← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

قلت: الذي قاله باطل، فعجبي منه كيف يتلفظ بهذا الكلام مع شهرته بالورع والديانة، وكيف قد غفل عن مستندات هؤلاء من الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما على ما يجيء الآن إن شاء الله تعالى؛ ولقد صدق مَن قال: حفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياءُ ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثني عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله ﵇ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلًا العشر، ومما سقي بالدوالي نصف العُشر". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو بكر بن عياش ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الحناط -بالنون- المقرئ الكوفي روى له الجماعة؛ مسلم في مقدمة كتابه، واختلف في اسمه فقيل: محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك. عن عاصم بن أبي النَّجود -بفتح النون- الأسدي أبي بكر المقرئ روى له الجماعة الشيخان مقرونًا بغيره، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الكوفي روى له الجماعة، عن معاذ بن جبل. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر ابن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ﵁ ... إلى آخره نحوه سواء.

стр. 3957

وأخرجه النسائى (١) أيضًا ولفظه: "بعثني رسول الله ﵇ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ مما سقت السماء العُشر، ومما سقي بالدوالي نصف العشر". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان. عن أبي بكر بن عياش ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ قال: "بعثني رسول الله ﵇ إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلًا العُشر، ومما سقي بالدوالي نصف العشر". قوله: "مما سقت السماء" أي: المطر. قوله: "وما سقي بعلًا" البعل بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة هو الذي يشرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها. قال الأزهري: هو ما ينبت من النخل في أرض يقرب ماؤها، فرسخت عروقها في الماء واستغنت عن ماء السماء والأنهار وغيرها. وقال ابن ماجه (٣): قال يحيى بن آدم: البعل والعثري والعذي هو الذي يسقى بماء السماء، والعثري ما يزرع بالسحاب وبالمطر خاصةً ليس يصيبه إلا ماء المطر، والبعل: ما كان من الكرم قد ذهبت عروقه في الأرض إلى الماء فلا يحتاج إلى السقي الخمس سنين والست. فإن قيل: "بعلًا" منصوب بماذا؟

стр. 3958

قلت: يجوز أن يكون حالًا، وغير المشتق يقع حالًا بالتأويل كما في قولك: جاءني يزيد أسدًا. أي شجاعًا، والأظهر أنه نصب على التمييز من قبيل ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (١)؛ وذلك لأن نسبة التفجير إلى الأرض لما كانت مبهمة بيَّنها بقوله: ﴿عُيُونًا﴾ وهو من قبيل ما يبين إجمالًا في نسبة الفاعل إلى مفعوله. قوله: "بالدوالي" جمع دالية وهي المنجنون التي يديرها الثور. فإن قيل: ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث؟ قلت: هو أنه مطلق وليس فيه فصل بين أن تكون خمسة أوسق أو أقل أو أكثر، فوجب العمل بإطلاقه، ووجبت الصدقة في كل ما تخرج الأرض سواء كان قليلًا أو كثيرًا، ولكن إن كان الخارج مما سقي بالسيح والمطر ففيه العُشر كاملًا، وإن كان بالدالية أو السانية (٢) ففيه نصف العُشر. وأما جواب أبي حنيفة عن الأحاديث المتقدمة فهو أن المراد بها زكاة التجارة؛ لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهمًا. وقد أجيب عنها بأنها منسوخة. فإن قيل: ما وجه النسخ في ذلك؟ قلت: إذا ورد حديثان أحدهما عام والآخر خاص، فإن عُلِم تقديم العام على الخاص خصَّ العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا تعط لأحد شيئًا. ثم قال له: أعطِ زيدًا درهمًا. ثم قال له: لا تعط أحدًا شيئًا. فإن هذا ناسخ للأول. هذا مذهب عيسى بن أبان، وهو المأخوذ به، ويقال: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرًا لما فيه من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخرًا احتياطًا. وقال بعض أصحابنا: وحجة أبي حنيفة فيما ذهب إليه عموم قوله

стр. 3959

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) والأحاديث التي تعلقت بها أهل المقالة الأولى أخبارآحاد، فلا تقبل في معارضة الكتاب. فإن قيل: ما تلوتم من الكتاب ورويتم من الأحاديث لأبي حنيفة ﵁ تقتضي الوجوب من غير تعرض لمقدار الواجب، وما روى هؤلاء يقتضي وجوب المقدار، فكان بيانًا لمقدار ما يجب فيه العشر، والبيان بخبر الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه. قلت: لا يمكن حمله على البيان؛ لأن ما احتج به أبو حنيفة عام، فيتناول ما يدخل تحت الوسق وما لا يدخل، وما روى هؤلاء يختص فيما يدخل تحت الوسق فلا يصلح بيانًا للقدر الذي يجب فيه العُشر؛ لأن من شرط البيان أن يكون شاملًا لجميع ما يقتضي البيان، وهذا ليس كذلك، فعلم أنه لم يرد مورد البيان. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء العشور، وفيما سقي بالناضح نصف العشور". حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ فرض فيما سقت الأنهار والعيون أو كان عثريًّا يُسقى بالسماء العشور، وفيما سقي بالناضح نصف العشور". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله.

стр. 3960

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذه أربع طرق: الأول: إسناده صحيح على شرط الشيخين: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا هارون بن سعيد الأيلي، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا: العشر، وفيما سُقي بالسواني أو النضح نصف العشر". وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. وأخرجه الترمذي (٤) ولكن عن أبي هريرة ﵁ نحوه. قوله: "بالناضح" وهو واحد النواضح، وهي الإبل التي يُستقى عليها. الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن يزيد بن أبي حَبيب سويد المصري، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇. وأخرجه الدارقطني (٥): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يزيد بن سنان، ثنا ابن أبي مريم، ثنا ابن لهيعة، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم بن

стр. 3961

عبد الله، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ فرض في البعل وما سقت السماء والأنهار والعيون العُشر، وفيما سقي بالنضح نصف العُشر". الثالث: بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العُشر، وما سقي بالنضح نصف العشر". الرابع: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن لهيعة ... إلى آخره. ورجاله ثقات، إلا أن في ابن لهيعة مقالًا على أن أحمد وثقه جدًّا. قوله: "أو كان عَثَرِيًّا" بفتح العين المهملة والثاء المثلثة وكسر الراء، وهو من النخيل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة. وقيل: هو العِذْي وقيل: ما سُقي سيحًا، والأول أشهر؛ سمي به كأنه عثر على الماء عثرًا بلا عمل من صاحبه، وهو منسوب إلى العَثْر -بسكون الثاء- ولكن الحركة من تغييرات النسب. وقال الجوهري: العَثَرِيّ -بالتحريك- العِذْي، وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر، والعِذي: بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة الزرع الذي لا يسقيه إلا المطر. قاله الجوهري أيضًا. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، أن

стр. 3962

أبا الزبير، حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله يذكر عن رسول الله ﵇ أنه قال: "فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشر". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي. وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح وهارون بن سعيد الأيلي وعمرو بن سواد والوليد بن شجاع، كلهم عن ابن وهب -قال أبو الطاهر: أنا عبد الله بن وهب- عن عمرو بن الحارث، أن أبا الزبير، حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله يذكر، أنه سمع النبي ﵇ قال ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "الغيم" أي: السحاب، وأراد به المطر، من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال. و"السانية": الناقة التي يستقي عليها، وقيل: هي الدلو العظيمة وأداتها التي يستقي بها، ثم سميت الدواب سواني لاستقائها، وكذلك المستقى بها سانية أيضًا. قال عياض: السانية الإبل التي يرفع عليها الماء من البئر، وتسنى أي تسقى، يقال: سنى يسنو سُنوًا: إذا استقى. ص: قال أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار أن رسول الله ﵇ جعل فيما سقت السماء ما ذكر فيها ولم يقدر في ذلك مقدارًا، ففي ذلك ما يدل على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض، قل أو كثُر. ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله ﵃. وأشار بهذا الكلام إلى بيان كيفية الاستدلال بأحاديث هؤلاء، وهو أنها تخبر أن الواجب فيما سقت السماء ونحوها العشر كاملًا، ونصفه فيما سقت الدالية أو

стр. 3963

السانية مطلقًا من غير تعرض فيها إلى بيان المقدار، فدلت بعمومها على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض سواء كان قليلًا أو كثيرًا، فإذا كان الأمر كذلك، تكون أحاديث هؤلاء مضادة لأحاديث أهل المقالة الأولى؛ لأن فيها ذكر المقادير، فحينئذٍ لم يتم استدلالهم بها. فإن قيل: فإذا لم يتم استدلالهم بها لما ذكرتم فكذلك، لا يتم استدلالكم أيضًا بأحاديثكم لما ذكرتم من التضاد بينها. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن ما استدللنا به عام وما استدل به هؤلاء خاص. وقد ذكرنا فيما مضى أن العام إذا عُلم تقدمه على الخاص خُص العام بالخاص، وإذا لم يعلم فإن العام يُجعل آخرًا، لما فيه من الاحتياط، وها هنا لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخرًا، فصار العمل للأحاديث العامة، فافهم. ص: فإن قال قائل ممن يذهب إلى قول أهل المدينة: إن هذه الآثار التي رويتَها في هذا الفصل غير مضادة للآثار التي رويتها في الفصل الأول إلا أن الأولى مفسرة وهذه مجملة، فالمفسر أولى من المجمل. قيل له: هذا محال؛ لأن رسول الله ﵇ أخبر في هذه الآثار أن ذلك الواجب من العشر أو نصف العشر فيما يُسقى بالأنهار أو بالعيون أو بالرشاء أو بالدالية، فكان وجه الكلام على كل ما خرج مما سُقي بذلك، وقد رويتم أنتم عن رسول الله ﵇ أنه ردَّ ماعزًا عندما جاء فأقر عنده بالزنا أربع مرات، ثم رجمه بعد ذلك، ورويتم أن رسول الله ﵇ قال لأنيس: "اغدُ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، فجعلتم هذا دليلًا على أن الاعتبار بالاقرار بالزنا مرة واحدة؛ لأن ذلك ظاهر قول رسول الله ﵇: "فإذا اعترفت فارجمها" ولم تجعلوا حديث ماعزٍ قاضيًا على حديث أُنَيسٍ هذا المُجْمَل، فيكون الاعتراف المذكور في حديث أنيسٍ المجمل هو الاعتراف المذكور في حديث ماعز المفسر، فإذا كنتم قد [فعلتموه] (١) هذا فيما

стр. 3964

ذكرنا، فما تنكرون على مَن فعل في أحاديث الزكوات ما وصفنا؟ بل حديث أنيس أولى أن يكون معطوفًا على حديث ماعز؛ لأنه ذكر فيه الاعتراف، وإقراره مرة واحدة ليس هو اعتراف الزاني الذي يوجب الحد عليه في قول مخالفكم، وحديث معاذ وابن عمر وجابر ﵃ في الزكاة إنما فيه ذكر إيجابها فيما سُقي بكذا أو فيما سقي بكذا، فذلك أولى أن يكون مضادًا لما فيه ذكر الأوساق، من حديث أنيس لحديث ماعز ﵁. ش: تقرير السؤال أن يقال: لا نسلم التضاد بين هذه الآثارة؛ لأن الأحاديث التي فيها ذكر الأوساق مفسرة، والأحاديث المطلقة التي لم يذكر فيها المقدار مجملة، فالعمل بالمفسر أولى من العمل بالمجمل؛ لأن ما في المفسر يبيِّن ما في المجمل، فيكون المفسر قاضيًا على المجمل فيحمل عليه، ويُعطف حكمه على حكمه. وتقرير الجواب أن يقال: ما ذكرتم محال؛ لأنه ﵇ أخبر في أحاديث معاذ وابن عمر وجابر أن الواجب الذي أمره من العشر أو نصف العشر فيما يُسقى بالأنهار أو بالعيون أو بالدالية والسانية، فكان الذي يقتضيه الكلام هو الوجوب في كل ما خرج مما سقي بهذه الأشياء، فإذا كان كذلك كيف تكون تلك الأحاديث التي فيها المقادير قاضية على هذه الأحاديث كما فيها من التضاد؟ فإذا ثبت التضاد وجب طلب المخلص، ووجهه مما ذكرناه. ثم أشار بقوله: "وقد رويتم أنتم ... " بلى آخره إلى أنهم قد عكسوا فيما قالوا حيث تركوا العمل به في حديث ماعز وحديث المرأة اللذين اعترفا بالزنا، بيان ذلك أنكم رويتم أن النبي ﵇ ردَّ ماعزًا عندما جاء فأقر عنده بالزنا أربع مرات، ثم أمر رسول الله ﵇ برجمه وهذا مفسر، ورويتم أيضًا أنه ﵇ قال لأنيس بن الضحاك الأسلمي: "اغدُ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهذا مجمل، فجعلتم هذا دليلًا على أن الاعتبار في الإقرار بالزنا مرةً واحدة، فعملتم بهذا المجمل وتركتم العمل بالمفسر حيث لم تشترطوا في إقامة الحد على الزاني إلا إقراره مرةً واحدةً، فإذا كنتم قد

стр. 3965

فعلتم هذا في هذه القضية، فكيف تنكرون على مَن فعل ذلك في أحاديث الزكوات ما وصفنا؟ بل كان الذي ينبغي عطف حديث أنيس على حديث ماعز؛ لأن الاعتراف مذكور في حديث ماعز، وإقرار الرجل مرةً واحدةً لا يوجب عليه الحد عند مخالفيكم؛ لأنهم يشترطون الإقرار أربع مرات أخذًا بما في حديث ماعز، فكان هو القاضي والمعطوف عليه، وحديث معاذ وابن عمر وجابر ﵃ يبيِّن إيجاب الزكاة فيما يُسقى بكذا وفيما يُسقى بكذا، فلا شك أنه مضاد لما فيه ذكر المقادير وهي الأوساق، والتضاد بينهما أظهر من التضاد الذي بين حديث ماعز وأنيس، وإليه أشار بقوله: "فذلك أولى أن يكون مضادًّا لما فيه ذكر الأوساق ... " إلى آخره. ثم اعلم أن حديث ماعز أخرجه الجماعة مختلفين ومتفقين من رواية أبي سعيد وبريدة وأبي هريرة ويزيد بن نعيم بن هزال وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة ﵃، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، في كتاب الحدود. وأما حديث تلك المرأة التي رجمت فأخرجه الجماعة أيضًا من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وعمران بن حصين ﵃ على ما يجيء إن شاء الله تعالى. ص: وقد حمل حديث معاذ وجابر وابن عمر ﵃ على ما ذكرناه وذهب في معناه إلى ما وصفنا: إبراهيم النخعي ومجاهد. حدثنا فهدٌ، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أخبرني شريك، عن منصور، عن إبراهيم، قال: "في كل شيء أخرجت الأرض الصدقة". حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهد قال: "سألته عن زكاة الطعام، فقال: فيما قلَّ منه أو كثر العشر أو نصف العشر". ش: أعضد كلامه بما روي عن هذين الجليلين من التابعين: مجاهد بن جبر المكي، وإبراهيم بن يزيد النخعي.

стр. 3966

وقوله: "وقد حمل"، وقوله: "وذهب" تنازعًا في قوله: "إبراهيم النخعي". وقوله: "ومجاهد" عطفٌ عليه. وإسناد أثريهما صحيح، ورجاله ثقات. وخُصيف -بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء- ابن عبد الرحمن الجزري، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي. والأثران أخرجهما ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) وقد ذكرناه فيما مضى عن قريب. ص: والنظر الصحيح أيضًا يدل على ذلك؛ وذلك أنا رأينا الزكوات تجب في الأموال والمواشي في مقدارٍ منها معلوم بعد وقت معلوم وهو الحول، فكانت تلك الأشياء تجب بمقدار معلوم ووقتٍ معلوم. ثم رأينا ما تخرج الأرض تؤخذ منه الزكاة في وقت ما تخرج ولا يُنتظر به وقت، فلما سقط أن يكون له وقت تجب فيه الزكاة بحوله سقط أن يكون له مقدار تجب الزكاة فيه ببلوغه، فيكون حكم المقدار والميقات في هذا سواء، إذا سقط أحدها سقط الآخر كما كانا في الأموال التي ذكرنا سواء، لما ثبت أحدهما ثبت الآخر. فهذا هو النظر وهو قول أبي حنيفة ﵀. ش: أي: القياس الصحيح أيضًا يدل على وجوب الصدقة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره من غير تقدير بمقدار. قوله: "وذلك" أي: وجه دلالة النظر الصحيح على ذلك، أنا رأينا الزكوات إنما تجب في الأموال وفي المواشي السائمة بشرطين: أحدهما: أن يكون منها بمقدار معلوم وهو النصاب. والثاني: أن يكون بعد وقت معلوم وهو مضي الحول.

стр. 3967

ورأينا وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض إنما هو في وقت إخراجها ولا يؤقت بوقت معيَّن. فلما سقط أن يكون له وقت محدود لوجوب الزكاة بحول ذلك الوقت؛ فكذلك بالنظر والقياس عليه سقط أن يكون له مقدار معين تجب الزكاة فيه بحصول ذلك المقدار، فاستوى فيه حكم المقدار والوقت فبسقوط أحدهما يسقط الآخر، كما استوى حكم المقدار والوقت في الأموال والمواشي، فبثبوت أحدهما يثبت الآخر، والله أعلم. قوله: "وهو قول أبي حنيفة" أي: الذي ذكرناه من وجوب الزكاة في القليل والكثير مما أخرجته الأرض -الذي هو النظر الصحيح- هو قول أبي حنيفة وزفر وآخرين كما ذكرناه.

стр. 3968

ص: باب: الخرص ش: أي: هذا باب في بيان الخرص، وهو الحزر، يقال: خرَص النخلة والكرمة إذا حزَر ما عليهما من الرطب تمرًا ومن العنب زبيبًا، مِن خَرَصَ يَخْرِصُ -من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ- خَرصًا بالفتح، والاسم الخِرص بالكسر، وأصل الخرص الظن؛ لأن الحزر إنما هو تقدير بظن، والخرَّاص الحزَّار، ويقال: خَرَصَ العدد يخرُصه ويخرِصه -من باب نَصَرَ يَنْصُر وضَرَبَ يَضْرِبُ- خَرصًا وخِرصًا: حزَره. وقال الجوهري: هو حزر ما على النخل من الرطب تمرًا. وقال ابن السكيت: الخَرْصُ والخِرْصُ لغتان في الشيء المخروص. وقال عياض: وذلك لا يكون إلا عند طيب الثمرة. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: "كانت المزارع تكرى على عهد النبي ﵇ على أن لربّ الأرض ما على المساقي من الأرض وطائفةً من التبن لا أدري كم هو. قال نافع: فجاء رافع بن خديج وأنا معه فقال: إن رسول الله ﵇ أعطى خيبر يهودًا على أنهم يعملونها ويزرعونها على أن لهم نصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع على ما نقركم فيها ما بدا لنا. قال: فخرصها عليهم عبد الله بن رواحة ﵁ فصاحوا إلى رسول الله ﵇ من خرصه، فقال: أنتم بالخيار إن شئتم فهي لكم وإن شئتم فهي لنا، نخرصه ونؤدي إليكم نصفها. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض". ش: أبو بكر الحنفي اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة. وعبد الله بن نافع القرشي مولى عبد الله بن عمر، فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وهو أضعف وُلْد نافع. وقال النسائي: متروك الحديث. روى له ابن ماجه.

стр. 3969

وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢): من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: "كان ابن عمر يكري مزارعه على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من زمان معاوية، فأتاه رجل فقال: إن رافعًا يزعم أن النبي ﵇ نهى عن كراء الأرض، فانطلق ابن عمر إلى رافع وانطلقت معه، فقال: ما الذي بلغني عنك تذكر عن النبي ﵇ في كراء المزارع؟ قال: نعم، نهى رسول الله ﵇ عن كراء المزارع، فكان ابن عمر إذا سئل عنه بعد ذلك قال: زعم نافع أن نبي الله نهى عنه. قال نافع: فقال ابن عمر لما ذكر رافع ما ذكر: كنت أعلم أنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﵇ بما على الأرْبِعَاء وشيء من التبن لا أحفظه". قوله: "كانت المزارع" جمع مزرعة وهي الأرض التي يزرع فيها. قوله: "ما على المساقي" جمع مسقاة وهو موضع السقي، وفي بعض النسخ: ما على السواقي. قوله: "وطائفة من التبن" أراد بها قطعةً من التبن. "والأَرْبِعاء": بكسر الباء جمع ربيع، وهو الجدول. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: "أفاء الله خيبر على رسوله فأقرهم رسول الله ﵇ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم ثم قال: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إليَّ؛ قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إيكم أن أحيف عليكم، وقد خرصت بعشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم وإن شئتم فلي". ش: أبو عون الزيادي اسمه محمَّد بن عون بن أبي عون مولى آل زياد بن أبي سفيان، وثقه أبو زرعة وابن حبان.

стр. 3970

وإبراهيم بن طهمان الخراساني أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة. وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١) وقال: قرئ على ابن منيع وأنا أسمع: ثنا أبو خيثمة، ثنا محمَّد بن سابق، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير ... إلى آخره نحوه سواء. غير أن في لفظه: "وإن أبيتم فلي، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذناها. قال: فأخرجوا عنا". وأخرجه أبو داود (٢) مختصرًا: ثنا ابن أبي خلف، قال: نا محمَّد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: "ثم أفاء الله على رسوله خيبر، فأقرهم رسول الله ﵇ كما كانوا وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم". ثنا (٣) أحمد بن حنبل، قال: ثنا عبد الرزاق ومحمد بن بكر، قالا: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: "خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أن اليهود لما خَيَّرَهُم ابن رواحة أخذوا الثمر وعليهم عشرون ألف وسق". قوله: "أفاء الله خيبر على رسوله" يعني: جعلها غنيمةً له، والفيء الغنيمة، تقول منه: أفاء الله -على المسلمين مال الكفار- يُفيءُ إفاءةً. و"خيبر" اسم لقلعة بينها وبين المدينة ست مراحل. قوله: "يا معشر اليهود" أي: جماعة اليهود.

стр. 3971

قوله: "قتلتم أنبياء الله" فيه مجاز؛ لأنهم لم يقتلوا الأنبياء وإنما أجدادهم هم الذين قتلوهم. قوله: "أن أحيف عليكم" من الحيف وهو الجَوْر والظلم. قوله: "وقد خرصت" أي: حزرت وقدرت، وقد مرَّ أن الوسق ستون صاعًا. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن المنذر، قال: ثنا عبد الله بن نافع، قال: ثنا محمد بن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن عتَّاب بن أَسِيد: "أن رسول الله ﵇ أمره أن يخرص العنب زبيبًا كما يخرص الرطب". ش: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الحزامي المدني، شيخ أبي زرعة وأبي حاتم والبخاري في غير "الصحيح"، وثقه يحيى، وقال النسائي: لا بأس به. وعبد الله بن نافع الصائغ المدني، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح". ومحمد بن صالح بن دينار التمار المدني. قال أحمد وأبو داود: ثقة. وروى له الأربعة. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. والحديث أخرجه أبو داود (١): ثنا عبد العزيز بن السريّ الناقط، نا بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتَّاب بن أسيد: "أمر النبي ﵇ أن يُخرص العنب كما يُخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا". ثنا (٢) محمَّد بن إسحاق المسيبي، ثنا عبد الله بن نافع، عن محمَّد بن صالح التمار، عن ابن شهاب ... بإسناده ومعناه.

стр. 3972

وأخرجه الترمذي (١): ثنا أبو عمرو مسلم بن عمرو الحذاء المدائني، قال: ثنا عبد الله بن نافع الصائغ، عن محمَّد بن صالح التمار، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد: "أن النبي ﵇ كان يبعث على الناس مَن يخرص عليهم كرومهم وثمارهم". وبهذا الإسناد: "أن النبي ﵇ قال في زكاة الكرم: إنها تخرص كما يخرص النخل، ثم يؤدوا زكاته زبيبًا كما يؤدوا زكاة النخل تمرًا". وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. وسألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا، فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أصح، انتهى. وذكر غيره أن هذا الحديث منقطع. وقال أبو داود: سعيد لم يسمع من عتاب ابن أسيد. قلت: هذا ظاهر جدًّا فإن عتاب بن أسيد توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق ﵄، ومولد سعيد بن المسيب في خلافه عمر ﵁ سنة خمس عشرة على المشهور، وقيل: كان مولده بعد ذلك، والله أعلم. وقال أبو علي بن السكن: لم يُرْو هذا الحديث عن رسول الله ﵇ من وجه غير هذا، وهو من رواية عبد الله بن نافع عن محمَّد بن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد. وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وخالفهما صالح بن كيسان فرواه عن الزهري، عن سعيد: "أن النبي ﵇ أمرَ عتابًا" ولم يقل: عن عتاب.

стр. 3973

وسئل أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان -فيما ذكره أبو محمَّد الرازي- عنه فقالا: هو خطأ. قال أبو حاتم: الصحيح: عن سعيد أن النبي ﵇، مرسل، كذا رواه بعض أصحاب الزهري. وقال أبو زرعة: الصحيح عندي: عن الزهري أن النبي ﵇، ولا أعلم أحدًا تابع عبد الرحمن بن إسحاق في هذه الرواية. وزعم الدارقطني أن الواقدي رواه عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد، عن المِسور بن مخرمة، عن عتاب قال: "أمر رسول الله ﵇ أن تخرص أعناب ثقيف كخرص النخل ثم تؤدى زبيبًا كما تؤدى زكاة النخل تمرًا. فهذه الرواية سالمة من الانقطاع الذي في الرواية الأولى. وقال أبو بكر بن العربي في "المسالك": لم يصح حديث سعيد ولا سهل بن أبي حثمة. قوله: "زبيبًا" نصب على التمييز. وقال الخطابي: إنما يخرص من الثمر ما يحيط به البصر بارزًا لا يحول دونه حائل ولا يخفى موضعه في خلال ورق الشجر، والعنب في هذا المعنى كثمر النخل، فأما سائر الثمار فإنه لا يجري فيها الخرص؛ لأن هذا المعنى فيها معدوم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الثمرة التي يجب فيها العشر هكذا حكمها، تخرص وهي رطبٌ تمرًا فيعلم مقدارها، فتُسلّم إلى ربها ويملك بذلك حق الله فيها، ويكون عليه مثلها بكيله ذلك تمرًا، وكذلك يُفعل بالعنب. واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري وعطاء والحسن وعمرو بن دينار وعبد الكريم ابن أبي المخارق ومروان والقاسم بن محمَّد ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور وأبا عبيد بن سلام، فإنهم ذهبوا إلى إجازة الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحهما. وقال ابن رُشد: يخلى بينها وبين أهلها يأكلونه رطبًا.

стр. 3974

وقال داود: لا خرص إلا في النخيل فقط. وقال الشافعي: إذا بدا صلاح ثمار النخل والكرم فقد تعلق وجوب الزكاة بهما، ووجب خرصهما للعلم بقدر زكاتهما فيخرصهما رطبًا، وينظر الخارص كم يصير ثمرًا فيثبتها تمرًا، ثم يخيَّر رب المال فيها فإن شاء كانت في يده مضمونةً وله التصرف فيها، فإذا تصرف فيها ضمنها. فيستفاد بالخرص العلم بقدر الزكاة فيها واستباحة رب المال التصرف في الثمرة بشرط الضمان. وقال الماوردي عن الشافعي: إنه سنة في الرطب والعنب، ولا خرص في الزرع. وهو قول أحمد. وقال الخطابي: الخارص يترك لهم الثلث أو الربع من عرض المال؛ توسعةً عليهم، فلو أُخِذوا باستيفاء الحق كله لأضرَّ ذلك بهم، وقد يكون منها السقاطة وينتابها الطير ويخترقها الناس للأكل، فترك لهم الربع توسعةً عليهم. والأصل في ذلك حديث سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) قال: "أمرنا رسول الله ﵇ قال: إذا خرصتم فجدّوا، فإن لم تدعوا أو تجدّو الثلث فدعوا الربع". قال الخطابي: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر الخراص بذلك، وبهذا قال إسحاق وأحمد. وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئًا شائعًا في جملة النخل ويفرد لهم نخلات معدودة، قد علم مقدار تمرها بالخرص.

стр. 3975

وقال ابن حزم في "المحلى": وأما التمر ففرض على الخارص أن يترك له ما يأكل هو وأهله رطبًا على التوسعة ولا يكلف عنها بزكاة. وهو قول الشافعي والليث بن سعد. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يترك له شيئًا. وذكر ابن بزيزة في "مطامح الأفهام": قال الجمهور: يقع الخرص في النخل والكرم، واختلف مذهب مالك هل يخرص الزيتون أم لا؟ وفيه قولان: الجواز؛ قياسًا على الكرم. والمنع؛ لوجهين: الأول: لأن أوراقه تستره. الثاني: أن أهله لا يحتاجون إلى أن يأكلوه رطبًا فلا معنى لخرصه. وقد اختلف العلماء في الخرص هل هو شهادة أو حكم. فإن كان شهادةً لم يكتف بخارص واحد، وإن كان حكمًا اكتفى به. وكذلك اختلفوا في القائف، والطبيب يشهد في العيوب، وحاكم الجزاء في الصيد. واختلف الفقهاء هل يحاسَبُ أصحاب الزروع والثمار بما أكلوا قبل التصفية والجداد أم لا؟ وكذلك اختلفوا هل يترك لهم قدر العواري والضيف وما في معناه أم لا؟ واختلفوا أيضًا إذا غلط الخارص، ومحصَّل الأمر فيه: إن لم يكن من أهل المعرفة بالخرص فالرجوع إلى الخارج لا إلى قوله، وإن كان من أهل المعرفة ثم تبيَّن أنه أخطأ فهل يؤخذ بقوله أو بما تبيَّن فيه خلاف، على اختلافهم في المجتهد يخطئ هل ينقض حكمه أم لا؟ ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا ذلك وقالوا: ليس في شيء من هذه الآثار أن الثمرة كانت رطبًا في وقت ما خرصت في حديث ابن عمر وجابر ﵃،

стр. 3976

وكيف يجوز أن تكون رطبًا حينئذٍ فيجعل لصاحبها حق الله فيها بكيله ذلك تمرًا يكون عليه نسيئة؟! وقد نهى رسول الله ﵇ عن بيع التمر في رءوس النخل بالتمر كيلًا، ونهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة. وجاءت بذلك عنه الآثار المروية الصحيحة، قد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع من كتابنا، ولم يستثن رسول الله ﵇ في ذلك شيئًا، فليس وجه ما رويناه في الخرص عندنا ما ذكرتم، ولكن وجه ذلك عندنا -والله أعلم- أنه إنما أريد بخرص ابن رواحة ليُعلم به مقدار ما في أيدي كل قوم من الثمار، فيؤخذ مثله بقدره في وقت الصرام، لا أنهم يملكون منه شيئًا مما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل عنهم، وكيف يجوز ذلك وقد يجوز أن تصيب الثمرة بعد ذلك أفة فَتُتْلفها أو نار فتحرقها فيكون ما يؤخذ من صاحبها بدلًا من حق الله تعالى مأخوذًا منه بدلًا مما لم يسلم له، ولكنه إنما أريد بذلك الخرص ما ذكرنا، وكذلك في حديث عتاب بن أسيد ﵁ فهو على ما وصفنا من ذلك. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم كرهوا الخرص، حتى قال الشعبي: الخرص بدعة. وقال الثوري: خرص الثمار لا يجوز. وفي "أحكام ابن بزيزة": وقال أبو حنيفة وصاحباه الخرص باطل، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (١) ثم قال: واحتج أبو حنيفة وصاحباه والكوفيون على منع الخرص بنهيه ﵇ عن المزابنة، والخرص يؤدي إليها؛ لأن فيه بيع التمر بالتمر كيلًا، ففيه التفاضل والنَّساء. وقد أشار الطحاوي إلى ذلك بقوله: وقد نهى رسول الله ﵇ عن بيع التمر في رءوس النخل بالتمر كيلًا. والحاصل أنهم قالوا: ليس في الأحاديث المذكورة وهي ما رواه ابن عمر وجابر ما يدل على أن الثمرة كانت رطبًا في الوقت الذي خرصت فيه، وكيف يجوز أن

стр. 3977

تكون رطبًا حينئذٍ لأنه يكون تضمينًا لرب المال بقدر الصدقة، وذلك غير جائز؛ لأنه بيع رطب بتمر وبيع حاضر بغائب، وذا لا يجوز، وهو من المزابنة المنهيّ عنها وهي بيع الثمرة في رءوس النخل بالتمر كيلًا، وهو أيضًا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة. وهو أيضًا لا يجوز على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد ذكرها الطحاوي: في كتاب البيوع من هذا الكتاب؛ ولأن هذا تخمين وقد يخطئ، ولو جوَّزنا ذلك لجوَّزنا خرص الزرع وخرص الثمار بعد جدادها أقرب إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلما لم يجز في القريب لم يجز في البعيد، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن معنى الخرص في الأحاديث المذكورة على ما ذكر هؤلاء القوم، وإنما معناه أنه أريد بخرص عبد الله بن رواحة في حديث ابن عمر: أن يُعلم به مقدار ما في أيدي كل قوم من الثمار فيؤخذ مثل ذلك بقدره وقت الصرام والجداد على حسب ما يجب فيها، وإنما أمر بذلك خوفًا أن يخونوا. هذا معناه، لا أنه يلزم به حكم شرعي، أشار إليه بقوله: لا أنهم لا يملكون منه شيئًا مما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل عنهم. أي: ليس معناه أن أصحاب الثمر يملكون من الثمر شيئًا مما يجب عليهم من الزكاة ببدل لا يزول البدل عنهم أصلًا، وكيف يجوز هذا المعنى، والحال أنه قد يجوز أن تصيب الثمرة بعد ذلك آفة سماوية مثل المطر يُتلفها، وهبوب الريح السموم فتحرقها، ووقوع النار فيها فتستأصلها. أو غير سماوية بأن يسرقها سارق يذهب بها، ونحو ذلك. فحينئذ يكون ما يؤخذ منه بدلًا مما لم يسلم له وذلك لا يجوز؛ لأنه ظلم وعدوان، وكذلك معنى الخرص في حديث عتاب بن أسيد ﵁ على ما ذكرنا لا على المعنى الذي ذكروا. وقد قيل: إن قضية خيبر مخصوصة؛ لأن الأرض أرضه والعبيد عبيده، فأراد ﵇ أن يعلم ما بأيديهم من الثمار فيترك لهم منها قدر نفقاتهم؛ ولأنه ﵇ أقرهم ما

стр. 3978

أقرهم الله، فلو كان على وجه المساقاة لوجب ضرب الأجل والتقييد بالزمان؛ لأن الإجارة المجهولة محرمة. ص: وقد دل على ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، عن سهل بن أبي حثمة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعو الربع". فقد علمنا أن ذلك لا يكون إلا في وقت ما تؤخذ الزكاة؛ لأن ثمرته لو بلغت مقدار ما تجب فيه الزكاة لم يحط عنه شيء مما وجب عليه فيها وأخذ منه مقدار ما وجب عليه فيها بكماله، هذا مما قد اتفق عليه المسلمون، ولكن الحطيطة المذكورة في هذا الحديث إنما هي ما قبل ذلك في وقت ما يكل من الثمرة أهلها قبل أوان أخذ الزكاة منها، فأُمِر الخُراص أن يلقوا مما يخرصون المقدار المذكور في هذا الحديث؛ لئلا يحتسب به على أهل الثمار في وقت أخذ الزكاة منهم. ش: أي: وقد دل على ما قلنا من أن المراد من خَرْص ابن رواحة للعلم بمقدار ما في أيدي كل قوم من الثمار حتى لا يؤخذ في وقت الصرام أكثر من ذلك: ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن خُبَيب -بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة- بن عبد الرحمن بن خُبيب بن يساف الأنصاري الخزرجي المدني روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَار -بكسر النون وتخفيف الياء آخر الحروف- الأنصاري المدني روى له أبو داود والترمذي والنسائي هذا الحديث، ووثقه ابن حبان. عن سهل بن أبي حثمة -واسم أبي حثمة عبد الله، وقيل: عامر- بن ساعدة الأنصاري، قال الواقدي: مات النبي ﵇ وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عنه. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: بايع تحت الشجرة، وكان دليل النبي ﵇ ليلة أحد، وشهد المشاهد كلها إلا بدرًا. وهذا منافٍ لما قاله الواقدي.

стр. 3979

وأخرجه الثلاثة: فأبو داود (١): عن حفص بن عمر، نا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن بن مسعود قال: "لما جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا قال: أمرنا رسول الله ﵇ قال: إذا خرصتم فجدُّوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا أو تجدّوا الثلث فدعوا الربع". والترمذي (٢): عن محمود بن غيلان، قال: نا أبو داود الطيالسي، أنا شعبة، قال: أخبرني خُبيب بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن بن مسعود بن نيار يقول: "جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا فحدث أن رسول الله ﵇ كان يقول: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع". والنسائي (٣). وأخرجه البزار (٤) وقال: لم يروه عن سهل إلا عبد الرحمن بن مسعود بن نيار وهو معروف. وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام": عبد الرحمن هذا لا يعرف له حال. وقال أبو بكر بن العربي لم يصح حديث سهل بن أبي حثمة، وقال أيضًا: ليس في الخرص حديث يصح. إلا حديث البخاري (٥): عن أبي حميد الساعدي: "غزونا مع رسول الله ﵇ غزوة تبوك ... ". الحديث. قال: ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود (٦).

стр. 3980

قلت: أخرج الحاكم (١) حديث سهل وقال: صحيح الإسناد. قوله: "فخذوا" من الأخذ، وكذا في رواية الترمذي، وفي رواية أبي داود "فجُدُّوا" بضم الجيم وتشديد الدال، من جدَّ يَجُدُّ -بضم العين في المستقبل- وكسرها، ومعناه: اجتهدوا في الخرص. قوله: "ودعوا الثلث" أي: اتركوا، فإن لم تتركوا الثلث فاتركوا الربع. وقد علم من هذا أن ذلك لا يكون في وقت أخذ الزكاة؛ لأن ثمرته لو بلغت مقدار ما تجب فيه الزكاة لم يجز حط شيء من الذي وجب عليه، بل يؤخذ عنه ما وجب عليه فيها على التمام والكمال، وهذا لا خلاف فيه لأحد، وهو معنى قوله: هذا ما اتفق عليه المسلمون، والمراد من الحطيطة المذكورة في قوله: "ودعوا الثلث أو الربع" إنما هي قبل أخذ الزكاة؛ لتكون توسعةً لهم؛ لأنهم يأكلون منها، والطير أيضًا تأكل، ويتلف منها شيء أيضًا؛ فأمرهم النبي ﵇ أن يحطوا المقدار المذكور عنهم حتى لا يتضررون بحساب ذلك وقت أخذ الزكاة منهم، وهو معنى قوله: "فأمر الخُرَّاص" بضم الخاء وتشديد الراء جمع خارص "أن يُلقوا" من الإلقاء، وهو الطرح. وقوله: "المقدار المذكور". بالنصب مفعوله، والمقدار المذكور في الحديث هو الثلث والربع. ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ "أنه كان يأمر الخراص بذلك". حدثنا رَوْح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سعيد بن المسيب، قال: "بعث عمر بن الخطاب ﵁ سهل بن أبي حثمة يخرص على الناس، فأمره إذا وجد القوم في نخلهم أن يخرص عليهم ما يأكلونه". فهذا أيضًا دليل على ما ذكرنا.

стр. 3981

ش: أي: قد روي عن عمر أنه كان يأمر الذي يخرص بترك ثلث أو ربع توسعةً لهم، فهذا أيضًا دليل على أن ذلك إنما كان قبل أخذ الزكاة على ما ذكرنا. أخرج ذلك بإسناد صحيح: عن روح بن الفرج القطَّان المصري، عن يوسف ابن عدي بن زُرَيق الكوفي شيخ البخاري عن أبي بكر بن عياش بن سالم الحناط -بالنون- المقرئ، وقد تكرر ذكره، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بُشير -بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف- بن يسار -بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة- الحارثي الأنصاري المدني- روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: "أن عمر ﵁ كان يبعث أبا خيثمة خارصًا للنخل، فقال: إذا أتيت أهل البيت في حائطهم فلا تخرص عليهم قدر ما يأكلون". وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢): ثنا أبو بكر بن إسحاق، نا أبو المثنى، نا مسدد، نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ بعثه على خرص التمر، وقال: إذا أتيت أرضًا فاخرصها ودعْ لهم قدر ما يأكلون". قوله: "يخرص على الناس" جملة وقعت حالًا، وهو من الأحوال المقدرة. قوله: "فهذا" أي: أثر عمر ﵁ أيضًا يدل على أن الخرص إنما كان لإعلام مقدار ما في أيديهم من الثمار حتى يؤخذ مثله بقدره وقت الصرام، وإنما أمر بذلك خوفا عن الخيانة كما ذكرناه، والله أعلم. ص: وقد روي عن أبي حميد الساعدي أيضًا في صفة خرص رسول الله ﵇ ما يدل على ما ذكرنا.

стр. 3982

حدثنا إبراهيم بن أبي داود وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قالا: ثنا الوحاظيّ. (ح) وحدثنا علي بن عبد الرحمن وأحمد بن داود، قالا: ثنا القعنبي، قالا: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عمرو بن يحيى المازني، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "خرجنا مع رسول ﵇ في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة امرأة، فقال رسول الله ﵇: اخرصوها، فخرصها رسول الله ﵇ وخرصناها عشرة أوسق وقال: أحصيها حتى أرجع إليك إن شاء الله، فلما قدمناها سألها رسول الله ﵇ عن حديقتها كم بلغ ثمرها؟ قالت: عشرة أوسق". ففي هذا أيضًا أنهم خرصوها، وأمروها بأن تحصيها حتى يرجعوا إليها، فذلك دليل على أنهما لم تملك بخرصهم إياها ما لم تكن مالكةً له قبل ذلك، وإنما أرادوا بذلك أن يعلموا مقدار ما في نخلها خاصةً، ثم يأخذون منها الزكاة في وقت الصرام على حسب ما يجب فيها، فهذا هو المعنى في هذه الآثار عندنا، والله أعلم. ش: أي: وقد روي عن أبي حميد الصحابي واسمه عبد الرحمن -وقيل: المنذر- ابن سعد الساعدي أيضًا في صفة خرص رسول الله ﵇ ما يدل على أن المراد من الخرص إنما كان للعلم بمقدار ما في النخل من الثمر، لئلا يخونوا فيها، وهو معنى قوله: "وإنما أرادوا بذلك أن يعلموا ... " إلى آخره. ثم إنه أخرج هذا الحديث من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ شيخ الشام في وقته وشيخ أبي داود والطبراني، كلاهما عن يحيى بن صالح الوحاظيّ أبي زكرياء الشامي الدمشقي وقيل: الحمصي، أحد أصحاب أبي حنيفة وشيخ البخاري، ونسبته إلى وُحَاظة بن سعد بطن من حمير. عن سليمان بن بلال القرشي التيمي أبي محمَّد المدني روى له الجماعة، عن عمرو بن يحيى المازني الأنصاري روى له الجماعة، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي الأنصاري المدني روى له الجماعة سوى النسائي، عن أبي حميد ﵁.

стр. 3983

الثاني: عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة الكوفي ثم المصري شيخ أبي عوانة الإسفراييني أيضًا، قال ابن أبي حاتم: كتبتُ عنه وهو صدوق. وأحمد بن داود المكي كلاهما، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن سليمان بن بلال ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا سهل بن بكار، أبنا وهيب، عن عمرو بن يحيى، عن عباس الساعدي، عن أبي حميد الساعدي قال: "غزونا مع رسول الله ﵇ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة تسقيها، فقال النبي ﵇: اخرصوا، وخرص رسول الله ﵇ عشرة أوسق، فقال: أَحْصي ما يخرج منها، فلما أتينا تبوك قال: أما إنها ستهبُّ الليلة ريحٌ شديدة فلا يقومنَّ أحدٌ، ومن كان معه بعيرٌ فليعقله، فعقلناها، وهبَّت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبلَيْ طيء، وأهدى ملك أيلة للنبي ﵇ بغلةً بيضاء وكساه بُرْدًا وكتب له ببحرهم فلما أتى وادي القرى قال للمرأة: كم جاءت حديقتك؟ قالت: عشرة أوسق، خرص رسول الله ﵇، قال النبي ﵇: إني متعجل إلى المدينة فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل. فلما -قال ابن بكار كلمةً معناها- أشرف على المدينة قال: هذه طابة، فلما رأى أحدًا قال: هذا جبل يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلى. قال: دُور بني النجار، ثم دُور بني عبد الأشهل، ثم دُور بني ساعدة أو دور بني الحارث بن الخزرج، وفي كل دُور الأنصار -يعني- خيرا". انتهى. وغزوة تبوك تسمى العسرة والفاضحة، وهي من المدينة على أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً، وكانت في رجب يوم الخميس سنة تسع، وقال ابن التين: خرج رسول الله ﵇ -في أول يوم من رجب إليها ورجع في سلخ شوال، وقيل: في شهر رمضان. وفي "المحكم" تبوك اسم أرض، وقد تكون تبوك تفعل.

стр. 3984

وزعم ابن قتيبة أن رسول الله ﵇ جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حِسْيها بِقَدحٍ فقال: ما زلتم تبوكونها بعد، فسميت تبوك، ومعنى تبوكون: تدخلون فيه السهم وتحركونه ليخرج ماؤه. قلت: هذا يدل على أنه معتل، وذكرها ابن سيده في الثلاثي الصحيح. وقوله: "حِسْيها" أي حسي تبوك وهو: بكسر الحاء المهملة وسكون السين المهملة، وفي آخره ياء آخر الحروف، وما تنشفه الأرض من الرمل فإذا صار إلى صلابة أمسكته فيحُفر عنه الرمل فتستخرجه، وهو الاحتساء ويجمع على أحساء. قوله: "وادي القرى". ذكر السمعاني أنها مدينة قديمة بالحجاز فيما يلي الشام، وذكر ابن قرقول أنها من أعمال المدينة. قوله: "على حديقة امرأة". قال ابن سيده: هي من الرياض: كل أرض استدارت، وقيل: الحديقة كل أرض ذات شجر مثمر ونخل، وقيل: الحديقة البستان والحائط، وخصَّ بعضهم به الجنة من النخل والعنب، وقيل: الحديقة حفرة تكون في الوادي تحبس الماء في الوادي، وإن لم يكن الماء في بطنه فهو حديقة، والحديقة أعمق من الغدير، والحديقة: القطعة من الزرع. وفي "الغريبين": يقال للقطعة من النخل حديقة. قوله: "اخرصوها". أي: احزروها. قوله: "أحصيها". أي: احفظيها، من أحصى يحصي إحصاءً ومنه الحديث الآخر "أكلّ القرآن أحصيت" (١) أي: حفظت. قوله: "بجبليّ طيىء". ذكر الكلبي في كتابه "أسماء البلدان" أن سلمى بنت حام بن جُمَّى بن براواة من بني عمليق كانت لها حاضنة يقال لها العوجاء وكانت الرسول بينها وبن أَجَأ بن عبد الحي من العماليق، فعشقها فهرب بها وبحاضنتها إلى موضع جبلي طيّء وبالجبلين قوم من عاد، وكان لسلمى إخوة فجاءوا في طلبها

стр. 3985

فلحقوهم بموضع الجبلين، فأخذوا سلمى فنزعوا عينيها ووضعوها على الجبل، وكتف أجَأ -وكان أول من كتف- ووضع على الجبل الآخر، فسمي بها الجبلان أَجَأ وسلمى، ويقال: إن زوج سلمى هو الذي قتلهما. و"أجأ" بفتح أوله وثانيه على وزن فَعَل، يهمز ولا يهمز، ويذكَّر ويؤنث، وهو مقصور في كلا الوجهين. قوله: "وأهدى ملك أيلة". واسمه يوحنا بن رؤبة. و"أيلة" مدينة على شاطئ البحر في منصف ما بين مصر ومكة المشرفة على وزن فَعْلَة، وقال محمَّد بن حبيب: "أيلة" شعبة من رضوى وهو جبل ينبع، والأول أصح سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم ﵇،وقد روي أن أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر. ص: وقد قال قوم في هذا الخرص غير هذا القول، قالوا: إنه قد كان في أول الزمان يُفعل ما قال أهل المقالة الأولى من تمليك الخراص أصحاب الثمار حق الله فيها وهي رطب ببدل يأخذونه منهم تمرًا، ثم نسخ ذلك بنسخ الربا فردت الأمور أن لا يؤخذ في الزكوات إلا ما يجوز في البياعات، وذكروا في ذلك ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الخرص وقال: أرأيتم إن هلك الثمر، أيحب أحدكم أن يكل مال أخيه بالباطل؟! ". فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من الجماعة الذين ينكرون الخرص، وأشار بهذا الخرص إلى الخرص المذكور في الأحاديث السابقة، وأشار بهذا القول إلى القول الذي ذكره أهل المقالة الثانية في الجواب عن أحاديث الخرص التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، وأراد بذلك بيان ما قاله هؤلاء القوم في جواب أحاديث الخرص، وهو أنهم قالوا: كان في ابتداء الإِسلام يفعل ما قال أهل المقالة الأولى القائلون

стр. 3986

بالخرص، وما قاله أهل المقالة الأولى: هو أن الخُراص كانوا يُمَلكون أصحاب الثمار الزكوات التي هي حق الله تعالى، ويأخذون عوض ذلك منهم تمرًا، وذلك حينما تكون ثمارهم رطبًا، وكان مثل هذا جائزًا في ذلك الزمان قبل نزول تحريم الربا، فلما أنزل الله تعالى آية الربا، وعلمهم بحرمة الربا انتسخ ذلك الحكم بانتساخ الربا، فصار الأمران لا يؤخذ في الزكوات إلا ما يجوز فعله في البياعات، وفي البياعات لا يجوز بيع الرطب بالتمر نسيئة؛ لكونه ربًا، فكذلك الخرص لا يجوز لأن فيه أخذ التمر عن الرطب نسيئة، وهو عين الربا، والدليل على ذلك حديث جابر ﵁ فإنه صرَّح في حديثه أنه ﵇ نهى عن الخرص، والحظر بعد الإباحة علامة النسخ. وأيضًا قوله ﵇: "أرأيتم إن هلك الثمر، أيحب أحدكم أن يأكل مال أخيه بالباطل؟ " فدل على أن الخرص ممنوع على الوجه الذي ذكره أهل المقالة الأولى؛ فإنه على تقدير هلاك المال يكون ما أخذوه من أصحابه أخذًا باطلًا وعدوانًا ليس في مقابلة شيء، وهو أشد الربا؛ لأنه أخذ بلا بدل أصلًا. فإن قيل: حديث جابر هذا ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن لهيعة، وقال ابن حزم: أسد بن موسى منكر الحديث، وأحاديث الخرص صحيحة، فكيف تنسخ بهذا الحديث الضعيف؟ قلت: لا نسلم انتساخ الخرص بهذا الحديث، وإنما هو بالآية الكريمة آية الربا. والحديث من جملة الشواهد على أن كلام ابن حزم في أسد بن موسى مردود؛ لأن البخاري قال: أسد بن موسى صالح مشهور الحديث يقال له أسد السنة، وقال ابن يونس والنسائي: أسد بن موسى ثقة. وأما عبد الله بن لهيعة فإن أحمد قد وثقه وبالغ فيه، وكونه ضعيفًا ليس مجمعًا عليه؛ فإن مثل أحمد إذا رضي به في الحجة أفلا يرضي غيره في الشواهد والمتابعات؟! ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأينا الزكوات تجب في أشياء مختلفة منها الذهب والفضة، والثمار التي تخرجها الأرض، والنخل والشجر والمواشي السائمة، وكلٌ قد أجمع أن رجلًا لو وجبت عليه زكاة ماله وهو ذهب أو فضة،

стр. 3987

أو ماشية سائمة فسلم ذلك له المصدق على ما لا تجوز عليه البياعات أن ذلك غير جائز له، ألا ترى أن رجلًا لو وجبت عليه في دراهمه الزكاة فباع ذلك منه المصدق بذهب نسيئة أن ذلك لا يجوز، وكذلك لو باع ذلك منه بذهب ثم فارقه قبل أن يقبضه لم يجز ذلك، وكذلك لو وجبت عليه الزكاة في ماشيته ثم سلم ذلك له المصدق ببدلٍ مجهول؛ فذلك كله حرام غير جائز، فكان كل ما حرم في البياعات في بيع الناس ذلك بعضهم من بعض قد دخل فيه حكم المصدق في بيعه إياه من رب المال الذي فيه الزكاة التي يتولى المصدق أخذها منه، فلما كان ما ذكرنا كذلك في الأموال التي وصفنا؛ كان النظر على ذلك أيضًا أن يكون كذلك حكم الثمار، فكما لا يجوز بيع رطب بتمر نسيئة في غير ما فيه الصدقات فكذلك لا يجوز فيما فيه الصدقات فيما بين المصدق وبين رب ذلك المال. فهذا هو النظر أيضًا في هذا الباب، وقد عاد ذلك إلى ما صرفنا إليه الآثار المروية عن رسول الله ﵇ التي قدَّمنا ذكرها، فبذلك نأخذ. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق القياس، وملخصه: أن التصرف بين المصدق وبين أرباب الأموال الزكوية يعتبر بتصرفات المتبايعين، فكل ما لا يجوز بين المتبايعين من التصرف؛ كالبيع ببدل مجهول، أو ببدل معلوم إلى وقت مجهول، وكبيع الرطب بالتمر نسيئةً، وكبيع الدراهم بالدنانير نسيئةً، ونحو ذلك؛ لا يجوز ذلك أيضًا بين المصدق وأرباب الأموال؛ لأن الخرص على الوجه الذي ذكره أهل المقالة الأولى هو بيع الرطب بالتمر نسيئة، وبيع العنب بالزبيب كذلك، وهو عين الربا. قوله: "فبذلك نأخذ" إشارة على أنه اختار قول أهل المقالة الثانية، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه.

стр. 3988

ص: باب: صدقة الفطر ش: أي: هذا باب في بيان أحكام صدقة الفطر. وإضافة الصدقة إلى الفطر من إضافة الشيء إلى شرطه، كحجة الإِسلام. ص: حدثنا علي بن شيبة، ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نعطي زكاة الفطر من رمضان صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، أنه سمع أبا سعيدٍ يقول: "كنا نخرج صدقة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا داود بن قيس، عن عياض بن عبد الله بن سعد، عن أبي سعيدٍ قال: "كنا نخرج -إذْ كان فينا رسول الله ﵇ صدقة الفطر إما صاعًا من طعام، واما صاعًا من تمر، وإما صاعًا من شعير، وإما صاعًا من زبيب،، وإما صاعًا من أقط، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجًّا أو معتمرًا، فكان فيما كلمه الناس فقال: أدّوا مُدَّين من سمراء الشام يعدل صاعًا من شعير". حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن عياض ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا داود ... فذكر بإسناده مثله. وزاد: "قال أبوسعيد: أما أنا فلا أزال أخرج كما كنت أُخرج".

стр. 3989

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد قال: "كانوا في صدقة رمضان مَن جاء بصاع من أقط قُبل منه، ومن جاء بصاع من تمر قُبل منه، ومَن جاء بصاع من زبيب قُبل منه". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث. (ح) وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قالا: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن عثمان، أن عياض بن عبد الله حدثه، أن أبا سعيد الخدري قال:"إنما كنا نُخرج على عهد رسول الله ﵇ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاع أَقِطٍ لا نُخْرج غيره، فلما كثر الطعام في زمن معاوية جعلوه مُدَّين من حنطة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان، عن عياض بن عبد الله قال: سمعت أبا سعيد ﵁ وهو يسأل عن صدقة الفطر قال: "لا أُخرج إلا ما كنت أُخرج في عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقطٍ، فقال له رجل: أو مُدَّين من قمح؟ فقال لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها. ش: هذه تسع طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن قبيصة بن عقبة شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. والكل رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. وهذا الحديث أخرجه الجماعة. فأخرجه البخاري (١) نحوه: ثنا عبد الله بن منير، سمع يزيد العدني، ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم قال: حدثني عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد

стр. 3990

الخدري قال: "كنا نعطيها في زمان النبي ﵇ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. وكل رجاله رجال الصحيح. وأخرجه مسلم (١): حدثني يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره نحوه سواء. الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الرحمن بن مهدي العنبري اللؤلؤي البصري، عن داود بن قيس الفراء الدباغ ... إلى آخره. والكل رجال الصحيح ما خلا يزيد. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا داود -يعني ابن قيس- عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنا نُخرج- إذ كان فينا رسول الله ﵇ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعًا من طعام، صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجًّا أو معتمرًا، فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر. فأخذ بذلك الناس، فقال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع الصائغ القرشي المدني ... إلى آخره. والكل رجال الصحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن وكيع، عن داود بن قيس ... إلى آخره نحوه.

стр. 3991

الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمرو بن فارس البصري ... إلى آخره. والكل رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا عثمان بن عمر، ثنا داود بن قيس، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنا نُخرج زكاة الفطر -إذْ كان فينا رسول الله ﵇- عن كل صغير وكبير حر ومملوك، صاعًا من طعام، أو من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب، فلم يزل ذلك كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة حاجًّا أو معتمرًا فقال: إني أرى مُدَّين من سمراء الشام يعدل صاعًا من التمر، فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه". السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن المنهال التميمي شيخ الشيخين وأبي داود ... إلى آخره. والكل رجال الصحيحين ما خلا إبراهيم. وأخرجه البزار في "مسنده" ثم قال: وهذا الحديث رواه جماعة عن زيد، عن عياض، وأَجَلُّ مَن رواه عن زيد: الثوري. السابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث بن سعد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن عبد الله بن عثمان هو عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام القرشي، عن عياض ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): من طريق عبد الله بن عبد الله بن عثمان.

стр. 3992

الثامن: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف [التنيسي] (١) شيخ البخاري، عن الليث ... إلى آخره. التاسع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن عبد الله بن عبد الله ابن عثمان ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا القاضي الحسن بن إسماعيل المحاملي وعبد الملك بن أحمد الدقاق، قالا: ثنا يعقوب الدورقي، ثنا ابن علية، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح قال: "قال أبو سعيد وذكروا عنده صدقة رمضان، فقال: لا أخرج إلا ما كنت أُخْرج في عهد رسول الله ﵇: صاعًا من تمر، أو صاعًا من حنطة، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط. فقال له رجل من القوم: أو مُدَّين من قمح؟ قال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) نحوه. والحاكم أيضًا في "مستدركه" (٤): ثنا أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الصيدلاني العدل إملاءً، ثنا الحسن بن الفضل البجلي، ثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل، ثنا إسماعيل بن علية، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله ... إلى آخره نحوه. قوله: "زكاة الفطر" أراد بها صدقة الفطر، تطلق الزكاة على الصدقة كما تطلق الصدقة على الزكاة. قوله: "صاعًا من طعام" تفسير الصاع يأتي في بابه إن شاء الله.

стр. 3993

وأراد بالطعام: القمح، وقيل: أراد به: التمر وهو أشبه؛ لأن البر كان قليلًا عندهم لا يتسع لإخراج زكاة الفطر، وقال الخليل: إن الغالب في كلام العرب أن الطعام هو البُرّ خاصة، والطعام في أصل اللغة عام في كل ما يقتات من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك. قوله: "من أقطٍ". بفتح الهمزة وكسر القاف وفي آخره طاء مهملة، وهو لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به. وقال الجوهري: الأقط معروف وربما سُكِّن في الشعر وتنقل حركة القاف إلى ما قبلها، قال الشاعر: رُوَيْدَك حتى يَنْبُتَ البقْلُ والغضى ... فَيَكْثُرَ إقْطٌ عندهم وحَلِيبُ وائتقطت أي: اتخذت الأقط، وهو افتعلت، وأقط طعامه يأقطه أقطًا عمله بالأقط فهو مأقوط، وهو بالفارسية ماسْتينَه. قوله: "إذْ كان فينا". أي حين كان بيننا. قوله: "حاجًّا". نصب على الحال. قوله: "أو معتمرا". عطف عليه. قوله: "من سمراء الشام". أراد به بُرّ الشام، وتطلق السمراء على كل بُرّ، وهو بفتح السين المهملة وبالمد. قوله: "مُدَّين". المُدّ بضم الميم رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق. وقيل: إن أصل المُدّ مقدر بأن يَمُدَّ الرجل يديه فيملأ كفيه. ويستفاد من حديث أبي سعيد أحكام: الأول: استدل به بعضهم على أن صدقة الفطر فريضة كالزكاة بظاهر اللفظ، والجمهور على أنها واجبة، وقد قلنا: إن الزكاة تطلق ويراد بها الصدقة، وليس في هذا الحديث ما يدل على الوجوب ولا على عدم الوجوب؛ لأنه إخبار عما كانوا يفعلونه، ولكن الوجوب ثبت بدلائل أخرى على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 3994

وقيل: إن صدقة الفطر منسوخة بالزكاة وتعلقوا بخبر يروى عن قيس بن سعد أنه قال: "أمرنا بها رسول الله ﵇ قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا بها ولم ينهنا، فنحن نفعله". وقال الخطابي: وهذا لا يدل على زوال وجوبها؛ وذلك أن الزيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل سائر الزكوات الأموال ومحل زكاة الفطر الرقاب. قلت: غير أن الفقير يستثنى منه لقوله ﵇: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى". رواه أحمد (١). وفي رواية مسلم (٢): "وخير الصدقة عن ظهر غنى". وهو حجة على الشافعي في قوله: تجب على مَن يملك زيادة على قوت يومه لنفسه وعياله. الثاني: يدل على أن صدقة الفطر هي صاع من طعام، وقد احتج به الشافعي أن الفطرة عن القمح صاع، وقال: المراد بالطعام البُرّ في العُرف، وقال أصحابه ولا سيما في رواية الحاكم: "صاعًا من حنطة". أخرجها في "المستدرك" (٣): من طريق أحمد بن حنبل، عن ابن علية، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله قال: "قال أبو سعيد -وذكر عنده صدقة الفطر- فقال: لا أُخرج إلا ما كنت أخرجه في عهد رسول الله ﵇ صاعًا من تمر، أو صاعًا من حنطة، أو صاعًا من شعير. فقال له رجل من القوم: أو مُدَّين من قمح. فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها". وصححه الحاكم.

стр. 3995

ورواه الدارقطني في "سننه" (١): من حديث يعقوب الدورقي، عن ابن علية به سندًا ومتنًا كما ذكرناه، ومن الشافعية مَن جعل هذا الحديث حجة لنا من جهة أن معاوية جعل نصف صاع من الحنطة عدل صاع من التمر والزبيب. وقال النووي: هذا الحديث معتمد أبي حنيفة، ثم أجاب عنه بأنه فعل صحابي وقد خالفه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبةً منه وأعلم بحال النبي ﵇، وقد أخبر معاوية بأنه رأي رآه، لا قول سمعه من النبي ﵇. قلنا: أما قولهم: إن الطعام في العرف هو البُرّ فممنوع، بل الطعام يطلق على كل مأكول كما ذكرناه، بل أريد به ها هنا غير الحنطة، والدليل عليه ما وقع في رواية أبي داود: "صاعًا من طعام، صاعًا من أقط" فإن قوله: "صاعًا من أقط" بدل من قوله: "صاعًا من طعام" أو بيان عنه، ولو كان المراد من قوله: "صاعًا من طعام" هو البُرّ لقال: أو صاعًا من أقط بحرف "أو" الفاصلة بين الشيئين. فإن قيل: ها هنا في رواية الطحاوي بـ"أو" الفاصلة بين الشيئين. قلت: كفى لنا حجةً رواية أبي داود على ما ادعينا مع صحة حديثه بلا خلاف (٢). ومما يؤيد ما ذكرنا ما جاء فيه عند البخاري (٣): عن أبي سعيد قال: "كنا نُخرج في عهد رسول الله ﵇ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر". وأما ما رواه الحاكم (١) فيه: "أو صاعًا من حنطة" فقد قال أبو داود أن هذا ليس بمحفوظ، وقال ابن خزيمة فيه: وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ، ولا أدري ممن الوهم، وقول الرجل له: "أو مُدَّين من قمح" دالّ على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم؛ إذ لو كان صحيحًا لم يكن لقوله: "أوْ مدَّين من قمح" معنًى، وقد
следующие страницы →