← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

عجلتموه، وإن كان شرًّا فلا يبعد إلا أهل النار، والجنازة متبوعة ولا تتبع، ليس منها من تقدمها". وأخرجه ابن ماجه (١): مقتصرًا على قوله: "الجنازة متبوعة ... " إلى آخره. وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف. وقال الترمذي: هذا حديث لا يعرف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث -يعني حديث أبي ماجد- قال الحميدي: قال ابن عيينة قيل ليحيى: من أبو ماجد؟ قال: طائر طار فحدثنا. قال أبو عيسى: إن أبا ماجدة رجل مجهول لا يعرف، إنما يروى عنه حديثان عن ابن مسعود. وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم، وقال الدارقطني: مجهول متروك. قلت: أما يحيى الجابر فإن الترمذي قال: يحيى إمام بني تيم الله ثقة يكنى أبا الحارث، ويقال له: يحيى الجابر، ويقال له: يحيى المجبر، وهو كوفي روى له شعبة وسفيان الثوري وأبو الإحوص وسفيان بن عيينة. وأما أبو ماجدة فإن أبا داود لما ذكره قال: هو بصري. ولم يقل شيئًا غير ذلك، فدل أنه رضيه، وترتفع جهالته بذلك المقدار، وقد ذكرنا أن اسمه عائذ، واسم أبيه نضلة فإذا عرف اسم الشخص واسم أبيه ونسبته إلى القبيلة والبلد لم تبق فيه جهالة (٢). ولهذا رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣): ثنا نصر بن علي، ثنا عبد المؤمن بن عبادة، ثنا أيوب السختياني، عن أبي ماجدة، عن ابن مسعود قال: "مرت على

стр. 3502

رسول الله ﵇ جنازة تمخض مخض الزق، فقال: رسول الله ﵇: عليكم بالقصد في مشي جنائزكم دون الهرولة، فإن كان خيرًا أعجلتم إليه، وإن كان شرًّا فلا يُبعد الله إلا أهل النار، إن الجنازة متبعة وليست متابعة، ليس معها من تقدمها". قوله: "فإن يك مؤمنًا" أي فإن يك الميت مؤمنًا عند الله "عُجل بالخير" أي بحصول الخير له عند الله، أو بلحاقه إلى الخير. قوله: "فبعدًا لأهل النار" أي أبعد الله بعدًا، وهو منصوب بالفعل المضمر؛ لأنه من المصادر المنصوبة بأفعال مضمرة لا يستعمل إظهارها، كقولك شقيًا، وخيبةً، وجدعًا، وعقرًا، وبؤسًا، وبعدًا، وسحقًا وحمدًا وشكرًا، ومثل هذا يستعمل في الدعاء في الخير أو الشر.

стр. 3503

ص: باب: المشي مع الجنازة أين ينبغي أن يكون منها ؟ ش: أي هذا باب في بيان المشي مع الجنازة، أمامها أفضل أو ورائها؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم أن: "عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان رسول الله ﵇ يفعل ذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان ﵃". حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، قال: ثنا سلامة، عن عقيل، قال: حدثني ابن شهاب، أن سالمًا أخبره ... ثم ذكر مثله. حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل ... ثم ذكر مثله. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: ثنا عُقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر: "أنه كان يمشي أمام الجنازة، وأن رسول الله ﵇ كان يمشي بين يدي الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان، وكذلك السنة في اتباع الجنازة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك (حَ) وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب قال: "كان رسول الله ﵇ يمشي أمام الجنازة وابن عمر والخلفاء، هلم جرّا". ش: هذه سبع طرق صحاح: الأول رجاله رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر ... إلى آخره.

стр. 3504

وأخرجه الأربعة. فأبو داود (١): عن القعنبي، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره. والترمذي (٢): عن قتيبة وأحمد بن منيع وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، أربعتهم عن سفيان بن عيينة .... إلى آخره. والنسائي (٣): عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر وقتيبة، عن سفيان .... إلى آخره. وابن ماجه (٤): عن علي بن محمد وهشام بن عمار وسهل بن أبي سهل، قالوا: ثنا سفيان .... إلى آخره نحوه. قوله: "أمام الجنازة" أي قدامها. الثاني: أيضًا رجاله رجال الصحيح، ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي. وأخرجه أحمد في مسنده (٥): عن حجاج، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: "أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان يمشون أمامها". الثالث: عن محمد بن عزيز الأيلي شيخ النسائي وابن ماجه، عن سلامة بن روح بن خالد الأيلي، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٦) نحوه، من حديث زياد، عن الزهري.

стр. 3505

الرابع: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله ابن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره، أن عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، وأن رسول الله ﵇ كان يمشي بين يديها، وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃. الخامس: عن ربيع بن سليمان الجيزي شيخ أبي داود والنسائي، عن سعيد بن كثير بن عفير المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن عُقيل بن خالد الأيلي، عن الزهري .... إلى آخره. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢): من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم نحوه، وقال في آخره: "قال الزهري: وكذلك السنة". قلت: هذا يوضح أن قوله: "وكذلك السنة في اتباع الجنائز" في رواية الطحاوي من كلام الزهري أيضًا. السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك، عن الزهري. وهذا معضل منقطع. السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن الزهري. وهذا أيضًا كذلك. وأخرجه كذلك مالك في "موطأه" (٣): عن ابن شهاب: "أن

стр. 3506

رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، والخلفاء، هلم جرا، وعبد الله بن عمر". قال ابن عبد البر (١): هكذا هذا الحديث في "الموطأ" مرسل عند الرواة عن مالك للموطأ، وقد وصله قوم عن مالك، منهم يحيى بن صالح الوحاظي، وعبد الله بن عون الخزاز وحاتم بن سالم القزاز. وقال أبو عمر (٢): الصحيح فيه عن مالك الإرسال، ولكنه قد وصله جماعه ثقات من أصحاب ابن شهاب، منهم: ابن عيينة ومعمر ويحيى بن سعيد وموسى ابن عقبة وابن أخي ابن شهاب وزياد بن سعد، وعباس بن [الحسن] (٣) الجزري على اختلاف عن بعضهم. وقال الخليلي: أسنده يحيى بن صالح الوحاظي، عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﵇. وهو وإن كان ثقة فلا يتابع على هذا الحديث. قوله: "هَلُمَّ جَرًا" هو نصب على الحال عند البصرين أي هلم جارِّين، وعلى المصدر عند الكوفيين؛ لأن في هلم معنى جُرُّوا جرًّا، وهلم مركبة من "ها" و"لم" من لممت الشيء إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، ويستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، والمذكر والمؤنث، تقول: هَلُمَّ يا رجل، وَهَلَّم يا رجلان، وهَلُم يا رجال، وهَلُمَّ يا امراءة، وهَلُمَّ يا امرائتان، وهَلُمَّ يا نساء، وأما بنوا تميم فإنهم يصرفونها، ويقولون للواحد: هَلُمَّ وللمثنى هَلُمَّا وللجمع هَلُمُّوا، وللواحده هَلُمِّي، وللمثناة هَلُمَّا، وللجمع هَلُمَّنَّ، والأول أفصح ويكون لازمًا إذا كان معناه تعال كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (٤) ويكون متعديًا إذا كان

стр. 3507

معناه هات كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ (١) وتدخل فيه نون التأكيد تقول: هَلُمَّنَّ هَلُمَّانَّ هَلُمُّنَّ هَلُمِّنَّ، هَلِمَّانَّ هَلِمَّنانَّ. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن المشي أمام الجنازة أفضل من المشي خلفها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: القاسم وسالم بن عبد الله والزهري وشريحًا وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعلقمة والأسود وعطاء ومالكًا والشافعي وأحمد؛ فإنهم ذهبوا إلى أن المشي أمام الجنازة أفضل، ويحكى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة وأبي أسيد ﵃. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وسويد بن غفلة ومسروقًا وأبا قلابة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وإسحاق وأهل الظاهر؛ فإنهم قالوا المشي خلف الجنازة أفضل. ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي الدرداء وأبي أمامة ﵃. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى: أن حديث ابن عيينة الذي ذكرناه في أول هذا الباب قد رواه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ يمشون أمام الجنازة" فصار في ذلك خبرًا عن ابن عمر عَمَّار رأي أي رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر يفعلونه في ذلك، وقد يجوز أن يكون كانوا يفعلون شيئًا وغيره عندهم أفضل منه للتوسعة؛ كما قد توضأ رسول الله ﵇ مرة مرة والوضوء مرتين مرتين أفضل منه، والوضوء ثلاثًا ثلاثًا أفضل من ذلك كله ولكنه فعل ما فعل من ذلك للتوسعة.

стр. 3508

ثم قد خالف ابن عيينة في إسناده في هذا الحديث كل أصحاب الزهري غيره، فرواه مالكًا عن الزهري قال: "كان رسول الله ﵇ يمشي أمام الجنازة"، فقطعه، ثم رواه عُقيل، ويونس، عن ابن شهاب، عن سالم قال: "كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان يمشون أمام الجنازة" هذا معناه، وإن لم يكن لفظه كذلك؛ لأن أصل حديثه إنما هو عن سالم قال: "كان عبد الله بن عمر يمشي أمام الجنازة، وكذلك كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان" فصار هذا الكلام كله في هذا الحديث إنما هو عن سالم لا عن ابن عمر، فصار حديثًا منقطعًا. وفي حديث يحيى بن أيوب، عن عُقيل، "كذلك السنة في اتباع الجنائز" زيادة على ما في حديث الليث وسلامة عن عُقيل فكذلك أيضًا لا حجة فيه؛ لأنه إنما هو من كلام سالم أو من كلام الزهري، وقد روي عن ابن عمر خلافه مما سنرويه في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى. ش: أي وكان من الحجة والبرهان لهؤلاء الآخرين كل أهل المقالة الأولى: أن حديث سفيان بن عيينة ... إلى آخره، وهذا جواب عن الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الأولى. وملخصه من وجهين. أحدهما: أن ما رواه الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون أمام الجنازة" لا يدل على أن هذا أفضل من المشي خلفها؛ لأنه قد يجوز أن يكون كانوا يفعلون شيئًا والحال أن غيره كان أفضل منه عندهم، ولكن إنما فعلوه لأجل التوسعة على الناس، كما في الوضوء فإن النبي ﵇ توضأ مرة مرة والحال أن التوضؤ مرتين مرتين أفضل منه، وتوضأ مرتين مرتين والحال أن التوضؤ ثلاثًا ثلاثًا أفضل منه، وإنما فعل ذلك توسعًا لأمته وترفهًا لهم. والآخر: وهو الذي أشار إليه بقوله: "ثم قد خالف ابن عيينة ... إلى آخره، وهو ظاهر.

стр. 3509

وحاصله: أن أصل الحديث منقطع معضل فلا تقوم به الحجة، على أنه روي. عن ابن عمر ما يخالف هذا على ما يجيء إن شاء الله تعالى. فإن قيل: قد قال الترمذي: روى هذا الحديث ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه نحو حديث ابن عيينة. قلت: وكذلك قال: رواه معمر ويونس بن يزيد ومالك بن أنس وغيرهم من الحفاظ عن الزهري: "أن النبي ﵇ .... " فذكر الحديث، ثم قال: وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح، وسمعت يحيى بن موسى يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسلًا أصح من حديث ابن عيينة وأرى ابن جريج أخذه من ابن عيينة. ثم أخرجه الترمذي (١): عن [محمد بن مثنى، عن محمد بن بكر] (٢)، ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: "كان النبي ﵇ يمشي أمام الجنازة وأبو بكر وعمر وعثمان". قال الترمذي: وسألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: أخطأ فيه محمد بن [بكر] وإنما يروى هذا عن يونس، عن الزهري: "أن النبي ﵇ وأبا بكر كانوا يمشون أمام الجنازة". وقال النسائي: هذا حديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، وخالفه مالك فرواه عن الزهري مرسلًا، وهو الصواب. قال: وإنما أتي عليه فيه من جهة أن الزهري رواه عن سالم عن أبيه: "أنه كان يمشي أمام الجنازة" قال: "وكان النبي ﵇ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" فقوله: "وكان النبي ﵇ ... " إلى آخره من كلام الزهري لا من كلام ابن عمر، قال

стр. 3510

ابن المبارك: الحفاظ عن الزهري ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان منهم على قول أخذنا به وتركنا قول الآخر. انتهى. وقال أحمد بن حنبل: هذا الحديث عن الزهري: أن رسول الله ﵇ مرسل، وحديث سالم: فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة كأنه وهم فيه. فإن قيل قال المنذري: وقد قيل: إن ابن عيينة من الحفاظ الأثبات، وقد أتى بزيادة على من أرسل فوجب تقديم قوله، على أن ابن عيينة قد تابعه على رفعه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد، وقال البيهقي: ومن وصله واستقر على وصله ولم يختلف عليه فيه -وهو سفيان بن عيينة- ثقة حجة. قلت: الجواب عن هذا ما قاله ابن المبارك، وقد ذكرناه. فإن قيل: قال أبو عمر: وقد رواه بعض أصحاب مالك عن مالك موصولا، فحينئذ يكون مالك وابن عيينة متفقين على الوصل؛ فينبغي أن يؤخذ به دون قول معمر في القطع. قلت: قال أبو عمر نفسه الصحيح عن مالك: الإرسال، وإن كان روى عنه بعض أصحابه موصولًا، وقال الخليلي: أسنده يحيى بن صالح الوحاظي، عن مالك، وهو وإن كان ثقة فلا يتابع على هذا الحديث. ص: وقال أصحاب المقالة الأولى: وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵇ أنهم كانوا يمشون أمام الجنازة، وذكروا ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن المنكدر سمع ربيعة بن عبد الله بن هدير: "يقول رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقدّم الناس أمام جنازة زينب ﵂". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن المنكدر ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، قال: "سألت سعيد بن جبير، عن المشي أمام الجنازة، قال: نعم، رأيت ابن عباس يمشي أمام الجنازة".

стр. 3511

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، أن أبا راشد مولى معيقيب بن أبي فاطمة أخبره: "أنه رأى عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ﵃ يفعلونه". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، أنه رأى أبا هريرة وعبد الله بن عمر وأبا أسيد الساعدي وأبا قتادة ﵃ يمشون أمام الجنازة". فقد دل هذا على أن المشي أمام الجنازة أفضل من المشي خلفها. قيل لهم: ما دل ذلك على شيء مما ذكرتم، لكنه أباح المشي أما الجنازة، وهذا مما لا ينكره مخالفكم أن المشي أمام الجنازة مباح، وإنما اختلفتم أنتم وأياه في الأفضل من ذلك ومن المشي خلف الجنازة، فإن كان عندكم أثر صحيح فيه أن المشي أمام الجنازة أفضل من المشي خلفها ثبت بذلك ما قلتم، وإلا فقوله إلى الآن مكافئ لقولكم. ش: أخرج أربعة آثار عن الصحابة ﵃ احتجت بها أهل المقالة الأولى في أن المشي أمام الجنازة أفضل، ثم أجاب عنها بقوله: قيل لهم .... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "وإلا فقوله" أي وإن لم يكن عندكم أثر صحيح فيما أدعيتم فقول المخالف. "إلى الآن مكافئ" أي مساوٍ لقولكم، فلا تقوم بما ذكرتم حجة. الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة بن عبد الله بن هدير القرشي المدني عم محمد بن المنكدر ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن عيينة، عن ابن المنكدر، عن

стр. 3512

ربيعة بن عبد الله بن هدير: "أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يقدم الناس أمام جنازة زينب بنت جحش". انتهى. قلت: هي أم المؤمنين زوج النبي ﵇، ماتت سنة عشرين من الهجرة، وصلى عليها عمر بن الخطاب. والآخر: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة بن عبد الله نحوه. وأخرجه مالك في "موطأه" (١). الأثر الثاني: عن عبد الله بن عباس ﵄: أخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي -بالثاء المثلثة- ضعفه أحمد وأبو زرعة والنسائي. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه". الثالث: عن عثمان بن عفان ومن معه. أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، السبائي المصري، عن أبي راشد مولى معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي ... إلى آخره. وهذا الإسناد فيه مقال لأن فيه ابن لهيعة قد ضعفه جماعة. وفيه أبو راشد ذكره ابن يونس في تاريخه ولم يذكر له اسمًا ولا جرحًا ولا تعديلًا. ومعيقيب صحابي شهد فتح مصر قاله: ابن يونس. الرابع: عن أبي هريرة ومن معه: أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن صالح بن

стр. 3513

سهل مولى التوأمة بنت أمية بن خلف الجمحي المدني، ضعفه مالك والنسائي، وعن يحيى: صالح مولى التوأمه ثقة حجة، وإنما أدركه مالك بعد أن كبر وخرف، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة قال: "رأيت أبا هريرة وأبا قتادة وابن عمر وأبا أسيد يمشون أمام الجنازة". قلت: أبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي، وأبو أسيد -بضم الهمزة- اسمه مالك بن ربيعة، وأبو هريرة اختلف في اسمه اختلافًا شديدًا، والأكثرون أنه عبد الرحمن. ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب، قال: "ليس من السنة المشي خلف الجنازة" وقال ابن شهاب: "المشي خلف الجنازة من خطأ السنة". قيل لهم: هذا كلام ابن شهاب، فقوله في ذلك كقولكم إذ كان لمخالفه ومخالفكم من الحجة عليه وعليكم ما سنذكره في هذا الباب إن شاء الله تعالى. ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بما حدثنا يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .... إلى آخره. "قيل لهم" أي لهؤلاء المحتجين بقول الزهري: "إن هذا" الذي رواه مالك هو "كلام" ابن شهاب وهو محمد بن مسلم الزهري "فقوله في ذلك" أي فيما ذهبتم إليه "كقولكم" حين كان لمخالفه أي لمخالف الزهري "ومخالفكم من الحجة عليه" أي على الزهري "وعليكم ما سنذكره في هذا الباب" أراد أنه يذكر آثارًا تدل على إباحة المشي أمام الجنازة وخلفها، وعن يمينها وعن شمالها، وتدل أيضًا على أنَّا أمرنا باتباع الجنائز والمتبع للشيء هو الذي يتأخر عنه ولا يتقدم أمامه،

стр. 3514

وهذا كله يدل على فساد قول الزهري: "المشي خلف الجنازة من خطأ السنة" على ما يجيء مستقصى عن قريب إن شاء الله. ص: ثم رجعنا إلى ما روي في هذا الباب من الآثار، هل فيه شيء ييبح المشي خلف الجنازة؟ فإذا ربيع الجيزي وابن أبي داود قد حدثانا، قالا: ثنا أبو زرعة، قال: أنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بكر البرساني، عن يونس بن يزيد .... ثم ذكر بإسناده مثله. ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ كان يمشي خلف الجنازة كما كان يمشي أمامها، فإن كان مشيُ رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر أمام الجنازة حجة لكم أنَّ ذلك أفضل من المشي خلفها، فكذلك مشيُ رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر خلفها حجة لمخالفكم عليكم أنَّ ذلك أفضل من المشي أمامها، فقد استوى خصمكم وأنتم في هذا الباب، فلا حجة لكم فيه عليه. وقد حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: ثنا سعيد بن عبيد الله، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﵇: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها". فأباح في هذا الحديث أيضًا رسول الله ﵇ المشي خلف الجنازة كما أباح المشي أمامها، وليس في شيء مما ذكرنا ما يدل على الأفضل من ذلك ما هو؟. وقد روي عن أنس بن مالك ما معناه قريب من معنى حديث المغيرة، ولم يذكر عن النبي ﵇. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك في الرجل يتبع الجنازة قال: "إنما أنتم مشيعون لها، فامشوا بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها".

стр. 3515

حدثنا روح الفرج، قال: ثنا ابن غفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس بن مالك، مثله. وقد روي عن رسول الله ﵇ في ذلك أيضًا ما حدثنا عبد الغنيم بن رفاعة اللخمي، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن أشعث بن سليم، قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن، قال: سمعت البراء بن عازب يقول: "أمرنا رسول الله ﵇ باتباع الجنازة". ففي هذا الحديث أنه أمرهم باتباع الجنازة، والمتبع للشيء هو المتأخر عنه لا المتقدم أمامه، ففيما ذكرنا ما قد دل على فساد قول الزهري: "إن المشي خلف الجنازة من خطأ السنة". ش: لما احتجت أهل المقالة الأولى في جملة احتجاجهم بما رووه عن الزهري من أن المشي خلف الجنازة من خطأ السنة، أورد ها هنا أحاديث وآثارًا تدل على أن المشي خلف الجنازة مباح، وكذا عن يمينها وشمالها وعلى أنَّا أمرنا باتباع الجنازة، والمتبع للشيء هو المتأخر عنه بلا شك، فهذا كله يدل على فساد ما رووه عن الزهري. ثم إنه أخرج في ذلك عن أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب ﵃. أما عن أنس فأخرجه من أربع طرق. الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي شيخ أبي داود والنسائي، وعن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري المؤذن، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك. وهذا إسناد حسن جيد لأن رجاله ثقات. فإن قيل: كان النسائي لا يرضى أبا زرعة هذا، وغمزه سعيد بن أبي مريم. قلت: قال أبو حاتم: محله الصدق، وذكر ابن يونس أن القضاة كانت تقبله.

стр. 3516

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود، عن محمد بن بشار البصري بندار شيخ الجماعة، عن محمد بن بكر بن عثمان البرساني البصري، وبرسان -بضم الباء الموحدة- من الأزد عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن أنس. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه الترمذي (١): عن محمد بن المثنى، عن محمد بن بكر، عن يونس بن يزيد، نحوه، وليس فيه: "وخلفها". الثالث موقوف وإسناده صحيح: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحفاظ -بالنون- المقرئ روى له الجماعة، عن حميد بن أبي حميد الطويل روى له الجماعة، عن أنس. الرابع أيضًا موقوف وإسناده صحيح: عن روح أيضًا، عن سعيد بن كثير بن عفير المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن حميد، عن أنس. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن أبي جعفر الرازي، عن حميد الطويل قال: "سمعت العيزار يسأل أنس بن مالك عن المشي أمام الجنازة، فقال له أنس: إنما أنت مشيع، فامش إن شئت أمامها، وإن شئت خلفها، وإن شئت عن يمينها، وإن شئت عن يسارها". وأما عن المغيرة بن شعبة ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح. عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط البصري روى له الجماعة، عن سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية الثقفي الجبيري البصري، روى له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن زياد بن جبير بن حية الثقفي البصري، روى له الجماعة، عن أبيه جبير بن

стр. 3517

حية بن مسعود الثقفي البصري، روى له الجماعة سوى مسلم، وجُبَير -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة- وَحيَّة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف-. والحديث أخرجه الأربعة. فقال أبو داود (١): ثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة - قال: وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﵇ قال: "قال: الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها، والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة". وقال الترمذي (٢): ثنا بشر بن آدم، قال: ثنا إسماعيل بن سعيد بن عبيد الله قال: نا أبي، عن زياد بن جبير بن حية، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﵇ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء، والطفل يصلى عليه". وقال النسائي (٣): أنا إسماعيل بن مسعود، قال: أنا خالد، قال: أنا سعيد بن عبيد الله قال: سمعت زياد بن جبير يحدث، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أنه ذكر أن رسول الله ﵇ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه". وأخرجه ابن ماجه (٤) مقتصرًا على الصلاة على الطفل. ولما رواه الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٥) وقال: صحيح على شرط البخاري.

стр. 3518

فإن قيل: هذا الحديث في سنده اضطراب، وفي متنه أيضًا؛ لأن في رواية أبي داود وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه، وفي رواية غيره: عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة. وفي رواية ابن ماجه: عن زياد بن جبير، سمع المغيرة. وليس فيه عن أبيه. وقال البيهقي: هذا حديث مشكوك في رفعه، وكان يونس يَقِفُه على زياد. قلت: لا نسلم أنه مضطرب؛ لأن الطحاوي وأحمد بن حنبل وأبا داود والنسائي والترمذي أخرجوه عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة كما ذكرناه، وأخرجوه مرفوعًا، وصححه الترمذي والحاكم، فسقط ما قيل فيه فافهم. وأما عن البراء بن عازب ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح: عن عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك الجحمي المصري، شيخ أبي داود، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، وثقه ابن حبان وأبو حاتم (١)، عن شعبة بن الحجاج، عن أشعث بن سليم أبي الشعثاء المحاربي الكوفي روى له الجماعة، عن معاوية بن سويد بن مقرن المزني الكوفي ابن أخي النعمان بن مقرن روى له الجماعة، عن البراء بن عازب ﵁. وأخرجه البخاري (٢) بأتم منه في عشرة مواضع من "صحيحه": ثنا أبو الوليد، نا شعبة، عن الأشعث، قال: سمعت معاوية بن مقرن، عن البراء قال: "أمرنا رسول بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم -أو المقسم- وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، وعن المياثر والحرير والديباج والقسي والإستبرق [وإنشاد الضال] (٣) ".

стр. 3519

وفي لفظ (١) وعن الشرب في آنية الفضة، فإنه من شرب فيها في الدنيا، لم يشرب فيها في الآخرة. وأخرجه مسلم (٢) أيضًا. قوله: "أمرنا رسول الله ﵇ باتباع الجنازة" قد ذكرنا أن المتبع للشيء هو المتأخر عنه، والذي يتقدم عليه لا يسمى متبعًا، وهذا دليل صريح قاطع لأصحابنا فيما ذهبوا إليه. وقال الداودي: اتباع الجنائز يحمله بعض الناس عن بعض وهو واجب على ذي القرابة الحاضر، والجار، وكذا في عيادة المريض. وقال ابن التين: لا أعلم أحدًا من الفقهاء ذكر هذه التفرقة إلا أن يريد بقوله واجب التأكيد، والذي يقوله غيره: إنه أمر ندب، وعند الجمهور من فروض الكفاية. وقال ابن قدامة: هو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يصلي عليها ثم ينصرف، قال زيد بن ثابت: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك، وقال أبو داود: رأيت أحمد ما لا أحصي يصلي على الجنازة ولم يتبعها إلى القبر ولم يستأذن. الثاني: يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن. الثالث: أن يقف بعد الدفن فيستغفر له، ويسأل له التثبيت، ويدعو له بالرحمة، كذا روى عنه ﵇ فيما ذكره أبو داود، وروي عن ابن عمر ﵄ "أنه كان يقرأ عنده بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها" انتهى. ثم اعلم أن حديث أنس صرح فيه أن رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون خلف الجنازة، وحديث المغيرة يخبر بأن المشي خلف الجنازة، يباح كما هو

стр. 3520

كذلك في المشي أمامها، وحديث البراء يخبر باتباع الجنازة، والاتباع لا يكون إلا إذا كان خلف الجنازة، فكل ذلك يدل على فساد قول الزهري المذكور، وقال ابن شاهين: هذا باب بن مشكل عن القطع فيه بشيء، فيجوز أن يكون مشي النبي ﵇ بين يدي الجنازة لعلة، وخلفها لعلة، كما كان إذا صلى سلم واحدة فلم كثر الناس عن يمينه وخلا اليسار سلم عن يمينه ويساره، ثم جاءت الرخصة منه بأنه يمشي حيث شاء، وقد جاء في المشي خلفها من الفضل ما لم يجيء في المشي أمامها. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن عمرو بن حريث، قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: "ما تقول في المشي أمام الجنازة؟ فقال علي ﵁: "المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع، قلت: ما لي أرى أبا بكر وعمر ﵄ يمشيان أمامها؟ فقال: إنهما يكرهان أن يحرجا الناس". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي فروة الهمداني، عن زائدة بن خراش، قال: ثنا ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: "كنت أمشي في جنازة فيها أبو بكر وعمر وعلي ﵃، فكان أبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وعلى يمشي خلفها يدي في يده، فقال علي ﵁: أما إن فضل الرجل يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنهما ليعلمان من ذلك مثل الذي أعلم، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس". ففي هذا الحديث تفضيل المشي خلف الجنازة على المشي أمامها، وقوله: "أن أبا بكر وعمر يعلمان من ذلك مثل الذي أعلم" وأنهما إنما يتركان ذلك؛ للتسهيل على الناس، لا لأن ذلك أفضل، وهذا مما لا يقال بالرأي، وإنما يقال ويعلم بما قد وقفهم عليه رسول الله ﵇ وعلمهم إياه من ذلك. فقد ثبت بتصحيح ما روينا أن المشي خلف الجنازه أفضل من المشي أمامها.

стр. 3521

ش: لما قالت أهل المقالة الأولى: ليس فيما رويتم من الأحاديث ما يدل صريحًا على أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، شرع يذكر الأحاديث والآثار التي فيها تصريح بأن الأفضل هو المشي خلف الجنازة. فأخرج عن علي بن أبي طالب ﵁ من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن حماد بن سلمة، عن يعل بن عطاء العامري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن عبد الله بن يسار أبي همام الكوفي، وثقه ابن حبان (١)، عن عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المدني المخزومي الصحابي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) مطولًا: ثنا يزيد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار: "أن عمرو بن حريث عاد الحسن بن علي، فقال له علي: أتعود الحسن وفي نفسك ما فيها؟! فقال له عمرو: إنك لست بربي فتصرِّف قلبي حيث شئت، قال علي ﵁: إما إن ذلك لا يمنعنا أن نؤدي النصيحة، سمعت رسول الله ﵇ يقول: ما من مسلم عاد أخاه إلا ابتعث الله [له] (٣) سبعين ألف ملك يصلون عليه من أي ساعات النهار كان حتى يمسي، ومن أي ساعات الليل كان حتى يصبح. قال له عمرو: كيف تقول في المشي مع الجنازة بين يديها أو خلفها؟ فقال عليّ ﵁: [إن] (٣) فضل المشي خلفها على بين يديها كفضل صلاة المكتوبة في جماعة على الواحدة. قال عمرو: فإني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة؟ قال على ﵁: إنهما كرها أن يحرب الناس".

стр. 3522

الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن أبي فروة عروة بن الحارث الهمداني الكوفي، وهو أبو فروة الأكبر من رجال مسلم، عن زائدة بن خراش -بكسر الخاء- وقيل زائدة بن أوس بن خراش الكندي وثقه ابن حبان. وهو يروي عن ابن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى، إلى آخره، وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مختلف في صحبته، قال البخاري: له صحبة. وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﵇، وصلى خلفه، وروى عنه ابناه سعيد وعبد الله ابنا عبد الرحمن بن أبزى، وكلاهما ثقتان. والظاهر أن المراد من ابن عبد الرحمن بن أبزى ها هنا هو سعيد؛ لأن البيهقي قال: زائدة بن خراش يروي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى والله أعلم. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن أبي فروة -وليس بالذي يروي عن ابن أبي ليلى- عن زائدة الهمداني عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن علي ﵁: "أن أبا بكر وعمر كانا في الجنازة يمشيان أمامها، وعلي يمشي خلفها، فقلت لعلي ﵁، فقال: إنهما قد علمًا أن المشي خلفها أفضل، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس". ولا نعلم روى ابن أبزى عن علي ﵁ إلا هذا الحديث. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أبزى، قال: "كنت في جنازة وأبو بكر وعمر أمامها، وعلي يمشي خلفها، قال: فجئت إلى علي، فقلت: المشي خلفها أفضل أو المشي أمامها فإني أراك تمشي خلفها وهذان يمشيان أمامها؟ قال:

стр. 3523

فقال علي ﵁: لقد علما أن المشي خلفها أفضل من أمامها مثل صلاة الجماعة على الفذ، ولكنهما يسيران مُيسِّرَان [يحبان أن ييسِّرا] (١) على الناس. قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث علي ﵁. قوله: "لا لأن ذلك أفضل" أي لا لأجل أن المشي أمام الجنازة أفضل. قوله: "وهذا مما لا يقال" أي الحكم بتفضيل شيء على آخر لا يقال بالرأي ولا مجال للرأي فيه، وإنما هو أمر توقيفي، ولولا أن عليًّا ﵁ علم ذلك من النبي ﵇ لما فعله ولما قال: "المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع، وفضل الرجل يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ" أي الواحد. ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني، قال: ثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، عن نافع قال: "خرج عبد الله بن عمر ﵄ وأنا معه على جنازة فرأى معها نساء، فوقف ثم قال: ردهن فإنهن فتنة الحي والميت، ثم مضى فمشي خلفها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن كيف المشي في الجنازة، أمامها أم خلفها؟ فقال: أما تراني أمشي خلفها؟! ". فهذا عبد الله بن عمر لما سئل عن المشي في الجنازة أجاب سائله أنه خلفها، وهو الذي روينا عنه في هذا الباب أن رسول الله ﵇ كان يمشي أمامها، فدل ذلك أن رسول الله ﵇ كان يفعل ذلك على جهة التخفيف على الناس ليعلمهم أن المشي خلف الجنازة وإن كان أفضل من المشي أمامها ليس هو مما لا بد منه ولا مما لا يحرج تاركه، ولكنه مما له أن يفعله ويفعل غيره، وكذلك ما روي عن ابن عمر من ذلك، فروى عنه سالم أنه كان يمشي أمام الجنازة، فدل ذلك أيضًا على إباحة المشي أمامها لا على أن ذلك أفضل من المشي خلفها، ثم روى عنه نافع أنه مشي خلفها فدل ذلك أيضًا على إباحة المشي خلفها لا على أن ذلك أفضل من غيره، فلما سأله أخبره بالمشي

стр. 3524

الذي ينبغي أن يفعل في الجنازة أنه خلفها علي أنه هو الذي أفضل من غيره، وقد روينا في حديث البراء أن النبي ﵇ أمرهم باتباع الجنازة، والأغلب من معنى ذلك هو المشي خلفها أيضًا، فصار بذلك من حق الجنازة اتباعها، والصلاة عليها، فكان المصلي عليها يكون في صلاته متأخرًا عنها فالنظر على ذلك أن يكون المتبع لها في اتباعه متأخرًا عنها، فهذا هو النظر مع ما قد وافقه من الآثار. ش: أخرج أثر عبد الله بن عمر لمعنيين: الأول: لما فيه دلالة صريحة على أن المشي خلف الجنازة أفضل. والثاني: ليوفق بين ما روي عنه من فعله وبين ما رواه عن النبي ﵇ أنه كان يمشي أمامها، وأشار إلى ذلك بقوله: "فهذا عبد الله بن عمر لما سئل .... " إلى قوله: "ويفعل غيره" وهو ظاهر. قوله: "وكذلك ما روى عن ابن عمر .... إلى آخره" إشارة أيضًا إلى بيان وجه التوفيق بين ما رواه سالم عنه أنه كان يمشي أمام الجنازة، وبين ما رواه نافع عنه هذا. قوله: "وقد روينا في حديث البراء .... إلى آخره" أشار به إلى بيان أن النظر والقياس أيضًا يقتضي أفضليه المشي خلف الجنازة، بيان ذلك: أن النبي ﵇ أمر باتباع الجنازة، والأغلب في معنى الاتباع المشي خلفها كما قد ذكرنا فيما مضى، ومن الاتباع الصلاة عليها، ولا تكون الصلاة عليها إلا والجنازة بين يديه وهو يتأخر عنها، فالنظر والقياس على ذلك أن يكون المتبع لها في اتباعه متأخرًا عنها، وتكون هي بين يديه. فهذا هو الذي يقتضيه القياس مع موافقة الآثار له في هذا المعنى. ثم إنه أخرج أثر عبد الله بن عمر، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني شيخ البخاري ونسبته إلى بهرا -بالباء الموحدة- ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وزيدت فيه النون على خلاف القياس كما في الصنعاني، والقياس: بهراوي وصنعاوي.

стр. 3525

عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني قيل: اسمه بكير بن عبد الله بن أبي مريم، وقيل: عبد السلام، وهو مشهور بكنيته، ضعفه يحيى بن معين، وعن دحيم: حمصي من كبار شيوخ حمص وفي حديثه بعض ما فيه. وقال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام ولكن كان رديء الحفظ، يحدث بالشيء فَيَهِمُ، ويكثر من ذلك حتى استحق الترك. وهو يروي عن راشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحبراني الحمصي، قال يحيى وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة. وروى له الأربعة. عن نافع مولى ابن عمر ﵄. واستفيد منه: أن المشي خلف الجنازة أفضل، وأن النساء يمنعن من اتباعها، وقال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعود وابن عمر وعائشة وأبي أمامة: أنهم كرهوا ذلك للنساء -أي: اتباع الجنازة- وكرهه أيضًا إبراهيم والحسن ومسروق وابن سيرين والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال الثوري: اتباع النساء للجنائز بدعة، وعن أبي حنيفة: لا ينبغي ذلك للنساء، وروي إجازه ذلك عن ابن العباس والقاسم وسالم والزهري وربيعة وأبي الزناد، ورخص فيه مالك. وقال القرطبي: كرهه مالك للشابة، وأجازه لغيرها، ونقل العبدري عن مالك: يكره إلا أن يكون الميت ولدها أو والدها أو زوجها، وكانت ممن يخرج مثلها لمثله، وعند الشافعي مكروه. ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرئيل، عن عبد الله بن شريك العامري، قال: "سمعت الحارث بن أبي ربيعة، سأل عبد الله بن عمر عن أم ولد له نصرانية ماتت، فقال له ابن عمر: تأمر بأمرك وأنت بعيد منها ثم تسير أمامها فإن الذي يسير أمام الجنازة ليس معها". فهذا بن عمر ﵄ يخبر أن الذي يمشي أمام الجنازة ليس معها، فاستحال أن يكون ذلك عنده كذلك وقد رأى النبي ﵇ يمشي أمامها، فقد ثبت بذلك أن أصل

стр. 3526

حديث سالم الذي رويناه في أول هذا الباب إنما هو كما رواه مالك عن الزهري موقوفًا، أو كما رواه عُقيل ويونس عن الزهري عن سالم موقوفًا، لا كما رواه ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا. ش: ذكر هذا الأثر لمعنيين أيضًا: أحدهما: إن فيه دلالة صريحة على أن المشي خلف الجنازة هو الأفضل؛ لأن ابن عمر ﵄ نفى من يسير أمام الجنازة أن يكون معها، فإذا لم يكن معها لم يحصل له ثواب التشييع. والآخر: لينبه على أن أصل الحديث الذي رواه سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر قال: "رأيت رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة". موقوف كما رواه مالك عن الزهري موقوفًا، وكما رواه عقيل بن خالد الأيلي، ويونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سالم موقوفًا، وكيف لا يكون موقوفًا وقد قال ابن عمر في الحديث المذكور: "الذي يسير أمام الجنازة ليس معها؟ " فمن المستحيل أن يقول هذا القول والحال أنه قد كان رأى النبي ﵇ يمشي أمامها، فدل ذلك قطعًا أن أصل الحديث موقوف، ولهذا قال النسائي: هذا حديث خطأ. وهم فيه ابن عيينة. وقال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسلًا أصح من ابن عيينة. وقد مر الكلام فيه مستقصى. فإن قيل: إذا ثبت هذا يكون عن ابن عمر روايتان متضادتان. قلت: لا، لأن المروي عنه في المشي أمام الجنازة إما لبيان أنه مباح، وإما لضرورة دعت إلى ذلك، والمروي عنه في المشي خلفها لبيان الفضيلة، فلذلك نفى من يسير أمامها أن يكون معها. فافهم. ثم إسناد الأثر المذكور صحيح؛ لأن رجاله ثقات، وإبراهيم بن أبي داود البرلسي حافظ ثقة ثبت، قاله ابن عساكر وغيره.

стр. 3527

وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي شيخ البخاري ومسلم، وقد ينسب إلى جده. وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، وعبد الله بن شريك العامري الكوفي وثقه ابن حبان، وفي "التكميل" قال الإِمام أحمد وأبو زرعة ويحيى: ثقة. والحارث بن أبي ربيعة -واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المعروف بالقُبَاع، ويقال: الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة- روى له مسلم وأبو داود في "المراسيل" والنسائي ولم يسمه. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن شريك، عن عبد الله بن شريك، قال: "سمعت أن عمر سئل عن الرجل المسلم يتبع أمه النصرانية تموت؟ قال: يتبعها ويمشي أمامها". وأخرج الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا علي بن محمد بن جنيد الحافظ، ثنا علي بن سهل بن المغيرة، حدثني أبي، ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: "جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﵇ فقال: إن أمه توفيت وهي نصرانية وهو يحب أن يحضرها؟ فقال النبي ﵇: "اركب دابتك، وسر أمامها، فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها". وأبو معشر ضعيف. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن الذي يمشي أمام الجنازة ليس مع الجنازة، وأنه يدل على أن الأفضل هو المشي خلفها. والثاني: جواز استخدام النصرانيات في التسري بهن.

стр. 3528

والثالث: أن المسلم إذا مات له قريب نصراني له أن يتبع جنازته إلى أن يواروه في تراب. وقد روى أبو داود (١) وغيره: عن علي ﵁ قال: "قلت للنبي ﵇ إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فوار أباك، ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني، فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعى لي". وبه استدل أصحابنا على أن المسلم إذا مات له قريب كافر يغسله ويدفنه، وقال صاحب "الهداية": وإن مات الكافر وله وليّ مسلم يغسله ويكفنه ويدفنه، بذلك أمِرَ علي ﵁ في حق أبيه أبي طالب. قلت: وليس في الحديث الغسل والتكفين إلا أن يؤخذ ذلك من مفهوم قوله: "فأمرني فاغتسلت" فإن الاغتسال شُرعَ من غسل الميت مع أنه قد جاء مصرحًا به في بعض الأحاديث، فروى ابن سعد في "الطبقات" (٢): أنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: "لما أخبرت رسول الله ﵇ بموت أبي طالب بكي، ثم قال لي: اذهب فاغسله وكفنه وواره .... " الحديث. قلت: قالت العلماء: لكن لا يراعي فيه سنة الغسل والتكفين والله أعلم. ص: حدثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو يحيى، عن مجاهد، قال: "كنت مع عبد الله بن عمر جالسًا، فمرت به جنازة، فقام ابن عمر ثم قال: قم، فإني رأيت رسول الله ﵇ قام لجنازة يهودي مرت عليه، فقيل: هل لك أن تتبعها فإن في اتباعها أجرًا؟ فانطلقنا نمشي معها، فنظر فرأى ناسًا، فقال: ما أولئك الذين بين يدي الجنازة؟ فقلت: هم أهل الجنازة، فقال: ما

стр. 3529

هم مع الجنازة ولكن كنفيها أو ورائها. فبينما هو يمشي إذ سمع رانة، فاستدارني وهو قابض على يدي، فاستقبلها فقال لها: شرًّا حرمتينا هذه الجنازة. اذهب يا مجاهد فإنك تريد الأجر وهذه تريد الوزر، إن رسول الله ﵇ نهانا أن نتبع جنازة معها رانة". ش: أخرجه أيضًا لدلالته قطعًا أن من مشي أمام الجنازة لا يكون معها، حيث قال ابن عمر ﵄: "ما هم مع الجنازة، ولكن كنفيها" أي جنبيها يمينها وشمالها "وورائها". ورجال إسناده ثقات، وابن أبي مريم هو أحمد بن سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم شيخ النسائي وأبي داود، والفريابي هو محمد بن يوسف شيخ البخاري، وإسرائيل هو ابن يونس روى له الجماعة، وأبو يحيى القتات صاحب القت الكوفي اسمه زاذان أو دينار أو عبد الرحمن بن دينار أو مسلم أو زبان، فهو وإن كان ضعفه قوم فقد وثقه يحيى وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. والحديث أخرجه ابن ماجه (١): مقتصرًا على قوله: "نهى رسول ﵇ أن تتبع جنازة معها رانة، قال: ثنا أحمد بن يوسف، نا عبيد الله، أنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عمر. و"الرانة" بفتح الراء المهملة وتشديد النون وهي الصائحة النائحة، من رنت المرأة ترن رنينًا وأَرَنَّت أيضًا إذا صاحت. وفيه: القيام إذ صاحت. وفيه: القيام للجنازة إذا مرت عليه على ما فيه من اختلاف العلماء على ما يجيء إن شاء الله. وإن المشي خلفها أفضل. وكراهة اتباعها إذا كانت معها نائحة وكراهة الصياح عندها.

стр. 3530

ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ في جنازة زينب ﵄ يقدم الناس أمامها، فذلك دليل على أنه كان لا يرى المشي خلفها أصلًا، ولولا ذلك لأباحه لمن مشي خلفها. قيل: وكيف يجوز ما ذكرت وقد قال علي بن أبي طالب ﵁: "إنهما -يريد أبا بكر وعمر ﵄-يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها" ثم يفعل هذا المعنى الذي ذكرت، ولكنه فعل ذلك -عندنا والله أعلم- لعارض إما لنساء كن خلفها، فكره للرجال مخالطتهن فأمرهم بالتقدم لذلك العارض لا لأنه أفضل من المشي خلفها. وقد سمعت يونس يذكر، عن ابن وهب، أنه سمع من يقول ذلك، وهو أولى ما حمل عليه هذا الحديث، حتى لا يتضاد ما ذكره علي عن أبي بكر وعمر ﵃. ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف يكون المشي خلف الجنازة أفضل وقد كان عمر ﵁ أمر الناس أن يتقدموا في جنازة زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂ كما مر فيما مضى، وكان ذلك بحضرة الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، فدل ذلك أن المشي أمام الجنازة أفضل، وأن عمر لا يرى المشي خلفها أصلًا. وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم أن تقديم عمر الناس في جنازة زينب لأجل ما ذكرتم، وكيف يكون كذلك وقد أخبر علي ﵁ في حديثه أن عمر كان يعلم أن المشي خلف الجنازة أفضل، وإنما فعل ذلك لأجل التيسير على الناس، أو فعله لعارض، وهو أن الجنازة كانت وراءها نساء فأمر الرجال أن يتقدموا حتى لا يختلطوا بهن، قال الطحاوي: سمعت يونس بن عبد الأعلى يذكر عن عبد الله بن وهب أنه سمع من يقول هذا القول. فهذا أولى ما حمل عليه هذا الحديث حتى لا يتضاد ما ذكره علي ﵁ عن أبي بكر وعمر ويتفق الأثران والله أعلم.

стр. 3531

وعندي وجه أخر لأمر عمر الناس بالتقدم في جنازة زينب ﵂: وهو أنه يحتمل أن يكون الناس كلهم قد تأخروا عن جنازة زينب، فظن عمر ﵁ أنهم قد اعتقدوا كراهة المتقدم على الجنازة أو عدم إباحته، فأمرهم بذلك تعليمًا منه إياهم أن المشي أمام الجنازة مباح وغير محظور، فأمرهم أن يتقدموا وإن كان المشي خلفها أفضل من ذلك، والله أعلم. ص: وقله حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "كان الأسود إن كان معها نساء أخد بيدي فيقدمنا نمشي أمامها، فإذا لم يكن معها نساء مشينا خلفها، فهذا الأسود بن يزيد على طول صحبته لعبد الله بن مسعود وعلى صحبته لعمر ﵁ قد كان قصده في المشي مع الجنازة إلى المشي خلفها إلا أن يعرض له عارض فيمشي أمامها لذلك العارض لا لأن ذلك أفضل عنده من غيره، فكذلك عمر ﵁ فيما رويناه عنه فيما فعله في جنازة زينب هو على هذا المعنى عندنا والله أعلم. ش: ذكر هذا الأثر عن الأسود بن يزيد تأييدا لصحة التأويل الذي ذكره في تقديم عمر الناس في جنازة زينب، وهو ظاهر. وإسناده صحيح، ومحمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، وشريك هو ابن عبد الله النخعي، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وقد ذكروا غير مرة. ص: وقد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن أبي السري، قال: ثنا فضيل بن عياض، قال: ثنا منصور، عن إبراهيم (ح). وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "كانوا يكرهون السير أمام الجنازة". فهذا إبراهيم يقول: كانوا يكرهون السير أمام الجنازة وإذا قال: "كانوا" فإنما يعني بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود، فقد كانوا يكرهون هذا ثم يفعلونه

стр. 3532

للعذر؛ لأن ذلك أسهل من مخالطة النساء إذا قَرُبْن من الجنازة، فأما إذا بعدن منها أو لم يكن معها نساء فإن المشي خافها أفضل من المشي أمامها وعن يمينها وعن شمالها، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: ذكر هذا الأثر أيضًا تأكيدًا لما ذكره من وجه تقديم عمر الناس في جنازة زينب وهو ظاهر. وأخرجه من طريقين صحيحين. الأول: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن محمد بن أبي السري وهو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن العسقلاني شيخ أبي داود وأبي حاتم، عن فضيل بن عياض الزاهد المشهور، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي. والثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي. قوله: "لأن ذلك أسهل" أي لأن المتقدم على الجنازة أسهل من مخالطة النساء لأن مخالطة النساء الأجنبيات حرام، والتقدم على الجنازة مباح؛ فالإتيان بالمباح أسهل بل أفضل من ذلك، وقال محمد بن الحسن في "آثاره": أنا أبو حنيفة، عن حماد قال: "رأيت إبراهيم يتقدم الجنازة ويتباعد منها من غير أن يتوارى عنها"، وقال محمد: "لا نرى بتقدم الجنازة بأسًا، والمشي خلفها أفضل، وهو قول أبي حنيفة". قلت: كان تقدم إبراهيم وتباعده عنها لأجل النساء كما ذكرنا، وكان يخاف أن يختلط بهن فيتباعد عنها من غير أن يتوارى عنها، ولكن إذا لم يكن نساء كان يمشي خلفها طلبا للأفضل وقول محمد ﵀: "لا نرى بتقدم الجنازة بأسًا" يشعر أن هذا الفعل مباح غير محظور ولكن الأفضل أن يمشي خلفها، ذكرنا من الأدلة والبراهين، والله أعلم.

стр. 3533

ص: باب: الجنازة تمر بالقوم بالقوم أيقومون لها أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان أن الجنازة إذا مرت على قوم وهم قعود هل يقومون لها أم لا يقومون؟ ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلي بن منصور، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية، عن موسى بن عمران بن منَّاح: "أن أبان بن عثمان مرت به جنازة فقام لها، وقال: إن عثمان مرت به جنازة فقام لها وقال: إن رسول الله ﵇ مرت به جنازة فقام لها". حدثنا يزيد، قال: ثنا دُحَيم، قال: ثنا سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك، عن إسماعيل بن أمية ... فذكر بإسناده مثله إلا أنه قال: "رأيت عثمان يفعل ذلك، وأخبرني أن رسول الله ﵇ يفعل ذلك". ش: هذان طريقان: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن معل بن منصور الرازي أحد أصحاب أبي حنيفة وشيخ البخاري في غير "الصحيح"، روى له الجماعة. عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي ثقة قال: دحيم غاية في الشاميين وخلط عن المدنيين. عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي المكي روى له الجماعة. عن موسى بن عمران بن منَّاح -بالنون المشددة- المديني قيل: إنه ليس بمشهور. عن أبان بن عثمان بن عفان روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".

стр. 3534

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا زكرياء بن أبي زكرياء، حدثني [يحيى بن] (٢) سليم، نا إسماعيل بن أمية، عن موسى بن عمران بن منَّاح، قال: "رأى أبان بن عثمان جنازة فقام لها، ثم قال: رأى عثمان بن عفان جنازة فقام لها، ثم حدث: أن رسول الله ﵇ رأى جنازة فقام لها". وأخرجه أيضًا ابن شاهين في كتاب "الناسخ والمنسوخ" (٣). والثاني: عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي الملقب بدُحَيْم -بضم الدال، وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف- شيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه. عن سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، عن يحيى: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، ليس بقوي. وقال البخاري: منكر الحديث، في حديثه نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ. روى له الترمذي وابن ماجه. وهو يروي عن إسماعيل بن أمية بن عمرو القرشي، عن موسى بن عمران، عن أبان بن عثمان. وأخرجه البزار في "مسنده" (٤): ثنا بشر بن خالد، قال: ثنا سعيد بن مسلمة، قال: ثنا إسماعيل بن أمية، عن موسى بن عمران بن منَّاح، عن أبان، عن عثمان: "أنه رأى جنازة مقبلة، فلما رآها قام لها قائمًا، ثم أخبر أنه رأى رسول الله ﵇ يفعله".

стр. 3535

وأخرجه عبد الله بن أحمد (١) قال: حدثني الحكم بن موسى أبو صالح، نا سعيد بن مسلمة، عن إسماعيل بن أمية، عن موسى بن عمران بن منَّاح، عن أبان بن عثمان: "أنه رأى جنازة مقبلة، فلما رآها قام وقال: رأيت عثمان يفعل ذلك، وأخبرني أنه رأى النبي ﵇ يفعله". ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، أن النبي ﵇: "إذا رأيتم الجنازة فقدموا لها حتى توضع أو تخلفكم". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا سفيان ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة قال: قال لي رسول الله ﵇: "إذا رأيت جنازة فقم". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهدي، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبر في ابن شهاب، قال: أخبرني سالم، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﵇ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقدموا لها حتى توضع أو تخلفكم". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﵇ نحوه. ش: هذه خمس طرق صحاح: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن

стр. 3536

عمر بن الخطاب، عن عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك أبي عبد الله العدوي، من المهاجرين الأول، أسلم قبل عمر ﵁ وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵇، روى عنه جماعة كثيرون منهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃. وأخرج حديثه الجماعة: فالبخاري (١): عن علي بن عبد الله، عن سفيان ... إلى آخره، نحوه ولفظه: "إذا رأيتم الجنازة فقدموا حتى تخلفكم -زاد الحميدي- أو توضع". ومسلم (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وابن نمير، جمعيهم عن سفيان ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (٣): عن مسدد، عن سفيان ... إلى آخره، نحوه. والترمذي (٤): عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة ... إلى آخره، نحوه. وعن (٥) قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﵇. والنسائي (٦): عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر، عن ربيعة، عن النبي ﵇ قال: "إذا رأى أحدكم الجنازة فلم يكن ماشيًا معها، فليقم حتى تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه".

стр. 3537

وعن (١) قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة العدوي، عن رسول الله ﵇ ... إلى آخره، نحو رواية البخاري. وابن ماجه (٢): عن محمد بن رمح، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﵇. وعن هشام بن عمار، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر ابن ربيعة سمعه، يحدث، عن النبي ﵇ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع". الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو: إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة. الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أزهر بن سعد أبي بكر السمان الباهلي البصري، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن عامر بن ربيعة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا علي بن عبد العزيز، نا معلى بن أسد العمي، نا محمد بن دينار، ثنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا رأيت الجنازة فقم حتى تجاوزك". الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن حسين بن مهدي بن مالك شيخ الترمذي وابن ماجه، عن عبد الرزاق بن همام صاحب "المصنف"، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة ... إلى آخره.

стр. 3538

وأخرجه أحمد في مسنده (١): ثنا عبد الرزاق، نا معمر، ثنا الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حتى تخلفه أو توضع". الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه نحوه وقد ذكرناه (٢). قوله: "حتى توضع أو تخلفكم" هذا كما رأيت روي بألفاظ مختلفة ففي رواية البخاري وغيره: "حتى تخلفكم أو توضع" وفي رواية النسائي: "حتى تخلفه أو توضع" وفي رواية للبخاري: "حتى تخلفكم" فقط. وقال عياض: وفي لفظ: "حتى تخلف أو توضع" ثم معنى قوله: "حتى توضع" أي على الأرض من أعناق الرجال، وقيل: حتى توضع في اللحد. قوله: "أو تخلفكم" أي أو تترككم وتتأخر عنكم، من قولك: خَلَّفْت فلانًا ورائي فَتَخَلَّف عني، أي تأخر، وهو بتشديد اللام، وأما خَلَفْت بتخفيف اللام فمعناه صرت خليفة عنه، تقول: خلفت الرجل في أهله إذا أقمت بعده فيهم وقمت عنه بما كان يفعله، وأخلف الله لك خلفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا أي أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه، والخَلَف بتحريك اللام والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، يقال: خَلَفَ صدق وخَلْف سوء، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) ثم الأمر في الحديث قيل: للندب والاستحباب، وإليه ذهب ابن حزم فقال في "المحلى": يستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء وإن كانت جنازة كافر حتي توضع أو تخلفه، فإن لم يقم فلا حرج.

стр. 3539

وهو قول جماعة من الفقهاء. وقيل: الأمر للوجوب، وأن القيام للجنازة إذا مرت واجب. وقيل: كان واجبًا ثم نسخ على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. فإن قيل: ما الحكمة في ذلك؟ قلت: الحكمة فيه تعظيم الميت، فإن ابن آدم مكرم محترم حيًا وميتًا ولا سيما في هذه الحالة؛ فإنه آخر العهد به، هذا إذا كان مسلمًا، وأما إذا كان كافرًا فإما أن يكون لأجل الملائكة، أو فرارًا من السخط النازل عليه، أو لأجل الموعظة والتذكر بالموت، والله أعلم. ص: حدثنا يزيد بن سنان ومبشر بن الحسن، قالا: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: "سأل رجل رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله ﵇، تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها؟ قال: نعم؛ فإنكم لستم تقومون لها إنما نقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس". ش: إسناده حسن، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد القرشي المقرئ شيخ البخاري، وسعيد بن أبي أيوب مقلاص الخزاعي أبو يحيى المصري، روى له الجماعة، وربيعة بن سيف بن ماتع المعافري الصنمي الإسكندراني، قال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: مصري صالح. روى له أبو داود والترمذي والنسائي، والمعافري -بفتح الميم وكسر الفاء نسبة إلى المعافر بن يعفر، قبيل ينسب إليه كثير عامتهم بمصر. وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي المعافري المصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".

стр. 3540

والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث سعيد بن أبي أيوب، عن ربيعة بن سيف إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٢). وقال الحكم (٣): صحيح الإسناد. قوله: "أفنقوم لها" الهمزة فيه للاستفهام، أي أفنقوم لجنازة الكافر؟ قوله: "إعظامًا" نصب على التعليل؛ أي لأجل التعظيم. قوله: "للذي يقبض النفوس" أي الأرواح. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: "قعد سهل بن حنيف وقيس بن سعد بن عبادة بالقادسية، فمُرَّ عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنه من أهل الأرض -أي مجوسي- فقالا: إن رسول الله ﵇ مُرَّ عليه بجنازة فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: أليس ميتًا؟! أوَليس نفسًا؟! ". ش: هذان طريقان صحيحة: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٤): ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين
следующие страницы →