← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

وقال أبو بكر الإسكاف: إن جميع ذلك لا يسقط ويعطى ثانيًا؛ لأنهم لا يضعونها في مواضعها ولو نوى صاحب المال وقت الدفع أنه يدفع إليهم ذلك عن زكاة ماله. قيل: يجوز لأنهم فقراء في الحقيقة، ألا ترى أنهم لو أدوا ما عليهم من التبعات والمظالم صاروا فقراء؟! وروي عن أبي مطيع البلخي نحو ذلك. وقيل: إن السلطان لو أخذ مالًا من رجل مصادرةً بغير حق فنوى صاحب المال وقت الدفع أن يكون ذلك من زكاة ماله وعشر أرضه يجوز، والله أعلم. قوله: "فأما معنى قول رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. جواب عما يقال: كيف تقول: إن للإمام أن يأخذ من الناس الصدقات وقد قال ﵇: "ليس على المسلمين عشور"؟ وتقرير الجواب ما ذكره فيما مضى مستقصى. قوله: "وقد سمعت أبا بكرة يحكي ذلك" أي التفسير المذكور في قوله ﵇: "ليس على المسلمين عشور". وأبو بكرة هو بكار بن قتيبة القاضي الزاهد المشهور، يروي ذلك التفسير عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير البصري شيخ أبي داود وابن ماجه وأحمد بن حنبل، كان عالمًا بالفقه والفرائض ثقةً كبيرًا. ص: وقد روي عن يحيى بن آدم في تفسير قول النبي ﵇: "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى" معنى غيرُ المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنه قال: إن المسلمين لا يجب عليهم بمرورهم بالعاشر في أموالهم، ما لم يكن واجبًا عليهم لو لم يمروا بها عليه؛ لأن عليهم الزكاة على أي حال كانوا عليها، واليهود والنصارى لو لم يمروا بأموالهم على العاشر لم يجب عليهم فيها شيء، فالذي رفع عن المسلمين هو الذي يوجبه المرور بالمال على العاشر، ولم يرفع ذلك عن اليهود والنصارى.

стр. 3922

ش: يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الأموي أبو زكرياء الكوفي، أحد الأئمة الحنفية الكبار، روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وآخرون، وهو ممن روى لهم الجماعة. وقوله: "روي" على صيغة المجهول أسند إلى قوله: "معنىً". وقولى: "غير المعنى" بالرفع صفة لمعنىً. وقوله: "وذلك" إشارة إلى ذلك المعنى، والباقي ظاهر.

стр. 3923

ص: باب: ذوات العوار هل تؤخذ في صدقات المواشي أم لا ؟ ش: أي: هذا باب في بيان أن ذوات العوار من المواشي التي فيها تجب الزكاة هل يجوز أخذها حسابًا عن الزكاة أم لا؟ و"العُوار" بضم العين وتخفيف الواو، وقد تفتح العين. وقال ابن الأثير: العَوار -بالفتح-: العيب، وقد تضم. وقال الجوهري: العَوار: العيب. وعن أبي زيد: قد تضم. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "بعث النبي ﵇ مصدقًا في أول الإسلام فقال: خد الشارف والبكر وذوات العيب، ولا تأخذ حرزات الناس" قال هشام: أرى ذلك؛ ليستألفهم ثم جرت السنة بعد ذلك. حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه. ش: هذان طريقان: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وعن النسائي كذلك. وعن أبي حاتم: ضعيف الحديث. وعن أبي زرعة: كان صدوقًا في الحديث. وعن أحمد: ثقة. وعن البخاري: لم نر إلا خيرًا، هو في الأصل صدوق. عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂. الثاني: مرسل عن أحمد بن داود المكي أيضًا، عن يعقوب بن حميد أيضًا، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه عروة، عن النبي ﵇.

стр. 3924

وأخرجه أبو داود في "مراسيله" (١): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، ثنا هشام ابن عروة، عن عروة: "أن النبي ﵇ بعث رجلًا على الصدقة، فأمره أن يأخذ البكر والشارف وذات العيب، وإياك وحزرات أنفسهم". وأخرجه أيضًا كذلك ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ بعث مصدقًا فقال: لا تأخذ من حزرات أنفس الناس شيئًا، وخذ الشارف وذات العيب". قوله: "خذ الشارف" بالشين المعجمة وكسر الراء، وهي الناقة المسنة. وقال أبو عبيد: الشارف المسنة الهرمة، والبَكْر -بفتح الباء وسكون الكاف-: الفتيّ من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى: بَكْرة. قوله: "ولا تأخذ حرزات الناس" بفتح الحاء والراء المهملتين، والزاي المعجمة، أي: لا تأخذ من خيارها، فالرواية هكذا بتقديم الراء على الزاي، وهي جمع حرزة -بسكون الراء- وهي خيار المال؛ لأن صاحبها يحرزها ويصونها، والرواية المشهورة بتقديم الزاي على الراء، وهي أيضًا جمع حَزْرة بسكون الزاي وهي خيار مال الرجل؛ سميت حزرة؛ لأن صاحبها لا يزال يحزرها في نفسه، سميت بالمرة الواحدة من الحزر ولهذا أضيفت إلى الناس في رواية الطحاوي وإلى الأنفس في رواية غيره. قوله: "قال هشام: أُرَى ذلك" بضم الهمزة أي: أظن ذلك "ليستألفهم" من الاستئلاف، وهي طلب الألفة، وأشار بذلك إلى أنه كان في أول الإِسلام، ثم نسخ لما نذكره إن شاء الله تعالى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم بك تقليد هذا الخبر وقالوا: هكذا ينبغي للمصدق أن يأخذ.

стр. 3925

ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من المالكية وجماعة من الظاهرية؛ فإنهم قالوا: ينبغي للمصدق أن يأخذ الشارف والبكر وذوات العيب، ولا يأخذ خيار أموال الناس. وقال مالك في "الموطأ": السنة عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم: أنه لا يضيق على المسلمين في زكاتهم، وأن يقبل منهم ما دفعوا من أموالهم. وقال ابن قدامة في "المغني": قال مالك والشافعي: إن رأى المصدق أن أخذ الشارف وذوات العوار ونحوهما خير له وأنفع للفقراء، فله أخذه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا يأخذ في الصدقات ذات عيب، وإنما يأخذ عدلًا من المال. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء من الأئمة الأربعة وأصحابهم، وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وآخرين؛ فإنهم قالوا: لا يأخذ في الصدقات ذات عيب، بل يأخذ عدلًا -أي وسطًا- من المال، اللهم إلا إذا كان جميع النصاب ذوات العيوب، فإنه حينئذٍ يأخذ منها. وقال ابن التين: وإنما لم يأخذ ذات العَوار ما دام في المال شيء سليم لا عيب فيه، فإن كان المال كله معيبًا فإنه يأخذ واحدًا من وسطه، وهو قول الشافعي. وقال مالك: يكلف بإتيان صحيح. وذكر ابن بزيزة في "أحكامه": وفي مذهب مالك فيه أربعة أقوال: فقيل: لا يؤخذ منها على الإطلاق. وقيل: لا يؤخذ منها ويكلف رب المال أن يأتي بالوسط. وقيل: يؤخذ منها إن كانت سخالًا كلها. وكذلك اختلفوا في الحبوب إذا كانت من صنف رديء أو عال، هل يؤخذ منه أو لا؟ والحكم بالوسط أعدل. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا أيضًا، عن ثمامة، عن أنس: "أن أبا بكر الصديق

стр. 3926

- ﵁ لما استخلف وَجَّه أنس بن مالك ﵁ إلى البحرين فكتب له هذا الكتاب: هذه فريضة -يعني- الصدقة التي فرض رسول الله ﵇ على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله ﵇ فمن سُئلها من المؤمنين على وجهها فليُعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه، فذكر فرائض الصدقة، وقال: لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيسٌ". ش: أي: احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أنس ﵁. أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، عن أبيه عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضي البصرة، عن جده أنس بن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١) مطولًا: ثنا محمَّد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس: "أن أنسًا حدثه أن أبا بكر- ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﵇ على المسلمين، والتي أمر الله بها ورسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطِ في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس: شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدةً وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت -يعني- ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومَن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة.

стр. 3927

وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة: شاةٌ، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً من أربعين شاة واحدةٌ فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق". قوله: "فلا يعطه" أي: فلا يعطي الذي سأله المصدق من فوق، ويقال: فلا يعطي الزيادة على الواجب، وقيل: لا يعطي شيئًا من الزكاة؛ لأن الساعي إذا طلب فوق الواجب كان خائنًا، فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته. قوله: "هَرِمة" يعني: كبيرة، وعن أبي زيد والأصمعي: أن الهَرِم الذي قد بلغ أقصى السن. ويقال: امرأة هَرِمة ورجال هَرِمون وهرائم ونسوة هَرِمات، وربما قيل: شيوخ هَرْمَى، وقد هَرِم هَرَمًا مثال: حَذِر قاله أبو حاتم، وقال صاحب "العين" يقال: نساء هَرْمى، وفي "الكامل" لأبي العباس: أَهْرَمه الدهر وهرَّمه، وقال ابن التين: الهَرِمة التي سقطت أسنانها. قوله: "ولا ذات عوار" قد قلنا: إنه بفتح العين وضمها أي: ذات عيب. قوله: "ولا تيس". هو فحل الغنم. قال الخطابي: إنما لا يؤخذ التيس؛ لنقصه وفساد لحمه وكونه ذكرًا. وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب أنه ليس أخذ الذكر في شيء من الزكاة إذا كان في النصاب إناث في غير أتبعة البقر، وابن اللبون بدلًا عن بنت مخاض إذا عدمها. وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الذكر من الغنم الإناث لقوله ﵇: "في أربعين شاة شاة" ولفظ الشاة يقع على الذكر والأنثى، ويقال: لا يؤخذ التيس لفضيلته، ورده الخطابي بأن الأمر ليس كذلك، وإنما لا يؤخذ لفساد لحمه.

стр. 3928

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحكم بن موسى، قال: ثنا يحيى بن حمزة، قال: ثنا سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ كتب كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن، فكتب فيه: لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عَوار ولا تيس الغنم". ش: الحكم بن موسى بن أبي زهير البغدادي أبو صالح القنطري شيخ مسلم وأبي داود وأبي يعلى وأحمد وأبي زرعة والبخاري في "التعليق"، وروى النسائي وابن ماجه عن رجل عنه. ويحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، وثقه ابن معين، وعنه: كان قدريًّا، روى له الجماعة. وسليمان بن داود أبو داود الخولاني الدمشقي الداراني، قال ابن حبان: ثقة مأمون. وقال الدارقطني: ليس به بأس. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه إذا انفرد. روى له النسائي. والزهري هو محمَّد بن مسلم روى له الجماعة. وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، يقال: اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمَّد، ويقال: اسمه وكنيته واحد، روى له الجماعة. وأبوه محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، وُلِدَ في حياة النبي ﵇ وهو كناه أبا عبد الملك على قول، وقال ابن سعد: كان رسول الله ﵇ استعمل عمرو بن حزم على نجران اليمن، فولد له هناك على عهد رسول الله ﵇ سنة عشر من الهجرة غلامٌ، فأسماه محمدًا وكناه أبا سليمان، وكتب بذلك إلى رسول الله ﵇ فكتب إليه رسول الله ﵇: أن سمِّهِ محمدًا وكنِّه أبا عبد الملك ففعل، وقتل يوم الحرة بالمدينة في خلافة يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين، روى له النسائي وابن ماجه. وجده هو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري الصحابي ﵁.

стр. 3929

والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١) مطولًا: من حديث الحكم بن موسى، نا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم وقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيْل: ذي رُعَيْن ومعَافِر وهمْدان. أما بعد فقد رفع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، ما سقت السماء وكان سيحًا أو كان بعلًا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سُقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبونٍ ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادت ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسًا وأربعين، فإذا زادت ففيها حقة طروقة الجمل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسًا وسبعين، فإن زادت ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاةً سائمةً شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإن زادت ففي كل مائة شاة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرِمة ولا عجفاء ولا ذات عَوار ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وفي كل خمس أواقٍ من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهمًا درهم، وليس فيما دون خمس أواقٍ شيء، وفي كل أربعين دينارًا

стр. 3930

دينارٌ، وإن الصدقة لا تحل لمحمدٍ ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة تزكَّى بها أنفسكم، ولفقراء المؤمنين وفي سبيل الله. وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدي صدقتها من العشر، وإنه ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء. قال يحيى: أفضل ثم قال: كان في الكتاب: إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله، وقتل النفس المحرمة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتاق حتى يبتاع. ولا يُصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بين فرجه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوبٍ واحدٍ وشقه بادٍ، ولا يصلين أحد منكم عاقصٌ شعره، وكان في الكتاب: إن من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قودٌ إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعِب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشرٌ من الإبل، وفي السن خمسٌ من الإبل، وفي الموضحة خمسٌ من الإبل، وإن الرجل يُقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار". وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (١) نحوه، عن الحكم بن موسى. وقال البغوي: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون صحيحًا. وقال ابن عديّ: قد روى عن سليمان بن داود يحيى بن حمزة وصدقة بن عبد الله من الشاميين.

стр. 3931

وللحديث أصل رواه معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد مرسلًا. وجوده سليمان. وقال البيهقي: قد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا: أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وعثمان الدارمي وجماعة. وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (١): عن الحكم، ثم قال: وَهِمَ الحكم في قوله: ابن داود. ورواه محمَّد بن بكار بن بلال وأخوه، عن يحيى بن حمزة، قال: حدثني سليمان بن أرقم، عن الزهري. وقال أبو هُبيرة: قرأت في أصل يحيى بن حمزة هذا الحديث: حدثني سليمان بن أرقم. وقال الذهبي: سليمان واهٍ تركه النسائي، وقال النسائي: قال مروان بن محمَّد الطاطري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، قال: "جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في أدم ... " فذكر بعض الحديث لم يسنده. وروى منه ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه مرسلًا. وروى عبد الله بن نُمير، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب "أنه وجد الكتاب الذي عند آل عمرو بن حزم ... " فذكر شيئًا منه. وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": هو كتاب محفوظ يتداوله آل حزم، وإنما الشأن في إيصال سنده. وقال أبو الحسن الهروي: الحديث في أصل يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، غلط عليه الحكم. وقال ابن منده: رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، وهو الصواب.

стр. 3932

وقال صالح جزرة: ثنا دحيم قال: نظرت في أصل كتاب يحيى: حديث عمرو بن حزم في الصدقات، فإذا هو عن سليمان بن أرقم. قال صالح: فكتب هذا الكلام عني مسلم بن الحجاج. وقال الذهبي: يُرجح أن الحكم وَهِمَ ولابد، فالحديث إذًا ضعيف الإسناد. وقال ابن معين: سليمان الخولاني لا يُعرف والحديث لا يصح، وقال مرةً: ليس بشيء. ومرةً: شامي ضعيف. وقال ابن حنبل: ليس بشيء. وفي "التمهيد" لابن عبد البر: قال أحمد بن زهير: سمعت ابن معين يقول: سليمان بن داود الذي يروي عن الزهري حديث الصدقات والديات مجهول لا يعرف. وقال الطحاوي: سمعت ابن أبي داود يقول: سليمان بن داود وسليمان بن أبي داود الحراني ضعيفان جميعًا. قوله: "قَيْل ذي رعين" القَيْل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله قَيِّل بالتشديد كأنه الذي له قول منفذٌ، والجمع: أقوال وأقيال أيضًا، ومَن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشددًا. ذكره الجوهري في الأجوف الواوي. و"ذو رعين" ملك من ملوك حمير، ورعين حصنٌ كان له، وهو من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ، وهم آل ذي رعين وشعب ذي رعين. قوله: "ومعافر" بفتح الميم: حيٌّ من همدان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وهمْدان -بسكون الميم- قبيلة من اليمن. قوله: "سَيْحا" بفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وهو الماء الجاري. و"البَعْل": بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وهو النخل الذي يشرب بعروقه فيستغني عن السقي. قال أبو عمرو: البعل العذي وهو ما سقته السماء. وقال الأصمعي: العذي ما سقته السماء، والبعل ما يشرب بعروقه من غير سقي ولا سماء.

стр. 3933

قوله: "خمسة أوسق" جمع وسق بفتح الواو وكسرها لغتان والفتح أشهر، ويقال بالفتح يجمع على أوسق وبالكسر على أوساق. والوسق ستون صاعًا كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، فتكون ثلاثمائة وعشرين رطلًا، هذا مذهب أهل الحجاز، ومذهب أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال، فتكون الجملة أربعمائة وثمانين رطلًا. قوله: "بالرشاء" بكسر الراء والمد، وهو الحبل. و"الدالية" المَنْجُنُون التي تديرها البقرة. قوله: "طروقة الجمل" طروقة فعولة بمعنى مفعولة، أي مركوبة للجمل، وكل امرأة طروقة زوجها، وكل ناقة طروقة فحلها. قوله: "باقورة" الباقورة بلغة أهل اليمن: البقر. قوله: "ولا يجمع بين متفرق" صورته أن يكون لهذا أربعون شاة ولذاك أربعون أيضًا وللآخر أربعون فجمعوها حتى لا تكون فيها إلا شاة. قوله: "ولا يفرق بين مجتمع" صورته أن يكون شريكان ولكل واحد منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما في ماليهما ثلاث شياة، ثم يفرقان عنهما عند طلب الساعي الزكاة فلم يكن على كل منهما إلا شاة واحدة. قوله: "وما أخذ من خليطين" معناه أن يكون شريكين في إبل تجب فيها الغنم، فتؤخذ الإبل في يد أحدهما، فتؤخذ منه صدقتها، فإنه يرجع بها على شريكه بحصته على السوية. قوله: "الوَرِق" بكسر الراء وهي الفضة. قوله: "من اعتبط مؤمنًا قتلًا فإنه قودٌ" أي: قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله؛ فإن القاتل يقاد به ويقتل، وكل مَن مات بغير علة فقد اعتبط، ومات فلانٌ عبطةً أي: شابًّا صحيحًا، وعَبَطُّت الناقة واعْتَبَطُّتها إذا ذبحتها من غير مرض.

стр. 3934

قوله: "وفي الأنف إذا أوعب جدعه" أي قطع جميعه وفي رواية "إذا استوعب جَدْعُه" وكلاهما على صيغة المجهول. ص: فهكذا كانت كتب رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر ﵄ تجري من بعده، وكتب علي ﵁ من بعد ذلك. فدلَّ ما ذكرنا على نسخ ما في حديث عائشة ﵂ الذي بدأنا بذكره في هذا الباب. وفيه أيضًا ما يدل على تقديمه بما رويناه بعده، وهو قول عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان بعث مصدقًا في صدر الإسلام فأمره بذلك" ونسخ ذلك ما قد ذكرنا في كتاب أبي بكر لأنسٍ، وفي كتاب عمرو بن حزم، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: فكما ذكرنا أنه لا تؤخذ في الصدقات ذات عيب، كانت كتب رسول الله ﵇ التي كتبها رسول الله ﵇ إلى أهل اليمن منها الذي رواه عمرو بن حزم، وكذا كتاب أبي بكر الصديق ﵁ الذي كتبه لأنس بن مالك حين وجهه إلى البحرين، وكذا كتاب عمر بن الخطاب ﵁. أخرجه البيهقي (١): من حديث الشافعي، عن سفيان بن عيينة، نا بشر بن عاصم، عن أبيه: "أن عمر ﵁ استعمل أباه سفيان بن عبد الله على الطائف ومخاليفها، فخرج مصدقًا ... " الحديث. وكذا روى (٢) بإسناده إلى الشافعي، أنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أن هذا كتاب الصدقات، وفيه: ولا تخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عَوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق ... " الحديث.

стр. 3935

قوله: "وكتب عليٌّ من بعد ذلك" أي: وهكذا كانت تجري كتب علي بن أبي طالب إلى عماله من بعد أبي بكر وعمر ﵃ مثل ما كانت كتب النبي ﵇ وكتب أبي بكر وعمر ﵄ من بعده. قوله: "فدل ما ذكرنا على نسخ ما في حديث عائشة ﵂" وهذا النسخ ظاهر؛ لأن في حديث عائشة أخبر أن هذا كان في صدر الإِسلام، ثم بعد ذلك أمر بخلافه، فدل هذا على نسخ الأول. ويمكن أن يجمع بين حديث عائشة وبين ما يعارضه من الأحاديث أن حديث عائشة يكون محمولًا على ما إذا كان المال كله معيبًا فإن الساعي حينئذ يأخذ معيبًا من جنسه، وأحاديث غيرها تكون محمولةً على ما إذا كان المال صحيحًا كله أو أكثره، فإنه حينئذٍ لا يأخذ إلا عدلًا وسطًا، ولا يأخذ ذات العوار. فافهم.

стр. 3936

ص: باب: أحكام زكاة ما تخرج الأرض ش: أي: هذا باب في بيان زكاة الشيء الذي يخرج من الأرض، مثل الحبوب والخضراوات ونحوها. ص: حديث حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا همام، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرو ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم ومالك وسفيان الثوري وعبد الله بن عمر، أن عمرو بن يحيى حدثهم ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عمرو بن يحيى ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب أن مالكًا، حدثه عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﵇ مثله.

стр. 3937

ش: هذه سبع طرق صحاح: الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى المازني المدني ابن بنت عبد الله بن زيد بن العاصم روى له الجماعة، عن أبيه يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني روى له الجماعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري ﵁. وهذا الحديث أخرجه الجماعة كما نذكره إن شاء الله تعالى. وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): بهذا الطريق، عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن عمرو بن يحيى ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن همام بن يحيى، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري [قال: قال رسول الله ﵇] (٣): "ليس في أقل من [خمس] (٤) ذود شيء ... " الحديث. الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥) نحوه. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله ابن سالم بن عمر بن الخطاب.

стр. 3938

وعن مالك بن أنس، وعن سفيان الثوري، وعن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. أربعتهم عن عمرو بن يحيى الأنصاري ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): عن أبي بكر النيسابوري، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (٣): عن عبد الله بن مسلمة، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى ... إلى آخره. والترمذي (٤): عن محمَّد بن بشار، نا عبد الرحمن بن مهدي، قال: نا سفيان وشعبة ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى ... إلى آخره. الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن المنهال ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٥): ثنا يحيى بن محمَّد بن صاعد، نا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇ قال: "لا تحل في البر والتمر زكاة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا تحل في الورق زكاة حتى تبلغ خمس أواقٍ، ولا تحل في الإبل زكاة حتى تبلغ خمس ذود". السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره.

стр. 3939

وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، قالوا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة". السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): ثنا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵇ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْد من الإبل صدقة". وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، حدثني الوليد بن كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن يحيى بن عمارة وعباد بن تميم، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي ﵇ يقول: "لا صدقة فيما دون خمسة أوساق من التمر، ولا فيما دون خمس أواقٍ، ولا فيما دون خمس من الإبل صدقة". قوله: "خمسة أوسق" الأوسق: جمع وسق، والوسق ستون صاعًا، وقد مرَّ الكلام فيه في آخر الباب الذي قبله. قوله: "ذَود". بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها قال مهملة، والذَوْد من الإبل: من ثلاث إلى عشر، ومثل من الأمثال: الذود إلى الذود إبل، وقيل: الذود ما بين الثنتين والتسع من الإناث دون الذكور، قال الشاعر: ذودٌ ثلاث بكرةٌ ونابان ... غير الفحول من ذكور البعران

стр. 3940

وقولهم في المثل: الذود إلى الذود إبل، يدل على أنها في موضع اثنين؛ لأن الثنتين إلى الثنتين جمع، والأذواد جمع ذود، قال سيبويه: وقالوا: ثلاث ذود فوضعوه موضع أذواد، قال الفارسي: وهذا على حد قولهم: ثلاث أشياء، فإذا وصفت الذود فإن شئت جعلت الوصف مفردًا بالهاء على حد ما توصف الأسماء المؤنثة التي لا تعقل في حد الجمع فقلت: ذودٌ جَرِبَةٌ، وإن شئت جمعت فقلت: ذود جراب. وفي "المحكم": الذود من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل: إلى عشرين. وقال ابن الأعرابي: لا تكون إلا من الإناث، وهو مؤنث، وتصغيره بغير هاء على غير قياس. وذكر في كتاب "نعوت الإبل" لأبي الحسن النضر بن شميل ما يدل على أنه ينطلق على الذكور أيضًا، وهو قوله: الذود ثلاثة أبعرة، يقال: عند فلان ذود له، وعليه ثلاث ذود، وعليه أذواد له إذا كنَّ ثلاثًا فأكثر، وعليه ثلاث أذواد مثله سواء، ويقال: رأيت أذواد بني فلان إذا كانت فيما بين الثلاث إلى خمس عشرة. وفي "الجامع" للقزاز: وقول الفقهاء: ليس فيما دون خمس ذود صدقة إنما معناه خمس من هذا الجنس، وقد أجاز قوم أن يكون الذود واحدًا، وأرسل الذود يكون لقطعة من الإبل. وقال الجوهري: الذود مؤنثة لا واحد لها من لفظها. وقال بعضهم: ومما يرسخ ما ذكره النضر بن شميل: رواية من روى "خمسة ذود" على الإضافة وهي الرواية المشهورة، ومنهم مَن رواه بالتنوين على البدل. وفي "الاستذكار": الذود أحد الإبل كأنه يقول: ليس فيما دون خمس من الإبل أو خمس جمال أو خمس فوق صدقة، وقد قيل: الذود قطعة من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، والأول أكثر عند أهل الفقه وأظهر. وقال ابن قتيبة: ذهب قومٌ إلى أن الذود واحد وذهب آخرون إلى أنه جمع وهو المختار، واحتج بأنه لا يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب.

стр. 3941

قال أبو عمر: ليس هذا بشيء. وقال ابن حبيب: الذود من الإبل من الثلاثة إلى التسعة فلا يتبعض الذود كما لا يتبعض النفر من الرجال، وزعم بعضهم أن الذود مشتق من الذود بمعنى السوْق؛ وذلك لأنها تذاد أي: تساق. وقال ابن مرين: الذود الجمل الواحد. وقال أبو زياد الكلابي في كتاب "الإبل" تأليفه: والثلاث من الإبل ذود، وليس الثنتان بذود إلى أن تبلغ عشرين. قوله: "أواقٍ" جمع أوقية وهي أربعون درهمًا. وقد مرَّ الكلام فيه مستوفيً. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن مسلم، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صدقة في شيء من الزرع والكرم حتى يكون خمسة أوسق، ولا في الرقة حتى تبلغ مائتي درهم". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمَّد بن مسلم بن سوسن الطائفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن معمر، قال: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، نا محمَّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة".

стр. 3942

وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، نا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة". الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (٢): ثنا هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي، قالا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ". قوله: "ولا في الرقة" بكسر الراء وفتح القاف المخففة: الدراهم، ويقال: الورِق بفتح الواو وكسر الراء، والوِرق بكسر الواو وسكون الراء، والوَرْق بفتح الواو وسكون الراء، والرِّقَّة: الدراهم، وربما سميت الفضة وَرِقَةً، والرقة: الفضة والمال. وعن ابن الأعرابي: الرقة: الفضة والذهب. وعن ثعلب: جمع الوَرق والوِرَقْ أوراق، وجمع الرقة رِقُّون ورِقِّين. وفي "الجامع": أعطاه ألف درهم رقةً يعني لا يخالطها شيء من المال غيرها. وفي "الغريبين": الورق والرقة، الدراهم خاصةً، وأما الوَرَق فهو المال كله. وقال أبو بكر: الرقة معناها في كلامهم الوَرِق وجمعها رقاة. وفي "المعرب": الورق -بكسر الراء- المضروب من الفضة، وكذا الرقة.

стр. 3943

وفي "المجمل": الوَرق الدراهم وحدها، والوِرْق من المال. قوله: "حتى تبلغ مائتي درهم" وهو نصاب الفضة. ثم اعلم أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها نوعان: نوع عليه نقش فارس ونوع عليه نقش الروم، وأحد النوعين يقال له: البغليّ وهي السود، الدرهم منها ثمانية دوانيق، والآخر يقال له: الطبري وهي العتق، الدرهم منها أربعة دوانيق، وذكر في بعض شروح "الهداية": البغليّ نسبة إلى ملك يقال له رأس البغل، والطبري نسبة إلى طبرية، وقيل: إلى طبرستان. وقال الخطابي عن بعضهم: لم تزل الدراهم على العيار في الجاهلية والإِسلام وإنما غيروا السكك ونقشوها، وقام الإِسلام والأوقية أربعون درهمًا. وفي "الأحكام" للماوردي: استقر في الإِسلام زِنة الدرهم ستة دوانيق، كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وقيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ رأى الدراهم مختلفةً البغلية والطبرية ومنها الغربية ثلاث دوانيق، ومنها اليمنية دانق واحد، فأخذ البغلية والطبرية؛ لأنهما أغلب في الاستعمال، فكانا اثني عشر دانقًا، فأخذ نصفها فصار الدرهم ستة دوانيق فجعلها درهمًا. وزعم المرغيناني أن الدرهم كان شبيه النواة، ودوِّر على عهد عمر ﵁ فكتبوا عليه وعلى الدينار: "لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله"، ثم زاد ناصر الدولة بن حمدان: " ﷺ " فكانت منقبةً لآل حمدان، وذكر الشيخ شهاب الدين القرافي في كتاب "الذخيرة": أن الدرهم المصري أربعة وستون حبةً وهو أكبر من درهم الزكاة، فإذا أسقطت الزائد كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهمًا وحبتين. وفي "فتاوى الفضلي": تعتبر دراهم كل بلد ودنانيرهم، ففي خوارزم تجب الزكاة عندهم في مائة وخمسين، وزن: سبعة. فعلى هذا من ملك في زماننا مائتي درهم تكون نصابًا وإن لم يبلغ وزنها مائة مثقال ولا قيمتها اثنى عشر دينارًا.

стр. 3944

وذكر أبو عمر: أن أبا عبيد قال: إن الدراهم لم تكن معلومةً إلى زمن عبد الملك، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانيق. وقال القاضي عياض: ولا تصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولةً في زمن النبي ﵇ وهو يوجب الزكاة في أعداد منها وتقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال: وهذا يُبيِّن أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدرهم ستة دوانيق قولٌ باطلٌ، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإِسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم صغارًا وكبارًا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإِسلام ونقشه، وتصييرها وزنًا واحدًا لا يختلف، وأعيانًا يُستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها وصرفوه على وزنهم. وقال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت معلومة حينئذٍ وإلا فكيف كان تتعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها وحقوق العباد؟! وهكذا كما كانت الأوقية معلومةً. وقال الشيخ محيى الدين: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا في الإِسلام. وروى ابن سعد في كتاب "الطبقات" (١) في ترجمة عبد الملك بن مروان: أنا محمَّد بن عمر الواقدي، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: "ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها".

стр. 3945

وقال الواقدي: ثنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن أبيه قال: "كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك بن مروان الدراهم والدنانير اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبَّةً بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة". انتهى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الأموال" في باب الصدقة وأحكامها: "كانت الدراهم قبل الإِسلام كبارًا وصغارًا، فلما جاء الإِسلام وأرادوا ضرب الدراهم -وكانوا يزكونها من النوعين- فنظروا إلى الدرهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق، وإلى الدرهم الصغير فإذا هو أربعة دوانيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء، كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدودًا لا يزيد ولا ينقص، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق تكون وزان سبعة مثاقيل، وأنه عدل بين الكبار والصغار، وأنه موافق لسنة رسول الله ﵇ في الصدقة، فمضت سنة الدراهم على هذا، فاجتمعت عليه الأمة، فلم يختلف أن الدرهم التام ستة دوانيق، فما زاد أو نقص قيل فيه: زائد وناقص. والناس في الزكوات على الأصل الذي هو الستة لم يزيغوا عنه، وكذلك في المبايعات. انتهى. وزعم بعضهم أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالدراهم عددًا وقت قدوم سيدنا رسول الله ﵇ قال: ويدل عليه قول عائشة ﵂ في قصة بريرة: "إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدةً واحدة فعلت" تريد الدراهم، فأرشدهم ﵇ إلى الوزن وجعل العيار وزن أهل مكة شرفها الله تعالى. وفي بعض شروح البخاري: واختلف في أول مَن ضربها، فقال أبو الزناد: أمر عبد الملك بضربها في العراق سنة أربع وسبعين، وقال المدائني: بل كان ذلك في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين، وقيل: أول من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير ﵃ سنة سبعين، على ضرب الأكاسرة، ثم غيَّرها الحجاج.

стр. 3946

وذكر محمَّد بن خلف في كتاب "المكاييل"، عن الواقدي، عن سعيد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: كان لقريش أوزن في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أقرت على ما كانت عليه الأوقية أربعون درهمًا، والرطل اثنى عشر أوقيةً، فذلك أربعمائة وثمانون درهما، وكان لهم النش وهو عشرون درهمًا، والنواة وهي خمسة دراهم، وكان المثقال اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبةً، وكانت العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل، والدرهم خمسة عشر قيراطًا، فلما قدم سيدنا رسول الله ﵇ كان يسمى الدينار لوزنه دينارًا، وإنما هو تبر، ويسمى الدرهم لوزنه درهمًا وإنما هو تبر، فأقرت موازين المدينة على هذا، فقال النبي ﵇: "الميزان ميزان أهل المدينة". وحكى الأثرم عن أحمد أنه قال: اصطلح الناس على دراهمنا وإن كان بينهم في ذلك اختلاف لطيف. قال: وأما الدينار فليس فيه خلاف. قال أبو عمر: روى جابر ﵁ أن النبي ﵇ قال: "الدينار أربعة وعشرون قيراطًا" قال أبو عمر: هذا وإن لم يصح سنده ففي قول جماعة العلماء به، واجتماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وبحثت أنا غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكلٌّ اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبةً وثلاثة أعشار حبَّة، بالحب من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبةً وستة أعشار حبَّة وعُشر عُشر حبَّة، فالرطل مائة درهم واحدة وثمانية وعشرون درهمًا بالدرهم المذكور. وقال ابن حزم أيضًا: الدرهم في الورق والدينار في الذهب ثم يجتمعان في النواة والنش والأوقية، وقد دخل في الرطل في بعض المقادير، فالدرهم المذكور في الزكاة هو الذي في كل سبعة دنانير ذهبا منه عشرة دراهم بوزن مكة، والأوقية أربعون درهما مكية من ذهب أو فضة، والرطل اثنى عشر أوقية مكية.

стр. 3947

وقال في "الإيصال": لا خلاف بين أحد في الأوقية المذكورة في أواقي الورق في الصدقة المفروضة: أنها أربعون درهمًا بالدرهم المكي، وأما وزن الرطل فإن الناس يختلفون في أن المثقال على وزنه قديما وحديثًا، وهو درهمان طبريان، والدرهم الطبري هو القرطبي. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: ثنا شيبان ابن عبد الرحمن، عن ليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، ولا خمس أواقٍ ولا خمسة أوساق صدقة". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا ليث ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر نحوه ولم يرفعه. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن الحسن بن موسى الأشيب أبي علي البغدادي قاضي طبرستان وشيخ أحمد، روى له الجماعة، عن شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي أبي معاوية البصري المؤدب روى له الجماعة، عن ليث بن أبي سليم أيمن بن زنيم القرشي الكوفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ نحوه.

стр. 3948

وأخرجه البيهقي (١): من حديث عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن نافع ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد البصري، عن ليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبد الله بن سعيد، نا المحاربي عبد الرحمن بن محمَّد، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﵇ قال: "ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، ولا خمس أواقٍ من فضة صدقة". الثالث: وهو موقوف: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني نزيل مصيصة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي المكي، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ ولم يرفعه إلى النبي ﵇. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: نعيم بن حماد بن معاوية المروزي الفارض الأعور، تُكُلم فيه؛ فعن النسائي: ضعيف. وعنه: ليس بثقة. وعن أحمد: كان من الثقات. وعن يحيى: ثقة. وعنه: يروي عن غير الثقات. وابن المبارك هو عبد الله بن المبارك الزاهد المشهور. ومعمر هو ابن راشد. وأبو صالح هو ذكوان الزيات. والكل ثقات. والحديث أخرجه أبو عمر بن عبد البر (٢): نا سعيد بن نصر، نا قاسم بن أصبغ، نا ابن وضاح، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن

стр. 3949

معمر، قال: حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: " [ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، و] (١) ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة". وقال إسناده حسن. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحكم بن موسى، قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: ثنا الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن" فكتب فيه: ما سقت السماء أو كان سيحًا أو بعلًا فيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقط بالرِشاء أو بالدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق". ش: مرَّ هذا الإسناد بعينه في أواخر الباب الذي قبله، وهو حديث مطول جدًّا أخرج بعضه هناك وبعضه ها هنا؛ للتبويب، وترك أكثره، وقد ذكرناه بتمامه هناك مع شرح معانيه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا تجب الصدقة في ضيء من الحنطة والشعير والتمر والزبيب حتى تكون خمسة أوسق، وكذلك كل شيء مما تخرج الأرض مثل الحمص والعدس والماش وما أشبه ذلك فليس في شيء منه صدقة حتى يبلغ هذا المقدار أيضًا، وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد وأهل المدينة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن المسيب والثوري ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا تجب الصدقة -أي الزكاة- في شيء من الحنطة ونحوها من الحبوب، وفي التمر والزبيب حتى تكون خمسة أوسق، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.

стр. 3950

وقال أبو عمر بن عبد البر: قوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" يقتضي نفي وجوب الزكاة عما دون خمسة أوسق، ويقتضي وجوبها في هذا المقدار فما فوقه، والخمسة الأوسق عندنا بالكيل القرطبي: خمسة وعشرون قفيزًا على حساب ثمانية وأربعين. هذا وإن كان القفيز اثنين وأربعين مدًّا كما زعم جماعة من الشيوخ عندنا فهي ثمانية وعشرون قفيزًا ونصف قفيز وأربعة أسباع قفيز وزن جميعها ثلاثة وخمسون ربعًا وثلث ربع كل ربع منها من ثلاثين رطلًا. فهذا هو المقدار الذي لا تجب الزكاة فيما دونه وتجب فيما فوقه كيلًا؛ لأن الحديث إنما نبَّه على الكيل. وهذا إجماع من العلماء أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق إلا أبا حنيفة وزفر ورواية عن بعض التابعين؛ فإنهم قالوا: الزكاة في كل ما أخرجته الأرض قلَّ ذلك أو كثر إلا الطرف والقصب الفارسي والحشيش والحطب. وأجمع العلماء كلهم من السلف والخلف على أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا فيما سوى ذلك من الحبوب، فقال مالك: الحبوب التي تجب فيها الزكاة: الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والحمص والعدس والجلبان واللوبيا وما أشبه ذلك من الحبوب والقطاني كلها. قال: وفي الزيتون الزكاة. وقال الشافعي: كل ما يزرعه الآدميون وييبس ويُدَّخر ويقتات مأكولًا خبزًا وسويقًا وطبيخًا ففيه الزكاة. قال: والقطاني كلها فيها الزكاة، واختلف قوله في الزيتون، وآخره أنه رجع إلى أنه لا زكاة فيه؛ لأنه إدام. قال: وليس في الأرز والقتّ والقثاء وحبوب البقل والشونيز صدقة، ولا يؤخذ من ثمر الشجر صدقة إلا في النخل والعنب، وقال الطبري في هذا

стр. 3951

الباب بقول الشافعي، ولا زكاة عنده في الزيتون، وأجمعوا أنه لا يضاف التمر إلى الزبيب ولا إلى البر ولا الإبل إلى البقر ولا البقر إلى الغنم، والغنم والضأن والمعز يُضاف بعضها إلى بعض بإجماع. واختلفوا في ضم الذهب والورق بعضه إلى بعض في الزكاة، فقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري: يضم أحدهما إلى الآخر فيكمل به النصاب، إلا أن أبا حنيفة قال: يضم بالقيمة، وكذلك قال الثوري إلا أنه قال: يضم القليل إلى الكثير بقيمة الأكثر. وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأصحابه وأبو ثور وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والطبري وداود بن عليّ: لا يضم شيء منهما إلى صاحبه، ويعتبرون تمام النصاب في كل واحدٍ منهما. واختلفوا في زكاة الزيتون، فقال الزهري والأوزاعي والليث: يخرص زيتونًا ويؤخذ زيتًا صافيًا. وقال مالك: لا يخرص ولكن يؤخذ العشر بعد أن يُعصر، ويبلغ كيل الزيتون خمسة أوسق. وقال أبو حنيفة والثوري: تؤخذ الزكاة من حبِّه. وكان ابن عباس يوجب الزكاة في الزيتون، وروي عن عمر ﵁ ولا يصح فيه شيء، وكان الشافعي بالعراق يقول في الزيتون [الزكاة] (١) ثم قال بمصر: لا أعلم الزكاة تجب في الزيتون. واتفق مالك والشافعي على أن لا زكاة في الرمان. وقال عياض: رأى أبو حنيفة إخراج الزكاة العشر ونصف العشر من كل ما أخرجت الأرض من الثمار والرياحين والخضر ونحوها إلا الحشيش ونحوه.

стр. 3952

ورأى الحسن والثوري وابن أبي ليلى في آخرين: أن لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وذهب مالك في المشهور عنه أنها تجب في كل ما يقتات ويُدَّخر غالبًا، ونحوه قول الشافعي وأبي ثور إلا أنهما استثنيا الزيتون. وقال ابن الماجشون من أصحابنا: تجب في ذوات الأصول كلها، ما ادَّخر منها وما لم يُدَّخر. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ولا تجب الزكاة إلا في ثمانية أصناف من الأموال فقط وهي: الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والإبل والبقر والغنم ضأنها وماعزها فقط، ولا زكاة في شيء من الثمار ولا من الزرع ولا في شيء من المعادن غير ما ذكرنا، ولا في الرقيق ولا في العسل ولا في عروض التجارة. وقال: واختلف السلف في كثير مما ذكرنا، فأوجب بعضهم الزكاة فيها ولم يوجبها بعضهم، واتفقوا في أصناف سوى هذه أنه لا زكاة فيها، فمما اتفقوا أنه لا زكاة فيها كل ما اكتسب للقينة لا للتجارة من جوهر وياقوت ووطاء وغطاء وثياب وآنية نحاس أو حديد أو رصاص أو قزدير وسلاح وخشب ودور وضياع وبغال وحمير وصوف وحرير وغير ذلك لا يحاش شيئًا. وقالت طائفة: كل ما عمل منه عصيدة أو خبز ففيه الزكاة، وما لم يؤكل إلا بقلها فلا زكاة فيه. وهو قول الشافعي. وقال مالك: الزكاة واجبة في القمح والشعير والسلت، وهي كلها صنف واحد. قال: وفي العَلَس، وهو صنف مفرد. وقال مرة أخرى: إنه يضم إلى القمح والشعير والسلت. قال: وفي الدخن وهو صنف مفرد وفي السمسم والأرز والذرة، وكل صنف منها منفرد لا يضم إلى غيره، وفي الفول والحمص واللوبيا والعدس والجلبان والبسيل والترمس وسائر القطنية، وكل ما ذكرنا فهو واحد يضم بعضه إلى بعض.

стр. 3953

قال: وأما في البيوع فكل صنف منها على حياله إلا الحمص واللوبيا فإنهما صنف واحد. ومرة رأى الزكاة في حب العصفر، ومرةً لم يرها فيه. وأوجب الزكاة في زيت الفجل، ولم يرها في زريعة الكتان ولا في زيتها ولا في الكتان ولا في القطن ولا في الكرسنَّة ولا في الخضر كلها، ولا في اللفت، ورأى الزكاة في الزبيب وفي زيت الزيتون لا في حبه، ولم يرها في شيء من الثمار ولا في تين ولا في بلوط ولا قسطل ولا رمَّان ولا جوز الهند ولا جوز ولا لوز ولا غير ذلك أصلًا. وقال أبو حنيفة: الزكاة في كل ما أنبتت الأرض من حبوب أو ثمار أو نوَّار، ولا يحاش شيئًا حتى الورد والسوسن والنرجس وغير ذلك حاشا ثلاثة أشياء فقط وهي: الحطب والقصب والحشيش فلا زكاة فيها. واختلف قوله في قصب الذريرة؛ فمرةً رأى فيها الزكاة، ومرةً لم يرها فيها. وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة في الخضر كلها ولا في الفواكه. وأوجبا الزكاة في الجوز واللوز والتين وحب الزيتون والجلّوز والصنوبر والفستق والكمون والكراويا والخردل والعناب وحب البسباس، وفي الكتان وفي زريعته أيضًا، وفي حب العصفر وفي نواره، وفي حب القنب لا في كتانه وفي الفوة، إذا بلغ كل صنف مما ذكرنا خمسة أوسق وإلا فلا. وأوجبا الزكاة في الزعفران والقطن والوَرْس. واختلفا في الإجاص والبصل والثوم والحنَّاء، فمرة أوجبا فيها الزكاة، ومرةً أسقطاها. وأسقطا الزكاة عن خيوط القنب وعن حب القطن، وعن البلوط والقسطل والنبق والتفاح والكمثرى والمشمش والهليلج والبطيخ والقثاء واللفت والتوت والخروب والحرف والحلبة والشونيز والكراث. انتهى. وفي "البدائع" (١): يجب العشر في العنب عندهما؛ لأن المجفف منه يبقى من سنة إلى سنة وهو الزبيب فيخرص العنب جافًّا، فإن بلغ مقدار ما يجيء منه الزبيب خمسة

стр. 3954

أوسق يجب في عينه العشر أو نصف العشر، وإلا فلا شيء فيه. وروي عن محمَّد أن العنب إذا كان رقيقًا لا يصلح للماء ولا يجيء منه الزبيب فلا شيء فيه وإن كثر. وكذا قال أبو يوسف في سائر الثمار إذا كان يجيء منها ما يبض من سنة إلى سنة بالتجفيف أنه يخرص ذلك جافًّا، فإن بلغ نصابًا وجب وإلا فلا كالتين والإجاص والكمثرى والخوخ ونحو ذلك؛ لأنها إذا جففت تبقى من سنة إلى سنة فكانت كالزبيب. وقال محمَّد: لا يجب العشر في التين والخوخ والإجاص والكمثرى والتفاح والنبق والمشمش والتوت والموز والخروب، ويجب العشر في الجوز واللوز والفستق. وروي عن محمَّد أنه يجب العشر في البصل، ولا عشر في الآس والورد والوَسِمَة، لأنها من الرياحين. وأما الحناء فقال أبو يوسف: فيه العشر. وقال محمَّد: لا عشر فيه؛ لأنها من الرياحين فأشبه الآس والورد، والعصفر والكتان إذا بلغ القرطم والحب خمسة أوسق وجب فيه العشر، ويجب في العصفر والكتان أيضًا على طريق التبع. وقالا في اللفت: إذا بلغ خمسة أوسق ففيه العشر، وكذا حب الصنوبر، ويجب في الكروياء والكمون والكسبرة والخردل، ولا يجب في السَّعْتر والشومر والحلبة؛ لأنها من جملة الأدوية. وقصب السكر إذا كان مما يتخذ منه السكر، فإذا بلغ ما يخرج منه خمسة أوسق وجب فيه العشر، ولا شيء في البلوط، ولا في بذر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة، وكل بذر لا يصلح إلا للزراعة بلا خلاف بينهما، والله أعلم. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فأوجبوا الصدقة في قليله وكثيره. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا وإبراهيم النخعي والزهري وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وزفر بن الهذيل ﵏؛ فإنهم أوجبوا الصدقة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره، ولم يوقتوا فيها شيئًا.

стр. 3955

وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا معتمر بن سليمان الرقي، عن خصيف، عن مجاهد، قال: "فيما أخرجت الأرض فيما قلَّ منه أو كثر العشر أو نصف العشر". ثنا (٢) غُنْدَر، عن شعبة، عن حماد، قال: "في كل شيء أخرجت الأرض العُشر أو نصف العشر". ثنا (٣) وكيع، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: "في كل شيء أخرجت الأرض زكاة، حتى في عشر دستجات بقل دستجة بقل". ثنا (٤) عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري: "أنه كان لا يوقت في الثمرة شيئًا، وقال: العشر أو نصف العشر". ثنا (٥) وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "في كل شيء أخرجت الأرض زكاة". انتهى. وقال ابن المنذر: زعم علماء الأمصار أن الزكاة ليست بواجبة فيما دون خمسة أوسق، إلا أن أبا حنيفة وحده، قال: تجب في كل ما أخرجت الأرض من قليل أو كثير. قلت: قوله: "إلا أن أبا حنيفة وحده" غير صحيح لما ذكرنا الآن عن مجاهد والنخعي والزهري وحماد مثل قوله. وقال النووي: لا خلاف بين المسلمين أن لا زكاة فيما دون خمسة أوسق إلا ما قال أبو حنيفة وبعض السلف أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، وهذا مذهب باطل منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة.

стр. 3956

قلت: الذي قاله باطل، فعجبي منه كيف يتلفظ بهذا الكلام مع شهرته بالورع والديانة، وكيف قد غفل عن مستندات هؤلاء من الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما على ما يجيء الآن إن شاء الله تعالى؛ ولقد صدق مَن قال: حفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياءُ ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثني عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله ﵇ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلًا العشر، ومما سقي بالدوالي نصف العُشر". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو بكر بن عياش ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الحناط -بالنون- المقرئ الكوفي روى له الجماعة؛ مسلم في مقدمة كتابه، واختلف في اسمه فقيل: محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك. عن عاصم بن أبي النَّجود -بفتح النون- الأسدي أبي بكر المقرئ روى له الجماعة الشيخان مقرونًا بغيره، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الكوفي روى له الجماعة، عن معاذ بن جبل. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر ابن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ﵁ ... إلى آخره نحوه سواء.

стр. 3957

وأخرجه النسائى (١) أيضًا ولفظه: "بعثني رسول الله ﵇ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ مما سقت السماء العُشر، ومما سقي بالدوالي نصف العشر". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان. عن أبي بكر بن عياش ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ قال: "بعثني رسول الله ﵇ إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلًا العُشر، ومما سقي بالدوالي نصف العشر". قوله: "مما سقت السماء" أي: المطر. قوله: "وما سقي بعلًا" البعل بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة هو الذي يشرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها. قال الأزهري: هو ما ينبت من النخل في أرض يقرب ماؤها، فرسخت عروقها في الماء واستغنت عن ماء السماء والأنهار وغيرها. وقال ابن ماجه (٣): قال يحيى بن آدم: البعل والعثري والعذي هو الذي يسقى بماء السماء، والعثري ما يزرع بالسحاب وبالمطر خاصةً ليس يصيبه إلا ماء المطر، والبعل: ما كان من الكرم قد ذهبت عروقه في الأرض إلى الماء فلا يحتاج إلى السقي الخمس سنين والست. فإن قيل: "بعلًا" منصوب بماذا؟

стр. 3958

قلت: يجوز أن يكون حالًا، وغير المشتق يقع حالًا بالتأويل كما في قولك: جاءني يزيد أسدًا. أي شجاعًا، والأظهر أنه نصب على التمييز من قبيل ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (١)؛ وذلك لأن نسبة التفجير إلى الأرض لما كانت مبهمة بيَّنها بقوله: ﴿عُيُونًا﴾ وهو من قبيل ما يبين إجمالًا في نسبة الفاعل إلى مفعوله. قوله: "بالدوالي" جمع دالية وهي المنجنون التي يديرها الثور. فإن قيل: ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث؟ قلت: هو أنه مطلق وليس فيه فصل بين أن تكون خمسة أوسق أو أقل أو أكثر، فوجب العمل بإطلاقه، ووجبت الصدقة في كل ما تخرج الأرض سواء كان قليلًا أو كثيرًا، ولكن إن كان الخارج مما سقي بالسيح والمطر ففيه العُشر كاملًا، وإن كان بالدالية أو السانية (٢) ففيه نصف العُشر. وأما جواب أبي حنيفة عن الأحاديث المتقدمة فهو أن المراد بها زكاة التجارة؛ لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهمًا. وقد أجيب عنها بأنها منسوخة. فإن قيل: ما وجه النسخ في ذلك؟ قلت: إذا ورد حديثان أحدهما عام والآخر خاص، فإن عُلِم تقديم العام على الخاص خصَّ العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا تعط لأحد شيئًا. ثم قال له: أعطِ زيدًا درهمًا. ثم قال له: لا تعط أحدًا شيئًا. فإن هذا ناسخ للأول. هذا مذهب عيسى بن أبان، وهو المأخوذ به، ويقال: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرًا لما فيه من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخرًا احتياطًا. وقال بعض أصحابنا: وحجة أبي حنيفة فيما ذهب إليه عموم قوله

стр. 3959

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) والأحاديث التي تعلقت بها أهل المقالة الأولى أخبارآحاد، فلا تقبل في معارضة الكتاب. فإن قيل: ما تلوتم من الكتاب ورويتم من الأحاديث لأبي حنيفة ﵁ تقتضي الوجوب من غير تعرض لمقدار الواجب، وما روى هؤلاء يقتضي وجوب المقدار، فكان بيانًا لمقدار ما يجب فيه العشر، والبيان بخبر الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه. قلت: لا يمكن حمله على البيان؛ لأن ما احتج به أبو حنيفة عام، فيتناول ما يدخل تحت الوسق وما لا يدخل، وما روى هؤلاء يختص فيما يدخل تحت الوسق فلا يصلح بيانًا للقدر الذي يجب فيه العُشر؛ لأن من شرط البيان أن يكون شاملًا لجميع ما يقتضي البيان، وهذا ليس كذلك، فعلم أنه لم يرد مورد البيان. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء العشور، وفيما سقي بالناضح نصف العشور". حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ فرض فيما سقت الأنهار والعيون أو كان عثريًّا يُسقى بالسماء العشور، وفيما سقي بالناضح نصف العشور". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله.

стр. 3960

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذه أربع طرق: الأول: إسناده صحيح على شرط الشيخين: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا هارون بن سعيد الأيلي، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا: العشر، وفيما سُقي بالسواني أو النضح نصف العشر". وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. وأخرجه الترمذي (٤) ولكن عن أبي هريرة ﵁ نحوه. قوله: "بالناضح" وهو واحد النواضح، وهي الإبل التي يُستقى عليها. الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن يزيد بن أبي حَبيب سويد المصري، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇. وأخرجه الدارقطني (٥): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يزيد بن سنان، ثنا ابن أبي مريم، ثنا ابن لهيعة، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم بن
следующие страницы →