و"الشيخ" في اللغة يطلق على من استبانت فيه السنن، ويقال: من عَدَّى خمسين سنة يُسمَّى شيخًا إلى ثمانين سنة، ثم يَصير هِمًّا.
وقال الإِمام أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد المعروف بابن الأجداني: ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا وُلد فهو منفوس وأمه نفساء، فإذا خرج رأسه قبل رجليه فهو وَجِيةٌ، وإنْ خرجت رجلاه قبل رأسه فهو يَتْنٌ وذلك مذموم، ويسمى طفلًا ورضيعًا، فإذا ارتفع شيئًا وأكل فهو جَفرٌ، والأنثى: جَفْرَة، فإذا فطم، فهو فطيم، فإذا قوي وجمد فهو حَزَوَّر، فإذا ارتفع فوق ذلك فهو يَافِعٌ، فإذا قارب الاحتلام فهو مراهق، فإذا بلغ الحُلم فهو محتلمٌ وحالم، فإذا بقل وجهه فهو طارٌّ، يقال: طرَّ وجهه، وطرَّ شاربه، فإذا جاوز وقت النكاح ولم يتزوج فهو عانس، فإذا اجتمع وتم فهو كهل، فإذا رأى البياض فهو أشيب وأشمط، فإذا استبانت فيه السن فهو شيخ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو مُسِنٌّ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو قَحْمٌ، فإذا قارب الخَطْوَ فهو دالف، فإذا زاد على ذلك فهو هَرِمٌ وهِمٌّ بكسر الهاء، فإذا ذهب عقله من الكبر فهو خَرفٌ.
وقال بعضهم: الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين، فإذا وُلِدَ سُمِّي صَبِيًّا، فإذا فُطِمَ سُمِّي غُلامًا إلى سبع سنين، ثم يصير يَافِعًا إلى عشر حِجَج، ثم يصير حزوَّرًا إلى خمس عشرة سنة، ثم يصير قُمُدًّا (١)، إلى خمس وعشرين سنة، ثم يصير عَنَطْنَطًا إلى ثلاثين سنة، ثم يصير صملًا إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلًا إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخًا إلى ثمانين سنة، ثم يصير بعد ذلك هِمًّا.
وقال الجوهري: جمع الشيخ: شيوخ وأشياخ وشِيخَةٌ وشيخانُ ومَشِيخَةٌ ومشايخ ومَشيُوخاء، والمرأة شيخةٌ. قال عَبيدٌ:
كأنها شَيخةٌ رَقُوب
وقد شاخ الرجل يشيخ شَيَخًا -بالتحريك جاء على أصله- وشيخوخةً، وأصل الياء متحركة فسكنت لأنه ليس في الكلام فعلول، وما جاء على هذا مثل
стр. 37
كينونة وقيدودة وديمومة وهيعوعة فأصله كَيَّنُونة بالتشديد [١/ق ٢ - ب] فخفف، ولولا ذلك لقالوا: كونونة وقودودة، ولا يجب ذلك في ذوات الياء مثل الحيدودة، والطيرورة، والشيخوخة، وشيّخ تَشييخًا، أي: شاخ، وشَيَّخْتُهُ أي دَعَوتُه شيخًا للتبجيل، وتصغير الشيخ: شُيَيْخ وشِيَيْخ أيضًا، ولا تقل: شُوَيْخ. انتهى.
وأما في الاصطلاح: فالشيخ يطلق على من تقدم في العلم، وإنْ لم يبلغ حد الشيخوخة في السن، ويقال: الشيخ من يَصلحُ أن يتتلمذ له.
فإن قيل: هل يجوز إطلاق ذلك على الأنبياء ﵈؟.
قلت: قد جاء في قوله تعالى حكايته عن قول سارة امرأة إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (١)، قال المفسرون: كانت حينئذٍ ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق. وفي قول مجاهد ابنة تسع وتسعين سنة، وكان سن إبراهيم ﵇ مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق. ومائة سنة في قول مجاهد.
وجاء أيضًا في قوله تعالى حكايته عن قول بنات شعيب ﵇ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (٢)، يعني لا يستطيع أن يسقي مواشيه لكبر سنه، ولقد سمعت شيخي العلَّامة أبا الروح عيسى السُّرْماري عند قراءة التفسير عليه أن إطلاق لفظ الشيخ على إبراهيم ﵇؛ لإظهار التعجب، وعلي شعيب ﵇، للاستعطاف، فافهم.
قوله: "الإِمام" الذي يقُتدَى به؛ فإن كان في الصلاة يُسمّى إمامًا باعتبار اقتدائهم به في الصلاة، وإنْ كان في العلم يسمى إمامًا باعتبار أخذهم العلوم منه، وإنْ كان في الخلافة يسمى إمامًا باعتبار إطاعتهم له وانقيادهم لأمره.
стр. 38
وجمعه: أئمة، وأصله: أَأْمِمَة على أَفْعِلَة مثل: إناء وآنية، وإله وآلهة، فأدغمت الميم، فنقلت حركتها إلى ما قبلها، فلما حرَّكوها بالكسر جعلوها ياءً، وقرئ ﴿فَقَاتِلُوا أَيمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (١)، قال الأخفش: جعلت الهمزة ياء لأنها في موضع كسرة وما قبلها مفتوح فلم يهمز؛ لاجتماع الهمزتين، قال: ومن كان رأيه اجتماع الهمزتين هَمَزَهُ، قال: وتصغيرها أُوَيْمة، لما تحركت الهمزة بالفتحة قلبها واوًا.
وقال المازني: أُيَيْمة، ولم يقلب.
قوله: "العلامة" مبالغة عالم، وقال الجوهري: رجل علامة أي عالم جِدًّا، والهاء للمبالغة كأنهم يريدون به: داهية.
قوله: "أبو جعفر" كنية الطحاوي، و"أحمد" اسمه، و"الأزدي" نسبته إلى القبيلة، و"الطحاوي" نسبته إلى البلد، وقد ذكرنا وجه ذلك في ترجمته، والفرق بين الكُنية واللقب والاسم والنسبة: أن الكُنية كل اسم بُدئ بأب أو أم، كما تقول: أبو عمرو، وأم عمرو.
و"اللقب" ما يدل على شرف في المُسمّي أو حقارة، كعتيق لقب الصديق، وسَفِينة مولى رسول الله ﷺ ، وبَطّة، وقُفَّة، وأنف الناقة.
و"الاسم" -أعني به العلَمَ-: ما وضع في أول أحواله لشيء بعَيْنه ولا يقع على كل ما يشبهه، ألا ترى أن زيدًا وضع في أول ما وضع للرجل المعين، ثم ليس كل من يكون مثل زيد يسمى زيدًا، ثم هو ينقسم إلى شخصي وجنسيّ:
فالشخصي: كأعلام أولي العلم، وما يتحد ويؤلف.
فالأول: كزيد من الإنس، وآصف من الجن، وجبريل من الملائكة (٢). ومنه أسماء الله تعالى الله والرحمن.
стр. 39
والثاني: أنواع ما يتخذ لقبيلة كتميم، أو بلد كمكة ودمشق، أو فرس كلاحق (١). وأعوج (٢)، أو جمل كشَدْقم (٣)، وعِلَيّانِ (٤)، أو شاة كخطّة وهَيْلة، أو كلب، كضُمْران (٥)، وواشق (٦)، ونحوها.
وجنسي: كل اسم جنس جرى مجرى العلم الشخصي في الاستعمال كأسامة للأسد، وثعالة للثعلب (٧)، وحضاجر للضبع ونحوها.
قوله: "الآثار" جمع "أَثَر" بفتحتين، وهو ما بقي من رسم الشيء، وضربة السيف، وسنن النبي ﷺ آثاره، وأصله من أثَرْتُ الحديث -مقصور الهمزة- آثُره -بالمدّ وضم الثاء وكسرها- أثْرًا ساكنة الثاء: حدّثتُ به.
قوله: "المأثورة" أبي المحكية والمروية، فإن قلت: ما الفرق بين السُّنَّة والحديث والخبر؟
قلت: السُّنة في اللغة: الطريقة، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (٨)، والسيرة.
стр. 40
قال الهذليّ:
فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنت .... فأول راضٍ سُنَّةَ من يَسِيرُهَا (١)
وفي الاصطلاح: السُّنة: الوحي غير المتلو، وفي الشرع: السُّنَّة: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول -ويُسَمَّى الحديث- أو فعل أو تقرير، فعلم أنْ لفظ الحديث مختص بالأقوال، ولفظة السُّنة تعم الأقوال والأفعال.
و"الخبر": واحد الأخبار، وأصله من الخُبْر -بضم الخاء وسكون الباء- وهو العلم بالشيء، من خَبَرتُ الشيء أَخْبُره خُبْرًا وخِبرة، ومن أين خَبرْت هذا؟ أي علمته.
وفي الاصطلاح: الخبر ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب، وقال الطحاوي: القرآن لم يفرق بين الخبر والحديث؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٢)، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (٣)، فجعل الحديث والخبر واحدًا، وقال تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ (٤)، وهي الأشياء التي كانت بينهم، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ (٥)، و ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٦)، وقال: ﵇: "ألا أخبركم بخير دور الأنصار" (٧)، "وأخبرني تميم الداري وذكر قصة الجن" (٨)، وقال: "إنَّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها،
стр. 41
وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي ... " (١) الحديث، وفي رواية: "فأخبروني" (٢).
قلت: ومن هذا قال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان.
وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا المدقق ابن الحاجب ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى القطان، وقيل: إنه قول معظم الحجازين والكوفيين.
وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلَّا مقيدًا، مثل: حدثنا فلان قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، وهو مذهب ابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيي بن يحيى التميمي، والمشهور عن النسائي، وصححه الآمدي والغزالي، وهو مذهب المتكلمين، وقال آخرون بالمنع في حدثنا، وبالجواز في أخبرنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، ونُقِلَ عن أكثر المحدثين منهم ابن جريج والأوزاعي والنسائي وابن وهب، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر وصار هو السابغ الغالب على أهل الحديث، والأحرى أن يقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا المفيدة إشعاره بالنطق والمشافهة.
ثم إنَّ السُّنة [١/ ق ٢ - أ]، إحدى أصول الشرع الثلاثة المتفق عليها، أعني الكتاب والسُّنة والإجماع، والأصل الرابع هو القياس المستنبط من هذه الثلاثة، ووجه الحصر أن الدليل إنْ كان وحيًا مَتلُوًّا فهو الكتاب، أو غير متلوٍّ فهو السُّنة،
стр. 42
وغير الوحي إنْ كان معصومًا عن الخطأ فهو الإجماع، أو غير معصوم عنه فهو القياس، والأصل الكتاب، والسُّنة مُخْبِرةٌ عنه، والإجماع مستندٌ إليهما، والقياس متفرع عليهما.
وأما شرائع من قبلنا التي قصَّ الله أو رسوله -من غير إنكار- فملحقة بالكتاب أو السُّنة، وقول الصحابي ملحق بالسُّنة، والتعامل ملحق بالإجماع، والاستصحاب ملحق بالقياس، فلا يبطل الحَصرُ المذكور.
قوله: "عن رسول الله ﷺ " فالرسول على وزن فعول بمعنى مفعل، مشتق من الرسالة وهي الإبلاع، وفي الاصطلاح: الرسول من أوتي الكتاب والمعجزة، قاله بعض المحققين، وقيل: إنَّ الرسول من بعُث ومعه كتاب منُزل عليه، والنبي من لا كتاب له، فكل رسول نبي ولا عكس.
وهذا كله غير مرضي، والصحيح أن الرسول من نزل عليه ملك أو كتاب، والنبي من يوقفه الله تعالى على الأحكام، أو يتبع رسولًا من الرسل.
و"الصلاة" في اللغة الدعاء، وإنْ أضيفت إلى الربّ فهي رحمة، وإلى العبد فهي سؤال وخضوع، ومعناها: اللهم عظّمه في الدنيا بإعلاء كلمته وإحياء شريعته، وفي الآخرة بتكثير أجره وتشفيعه في أمته.
قوله: "أهل الإلحاد": من ألحد في دين الله، أي: حادَ عنه وعدل، ولَحَد لغة فيه وقرئ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ [إِلَيْهِ] (١)﴾ ووالتحد مثله، وألحد الرجل أي ظلم في الحرم، وكل من عدل عن الحق فهو ملحد، وكل من كذب على الله تعالى أو على رسوله فهو ملحد، وكل من فسر القرآن برأيه فهو ملحد، وكل من لم ير بتأويل الأحاديث المتعارضة فهو ملحد، وكل من لا يرى بالنسخ في
стр. 43
الكتاب أو السُّنة فهو ملحد، وقد ورد وعيد شديد في الكذب على الرسول ﷺ ، وهو قوله ﵇: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١)، وفي رواية: "من تعمد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، وهذا حديث جليل متواتر مقطوع به لا يوجد له مشابه في طرقه وكثرتها، وقال البزّار: رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًّا. وقال ابن الصلاح: قيل: إنَّه رواه ثمانون من الصحابة فيهم العشرة إلَّا عبد الرحمن بن عوف ﵃ وقال الطبراني وابن منده: رواه سبعة وثمانون صحابيًّا منهم العشرة. وقيل: رواه مائتان منهم ولم نزل في ازدياد. وقال ابن دِحْيَةَ: قد أخرج من نحو أربعمائة [طريق] (٣).
وقيل: لا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة غيره، ثم الكذب عند الأشاعرة الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وإنْ كان سهوًا، واشترطت المعتزلة العمدية فيه.
قلت: الحديث يدل على أن من لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب، ولكن الإجماع منعقد على أن الناسي لا إثم عليه، والمطلق محمول على المقيد في الإثم، ثم الكذب عليه ﵇ من الكبائر، والمشهور أن فاعله لا يكفر -إلَّا أن يستحله- خلافًا للجُوَيْني حيث قال: يكفر ويُراق دمه. وضَعَّفه ولدُهُ الإمام وجعله من هفوات والده، نعم من كَذَب في حديث واحد عمدًا يفسق وترد شهادته ورواياته كلها وإنْ تاب، وبه قال [١/ق ٢ - ب]، أحمد وغيره، وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إذا تاب؛ أنه لا تقبل شهادته، ونظير ما قاله أبو حنيفة والشافعي فيمن ردّت شهادته بالفسق أو العداوة ثم تاب وحسنت حاله لا يقبل
стр. 44
منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه، ونظير ما قاله أبو حنيفة من أن قاذف المحصن إذا تاب لا تقبل شهادته أبدًا، ونظير ما قاله من أنه إذا ردَّت شهادة أحد الزوجين للآخر ثم بَانت لا تسمع للتهمة، وخالف النووي فقال: المختار صحة توبته وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، ثم لا فرق بين تحريم الكذب عليه ﵇ بين ما كان في الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب، ولا عبرة بقول الكرامية في تجويزهم الوضع في الترغيب والترهيب وتشبثهم برواية: "من كذب عليّ متعمدًا ليضل به" (١) بهذه الزيادة ولأنه كذب له لا عليه، فهذه زيادة باطلة باتفاق الحفاظ، واللَّحْنُ ونحوه يحتمل دخوله في هذا الوعيد؛ فلذلك قالوا: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة ما يسلم به من قول ما لم يقله، وقال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله ﵇: "من كذب عليّ ... " (١) الحديث؛ لأنه ﵇ لم يكن يلحن، فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه.
قوله: "والضعفةُ" بالرفع عطفًا على المضاف في قوله: "أهل الإلحاد" وأراد بهم الضعفة -وهو جمع ضعيف- في النقل، أو في استنباط الأحكام، أو في فهم المعاني من الألفاظ.
قوله: "من الناسخ" النسخ لغة: الإزالة والرفع، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته ورفعته، والنقل أيضًا يقال: نسختُ الكتابَ أي نقلت مثل ذلك المكتوب إلى موضع آخر.
وشرعًا: بيان لمدة الحكم المطلق الذي كان معلومًا عند الله تعالى وأجمع المسلمون على جوازه -خلافًا لليهود- وعلي وقوعه -خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني- وشرطه: التمكن من عقد القلب، فأما الفعل أو التمكن منه فليس بشرط -خلافًا للمعتزلة- وذلك لأن الله تعالى فرض على عَبيده خمسين صلاة
стр. 45
ليلة المعراج ثم انتسخ ما زاد على الخمس لسؤال النبي ﷺ ، وكان ذلك نسخًا قبل التمكن من الفعل إلَّا أنه كان بعد عقد القلب عليه، والرسول ﵇ هو الأصل لهذه الآية ولا شك أنه عقد قلبه على ذلك، ومحله أربعة:
الأول: لا مدخل للنسخ فيه، كصفات الباري وأسمائه، وهذا القسم لا يحتمل العدم أصلًا.
الثاني: ما لا يحتمل الوجود أصلًا، كاجتماع النقيضين، وهذا أيضًا ما استحال نسخه؛ لأنه لا يجري في المعدوم.
والثالث: ما يحتمل الوجود والعدم لكن اقترن به ما يمنع الزوال من توقيت، مثل أن يقول الشارع: أذنت لك كذا إلى سنة كذا، فإن المنع عنه قبل حلول الأجل بداء فهو باطل وليس لهذا القسم مثال في أحكام الشرع، أو تأبيد صريح مثل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ولا يجري فيه النسخ أيضًا.
والرابع: هو المطلق الذي يحتمل أن يكون مؤقتًا، ويحتمل أن يكون مؤبدًا احتمالًا على السواء فيجري فيه النسخ، وذلك في الأحكام الشرعية بالأمر والنهي، ولا نسخ في الأخبار عند الجمهور، ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، والسُّنة بالسُّنة، والكتاب بالسُّنة والعكس [١/ق ٣ - أ]، خلافًا للشافعي في الأخيرين، ولا يجوز نسخ الكتاب والسُّنة بالقياس عند الجمهور -خلافا لابن سريج- ووجوهه أربعة:
نَسخ التلاوة والحكم جميعًا، كصحف إبراهيم ومن تقدمه من الرسل، ﵈.
ونَسخ الحكم مع بقاء التلاوة، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (١)، فإن الحبس في البيوت والأذى باللسان كان حَدَّ الزنى، وقد نسخ هذا مع بقاء التلاوة.
стр. 46
ونَسخ رسم التلاوة مع بقاء الحكم، كما في صوم كفارة اليمن ثلاثة أيام متتابعة بقراءة ابن مسعود ﵁: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ متتابعات﴾ (١).
والنَّسخ بطريق الزيادة على النص، فهذا بَيَانٌ عندنا صورة، ونَسْخ معنًى، سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم، وعلي قول الشافعي هو بمنزلة تخصيص العام، ولا يكون فيه معنى النسخ، حتى جوز ذلك بخبر الواحد والقياس، وبيان هذا في النفي مع الجلد، وقيد صفة الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين.
قوله: "وتأويل العلماء" مِنْ أوّل، أصله من آل الشيء يئول إلى كذا، أي رجع وصار إليه، وقال ابن الأثير: التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقال البغوي: التأويل صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسُّنة من طريق الاستنباط، والتفسير هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز إلَّا بالسماع بعد ثبوته بطريق النقل، وأصله من التفسِرة وهي الدليل من الماء الذي ينظر فيه الطبيب، فيكشف عن علة المريض، فكذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها.
قوله: "وإقامة الحجة" من حَجَّ إذا غلب، سمّيت حُجَّة لأنها تغلب من قامت عليه وألزمته حقًّا، وتستعمل في القطعي وغيره، والبرهان نظيرها، وقيل: هو بيان صدق الشهادة.
و"البينة" مأخوذة من البين وهو الفصل، والفاصل بين الحق والباطل سمّي بينة.
و"الدليل" يُذكر ويراد به الدالّ، ومنه قول الداعي: يا دليل المتحيرين إني هاديهم إلى ما تزول به الحَيْرة، ومنه دليل القافلة وهو الذي يرشدهم الطريق،
стр. 47
ويُذَكَّر ويراد به العلامة المنصوبة لمعرفة المدلول ومنه سمّي الدخان دليلًا على النار، ثم اسم الدليل يقع على كل ما يعرف به المعلوم حِسِّيًّا كان أو شرعيًّا، قطعيًّا كان أو غير قطعيّ، حتى سمّي الحِسُّ والعقل والنص والقياس وخبر الواحد وظواهر النصوص كلها أدلة.
قوله: "أو إجماع أو تواتر" الإجماع لغة: العزم، يقال: أجمع زيد على كذا، أي عزم وصمم عليه.
وفي الاصطلاح: هو اتفاق المجتهدين من هذه الأمَّة في كل عصر على أمر من الأمور، ولا بد من قيد "إلى انقراض العصر" عند من يشترط ذلك، وقال داود ومن تابعه: لا إجماع إلَّا للصحابة. وهو رواية عن أحمد، وقال مالك ومن تابعه: لا إجماع إلَّا لأهل المدينة من الصحابة والتابعين. وقالت الزيدية والإمامية: لا إجماع إلَّا لعترة الرسول ﷺ وهم رهطه الأدنون.
والصحيح: أن إجماع علماء كل عصر من أهل العدالة والاجتهاد حجة، ولا عبرة بقلتهم وكثرتهم، خلافًا لإمام الحرمين في اشتراطه عدد التواتر في انعقاده.
وأما التواتر في اللغة: من تواترت الكتب إذا اتصل بعضها ببعض في الورود متتابعًا. [١/ ق ٣ - ب]
وفي الاصطلاح: ما اتصل بنا عن رسول الله ﷺ بالنقل المتواتر، وهو أن ينقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، عن قوم مثلهم، هكذا إلى أن يتصل برسول الله ﵇ فيكون أوله كآخره وأوسطه كطرفيه، نحو نقل أعداد الصلوات وأعداد الركعات ومقادير الزكوات والديات ونحو ذلك، والمذهب عندنا: أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت بالمعاينة، وأصحاب الشافعي يقولون: إنَّ الثابت به علم يقين، ولكنه مكتسب لا ضروري.
стр. 48
قوله: "من أقاويل الصحابة" الأقاويل: جمع أقوال، جمع قول، وهو النطق المعتمد على مقاطع الفم، وقال ابن جني: القول يقع على الكلام التام وعلى الكلمة الواحدة على سبيل الحقيقة، ويصح جعله مجازًا على الاعتقاد والرأي، كما نقول: فلان يقول بقول أبي حنيفة ويذهب إلى قول مالك، وقد يستعمل في غير النطق، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ (١)، واللفظ ما يتلفظ به الإنسان
أو في حكمه مهملًا كان أو مستعملًا، والصوت كيفية تحدث من تموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع.
و"الصحابة" في الأصل مصدر ولكن المراد الأصحاب، يقال: صَحِبَهُ يصحَبُه صُحْبة وصَحابةً، وجمع الصاحب: صَحْب كراكب ورَكْب، وصُحْبة -بالضم- كَفَارِه وفُزهة، وصِحاب كجائع وجياع، وصُحْبَان، كشابّ وشبَّان، والأصحاب جمع صحب.
والصحابي: كل مسلم رأى النبي ﵇ ولو ساعة وإنْ لم يصحبه، وقال البخاري: من صحب النبي ﵇ أو رآه من المسلمين.
وقالت جماعة: هو من طالت صحبته مع النبي ﵇ وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه.
وعن ابن المسيّب: هو من أقام مع رسول الله ﵇ سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين.
والأصح أنه من رأى النبي ﵇ أو رآه النبي ﵇ ولو ساعة.
ويعرف كونه صحابيًّا بالتواتر أو بالاستفاضة أو يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، أو بقوله وإخباره عن نفسه أنه صحابي بعد ثبوت عدالته.
والتابعيّ: من رأى الصحابيّ، والياء فيهما للمبالغة كما يقال أحمريّ ودُوَّاريّ، أو زائدة لازمة لغير معنى كقولهم للناصر حواريّ ولضرب من النبت بَرْدي.
стр. 49
قوله: "وبحثت" من بحث عن الشيء وابتحث عنه إذا فتش عنه، وفي الاصطلاح: البحث هو التفتيش عن النسبة الإيجابية أو السلبية في الكلام.
قوله: "أبوابًا ... " جمع باب وهو النوع وقد يجمع على أبوبة قاله ابن فارس، و"الجنس" كلي مقول على كثيرين مختلفين في النوع، والنوع كلي مقول على كثيرين مختلفين بالشخص.
قوله: "في الطهارات" جمع طهارة وهي النظافة مطلقًا، وفي الشرع هي النظافة عن النجاسات وما به، من طَهُر يطهُر بضم الهاء وفتحها في الماضي، وإنما جمع المصدر وإنْ كان يتناول القليل والكثير لقصده الأنواع، كما يقال: كتاب البيوع لاشتماله على أنواع البيع، والتاء فيها كالتاء في "رحمة" و"شدة".
قوله: "فمن ذلك" إشارة إلى باب الطهارة الذي دل عليه سياقه أو إلي الطهارات باعتبار، المذكور.
стр. 50
ص: باب: الماء تقع فيه النجاسة
ش: ارتفاع الباب بالابتداء، وخبره قوله: "فمن ذلك"، أي فمن باب الطهارات باب حكم الماء الذي تقع فيه النجاسة، هذا على النسخة التي ترتيبها هكذا فمن ذلك باب الماء تقع فيه النجاسة، وأما على النسخة التي ترتيبها فمن ذلك باب ما تقع فيه النجاسة، باب الماء تقع فيه النجاسة فهو مرفوع إما على أنه بدل من الباب الأول، أو يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب في بيان أحكام الماء الذي تقع فيه النجاسة، فيكون هذا من ذكر الخاص بعد العام؛ لأن قوله: باب ما تقع فيه النجاسة أعم من أن يكون ماءً أو غيره.
وإنما قدم أبواب الطهارات؛ لأنها شروط للصلاة، والشرط يذكر قبل المشروط، وقدم الماء لأنه آلة للتحصيل، وخصّ الماء الذي تقع فيه النجاسة لشدة الاحتياج إلى معرفة أحكامه.
وأصل الماء: مَوَه فلذلك تجمع على أمواه ومياه، فالأول في القِلة، والثاني في الكثرة، والذاهب عنه الهاء لأن تصغيره مُوَيْه، وماهت الركيّةُ تَموه وتَميه وتماه مَوهًا وموؤها إذا طهر ماؤها، ومِهْتُ الرجلَ ومهُته بكسر الميم وضمها إذا سقيته الماء، قال الجوهري: الماء الذي يشرب.
قلت: الماء جوهر سيَّال منبِت مُرْوٍ للعطش.
والنجاسة اسم للنجس من نَجِسَ الشيء -بالكسر- يَنجُس نَجَسًا بفتحتين ونِجْسًا بكسر النون وسكون الجيم، وأَنْجَسَهُ غيره ونَجَّسَه بمعنى.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري، قال: حدثنا الحجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبيد اللهَ بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري ﵃ "أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ من بئر بضُاعة، فقيل: يا رسول الله، إنَّه تُلقي فيها الِجيَفُ والمحائضُ. فقال: إنَّ الماء لا ينجس".
стр. 51
ش: محمَّد بن خزيمة وثقه ابن يونس وقال: توفي بالإسكندرية سنة ست وسبعن ومائتين.
والحجاج بن منهال الأنماطي أبو محمَّد البصريّ، روى له الجماعة.
وحماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
ومحمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المدني، روي له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات.
وعُبيد الله -بتصغير العبد- بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري العدوي، وقيل: عبيد الله بن عبد الله -بتصغير الابن وتكبير الأب- بن رافع بن خَديج، وقيل: عبد الله بن عبد الله بالتكبير فيهما.
وقيل: إنهما اثنان، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
وأبو سعيد اسمه سعد بن مالك، مشهور باسمه وكنيته.
والحديث أخرجه الثلاثة، فقال أبو داود (١): حدثنا ابن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سُليمان الأنباري، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري: "أنه قيل لرسول الله ﷺ : أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتْن؟! فقال رسول الله ﷺ : الماء [١/ق ٤ - ب] طهور لا ينجسه شيء".
وقال الترمذي (٢): حدثنا هنّاد والحسن بن علي الخلال وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمَّد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله ابن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري: "قيل: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر
стр. 52
بضاعة وهي بئر تُلقي فيها الحِيَض ولحوم الكلاب والنَّتْنُ؟! فقال رسول الله ﷺ : إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء".
وقال النسائي (١): أخبرني هارون بن عبد الله، ثنا أبو أسامة، ثنا الوليد بن كثير، ثنا محمَّد بن كعب القُرَظِي، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري قال: "قيل: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن؟! فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء".
وأخرجه أيضًا أحمد (٢) والبزار وأبو يعلى (٣) في مسانيدهم، والدارقطني (٤) والبيهقي (٥) في سننهما، وقال أحمد: "هو صحيح".
وقال التزمدي: هذا حديث حسن.
فإن قلت: قال ابن القطان: هو ضعيف؛ لأن مداره على أبي أسامة عن محمَّد بن كعب، واختلف على أبي أسامة في الواسطة الذي بين محمَّد بن كعب وأبي سعيد على خمسة أقوال: عبد الله بن عبد الله بن رافع، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، وعبد الله ابن عبد الرحمن بن رافع، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبد الرحمن بن رافع، وكيف ما كان لا نعرف له حالًا ولا عينًا.
قلت: القول ما قال أحمد؛ "إذا قالت حَذام فصدِّقوها".
ووثق ابن حبان عبيد الله بن عبد الله وعبيد الله بن عبد الرحمن وعقد لهما ترجمتين، وهما عند البخاري واحد، بل الخمسة المذكورون عند ابن القطان واحد عند البخاري، فعل هذا ما أحَقّه أن يكون صحيحًا، ولما أخرجه ابن منده من رواية
стр. 53
محمَّد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع قال: هذا إسناد مشهور، ولكن تركه البخاري ومسلم لاختلاف في إسناده.
وله طريق حسن من غير رواية أبي سعيد، من رواية سهل بن سعد.
قال قاسم بن أصبغ: ثنا أبوعلي عبد الصمد بن أبي سُكينة الحلبي بحلب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد: "قالوا: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة وفيها ما يُنْجِي الناس والمحائض والجيف! فقال رسول الله ﵇: الماء لا ينجسه شيء". قال قاسم: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة. وقال ابن حزم في كتاب "الإيصال": عبد الصمد بن أبي سُكينة ثقة مشهور.
وقول ابن القطان في تضعيفه مرجوح، وأكثر ما فيه أنه جَهِل من عرفه غيرُه، وإذا صح من طريق لا يضره أن يُروى من طريق أخرى غير صحيحة، فالضعيف لا يُعِلّ الصحيح.
قوله: "تتوضأ" من باب تفعل وثلاثيه "وَضُأ" على وزن فَعُلَ بالضم، قال الجوهري: الوضاءة الحسن والنظافة، تقول منه وَضُؤَ الرجل أي صار وضيئًا، وتوضأت للصلاة، ولا تقل: توضيت، وبعضهم يقوله.
و"البئر" يجمع في القِلة أَبْؤُر وأبآر بهمز بعد الباء، ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول: آبار، فإذا كثرت فهي البِئارُ وقد بأرت بئرًا، والبئرة هي الحفرة، وقال أبو زيد: [١/ق ٥ - أ]، بَأَرْتُ أَبأَرَ بَأْرًا: حفرتُ بُؤْرَة يطبخ فيها، وهي الإِرةُ والبَئيرةُ على فعيلة: الذخيرة.
و"البُضاعة" بضم الباء هو المشهور، وذكر الجوهري الضم والكسر وبعدها ضاد معجمة وعن مهملة وحُكي أيضًا بالصاد المهملة، وقال المنذري: بئر بضاعة دار لبني ساعدة بالمدينة، وبئرها معلوم، وبها مال من أموال أهل المدينة. وفي بعض شروح الهداية: بئر بضاعة بئر بالمدينة قديمة ماؤها يجري في البساتين.
стр. 54
قوله: "يلقى" من ألقيت الشيء إذا طرحته، يقال: ألقه من يدك، وألق به من يدك، وألقيت إليك المودة، وألقيت عليه أُلْقِيةً كقولك ألقيت عليه أُحْجية.
و"الجيف" جمع جيفة، وقال الجوهري: الجيفة جثة الميت وقد أراح، تقول منه: جيّفَ تجييفًا، والجمع: جيف ثم أجياف.
و"المحائض" جمع مَحِيضة وهي خرقة الحيض، وكذلك الحِيَض -بكسر الحاء وفتح الياء- جمع حِيْضة -بكسر الحاء وسكون الياء- وهي خرقة الحيض وقال ابن الأثير: "وقيل: المحائض جمع محيض وهو مصدر خاص فلما سَمَّى به جمعه، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدم".
و"النتّن" الرائحة الكريهة وتقع أيضًا على كل مستقبح.
و"عَذِرُ النَّاس" -بفتح العين وكسر الذال المعجمة- اسم جنس للعذرة، وضبط أيضًا بكسر العين وفتح الذال كَمَعِد ومِعَد وكلاهما صحيح، وضم العين تصحيف.
قوله: "ما يُنْجي الناس" بضم الياء بعدها نون ساكنة ثم جيم، والناس مرفوع على الفاعلية، يقال: أنجي الرجل إذا أحدث.
قوله: "لا ينجس" من نَجِسَ يَنْجَس مِن باب علم يعلمُ، ونَجِسًا ونَجَسًا ونجاسةً، ويقال: في نجس لغتان ضم الجيم وكسرها فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع، ومن ضمها ضمها في المستقبل أيضًا.
قوله: "أن رسول الله ﷺ " بفتح الهمزة في محل النصب على أنه مفعول "روي"، المقدر؛ لأن التقدير: عن أبي سعيد الخدري روي أن رسول الله ﷺ و"كان" من الأفعال الناقصة وهي أم الباب لكثرة أقسامها ودلالتها على الكون إذا كانت تامّة وكل شيء داخل تحت الكون.
قوله: "إنّه" الضمير فيه للشأن، ولما كانوا مترددين في حال بئر "بضاعة" بحسب ما يلقي فيها من المحائض ونحوها أكَّدَ رسول الله ﵇ جوابه بنوع من المؤكد فقال: "إنَّ الماء لا ينجس" وقد عُلِمَ أن "إنَّ" تدخل الكلام للتأكيد ولكن البلاغة أن يراعى
стр. 55
فيه الحال فإن كان المخاطب خالي الذهن يُستغنى عن المؤكِّد، وإنْ كان متصورًا لطرفي الخبر مترددًا فيه حسن تقويته بمؤكد، وإنْ كان منكرًا للحكم وجب توكيده بحسب الإنكار، والألف واللام في "إنَّ الماء" للعهد أي ماء بئر بضاعة ولا يصح أن يكون للاستغراق؛ لأنه يلزم أن يكون كل فرد من أفراد الماء طاهرًا وليس كذلك، ولئن سُلِّم أنه للاستغراق ولكنه مخصوص بوجهين:
الأول: مجمع عليه، وهو المتغير بالنجاسة.
والثاني: مختلف فيه، وهو إذا كان دون القلتين كما قال به الشافعي وأحمد، وسيأتي كيفية استنباط الحكم بهذا الحديث في اختلاف العلماء، ولما أخرج الترمذي [١/ق ٥ - ب]، هذا الحديث قال: وفي الباب عن ابن عباس وعائشة ﵃.
أما حديث ابن عباس فأخرجه أبو يعلى (١) بإسناد صحيح عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء".
وأما حديث عائشة فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢): حدثنا أحمد، ثنا أبو الربيع عبيد الله بن محمَّد الحارثي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "الماء لا ينجسه شيء" لم يروه عن المقدام إلَّا شريك، ورواه البزار (٣): عن عمر بن علي، عن أبي أحمد.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود سليمان بن داود الأسدي، قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبى، قال: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قيل: يا رسول الله، إنَّه يُستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها عذرة الناس ومحائض النساء ولحوم الكلاب. فقال: إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء".
стр. 56
ش: إبراهيم هذا هو: إبراهيم بن سليمان بن داود أبو إسحاق الأسدي المعروف بالبُرُلُّسي، قال ابن عساكر: كان ثقة من حفاظ الحديث.
قوله: "سليمان بن داود" عطف بيان على قوله: "ابن أبي داود" وقد صحّف النساخ هَا هنا تصحيفًا فاحشًا وكتبوا "وسليمان بن داود" بواو العطف، وهذا غلط كبير.
وأحمد بن خالد: روي له الأربعة، ووثقه يحيى بن معين.
و"سَليط" بفتح السين، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي هذا الحديث لا غير.
وأخرجه بهذا الإسناد أبو داود (١) وقال: حدثنا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز ابن يحيي الحرانيان، قالا: ثنا محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن سَليط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﵇ وهو يقال له: "إنَّه يستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يلقي فيها لحوم الكلاب والمحائض وعَذِرُ الناس! فقال رسول الله ﷺ : إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء".
قوله: "إنَّه" أي إن الشأن.
قوله: "طَهُور" بفتح الطاء، وهو الماء الذي يتطهر به، وبالضم: التطهر كالوَضوء، والوُضوء والسَّحور والسُّحور، وقال سيبويه: الطَّهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا.
فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما: التطهر، يقال: طَهَرَ يَطْهُر طَهْرًا من باب نَصَرَ يَنْصُرُ، وطَهُر يَطْهُر من باب حَسُنَ يَحْسُن، وتَطَهَّر يَتَطَهَّر تَطَهُّرًا فهو مُتَطَهِّر.
стр. 57
والماء الطهور في الفقه: هو الذي يُرفع به الحدث، ويُزيل النجس؛ لأن "فعولًا" من أبنية المبالغة فكأنه تناهى في الطهارة، والماء الطاهر غير الطهور: هو الذي لا يَرفع الحدث ولا يزيل النجس، كالمستعمل في الوضوء والغسل؛ قاله ابن الأثير، ولكن هذا على مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن على ما عرف في موضعه، ويجوز أن يكون وزن "فعول" على معنى الفاعل يعني مُطّهر كما في قوله: في البحر: "هو الطهور ماؤه" (١) أي المطهر، ووجه ذكر "إنَّ" قد ذكرناه، وأما الجملة الاسمية فلتدل على الشرب والاستبراء، وأما ذكر الخبر بصيغة فعول فلقصد المبالغة في الوصف المذكور.
وقوله: "لا ينجسه شيء" جملة تفسيرية فلذلك ترك العاطف، ويجوز أن تكون [١/ق ٦ - أ]، كالمؤكدة للأولى لدفع توهم تجوز أو غلط أو سبق لسان تحمله الجملة السابقة، وهاتان من الجمل التي لا محل لها من الإعراب.
ص: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم البرَكيّ، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم القَسْملي، قال: حدثنا مُطَرِّف، عن خالد بن أبي نَوف، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: "انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: يا رسول الله، أتتوضأ منها وهي يُلقي فيها ما يُلقي من النتن؟! فقال رسول الله ﷺ : الماء لا ينجسه شيء".
ش: "إبراهيم" هو البرلسي وقد مر ذكره الآن.
و"عيسى بن إبراهيم" شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان وغيره، والبِرَكي -بكسر الباء الموحدة وفتح الراء- نسبة إلي سكة البِرَك بالبصرة؛ قاله البزار.
و"عبد العزيز بن مسلم أبو زيد المروزي ثم البصري"، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
стр. 58
و"القَسْملي" -بفتح القاف وسكون السين المهملة- نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد، وقيل: إنَّه نزل القساملة فنسب إليهم.
و"مُطَرِّف" -بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالفاء- ابن طريف، وقد نسبه النسائي في روايته، روى له الجماعة.
و"خالد بن أبي نوف السجستاني"، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي هذا الحديث فقط.
و"ابن أبي سعيد الخدري" هو عبد الرحمن بن أبي سعيد سعد بن مالك، وقد جاء مصرحًا به في رواية الحافظ أبي الفتح اليعمري من حديث مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، روى له الجماعة.
وأخرجه النسائي (١) أيضًا وقال: أخبرنا العباس بن عبد العظيم، ثنا عبد الملك ابن عمرو، ثنا عبد العزيز بن مسلم -وكان من العابدين- عن مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: "مررت بالنبي ﵇ وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت: أتتوضأ منها وهي تطرح فيها ما يكره من النَّتن؟! فقال: الماء لا ينجسه شيء".
وزادت رواية النسائي على رواية الطحاوي بشيئين:
أحدهما نسبة مطرف إلى أبيه.
والآخر إدخال سليط بين خالد وابن أبي سعيد.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): من رواية عبد العزيز، مثل رواية الطحاوي سواء، غير أن في رواية أحمد: "فقلت: يا رسول الله، توضأ منها؟ " بدون همزة
стр. 59
الاستفهام. وفي رواية الطحاوي، بالهمزة، وفي رواية أحمد "إنَّ الماء" وفي رواية الطحاوي بدون "إنَّ".
وأخرجه أبو يعلى (١) أيضًا من رواية عبد العزيز مثل رواية الطحاوي سواء، غير أن في رواية أبي يعلى: "إنَّ الماء".
قوله: "انتهيت إلى رسول الله ﵇" أي بلغت إليه في النهاية، وهي الغاية، ولما ضمِّن معنى بلغت عُدِّي بكلمة "إلى" التي هي للغاية.
قوله: "أتتوضأ" الهمزة للاستفهام وهو بتائين مثناتين من فوق، خطاب للنبي ﵇ وكذلك وقع مصرحًا به من طريق الشافعي: "قيل: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة" وكذا وقع في رواية النسائي.
قوله: "وهم تُلقى" أبي بئر بضاعة تُطرح فيها ويلقى، على صفة المجهول.
قوله:" ما يُلقى" مسند إلى "تُلقى".
قوله: "من النتن" كلمة من البيان، وموضعها النصب على الحال. [١/ ق ٦ - ب].
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا أصبغ بن الفَرَج، قال: ثنا حاتم ابن إسماعيل، عن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أمّه قالت: "دخلنا على سهل بن سعد في نِسوة، فقال: لو سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك؛ وقد سَقيتُ رسول الله ﷺ بيدي منها".
ش: أصبغ بن الفرج بن سعيد الفقيه المصري وَرّاق عبد الله بن وهب أحد مشايخ البخاري في "الصحيح"، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
وحاتم بن إسماعيل المدني مولى بني عبد المدان، روى له الجماعة.
ومحمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو عبد الله المدني، روى له الأربعة، والترمذي في "الشمائل".
стр. 60
قوله: "عن أمّه" أي عن أم محمَّد بن أبي يحيى، ولم أقف على اسمها في الكتب المشهورة ولا عرفت حالها بعد الكشف التام ولا لها ذكر في الكتب الستة.
ووقع في رواية الطبراني (١): "عن أبية" موضع "أمه" وقال: حدثنا موسى بن سهل، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمَّد بن يحيى الأسلمي، عن أبيه قال: "دخلنا على سهل بن سعد الساعدي في بيته، فقال: لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم، وقد -والله- سقيت منها رسول الله ﷺ بيدي".
وأخرجه الدارقطني (٢) أيضًا هكذا وقال: حدثنا أبو حامد محمَّد بن هارون، ثنا محمَّد بن زياد الزيادي، ثنا فضيل بن سليمان، عن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبيه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: "شرب رسول الله ﷺ من بئر بضاعة" وقد وقع في أصل الدارقطني: عن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أمه مثل رواية الطحاوي، واسم أبيه سمعان بن يحيى، روى له أبو داود والترمذي.
قوله: "في نسوة" كلمة "في" هَا هنا بمعنى المصاحبة كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ (٣) أي معهم، وقوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (٤) وموقعها النصب على الحال، أي دخلنا مصاحبين نسوة.
قوله: "لو سقيتكم" خطاب لجماعة النساء ولكن ذكره بخطاب المذكر تغليبا للمذكر على المؤنث؛ لأنهن ما خلون عن رجل بينهن.
ويستفاد من هذا جواز استعمال الماء الذي تتغير بعض أوصافه بمخالطة شيء طاهر أو بطول المكث؛ وذلك لأن قوله: "لكرهتم ذلك" يدل على أنه كان متغيرا.
قلت: "وقد سقيت رسول الله ﵇" يدل على أن تغييره في ذلك الوقت ما كان إلَّا بشيء طاهر أو بانحباسه وانسداد جريانه، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في
стр. 61
"الأوسط" (١) و"الكبير" (٢) من حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينُجّس الماء شيء إلَّا ما غَيَّرَ ريحه أو طعمه".
ورواه ابن ماجه (٣) ولفظه: "إلَّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه".
وفي سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف.
وروى الطبراني (٤) أيضًا عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوضأ بالماء ما لم يأْجَن الماء؛ يخضرّ أو يصفرّ".
ص: حدثنا فهد بن سليمان بن يحيي، قال: ثنا محمَّد بن سعد الأصبهاني، قال: أخبرنا شريك بن عبد اللهَ النخعي، عن طريف البصري، [١/ق ٧ - أ]، عن أبي نضرة، عن جابر -أو أبي سعيد الخدري- قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانتهينا إلي غدير وفيه جيفة، فكففنا وكفّ الناس، حتى أتانا النبي ﷺ فقال: ما لكم لا تستقون؟ فقلنا: يا رسول اللهَ، هذه الجيفة. فقال: استقوا فإن الماء لا ينجسه شيء. فاستقينا وارتوينا".
ش: فهد بن سليمان بن يحيي أبو يحيى الكوفي، وثقه ابن يونس.
ومحمد بن سعيد بن سليمان الأصبهاني أحد مشايخ البخاري في "الصحيح"، وروى له الترمذي والنسائي في "اليوم والليلة".
وشريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا، ومسلم في المتابعات.
وطريف -بالطاء المهملة- هو ابن شهاب، وقيل: ابن سعد، وقيل: ابن سفيان، أبو سفيان السعدي البصري الأشل، ضعيف جِدّا، وروى له الترمذي وابن ماجه.
стр. 62
وأبو نضرة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي ثم العَوَقي -بفتح العين والواو، وفي آخره قاف- روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدا.
والحديث أخرجه ابن ماجه (١) أيضًا وقال: ثنا أحمد بن [سنان] (٢) نا يزيد بن هارون، نا شريك، عن طريف بن شهاب، قال: سمعت أبا نضرة يحدّث عن جابر ﵁ قال: "انتهينا إلى غدير فإذا فيه جيفة حمار، قال: فكففنا عنه حتى انتهى إلينا رسول الله ﵇ فقال: إنَّ الماء لا ينجسه شيء. فاستقينا، وأروينا، وحملنا".
قوله: "فانتهينا إلي غدير" أي بلغنا إليها، والغدير على وزن فعيل بمعنى مفاعل من غادره، أو بمعنى مفعل من أغدره، وقيل: فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه يغدر بأهله لانقطاعه عند شدة الحاجة إليه، وهو القطعة من الماء يغادره السيل.
قوله: "وفيه جيفة" جملة اسمية وقعت حالًا عن الغدير.
قوله: "فكففنا" من كفّ إذا امتنع، يتعدى ولا يتعدى.
قوله: "وارتوينا" بمعنى رَوَيْنَا وكذلك تَروّينا، يقال رَوِيت من الماء -بالكسر- أَرْوي رَيّا ورِيّا ورِوي -مثل رضي- وارتويت وتروّيت كله بمعنى.
والمراد من الغدير هَا هنا هو الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، والمراد من الاستقاء هو الاستقاء من الجانب الذي لا يصل إليه أثر الجيفة وذلك؛ لأن النبي ﷺ لا يأمر أحدا إلَّا باستعمال ماء طاهر.
ص: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا ينجسّ الماء شيء وقع فيه إلَّا أن يُغيّر لونه أو طعمه أو ريحه فأي ذلك إذا كان فقد نجس الماء.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والليث بن سعد ومالكا وعبد الله بن وهب وإسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير والحسن بن صالح وداود بن علي ومن
стр. 63
تبعهم؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار المذكورة وقالوا: لا ينجس الماء شيء وقع فيه، وأرادوا به من النجاسة؛ لأن وقوع الشيء الطاهر لا ينجسه عندنا أيضًا وإنْ غيّر بعض أوصافه، وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران: "أنه سأل القاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله عن الماء الراكد الذي لا يجري تموت فيه الدابة أَيُشْربُ منه ويُغتسل وتُغسل منه الثياب؟ فقالا: انظر بعينك فإن رأيت ماء لا يدنسه ما وقع فيه فنرجو ألَّا يكون به بأس".
قال: وأخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: "كل ماء فيه فضل عما يصيبه [١/ق ٧ - ب]، من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ولا لونه ولا ريحه فهو طاهر يتوضأ به".
قال: وأخبرني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة قال: "إذا وقعت الميتة في البئر فلم يتغير طعمها ولا لونها ولا ريحها؛ فلا بأس أن يتوضأ منها، وإنْ رُؤيت فيها الميتة، قال: وإنْ تغيرت نزع منها قدر ما يذهب الرائحة عنها" هذا قول ابن وهب.
وقال القشيري: "وهو الذي شهره العراقيون عن مالك فاشتهر".
وهو قول لأحمد، ورجحه أيضًا من أتباع الشافعي القاضي أبو المحاسن الروياني صاحب "بحر المذهب".
وفي "البدائع" ما ملخصه: أن الظاهرية استدلت بالآثار المذكورة أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلًا سواء كان جاريا أم راكد، وسواء كان قليلًا أم كثيرا، تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وممن روي عنه القول بمثل قولنا: "إن الماء لا ينجسه شيء": عائشة أم المؤمنين وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن العباس والحسن بن علي بن أبي طالب وميمونة أم المؤمنين وأبو هريرة وحذيفة ابن اليمان ﵃ والأسود بن يزيد وعبد الرحمن أخوه وعبد الرحمن بن أبي ليلى
стр. 64
وسعيد بن جبير ومجاهد وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري وعكرمة وجابر بن زيد وعثمان البتِّي وغيرهم.
قوله: "فأي ذلك" إشارة إلى كل واحد من اللون والطعم والريح.
قوله: "فقد نجس الماء" بفتح النون وكسر الجميع وضمها.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه ﵏ فإنهم قالوا: الماء لا يخلو إما أن يكون جاريا أو راكدا قليلًا أو كثيرا، فإن كان جاريا فوقعت فيه نجاسة وكانت غير مرئية كالبول والخمر ونحوهما فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، ويتوضأ منه من أي موضع شاء، من الجوانب التي وقعت فيها النجاسة أو من جانب آخر؛ كذا ذكر محمَّد في كتاب "الأشربة".
وإنْ كانت مرئية كالجيفة ونحوها؛ فإن كان يجري جميع الماء عليها لا يجوز التوضؤ من أسفلها، وإنْ كان يجري أكثره عليها؛ كذلك اعتبارا بالغالب، وإنْ كان أقله يجري عليها يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإنْ كان يجري عليها النصف دون النصف فالقياس جواز التوضؤ وفي الاستحسان لا يجوز احتياطا.
وإنْ كان راكدا فقد اختلفوا فيه: فقال الظاهرية: لا ينجس أصلًا.
وقال عامة العلماء: إنْ كان الماء قليلًا ينجس وإنْ كان كثيرا لا ينجس.
لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما، فقال مالك: إنْ تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل؛ وإلَّا فهو كثير.
وقال الشافعي: "إذا بلغ قلتين فهو كثير وما دونهما قليل. وبه قال أحمد".
وقال أصحابنا: إن كان بحال يخلص. بعضه إلى بعض فهو قليل وإلَّا فهو كثير.
стр. 65
ثم اختلفوا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص، وإلَّا فهو مما لا يخلص.
واختلفوا في صفة التحريك، فعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال في غير عنف، وعن محمَّد أنه يعتبر بالوضوء، وروي أنه باليد من غير اغتسال ولا وضوء.
وأما اختلافهم في تفسير الخلوص فعن أبي حفص الكبير أنه اعتبره بالصبغ، وعن ابن أخي محمَّد بن سلام أنه اعتبره بالتكدير، وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه اعتبره بالمساحة وقال: إن كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص، وإنْ كان دونه فهو مما يخلص.
وعن ابن المبارك أنه اعتبره بالعشرة أولا ثم بخمسة عشر، وإليه ذهب أبو مطيع البلخي فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز [١/ ق ٨ - أ] وإنْ كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئًا. وعن محمَّد أنه قدّره بمسجده وكان ثمانيا في ثمان، وبه أخذ محمَّد بن مسلمة، وقيل: كان مسجده عشرا في عشر، وقيل: كان داخله ثمانيا في ثمان وخارجه عشرا في عشر، وعن الكرخي لا عبرة للتقدير وإنما المعتبر هو التحري، فإن كان أكثر رأيه أن النجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز، وإنْ كان أكثر رأيه أنَّهَا لم تصل إليه يجوز. فإن قلت: نصب المقدّرات بالرأي لا يجوز.
قلت: حديث بئر بضاعة يصلح أن يكون مستندا لتقديرهم الماء الكثير بالعشر في العشر وذلك لأن محمدا قدّره بمسجده وكان ثمانيا في ثمان على ما مرّ وكان وسع بئر بضاعة ثمانيا في ثمان على ما قيل، ولكن قال أبو داود: قدّرتُ بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه هل غُيّر بناؤها عما كان عليه؟ فقال: لا. ورأيت الماء فيها متغير اللون. انتهى.
стр. 66
فإذا كان عرضها ستة أذرع يكون طولها أكثر منها إذ لو كانت البئر مدورة لقال أبو داود: فإذا دورها ستة أذرع. فإذا أضيف ما في الطول من الزيادة إلى العرض يكون ثمانية وأكثر فيستقيم قول من قال: كان وسع بئر بضاعة ثمانيا في ثمان لأن مبنى ذلك على التقدير لا على التحرير؛ فأخذ محمَّد من هذا وقال: إنْ كان قدر مسجدي هذا فهو كثير فلما قاسوه وجدوه ثمانيا في ثمان من داخله وعشرا في عشر من خارجه ولكنهم اعتبروا مساحة خارجه، وقالوا: الماء الكثير عشر في عشر. ولم يعتبروا داخله لأجل الاحتياط في باب العبادات، وأما على قول محمَّد بن مسلمة في تقديره بثمان في ثمان فهو على ظاهره؛ لأن مسجد محمَّد ثمان في ثمان كما أن بئر بضاعة ثمان في ثمان فتنبّه على هذا فإن كثيرا منهم لم يحوموا حوله حتى تعرف أن مبنى أقوال أصحابنا على أصل محكم.
وأما من اعتبر الخلوص في تقدير الماء الكثير فله أن يستند على حديث ابن ماجه الذي ذكر عن قريب، واعلم أيضًا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مستندا لتقدير بعض أصحابنا عمق الماء الكثير بذراع على ما قال صاحب البدائع، وأما العمق فهل يشترط مع الطول والعرض؟ عن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال: إن أصحابنا اعتبروا البسط دون العمق. وعن الفقيه أبي جعفر الهنداوي إنْ كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه انحسر أسفله ثم اتصل لا يتوضأ به وإنْ كان بحال لا ينحسر أسفله لا بأس بالوضوء منه.
وقيل: مقدار العمق أن يكون زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال، وقيل: أن يكون قدر شبر، وقيل: قدر ذراع، انتهى.
بيان ذلك: أن أبا داود ﵀: قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيّم بئر بضاعة عن عمقها قلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. فهذا عند ازدياده يكون إلى العانة وهذا قدر ذراع وأكثر، وعند انتقاصه يكون دون العورة أراد به ما دون الركبة فهذا وأكثر من شبر، وأيّا ما
стр. 67
كان لا تنجس الأرض لو رفع إنسان ماءه بكفيه، وعلى كل تقدير فيه استناد للأقوال التي ذكرت في مقدار العمق في الماء الكثير، فافهم.
ص: فقالوا: أما ما ذكرتموه من بئر بضاعة فلا حجة لكم فيه؛ لأن بئر بضاعة قد اختلفت فيها ما كانت؟ فقال قوم: كانت طريقا للماء إلى البساتين، فكان الماء لا يستقر فيها، فكان حكم مائها كحكم ماء الأنهار، وهكذا نقول في كل موضع كان على هذه الصفة وقعت في مائه نجاسة؛ فلا ينجس ماؤه إلَّا أن يغلب على طعمه أو لونه أو ريحه [١/ ق ٨ - ب]، أو يعلم أنَّهَا في الماء الذي يؤخذ منه؛ فإن علم ذلك كان نجسا، وإنْ كان لم يعلم ذلك كان طاهرا.
ش: أشار بهذا إلى الجواب عن الآثار المذكورة وهو ظاهر.
قوله: "فيه" أي فيما ذكرتموه من الآثار، وأراد بقوله: "فقال قوم" الواقدي ومن تبعه على ما يجيء، وهو قول عائشة ﵁ أيضًا على ما روي عنها أنَّهَا قالت: "إنَّ بئر بضاعة كانت قناة ولها منفذ إلى بساتينهم ويسقى منها خمسة بساتين أو سبعة" وقال صاحب الهداية: والذي رواه مالك ورد في بئر بضاعة وماؤه كان جاريا في البساتين.
وقال الخطابي: قد يتوهم من سمع حديث أبي سعيد أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدا وتعمدًا، وهذا ما لا يجوز أن يُظَنّ بذمي بل وثني فضلا عن مسلم، ولم تزل عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم تنزيه المياه، فكيف يُظن بأعلى طبقات الدين وأفضل جماعة المسلمين والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه أمس أن يكون صنيعهم به هكذا وقد لعن رسول الله ﷺ من تغوط في موارد الماء ومشارعه فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدا للأنجاس ومطرحا للأقذار، مثل هذا الظن لا يليق بهم ولا يجوز فيهم، وإنما كان من أجل أن هذه البئر موضعها في حدور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية فتحملها فتلقيها فيها، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا تُغيره، فسألوا رسول الله ﷺ عن شأنها ليعلموا حكمها من الطهارة والنجاسة، فكان من
стр. 68
جوابه لهم: "إنَّ الماء لا ينجسه شيء" يريد الكثير منه الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته؛ لأن السؤال إنما وقع عنها نفسها فخرج الجواب عليها.
قوله: "على هذه الصفة" إشارة إلى قوله: "فكان الماء لا يستقر فيها".
قوله: "أو يعلم أنَّهَا" أي النجاسة.
قوله: "وإنْ كان لم يعلم ذلك" أي وقوع النجاسة في الماء الذي يؤخذ منه، كان الماء طاهرا على حاله؛ لأن الأصل الطهارة فلا يثبت كونه نجسا إلَّا بالعلم، وإنْ شك فيه فكذلك طاهر، على الأصل المعهود: أن اليقين لا يزول بالشك.
ص: وقد حُكي هذا القول الذي ذكرناه في بئر بضاعة عن الواقدي، حدثنيه أبو جعفر أحمد بن أبي عمران، عن أبي عبد الله محمَّد بن شجاع الثَلجي، عن الواقدي: أنَّهَا كانت كذلك.
ش: أشار به إلى القول المحكي عن القوم الذين قالوا: إنها كانت طريقا للماء إلى البساتين.
قوله: "حدثنيه" أي هذا القول.
أبو جعفر أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، وثقه ابن يونس.
ومحمد بن شجاع الثلجي -بالثاء المثلثة وبالجيم في آخره- من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي وقد شنع عليه أصحاب الحديث تشنيعا عظيما، وقال في التهذيب: كان فقيه أهل الرأي في وقته وصاحب التصانيف. ونقل ابن الجوزي عن ابن عدي أنه كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبها إلي أصحاب الحديث يثلبهم بها.
قلت: من جملة تصانيفه كتاب "الردّ على المشبهة" فكيف يصح هذا عنه، وكان دَيّنا صالحا عابدا (١).
стр. 69
واسم الواقدي محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي أبو عبد الله المدني قاضي بغداد أحد مشايخ الشافعي.
فإن قلت: قد قيل: إنَّ المدينة لم يكن بها ماء جارٍ على عهد رسول الله ﷺ -وأما عين الزرقا وعيون حمزة ﵁ فحدثت بعد ذلك، وبئر بضاعة كان نبعا غير جارٍ وهي باقية إلى اليوم شرقي المدينة بدار بني ساعدة.
قلت: يرد هذا ما رواه الطحاوي عن الوليد بن [١/ ق ٩ - أ]، علي أنه يحتمل أن يكون مراد هذا القائل: إن المدينة لم يكن بها ماء جار. الجاري على وجه الأرض مثل النهر، وبئر بضاعة كان ماؤها جاريا تحت الأرض كالقنوات التي تجري تحت الأرض.
فإن قلت: قال البيهقي: "زعم أبو جعفر الطحاوي أن بئر بضاعة كان طريقا للماء إلى البساتين فكان الماء لا يستقر فيها، وحكاه عن الواقدي، ومحمد بن عمر الواقدي لا يحتج بروايته فيما يسنده فكيف فيما يرسله؟! ضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وقال البخاري: محمَّد بن عمر الواقدي متروك الحديث. ثم أسند عن الشافعي أنه قال: كتب الواقدي كذب".
قلت: هذا تحامل من البيهقي على الطحاوي؛ لأنه حكي عنه أن بئر بضاعة كانت كذلك، وهو إنما أخبر عن مشاهدة لأنه من أهل المدينة وهو أخبر بحالها وحال أماكنها من غيره، وليس فيه إسناد حديث ولا إرساله حتى يشنع عليه هذا التشنيع، فما للواقدي لا يحتج بكلامه في مثل هذا وقد طبّق شرق الأرض وغربها ذكره وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم كما ذكره الخطيب، وقال إبراهيم بن جابر الفقيه: سمعت الصاغاني وذكر الواقدي فقال: والله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه. وحدّث عنه أربعة أئمة كبار: أبو بكر بن أبي شيبة وأبو عُبَيد القاسم بن سلام وأبو خيثمة ورجل
стр. 70
آخر. ويمكن أن يكون هو الشافعي لأنه روى عنه، وقال مصعب الزبيري: الواقدي ثقة مأمون. وقال أبو عُبَيد: الواقدي ثقة.
ورواية الطحاوي عن الثلجي عن الواقدي دليل على أنهما مرضيان عنده، ولا يلزمه تضعيف غيره إياهما على ما عرف.
ص: وكان من الحجة في ذلك أيضًا أنهم قد أجمعوا إن النجاسة إذا وقعت في البئر فغلبت على طعم مائها إو ريحه أو لونه أن ماءها قد فسد، وليس في حديث بئر بضاعة من هذا شيء إنما فيه: "أن النبي ﷺ سُئِل عن بئر بضاعة فقيل: إنَّه يلقى فيها الكلاب والمحائض. فقال: إنَّ الماء لا ينجسه شيء" ونحن نعلم أن بئرا لو سقط فيها ما هو أقل من ذلك لكان محالا ألَّا يتغير ريح مائها أو طعمه، هذا مما يعقل ويعلم، فلما كان ذلك كذلك وقد أباح لهم النبي ﵇ ماءها وأجمعوا أن ذلك لم يكن وقد داخل الماء التغير من جهة من الجهات اللاتي ذكرنا؛ استحال عندنا -والله أعلم- أن يكون سؤالهم النبي ﵇ عن مائها وجوابه إياهم في ذلك بما أجابهم كان والنجاسة في البئر، ولكنه كان -والله أعلم- بعد إن أخرجت النجاسة من البئر فسألوا النبي ﵇ عن ذلك هل يطهر بإخراج النجاسة منها فلا ينجس ماؤها الذي يطرأ عليها بعد ذلك؟ وذلك موضع مشكل؛ لأن حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يُخْرَجْ؟ فقال لهم النبي ﵇: "إنَّ الماء لا ينجس" يريد بذلك الماء الذي يطرأ عليها بعد إخراج النجاسة منها؛ لا أن الماء لا ينجس إذا خالطته النجاسة، وقد رأينا أنه ﷺ قال: "المؤمن لا ينجس".
ش: هذا إشارة إلي جواب آخر عن مقالة الخصم وهو ظاهر.
قوله: "أنهم" في محل الرفع على أنه اسم "كان" والتقدير: وكان من الحجة في ذلك اجتماعهم -أعني إجماع كل من الخصم والأصحاب- على أن النجاسة ... إلى آخره.
فإن قلت: كيف قال: قد أجمعوا، والظاهرية ليسوا بقائلين بهذا الحكم فإن عندهم الماء لا ينجسه شيء أصلًا على ما حكينا عن ابن حزم أن مذهبهم هو مذهب
стр. 71
[١/ ق ٩ - ب] جماعة من الصحابة والتابعين، وقد سردنا أسماءهم، ثم قال في آخره: فإن كان التقليد؛ فتقليد من ذكرنا من الصحابة والتابعين أولى من تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي. ثم استدل على مذهبه بحديثين: أحدهما ما رواه سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء" والآخر ما رواه حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث" فذكر ﵇ منها "وجعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" (١) يعم ﵇ كل ماء ولم يخص ماء من ماء.
قلت: المراد من الخصم في هذا الفصل مالك ومن تبعه فإنهم قائلون بأن البئر إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصاف الماء فيها فإنه ينجس، ولا اعتبار لمخالفة الظاهرية؛ لأن كلامهم ساقط؛ ألَّا ترى إلى قول ابن حزم: فعمّ ﵇ كل ماء ولم يخصّ ماء من ماء. كيف هو في غاية السقوط والتفاهة؛ لأن قوله: ﵇: "إذا لم نجد الماء" أي الماء الطاهر المطهر، بدليل قوله ﵇: "لا ينجس الماء شيء إلَّا ما غيّر ريحه أو طعمه" رواه الطبراني وابن ماجه وقد ذكرناه (٢)، قوله ﵇ "لا يبل أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه" رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣)، ولو كان البول فيه لم ينجسه لم يكن للنهي فائدة.
قوله: "وليس في حديث بئر بضاعة من هذا شيء" يعني من الحكم المجمع عليه وهو فساد ماء البئر بوقوع النجاسة التي غلبت على أحد أوصاف الماء.
قوله: "ألَّا تتغير" في محل الرفع على أنه اسم كان، والتقدير: لكان عدم تغير ريح مائها محالا.
стр. 72
قوله: "فلما كان ذلك كذلك" أي لما كان الأمر كما ذكرنا.
قوله: "وقد أباح" جملة حالية وكذلك الواو في قوله: "وقد داخل الماء التغير" للحال، والتغير فاعل "داخل".
قوله: "استحال" جواب "لمّا".
قوله: "وجوابه إياهم" أي جواب النبي ﵇ للصحابة الذين سألوه.
قوله: "والنجاسة في البئر" جملة حالية أيضًا.
قوله: "من البئر" أي بئر بضاعة.
قوله: "يطرأ" أي يعرض ويُجدّد.
"بعد ذلك" أي بعد إخراج النجاسة من البئر.
قوله: "وذلك موضع مشكل" إشارة إلى عدم نجاسة الماء الطارئ عليها، يعني كيف يطهر هذا، وهو مشكل "لأن حيطان البئر لم تغسل وطينها النجس لم يخرج" لأنه خالطه نجاسة فأجاب ﵇ بقوله: "إنَّ الماء لا ينجس" يعني الماء الذي يطرأ ويجدّد بعد إخراج النجاسة، لا أن الماء لا ينجس أصلًا إذا خالطته النجاسة، يعني ليس المراد من قوله: "إنَّ الماء لا ينجس" أنه لا ينجس إذا خالطته النجاسة، ثم أيد هذا التأويل بقوله: "وقد رأينا أنه ﵇ قال: المؤمن لا ينجس" لأن معناه ليس أن بدنه لا ينجس وإنْ أصابته النجاسة؛ لأن نجاسته حينئذ ظاهرة لا يمكن نفيها عنه، بل معناه لا ينجس من حيث الاعتقاد، كما يقال في حق المشرك: إنه نجس من حيث الاعتقاد؛ إذ لو كان نجسا بغير هذا المعنى لكان سؤره نجسا مع أنه طاهر.
ص: حدثناه ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد.
وحدثناه ابن خزيمة، قال: حدثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: "لقيت النبي ﷺ وأنا جنب، فمد يده إليّ فقبضت يدي عنه وقلت: إني جُنُب. فقال: سبحان الله، إنَّ المسلم لا ينجس".
стр. 73
ش: أي حدثنا الحديث المذكور وهو قوله ﵁: "المؤمن لا ينجس" إبراهيم بن أبي داود البرلسي.
قوله: "حدثنا" بفتح الدال من حدث و"نا" مفعوله "وابن أبي داود" فاعله. و"المقدّمَي" -بضم الميم وفتح القاف [١/ق ١٠ - أ]، وتشديد الدال المفتوحة وكسر الميم الثانية -نسبة إلى المُقدَّم- على صيغة الفعول -وهو جدّ أبي عبد الله محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم، والذي اشتهر بهذه النسبة منهم جماعة، منهم: محمَّد بن أبي بكر هذا، روى عنه البخاري ومسلم وابن أبي داود البرلسي أيضًا، ومنهم: ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن عطاء البصري روى عنه الأربعة- والبرلسي أيضًا وثقه ابن حبان- قيل: هو المراد هَا هنا من المقدمي.
وابن أبي عدي هو محمَّد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي مولاهم أبو عمرو البصري، ويقال: محمَّد بن أبي عدي، واسم أبي عدي إبراهيم، روى له الجماعة.
وحُميد -بضم الحاء- ابن أبي حميد الطويل، أبو عُبيدة الخزاعي البصري، روى له الجماعة.
وابن خزيمة هو محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري ثقة مشهور.
والحجاج بن منهال روى له الجماعة.
وحماد بن سلمة بن دينار البصري روى له الجماعة، البخاري مستشهدا.
وبكر هو ابن عبد الله المزني أبو عبد الله البصري روى له الجماعة.
وأبو رافع اسمه نُفيع -بضم النون- الصائغ المدني نزيل البصرة روى له الجماعة.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا محمَّد بن المثني، عن
стр. 74
يحيى بن سعيد، عن حميد، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. قال: سبحان الله، إنَّ المؤمن لا ينجس".
وقال مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن عُلية، عن حميد الطويل، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أنه لقيه النبي ﵇ في طريق من طرق المدينة وهو جُنب، فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقده النبي ﵇ فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جُنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! إنَّ المؤمن لا ينجس".
وقال أبو داود (٢): ثنا مسدد، قال: نا يحيى وبشر، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: "لقيني رسول الله ﵇ في طريق من طرق المدينة وأنا جُنب، فاخْتَنَسْتُ منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قلت: إني كنت جُنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة. فقال: سبحان الله، إنَّ المسلم لا ينجس".
وقال الترمذي (٣): نا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان، قال: نا حميد الطويل، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ لقيه وهو جنب، قال: فانبجَسْتُ فاغتسلتُ ثم جئت، فقال: أين كنت -أو أين ذهبت-؟ قلت: إني كنت جنبا. فقال: إنَّ المسلم لا ينجس".
стр. 75
وقال النسائي (١): أخبرنا [حميد بن مسعدة] (٢) قال: ثنا بشر -وهو ابن المفضل- قال: ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسلَّ عنه فاغتسل ففقده النبي ﵇ فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، إنك لقيتني وأنا جُنُب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال: سبحان الله إنَّ المؤمن لا ينجس".
وقال ابن ماجه (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... إلي آخر ما رواه مسلم لأنهما كليهما أخرجاه عن ابن أبي شيبة، ولكن عند مسلم منقطع بين حميد وأبي رافع بينهما بكر بن عبد الله المزني (٤)، وعند ابن ماجه موصول فافهم.
فإن قلت: قد قال الطحاوي أولًا: وقد رأينا أنه ﵇ قال: "المؤمن لا ينجس".
ثم روى الحديث وفيه: "إن المسلم لا ينجس".
قلت: كلا اللفظين مروي كما ذكرناه [١/ ق -١٠ ب] وقال الترمذي: وفي الباب عن حذيفة وابن عباس ﵃.
قلت: حديث حذيفة رواه أبو داود (٥) عن مسدد، عن يحيي، عن مسعر، عن واصل، عن أبي وائل، عن حذيفة: "أن النبي ﵇ لقيه فأهوى إليه فقال: إني جُنب. فقال: إنَّ المسلم ليس بنجس" (٦).