ثم انه أخرج حديث أنس ﵁ من ثلاث طرق حسان جياد:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي البصري المقرئ النحوي روى له الجماعة سوى البخاري، لكن الترمذي في "الشمائل".
عن همام بن يحيى العوذي البصري روى له الجماعة، عن أبي غالب البصري ويقال: الأصبهاني صاحب أبي إمامة، اختلف في اسمه، فقيل: حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع، فعن يحيى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال الترمذي في بعض أحاديثه: هذا حديث حسن، وفي بعضها: هذا حديث صحيح. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ثقة. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأخرجه الترمذي (١): نا عبد الله بن منير، عن سعيد بن عامر، عن همام، عن أبي غالب قال: "صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاءوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة، صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﵇ قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: احفظوا".
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن نصر بن علي الجهضمي، عن سعيد بن عامر، عن همام ... إلى آخره.
الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن همام بن يحيى ... إلى آخره.
стр. 3572
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا همام، نا أبو غالب قال: "شهدت أنسًا صلى على رجل فقام عند رأس السرير، ثم أتي بامرأة من قريش فصلى عليها فقام قريبًا من وسط السرير، وكان فيمن حضر جنازته العلاء بن زياد العدوي، فلما رأى اختلاف قيامه قال: يا أبا حمزة، أهكذا كان رسول الله ﵇ يقوم من المرأة والرجل كما قمت؟ قال: نعم. فأقبل علينا العلاء وقال: أحفظوا".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من طريق الطيالسي.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي صاحب "المسند" الثقة الكبير، عن عبد الوارث ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٣) مطولًا: ثنا داود بن معاذ، نا عبد الوارث، عن نافع، عن أبي غالب قال: "كنت في سكة المربد فمرت جنازة معها ناس كثير، قالوا: جنازة عبد الله بن عمير فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق على بُرَيْذِينه على رأسه خرقة تقيه من الشمس، فقلت: من هذا الدهقان؟ قالوا: هذا أنس بن مالك، فلما وضعت الجنازة قام أنس فصلى عليها وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات، لم يطل ولم يسرع، ثم ذهب يقعد فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فقربوها و [معها] (٤) نعش أخضر، فقام عند عجيزتها فصلى عليها نحو صلاته على الرجل، ثم جلس فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﵇ يصلي على الجنائز كصلاتك، يكبر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم ... " الحديث.
стр. 3573
قوله: "فقال له العلاء بن زياد" وهو العلاء بن زياد بن مطر العدوي أبو نصر البصري الزاهد العابد، ذكره ابن حبان في التابعين الثقات، له ذكر في البخاري في تفسير ﴿حم﴾ المؤمن (١) وفي "سنن" أبي داود في الجنائز، وروى له النسائي وابن ماجه.
قوله: "في سكة المِرْبَد" بكسر الميم: أي في طريق المربد وهو موضع بيع الإبل بالبصرة، والمربد أيضًا موضع يوضع فيه التمر إذا جدَّ لييبس كالجرين وأصله من الإقامة واللزوم، يقال: ربد بالمكان: أقام به.
قوله: "على برذينه" تصغير برذون وهو الفرس العجمي.
قوله: "الدهقان" بكسر الدال وضمها، وهي معربة فارسية وهو زعيم فلاحي العجم ورئيس الإقليم، سموا بذلك من الدهقنة والدهمقة وهي تليين الطعام لترفههم وسعة عيشهم، والمعروف الدهقنة بالنون.
ص: وقد قال بهذا القول أبو يوسف فيما حدثني ابن أبي عمران، قال: حدثني محمد بن شجاع، عن الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف.
وأما قوله المشهور في ذلك فمثل قول أبي حنيفة ومحمد.
حدثني به محمد بن العباس، قال: ثنا علي بن معبد، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر، ولم يذكر محمد بين أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك خلاف.
ش: أشار به إلى قول أهل المقالة الثانية، وهو أن يقوم عند رأس الرجل وعند وسط المرأة، روى ذلك الطحاوي، عن أحمد بين أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن محمد بن شجاع البغدادي أبي عبد الله بن الثلجي -بالثاء المثلثة- من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي، وقد تكلم فيه بما لا يليق فيه وما يردُّه زهده وعبادته المشهورة، عن الحسن بن أبي مالك الفقيه الحنفي.
стр. 3574
قوله: "وأما قوله المشهور" أي قول أبي يوسف المشهور "في ذلك" أي في حكم القيام في صلاة الجنازة في أي موضع ينبغي أن يكون منها فمثل قول أبي حنيفة ومحمد، روي ذلك عن محمد بن عباس بن الربيع أبي جعفر الغبري البصري الفقيه، عن علي بن معبد بن شداد العبدي أبي الحسن الكوفي الرقي من أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف يعقوب، عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت ﵏، وقول أبي حنيفة ومحمد فيه: أن يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر هو مذهب الشعبي وعطاء بن أبي رباح.
قال ابن أبي شيبة (١): ثنا عباد بن العوام، عن الشيباني، عن الشعبي قال: "يقوم الذي يصلي على الجنازة عند صدرها".
ثنا (٢) حسين بن علي، عن زائدة، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء قال: "إذا صلى الرجل على الجنازة قام عند الصدر".
وقال شمس الأئمة في "مبسوطه": وأحسن مواقف الإمام من الميت في الصلاة عليه بحذاء الصدر، وإن وقف في غيره أجزأه؛ لأن أشرف أعضاء البدن الصدر فإنه موضع العلم والحكمة، وهو أبعد من الأذى، فالوقوف عنده أولى، والصدر موضع نور الإيمان، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٣) الآية، وإنما يصلى عليه لإيمانه، فيختار الوقوف حذاء الصدر، والصدر هو الوسط في الحقيقة فإن فوقه رأس ويدان وتحته بطن ورجلان.
وقال صاحب "الهداية": ويقوم الذي يصلي على الرجل والمرأة بحذاء الصدر؛ لأنه موضع القلب وفيه نور الإيمان، فيكون القيام عنده إشارة إلى الشفاعة لإيمانه.
стр. 3575
وعن أبي حنيفة: أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه، ومن المرأة بحذاء وسطها؛ لأن أنسًا ﵁ فعل كذلك، وقال: هو السنة، قلنا تأويله أن جنازتها لم تكن منعوشة فحال بينها وبينهم.
قلت: الذي ذكره أولًا هو ظاهر المذهب وفي قوله: "إن جنازتها لم تكن منعوشة" نظر، والظاهر أنه غير صحيح لما ذكرنا عن أبي داود في حديث أنس: "ومعها نعش أخضر" وقد مر عن قريب.
ص: وقد روى في ذلك أيضًا عن إبراهيم النخعي، ما قد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "يقوم الرجل الذي يصلي على الجنازة عند صدرها".
قال أبو جعفر ﵀: والقول الأول أحب إلينا لما قد شده من الآثار التيم رويناها عن رسول الله ﵇.
ش: أي وقد روي في الحكم المذكور أيضًا عن إبراهيم النخعي ما قد حدثنا ... إلى آخره.
وإسناده صحيح، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن شريك ... إلى آخره نحوه.
قوله: "والقول الأول" أراد به قول أبي يوسف الذي رواه عنه الحسن بن أبي مالك، وأشار به إلى أنه اختياره.
стр. 3576
ص: باب: الصلاة على الجنائز هل ينبغي أن تكون في المساجد أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان الصلاة على الجنازة هل هي مكروهة في المساجد أم لا؟
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا محمد بن إسماعيل، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أن عائشة ﵂ حين توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: لقد صلى رسول الله ﵇ على سهيل بن البيضاء في المسجد".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن أبي النضر، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ بذلك.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير: "أن عائشة ﵂ أمرت بسعد بن أبي وقاص أن يمر به في المسجد ... " ثم ذكر مثل حديثه عن يعقوب.
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: إسناده صحيح على شرط مسلم: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، شيخ البخاري في غير "الصحيح" وثقه ابن حبان ويحيى في رواية، وقال البخاري: لم نَرَ إلا خيرًا، هو في الأصل صدوق.
عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني روى له الجماعة، عن الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام القرشي الحزامي روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي المدني
стр. 3577
مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة غير البخاري.
فقال مسلم (١): حدثني هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع، قالا: نا ابن أبي فديك، قال: أنا الضحاك يعني ابن عثمان، عن أبي النضر ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "لقد صلى رسول الله ﵇ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه".
وقال أبو داود (٢): نا سعيد بن منصور، ثنا فليح بن سليمان، عن صالح بن عجلان ومحمد بن عبد الله بن عباد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: "والله ما صلى رسول الله ﵇ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد".
ثنا (٣) هارون بن عبد الله، نا ابن أبي فديك ... إلى آخره نحو رواية مسلم.
وقال الترمذي (٤): ثنا علي بن حجر، قال: أبنا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: "صلى رسول الله ﵇ على سهيل بن بيضاء في المسجد".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وقال النسائي (٥): أنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر، قالا: نا عبد العزيز ... إلى آخره نحو رواية الترمذي، إلا أن في لفظه: "ما صلى رسول الله ﵇ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد".
стр. 3578
وقال ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا يونس بن محمد، نا فليح بن سليمان، عن صالح بن عجلان، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: "والله ما صلى رسول الله ﵇ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن أبي النضر سالم بن أبي أمية، عن عائشة. وهذا منقطع.
وأخرجه مالك في موطئه (٢): عن أبي النضر، عن عائشة زوج النبي ﵇: "أنها أمرت أن يُمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين مات لتدعو له، فأنكر ذلك الناس عليها، فقالت عائشة ﵂: ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول الله ﵇ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد".
قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث عند جمهور الرواة منقطعًا. ورواه حماد بن خالد الخياط، عن مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: "ما أسرع الناس إلى النسيّ! ما صلى رسول الله ﵇ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد". فانفرد بذلك، عن مالك.
قلت: إنما قال: عند جمهور الرواة منقطعًا؛ لأن أبا النضر لم يسمع من عائشة شيئًا قال ابن وضَّاح: ولا أدركها، وإنما يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عنها، قال: وكذلك أسنده مسلم وغمز عليه الدارقطني، قال: ولا يصح إلا مرسلًا عن أبي النضر عن عائشة؛ لأنه قد خالف في ذلك رجلان حافظان: مالك والماجشون، روياه عن أبي النضر عن عائشة ﵂.
الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه وصاحب "المسند"، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي،
стр. 3579
عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير بن العوام، عن عمه عباد بن عبد الله ابن الزبير، عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح متصل وأخرجه الأربعة من حديث عباد بن عبد الله كما ذكرناه.
قوله: "حين توفي سعد بن أبي وقاص" كانت وفاته في المشهور في سنة خمس وخمسين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وسبعين، وقيل: ابن ثلاث وثمانين، وكان موته في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إلى المدينة على رقاب الرجال، ودفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم، وهو آخر العشرة المبشرة بالجنة وفاةً، وأبو وقاص اسمه مالك بن أهيب ويقال: وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، يلتقي مع رسول الله ﵇ في كلاب بن مرة، أسلم سعد قديمًا وهاجر إلى المدينة قبل النبي ﵇، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵇، وكان يقال له: فارس الإِسلام، وهو أول من رمى في سبيل الله، وكان مجاب الدعوة، وهو الذي كوَّف الكوفة، ونفى الأعاجم، وتولى قتال فارس، أمَّره عمر بن الخطاب ﵁، وفتح الله على يديه أكثر فارس.
قوله: "ادخلوا به" بضم الهمزة من دخل يدخل، وعدي بالباء، والمعنى: أدخلوه المسجد.
قوله: "سهيل بن البيضاء" وهي أمه، واسم أبيه وهب بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهو بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي الفهري، واسم أمه البيضاء دعد بنت الجحدم بن أمية بن ضبة بن الحارث بن فهر، وهو أخو سهل وصفوان ابني البيضاء، يُعرفون بأمهم، وسهل ممن أظهر إسلامه بمكة، وهو الذي مشي إلى النفر الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبها مشركوا مكة على بني هاشم، وتوفي سهيل وأخوه سهل بالمدينة في حياة النبي ﵇، وصلى عليهما في المسجد وقيل: إن سهلًا عاش بعد النبي ﵇ ولم يعقبا قاله ابن إسحاق.
стр. 3580
وروى ابن مندة بإسناده عن ابن إسحاق قال: كان موضع المسجد لغلامين يتيمين سهل وسهيل وكانا في حجر أسعد بن زرارة.
وقال ابن الأثير: ظن ابن مندة أن ابني البيضاء هما الغلامان اليتيمان اللذان كان لها موضع المسجد، وإنما كانا من الأنصار، وأما ابنا بيضاء فهما من بني فهو كما ذكرناه، وإنما دخل الوهم عليه حيث لم ينسبه إلى أب ولا قبيلة، فلو نسبه لعلم الصواب.
ص: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقالوا: لا بأس بالصلاة على الجنائز في المساجد.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالصلاة على الجنازة في المسجد. واحتجوا بالحديث المذكور.
وقال أبو عمر: رواه المدنيون، عن مالك، وقاله ابن حبيب من أصحابنا وحكاه عن شيوخه المدنيين وقاله القاضي إذا احتيج إلى ذلك.
وقال أبو عمر أيضًا: وروى ابن القاسم، عن مالك قال: وإن صلى عليها عند باب المسجد وتضايق الناس وتزاحموا فلا بأس أن تكون بعض الصفوف في المسجد، وقد قال في كتاب الاعتكاف من "المدونة" في صلاة المعتكف على الجنازة في المسجد ما يدل على أنه معروف عنده الصلاة على الجنازة في المسجد، وأجاز أبو يوسف ذلك، وقال الشافعي وأصحابه وأحمد: لا بأس أن يُصلى على الجنازة في المسجد من ضيق ومن غير ضيق، على كل حال. وهو قول عامة أهل الحديث.
وقال ابن حزم في "المحلى": وإدخال الموتى في المساجد والصلاة عليهم فيها حسن كله، وأفضل مكان صلي فيه على الميت في داخل المساجد، وهو قول الشافعي وأبي سليمان.
стр. 3581
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر ﵁ صلي عليه في المسجد".
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر، أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن يحيى بن أبي عمر المدني، عن عبد العزيز الدراوردي .. إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا الفضل بن دكين، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر صلي عليه في المسجد".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا الصلاة على الجنازة في المساجد.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن أبي ذئب وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف في قول ومحمدًا؛ فإنهم كرهوا الصلاة على الجنازة في المساجد، ثم اختلف أصحابنا فقيل: كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوءمة (ح)
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن محمد، قال: ثنا معن بن عيسى، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "من صلى على جنازة في مسجد فلا شيء له".
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه من طريقين:
الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمد بن الحسن الشيباني، عن أسد بن موسى، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب
стр. 3582
المدني، عن صالح بن نبهان مولى التوءمة بنت أميّة بن خلف الجمحي المدني، عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، عن يحيى، عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني صالح مولى التوءمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء [له] (٢) ".
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن محمد بن طحلاء المدني، عن معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي المدني، عن محمد بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن صالح بن أبي صالح مولى التوءمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا علي بن محمد، نا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوءمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من صلى على جنازة في المسجد فليس له شيء".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوءمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من صلى على جنازة في المسجد فلا [صلاة] (٥) له، قال: وكان أصحاب رسول الله ﵇ إذا تضايق المكان رجعوا ولم يصلوا".
فإن قيل: ما حال هذا الحديث؟
قلت: رجاله كلهم ثقات، غير أنهم طعنوا فيه بسبب صالح مولى التوءمة وقالوا: إنه ضعيف، ولما روى ابن عدي هذا الحديث في "الكامل" عده من
стр. 3583
منكرات صالح، ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه وينهى عنه. وإلى مالك أنه قال: لا تأخذوا عنه شيئًا؛ فإنه ليس بثقة. وإلى النسائي أنه قال فيه: ضعيف. وأسند عن ابن معين أنه قال فيه: ثقة، لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة. وقال البيهقي: وفي سنده صالح مولى التوءمة مختلف في عدالته، كان مالك يجرحه. هذا ما ذكروا ولكنه لا يتمشى؛ لأن
صاحب "الكمال" ذكر عن ابن معين أنه قال: صالح ثقة حجة. قيل: إن مالكًا ترك السماع منه، قال: إنما أدركه مالك بعدما كبر وخرف، والثوري إنما أدركه بعدما خرف فسمع منه أحاديث منكرات، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت، وقال العجلي: صالح ثقة وقال ابن عدي: لا بأس به إذا سمعوا منه قديمًا مثل ابن أبي ذئب وابن جريج
وزياد بن سعد وغيرهم، ولا أعرف له قبل الاختلاط حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة، وقال أحمد بن حنبل: ما أعلم بأسًا ممن سمع منه قديمًا.
فثبت بهذا أن هذا الحديث صحيح؛ لأنهم كلهم اتفقوا أن صالحًا ثقة قبل اختلاطه، وإنما تكلموا فيه لأجل اختلاطه، ولا اختلاف في عدالته، وأن ابن أبي ذئب سمع منه هذا الحديث قديمًا قبل اختلاطه، فصار الحديث حجة.
فإن قيل: قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": اختلط صالح بآخر عمره ولم يتميز حديثه، حديثه من قديمه، فاستحق الترك. ثم ذكر له هذا الحديث وقال: إنه باطل. وكيف يقول رسول الله ﵇ ذلك وقد صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد؟!
وقال النووي: أجيب عن هذا بأجوبة:
أحدها: أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوءمة، وهو ضعيف.
стр. 3584
والثاني: أن الذي في النسخ المشهورة المسموعة في "سنن" أبي داود: "فلا شيء عليه"، فلا حجة فيه.
الثالث: أن "اللام" فيه بمعنى "على" كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١) أي فعليها جمعًا بين الأحاديث.
قلت: أما قول ابن حبان: إنه باطل؛ كلام باطل؛ لأن مثل أبي داود أخرج هذا الحديث وسكت عنه، فأقل الأمر منه أنه يدل على حسنه عنده، وأنه رضي به.
وأخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجه (٢) وغيرهم فتشنيعه كله بسبب اختلاط صالح، وقد ذكرنا أنهم كلهم مجمعون على عدالته وعلى ثقته قبل الاختلاط، وأن من أخذ منه قبل الاختلاط فهو صحيح. وقالوا أيضًا: إن ابن أبي ذئب أخذ عنه قديمًا قبل اختلاطه، فكيف يكون باطلًا؟! وكيف يسوغ التلفظ بمثل هذا الكلام لإبراز التعصب؟! والعجب منه أنه يقول: وكيف يقول رسول الله ﵇ ذلك وقد صلى على سهيل؟! فكأنه نسي باب النسخ، ومثل هذا كثير قد فعل رسول الله ﵇ شيئًا ثم تركه أو نهى عنه.
والجواب عن قول النووي: أما قوله: إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ إن كان مراده أنه ضعيف قبل الاختلاط فلا نسلم ذلك؛ لما ذكرنا أنهم مجمعون على عدالته وعلى ثقته قبل الاختلاط، وإن كان مراده بعد الاختلاط فمسلم ولكن لا يضرنا ذلك؛ لما قلنا: إن ابن أبي ذئب أخذ منه قبل الاختلاط.
وأما قوله: إن النسخة الصحيحة: "فلا شيء عليه" مجرد دعوى فلا تقبل إلا ببرهان، ويرده أيضًا قول الخطيب: المحفوظ: "فلا شيء له".
وأما قوله: إن اللام فيه بمعنى على عدول عن الحقيقة من غير ضرورة ولا سيما على أصلهم: أن المجاز ضروري لا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة ها هنا،
стр. 3585
ويرد ذلك أيضًا رواية ابن أبي شيبة (١): "فلا صلاة له" فإنه لا يمكن له أن يقول ها هنا اللام بمعنى على لفساد المعنى. فافهم.
فثبت مما ذكرنا أن الأخذ بهذا الحديث أول، من الأخذ بحديث عائشة؛ لأن الناس عابوا ذلك عليها وأنكروه، وجعله بعضهم بدعة، فلولا اشتهار ذلك عندهم لما فعلوه، ولا يكون ذلك إلا لأصل عندهم؛ لأنه يستحيل عليهم أن يروا رأيهم حجة على حديث عائشة، ولم يحفظ عن النبي ﵇ أنه صلى في المسجد على غير ابن البيضاء، ولما نعى النجاشي إلى الناس خرج بهم إلى المصلى فصلى عليه، ولم يصل عليه في المسجد مع غيبته فالميت الحاضر أولى أن لا يصلى عليه في المسجد. والله أعلم.
ص: فلما اختلفت الروايات عن رسول الله ﵇ في هذا الباب، فكان فيما روينا في الفصل الأول إباحة الصلاة على الجنائز في المساجد، وفيما روينا في الفصل الثاني كراهة ذلك؛ احتجنا إلى كشف ذلك لنعلم المتأخر منه فنجعله ناسخًا لما تقدم من ذلك، فلما كان حديث عائشة فيه دليل على أنهم قد كانوا تركوا الصلاة على الجنائز في المسجد بعد أن كانت تفعل فيه، حتى ارتفع ذلك من فعلهم وذهبت معرفة ذلك من عامتهم، فلم يكن ذلك عندها لكراهة حدثت، ولكن كان ذلك عندها؛ لأن لهم أن يصلوا في المسجد على جنائزهم ولهم أن يصلوا عليها في غيره، فلا تكون صلاتهم في غيره دليلًا على كراهة الصلاة فيه، كما لم تكن صلاتهم فيه دليلًا على كراهة الصلاة في غيره. فقالت بعد رسول ﵇ يوم مات سعد ﵁ ما قالت لذلك، وأنكر ذلك عليها الناس وهم أصحاب رسول الله ﵇ ومن تبعهم، وكان أبو هريرة ﵁ قد علم من رسول الله ﵇ نسخ الصلاة عليهم في المسجد بقول رسول الله ﵇ الذي سمعه منه في ذلك، وأن ذلك الترك الذي كان من رسول الله ﵇ للصلاة على الجنائز في المسجد بعد أن كان يفعلها فيه ترك نسخ، فذلك أولى من حديث
стр. 3586
عائشة؛ لأن حديث عائشة إخبارٌ عن فعل رسول الله ﵇ في حال الإباحة التي لم يتقدمها نهي، وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله ﵇ الذي قد تقدمته الإباحة، فصار حديث أبي هريرة أولى من حديث عائشة؛ لأنه ناسخ له، وفي إنكار من أنكر ذلك على عائشة -وهم يومئذ أصحاب رسول الله ﵇- دليل على أنهم قد كانوا علموا في ذلك خلاف ما علمت ولولا ذلك لما أنكروا ذلك عليها، وهذا الذي ذكرنا من النهي عن الصلاة على الجنازة في المسجد وكراهتها، قول
أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف أيضًا، غير أن أصحاب الإملاء رووا عن أبي يوسف في ذلك أنه قال: إذا كان مسجدٌ قد أفرد للصلاة على الجنازة فلا بأس بأن يصلى على الجنائز فيه.
ش: تلخيص هذا الكلام: أن بين حديث أبي هريرة هذا وبين حديث عائشة المذكور في أول الباب اختلافًا وتضادًا من حيث الظاهر، والطريق فيه الكشف عن المتأخر من المتقدم ليجعل المتأخر ناسخًا للمتقدم، وحديث عائشة ﵂ يدل على أنهم كانوا تركوا الصلاة على الجنائز في المسجد بعد أن كانت تصلى فيه؛ إذ لو لم تكن مفعولة في الابتداء، لما قالت عائشة ﵂: "لقد صلى رسول الله ﵇ على ابني بيضاء في المسجد". ولو كان فعلها مستمر إلى آخر الوقت لما أنكر الناس عليها؛ لأنهم لو لم يعلموا في ذلك خلاف ما قالت عائشة ﵂ لما أنكروا ذلك عليها، وهم أصحاب رسول الله ﵇، فإذا كان كذلك يكون حديث أبي هريرة أولى من حديث عائشة؛ لأنه ناسخ له؛ لأن حديث عائشة إخبار عن فعله ﵇ في حالة الإباحة التي لم يتقدمها شيء، وحديث أبي هريرة يخبر عن النهي الوارد على تلك الإباحة؛ فهذا عين النسخ.
فإذا قيل: من أي قبيل يكون هذا النسخ؟
قلت: من قبيل النسخ بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبًا للحظر والآخر موجبًا للإباحة، ففي مثل هذا يتعين المصير إلى النص الموجب
стр. 3587
للحظر، وإلى الأخذ به؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والحظر طارئ عليها، فيكون متأخرًا.
فإن قيل: لم لا تجعل الموجب للإباحة متأخرًا؟
قلت: لأنه لو جعل كذلك لاحتيج إلى إثبات نسخين: نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر، ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للإباحة. والله أعلم.
فإن قيل: ليس بين الحديثين مساواة؛ لأن حديث عائشة أخرجه مسلم (١) في "صحيحه" وحديث أبي هريرة قد ضعفوه بصالح مولى التوءمة فلا يحتاج على هذا التوفيق؛ لأن التوفيق بين النصين المتعارضين إنما يطلب إذا كان بينهما مساواة كما عرف.
قلت: قد بينت لك صحة حديث أبي هريرة بالوجوه المذكورة، ولا يلزم من ترك مسلم تخريجه أن لا يكون صحيحًا؛ لأن الشيخين لم يلتزما إخراج كل ما صح عن رسول الله ﵇، ولئن سلمنا أن حديث أبي هريرة لا يسلم عن كلام، فكذلك حديثه عائشة لا يخلو عن كلام؛ فإن جماعة من الحفاظ مثل الدارقطني وغيره عابوا على مسلم تخريجه إياه مسندًا؛ لأن الصحيح أنه مرسل كما رواه مالك والماجشون، عن أبي النضر، عن عائشة مرسلًا، والمرسل ليس بحجة عند الخصم، وقد أوّل بعضهم حديث عائشة بأنه ﵇ إنما صلى في المسجد بعذر المطر، وقيل: بعذر الاعتكاف، وعلى كل التقدير الصلاة على الجنازة خارج المسجد أولى وأفضل؛ لأنه إذا صلاها خارج المسجد يجوز بلا خلاف من غير كراهة، وإذا صلاها في المسجد ففيه الخلاف، فإتيان المتفق عليه أولى -بل أوجب- لا سيما في باب العبادات. والله أعلم.
стр. 3588
ص: باب: التكبير على الجنازة كم هو ؟
ش: أي هذا باب في بيان التكبيرات على الجنازة كم هي؟.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قالا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: "كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعًا، فكبر يومًا خمسًا، فسئل عن ذلك، فقال أبو بكرة في حديثه: فقال كبر رسول الله ﷺ خمسًا، وقال: ابن مرزوق في حديثه فقال: كان رسول الله ﵇ يكبرها أو كبرها".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس، قال: ثنا عبد الأعلى: "أنه صلى خلف زيد بن أرقم على جنازة، فكبر خمسًا، فسأله عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: أنسيت؟ قال: لا، ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي ﵇ فكبر خمسًا، فلا أتركه أبدًا".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن مثنى وابن بشار، قالوا: نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة- وقال أبو بكر: عن شعبة- عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وأنه كبر على جنازة خمسًا فسألته فقال: كان رسول الله ﵇ يكبرها".
стр. 3589
الثاني: كذلك صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة.
ونا ابن المثنى، نا محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: "كان زيد يعني ابن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وأنه كبر على جنازة خمسًا فسألته، فقال: كان رسول الله ﵇ يكبرها".
وأخرجه الترمذي، (٢) وابن ماجه (٣).
الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري وأبي داود، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الأعلى ابن عامر الثعلبي -بالثاء المثلثة- فيه مقال، ضعفه أحمد وأبو زرعة، وروى له الأربعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، قال: "صليت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسًا، فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: أنسيت؟ قال: لا، ولكني صليت خلف أبي القاسم خليلي ﵇ فكبر خمسًا، فلا أتركها أبدًا".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن يحيى بن عبد الله التيمي، قال: "صليت مع عيسى مولى حذيفة بن اليمان على جنازة فكبر عليها خمسًا، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر مولاي وولي نعمتي -يعني حذيفة بن اليمان- صلى على جنازة فكبر
стр. 3590
عليها خمسًا ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر رسول الله ﵇".
ش: عيسى بن إبراهيم بن سيار الشعيري أبو إسحاق البصري شيخ أبي داود، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان.
وعبد العزيز بن مسلم القسملي أبو زيد المروزي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، ويحيى بن عبد الله بن الجابر ويقال: المُجَبِّر التيمي قال أبو داود: كوفي ضعيف.
وعيسى البزاز مولى حذيفة بن اليمان وثقه ابن حبان.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، نا محمد بن علي الوراق، ثنا أبو غسان، نا جعفر الأحمر، عن يحيى التيمي، عن عيسى مولى حذيفة قال: "صليت خلف مولاي وولي نعمتي العبد الصالح حذيفة بن اليمان على جنازة فكبر خمسًا، ثم قال: ما وهمت ولكني كبرت كما كبر خليل أبو القاسم ﵇".
قوله: "ما وهمت" أي ما غلطت، من وَهِمْتُ في الحساب -بالكسر- أَوْهمُ وهمًا إذا غلطت فيه وسهوت، وَوَهَمْتُ في الشيء -بالفتح- أَهِمُ وهمًا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، وتَوَهَّمْتُ أي ظننت.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن التكبير على الجنائز خمس، واحتجوا في ذلك بهده الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الرحمن بن أبي ليلى وعيسى مولى حذيفة وأصحاب معاذ بن جبل وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة؛ فإنهم قالوا: تكبيرات الجنازة خمس، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، وإليه ذهبت الظاهرية والشيعة، قال
стр. 3591
في "المبسوط": وهي رواية عن أبي يوسف، وقال الحازمي: وممن رأى التكبير على الجنازة خمسًا ابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان وعيسى مولى، حذيفة وأصحاب معاذ بن جبل، وقالت فرقة: يكبر سبعًا، روي ذلك عن زر بن حبيش، وقالت فرقة: يكبر ثلاثا، روي ذلك عن أنس وجابر بن زيد، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس.
وقال ابن حزم في "المحلى": "ويكبر الإمام، والمأمومون بتكبير الإِمام على الجنازة خمس تكبيرات لا أكثر؛ فإن كبروا أربعًا فحسنٌ، ولا أقل"، ولم نجد عن أحد من الأئمة يكبر أكثر من سبع ولا أقل من ثلاث فمن زاد على خمس وبلغ ستًّا أو سبعًا فقد عمل عملًا لم يصح عن النبي ﵇ قط.
قلت: قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن يزيد، عن عبد الله بن الحارث قال: "صلى رسول الله ﵇ على حمزة فكبر عليه تسعًا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها سبعًا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها خمسًا، حتى فرغ منهن غير أنهن كن وترًا".
وقال لابن قدامة: "لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا النقص من أربع، والأولى أربع لا يزال عليها، واختلفت الرواية فيما بين ذلك، فظاهر كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمسًا تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها، ورواه الأثرم عن أحمد، وروى حرب عن أحمد: إذا كبر خمسًا لا يكبر معه ولا يسلم إلا مع الإمام، وممن لا يرى متابعة الإمام في زيادة على أربع: الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي، واختاره ابن عقيل.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هي أربع لا ينبغي أن يزاد على ذلك ولا ينقص منه.
стр. 3592
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمَّد بن الحنفية وعطاء بن أبي رباح وابن سيرين والنخعي وسويد بن غفلة والثوري وأبا حنيفة والشافعي ومالكًا وأحمد وأبا مجلز لاحق بن حميد؛ فإنهم قالوا: تكبيرات الجنازة أربعة لا يُزاد عليها ولا يُنقص منها، ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبي هريرة وعقبة بن عامر ﵃.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا هدبة، قال: ثنا همام، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، أنه حدثه عن أبيه: "أنه شهد النبي ﵇ صلى على ميت فكبر عليه أربعًا".
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁.
أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن هدبة بن خالد البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن همام بن يحيى روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري روى له الجماعة، عن أبيه أبي قتادة.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن سليم بن حيان، عن سعيد ابن ميناء، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ كبر على النجاشي أربعًا".
ش: إسنادهُ صحيح، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي، وسَلِيم -بفتح السين وكسر اللام- بن حَيَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- ابن بسطام الهذلي البصري، روى له الجماعة إلا النسائي.
وسعيد بن ميناء -بكسر الميم- المكي، روى له الجماعة إلا النسائي.
стр. 3593
وأخرجه البخاري (١): ثنا محمد بن سنان، ثنا سليم بن حيان، ثنا سعيد بن ميناء، عن جابر ﵁: "أن النبي ﵇ صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعًا".
وأخرجه مسلم أيضًا (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سَلِيم بن حيان، قال: ثنا سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعًا".
والنجاشي -بفتح النون وكسرها- كلمة للحبش تسمى بها ملوكها، قال ابن قتيبة: هو بالنبطية، ذكره ابن سيده، وفي "الجامع" للقزاز: أما النجاشي بكسر النون فيجوز أن يكون من نجش إذا أوقد كأنه يطريه ويوقد فيه قاله قطرب.
وكذا ذكره في "الواعي" وفي "الجمهرة": أما النجاشي فكلمة حبشية يسمون بها ملوكهم وفي "الفصيح" لأبي عمر غلام ثعلب: النجاشي بالفتح. وفي "العلم المشهور" لأبي الخطاب مشدد الياء: قالوا: والصواب تخفيفها، وفي "المثنى" لابن عديس النَّجاشي والنِّجاشي بالفتح والكسر المستخرج للشيء، والنجاشي بالكسر كلمة للحبش تسمى به ملوكها.
واسمه أصحمة ومعناه عطية -بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين- ويقال مصحمة بالميم موضع الهمزة، ويقال: أصحم، قاله البيهقي ووقع في "مسند ابن أبي شيبة" في هذا الحديث صَحْمة بفتح الصاد وإسكان الحاء. قال أبو الفرج: هكذا قال لنا يزيد بن هارون وإنما هو صحمة بتقديم الميم على الحاء، ويقال: إن الحبشة لا ينطقون بالحاء على صرافها، وإنما يقولون في اسم الملك: أصمخة بتقديم الميم على الخاء المعجمة، وكان اسم أبيه أبجر، وقال السهيلي: اسم أبيه بجرى بغير همزة. وقال ابن سعد: أرسل رسول الله ﵇ في المحرم من سنة سبع عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فأخذ كتاب النبي ﵇ فوضعه على عينيه
стр. 3594
ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعًا، ثم أسلم، وكتب إلى النبي ﵇ بذلك، وأنه أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب ﵁، وتوفي في رجب سنة تسع، منصرفه ﵇ من تبوك.
ووقع في "صحيح مسلم" (١) "كتب ﵇ إلى النجاشي وهو غير النجاشي الذي صلى عليه" وكأنه وهم من بعض الرواة، أو يحمل على أنه لما توفي قام مقامه أخر فكتب إليه.
ثم النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، والمتأخرون يلقبونه: الأمْحَرِيّ، ومن ملك مصر كافرًا يمسى فرعون، فإذا أضيف إليها الإسكندرية يسمى المقوقس وكل من تَوَّزر فيها يسمى عزيزًا، ومَنْ ملك الشام مع الجزيرة وبلاد الروم يسمى قيصر، ومن ملك العجم يسمى كسرى، ومن ملك الترك يسمى خاقان، قال الجاحظ: من ملك إفريقية يسمى جرجير، ومن ملك السند يسمى
فورورهمن، ومن ملك الهند يسمى فغفور، ومن ملك الصين يسمى بغيور، ومن ملك اليمن يسمى تبع ومن ترشح منهم للملك يسمى قيلًا، ومن ملك يسمى هياجًا، ومن ملك الخزر يسمى رتبيل، ومن ملك النوبة يسمى كابل، ومن ملك الصقالبة يسمى ماجدًا، ومن ملك اليونان يسمى بطلميوس وتجمع على بطالسة، وقال ابن دحية: على بطالمة ومن ملك اليهود يسمى قطيون، ومن ملك الصائبة يسمى نمروذ، ومن ملك فرغانة يسمى إخشيد ومعناه بالعربية: ملك الملوك، ومن ملك العرب من قبل العجم يسمى النعمان، ومن ملك البربر يسمى جالوت، ومن ملك الأرمن يسمى تقفور، ومن ملك قسطنطينية فيسمى أشكرى ومن ملك أسْروشتة يسمى الأفشين، ومن ملك جرجان يسمى خول، ومن ملك أذربيجان يسمى أصبهذ، ومن ملك طبرستان يمسى سالار، ومن
ملك نيابة ملك الروم يسمى دمستق.
стр. 3595
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شريك (ح).
وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم (ح).
وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن عثمان بن حكيم الأنصاري، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ صلى على قبر فكبر أربعًا".
ش: هذه ثلاثة طرق رجالها ثقات:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري المدني ثم الكوفي، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد -بفتح الياء آخر الحروف في أوله- ابن ثابت الأنصاري، ويزيد هذا أكبر من أخيه زيد بن ثابت، يقال: إنه شهد بدرًا، ويقال: إن ابن أخيه خارجة لم يسمع منه.
وأخرجه النسائي (١): أنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: ثنا عثمان بن حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت: "أنهم خرجوا مع رسول الله ﵇ ذات يوم فرأى قبرًا جديدًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذه فلانة مولاة فلان -فعرفها سول الله ﵇- ماتت ظهرًا وأنت صائم قائل فلم نحب أن نوقظك بها، فقام رسول الله ﵇ وَصَفَّ الناس خلفه، فكبر عليها أربعًا ثم قال: لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا -يعني- آذنتموني به، فإن صلاتي له رحمة".
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن عثمان بن حكيم ... إلى آخره.
стр. 3596
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): ثنا هشيم، عن عثمان بن حكيم، قال: ثنا خارجة بن زيد، عن عمه يزيد بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ صلى على قبر امرأة فكبر أربعًا".
الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث هشيم، عن عثمان ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
ويستفاد منه حكمان: الأول أن تكبيرات الجنازة أربع، والثاني: أن الصلاة على القبر جائزة.
ثم إن العلماء اختلفوا فيه، فقال ابن قدامة: لا يصلى على القبر بعد شهر، وبهذا قال بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يصلي عليه أبدًا، واختاره ابن عقيل؛ لأن النبي ﵇ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين حديث صحيح.
وقال بعضهم: يصلي عليه ما لم يبلى جسده.
وقال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي إلى ثلاثٍ ولا يصلي عليه غيره، قال: وقال إسحاق: يصلي عليه الغائب إلى شهر والحاضر إلى ثلاث، وقال صاحب "المبسوط": وإن دفن قبل الصلاة عليها صلي عليها في القبر ما لم يعلم أنه تفرق. وفي "الأمالي" عن أبي يوسف: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام، وهكذا ذكره ابن رستم عن محمد؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون على رسول الله ﵇ إلى ثلاثة أيام، والصحيح أن هذا ليس بتقديرٍ لازم؛ لأنه يختلف باختلاف الأوقات في الحر والبرد، وباختلاف الأمكنة وباختلاف حال الميت في السمن والهزال، والمعتبر فيه أكثر للرأي، والذي روي أنه ﵇ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين معناه: دعى لهم.
стр. 3597
وقال ابن حزم في "المحلى": والصلاة جائزة على القبر، وإن كان قد صلي على المدفون فيه، وقال أبو حنيفة: إن دفن بلا صلاة صلي على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام، ولا يصلى عليه بعد ذلك، وإن دفن بعد أن صلي عليه لم يصل أحد على قبره.
وقال مالك: لا يصلى على قبر، وروي ذلك عن إبراهيم النخعي. وقال الأوزاعي والشافعي وأبو سليمان: يصلى على القبر وإن كان قد صلي على المدفون فيه، وروي ذلك عن ابن سيرين. انتهى.
ثم الجواب عن صلاته ﵇ على القبر بعد ما صلي على المدفون فيه: أنه ﵇ قصد بذلك إيصال الرحمة إليه، كما صرّح بذلك في رواية النسائي: "فإن صلاتي له رحمة" ولا يوجد هذا المعنى في غيره، فلا يصلى عليه اللهم إلا إذا دفن بغير صلاة، فيصلى عليه على الخلاف المذكور.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا شيبان، قال: ثنا سويد أبو حاتم، قال: حدثني قتادة، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ كبر أربعًا".
ش: شيبان هو ابن فروخ الأبُلِّي -بضم الهمزة وبالباء الموحدة- شيخ مسلم وأبي داود- وسويد هو ابن إبراهيم الجحدري أبو حاتم الحناط -بالنون- فيه مقال. ضعفه يحيى والنسائي، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، حديثه حديث أهل الصدق. وعن يحيى: أرجو أنه لا بأس به.
ص: حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي سلمان المؤذن، قال: توفي أبو سريحة فصلي عليه زيد بن أرقم فكبر عليه أربعًا، فقلنا: ما هذا؟! فقال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يفعل".
ش: أحمد هو ابن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري ومسلم، وعثمان بن أبي زرعة هو عثمان بن المغيرة الكوفي مولى ابن عقيل الثقفي، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. روى له الجماعة سوى مسلم.
стр. 3598
وأبو سلمان المؤذن اسمه همام، وذكره الحاكم أبو أحمد في "الكنى" قال: ويقال اسمه يزيد بن عبد الله. ولم يذكر فيه شيئًا وذكر في "التكميل": أبو سلمان المؤذن قيل اسمه همام، روى عن علي وأبي محذورة الجمحي، روى عنه أبو جعفر الفراء، روى له النسائي حديثًا.
ولهم شيخ آخر يقال له: أبو سلمان المؤذن مؤذن الحجاج، اسمه يزيد بن عبد الله، روى عن زيد بن أرقم وعنه الحكم بن عتيبة، وعثمان بن المغيرة ومسعر بن كدام ذكر تمييزًا.
وقال مسلم في كتاب "الكنى": أبو سلمان المؤذن همام عن أبي محذورة، روى عنه أبو جعفر الفراء. أبو سلمان يزيد روى عنه مسعر. انتهى.
قلت: فعلم من ذلك أن أبا سلمان ها هنا هو أبو سلمان مؤذن الحجاج الذي اسمه يزيد بن عبد الله، وليس بأبي سلمان الذي اسمه همام؛ فافهم فإنه موضع اشتباه.
وأبو سريحة -بفتح السين المهملة، وكسر الراء- اسمه حذيفة بن أَسِيد -بفتح الهمزة وكسر السين- بن خالد الغفاري، بايع تحت الشجرة، وشهد الحديبية مع رسول الله ﵇ وهو أول مشاهده، نزل الكوفة ومات بها، وصلى عليه زيد بن أرقم.
والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمد بن الفضل السقطي، نا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي سلمان المؤذن قال: "توفي أبو سريحة الغفاري فصلي عليه زيد بن ارقم فكبر عليه أربعًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يصلي".
وقد روى أبو سلمان أيضًا، عن زيد بن أرقم: "أنه كبر خمس تكبيرات.
стр. 3599
فقال الطبراني (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن صالح، ثنا أبو سلمان: "أنه صلى مع زيد بن أرقم على جنازة فكبر عليها خمس تكبيرات، فقلت: أَوَهِمْتَ أم عمدًا؟ قال: لا، بل عمدًا؛ إن النبي ﵇ كان يصليها".
وقد مر فيما مضي رواية ابن أبي ليلى، عن زيد بن أرقم نحوه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرَّقام، قال: ثنا سعيد بن يحيى الحميري، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه: "أن النبي ﵇ كان يعود فقراء أهل المدينة، وأنه أخبر بامرأة ماتت فدفنوها ليلًا، فلما أصبح آذنوه، فمشي إلى قبرها فصلى عليها وكبر أربعًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت النعمان يحدث، عن الزهري، عن أبي أمامة، عن بعض أصحاب رسول الله ﵇ نحوه.
ش: هذان طريقان:
الأول: إسناده صحيح متصل: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بتشديد الياء أخر الحروف وفي آخره شين معجمة- بن الوليد الرَّقام القطان البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن سعيد بن يحيى الحميري أبي سفيان الحذاء الواسطي، قال أبو داود: ثقة. روى له البخاري.
عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي، وعن يحيى: ثقة في غير الزهري. وعن ابن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: ثقة، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، ومسلم في مقدمة كتابه.
عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة قيل اسمه سعد وقيل أسعد، والأول أشهر، روى له الجماعة.
عن أبيه سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري شهد بدرًا والمشاهد كلها مع النبي ﵇.
стр. 3600
وأخرجه مالك في "موطئه" (١) مرسلًا: عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف، أنه أخبره: "أن مسكينة مرضت فأُخبر رسول الله ﵇ بمرضها، قال: وكان رسول الله ﵇ يعود المساكين ويسأل عنهم، فقال رسول الله ﵇: إذا ماتت فآذنوني بها، فخُرِجَ بجنازتها ليلًا، فكرهوا أن يوقظوا رسول الله ﵇، فلما أصبح رسول الله ﵇ أخبر بالذي كان من شأنها، فقال: ألم آمركم أن تؤذنوني بها؟ فقالوا: يا رسول الله كرهنا أن نخرجك ليلًا ونوقظك، فخرج رسول الله ﵇ حتى صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات".
قال ابن عبد البر (٢): لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روى موسى بن محمد بن إبراهيم القرشي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن رجل من الأنصار: "أن رسول الله ﵇ صلى على قبر امرأة بعدما دفنت، فكبر عليها أربعًا". وهذا لم يتابع عليه، وموسى بن محمَّد هذا متروك الحديث، وقد روى سفيان بن حسين هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي ﵇ وهو حديث مسند متصل صحيح من غير حديث مالك، وروي من وجوه كثيرة عن النبي ﵇ كلها ثابتة.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن النعمان بن راشد الجزري، فيه مقال فعن يحيى القطان: ضعيف جدًّا. وعن أحمد: مضطرب الحديث. وعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وعنه ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف جدًّا، كثير الغلط. ومع هذا أخرج له الجماعة البخاري مستشهدًا، فعلى هذا حديثه صحيح.
стр. 3601
وهو يروي عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة، عن بعض أصحاب رسول الله ﵇.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي أمامة، أن بعض الصحابة أخبره ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٢) مرسلًا: ثنا قتيبة، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، قال: "مرضت امرأة من أهل العوالي، وكان النبي ﵇ أحسن شيء عيادة للمريض، فقال: إذا ماتت فآذنوني، فماتت ليلًا، فدفنوها ولم يعلموا النبي ﵇، فلما أصبح سأل عنها، فقالوا: كرهنا أن نوقظك يا رسول الله، فأتى قبرها فصلى عليها وكبر أربعًا".
ويستفاد منه أحكام:
استحباب عيادة المريض ولا سيما الفقراء المساكين.
قال أبو عمر: فيه إباحة عيادة النساء وإن لم تكن ذوات محارم، ويحمل الحديث هذا عندي أن تكون المرأة متجالة وإن كانت غير متجالة فلا، إلا أن يسأل عنها ولا ينظر إليها.
وفيه: جواز الأذان بالجنازة وإباحة دفن الميت بالليل وأن التكبيرات عليه أربع، وأن سنة الصلاة على القبر كسنة الصلاة على الجنازة سواء، في الصف عليها والدعاء والتكبير، وجواز الصلاة على القبر وبيان ما كان عليه النبي ﵇ من تواضعه وخلقه الحسن ورعاية خواطر الفقراء والمساكين على جانب عظيم.
وفيه تعليم لأمته أيضًا بذلك وإرشادهم إلى التخلق بالأخلاق الحميدة وأخلاق الصالحين.
стр. 3602
ص: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا شريك، عن إبراهيم الهجري قال: "صلى بنا ابن أبي أوفى على ابنة له فكبر عليها أربعًا، ثم وقف فانتظرنا بعد الرابعة تسليمه حتى ظننا أنه سيكبر الخامسة، ثم سلم، ثم قال: أُراكم ظننتم أني سأكبر الخامسة، ولم كن لأفعل ذلك، وهكذا رأيت رسول الله ﵇ يفعل".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحوضي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن الهجري ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الكوفي نزيل مصر المعروف بترنجة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن إبراهيم بن مسلم الهجري ضعفه ابن معين والنسائي وروي له ابن ماجه، عن عبد الله بن أبي أوفى واسمه علقمة بن خالد الأسلمي له ولأبيه صحبة.
والحديث أخرجه ابن ماجه (١): ثنا عبد الرحمن المحاربي، نا الهجري قال: "صليت مع عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي صاحب رسول الله ﵇ على جنازة ابنة له، فكبر عليها أربعًا فمكث بعد الرابعة شيئًا، قال: فسمعت القوم يسبحون به من نواحي الصفوف فسلم ثم قال: أكنتم ترون أني مكبر خمسًا؟ قالوا: تخوفنا ذلك. قال: لم أكن لأفعل، ولكن رسول الله ﵇ كان يكبر أربعًا ثم يمكث ساعة فيقول ما شاء الله أن يقول ثم يسلم".
قلت: ظهر من هذا أنه يستحب أن يدعو أيضًا بعد التكبيرة الرابعة ثم يسلم، ومع هذا قال: أصحابنا لا يدعو بشيء بعد التكبيرة الرابعة بل يسلم.
وقال ابن قدامة: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يدعو بعد الرابعة شيئًا، ونقله عن أحمد جماعة من أصحابه وقال: لا أعلم فيه شيئًا؛ لأنه لو كان فيه دعاء
стр. 3603
مشروع لنقل، وروي عن أحمد أنه يدعو ثم يسلم؛ لأنه قيام في صلاة فكان فيه ذكر مشروع كالذي قبل التكبيرة الرابعة.
قال ابن أبي موسى وابن الخطاب: يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وقيل: يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وهذا الخلاف في استحبابه، ولا خلاف أنه غير واجب، وأن الوقوف بعد التكبير الرابع مشروع.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان، عن إبراهيم بن مسلم الهجري ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن الهجري قال: "صليت مع عبد الله بن أبي أوفى على جنازة فكبر عليها أربعًا، ثم قام هنيهة حتى ظننت أنه يكبر خمسًا، ثم سلم فقال: أكنتم ترون أني أكبر خمسًا؟ إنما قمت كما رأيت رسول الله ﵇".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ثم خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن فيهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن بعض أصحاب النبي ﵇ مثله.
стр. 3604
ش: هذه ثلاثة أسانيد رجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا مشايخ الطحاوي.
وأبو بشر الرقي عبد الملك بن مروان، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، وشجاع هو ابن الوليد بن قيس السكوني، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني.
وحديث أبي هريرة أخرجه الجماعة:
فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك.
والترمذي (٥): عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ صلى على النجاشي فكبر أربعًا".
وابن ماجه (٦): عن أبي بكر بن أبي شيبة، نا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إن النجاشي قد مات، فخرج رسول الله ﵇ وأصحابه إلى البقيع، فصفنا خلفه، وتقدم رسول الله ﵇ فكبر أربع تكبيرات".
стр. 3605
قوله: "نعى للناس" فعل ماضٍ من النعي وهو خبر الموت، والناعي الذي يأتي بخبر الموت، والنَّعِيِّ -بفتح النون وكسر العين المهملة وتشديد الياء، وقيل بسكون العين وتخفيف الياء لغتان والتشديد أشهر كذا ذكره النووي.
وفي "المحكم": النعي الدعاء بموت الميت والإشعار به، نَعَاه يَنْعَاه نعيًا ونُعْيَانًا، والنَّعِيُّ المُنْعِي والنَّاعِي، وقال الجوهري: النعْي خبر الموت، وكذلك النَّعِيّ على فعيل، وفي "الواعي": النَّعِيُّ على فعيل هو نداء الناعي، والنَّعِيُّ أيضًا هو الرجل الذي يُنْعى، والنَّعِيُّ الرجل الميت، والنعْي الفعل، ويجوز أن يجمع النعي نعايًا مثل صفي وصفايًا؛ ذكره الهروي وغيره.
وتفسير النجاشي قد مرّ.
قوله: "في اليوم الذي مات فيه" قد ذكرنا أنه مات في سنة تسع، منصرفه من تبوك قاله ابن سعد، وقال السهيلي: توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة.
قوله: "إلى المُصَلى" بضم الميم، وهو الموضع الذي كان ﵇ يصلي فيه العيد.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن التكبير على الجنازة أربع تكبيرات.
الثاني: فيه استحباب اصطفاف الناس وراء الإمام في صلاة الجنازة.
الثالث: أن صلاة الجنازة ينبغي أن تقام في مصلى البلد ولا تصلي في المسجد.
وقال أبو عمر: فيه أن السنة أن تخرج الجنائز إلى المصلى ليصلى عليها هناك، وفي ذلك دليل على أن صلاته على سهيل بن بيضاء في المسجد إباحة وليس بواجب.
قلت: بل فيه دليل على أن صلاته في المسجد كانت لضرورة أو انتسخت كما ذكرنا.
الرابع: فيه إباحة النعي.
стр. 3606
قال أبو عمر: فيه إباحة الإشعار بالجنازة والإعلام بها والاجتماع لها، وهذا أقوى من حديث حذيفة: "أنه كان إذا مات له ميت قال: لا تؤذنوا به أحدًا؛ فإني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله ﵇ نهى عن النعي". وإلى هذا ذهب جماعة من السلف.
فإن قيل: حديث حذيفة حسّنه الترمذي (١).
وجاء عن ابن مسعود أيضًا قال: قال رسول الله ﵇: "إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية، قال عبد الله: والنعي أذان بالميت".
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (٢).
قال البيهقي (٣): ويروى النهي أيضًا عن ابن عمر وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعلقمة وإبراهيم النخعي والربيع بن خثيم.
وفي "المصنف" (٤): وأبي وائل وأبي ميسرة وعلي بن الحسن وسويد بن غفلة ومطرف بن عبد الله ونصر بن عمران أبي حمزة.
قلت: التوفيق بين الحديثين: أن حديث النجاشي لم يكن نعيًّا، إنما كان مجرد إخبار بموته، فسمي نعيًّا لتشبهه به في كونه إعلامًا، وكذا يقال في جعفر بن أبي طالب وأصحابه.
قال ابن بطال: إنما نعى ﵇ النجاشي وصلى عليه؛ لأنه كان عند بعض الناس على غير الإسلام، فأراد إعلامهم بصحة إسلامه.
стр. 3607
وفيه نظر؛ لنعيه ﵇ جعفرًا وأصحابه.
وحمل بعضهم النعي على نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وشبهها، وأيضًا فحذيفة لم يجزم بكون الإعلام نعيًا، إنما قال: أخاف أن يكون نعيًا.
وفي "المهذب" لأبي إسحاق: يكره نعي الميت والنداء عليه للصلاة وغيرها، وذكر الصيدلاني وجهًا أنه لا يكره، وقيل: لا يستحب، وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب لا لغيره، وبه قال ابن عمر.
وقال ابن الصباغ: يكره النداء ولا بأس بتعريف أصدقائه، وهو قول أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: لا بأس به.
وقال ابن قدامة: ويكره النعي وهو أن يبعث مناديًا ينادي في الناس: إن فلانًا مات ليشهدوا جنازته، واستدل بحديث حذيفة، ثم قال: واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم منهم عبد الله بن مسعود وأصحابه وعلقمة والربيع بن خثيم وعمرو بن شرحبيل.
وقال كثير من أهل العلم: لا بأس أن يُعلم بالرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل من غير نداء. والله أعلم.
الخامس: فيه الصلاة على الغائب، استدل بذلك الشافعي وأحمد في رواية على جواز الصلاة على الغائب، قال النووي: فإن كان الميت في بلد فالمذهب أنه لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده وقيل يجوز وفي الرافعي: ينبغي أن لا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع أو ثلاثمائة تقريبًا، وفي "المغني": وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيستقبل القبلة ويصلي عليه كصلاته على حاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن، وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى كقولهما. انتهى.
стр. 3608
وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله ﵇ وصدقه على نبوته، إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلا أنه كان بين ظهراني أي أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحق الصلاة عليه؛ فلزم رسول الله ﵇ أن يفعل ذلك إذا هو نبيه ووليه وأحق الناس به؛ فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه من الصلاة عليه فإنه لا يصلى عليه من كان ببلد آخر غائبًا عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كانت السنة أن يصلى عليه، ولا يترك ذلك لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة، وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي ﵇ كان مخصوصًا بهذا الفعل؛ إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي؛ لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له الأرض حتى تبصر مكانه، هذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﵇ إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة كان علينا متابعته والاتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك: أنه ﵇ خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم، فصلوا معه فعلم أن هذا التأويل فاسد.
قلت: هذا التشنيع كله على الحنفية والمالكية، ولكن من غير توجيه، فنقول ما يبين لك فساد كلامه، وهو أن النبي ﵇ رفع له سرير النجاشي فرآه فتكون الصلاة عليه كميت يراه الإمام ولا يراه المأموم.
وقد قال قال أبو عمر بن عبد البر: (١): وأكثر أهل العلم يقولون: هذا خصوص للنبي ﵇ بأن أحضر روح النجاشي بين يديه حيث شاهده وصلى عليه، أو رفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته.
وقد روي: "أن جبريل ﵇ أتاه بروح جعفر أو جنازته، وقال: قم فصل عليه". فهذا وما كان مثله يدل على الخصوصية.
стр. 3609
وروى ابن حبان في "صحيحه" (١): في النوع الحادي والأربعين من القسم الخامس من حديث عمران بن الحصين أن النبي ﵇ قال: "إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا صلوا عليه، فقام رسول الله ﵇ وصلوا خلفه فكبر أربعًا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه".
وقال المهلب: ومما يدل على الخصوصية: أنه لم يصل على أحد من المسلمين ومتقدمي المهاجرين والأنصار الذين ماتوا في أقطار البلدان، وعلى هذا جرى عمل المسلمين؛ لأن الصلاة عليها من فروض الكفاية يقوم بها من صلى على الميت في البلد الذي يموت بها، ولم يكن بحضرة النجاشي مسلم، يصلى عليه.
قلت: قد مات خلق كثير من الصحابة ﵃ في حياة النبي ﵇ وهم غائبون عنه وسمع بهم فلم يصلي عليهم إلا ثلاثة أنفس:
أحدهم: معاوية بن معاوية المزني، ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره.
روى حديثه الطبراني "معجمه الوسط"، (٢) وكتاب "مسند الشاميين" (٣): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا نوح بن عمر بن حُوَي السكسكي، ثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة قال: "كنا مع رسول الله ﵇ بتبوك، فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: نعم، فضرب بجناحه على الأرض، ورفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع وقال النبي ﵇ لجبريل ﵇ بم أدرك هذا، قال: لحبه سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقراءته إياها، جائيا وذاهبًا، وقائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال".
стр. 3610
ورواه ابن سعد في "الطبقات" في ترجمة معاوية بن معاوية المزني- قال: ويقال: الليثي -من حديث أنس فقال: أنا يزيد بن هارون، ثنا العلاء أبو محمد الثقفي، سمعت أنس بن مالك قال: "كنا مع رسول الله ﵇ ... " فذكر نحوه.
أخبرنا (١) عثمان بن الهيثم البصري، ثنا محبوب بن هلال المزني، عن ابن أبي ميمونة، عن أنس، وذكر نحوه.
وبسند ابن سعد الأول رواه البيهقي (٢) وضعفه.
قال النووي في "الخلاصة": والعلاء بن زيد ويقال: ابن يزيد اتفقوا على ضعفه، قال البخاري وابن عدي وأبو حاتم: هو منكر الحديث. قال البيهقي: وروي من طرق أخرى ضعيفة.
والثاني والثالث: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ﵂ ورد أنه كشف له عنهما.
أخرجه الواقدي في كتاب "المغازي" (٣) فقال: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة.
وحدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر قالا: "لما التقى الناس بمؤتة جلس النبي ﵇ على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال ﵇: أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد فصلى عليه ودعى له، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ﵁ فمضى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ﵇ ودعى له، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث يشاء.
وهو مرسل من الطريقين المذكورين.