← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

قال أبو عمر: فيه إباحة الإشعار بالجنازة والإعلام بها والاجتماع لها، وهذا أقوى من حديث حذيفة: "أنه كان إذا مات له ميت قال: لا تؤذنوا به أحدًا؛ فإني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله ﵇ نهى عن النعي". وإلى هذا ذهب جماعة من السلف. فإن قيل: حديث حذيفة حسّنه الترمذي (١). وجاء عن ابن مسعود أيضًا قال: قال رسول الله ﵇: "إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية، قال عبد الله: والنعي أذان بالميت". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (٢). قال البيهقي (٣): ويروى النهي أيضًا عن ابن عمر وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعلقمة وإبراهيم النخعي والربيع بن خثيم. وفي "المصنف" (٤): وأبي وائل وأبي ميسرة وعلي بن الحسن وسويد بن غفلة ومطرف بن عبد الله ونصر بن عمران أبي حمزة. قلت: التوفيق بين الحديثين: أن حديث النجاشي لم يكن نعيًّا، إنما كان مجرد إخبار بموته، فسمي نعيًّا لتشبهه به في كونه إعلامًا، وكذا يقال في جعفر بن أبي طالب وأصحابه. قال ابن بطال: إنما نعى ﵇ النجاشي وصلى عليه؛ لأنه كان عند بعض الناس على غير الإسلام، فأراد إعلامهم بصحة إسلامه.

стр. 3607

وفيه نظر؛ لنعيه ﵇ جعفرًا وأصحابه. وحمل بعضهم النعي على نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وشبهها، وأيضًا فحذيفة لم يجزم بكون الإعلام نعيًا، إنما قال: أخاف أن يكون نعيًا. وفي "المهذب" لأبي إسحاق: يكره نعي الميت والنداء عليه للصلاة وغيرها، وذكر الصيدلاني وجهًا أنه لا يكره، وقيل: لا يستحب، وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب لا لغيره، وبه قال ابن عمر. وقال ابن الصباغ: يكره النداء ولا بأس بتعريف أصدقائه، وهو قول أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: لا بأس به. وقال ابن قدامة: ويكره النعي وهو أن يبعث مناديًا ينادي في الناس: إن فلانًا مات ليشهدوا جنازته، واستدل بحديث حذيفة، ثم قال: واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم منهم عبد الله بن مسعود وأصحابه وعلقمة والربيع بن خثيم وعمرو بن شرحبيل. وقال كثير من أهل العلم: لا بأس أن يُعلم بالرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل من غير نداء. والله أعلم. الخامس: فيه الصلاة على الغائب، استدل بذلك الشافعي وأحمد في رواية على جواز الصلاة على الغائب، قال النووي: فإن كان الميت في بلد فالمذهب أنه لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده وقيل يجوز وفي الرافعي: ينبغي أن لا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع أو ثلاثمائة تقريبًا، وفي "المغني": وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيستقبل القبلة ويصلي عليه كصلاته على حاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن، وبهذا قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى كقولهما. انتهى.

стр. 3608

وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله ﵇ وصدقه على نبوته، إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلا أنه كان بين ظهراني أي أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحق الصلاة عليه؛ فلزم رسول الله ﵇ أن يفعل ذلك إذا هو نبيه ووليه وأحق الناس به؛ فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه من الصلاة عليه فإنه لا يصلى عليه من كان ببلد آخر غائبًا عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كانت السنة أن يصلى عليه، ولا يترك ذلك لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة، وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي ﵇ كان مخصوصًا بهذا الفعل؛ إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي؛ لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له الأرض حتى تبصر مكانه، هذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﵇ إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة كان علينا متابعته والاتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك: أنه ﵇ خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم، فصلوا معه فعلم أن هذا التأويل فاسد. قلت: هذا التشنيع كله على الحنفية والمالكية، ولكن من غير توجيه، فنقول ما يبين لك فساد كلامه، وهو أن النبي ﵇ رفع له سرير النجاشي فرآه فتكون الصلاة عليه كميت يراه الإمام ولا يراه المأموم. وقد قال قال أبو عمر بن عبد البر: (١): وأكثر أهل العلم يقولون: هذا خصوص للنبي ﵇ بأن أحضر روح النجاشي بين يديه حيث شاهده وصلى عليه، أو رفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته. وقد روي: "أن جبريل ﵇ أتاه بروح جعفر أو جنازته، وقال: قم فصل عليه". فهذا وما كان مثله يدل على الخصوصية.

стр. 3609

وروى ابن حبان في "صحيحه" (١): في النوع الحادي والأربعين من القسم الخامس من حديث عمران بن الحصين أن النبي ﵇ قال: "إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا صلوا عليه، فقام رسول الله ﵇ وصلوا خلفه فكبر أربعًا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه". وقال المهلب: ومما يدل على الخصوصية: أنه لم يصل على أحد من المسلمين ومتقدمي المهاجرين والأنصار الذين ماتوا في أقطار البلدان، وعلى هذا جرى عمل المسلمين؛ لأن الصلاة عليها من فروض الكفاية يقوم بها من صلى على الميت في البلد الذي يموت بها، ولم يكن بحضرة النجاشي مسلم، يصلى عليه. قلت: قد مات خلق كثير من الصحابة ﵃ في حياة النبي ﵇ وهم غائبون عنه وسمع بهم فلم يصلي عليهم إلا ثلاثة أنفس: أحدهم: معاوية بن معاوية المزني، ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره. روى حديثه الطبراني "معجمه الوسط"، (٢) وكتاب "مسند الشاميين" (٣): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا نوح بن عمر بن حُوَي السكسكي، ثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة قال: "كنا مع رسول الله ﵇ بتبوك، فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: نعم، فضرب بجناحه على الأرض، ورفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع وقال النبي ﵇ لجبريل ﵇ بم أدرك هذا، قال: لحبه سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقراءته إياها، جائيا وذاهبًا، وقائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال".

стр. 3610

ورواه ابن سعد في "الطبقات" في ترجمة معاوية بن معاوية المزني- قال: ويقال: الليثي -من حديث أنس فقال: أنا يزيد بن هارون، ثنا العلاء أبو محمد الثقفي، سمعت أنس بن مالك قال: "كنا مع رسول الله ﵇ ... " فذكر نحوه. أخبرنا (١) عثمان بن الهيثم البصري، ثنا محبوب بن هلال المزني، عن ابن أبي ميمونة، عن أنس، وذكر نحوه. وبسند ابن سعد الأول رواه البيهقي (٢) وضعفه. قال النووي في "الخلاصة": والعلاء بن زيد ويقال: ابن يزيد اتفقوا على ضعفه، قال البخاري وابن عدي وأبو حاتم: هو منكر الحديث. قال البيهقي: وروي من طرق أخرى ضعيفة. والثاني والثالث: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ﵂ ورد أنه كشف له عنهما. أخرجه الواقدي في كتاب "المغازي" (٣) فقال: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة. وحدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر قالا: "لما التقى الناس بمؤتة جلس النبي ﵇ على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال ﵇: أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد فصلى عليه ودعى له، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ﵁ فمضى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ﵇ ودعى له، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث يشاء. وهو مرسل من الطريقين المذكورين.

стр. 3611

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي غالب، عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ كان يكبر أربع تكبيرات على الميت". ش: الحماني هو يحيى بن عبد الحميد أبو زكرياء الكوفي ثقة، وثقه أحمد وغيره إلا أنه شيعي، وعن النسائي: ضعيف. ونسبته إلى حمان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم- قبيلة من تميم. وأبو غالب البصري ويقال الأصبهاني قيل: اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور وقيل: نافع، فالترمذي تارة صحح حديثه، وتارة حسنه. ص: وقالوا: في حديث زيد بن أرقم الذي بدأنا بذكره في هذا الباب أنه كان يكبر على الجنائز أربعًا قبل المرة التي فيها كبر خمسًا، فلا يجوز أن يكون كان يفعل ذلك، وقد كان رأي النبي ﵇ يفعل خلافه إلا لمعنى قد رأى النبي ﵇ يفعله، وهو ما رواه عنه أبو سلمان المؤذن في صلاته على أبي سريحة ﵁، وفي تكبيره عليه أربعًا. ويحتمل تكبيره على تلك الجنائز خمسًا أن يكون ذلك لأن حكم ذلك الميت أن يكبر عليه خمسًا، لأنه من أهل بدر؛ فإنهم قد كانوا يفضلون في التكبير في الصلاة عليهم على ما يكبر على غيرهم. ش: أي قال الآخرون، وهم أهل المقالة الثانية، وأراد به الجواب عن حديث زيد بن أرقم المذكور في أوّل الباب الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن زيد بن أرقم ﵁ كان يكبر أربعًا ثم كبر خمسًا مرة، على ما رواه ابن أبي ليلى عنه، فلا يجوز أن يصدر منه هذا الفعل والحال أنه قد كان رأى النبي ﵇ يفعل بخلافه إلا لأجل معنى وقف عليه من جهة النبي ﵇، وهو ما رواه عنه أبو سلمان المؤذن في صلاته على أبي سريحة بأربع تكبيرات، ثم يحتمل تكبيره خمسًا في تلك المرة التي رواها عنه ابن أبي ليلى أن يكون لأجل حكم ذلك الميت أن يكبر عليه خمسًا؛ لأنه كان من أهل بدر، وقد كان أهل بدر يفضلون في التكبير في الصلاة عليهم على ما

стр. 3612

يكبر على غيرهم، على ما يجيء: "أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله ﵇ خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا". وروى الحازمي في كتابه "الناسخ والمنسوخ" عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي المروزي، نا نافع أبو هرمز، نا أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ كبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم سبع تكبيرات، وكان آخر صلاته أربعًا، حتى خرج من الدنيا". قال: وإسناده واهٍ، وقد روي آخر صلاته كبر أربعًا من عدة روايات كلها ضعيفة، ولذلك جعل بعض العلماء الأمر على التوسع، وأن لا وقت ولا عدد، وجمعوا بين الأحاديث وقالوا: كان النبي ﵇ يفضل أهل بدر على غيرهم وكذا بني هاشم فكان يكبر عليهم خمسًا وعلى من دونهم أربعًا، وأن الذي أخر صلاة النبي ﵇ لم يكن الميت من بني هاشم ولا من أهل بدر. ص: وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر ﵁: "كل ذلك قد كان خمس وأربع، فأمر عمر الناس بأربع يعني في الصلاة على الجنازة". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد يعني ابن أبي أنيسة، عن حماد، عن إبراهيم قال: "قبض رسول الله ﵇ والناس مختلفون في التكبير على الجنازة، لا تشاء أن تسمع رجلًا [يقول] (١): سمعت رسول الله ﵇ يكبر سبعًا، وآخر يقول: سمعت رسول الله ﵇ يكبر خمسًا، وآخر يقول: سمعت رسول الله ﵇ يكبر أربعًا ألا سمعته، فاختلفوا في ذلك، فكانوا على ذلك حتى قبض أبو بكر ﵁، فلما ولي عمر ﵁ ورأى اختلاف الناس في ذلك شق ذلك عليه جدًّا، فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله ﵇ فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله ﵇ متى تختلفون على الناس يختلفون من

стр. 3613

بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا أمرًا تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نِعْمَ ما رأيتَ يا أمير المؤمنين فأشر علينا، فقال عمر ﵁: بل أشيروا عليَّ، فإنما أنا بشر مثلكم، فتراجعوا الأمر بينهم، فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى والفطر أربع تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك". فهذا عمر ﵁ قد رد الأمر في ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله ﵇ بذلك عليه، وهم حضروا من فعل رسول الله ﵇ ما رواه حذيفة وزيد بن أرقم، فكانوا ما فعلوا من ذلك عندهم هو أولى مما قد كانوا علموا، فذلك نسخ لما قد كانوا علموا؛ لأنهم مأمونون على ما قد فعلوا كما كانوا مأمونين على ما قد رووا، وهكذا كما أجمعوا عليه بعد النبي ﵇ في التوقيت على حد الخمر، وترك بيع أمهات الأولاد فكان إجماعهم على ما قد أجمعوا عليه من ذلك حجة، وإن كانوا قد فعلوا في عهد النبي ﵇ خلافه، فكذلك ما أجمعوا عليه من محدد التكبير بعد النبي ﵇ في الصلاة على الجنازة؛ فهو حجة وإن كانوا قد علموا من النبي ﵇ خلافه، وما فعلوا من ذلك واجتمعوا عليه بعد النبي ﵇ فهو ناسخ لما قد كان فعله النبي ﵇. ش: أشار بهذا الذي أخرجه عن عمر بن الخطاب ﵁ أن التكبيرات على الجنازة لم تكن موقته على عهد النبي ﵇، ثم أشار بالذي أخرجه عن إبراهيم النخعي: أن الإجماع قد أنعقد على الأربع في أيام عمر بن الخطاب ﵁. أما الأول فأخرجه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبد الله الكوفي الفقيه الأعمى، عن سعيد بن المسيب، والآخر عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة ... إلى آخره.

стр. 3614

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن فضيل، عن العلاء، عن عمرو ابن مرة، قال: قال عمر ﵁: "كل قد فعل فتعالوا نجتمع على أمر يأخذ به من بعدنا، فكبروا على الجنازة أربعًا". فإن قلت: هل سمع سعيد بن المسيب عمر بن الخطاب. قلت: نعم، وقد قال أبو طالب لأحمد بن حنبل: سعيد، عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يقبل؟ وأما الثاني: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي الرقي نزيل مصر وثقه أبو حاتم، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الرقي، روى له الجماعة، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري أبي أسامة الرهاوي روى له الجماعة، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة ثقة كبير، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه محمد بن الحسن في "آثاره" أنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمسًا وستًّا وأربعًا حتى قبض النبي ﵇، ثم كبروا بعد ذلك في ولاية أبي بكر ﵁ حتى قبض أبو بكر، ثم صلي عمر بن الخطاب ﵁ ففعلوا ذلك في ولايته، فلما رأى عمر بن الخطاب، قال: إنكم معشر أصحاب محمد متى تختلفون يختلف من بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية، فأجمعوا على شيء يجتمع به عليه من بعدكم، فأجمع رأي أصحاب محمد أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها رسول الله ﵇ حتى قبض، فيأخذون به، فيرفضون ما سوى ذلك، فنظروا فوجدوا آخر جنازة كبر عليها رسول الله ﵇ أربعًا". قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفة" (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عامر

стр. 3615

عن أبي وائل قال: "جمع عمر ﵁ الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقال بعضهم: كبر رسول الله ﵇ خمسًا، وقال بعضهم: كبر سبعًا، وقال بعضهم: كبر أربعًا، قال: فجمعهم على أربع تكبيرات كأطول الصلاة". قوله: "إلا سمعته" متعلق بقوله: "لا تشاء أن تسمع". قوله: "فاختلفوا في ذلك" أي في عدد التكبير على الجنازة، فكانوا على هذا الحكم حتى قبض أبو بكر ﵁. قوله: "شق ذلك" جواب لقوله: "فلما ولي عمر ﵁". قوله: "إنكم معاشر أصحاب رسول الله ﵇" المعاشر جمع معشر، قال الجوهري: المعاشر جماعات الناس، والواحد معشر، من العشير: القبيلة، والمُعاشر: والزوج وأصل ذلك كله من العشرة وهي الصحبة. وقوله: "مَعَاشِر" منصوب بحرف نداء محذوف، وخبر "إن". قوله: "متى تختلفون" والتقدير: إنكم يا معاشر أصحاب رسول الله ﵇، والجملة الندائية معترضة بين اسم إن وخبرها. قوله: "نِعْمَ ما رأيت" أي نِعْمَ الرأي الذي رأيت. قوله: "مثل التكبير في الأضحى والفطر" أي مثل عدد التكبير في عيد الأضحى وعيد الفطر أربع تكبيرات، وهذا التشبيه إنما يتمشى على قول أصحابنا؛ لأن عندهم التكبيرات الزائدة في كل واحد من العيدين أربع تكبيرات في الركعة الأولى بعد القراءة، وبتكبيرة الإحرام تكون خمس تكبيرات، وأما في الركعة الثانية فالزوائد ثلاث تكبيرات بعد القراءة وبتكبيرة الركوع تكون أربع تكبيرات، وروى أبو عائشة جليس لأبي هريرة: "أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفة كيف كان رسول الله ﵇ يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيرة على الجنازة، فقال حذيفة: صدق".

стр. 3616

وقال أحمد بن حنبل: يكبر في الركعة الأولى سبعًا مع تكبيرة الإحرام ولا يعتدّ بتكبيرة الركوع؛ لأن بينهما قراءة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات ولا يعتد بتكبيرة النهوض، ثم يقرأ في الثانية، ثم يكبر ويركع. وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، والمزني. وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وابن عمر ويحيى الأنصاري قالوا: يكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، وبه قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق؛ إلا أنهم قالوا: يكبر سبعًا في الأولى سوى تكبيرة الافتتاح. وروي عن ابن عباس وأنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي: يكبر سبعًا سبًعا. وفي "الأحكام" لابن بزيزة: اختلف العلماء في تكبير العيد على نحو اثني عشر قولًا. قوله: "فأجمع أمرهم على ذلك" على صيغة المجهول أي على أن التكبير في الجنازة أربع. قوله: "بمَشُورة" بفتح الميم وضم الشين وجاء بسكون الشين أيضًا، وكلاهما بمعنى الشورى، من شاورته في الأمر واستشرته، وأصله من الشَّوْر وهو عرض الشيء وإظهاره، ومنه يقال للجمال والحسن: الشُّوَرة والشارة، وفي الحديث: "أن رجلًا أتاه وعليه شارة حسنة، أي هيئة وألفها مقلوبة من الواو، والشَّوَار بالفتح متاع البيت. قوله: "وهم قد حضروا" أي والحال أن الصحابة قد حضروا من فعل رسول الله ﵇ ما رواه حذيفة بن اليمان من تكبيره ﵇ على الجنازة خمسًا، وما رواه زيد بن أرقم كذلك، وقد مر حديثهما في أول الباب.

стр. 3617

قوله: "فذلك نسخ لما قد كانوا علموا" فإن قيل: كيف يثبت النسخ بالإجماع؟ لأن الإجماع لا يكون إلا بعد النبي ﵇ وآوان النسخ حياة النبي ﵇ للاتفاق على أن لا نسخ بعده. قلت: قد جَوَّزَ ذلك بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع موجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور، فجوازه بالإجماع أولى على أن ذلك الإجماع بينهم إنما كان على ما استقر عليه آخر أمر النبي ﵇ الذي قد رفع كل ما كان قبله مما يخالفه، فصار الإجماع مظهرًا لما قد كان في حياة النبي ﵇ فافهم. حتى قال بعضهم: إن حديث النجاشي هو الناسخ؛ لأنه مخرج في "الصحيح" من رواية أبي هريرة، قالوا: وأبو هريرة متأخر الإسلام، وموت النجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة. فإن قيل: إن كان في حديث أبي هريرة ما يدل على التأخير فليس في تلك الأحاديث المنسوخة ما يدل على التقديم، فليس أحدهما أولى بالتأخير من الآخر. قلت: قد ورد التصريح بالتأخير من رواية ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى وجابر ﵃. قوله: "وهذا كما أجمعوا عليهم" أي هذا الإجماع على أن تكبيرات الجنازة أربع بعد النبي ﵇ كالذي أجمعوا عليه بعده ﵇ في التوقيت على حد الخمر، وذلك لأنه لم يكن في زمن النبي ﵇ حد موقت في الخمر، ولا في زمن أبي بكر ﵁، ولا في صدر من خلافة عمر بن الخطاب ﵇، وإنما كانوا يقومون إلى الشارب بأيديهم ونعالهم، فلما رأى عمر ﵁ أنهم لا يمتنعون عن ذلك جلد أربعين إلى أن عَتَوا وبَغَوا فجلدهم ثمانين، فاستقر الأمر عليه.

стр. 3618

والدليل على ذلك: ما رواه البخاري (١): عن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله ﵇ وإمرة أبي بكر ﵁ وصدرًا من خلافة عمر ﵁ فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى إذا كان آخر إمرة عمر بن الخطاب فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين". وروي البخاري، (٢) ومسلم (٣) بإسنادهما: عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال: عبد الرحمن أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر ﵁". وأخرج أبو داود (٤): عن عبد الرحمن بن أزهر: "أن رسول الله ﵇ أتي بشارب خمر وهو بحنين فحثى في وجهه التراب، ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتى قال لهم؛ ارفعوا، ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر ﵁ صدرًا من إمارته أربعين، ثم جلد ثمانين في آخر خلافته، وجلد عثمان الحدَّين كليهما ثمانين وأربعين، ثم أثبت معاوية الحد ثمانين". قوله: "وترك بيع أمهات الأولاد" يعني كما أجمعوا على ذلك بعد النبي ﵇ مع أنهم كانوا يبيعونها في زمن النبي ﵇، والدليل عليه قول جابر ﵁: "كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﵇". وقد روي عن أبي سعيد الخدري مثل ذلك أيضًا، ولكن أجمعت الصحابة بعد النبي ﵇ على المنع من بيعهن، وسند الإجماع في ذلك: ما روي: "أن رسول الله ﵇ قال في مارية حين ولدت إبراهيم: أعتقها ولدها.

стр. 3619

فإن قيل: كيف يكون هذا إجماعًا وعلي ﵁ كان يبيع أمهات الأولاد، ولهذا تعلقت به طائفة منهم: داود إتباعًا لعلي ﵁ وحكي ذلك أيضًا عن الشافعي، فإنه قال في بعض كتبه بإجازة بيعهن. قلت: قد اختلف في ذلك عن علي ﵁ اختلافًا كثيرًا وأصح شيء عنه في ذلك ما ذكره الحلواني قال: ثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: سمعت عبيدة يقول: "كان علي ﵁ يبيع أمهات الأولاد في الدين". وقد صح عن عمر في جماعة من الصحابة المنع من بيعهن، والشافعي أيضًا قطع في مواضع كثيرة من كتبه بأنه لا يجوز بيعهن، وعلى ذلك عامة أصحابه، والقول بذلك شاذ لا يلتفت إليه. ص: فإن قال قائل: وكيف يكون ذلك ناسخًا وقد كبر علي بن أبي طالب ﵁ بعد ذلك أكثر من أربع؟ وذكروا في ذلك ما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ثنا عامر، عن عبد الله بن معقل: "أن عليًّا ﵁ صلى على سهل بن حنيف ﵁ فكبر عليه ستًّا". حدثنا يزيد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا موسى بن عبد الله: "أن عليًّا ﵁ صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا". قيل له: إنما فعل ذلك؛ لأن أهل بدر كانوا كذلك حكمهم في الصلاة عليهم، يزاد فيها التكبير على ما يكبر على غيرهم من سائر الناس، والدليل على ذلك: أن إبراهيم بن محمد الصيرفي. حدثنا قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن معقل قال: "صليت مع علي ﵁ على جنازة فكبر عليها خمسًا، ثم التفت فقال: إنه من أهل بدر، ثم صليت مع علي ﵁ على جنائز كل ذلك كان يكبر عليها أربعًا". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن ابن معقل قال: "صلى علي ﵁ على سهل بن حنيف، فكبر عليه ستًّا، ثم التفت إلينا فقال: إنه من أهل بدر".

стр. 3620

حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا حفص بن غياث، عن عبد الملك ابن سلع الهمداني، عن عبد خير قال: "كان علي ﵁ يكبى على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب النبي ﵇ خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا. فهكذا كان حكم الصلاة على أهل بدر. وقد حدثني القاسم بن جعفر قال: ثنا زيد بن أخزم الطائي، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا سليمان بن بشير قال: "صليت خلف الأسود بن يزيد وهمام بن الحارث وإبراهيم النخعي، فكانوا يكبرون على الجنائز أربعًا. قال همام بن الحارث: وجمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على أربع إلا على أهل بدر، فإنهم كانوا يكبرون عليهم خمسًا وسبعًا وتسعًا". فدل ما ذكرنا أن ما كانوا اجتمعوا عليه من عدد التكبير الأربع في عهد عمر ﵁ إنما كان على غير أهل بدر، وتركوا حكم أهل بدر على ما فوق الأربع فما روي عن زيد بن أرقم مما ذكرنا، إنما هو لأنه كان ذهب إلى هذا المذهب فيما يرى. والله أعلم. ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف يكون إجماع الصحابة ناسخًا لما زاد على التكبيرات الأربع على الجنازة بمشورة عمر بن الخطاب، والحال أن علي بن أبي طالب ﵁ كبر بعد ذلك بأكثر من أربع، وذلك حين صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستًّا، وعلى أبي قتادة فكبر عليه سبعًا؟ وأخرج الأول بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي أيضًا، عن يحيى بن سعيد القطان الأحول، روى له الجماعة، عن إسماعيل بن أبي خالد البجلي الكوفي روى له الجماعة، واسم أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير. عن عامر بن شراحيل الشعبي روى له الجماعة، عن عبد الله بن مَعْقِل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- بن مُقَرِّن -بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون- المزني الكوفي، روى له الجماعة، أبو داود في "المراسيل".

стр. 3621

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن شعبة، عن ابن الأصبهاني، عن عبد الله بن مَعْقِل، عن علي ﵁: "أنه كبر على بن حنيف ستّا". ثنا (٢) وكيع، قال: أنا إسماعيل، عن الشعبي، عن ابن معقل: "أن عليًّا كبر على سهل بن حنيف ستًّا". وأخرج الثاني: أيضًا بإسناد صحيح عن هؤلاء المذكورين، غير أن في موضع عامر: موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي الكوفي، وثقه يحيى والعجلي وابن حبان والدارقطني، وروى له الجماعة غير البخاري والنسائي، لكن الترمذي في "الشمائل". وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن موسى بن عبد الله بن يزيد قال: "صلى علي ﵁ على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا". قلت: اسم أبي قتادة الحارث بن ربعي، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وقيل غير ذلك. فإن قيل: أخرج البيهقي (٤) هذا: من حديث عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن موسى بن عبد الله بن يزيد: "أن عليًّا ﵁ صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا، وكان بدريًّا". ثم قال البيهقي: هكذا روي وهو غلط؛ لأن أبا قتادة بقي بعد عليّ ﵁ مدة طويلة. قلت: رجال ما أخرجه الطحاوي من طريقين ورجال ما أخرجه هو أيضًا ثقات، وهذا أخرجه ابن أبي شيبة (٣): بإسناد صحيح، فكيف يكون غلطًا، وإنما

стр. 3622

غَرَّ البيهقي قول من قال: إن أبا قتادة توفي سنة أربع وخمسين، وهذا قول غير صحيح، وقد بينا الكلام فيه في باب الجلوس في التشهد مستقصى. وتقرير الجواب أن يقال: إن أهل بدر ﵃ كانوا يفضلون على غيرهم حتى في التكبير في الصلاة على موتاهم؛ فلأجل ذلك فعل علي ما فعل من تكبيره ستًّا على سهل بن حنيف، وتكبيره سبعًا على أبي قتادة. وسهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، والدليل على ذلك ما رواه عبد الله بن معقل وعبد خير عن علي ﵁. وأخرج ما رواه عبد الله بن معقل من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن محمد الصيرفي، عن عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة روى له الجماعة، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ليس بالقوي. وعنه: ضعيف الحديث. وقال ابن عدي: وهو من شيعة أهل الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه. روى له مسلم مقرونًا بغيره، وروى له الأربعة. عن عبد الله بن معقل وقد ذكر الآن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن معقل قال: "كبر علي ﵁ في سلطانه أربعًا أربعًا ها هنا؛ إلا على سهل بن حنيف فإنه كبر عليه ستًّا، ثم التفت إليهم فقال: إنه بدري". والثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن جابر بن يزيد الجعفي فيه مقال، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن معقل.

стр. 3623

وأخرج ما رواه عبد خير بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها روى له الجماعة، عن عبد الملك بن سلع الهمْداني الكوفي، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي في "مسند علي". عن عبد خير بن يزيد الهمْداني الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وروى له الأربعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص عن عبد الملك بن سلع، عن عبد خير قال: "كان علي ﵁ يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله ﵇ خمسًا، وعلى الناس أربعًا". قوله: "وقد حدثني القاسم بن جعفر ... " إلى آخره، أشار به إلى أن إجماع عمر بن الخطاب مع الصحابة على أن التكبيرات على الجنائز أربع، خارج عن حكم أهل بدر، فإن حكمهم مستثنى من ذلك الإجماع، باق على ما كانوا يكبرون عليهم خمسًا وسبعًا وتسعًا، والقاسم بن جعفر بن شذونة أبو محمد البصري نزيل مصر، روى عن زيد بن [أخرم بالخاء المعجمة والراء المهملة] (٢) الطائي النبهاني أبي طالب البصري الحافظ شيخ الجماعة سوى مسلم، عن يعلى بن عبيد بن أبي أمية الإيادي الكوفي، روى له الجماعة، عن سليمان بن بشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- ويقال سليمان بن يُسَيْر بضم الياء آخر الحروف في أوله، وفتح السين المهملة- ويقال: ابن أسير -بضم الهمزة موضع الياء- ويقال: ابن سقير، ويقال: ابن قسيم، ويقال: ابن قسم أبو الصباح النخعي الكوفي، قال يحيى: ضعيف ليس بشيء. وقال أحمد: لا يساوي شيئًا. وقال الفلاس: منكر الحديث. وقال البخاري:

стр. 3624

ليس بالقوي عندهم. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: متروك. روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في فضل القرض. ص: وقد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: أنا حماد بن سلمة، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة بن قيس قال: "قدم ناس من أهل الشام فمات لهم ميت، فكبروا عليه خمسًا، فأردت أن ألَاحيهم، فأخبرت ابن مسعود ﵁ فقال: ليس فيه شيء معلوم". فهذا عندنا يحتمل ما ذكرنا في اختلاف حكم الصلاة على البدريين وعلى غيرهم، فكان عبد الله أراد بقوله "ليس فيه شيء فمعلوم" أي ليس فيه شيء يكبر في الصلاة على الناس جميعًا لا يجاوز إلى غيره، وقد روي هذا الحديث بغير هذا اللفظ. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الشيباني، قال: ثنا عامر، عن علقمة، أنه ذكر ذلك لعبد الله فقال عبد الله: "إذا تقدم الإمام فكبروا بما كبر؛ فإنه لا وقت ولا عدد". وهذا عندنا معناه ما ذكرنا أيضًا؛ لأن الإمام قد كان يصلي حينئذ على بدريين وعلى غيرهم، فإن صلى على البدريين فكبر عليهم كما يكبر على البدريين -وذلك ما فوق الأربع- فكبروا ما كبر، وإن صلى على غير البدريين فكبر أربعًا -كما يكبر عليهم- فكبروا كما كبر لا وقت ولا عدد في التكبير في الصلاة على جميع الناس من البدريين وغيرهم لا يجاوز ذلك إلى ما هو أكثر منه. وقد روي هذا الحديث أيضًا، عن عبد الله بغير هذا اللفظ. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله قال: "التكبير على الجنازة لا وقت ولا عدد إن شئت أربعًا وإن شئت خمسًا، وإن شئت ستًّا". فهذا معناه غير معنى ما حكى عامر عن علقمة، وما حكى عامر عن علقمة من هذا فهو أثبت؛ لأن عامرًا قد لقي

стр. 3625

علقمة وأخذ عنه، وأبو إسحاق فلم يلقه ولم يأخذ عنه، ولأن عبد الله قد روي عنه في التكبير أنه أربع، من غير هذا الوجه. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: نا شعبة، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، قال: سمعت عبد الله ﵁ يقول: "التكبير على الجنائز أربع كالتكبير في العيدين". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قالا: ثنا سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، عن عبد الله قال: "التكبير في العيدين أربع كالصلاة على الميت". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن علي بن الأقمر ... فذكر بإسناده مثله. فهذا عبد الله لما سئل عن التكبير على الجنازة؛ أخبر أنه أربع، وأمرهم في حديث علقمة أن يكبروا ما كبر أئمتهم؛ فلو انقطع الكلام على ذلك لكان وجه حديثه عندنا على أن أصل التكبير عنده أربع، وعلى أن من صلى خلف من يكبر أكثر من أربع كبر كما كبر إمامه؛ لأنه قد فعل ما قد قاله بعض العلماء، وقد كان أبو يوسف يذهب [إلى هذا] (١) القول ولكن الكلام لم ينقطع على ذلك، وقال: "لا وقت ولا عدد" فدل ذلك على أن معناه في ذلك: لا وقت عندي للتكبير في الصلاة على الجنائز ولا عدد، على المعنى الذي ذكرناه في أهل بدر وغيرهم، أي لا وقت ولا عدد في التكبير في الصلاة على الناس جميعًا، ولكن جملته: لا وقت لها ولا عدد إن كان أهل بدر هكذا حكم الصلاة عليهم والصلاة على غيرهم، على ما روى عنه أبو عطية؛ حتى لايتضاد شيء من ذلك. ش: لما كان ما روي عن ابن مسعود.

стр. 3626

وهو الذي أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج ابن منهال الأنماطي البصري شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند دينار البصري، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عامر الشعبي، عن علقمة بن قيس بن عبد الله أبي شبل النخعي الكوفي روى له الجماعة- ينافي ما ذكره من انتساخ حكم التكبير الزائد على الأربع بحسب الظاهر، أورده أولًا ثم أورد عنه أيضًا ما روى على الاختلاف في المعنى واللفظ؛ ليوجه ذلك ويصحح معانيه ويُنَزِّلها على ما ذكره أولًا، ويدفع بذلك أيضًا ما يظهر بين رواياته من التنافي والتضاد. بيان ذلك: أن قوله ليس فيه شيء معلوم يفهم منه بحسب الظاهر أي لا ينحصر التكبير في الجنازة على الأربع، ولكن يحتمل أن يكون معناه مثل ما ذكرنا في اختلاف حكم الصلاة على من كان من أهل بدر وعلى من كان من غيرهم، والمعنى ليس فيه شيء أنه يكبر في الصلاة على الناس جميعًا لا يُجَاوز إلى غيره، يعني إن كان من البدريين لا يجاوز التكبير عليهم عن ما روي من الست والسبع والتسع، وإن كان من غيرهم لا يجاوز عن الأربع. وقد روي هذا الحديث -يعني حديث ابن مسعود هذا- بغير اللفظ المذكور. وهو ما أخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أحمد بن داود المكي، عن موسى ابن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، روى له الجماعة، عن سليمان بن أبي سليمان الشيباني، روى له الجماعة، عن عامر الشعبي، عن علقمة بن قيس، أنه ذكر ذلك. وأشار به إلى قوله: "قدم ناسٌ من أهل الشام فمات لهم ميت، فكبروا عليه خمسًا، فقال عبد الله بن مسعود: إذا تقدم الإمام فكبروا بما كبر؛ فإنه لا وقت ولا عدد".

стр. 3627

وأخرجه ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علقمة بن قيس: "أنه قدم من الشام فقال لعبد الله: إني رأيت معاذ بن جبل وأصحابه بالشام يكبرون على الجنائز خمسًا، فوقتوا لنا وقتا نتابعكم عليه، قال: فاطرق عبد الله ساعة ثم قال: كبروا ما كبر إمامكم، لا وقت ولا عدد". وهذا الحديث أيضًا معناه ما ذكر الآن، يعني: إن كان الإمام يصلي على البدريين فكبروا مثل ما كبر ستًّا أو سبعًا أو تسعًا لا يجاوز إلى غير ذلك، وإن كان يصلي على غيرهم فكبروا أربعًا، لا يجاوز ذلك إلى ما هو أكثر منه. وقد روي هذا الحديث المذكور عن عبد الله بغير اللفظ المذكور. وهو ما أخرجه بإسناد منقطع على ما نبينه: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن علقمة، عن عبد الله قال: "التكبير على الجنازة لا وقت ولا عدد ... " إلى آخره. وهذا يخالف ما رواه عامر الشعبي عن علقمة، ولكن هذا منقطع؛ لأن أبا إسحاق لم يلق علقمة ولا أخذ منه، والذي رواه الشعبي عنه صحيح متصل؛ لأن الشعبي لقي علقمة وأخذ عنه؛ فإذا كان كذلك لا يعارض هذا ما رواه الشعبي عن علقمة عن عبد الله. ثم أشار إلى بيان صحة التأويل الذي ذكره وإلى ضعف ما رواه أبو إسحاق عن علقمة بقوله: "ولأن عبد الله قد روي عنه في التكبير أنه أربع". وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن علي بن الأقمر بن عمرو بن الحارث الوادعي أبي الوازع الكوفي روى له الجماعة، عن

стр. 3628

أبي عطية الوادعي الكوفي اسمه مالك بن أبي حمرة، وقيل: مالك بن عامر، وقيل: عمرو بن جندب، وقيل: غير ذلك، روى له الجماعة سوى ابن ماجه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن مسعر وسفيان وشعبة، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية قال: قال عبد الله: "التكبير على الجنائز أربع تكبيرات بتكبيرة الخروج". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، عن عبد الله. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان، عن علي بن الأقمر ... إلى آخره. الرابع: عن أبي بكرة أيضًا، عن روح بن عبادة شيخ البخاري، عن شعبة، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، عن عبد الله. قوله: "فهذا عبد الله لما سئل ... " إلى آخره، بيانه: أن عبد الله بن مسعود لما سئل عن تكبيرات الجنازة قال: أربع، فدل على أن مذهبه في هذا هو مذهب ما ذهب إليه من يقول بانتساخ ما زاد على الأربع، غير الزيادة التي في حكم البدريين، والباقي ظاهر. قوله: "لأنه قد فعل ما قد قاله بعض العلماء" أي لأن من صلى خلف من يكبر أكثر من أربع فعل في متابعته إمامه في تلك الزيادة ما قد قاله بعض العلماء، وهم بكر بن عبد الله وأحمد بن حنبل في رواية وطائفة من الظاهرية. وقد كان أبو يوسف أيضًا يذهب إلى هذا القول. وقال ابن قدامة: ظاهر كلام الخرقي: أن الإمام إذا كبر خمسًا تابعه المأموم، وإذا زاد على خمس فعن أحمد يتابع إمامه إلى سبع، ثم لا يزاد على سبع، ولا يسلم إلا مع الإمام، وهذا قول بكر بن عبد الله المزني.

стр. 3629

قوله: "أن أُلاحيهم" من الملاحاة -بالحاء المهملة- وهي المنازعة، ومنه حديث ليلة القدر: "تلاحى رجلان فرفعت" (١) أي تنازع. والله أعلم. ص: ثم قد روي عن أكثر أصحاب رسول الله ﵇ في صلاتهم على جنائزهم أنهم كبروا فيها أربعًا، فمما روى عنهم في ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل: "أن عمر بن الخطاب ﵁ جمع أصحاب رسول الله ﵇ فسألهم عن التكبير على الجنازة، فأخبر كل واحد منهم بما رأى وبما سمع، فجمعهم عمر ﵁ على أربع تكبيرات كأطول الصلوات: صلاة الظهر". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى القطان، قال: ثنا إسماعيل، عن عامر قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبزى قال: "صلينا مع عمر بن الخطاب على زينب بالمدينة، فكبر عليها أربعًا". حدثنا يزيد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ثنا عمير بن سعيد، قال: "صليت مع علي ﵁ على يزيد بن المكفف فكبر عليه أربعًا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن عمير مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عمير بن سعيد ... فذكر مثله. حدثنا علي، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمير بن سعيد، عن علي ﵁ مثله. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيب، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي حصين، عن موسى بن طلحة قال: "شهدت عثمان بن عفان ﵁ صلى على جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة، ثم كبر عليهم أربعًا".

стр. 3630

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن زيد بن طلحة قال: "صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة فكبر عليها أربعًا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ﵇، أن رجلًا من أصحاب النبي ﵇ أخبره: "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب سرًّا في نفسه، ثم يختم الصلاة في التكبرات الثلاث، قال الزهري: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سويد الفهري فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث، عن حبيب بن مسلمة في الصلاة على الجنازة مثل الذي حدثك أبو أمامة. حدثنا ابن أبي داود، وقال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق: "أن الحسن بن علي ﵄ كبر على علي بن أبي طالب ﵁ أربعًا، وهذا خلاف ما كان عمر وعلي ﵄ يريانه في أهل بدر أن يكبر في الصلاة عليهم ما جاوز الأربع". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد قال: "صليت خلف زيد بن ثابت على جنازة، فكبر عليها أربعًا، وصليت خلف أبي هريرة على جنازة فكبر عليها أربعًا". حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني شرحبيل بن سعد قال: "صلى بنا عبد الله بن عباس على جنازة فكبر أربع تكبيرات". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن مهاجر أبي الحسن قال: "صليت خلف البراء بن عازب على جنازة فقال: اجتمعتم؟ فقلنا: نعم، فكبر أربعًا".

стр. 3631

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "صليت خلف أبي هريرة ﵁ على جنائز من رجال ونساء، فسوى بينهم وكبر أربعًا". ش: أخرج عن تسعة أنفس من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يكبرون على الجنازة أربع تكبيرات، وهم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وحبيب بن مسلمة والحسن بن علي وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأبو هريرة ﵃ تأكيدًا لما ذكره من انتساخ حكم الزائد على الأربع. أما أثر عمر بن الخطاب ﵁ فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق بن جمرة -بالجيم والراء- الكوفي وثقه ابن حبان، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الكوفي ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: "كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﵇ سبعًا وخمسًا وستًّا وأربعًا، فجمع عمر ﵁ أصحاب رسول الله ﵇ فأخبر كل رجل بما رأى، فجمعهم عمر ﵁ على أربع تكبيرات كأطول الصلاة". الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن عامر الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى المختلف في صحبته ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (٢): ثنا حفص بن غياث ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى قال: "ماتت زينب

стр. 3632

بنت جحش فكبر عليها عمر أربعًا، ثم سأل أزواج النبي ﵇ من يدخل قبرها؟ فقلن من كان يدخل عليها في حياتها". قلت: ماتت زينب بنت جحش بن رباب الأسدية أم المؤمنين سنة عشرين من الهجرة، وكانت أول نساء النبي ﵇ لحوقًا به ﵂. وأما أثر علي بن أبي طالب فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن يزيد بن سنان، عن يحيى القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير بن سعيد النخعي الأصبهاني أبي يحيى الكوفي روى له الجماعة -سوى الترمذي- حديثًا واحدا. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): ثنا حفص، ثنا حجاج، عن عمير بن سعيد قال: "صليت خلف علي ﵁ على يزيد بن المكفف يكبر عليه أربعًا". الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن عمير بن سعيد. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث مسعر، عن عمير بن سعيد النخعي قال: "صليت خلف علي ﵁ على ابن المكلف فكبر عليه أربعًا ثم أتى قبره فقال: اللهم عبدك وولد عبدك نزل بك وأنت خير مُنْزَل به، اللهم وَسِّع له مداخله، واغفر له ذنبه، فإنا لا نعلم إلا خيرًا وأنت أعلم به". الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير بن سعيد. الرابع: عن علي بن شيبة أيضًا، عن قبيصة بن عقبة السُّوائي الكوفي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن عمير بن سعيد.

стр. 3633

وأما أثر عثمان بن عفان ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح: عن سليمان بن شعيب، عن الخَصيب -بفتح الخاء المعجمة- ابن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان. عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري روى له الجماعة، عن أبي حَصِين -يفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي روكل له الجماعة. عن موسى بن طلحة بن عبيد الله أبي محمَّد التيمي المدني روه له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة (١) مختصرًا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن شعبة، عن أبي حَصِين، عن موسى بن طلحة، عن عثمان ﵁: "أنه صلى على رجل وامرأة، فجعل الرجل مما يليه". ويستفاد منه: أن الجنائز إذا اجتمعت من الرجال والنساء، فالسنة أن يجعل الإمام الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة. وفي "الموطأ" (٢): عن مالك: "أنه بلغه أن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وأبا هريرة ﵃ كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة الرجال والنساء، فيجعلون الرجل مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة". وإلى هذا ذهب الشعبي والنخعي والزهري وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وفي "العيون" اجتمع جنائز جعل الرجل مما يلي الإمام ثم الصبي ثم الخنثى، ثم النساء بالإجماع. وفي "المصنف": عن سالم والقاسم: "النساء مما يلي الإمام، والرجال مما يلي القبلة" وكذا عن ليث وعطاء بن أبي رباح.

стр. 3634

وفي "المغني" (١) فإن اجتمع جنائز رجال ونساء، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يسوي بين رءوسهم، وهذا اختيار القاضي، وقول إبراهيم وأهل مكة، ومذهب أبي حنيفة. والرواية الثانية: أنه يصف الرجال صفًا والنساء صفًا ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال. وهذا اختيار أبي الخطاب. وأما أثر ابن عباس ﵄ فأخرجه من طريقين حسنين: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن زيد بن طلحة التيمي والد يعقوب بن زيد، وثقه ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن زيد بن طلحة قال: "شهدت ابن عباس كبر على جنازة أربعًا". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن موسى بن يعقوب بن عبد الله المدني، وعن يحيى: ثقة. وعن ابن المديني: ضعيف الحديث. وعن أبي داود: صالح. روى له الأربعة. عن شرحبيل بن سعد أبي سعد المدني مولى الأنصاري، وثقه ابن حبان، وضعفه يحيى، وروى له أبو داود وابن ماجه. وأما أثر حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري، مختلف في صحبته، قال الواقدي: مات النبي ﵇ ولحبيب بن مسلمة اثنى عشر سنة. وقال البخاري: له صحبة.

стр. 3635

فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي روى له الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة أسعد أو سعد بن سهل بن حنيف روى له الجماعة، عن رجل من الأصحاب وفيه قال الزهري وهو محمَّد بن مسلم: محمد بن سويد بن كلثوم القرشي الفهري ابن أخي الضحاك بن قيس، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي. وهو يروي عن الضحاك بن قيس الفهري، ذكره عبد الغني في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات. وهذا الأثر أخرجه الشافعي في "مسنده" (١): أنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أبو أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من الصحابة: "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﵇، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًّا في نفسه". وبه عن الزهري: حدثني محمد الفهري، عن الضحاك بن قيس، مثل قول أبي أمامة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من طريق الشافعي، وأخرجه الحكم (٣): من حديث يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو أمامة، أخبرني رجال من أصحاب رسول الله ﵇ في الصلاة على الجنازة: "أن يكبر الإمام ثم يصلي على النبي ﵇

стр. 3636

ويخلص الدعاء في التكبيرت الثلاث، ثم يسلم تسليمًا خفيًّا حين ينصرف، والسنة أن يفعل من ورائه مثل ما فعل إمامه. قال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامة، وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه، فقال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث، عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثك أبو أمامة". قال الحكم: هذا صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وأخرج النسائي في "سننه" (١): أنا قتيبة، قال: نا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة أنه قال: "السنة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة". أنا قتبية (٢) قال: نا الليث، عن ابن شهاب، عن محمد بن سويد الفهري الدمشقي، عن الضحاك بن قيس، بنحو ذلك. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن تكبيرات الجنازة أربع. الثاني: فيه قراءة فاتحة الكتاب، وللعلماء فيه أقوال: فقال أبو حنيفة وأصحابه: لا قراءة في صلاة الجنازة أصلًا، ولكن لو قرأ على وجه الثناء لا بأس بها. وقال الشافعي وأحمد: قراءة الفاتحة سنة. وقال ابن قدامة في "المغني": يكبر الأولى ثم يستعيذ ويقرأ الحمد يبتدئ بها ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يسن الاستفتاح. وقال ابن المنذر: كان الثوري يستحب أن يستفتح في صلاة الجنازة، وروي عن أحمد مثله.

стр. 3637

ثم قال: قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة وبه قال الشافعي وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال الثوري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة: لا يقرأ فيها بشيء من القرآن. انتهى. وعن ابن عون: "كان الحسن البصري يقرأ بالفاتحة في كل تكبيرة على الجنازة" قال ابن بطال: وهو قول شهر بن حوشب، وقال الضحاك: اقرأ في التكبيرتين الأولين بفاتحة الكتاب، وكان مكحول يفعل ذلك. وفي "المحلى": صلى المسور بن مخرمة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة ورفع بها صوته، فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء ولكني أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة. وفي بعض شروح البخاري: وممن كان لا يقرأ فيها ابن عمر وابن سيرين وأبو العالية وفضالة بن عبيد وأبو بردة بن أبي موسى وعطاء والشعبي وطاوس وبكر الزني وميمون بن مهران وسالم، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وسعيد بن جبير والحكم، ويروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵃. وفي "شرح المهذب": قراءة الفاتحة فرض في صلاة الجنازة بلا خلاف عندنا، قال: والأفضل أن يقرأها بعد التكبيرة الأولى؛ فإن قرأها بعد تكبيرة أخرى غير الأولى جاز، ويستحب التأمين عقيب الفاتحة، وفي قراءة السورة وجهان؛ الأصح لا يستحب، وفي دعاء الاستفتاح وجهان؛ الأصح لا يأتي به، وأما التعوذ فذكر عن بعض الأصحاب يستحب أن لا يأتي به، وعند بعضهم يستحب. قال: وفي التكبيرة الثانية يصلي على النبي ﵇ الصلاة المعروفة في التشهد، قال: وجمهور أصحابنا على فرضيتها، ونقل عن المروزي أنها سنة والصواب الأول. قال: واتفقت نصوص الشافعي على أن الدعاء في الثالثة فرض وركن من أركانها، وهل يشترط تخصيص الميت بالدعاء، فيه وجهان:

стр. 3638

أحدهما: لا يشترط بل يكفي الدعاء للمؤمنين، والميت يدخل فيه ضمنًا. والثاني: وهو الصحيح: يشترط تخصيصه بالدعاء. الثالث: فيه إسرار القراءة، قال ابن قدامة: ويسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة ولا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا، وري عن ابن عباس أنه جهر بفاتحة الكتاب، قال أحمد: إنما جهر ليعلمهم. والله أعلم. وأما أثر الحسن بن علي ﵄ فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس ينسب إلى جده، وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. يروي عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص بن عطية، عن خليفة بن روق، عن مولى للحسن بن علي: "أن الحسن بن علي صل على علي ﵁ فكبر عليه أربعًا". قوله: "وهذا خلاف ما كان عمر وعلي يريانه" أراد أن مذهبهما أن البدريين يُكبر عليهم في صلاتهم بما يجاوز الأربع، وعلي بدري بلا خلاف، ولما صلى عليه ابنه الحسن لم يزد على أربع. وأما أثر زيد بن ثابت ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن ثابت بن عبيد الأنصاري الكوفي، مولى زيد بن ثابت، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد: "أن زيد بن ثابت كبر أربعًا، وأن أبا هريرة كبر أربعًا".

стр. 3639

وأما أثر البراء بن عازب ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن يونس، عن إسرائيل بن يونس، عن مهاجر أبي الحسن التيمي الكوفي الصائغ روى له الجماعة سوى ابن ماجه. وأخرجه ابن في شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن مسعر، عن مهاجر أبي الحسن قال: "صليت خلف البراء على جنازة فكبر أربعًا". وأما أثر أبي هريرة ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أحمد بن يونس، عن إسرائيل بن يونس، عن عثمان بن عبد الله بن موهب التيمي أبي عمرو المدني الأعرج، روى له الجماعة سوى أبي داود. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن نمير، عن الحجاج، عن عثمان بن عبد الله، نحوه. ص: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵇ المذكورين في هذه الآثار كانوا يكبرون في صلاتهم على جنائزهم أربع تكبيرات، ثم لا ينكر ذلك عليهم غيرهم؟ فدل ذلك أن ذلك هو حكم التكبير في الصلاة على الجنائز، وأن ما زاد على التكبيرات الأربع فإنما كان لمعنى خاص خُصَّ به بعض الموتى ممن ذكرنا من أهل بدر على سائر الناس؛ فثبت بما ذكرنا أن التكبير على الجنازة أربع على الناس جميعًا من بعد أهل بدر إلى يوم القيامة، وكان مذهب أي حنيفة وسفيان وأبي يوسف ومحمد ﵏ في التكبير على الجنازة أيضًا بما ذكرنا، وقد روى ذلك أيضًا عن محمَّد بن الحنفية. حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو حمزة عمران بن أبي عطاء، قال: "شهدت وفاة ابن عباس بالطائف، فوليه محمد بن الحنفية، فصلى عليه فكبر أربعًا".

стр. 3640

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عمران بن أبي عطاء قال: "صليت خلف ابن الحنفية على ابن عباس فكبر عليه أربعًا". والله أعلم. ش: أشار بهؤلاء إلى من روى عنهم من الصحابة فهم تسعة أنفس كما ذكرنا، وأشار بهذا الكلام إلى أن الإجماع من الصحابة قد انعقد على أربع تكبيرات بعد البدريين إلى يوم القيامة. قوله: "وقد روي ذلك أيضًا" أي كون التكبيرات أربعًا "عن محمَّد بن الحنفية" وهو محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية واسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة وكانت من سبي اليمامة، سباهم أبو بكر الصديق ﵁، روى له الجماعة. وأخرج آثره من طريقين صحيحين: الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن هشيم بن بشير، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- عمران بن أبي عطاء القصاب الواسطي، وثقه يحيى، ولينه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): ثنا هشيم، عن عمران بن أبي عطاء قال: "شهدت وفاة ابن عباس، فوليه ابن الحنفية، فكبر عليه أربعًا". قلت: كانت وفاة ابن عباس في سنة ثمان وستين من الهجرة بالطائف، وكان عمره يوم مات إحدى وسبعين سنة. الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عمران بن أبي عطاء.

стр. 3641

ص: باب: الصلاة على الشهداء ش: أي هذا باب في بيان الصلاة على الشهداء، وهو جمع شهيد، وهو في الأصل من قُتِلَ مجاهدًا في سبيل الله، ثم اتسع فيه فأطلق على مَنْ سماه النبي ﵇ من المبطون والغريق والحريق وصاحب الهدم وذات الجنب وغيرهم، وسمي شهيدًا لأن الله وملائكته شهود له بالجنة، وقيل: لأنه حي لم يمت كأنه شاهد حاضر، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده، وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل، وقيل غير ذلك، فهو فَعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول على اختلاف التأويل. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن ابن شهاب حدثه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره: "أن رسول الله ﵇ أمر بدفن قتلى أحد بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر قال: "كان النبي ﵇ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم". وأخرجه الأربعة (٢) أيضًا، وليس لفظة: "ولم يصل عليهم". إلا في رواية البخاري والترمذي فقط.

стр. 3642

وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع الليث من أصحاب الزهري على هذا الإسناد، واختلف عليه فيه، وقال الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﵇، وروي عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صُعَيْر، عن النبي ﵇، ومنهم من ذكره عن جابر. قوله: "قتلى أُحُد" القتلى فعلى جمع قتيل، وأُحُد جبل مشهور بالمدينة، سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، قال السهيلي: وفي أُحُد قبر هارون ﵇ أخي موسى ﵇، وفيه قبض، وَثَمَّ واراه موسى ﵇، وكانا قد مَرَّا بأُحُد حاجّين أو معتمرين، وكانت غزوة أحد في شوال سنة ثلاث، قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومالك ومحمد بن إسحاق، قال ابن إسحاق: في النصف من شوال. وقال قتادة: يوم السبت في الحادي عشر منه. قال مالك: وكانت الوقعة أول النهار. قوله: "بدمائهم" جمع دم وأصله: دَمَو بالتحريك، وإنما قالوا: دَمِيَ يَدْمي بحال الكسرة التي قبل الياء كما قالوا رضي يرضى، وهو من الرضوان، وقال سيبويه: الدم أصله دَمْي على فعل بالتسكين؛ لأنه يجمع على دماء مثل ظَبْي وظباء وظُبْي، ودلو ودلاء ودُلي، قال: ولو كان مثل قفا وعصا لما جمع على ذلك، وقال المبرد: أصله فَعَلَ بالتحريك وإن جاء جمعه مخالفًا لنظائره، والذاهب منه الياء، والدليل عليه قولهم في تثنيته دَمَيان فافهم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقالوا: لا يصلى على من قتل من الشهداء في المعركة، ولا على من جرح منهم فمات قبل أن يحمل من مكانه كما لا يغسل، وممن قال ذلك أهل المدينة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق في رواية؛ فإنهم قالوا: الشهيد لا يصلي عليه كما لا يغسل، وإليه ذهب أهل الظاهر.

стр. 3643

وقال ابن حزم في "المحلى": والصلاة على المسلمين فرض حاشى المقتول بأيدي المشركين في سبيل الله في المعركة خاصة؛ فإنه لا يغسل ولا يكفن لكن يدفن بدمه وثيابه، إلا أنه ينزع السلاح عنه، وإن صلي عليه فحسن، وإن لم يُصل عليه فحسن، فإن حمل عن المعركة وهو حي فمات، غسل وكفِّن وصلي عليه. ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: بل يصلى على الشهيد. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة أخرون، وأراد بهم: ابن أبي ليلى والحسن ابن حي وعبيد الله بن الحسن وسليمان بن موسى وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا، وأحمد في رواية وإسحاق في رواية؛ فإنهم قالوا: يصلى على الشهيد. وهو قول أهل الحجاز أيضًا. ص: وكان من الحجة لهم على مخالفيهم: أن الذي في حديث جابر إنما هو أن النبي ﵇ لم يصل عليهم، فقد يجوز أن يكون تركه ذلك لأن سنتهم أن لا يصلي عليهم كما كان من سنتهم أن لا يغسلوا، ويجوز أن يكون لم يصل عليهم وصلى عليهم غيره؛ لما كان به حينئذ من ألم الجراح وكسر الرباعية وما أصابه يومئذ من المشركين. فإنه حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي حازم وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن أبي حازم -قال سعيد في حديثه: سمعت سهل بن سعد، وقال ابن أبي حازم-: عن سهل: "أنه سئل عن وجه رسول الله ﵇ يوم أحد بأي شيء دُووي؟ قال سهل: كسرت البيضة على رأسه، وكسرت رباعيته، وجرح وجهه، وكانت فاطمة ﵂ تغسله وكان علي ﵁ يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها ولصقتها على جرحه فاستمسك الدم. يختلف لفظ ابن أبي حازم وسعيد في هذا الحديث والمعنى واحد".

стр. 3644

حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن هشام، عن أبي حازم، عن سهل: "أن النبي ﵇ أصيب يوم أحد في وجهه بجرح، وأن فاطمة ابنته ﵂ أحرقت قطعة من حصير فجعلته رمادًا وألصقته على وجهه، وقال النبي ﵇: اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله ﵇". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا أبو غسان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: "هشمت البيضة على رأس رسول الله ﵇ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وجرح وجهه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله ﵇، وكانوا قد دَمَّوا وجهه يومئذ وهشموا عليه البيضة، وكسروا رباعيته". حدثنا عبد الله بن محمد بن حشيش، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﵇ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه؛ فجعل يسلت الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله ؟! فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ". ش: أي كان من الدليل للأخرين على أهل المقالة الأولى، وأراد به الجواب عن حديث جابر الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن ترك النبي ﵇ الصلاة عليهم يومئذ يحتمل وجهين: الأول: أنه يحتمل أنه ﵇ ترك الصلاة عليهم؛ لكون السنة في حقهم ترك الصلاة عليهم كما كانت السنة في حقهم ترك غسلهم فيكون ذلك مخصوصًا بهم. والثاني: يحتمل أن يكون ﵇ لم يصل عليهم لأمرٍ منعه، ولا يسلتزم ذلك نفي صلاة غيره عليهم، وذلك لكون النبي ﵇ مشغولًا بنفسه في ذلك اليوم غير متفرغ

стр. 3645

للصلاة عليهم؛ لما قد حصل له فيه من ألم الجراحة وكسر رباعيته وما أصابه يومئذ من أذى المشركين. والدليل على ذلك: ما روي عن سهل بن سعد وأبي هريرة وأنس بن مالك ﵃. أما حديث سهل فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، واسم أبي حازم سلمة بن دينار المدني، روى له الجماعة. وعن سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الجمحي المدني، روى له مسلم، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كلاهما يرويان. عن أبي حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاص الزاهد الحكيم روى له الجماعة، عن سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي له ولأبيه صحبة. وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب، عن أبي حازم: "أنه سمع سهل بن سعد وهو يُسأل عن جرح رسول الله ﵇، فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﵇ ومن كان يسكب الماء بالمجن، وبما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله ﵇ تغسله، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة ﵂ أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها، فاستمسك الدم، وكُسِرت رباعيته يومئذ، وجُرح وجهه، وكُسرت البيضة على رأسه". وأخرجه مسلم (٢): نا يحيى بن يحيى، قال: نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: "أنه سمع سهل بن سعد يُسأل عن جرح رسول الله ﵇ يوم أحد، فقال: جرح وجه رسول الله ﵇، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت
следующие страницы →