهو يصلي؛ فإذا سجد غمزني فرفعتهما فقبضتهما فإذا قام مددتهما". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي وهي معترضة أمامه في القبلة، فإذا أراد أن يوتر غمزها برجله فقال: تنحي". حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس البصري، قال: ثنا المقرى، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ يسبح من الليل وعائشة معترضة بينه وبين القبلة". حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي يرقد عليه هو وأهله، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوتر". ش: هذه سبع طرق صحاح، ستة منها عن نفس عائشة، وواحد عن علي بن أبي طالب في قضية عائشة: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني روى له الجماعة، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي الضحى مسلم ابن صبيح -بضم الصاد وفتح الباء الموحدة- العطار الكوفي روى له الجماعة.

стр. 3398

عن مسروق بن الأجدع روى له الجماعة ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا إسماعيل بن خليل، ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن مسلم -يعني بن صبيح- عن مسروق، عن عائشة: "أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: لقد جعلتمونا كلابًا؛ لقد رأيت النبي ﵇ يصلي وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير، فتكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله فأنسل انسلالًا". وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو الناقد وأبو سعيد الأشج، قالا: ثنا حفص بن غياث. ونا عمر بن حفص بن غياث -واللفظ له- قال: ثنا أبي، قال: نا الأعمش، قال: نا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂. قال: وحدثني مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة: "وذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت رسول الله ﵇ يصلي وأني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي رسول الله ﵇، فأنسل من عند رجليه". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم وبشر بن عمر بن الحكم الزهراني، كلاهما عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة. وأخرجه مسلم (٣): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "عدلتمونا بالكلاب والحمر؛ لقد رأيتني

стр. 3399

مضطجعة على السرير فيجيء رسول الله ﵇ فيتوسط السرير، فيصلي فأكره أن أسنحه، فأنسل من قِبَل رجلي السرير، حتى أنسل من لحافي". الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ الشيخين وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن أبي النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله ﵇ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، وأشهب بن عبد العزيز القيسي، كلاهما عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره، نحو رواية البخاري. الخامس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة. وأخرجه أبو داود (٣): نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر. ونا القعنبي، نا عبد العزيز يعني بن محمد وهذا لفظه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت: "كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله ﵇، فيصلي رسول الله ﵇ وأنا أمامه، إذا أراد أن يوتر -زاد عثمان: غمزني ثم اتفقا- فقال تنحي".

стр. 3400

السادس: عن إبراهيم بن محمد بن يونس البصري مولى عثمان بن عفان نذيل مصر، عن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي المصري وثقه يحيى وأبو داود، عن عمه إياس بن عامر الغافقي وثقه ابن حبان، عن علي بن أبي طالب. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرحمن، نا موسى بن أيوب ... إلى آخره نحوه سواء. السابع: عن محمد بن عمرو بن يونس الثعلبي المعروف بالسوسي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة. وأخرجه البخاري (٢): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا هشام، حدثني أبي، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: "إن النبي ﵇ كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة راقدة على الفراش الذي يرقد عليه، حتى إذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت". وأخرجه ابن ماجه (٤) أيضًا. قوله: "لقد عدلتمونا" أي لقد سويتمونا بالكلاب، من قولك عدلته بهذا إذا سويت بينهما، وكذلك عادلت. قوله: "وقد كان رسول الله ﵇ يصلي في وسط السرير" وفي بعض النسخ: "يصلي وسط السرير، بدون كلمة "في" وكذا رواية السراج في "مسنده"، والوَسَط
следующие страницы →