خرج، ثم استأذن عليه عمر فأذن له فقضى حاجته على تلك الحال ثم خرج، ثم استأذن عليه عثمان فأصلح عليه ثيابه، وجلس فقض إليه حاجته ثم خرج، فقالت عائشة: قلت: يا رسول الله، استأذن عليك أبو بكر فقضى إليك حاجته على حالك تلك، ثم استأذن عمر عليك فقضى إليك حاجته على حالك، ثم استأذن عليك عثمان فكأنك احتفظت؟! فقال: إن عثمان رجل حيي، وإني لو أذنت له على تلك الحال خشيت أن لا يقضي إليّ حاجته".
قوله: "ورسول الله ﵇ لابس مرط أم المؤمنين" جملة اسمية وقعت حالًا، و "المِرط" بكسر الميم وسكون الراء: كساء من صوف، وربما كان من خَزّ، والمراد من "أم المؤمنين" ها هنا عائشة ﵂.
قوله: "مالك لم تفزع لأبي بكر" من قولهم فزعت لمجيء فلان إذا تأهبت له متحولًا من حال إلى حال، كما ينتقل النائم من حال النوم إلى حال اليقظة.
ورواه بعضهم بالراء والغين المعجمة من الفراغ والاهتمام، والأول أكثر، وهو أن يكون بالزاي والعين المهملة، وهو في الأصل من الفزع الذي هو الخوف، ثم استعمل في معاني كثيرة بحسب الحال، وذلك كما في الحديث: "لقد فزع أهل المدينة ليلًا، فركب رسول الله ﵇ فرسًا لأبي طلحة" (١). أي استغاثوا وكما في حديث الكسوف: "فافزعوا إلى الصلاة" (٢). أي الجئوا إليها واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث، وكما جاء في صفة علي ﵁: "فإذا فزع فزع إلى ضرس حديد" (٣). أي إذا
стр. 3467
استغيث به التجئ، وكما في حديث آخر: "ألا أفزعتموني". أي أنبهتموني ونحو ذلك وذكره صاحب "الدستور" في باب: فَعَلَ يَفْعَلُ، بكسر العين في الماضي، وفتحها في الغابر ثم قال: فزع: خاف، وفزع إليه: التُجِئ، وفزع له: أغاثه.
الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن عثمان بن عمر أيضًا، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم الزهري، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه سعيد بن العاص، عن عائشة، عن النبي ﵇.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن شهاب ... إلى آخره نحوه.
الثالث: عن محمد بن عزيز بن عبد الله الأيلي، عن سلامة بن روح بن خالد بن عُقيل الأيلي، عن عُقَيل -بضم العين، وفتح القاف- ابن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه سعيد بن العاص أخبره، أن أبا بكر ﵁.
الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي المصري، عن الليث بن سعد، عن عقيل -بالضم- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن العاص، عن عائشة وعثمان ﵄.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، قال: ثنا أبي، عن جدي، قال: أنا عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد بن العاص، أن سعيد بن العاص أخبره، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ وعثمان ﵁ حدثاه: "أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﵇ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال، فقض إليه حاجته ثم أنصرف، قال عثمان ثم
стр. 3468
استأذنت عليه فجلس، وقال لعائشة اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إلى حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟! قال: قال رسول الله ﵇: إن عثمان رجل حيى، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته".
قوله: "فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلًا".
فإن قيل: قد روى مسلم في "صحيحه" (١)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢) والبيهقي في "سننه" (٣) هذا الحديث، وفيه ذكر كشف الفخذين.
فقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر -قال: يحيى بن يحيى أخبرنا وقال: الآخرون- ثنا إسماعيل - يعنون- بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان ابني يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه -أو ساقيه- فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﵇ وسوى ثيابه -قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟! فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟! ".
قلت: لما أخرجه البيهقي قال: لا حجة فيه، وقال الشافعي: إن هذا مشكوك فيه، وذلك لأن الراوي قد قال: "عن فخذيه أو ساقيه" فدل ذلك على ما قاله الطحاوي: إن أصل الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين.
стр. 3469
قال أبو عمر: هذا حديث مضطرب.
ص: وقد جاءت عن رسول الله ﵇ آثار متواترة صحاح فيها أن الفخذ عورة، فمما روي عنه في ذلك:
ما حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "الفخذ عورة".
ش: أي وقد جاءت عن رسول الله ﵇ أحاديث متكاثرة صحاح ذكر فيها أن الفخذ عورة، فمن ذلك حديث علي بن أبي طالب ﵁.
أخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج روى له الجماعة، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي روى له الجماعة، عن عاصم بن ضمرة السلوكي الكوفي، قال العجلي وابن المديني: ثقة وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له الأربعة.
عن علي بن أبي طالب.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا أحمد بن منصور بن راشد، ثنا روح بن عبادة، ثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵇: "لا تكشف فخذك؛ فإن الفخذ من العورة".
وله في رواية أخرى (٢): "لا تكشف عن فخذيك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت". وأخرجه أبو داود (٣): من حديث الحجاج، عن ابن جريج، قال فيه:
стр. 3470
أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بلفظ: "لا تكشف فخذك ولا تنظر لعورة حيّ ولا ميت".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) نحو رواية أبي داود.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده".
ثنا يزيد أبو خالد القرشي، ثنا ابن جريج، أبنا حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵇: "لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت".
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: هو صحيح، فقد حكم الطحاوي بصحته لوجود شرط الصحة فيه؛ لأن رجاله ثقات كما ذكرنا، وسنده متصل.
فإن قيل: قال أبو داود: هذا الحديث فيه نكارة. وقال الذهبي في "مختصر السنن": لم يصح إسناده. وقال ابن حزم: حديث علي منقطع، رواه ابن جريج عن حبيب ولم يسمعه منه وبينهما من لم يُسم، ولا يدرى من هو، ورواه حبيب عن عاصم بن ضمرة ولم يسمعه منه، قال ابن معين: بينهما رجل ليس بثقة، ولم يروه عن ابن جريج إلا أبو خالد، ولا يدري من هو.
قلت: كل هذا فيه نظر؛ لما ذكرنا، وقول ابن حزم غير صحيح؛ لأن الدارقطني قد صرح في روايته بسماع ابن جريج عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، وكذا في رواية أبي يعلى كما ذكرناها.
وقوله: "ولم يروه عن ابن جريج إلا أبو خالد ولا يدري من هو" غير صحيح أيضًا؛ لأن يحيى بن سعيد رواه عن ابن جريج في رواية الطحاوي، وحجاج بن محمد رواه عنه في رواية أبي داود، وروح بن عبادة رواه عنه في رواية الدارقطني.
стр. 3471
وأبو خالد غير مجهول روى عنه أبو يعلى واسمه يزيد.
وكذا قوله: ورواه حبيب عن عاصم بن ضمرة ولم يسمعه منه، غير صحيح؛ لأن الطحاوي حكم بصحة هذا الحديث، والانقطاع ينافي الصحة.
فإن قلت: قال البيهقي أيضًا، لم يرو حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة شيئًا فأخرج ذلك عن سفيان.
قلت: أخرج أبو داود في "سننه": حديثا من روايته عنه، وأخرج ابن ماجه في سننه في موضعين روايته عنه.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "خرج النبي ﵇ فرأى فخذ رجل، فقال: فخذ الرجل عورته".
ش: إسناده صحيح حكم بصحته الطحاوي.
فشيخه عليّ بن معبد بن نوح المصري، قال العجلي: ثقة.
ووثقه ابن حبان أيضًا، وروى عنه النسائي.
وإسحاق بن منصور السلولي شيخ ابن المديني روى له الجماعة، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي روى له الجماعة، وأبو يحيى القَتَّات الكوفي اسمه زاذان، وقيل: دينار وقيل: عبد الرحمن بن دينار: وقيل: مسلم، وقيل: يزيد وقيل: زبان، وثقه يحيى، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
فإن قيل: قال ابن حزم: حديث ابن عباس الذي في طريقه أبو يحيى القتات ضعيف لضعف يحيى.
قلت: هذا يحيى بن معين وثقه وكفاه هذا في صحة حديثه.
وأخرج الترمذي (١) نحوه مرفوعًا، وقال: حديث حسن.
стр. 3472
وكذا أخرجه البيهقي (١): من حديث إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: "الفخذ عورة" ثم قال عقيب هذا الحديث وأحاديث أخرى نحوه: هذه أسانيد صحيحة.
ص: حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير، عن محمد بن جحش: "أن رسول الله ﵇ مرّ على معمر بفناء المسجد كاشفًا عن طرف فخذه، فقال له رسول الله ﵇: خمر فخذك يا معمر، إن الفخذ عورة".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب، قال: ثنا ابن أبي حازم، عن العلاء، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا سليمان بن بلال وعبد العزيز، قالا: ثنا ابن أبي حازم، عن العلاء، عن أبي كثير مولى محمد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: "كنت مع النبي ﵇ أمشى في السوق، فمرَّ بمعمر جالسًا على بابه مكشوفة فخذه، فقال: خَمِّر فخذيك، أما علمت أنها من العورة؟ ".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، أبي عبد الله البصري، شيخ أبي عوانة الإسفرائيني، وثقه يونس بن عبد الأعلى.
عن عبد الله بن وهب المصري، روى له الجماعة، عن حفص بن ميسرة العقيلي أبي عمر الصنعاني نزيل عسقلان، روى له الجماعة سوى الترمذي، أبو داود في "المراسيل".
عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب المدني، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح" عن أبي كثير مولى آل جحش، يقال: إن له صحبةٌ، عن محمد بن جحش
стр. 3473
هو محمد بن عبد الله بن جحش بن رباب أبو عبد الله، هاجر إلى المدينة مع أبيه، له صحبة ورواية، قال الواقدي: كان مولده قبل الهجرة بخمس سنين.
وأخرجه الطبراني (١): عن يحيى بن أيوب، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عنه قال: "كنت أصلي" (٢) مع النبي ﵇، فمرّ على معمر وهو جالس عند داره بالسوق وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر غط فخذيك؛ فإن الفخذ عورة".
الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضًا، عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب القرشي الزهري المدني الفقيه، قاضي مدينة الرسول ﵇، شيخ الجماعة سوى النسائي.
عن عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن المدني، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش، عن رسول الله ﵇ نحوه.
وأخرجه ابن شاهين في "كتابه" نحوه.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي، عن سليمان ابن بلال القرشي وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، كلاهما عن عبد العزيز بن أبي حازم ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٣): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا يحيى الحماني، ثنا سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن عبد الله بن جحش، عن محمد بن جحش قال: "كنت مع النبي ﵇ في السوق، فمّر على معمر
стр. 3474
على بابه مكشوفة فخذه، فقال النبي ﵇: غط فخذك يا معمر؛ فإنها من العورة" (١).
ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، قال: ثنا يحيى الحماني، نا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله، عن النبي ﵇ مثله.
فإن قيل: ما حال هذا الحديث؟
قلت: هو صحيح عند الطحاوي.
فإن قيل: قال ابن حزم: أبو كثير مجهول، فكيف يكون صحيحًا؟! فلهذا أخرجه البخاري في "تاريخه" ولم يخرجه في "صحيحه".
قلت: كيف يكون أبو كثير مجهولًا وقد قيل: إن له صحبة؟ وعدم إخراج البخاري إياه في "صحيحه" لا ينفي صحته؛ إذ البخاري لم يلتزم أن يخرج كل حديث صحيح في جامعه، وقد أخرج هذا الحديث ابن خزيمة في "صحيحه" عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير، عن محمد بن عبد الله بن جحش ﵁.
قوله: "خَمِّر فخذك يا معمر" أي غَطِّ، وهو أمر من التخمير وهو التغطية، ومنه خمّروا الإناء أي غطوها، والخمار لإنه يغطى الوجه، والخمر لأنه يغطي العقل.
ومعمر هذا ذكره ابن الإثير غير منسوب، وقال: أورده ابن شاهين، وروى عن محمد بن جحش، قال: "مرّ النبي ﵇ ... ". الحديث.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جَرْهد، عن أبيه، أن النبي ﵇ قال: "فخذ الرجل من عورته -أو قال: من العورة-".
стр. 3475
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا حسن -هو ابن صالح بن حي- عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد الأسلمي، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه -وكان من أصحاب رسول الله ﵇ قال: "جلس رسول الله ﵇ عندي وفخذي منكشفة، فقال خمر عليك؛ أما علمت أن الفخذ عورة".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن معمر، قال: ثنا أبو الزناد، عن عمه زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن جده جرهد قال: "مر بي رسول الله ﵇ وعلي بردة قد كشفت عن فخذي، فقال: غَطِّ فخذيك، الفخد عورة".
ش: هذه أربع طرق:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح، عن إسحاق بن منصور روى له الجماعة، عن الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ الكوفي العابد، روى له الجماعة، البخاري ذكره في كتاب "الشهادات".
عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب القرشي المدني، فيه مقال، فعن يحيى: ليس حديثه حجة. وعنه: ضعيف الحديث. وعنه: ليس بذاك. وقال النسائي: ضعيف. وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال الترمذي: صدوق. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
عن عبد الله بن جرهد السلمي، وثقه ابن حبان، وروى له الترمذي.
عن جرهد بن خويلد، وقيل: ابن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث ابن سلامان بن أسلم الأسلمي، وهو من أهل الصُّفَّة وشهد الحديبية.
стр. 3476
وأخرجه الترمذي (١): من طريق ابن عقيل، عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه، عن النبي ﵇: "الفخذ عورة".
وقال: حسن غريب من هذا الوجه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن حسن بن صالح ابن حيّ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير": عن عبد الله بن جرهد، وعن عبد الرحمن بن جرهد، وعن عبد الملك بن جرهد.
فقال (٢): ثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا أبو حذيفة، ثنا زهير بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن عقيِل، عن عبد الله بن جرهد الأسلمي، أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "فخذ المرء المسلم من عورته".
حدثنا (٣) محمد بن عبد الله الحضرمي وعلي بن إبراهيم العامري الكوفي، قالا: ثنا أحمد بن يونس، ثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "فخذ الرجل من العورة".
حدثنا (٤) محمد بن يحيى بن سهل العسكري، ثنا محمد بن ثعلبة بن سواء، حدثني عمّي، نا سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الملك بن جرهد، عن أبيه: "أن النبي ﵇ مر به وهو كاشف فخذه، فقال: غّطها فإنها من العورة".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي النضر سالم بن أبي أمية، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه وكان من أصحاب رسول الله ﵇ ... إلى آخره.
стр. 3477
وهكذا وقع في هذا الطريق: عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه وكان من أصحاب رسول الله ﵇، وفي رواية "الموطأ" عن مالك، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جده، قال: وكان جدي من أهل الصُّفَّة قال: "جلس رسول الله ﵇ ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي متنًا.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" (١): جرهد بن خويلد الأسلمي له صحبة، روى عنه ابنه مسلم وابنه عبد الرحمن من رواية عبد الله بن نافع، عن مالك، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، وروى ابن عيينة عن أبي النضر فقال: عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇. سمعت ابن الجنيد المالكي يقول: الصحيح من حديث مالك هذا، وروى ابن وهب ومعن وإسحاق بن الطباع ومحمد بن حرب المكي وابن أبي أويس فقالوا: زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن النبي ﵇، وروى قبيصة، عن الثوري، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن عن جدّه جرهد، عن النبي ﵇ انتهى.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢): من حديث أبي عاصم، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده.
وخرّجه الترمذي (٣): عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن جده.
ثم قال: حسن، وما أرى إسناده بمتصل.
وقال الدارقطني: روى هذا الحديث من أصحاب "الموطأ" ابن بكير وابن وهب ومعن، وعبد الله بن يوسف، وهو عند القعنبي خارج "الموطأ" في سماعه الزيادات من مالك، ولم يذكره ابن القاسم في "الموطأ" ولا ابن عفير ولا أبو مصعب.
стр. 3478
ورواه عن مالك ابن مهدي وإبراهيم بن طهمان، وعمرو بن مرزوق، وأبو قرة وإسحاق بن عدي ومطرف وإسماعيل بن أبي أويس.
الرابع: عن محمد بن خزيمة، عن مسدد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مسعر بن كدام، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن جدّه جرهد ... إلى أخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو يزيد القراطيسي ويحيى بن أيوب العلاف، قالا: ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا ابن أبي الزناد، حدثني أبي، حدثني زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد الأسلمي، عن جدّه جرهد: "أن رسول الله ﵇ مرّ عليه وفخذه مكشوفة، فقال له رسول الله ﵇: غَطِّ فخذك يا جرهد فإن الفخذ عورة".
فإن قيل: بماذا تحكم في هذا الحديث؟
قلت: هذا الطحاوي حكم بصحته، ويؤيده أن البيهقي أخرجه (٢) من حديث محمد بن سواء، نا ابن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه: "أن النبي ﵇ مرّ عليه وهو كاشف عن فخذه، فقال: غطها فإنها من العورة". وقال الذهبي: إسناده صالح. وقال البيهقي: إسناده صحيح.
فإن قيل: قال ابن حزم: وأما حديث جرهد فإنه عن ابن جرهد وهو مجهول، وعن مجهولين ومنقطع. وقال ابن القطان: معلول بالاضطراب وبجهالة حال الراوي، وقال: ابن الحذاء (٣): لم يخرّجه البخاري في صحيحة لإجل الاختلاف في إسناده.
стр. 3479
قلت: هذا الترمذي أخرجه (١): عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن جده جرهد، ثم قال: حسن.
ورواه أيضًا (٢): من طريق أبي الزناد، أخبرني ابن جرهد، عن أبيه.
ثم قال: حسن. وأخرجه (١) من طريق ابن عقيل، عن عبد الله بن جرهد. ثم قال: حسن غريب من هذا الوجه.
ورواه الشافعي أيضًا، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن آل جرهد، عن جرهد. وسكت عنه.
وكذلك أخرجه أبو داود (١): وسكت عنه.
فكل هذه إمارات الصحة، فإن لم يكن صحيحًا فلا يخرج عن حد الحسن، وقول ابن حزم: ابن جرهد مجهول غير صحيح؛ لأن ابنه الذي روى هذا الحديث عبد الله كما في رواية الطحاوي أو عبد الرحمن كما في رواية البيهقي وإحدى روايات الطبراني.
وقوله: منقطع أيضًا غير صحيح؛ لأن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد يروي عن جده كما يروي عن أبيه، ووقع في رواية أبي حنيفة: عن أبي النضر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن أبيه، عن جده.
وكذا وقع في إحدى روايات الترمذي وقال في "التكميل": زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد الأسلمي المدني، ويقال زرعة بن مسلم بن جرهد، ولا يصح.
ص: فهذه الآثار المروية عن رسول الله ﵇ تخبر أن الفخذ عورة، ولم يضادها أثر صحيح، فقد ثبت بها أن الفخذ عورة تبطل الصلاة بكشفها كما تبطل بكشف ما سواها من العورات، فهذا وجه هذا الباب من طريق معاني الآثار.
стр. 3480
ش: أشار بـ"هذه" إلى الأحاديث التي أخرجها عن علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس ومحمد بن عبد الله بن جحش وجرهد السلمي ﵃؛ والباقي ظاهر.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا الرجل ينظر من المرأة التي لا محرم بينه وبينها إلى وجهها وكفيها، ولا ينظر إلى ما فوق ذلك من رأسها ولا إلى أسفل من بطنها وظهرها وفخذيها وساقيها.
ورأيناه في ذات المحرم منه لا بأس أن ينظر منها إلى صدرها وشعرها ووجهها ورأسها وساقيها، ولا ينظر إلى ما بين ذلك من بدنها، وكذلك رأيناه ينظر من الأمة التي لا ملك له عليها ولا محرم بينه وبينها، فكان ممنوعًا من النظر من ذوات المحرم منه ومن الأمة التي ليست بمحرم له ولا ملك له عليها إلى فخذها كما كان ممنوعًا من النظر إلى فرجها، فصار حكم الفخذ من النساء كحكم الفرج لا حكم الساق، فالنظر على ذلك أن يكون من الرجال أيضًا، كذلك وأن يكون حكم فخذ الرجل في النظر إليه كحكم فرجه في النظر إليه لا كحكم ساقه، فلما كان النظر إلى فرجه محرمًا كان كذلك النظر إلى فخذه محرمًا، وكذلك كل ما كان حرامًا على الرجل أن ينظر إليه من ذوات المحرم منه فحرام على الرجال أن ينظر إليه بعضهم من بعض، وكل ما كان حلالًا أن ينظر ذو المحرم من المرأة ذات المحرم معه فلا بأس أن ينظر إليه الرجال بعضهم من بعض، فهذا هو أصل النظر في هذا الباب، وقد وافق ذلك ما جاءت به الروايات التي رويناها عن رسول الله ﵇، فبذلك نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، فقد أثبته بمقدمات "صحيحه" وهي أن النظر إلى الأجنبية إلى غير وجهها وكفيها حرام، وكذا إلى ذات المحرم منه إلى غير وجهها وكفيها وصدرها وشعرها ورأسها وساقيها حرام، وكذا إلى الأمة الغير المملوكة ولا ذات المحرم منه.
стр. 3481
ففي الجميع كان النظر إلى الفخذ حرامًا، فكان الفخذ فيهن كالفرج، فالقياس على ذلك أن يكون حكم فخذ الرجل أيضًا حكم الفرج، فكما كان النظر إلى فرجه حرامًا كان النظر إلى فخذه أيضًا حرامًا، فنقول كل ما كان حرامًا على الرجل أن ينظر إليه من ذات المحرم منه، كان حرامًا عليه أن ينظر إليه من الرجل، وكل ما كان حلالًا أن ينظر إليه منها كان حلالًا أن ينظر إليه من الرجل، فهذا أصل القياس الذي ينتج منه تحريم النظر إلى الفخذ، فافهم. والله أعلم.
стр. 3482
ص: باب: الأفضل في الصلوات التطوع هل هو طول القيام أو كثرة الركوع والسجود
ش: أي هذا باب في بيان أن: هل الأفضل في النوافل طول القيام أو كثرة الركوع والسجود؟
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا أبو الأحوص وحُديج، عن أبي إسحاق، عن المخارق قال: "خرجنا حجاجًا فمررنا بالربذة فوجدنا أبا ذر قائمًا يصلي، فرأيته لا يطيل القيام ويكثر الركوع السجود، فقلت له في ذلك، فقال: ما ألوت أن أحسن، إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة".
ش: يحيى بن عبد الحميد صاحب "المسند" ضعفه بعضهم ووثقه الأكثرون، وأبو الأحوص سلام بن سليم الكوفي روى له الجماعة، وحُدَيج -بضم الحاء المهملة- ابن معاوية بن حديج، ضعفه النسائي وغيره، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا.
وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السُبيعّي روى له الجماعة، والمُخارق -بضم الميم- غير منسوب، قال الذهبي: مجهول. وفي "التكميل": وثقه ابن حبان.
وأبو ذر اسمه جندب بن جنادة الغفاري ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن آدم نا زهير، عن أبي إسحاق، عن المخارق قال: "خرّجنا حُجَّاجًا، فلما بلغنا الربذة قلت لأصحابي: تقدّموا وتخلّفت فلقيت أبا ذر وهو يصلي، فرأيته [لا] (٢) يطيل القيام ويكثر الركوع والسجود، فذكرت له ذلك، فقال: ما ألوت أن أحسن إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من ركع ركعة أو سجد سجدة رُفع بها درجة وحطت بها عنه خطيئةٌ".
стр. 3483
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المخارق، قال: "مررت بأبي ذر بالربذة، فدخلت منزله فوجدته يصلي، يخفف القيام قدر ما يقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّه﴾ ويكثر الركوع والسجود، فلما قضى صلاته قلت له: يا أبا ذر، رأيتك تخفف القيام وتكثر الركوع والسجود؟ فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: ما من عبد يسجد لله سجدةً أو يركع لله ركعة إلا حطّ الله عنه بها خطيئة ورفعه بها درجة".
قوله: "حُجاجًا" بضم الحاء جمع حاج، وإنتصابه على الحال.
قوله: "بالربذة" بفتح الراء والباء الموحده والذال المعجمة، وهي قرية من قرى المدينة، وبها قبر أبي ذر ﵁.
قوله: "ما ألوت" أي ما قصرت، قال الجوهري: ألا، يألو: أي قصرّ، وفلان لا يألوك نصحًا فهو آلِ والمرأة آلية، وجمعها أوال.
قوله: "بها" الباء فيها باء المقابلة والعوض، فافهم.
ص: فذهب قوم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل في الصلوات التطوع من القيام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، والشافعي في قول، وأحمد في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل في النوافل من طول القيام، واحتجوا في ذلك بظاهر هذا الحديث المذكور، ويحكى ذلك عن ابن عمر ﵄.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: طول القيام أفضل.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: جمهور أهل العلم من التابعين ومن بعدهم منهم: مسروق بن الأجدع وإبراهيم النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد في رواية.
стр. 3484
وقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: قد روي عن النبي ﵇ في هذا حديثان ولم يقض فيه بشيء.
وقال إسحاق: أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام، إلا أن يكون رجل له جزء من الليل يأتي عليه فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلى فإنه يأتي على جزءه وقد ربح كثرة الركوع والسجود.
ص: وكان من الحجة لهم: ما قد رويناه فيما تقدم من كتابنا هذا عن رسول الله ﵇: "أنه سئل أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت" وفي بعض ما روينا في ذلك: "طول القيام". ففضل رسول الله ﵇ بذلك إطالة القيام على كثرة الركوع والسجود.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للأخرين فيما ذهبوا إليه: حديث جابر ﵁ قال: "أتى رجل النبي ﵇ فقال: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت.
أخرجه الطحاوي في باب "القراءة في ركعتي الفجر" عن علي بن معبد، عن شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران، وعن أبي بشر الرقي، عن الفريابي، عن مالك بن مغول، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، به.
وأخرجه مسلم (١)، والترمذي (٢)، وأحمد (٣)، وقد ذكرناه هناك.
وأشار بقوله: "وفي بعض ما روينا" إلى ما رواه عن علي بن معبد، عن الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي: "أن النبي ﵇ سئل أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القيام".
وأخرجه أبو داود (٤) ولفظه: "أيّ الأعمال أفضل". وقد ذكرناه هناك مستقصى.
стр. 3485
ص: وليس في حديث أبي ذر الذي ذكرنا خلاف لهذا عندنا؛ لأنه قد يجوز أن يكون قول رسول الله ﵇ "من ركع ركعة وسجد سجدة" على ما قد أطيُل قبله من القيام ويجوز أيضًا من ركع لله ركعة وسجد سجدة، رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، وإن زاد مع ذلك طول القيام كان أفضل، وكان ما يعطيه الله من الثواب أكثر، فهذا أولى ما حمل عليه هذا الحديث كيلا يضاد الأحاديث الآخر التي ذكرنا.
ش: هذا إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين حديث أبي ذر وبين الأحاديث التي ذكرها في باب "القراءة في ركعتي الفجر" التي تدل على أن طول القيام أفضل، وبيّن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون ما ذكره ﵇ بقوله: "من ركع ركعة وسجد سجدةً" على إطالة القيام قبل الركوع الكثير والسجود الكثير، أراد أنه يطيل القيام مع كثرة الركوع والسجود، فيكون حائزًا للفضلتين.
والآخر: أنه يكثر الركوع والسجود ليحوز ذلك الثواب العظيم، ومع هذا لو زاد عليه إطالة القيام كان له زيادة أجر آخر، فيكون ما يعطيه الله تعالى من الثواب أكثر، وبهذا التوفيق يحصل الاتفاق بين هذه الأحاديث.
وقد قيل: حديث أبي ذر لا يساوي حديث جابر بن عبد الله ولا يقاومه في صحة الإسناد، فالعمل بحديث جابر أولى.
قلت: هذا باب الترغيب، فالكل في القبول سواء، ولا يزول الاختلاف إلا بالتوفيق، وهو الذي ذكره، والله أعلم.
ص: وممن قال بهذا القول الآخر في إطالة القيام وأنه أفضل من كثرة الركوع والسجود: محمد بن الحسن: حدثني بذلك ابن أبي عمران، عن محمد بن سماعة، عن محمد بن الحسن.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
стр. 3486
ش: ذكر الطحاوي مثله في باب: "القراءة في ركعتي الفجر" وقال: سمعت ابن أبي عمران، وهو أحمد بن موسى الفقيه البغدادي يقول: سمعت ابن سماعة يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: بذلك نأخذ، هو أفضل عندنا من كثرة الركوع والسجود مع قلة طول القيام.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير "أن عبد الله بن عمر رأى فتًا وهو يصلي قد أطال صلاته، فلما انصرف منها قال: من يعرف هذا؟ قال رجل: أنا، فقال عبد الله: لو كنتُ أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إذا قام العبد يصلي، أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه".
ش: إسناده صحيح، وعبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، ومعاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الإندلس روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
والعلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي أبو محمد الدمشقي، روى له الجماعة سوى البخاري.
وزيد بن أرطاة بن حدافه بن لوذان الفزاري أخو عدي الدمشقي، وثقه العجلي، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
وجبير بن نُفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الله الشامي الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث معاوية بن صالح، عن العلاء بن حارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير: "أن ابن عمر رأى فتًا يصلي قد أطال صلاته وأطنب فيها، فقال: من يعرف هذا ... " إلى آخره نحوه.
стр. 3487
وقال الذهبي في "مختصر السنن": إسناده قوي.
وهذا الحديث يدل على أن تطويل الركوع والسجود أفضل من تطويل القيام.
فإن قيل: فهذا لا يصلح حجة لما قاله أهل المقالة الثانية فلم ذكره ها هنا؟!
قلت: ذكره ليجيب عن سؤال يَرد عليهم به، كما يقوله الآن.
ص: فإن قال قائل: فهذا تفضيل الركوع والسجود على القيام.
قيل له: ما فيه ما ذكرت، وإنما فيه ما يعطى المصلى على الركوع والسجود من حط الذنوب عنه، ولعله يعطى بطول القيام أفضل من ذلك، على أن ما فيه عن ابن عمر والذي روى عن النبي ﵇ من تفضيل طول القيام أولى منه، والله أعلم.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد قلتم: إن طول القيام أفضل، ورجحتم ذلك بالأحاديث الصحيحة، فهذا حديث عبد الله بن عمر ﵄ يدل على أن تطويل الركوع والسجود أفضل.
وتقرير الجواب من وجهين:
الأول: أن يقال: لا نسلم لزوم تفضيل تطويل الركوع والسجود على طول القيام؛ لأن المفهوم منه أن المصلى يثاب على ركوعه وسجوده بحط الذنوب عنه ولا ينافي ذلك أن يعطى بطول القيام أكثر من ذلك وأفضل منه.
والثاني: أن تفضيل تطويل الركوع والسجود في هذا الحديث من كلام ابن عمر ﵄ حيث قال: "لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود". وتفضيل طول القيام من كلام النبي ﵇ حيث قال: "طول القيام" لما سُئِل أي الصلاة أفضل؟ فالأخذ بقول النبي ﵇ أولى وأحق.
стр. 3488
ص: كتاب الجنائز
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الجنائز.
فإن قيل: لم قال: كتاب الجنائز، ولم يقل: باب الجنائز مضمومًا إلى أبواب الصلاة. قلت: لخروجها عن كثير من أحكام الصلوات، حيث لا ركوع فيها ولا سجود، ولا قراءة عند كثير من العلماء، وأيضًا هي مشتملة على أبواب شتى، فذكرها بلفظ الكتاب لتجمع تلك الأبواب، وقد عرف أن الكتاب من الكَتْب، وهو الجمع، والباب: النوع، والكتاب يجمع الأنواع.
والمناسبة بين الكتابين ظاهرة؛ لأن الإنسان له حالتان: حالة الحياة، وحالة الموت، وكل واحدة منهما تتعلق بها أحكام العبادات وأحكام المعاملات، فمن العبادات: الصلاة المتعلقة بالإحياء.
ولما فرغ من بيان ذلك، شرع في بيان الصلاة المتعلقة بالموتى.
والجنائز: جمع جنازة، وهي بفتح الجيم، اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت، ويقال عكس ذلك حكاه صاحب "المطالع"، ويقال: الجنازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح، واشتقاقها من جَنَزَ إذا سَتَر، ذكره ابن فارس وغيره، ومضارعه: يَجْنِز بكسر النون.
стр. 3489
ص: باب: المشي في الجنازة كيف هو
ش: أي هذا باب في بيان المشي مع الجنازة كيف هو؟ السرعة بها أفضل أو التأني؟.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا محمد بن جعفر المدائني، قال: ثنا شعبة، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: "كنا في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، أو عثمان بن أبي العاص، فكانوا يمشون بها مشيا لينًا، فكان أبا بكرة انتهرهم ورفع عليهم صوته، وقال: لقد رأيتنا نرمل بها مع النبي ﵇".
ش: إسناده صحيح، ومحمد بن جعفر روى له مسلم والترمذي، وعيينة -بضم العين المهملة، وفتح الياء أخر الحروف الأولى، وسكون الثانية، وفتح النون- بن عبد الرحمن جوشن الغطفاني الجوشني البصري، وثقه ابن معين، وقال أحمد: ليس به بأس، صالح الحديث. روى له الترمذي وأبو داود وابن ماجه.
وأبوه عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني صهر أبي بكرة على ابنته، وثقه أبو زرعة، وروى له الأربعة.
وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي الصحابي ﵁.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: "أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلحقنا أبو بكرة، فرفع سَوْطه، فقال: لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله ﵇ نرمل رملًا".
وأخرج من طريق آخر (٢) وفيه: "في جنازة عبد الرحمن بن سمرة".
وقال النووي: إسناده صحيح.
стр. 3490
وأخرجه الحكم في "مستدركه" (١): في الفضائل وسكت عنه.
قوله: "انتهرهم" أي: زجرهم.
قوله: "ورفع عليهم صوته" هكذا هو في نسخ الطحاوي، وفي رواية أبي داود "سوطه".
وفي رواية له (٢): "فحمل عليهم بغلته وأهوى بالسوط".
وفي رواية الطيالسي: "وشد عليهم بالسوط".
قال (٣): ثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: "كنت في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، فجعل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير يقولون: رويدًا رويدًا، بارك الله فيكم، فلحقهم أبو بكرة فحمل عليهم البغلة، وشد عليهم بالسوط، وقال: خلوا، والذي كرم وجه أبي القاسم ﷺ لقد رأيتنا على عهده لنكاد أن نرمل بها رملًا".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من طريقه.
قوله: "لقد رأيتُنا" بضم التاء أي رأيت أنفسنا.
قوله: "نرمل بها" أي نسرع بها، من رَمَلَ يَرْمُلُ، من باب نَصَرَ يَنْصُرَ رَمَلًا وَرَمَلانًا: إذا أسرع في المشي وهز منكبيه.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، أنه قال: "كنت جالسًا مع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالبقيع، فطلع علينا بجنازة، فأقبل علينا ابن جعفر يتعجب من مشيهم بها، فقال: عجبًا لما تغير من حال الناس، والله إن كان إلا الجمز، وإن كان الرجل ليلاحي الرجل، فيقول: يا عبد الله اتق الله، فوالله لكأنك قد جُمزَ بك".
стр. 3491
ش: إسناده صحيح، وابن أبي الزناد هو عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وأبوه عبد الله بن ذكوان المعروف بأبي الزناد -بالنون- روى له الجماعة.
وأخرجه الحكم في "مستدركه" (١): بسند صحيح: عن عبد الله بن جعفر الطيار: "أنه رأى جنازة، فتعجب من إبطاء مشيهم، فقال: عجبًا لما تغير من حال الناس ... ". إلى آخره نحوه، وفي آخره: "متعجبًا لإبطاء مشيهم".
وأخرج الحاكم هذا شاهد الحديث أبي بكرة المقدم ذكره.
قوله: "فَطُلِعَ علينا" على صيغة المجهول.
قوله: "يتعجب من مشيهم" جملة حالية أي من مشي الناس بتلك الجنازة.
قوله: "عجبًا" نصب على أنه مفعول مطلق تقديره: عجيب عجبًا.
قوله: "والله إن كان إلا الجمز" كلمة إن للنفي، أي والله ما كان المشي بالجنازة إلا الجمز، أي الإسراع بالمشي.
قال الجوهري: الجمز ضرب من السير أشد من العنق، وقد جَمَزَ البعير يَجْمِزُ جَمْزًا، ومادته جيم وميم وزاي معجمة.
قوله: "وإن كان الرجل" "إن" هذه مخففة من المثقلة، وأصله وإنه كان، أي وإن الشأن كان الرجل لَيْلاحي -بفتح اللام- لأنها "لام" التأكيد من لَاحَى يُلَاحِي مُلَاحَاةً إذا نازع منازعة، ومنه حديث ليلة القدر: "تلاحى رجلان" (٢).
قوله: "فوالله لكأنك" وفي رواية الحاكم: "لكأنه".
قوله: "قد جُمِز بك" على صيغة المجهول.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: ثنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت
стр. 3492
رسول الله ﵇ يقول: "أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحه قربتموها إلى الخير، وإن كانت غير ذلك كان شرًّا تضعونه عن رقابكم".
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني زمعة بن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن مهران، أن أبا هريرة حين حضرته الوفاة قال: أسرعوا بي، فإن رسول الله ﵇ قال: "إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني قدموني، وإذا وضع الرجل السوء على سريره قال: يا ويلتي أين تذهبون بي؟ ".
ش: هذه أربع طرق.
الأول: رجاله رجال الصحيح، ويونس الأول هو ابن عبد الأعلى، والثاني هو يونس بن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
وأبو أمامة قيل: اسمه أسعد، وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته والأول هو المشهور، وهو من كبار التابعين، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه الجماعة (١)، والنسائي (٢) أخرجه بهذا الطريق: أنا سويد بن نصر، أبنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: حدثني أبو أمامة بن سهل، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﵇ .... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "فإن كانت صالحة" أي فإن كانت الجنازة صالحة، وهذا من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال، وذلك لأن الجنازة لا توصف بالصلاح ولا بغيره، وإنما يوصف به الميت. أو يكون هذا على الحقيقة إذا كان المراد من الجنازة هو الميت؛ لأنا
стр. 3493
قد ذكرنا أن الجنازة بالفتح اسم للميت، فحينئذ يكون التأنيث في الفعل باعتبار لفظ الجنازة.
قوله: "قربتموها" من التقريب.
قوله: "كان شرًّا" يجوز أن يكون الضمير في "كان" راجعًا إلى الجنازة، وكذلك الضمير المنصوب في "تضعونه" فيكون التذكير باعتبار معنى الجنازة؛ لأن معناه الميت كما قلنا، ويجوز أن يعود إلى قوله: "غير ذلك"، والمعنى يكون ذلك الغير شرًّا تضعونه عن رقابكم، وغير الصلاح: الفساد.
والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن زمعة بن صالح الجندي اليماني، فعن أحمد، ويحيى: ضعيف. وعن يحيى: صويلح الحديث. وقال الجوزجاني: متماسك. وقال النسائي: ليس بالقوي، كثير الغلط. عن الزهري، روى له مسلم مقرونًا بمحمد بن أبي حفصة والأربعة، أبو داود في "المراسيل".
عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن بشار ومحمد بن معمر، قالا: ثنا أبو عامر، نا زمعة، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة يقول: النبي ﵇ قال: "أسرعوا بجنائزكم، فإن كان خيرًا فخيرًا تقدموا، وإن كان شرًّا تلقونه عن رقابكم" وهذا الحديث لا نعلم رواه عن سعيد وأبي سلمة إلا زمعة عن الزهري.
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، حفظناه عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم".
стр. 3494
ومسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، جميعًا عن ابن عيينة -قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة- عن الزهري ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "غير ذلك".
وابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة نحوه.
وأبو داود (٣): عن مُسدّد، عن سفيان ... إلى آخره.
والترمذي (٤): عن أحمد بن منُيع، عن سفيان ... إلى آخره.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن مهران مولى بني هاشم، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وأخرجه النسائى (٥): أنا سويد، قال: أنا عبد الله، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره مقتصرًا على قوله: "إذا وضع الرجل الصالح ... " إلى آخره.
والبيهقي (٦) أيضًا: من حديث ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن مهران: "أن أبا هريرة أوصى عند موته: أن لا تضربوا على قبري فسطاطًا، ولا تتبعوني بمجمر، وأسرعوا بي، أسرعوا بي، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إذا وضع الميت على سريره يقول: قدموني قدموني، وإذا وضع الكافر على سريره قال: يا ويلتاه أين تذهبون بي".
стр. 3495
وأخرج البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، ثنا سعيد، عن أبيه، أنه سمع أبا سعيد الخدري قال: "كان النبي ﵇ يقول: إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع لَصَعِقَ".
قوله: "وإذا وضع الرجل السَّوء" أي السيء، وهو بفتح السين وسكون الواو، وقال الجوهري: سَاَعَه يَسُوءَه سوءًا -بالفتح- نقيض سَرَّه والاسم السُّوء -بالضم- وتقول: رجل سَوْء بالإضافة، ثم تدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا رجل السوء قال الأخفش: ولا يقال: الرجل السوء؛ لأن السوء ليس بالرجل، ولا يقال أيضًا: هذا رجل السُوء بالضم.
قلت: الحديث يُرّدُ عليه ومعنى قوله: الرجل السوء: القصد إلى المبالغة في توصيفه بالقبح والسوء، كما يقال: الرجل العدل إذا كان كثير العدل، أو يأوّل على معنى الرجل ذو السوء كما يقال في رجل عدل: ذو عدل.
قوله: "يا ويلتي" كلمة تقال عند الدعاء على الإنسان، تقول: ويلك، وويل زيد. والويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعى بالويل.
والمعنى ها هنا يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي، أين تذهبون بي، وليس لي موضع فيه راحة؟ وقد تُبْدل الياء ألفًا فيقال: يا ويليتا وقد تدخل فيه الهاء فيقال: يا ويلتاه.
ص: فذهب قوم إلى أن السرعة بالسير بالجنازة أفضل من غير ذلك، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمد بن سيرين والحسن البصري وقتادة وعمر بن عبد العزيز وعلقمة وأبا وائل، فإنهم قالوا: الإسراع بالجنازة في مشيها أفضل،
стр. 3496
واستدلوا على ذلك بهذه الأحاديث المذكورة، ويروي ذلك عن القاسم وسالم، وإليه ذهب أهل الظاهر وقال ابن حزم في "المحلى": ويجب الإسراع بالجنازة.
وقال ابن قدامة: اختلفوا في الإسراع المستحب فقال القاضي: المستحب إسراع لا يخرج عن المشي المعتاد، وهو قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي يخب ويرمل.
قلت: هذا ليس بصحيح عن أصحابنا، فإنهم كرهوا الخبب.
وقال ابن المتن: الإسراع هو مشي الناس على سجيتهم، ويكره الإسراع المفرط.
وفي "شرح المهذب": جاء عن بعض السلف كراهة الإسراع بالجنازة ولعله يكون محمولًا على الإسراع المفرط الذي يخاف منه انفجار الميت أو خروج شيء منه، كما قالوا هكذا في حديث عطاء عن ابن عباس قال: "حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرِف، فقال ابن عباس: هذه ميمونة، إذا رفعتم نعشها فلا تزعوعوا ولا تزلزلوا".
رواه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأراد به شدة الإسراع الذي يخاف منها الانفجار.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يمشي بها مشيًا لينًا، فهو أفضل من غير ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جمهور العلماء، منهم: الثوري ومالك والشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: يمشون بالجنازة مشيًا قصدًا لا يتجاوزون به عن الاعتدال، وقال عياض في قوله ﵇: "أسرعوا بالجنازة" أكثر العلماء على أن معناه الإسراع بحملها إلى قبرها، وقيل: الإسراع بتجهيزها إذا تحقق موتها، والأول أظهر ومعنى هذا الإسراع عند بعضهم: ترك التراخي في المشي به والتباطؤ والزهو في المشي، ويكره الإسراع الذي يشّق على من يتبعها ويحرك الميت، وربما سبّب خروج شيء منه، وعلى هذا حملوا نهي من نهى عن الدبيب بها دبيب
стр. 3497
اليهود من السلف وأمر بالإسراع، وجمعوا بينه وبين من روي عنه النهي عن الإسراع، واستدلوا بما جاء في الحديث مفسرًا عنه وهو ما دون الخبب، وفي حديث آخر: "عليكم بالقصد في جنائزكم" وهذا قول جمهور العلماء وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وابن حبيب من أصحابنا.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا مبشر بن الحسن، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن ليث بن أبي سليم، قال: سمعت أبا بردة يحدث، عن أبيه: "أن النبي ﵇ مُرَّ عليه بجنازة وهم يسرعون بها، فقال: "ليكن عليكم السكينة".
فلم يكن عندنا في هذا الحديث حجة على أهل المقالة الأولى؛ لأنه قد يجوز أن يكون في مشيهم ذلك عنف يجاوز ما أمروا به في الأحاديث الأول من السرعة، فنظرنا في ذلك هل نجد في ذلك دليلًا يدلنا على شيء من ذلك؟ فإذا عبد الله بن محمد بن خشيش البصري قد حدثنا، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا زائدة، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبيه قال: "مر على رسول الله بجنازة يسرعون بها المشي وهي تمخض كمخض الزق، فقال: عليكم بالقصد بجنائزكم".
معنى هذا الحديث أن الميت كان يمخض لتلك السرعة كمخض الزق، فيحتمل أن يكون أمرهم بالقصد؛ لأن تلك السرعة سرعة يخاف منها أن يكون من الميت شيء، فنهاهم عن ذلك، فكان ما أمرهم به من السرعة في الآثار الأُوَل هي أفضل من هذه السرعة.
فنظرنا في ذلك أيضًا هل روي فيه شيء يدلنا على شيء من هذا المعنى؟ فإذا أبو أمية قد حدثنا، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا الحسن بن صالح، عن يحيى الجابر، عن أبي ماجدة، عن ابن مسعود ﵁ قال: "سألنا نبينا ﷺ عن السير بالجنازة، فقال: ما دون الخبب، فإن يك مؤمنًا عجل بالخير، وإن يك كافرًا فبعدًا لأهل النار".
فأخبر رسول الله ﵇ في هذا الحديث أن السير بالجنازة هو ما دون الخبب، فذلك عندنا دون ما كانوا يفعلون في حديث أبي موسى حتى أمرهم رسول الله ﵇ بما
стр. 3498
أمرهم به من ذلك، ومثل ما أمر به من السرعة في حديث أبي هريرة؛ فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي أحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بما حدثنا مبشر ... إلى آخره، وهو حديث أبي موسى الأشعري ولكن لا حجة فيه على أهل المقالة الأولى، لأنه يحتمل أن يكون قد كان في مشيهم ذلك عنف أي شدة إسراع وإزعاج للميت قد تجاوز ما كانوا أمروا به في الأحاديث الأُوَل من السرعة، وهي الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى المذكورة في أول الباب، فإذا كان كذلك يحتاج إلى النظر فيه، هل يوجد ما يدل على شيء من ذلك؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا حديثًا آخر عن أبي موسى الإشعري أيضًا يخبر أن الميت كان يمخض من مشيهم وعنفهم فيه كما يمخض الزق، فلذلك قال لهم: ﵇ "عليكم بالقصد بجنائزكم" ولكن هذا أيضًا يحتمل أن يكون أمره إياهم بالقصد لكون تلك السرعة سرعة يخاف منها أن يخرج من الميت شيء، فلذلك أمرهم بالقصد في المشي ونهاهم عن تلك السرعة، فيكون حينئذ ما أمرهم به من السرعة المذكورة في الأحاديث الأُوَل أفضل من هذه السرعة، ولكن يحتاج هذا إلى دليل يدل عليه، فوجدنا حديث ابن مسعود ﵁ أخبر أن السير بالجنازة هو ما دون الخبب -وهو ما دون العدو- فهذا دون ما فعلوا من الإسراع المذكور في حديث أبي موسى، ومثل ما أمر به من السرعة المذكورة في حديث أبي هريرة.
قال الطحاوي: وبهذا نأخذ أي وبما دل عليه حديث ابن مسعود من السير دون الخبب نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وعن هذا قال أصحابنا في كتبهم: ويسرعون به -أي بالميت- دون الخبب.
فالحاصل أنه أشار ها هنا إلى ثلاثة مذاهب: الأول الإسراع من غير قيد، والثاني المشي اللين، والثالث الإسراع دون الخبب، وصرح بالمذهبين الأولين بقوله: فذهب قوم إلى أن السرعة بالسير بالجنازة أفضل من غير ذلك، وقوله وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا بل يمشي بها مشيًا لينًا فهو أفضل من غير ذلك، وبين المذهب
стр. 3499
الثالث الذي هو مذهب أصحابنا في وجه التوفيق بين الأحاديث في هذا الباب بقوله: فبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ثم إنه أخرج حديث في موسى ﵁ من وجهين بإسنادين رواتهما ثقات.
الأول: عن مبشر بن الحسن بن مبشر بن مكسر القيسي البصري نزيل مصر وثقه ابن يونس، عن أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو روى له الجماعة، عن شعبة، عن ليث بن أبي سليم بن زنيم الكوفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني، عن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري روى له الجماعة عن أبيه أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي ﵁.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمد بن عبيد بن عقيل، نا بشر بن ثابت، ثنا شعبة، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﵇: "أنه رأى جنازة يسرعون بها، قال: لتكن عليكم السكينة".
وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا.
الثاني: عن عبد الله بن محمد بن خُشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي روى له الجماعة، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي بردة عامر، عن أبيه ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث زائدة، عن ليث ... إلى آخره نحوه.
قوله: "وهي تمخض" على صيغة المجهول، جملة حالية من المخض وهو تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده، وأراد وهي تحرك تحريكًا سريعًا كتحريك الزق وهو قربة اللبن.
стр. 3500
قوله: "فعليكم بالقصد" أي بالاعتدال لا بالإسراع المفرط ولا بالمشي البطيء، والقصد من الأمور: الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط، ومنه الحديث: "كانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا" (١) وجاء في صفته ﵇: "كان أبيض مقصدًا" (٢) وهو الذي ليس بطويل متباين ولا قصير متفاحش.
وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي شيخ البخاري، عن الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ الثوري الكوفي العابد روى له الجماعة البخاري ذكره في كتاب الشهادات، عن يحيى بن عبد الله الجابر ويقال: المجبر أبي الحارث الكوفي وثقه الترمذي، عن أبي ماجدة ويقال: أبو ماجد
واسمه عائذ بن نضلة العجلي الكوفي قال الترمذي: مجهول له حديثان. وقال النسائي: منكر الحديث. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وأخرجه أبو داود (٣) بأتم منه: ثنا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة، عن يحيى المجبر، قال: أبو داود هو يحيى بن عبد الله التميمي، عن أبي ماجدة، عن ابن مسعود ﵁: "سألنا نبينا ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: ما دون الخبب، فإن يك خيرًا يعجل إليه، وإن يك غير ذلك فبعدًا لأهل النار، والجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منها من يقدمها".
وأخرجه الترمذي (٤): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن يحيى إمام بني تيم الله، عن أبي ماجدة، عن عبد الله بن مسعود قال: "سألنا رسول الله ﵇ عن المشي خلف الجنازة، فقال: ما دون الخبب، فإن كان خيرًا
стр. 3501
عجلتموه، وإن كان شرًّا فلا يبعد إلا أهل النار، والجنازة متبوعة ولا تتبع، ليس منها من تقدمها".
وأخرجه ابن ماجه (١): مقتصرًا على قوله: "الجنازة متبوعة ... " إلى آخره.
وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف.
وقال الترمذي: هذا حديث لا يعرف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث -يعني حديث أبي ماجد- قال الحميدي: قال ابن عيينة قيل ليحيى: من أبو ماجد؟ قال: طائر طار فحدثنا.
قال أبو عيسى: إن أبا ماجدة رجل مجهول لا يعرف، إنما يروى عنه حديثان عن ابن مسعود. وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم، وقال الدارقطني: مجهول متروك.
قلت: أما يحيى الجابر فإن الترمذي قال: يحيى إمام بني تيم الله ثقة يكنى أبا الحارث، ويقال له: يحيى الجابر، ويقال له: يحيى المجبر، وهو كوفي روى له شعبة وسفيان الثوري وأبو الإحوص وسفيان بن عيينة.
وأما أبو ماجدة فإن أبا داود لما ذكره قال: هو بصري. ولم يقل شيئًا غير ذلك، فدل أنه رضيه، وترتفع جهالته بذلك المقدار، وقد ذكرنا أن اسمه عائذ، واسم أبيه نضلة فإذا عرف اسم الشخص واسم أبيه ونسبته إلى القبيلة والبلد لم تبق فيه جهالة (٢).
ولهذا رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣): ثنا نصر بن علي، ثنا عبد المؤمن بن عبادة، ثنا أيوب السختياني، عن أبي ماجدة، عن ابن مسعود قال: "مرت على
стр. 3502
رسول الله ﵇ جنازة تمخض مخض الزق، فقال: رسول الله ﵇: عليكم بالقصد في مشي جنائزكم دون الهرولة، فإن كان خيرًا أعجلتم إليه، وإن كان شرًّا فلا يُبعد الله إلا أهل النار، إن الجنازة متبعة وليست متابعة، ليس معها من تقدمها".
قوله: "فإن يك مؤمنًا" أي فإن يك الميت مؤمنًا عند الله "عُجل بالخير" أي بحصول الخير له عند الله، أو بلحاقه إلى الخير.
قوله: "فبعدًا لأهل النار" أي أبعد الله بعدًا، وهو منصوب بالفعل المضمر؛ لأنه من المصادر المنصوبة بأفعال مضمرة لا يستعمل إظهارها، كقولك شقيًا، وخيبةً، وجدعًا، وعقرًا، وبؤسًا، وبعدًا، وسحقًا وحمدًا وشكرًا، ومثل هذا يستعمل في الدعاء في الخير أو الشر.
стр. 3503
ص: باب: المشي مع الجنازة أين ينبغي أن يكون منها ؟
ش: أي هذا باب في بيان المشي مع الجنازة، أمامها أفضل أو ورائها؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم أن: "عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان رسول الله ﵇ يفعل ذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان ﵃".
حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، قال: ثنا سلامة، عن عقيل، قال: حدثني ابن شهاب، أن سالمًا أخبره ... ثم ذكر مثله.
حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل ... ثم ذكر مثله.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: ثنا عُقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر: "أنه كان يمشي أمام الجنازة، وأن رسول الله ﵇ كان يمشي بين يدي الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان، وكذلك السنة في اتباع الجنازة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك (حَ)
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب قال: "كان رسول الله ﵇ يمشي أمام الجنازة وابن عمر والخلفاء، هلم جرّا".
ش: هذه سبع طرق صحاح:
الأول رجاله رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر ... إلى آخره.
стр. 3504
وأخرجه الأربعة.
فأبو داود (١): عن القعنبي، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره.
والترمذي (٢): عن قتيبة وأحمد بن منيع وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، أربعتهم عن سفيان بن عيينة .... إلى آخره.
والنسائي (٣): عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر وقتيبة، عن سفيان .... إلى آخره.
وابن ماجه (٤): عن علي بن محمد وهشام بن عمار وسهل بن أبي سهل، قالوا: ثنا سفيان .... إلى آخره نحوه.
قوله: "أمام الجنازة" أي قدامها.
الثاني: أيضًا رجاله رجال الصحيح، ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي.
وأخرجه أحمد في مسنده (٥): عن حجاج، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: "أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان يمشون أمامها".
الثالث: عن محمد بن عزيز الأيلي شيخ النسائي وابن ماجه، عن سلامة بن روح بن خالد الأيلي، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٦) نحوه، من حديث زياد، عن الزهري.
стр. 3505
الرابع: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله ابن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره، أن عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، وأن رسول الله ﵇ كان يمشي بين يديها، وأبو بكر وعمر وعثمان
﵃.
الخامس: عن ربيع بن سليمان الجيزي شيخ أبي داود والنسائي، عن سعيد بن كثير بن عفير المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن عُقيل بن خالد الأيلي، عن الزهري .... إلى آخره.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢): من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم نحوه، وقال في آخره: "قال الزهري: وكذلك السنة".
قلت: هذا يوضح أن قوله: "وكذلك السنة في اتباع الجنائز" في رواية الطحاوي من كلام الزهري أيضًا.
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك، عن الزهري.
وهذا معضل منقطع.
السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن الزهري.
وهذا أيضًا كذلك.
وأخرجه كذلك مالك في "موطأه" (٣): عن ابن شهاب: "أن