← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[١/ ق ٩ - ب] جماعة من الصحابة والتابعين، وقد سردنا أسماءهم، ثم قال في آخره: فإن كان التقليد؛ فتقليد من ذكرنا من الصحابة والتابعين أولى من تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي. ثم استدل على مذهبه بحديثين: أحدهما ما رواه سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء" والآخر ما رواه حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث" فذكر ﵇ منها "وجعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" (١) يعم ﵇ كل ماء ولم يخص ماء من ماء. قلت: المراد من الخصم في هذا الفصل مالك ومن تبعه فإنهم قائلون بأن البئر إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصاف الماء فيها فإنه ينجس، ولا اعتبار لمخالفة الظاهرية؛ لأن كلامهم ساقط؛ ألَّا ترى إلى قول ابن حزم: فعمّ ﵇ كل ماء ولم يخصّ ماء من ماء. كيف هو في غاية السقوط والتفاهة؛ لأن قوله: ﵇: "إذا لم نجد الماء" أي الماء الطاهر المطهر، بدليل قوله ﵇: "لا ينجس الماء شيء إلَّا ما غيّر ريحه أو طعمه" رواه الطبراني وابن ماجه وقد ذكرناه (٢)، قوله ﵇ "لا يبل أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه" رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣)، ولو كان البول فيه لم ينجسه لم يكن للنهي فائدة. قوله: "وليس في حديث بئر بضاعة من هذا شيء" يعني من الحكم المجمع عليه وهو فساد ماء البئر بوقوع النجاسة التي غلبت على أحد أوصاف الماء. قوله: "ألَّا تتغير" في محل الرفع على أنه اسم كان، والتقدير: لكان عدم تغير ريح مائها محالا.

стр. 72

قوله: "فلما كان ذلك كذلك" أي لما كان الأمر كما ذكرنا. قوله: "وقد أباح" جملة حالية وكذلك الواو في قوله: "وقد داخل الماء التغير" للحال، والتغير فاعل "داخل". قوله: "استحال" جواب "لمّا". قوله: "وجوابه إياهم" أي جواب النبي ﵇ للصحابة الذين سألوه. قوله: "والنجاسة في البئر" جملة حالية أيضًا. قوله: "من البئر" أي بئر بضاعة. قوله: "يطرأ" أي يعرض ويُجدّد. "بعد ذلك" أي بعد إخراج النجاسة من البئر. قوله: "وذلك موضع مشكل" إشارة إلى عدم نجاسة الماء الطارئ عليها، يعني كيف يطهر هذا، وهو مشكل "لأن حيطان البئر لم تغسل وطينها النجس لم يخرج" لأنه خالطه نجاسة فأجاب ﵇ بقوله: "إنَّ الماء لا ينجس" يعني الماء الذي يطرأ ويجدّد بعد إخراج النجاسة، لا أن الماء لا ينجس أصلًا إذا خالطته النجاسة، يعني ليس المراد من قوله: "إنَّ الماء لا ينجس" أنه لا ينجس إذا خالطته النجاسة، ثم أيد هذا التأويل بقوله: "وقد رأينا أنه ﵇ قال: المؤمن لا ينجس" لأن معناه ليس أن بدنه لا ينجس وإنْ أصابته النجاسة؛ لأن نجاسته حينئذ ظاهرة لا يمكن نفيها عنه، بل معناه لا ينجس من حيث الاعتقاد، كما يقال في حق المشرك: إنه نجس من حيث الاعتقاد؛ إذ لو كان نجسا بغير هذا المعنى لكان سؤره نجسا مع أنه طاهر. ص: حدثناه ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد. وحدثناه ابن خزيمة، قال: حدثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: "لقيت النبي ﷺ وأنا جنب، فمد يده إليّ فقبضت يدي عنه وقلت: إني جُنُب. فقال: سبحان الله، إنَّ المسلم لا ينجس".

стр. 73

ش: أي حدثنا الحديث المذكور وهو قوله ﵁: "المؤمن لا ينجس" إبراهيم بن أبي داود البرلسي. قوله: "حدثنا" بفتح الدال من حدث و"نا" مفعوله "وابن أبي داود" فاعله. و"المقدّمَي" -بضم الميم وفتح القاف [١/ق ١٠ - أ]، وتشديد الدال المفتوحة وكسر الميم الثانية -نسبة إلى المُقدَّم- على صيغة الفعول -وهو جدّ أبي عبد الله محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم، والذي اشتهر بهذه النسبة منهم جماعة، منهم: محمَّد بن أبي بكر هذا، روى عنه البخاري ومسلم وابن أبي داود البرلسي أيضًا، ومنهم: ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن عطاء البصري روى عنه الأربعة- والبرلسي أيضًا وثقه ابن حبان- قيل: هو المراد هَا هنا من المقدمي. وابن أبي عدي هو محمَّد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي مولاهم أبو عمرو البصري، ويقال: محمَّد بن أبي عدي، واسم أبي عدي إبراهيم، روى له الجماعة. وحُميد -بضم الحاء- ابن أبي حميد الطويل، أبو عُبيدة الخزاعي البصري، روى له الجماعة. وابن خزيمة هو محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري ثقة مشهور. والحجاج بن منهال روى له الجماعة. وحماد بن سلمة بن دينار البصري روى له الجماعة، البخاري مستشهدا. وبكر هو ابن عبد الله المزني أبو عبد الله البصري روى له الجماعة. وأبو رافع اسمه نُفيع -بضم النون- الصائغ المدني نزيل البصرة روى له الجماعة. وهذا الحديث أخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا محمَّد بن المثني، عن

стр. 74

يحيى بن سعيد، عن حميد، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. قال: سبحان الله، إنَّ المؤمن لا ينجس". وقال مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن عُلية، عن حميد الطويل، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أنه لقيه النبي ﵇ في طريق من طرق المدينة وهو جُنب، فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقده النبي ﵇ فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جُنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! إنَّ المؤمن لا ينجس". وقال أبو داود (٢): ثنا مسدد، قال: نا يحيى وبشر، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: "لقيني رسول الله ﵇ في طريق من طرق المدينة وأنا جُنب، فاخْتَنَسْتُ منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قلت: إني كنت جُنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة. فقال: سبحان الله، إنَّ المسلم لا ينجس". وقال الترمذي (٣): نا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان، قال: نا حميد الطويل، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ لقيه وهو جنب، قال: فانبجَسْتُ فاغتسلتُ ثم جئت، فقال: أين كنت -أو أين ذهبت-؟ قلت: إني كنت جنبا. فقال: إنَّ المسلم لا ينجس".

стр. 75

وقال النسائي (١): أخبرنا [حميد بن مسعدة] (٢) قال: ثنا بشر -وهو ابن المفضل- قال: ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسلَّ عنه فاغتسل ففقده النبي ﵇ فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، إنك لقيتني وأنا جُنُب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال: سبحان الله إنَّ المؤمن لا ينجس". وقال ابن ماجه (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... إلي آخر ما رواه مسلم لأنهما كليهما أخرجاه عن ابن أبي شيبة، ولكن عند مسلم منقطع بين حميد وأبي رافع بينهما بكر بن عبد الله المزني (٤)، وعند ابن ماجه موصول فافهم. فإن قلت: قد قال الطحاوي أولًا: وقد رأينا أنه ﵇ قال: "المؤمن لا ينجس". ثم روى الحديث وفيه: "إن المسلم لا ينجس". قلت: كلا اللفظين مروي كما ذكرناه [١/ ق -١٠ ب] وقال الترمذي: وفي الباب عن حذيفة وابن عباس ﵃. قلت: حديث حذيفة رواه أبو داود (٥) عن مسدد، عن يحيي، عن مسعر، عن واصل، عن أبي وائل، عن حذيفة: "أن النبي ﵇ لقيه فأهوى إليه فقال: إني جُنب. فقال: إنَّ المسلم ليس بنجس" (٦).

стр. 76

ورواه مسلم (١) أيضًا ولفظه: "أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جُنب فحاد عنه فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جُنبا. قال: إن المسلم لا ينجس". وفي رواية الكَسّار عن النسائي: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله: "أن النبي ﵇ لقيه وهو جُنب، فأهوي إليّ فقلت: إني جنب. فقال: المسلم لا ينجس" وفي رواية غيره: "عن حذيفة" بدل "عبد الله" (٢). وكذا عند ابن ماجه (٣): "عن حذيفة". وحديث عبد الله بن عباس أخرجه الحكم في "مستدركه" (٤): على ما نذكره الآن إنْ شاء الله تعالى. قوله: "جُنُب" على وزن فُعُل بضمتين صفة مشبّهة، وهو الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني، ويقع على الواحد والإثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وقد يجمع على أجناب وجُنُبين، وأَجْنَبَ يُجنِبُ إجنابا، والجنابة الاسم، وهي في الأصل: البعُد، ويسمى الإنسان جنبا؛ لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبته الناس حتى يتطهر، قال الجوهري: تقول: أجنب الرجل وجُنِبَ أيضًا بالضم. قوله: "فقبضت يدي عنه" يعني جمعتها عنه؛ لأن القبض في الأصل خلاف البسط. قوله: "سبحان الله" في موضع التعجب، وسبحان عَلَمٌ للتسبيح. كعثمان علم للرجل، ومعناه أُسبح الله تسبيحا أي أنزّهه عن النقائص.

стр. 77

قوله: "فانخنست" أبي تأخرت، ومنه خنس الشيطان وهو بالخاء المعجمة والنون، وكذا معنى "فاختنست" فالأول من باب الانفعال والثاني من باب الافتعال، وفي رواية للبخاري (١) ﵀: "فانسللت" من السَّلِّ وهو الجذب. قوله: "فانبجست" يعني اندفعت ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (٢) أي جَرْتَ واندفعت. وروي "فانتجست" أي اعتقدت نفسي نجسا، وروي "فانتجشت" -بالشين المعجمة- من النجش وهو الإسراع، روي "فانبخست" -بالنون والباء الموحدة والخاء المعجمة والسين المهملة- واستبعده بعضهم، وقال بعضهم: البخس النقص فكأنه ظهر له نقصانه عن مُمَاشاةِ رسول الله ﵇ لما اعتقد في نفسه من النجاسة. قوله: "أهوى إليه"أي أهوى إليه يده، أي أمالها إليه، يقال: أهوى يده إليه وأهوى بيده إليه، ويترك المفعول كثيرا. قوله: "فحاد عنه" من حاد عن الشيء أو عدل عنه يحيد حيدا وحيدودة. ويستفاد منه فوائد: - كون الجنُب طاهرا وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه، وكون المسلم طاهرا حيّا وميتا، وعن الشافعي قولان في الميت أصحهما الطهارة. - وذكر البخاري في "صحيحه" (٣): عن ابن عباس تعليقا "المسلم لا ينجس حيّا ولا ميتا". - ووصله الحكم في "المستدرك" (٤) فقال: أخبرني إبراهيم بن عصمة، قال: ثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي، أنبأ أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، قالا: ثنا

стр. 78

سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المسلم ليس بنجس حيّا ولا ميِّتّا" قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. فإن قلت: على هذا ينبغي ألَّا يغسل الميت؛ لأنه طاهر. قلت: اختلف علماؤنا في وجوب غسله، فقيل: إنما وجب لحدثٍ يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته؛ فإن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة، إذ لو تنجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات وكان الواجب اقتصار الغسل على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة، لكن ذلك إنما كان نفيا للحرج فيما يتكرر كل يوم والحدث بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة لا يكتفي فيها بغسل الأعضاء الأربعة بل يبقى على الأصل وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج فكذا هذا. وقال العراقيون: يجب غسله لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث؛ لأن للآدمي دمًا سائلا فيتنجس بالموت قياسا على غيره، ألا ترى أنه لو مات في البئر نجّسها ولو حمله المصلي لم تجز صلاته، ولو لم يكن نجسا لجازت كما لو حمل محدثا. هذا حكم المسلم، وأما حكم الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة كحكم المسلم عند الجمهور خلافا لقوم. - ومنها: جواز تأخير الغسل عن الجنابة بمقدار ما لا يفوته الفرض فيه؛ لأنه ﵇ ما أنكر عليه ذلك حين قال: إني جنب. - واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات وأحسن الصفات. - وأن العالم إذا رأى من تابعه في أمر يخافُ عليه فيه خلافَ الصواب، سأله عنه وبيّن له الصواب وحكمه. ص: وقال ﷺ في غير هذا الحديث: "إنَّ الأرض لا تنجس". ش: ذكر هذا تأييدا لتأويله الثاني في قوله ﵇: "إنَّ الماء لا ينجس".

стр. 79

ص: حدثنا بذلك أبو بكرة بكار بن قتيية البكراوي، قال: حدثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عقيل الدورقي، قال: حدثنا الحسن: "أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب لهم قبة في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس. فقال رسول الله ﷺ : إنَّه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم". ش: أشار بذلك إلى ما ذكره من قوله ﵇: "إنَّ الأرض لا تنجس". وبكَّار بن قتيبة هو القاضي الزاهد المشهور، روى عنه أيضًا أبو عوانة وأبو بكر ابن خزيمة في صحيحيهما، والبكراوي نسبة إلى أبي بكرة نفيع بن الحارث الصحابي؛ لأنه من نسله ونُسِبَ هكذا ليكون فرقا بينه وبن النسبة إلى أبي بكر، فإن فيه يقال: بكريّ. والمراد بأبي داود هو الطيالسي صاحب المسند واسمه سليمان بن داود بن الجارود البصري الحافظ، روى له الجماعة البخاري مستشهدا. وأبو عقيل -بفتح العين- اسمه بَشير بن عقبة الناجي -بالنون والجيم- السامي البصري من رجال الصحيحين، والدَّوْرَقي -بفتح الدال وسكون الواو وفتح الراء وفي آخره قاف- نسبة إلى دورق من بلاد خوزستان. والحسن هو البصري الإمام المشهور. وهذا من مراسيل الحسن، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن يونس، عن الحسن قال: "جاء النبي ﵇ ورهط من ثقيف، فأقيمت الصلاة، فقيل: يا نبي الله، إنَّ هؤلاء مشركون! قال: إنَّ الأرض لا ينجسها شيء". وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٢) نحوه.

стр. 80

والحديث المسند فيه ما أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: "أن وفد ثقيف قدموا على النبي ﵇ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على النبي ﵇ ألَّا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبّوا ولا يستعمل عليهم من غيرهم. فقال: لا تُحشروا ولا تعشروا ولا تُجبّوا ولا يستعمل عليكم من غيركم، ولا خير في دين ليس فيه ركوع". وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٢). قوله: "إنَّ وفد ثقيف" الوفد جمع وافد كركب جمع راكب وهم القوم يجتمعون ويَرِدُون البلاد، وكذلك يقصدون الأمراء لزيارة أو استرفاد وانتجاع وغير ذلك، تقول: وفد يفد فهو وافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشيء فهو موفد إذا أشرف، وثقيف أبو قبيلة من هوازن واسمه فَسِيّ، والنسبة إليه ثقفي، وأصله من ثقف الرجل ثقافة أبي صار حاذقا خفيفا فهو ثَقْفٌ مثل ضخم ومنه المثاقفة، والثقاف ما تسوى به الرماح. قوله: "ضرب لهم قبة" أي نصبها وأقامها على أوتاد، وهذه المادة تستعمل لمعانٍ كثيرة، والقُبة -بضم القاف- بيت صغير مستدير من بيوت العرب قاله ابن الأثير، وقال الجوهري: هي من البناء والجمع قِبَبٌ وقبَاب. قوله: "قوم أنجاس" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم قوم أنجاس، جمع نَجَس بفتحتين. قوله: "إنَّه" أي إن الشأن. ومعنى قوله: "إنَّه ليس من أنجاس الناس على الأرض شيء" أي الأرض لا تنجس بنزول المشركين عليها، وليس المعنى أنَّهَا لا تنجس إذا أصابتها النجاسة.

стр. 81

ومعني قوله: "إنما أنجاس الناس على أنفسهم" أي أنجاسهم منحصرة عليهم لا تعدو إلى غيرهم، وكان قدوم وفد ثقيف على رسول الله ﵇ في رمضان سنة تسع من الهجرة وكانوا بضعة عشر رجلًا منهم كنانة بن عبد ياليل وهو رئيسهم، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد. قوله: "ألَّا يحشروا ولا يعشروا" أي لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم بل يأخذها في أماكنهم. قوله: "ولا يجبّوا" من التجبية -بالجيم- وهو أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وقيل: هو السجود، والمراد من قولهم: "لا يجبوا" أنهم لا يصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع لقوله: في جوابهم "لا خير في دين ليس فيه ركوع" فسمى الصلاة ركوعا لأنه بعضها. ومن فوائده: جواز دخول الكافر المسجد، وهو حجة على مالك في منعه عن ذلك، واستحباب إكرام الوفد والرسل القادمين وتهيئة نزلهم والنظر في أمرهم، وعدم نجاسة الأرض بدون إصابة النجاسة الحقيقية. ص: فلم يكن معنى قوله ﵇: "المسلم لا ينجس" يريد بذلك أن بدنه لا ينجس وإنْ أصابته النجاسة وإنما أراد أنه لا ينجس بمعنى غير ذلك، وكذلك قوله: "الأرض لا تنجس" ليس يعني بذلك أنَّهَا لا تنجس وإنْ أصابتها النجاسة، وكيف يكون ذلك وقد أمر بالمكان الذي بال فيه الأعرابي من المسجد أن يصب عليه ذنوب من ماء! ش: "ليس يعني" أي ليس يقصد، من عَني يَعْني عَنْيا، وأما عَنَا يَعْنُو عُنوا فمعناه خضع وذل، وعَنِيَ يعني -من باب عَلِمَ يَعْلَمُ- عَنَاءً إذا تعب، والضمير فيه يرجع إلى النبي ﵇ والواو في "وقد كان" للحال.

стр. 82

والأعرابي: هو الذي يسكن البادية، منسوب إلى الأعراب ساكني البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجنس من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أم المدن، والنسبة إليه عربي. قوله: "أن يُصَبَّ" في محل النصب و"أن" مصدرية والتقدير بأن يصب أي أمر بصب ذنوب عليه، والذنوب -بفتح الذال المعجمة- الدلو العظيمة، وقيل: لا تسمى ذنوبا إلَّا إذا كان فيها ماء. ص: حدثنا بذلك أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي (من اليمامة) (١) قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك، قال: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوسا إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَهْ مَهْ! فقال رسول الله ﵇ "دعوه". فتركوه حتى بال، ثم إنَّ رسول الله ﵇ دعاه (فقال) (٢): "إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والعذرة، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن- قال عكرمة: أو كما قال رسول الله ﵇ فأمر رجلًا (فجاء) (٣) بدلو من ماء فسَنَّه عليه". ش: أي حدثنا بحديث الأعرابي المذكور أبو بكرة بكَّار القاضي. وعمر بن يونس بن القاسم الحنفي أبو حفص اليمامي، روى له الجماعة. وعكرمة بن عمار العجلي اليمامي، روي له الجماعة؛ البخاري مستشهدا. وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني، روى له الجماعة.

стр. 83

وأخرجه البخاري (١) وقال: ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان، عن يحيى بن سعيد [قال] (٢): سمعت أنس بن مالك قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﵇، فلما قضى بوله، أمر النبي ﵇ بذنوبٍ من ماء فأهريق عليه". ومسلم (٣)، وقال: حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال حدثني أنس بن مالك -وهو عم إسحاق- قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﵇ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﵇: مَهْ مَهْ قال: قال رسول الله ﵇: لا تُزْرموه ودعوه. [فتركوه] (٤) حتى بال، ثم إنَّ رسول الله ﵇ دعاه فقال له: إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن- أو كما قال رسول الله ﵇ قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء [بدلومن ماء فشَنَّه] (٥) عليه". والنسائي (٦)، وقال: أنا قتيبة، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: "أن أعرابيّا بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال النبي ﵇: دعوه، لا تزرموه، فلما فرغ، دعا [بدلو من ماء فصبه] (٧) عليه". وابن ماجه (٨)، وقال: ثنا أحمد بن عبدة، أنا حماد بن زيد، ثنا ثابت، عن أنس:

стр. 84

"أن أعرابيًّا بال في المسجد، فوثب إليه بعض القوم، فقال رسول الله ﵇: لا تُزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه". قوله: "بينما نحن" اعلم أن "بين" تُشبع فتحة نونه فتصير ألفا فيقال: "بينا"، وتارة تدخل عليه "ما" نحو "بينما" وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة، قلت: "نحن" مبتدأ و "مع رسول الله" خبره و"بينما" أضيف إلى هذه الجملة، والمعنى بينما أوقات كوننا مع رسول الله ﵇ جاء أعرابي. قوله: "جلوسا" نُصبَ على الحال، جمع جالس كالركوع جمع راكع. قوله: "إذ جاء" إذ هذه للمفاجأة -نص عليه سيبويه- وهو جواب "بينما". قوله: "مَهْ" كلمة بنيت على السكون وهو اسم سمي به الفعل ومعناه اكفف لأنه زجر، فإن وُصِلَتْ نونت، فقلت: مَهٍ مَهْ، و"مَهْ" الثاني تأكيد كما تقول: "صَهْ صَهْ". قوله: "فسنه" بالسين المهملة ويروى بالمعجمة، ومعنى السَنّ -بالمهملة- الصب المتصل، ومعنى الشن -بالمعجمة- الصب المنقطع، قاله ابن الأثير. قوله: "في طائفة من المسجد" أي قطعة منه. قوله: "فأهريق" أي أريق، والهاء زائدة. قوله: "لا تزرموه" بتقديم الزاي على الراء المهملة يعني لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم الدمع والدم انقطعا، وأزرمته أنا. واستنبط منه أحكام: الأول: استدل به الشافعي على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة تطهر بصب الماء عليها، وقال النووي: ولا يشترط حفرها. وقال الرافعي: إذا أصاب الأرض نجاسة يصب عليها من الماء ما يغمرها ويستهلك فيه النجاسة طهرت بعد نضوب الماء، وقبله فيه وجهان: إنْ قلنا إنَّ

стр. 85

الغسالة طاهرة والعصر لا يجب فنعم، وإنْ قلنا إنها نجسة والعصر واجب فلا، وعلي هذا فلا يتوقف الحكم بالطهارة على الجفاف بل يكفي أن يغاص الماء كالثوب المُعَصَّر ولا يشترط فيه الجفاف والنضوب كالعصر، وفيه وجه أن يكون الماء المصبوب سبعة أضعاف البول، ووجه آخر يجب أن يصُب على بول الواحد ذنوب وعلي بول الإثنين ذنوبان وعلي هذا أَبدا. انتهى. وقال أصحابنا: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة، فإن كانت الأرض رخوة صُبَّ عليها الماء حتى يتسفَّل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفَّل الماء يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على اجتهاده وما في غالب ظنه أنَّهَا طهرت ويقوم التسفّل في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر وعلي قياس ظاهر الرواية: يصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل في كل مرة وإنْ كانت الأرض صلبة، فإن كانت صعودا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل إلى الحفيرة ثم تكبس الحفيرة، وإنْ كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل بل تحفر، وعن أبي حنيفة: لا تطهير الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة وينقل التراب. ودليلنا على الحفر ما رواه الدارقطني (١) وقال: ثنا عبد الوهاب بن عيسى ابن أبي حيّة، ثنا أبو هشام الرفاعي محمَّد بن يزيد، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "جاء أعرابي فبال في المسجد فأمر رسول الله ﵇ بمكانه فاحتفر فصب عليه دلو من ماء فقال الأعرابي: يا رسول الله، المرء يحب القوم ولا يعمل بعملهم. فقال رسول الله ﵇: المرء مع من أحب". ورواه أبو يعلى أيضًا (٢).

стр. 86

وما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال: "بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه، فقال النبي ﵇: احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوا من ماء، علّموا ويسّروا ولا تعسروا". والقياس أيضًا يقتضي هذا الحكم لأن الغسالة نجسة فلا تطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب. فإنيْ قيل: قد استدللتم بالأثرين الأول مرفوع ضعيف؛ لأن سمعان بن مالك ليس بالقوي، وقال ابن خراش: "مجهول". والثاني مرسل وتركتم الحديث الصحيح! قلت: لا نسلم ذلك فإنا قد عملنا بالكل فعملنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالضعيف على زعمكم فيما إذا كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض والإهمال للبعض. فإن قلت: كيف تحملون الأرض فيه على الصلبة وقد ورد الأمر بالحفر فدل على أنَّهَا كانت رخوة؟! قلت: محتمل أن تكون قضيتين، في الأولي كانت الأرض صلبة، وفي الأخرى كانت رخوة. الثاني: استدل به بعض الشافعية على أن الماء متعين في إزالة النجاسة ومنعوا غيره من المائعات المزيلة، وهذا استدلال فاسد؛ لأن ذكر الماء هَا هنا لا يدل على نفي غيره؛ لأن الواجب هو الإزالة، والماء مزيل بطبعه، فيقاس عليه كل ما كان مزيلا؛ لوجود الجامع، على أن هذا الاستدلال يشبه مفهوم مخالفة وهو ليس بحجة. الثالث: استدلت به جماعة من الشافعية وغيرهم أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة وذلك لأن الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره، فلولا أن الغسالة طاهرة لكان الصب ناشرا

стр. 87

للنجاسة وذلك خلاف مقصود التطهير وسواء أكانت النجاسة على الأرض أم غيرها لكن الحنابلة فرقوا بين الأرض وغيرها ويقال إنَّه رواية واحدة عند الشافعية إنْ كانت الأرض، وإنْ كان غيرها فوجهان. قلت: روي عن أبي حنيفة أنَّهَا بعد صب الماء عليها لا تطهر حتى تدلك وتشعر بصوف أوخرقة وفُعِلَ ذلك ثلاث مرات، وإنْ لم يفعل ذلك لكن صب عليها ماء كثيرا حتى عرف أنه أزال النجاسة ولم يوجد فيه لون ولا ريح، ثم ترك حتى نشفت كانت طاهرة. الرابع: استدل به بعض الشافعية أن العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب، وهذا استدلال فاسد وقياس بالفارق؛ لأن الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض. الخامس: استدل به البعض أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر، وهو محكي عن أبي قلابة أيضًا، وهذا أيضًا فاسد؛ لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلي تطهير المسجد، وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلًا على أحدهما بعينه. السادس: فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات، ألا ترى إلى قوله: ﵇: "إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والعذرة". السابع: فيه دليل على أن المساجد لا يجوز فيها إلَّا ذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، فقوله: "وإنما هي لذكر الله" من قصر الموصوف على الصفة، ولفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم ووعظ الناس، والصلاة أيضًا عام يتناول المكتوبة والنافلة، ولكن النافلة في المنزل أفضل، ثم غير هذه الأشياء ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلًا بأمر من أمور الدنيا ينبغي ألا يباح، وهو قول بعض الشافعية، والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو سماع موعظة أو

стр. 88

انتظار صلاة أو نحو ذلك مستحب ويثاب على ذلك، وإنْ لم يكن لشيء من ذلك كان مباحا وتركه أولي، وأما النوم فيه، فقد نص الشافعي في الأم أنه يجوز، وقال ابن المنذر: رخص في النوم في المسجد ابن المسيب والحسن وعطاء والشافعي. وقال ابن عباس: لا تتخذوه مرقدا. وروي عنه أنه قال: إنْ كان ينام فيه لصلاة فلا بأس به. وقال الأوزاعي: يكره النوم في المسجد. وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء ولا أرى ذلك للحاضر. وقال أحمد: إنْ كان مسافرا أو شبهه فلا بأس وإنْ اتخذه مقيلا ومبيتا فلا. وهو قول إسحاق، وقال اليعمري: وحجة من أجازه: نوم علي بن أبي طالب وابن عمر واهل الصفة، والمرأة صاحبة الوشاح، والعرنيين، وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية، وهي أخبار صحاح مشهورة، وأما الوضوء فيه فقال ابن المنذر: أباح كل من يُحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلَّا أن يتوضأ في مكان يبلّه ويتأذى الناس به فإنه مكروه. وقال ابن بطال: هذا منقول عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والنخعي وابن القاسم صاحب مالك، وذكر عن ابن سيرين وسحنون أنهما كرهاه تنزيهًا للمسجد. وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج قال: "قال إنسان لعطاء: يخرج إنسان فيبول ثم يأتي زمزم فيتوضأ؟ قال: لا بأس بذلك فليدخل إنْ شاء فليتوضأ في زمزم، الدين سمح سهل. قال له إنسان: إني أرى أناسا يتوضئون في المسجد. قال: أجل ليس بذاك بأس. قلت: فتوضأ أنت فيه؟ قال: نعم. قلت: تتمضمض وتستنشق؟ قال: نعم، وأسبغ وضوئي في مسجد مكة. وروى عبد الرزاق (٢): أيضًا، عن الثوري، قال: أخبرني أبو هارون العبدى: "أنه رأى ابن عمر ﵄ يتوضأ في المسجد".

стр. 89

وقال بعض أصحابنا: إن كان فيه موضع معد للوضوء فلا بأس وإلَّا فلا. وفي "شرح الترمذي" لليعمري: إذا افتصد في المسجد فإن كان في غير إناء فحرام وإنْ كان في إناء فمكروه، وإنْ بال في المسجد في إناء فوجهان أصحهما أنه حرام، والثاني أنه مكروه، ويجوز الاستلقاء في المسجد ومدّ الرجل وتشبيك الأصابع للأحاديث الثابتة في ذلك. الثامن: فيه مبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. التاسع: فيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي ﵇ من غير مراجعة له. فإن قلت: أليس هذا من باب التقدّم بين يدي الله ورسوله؟ قلت: لا؛ لأن ذلك تقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار فأمر الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك، وإنْ لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن فدلّ على أنه لا يشترط الإذن الخاص ويُكتفي بالعام. العاشر: فيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما فإن البول فيه مفسدة، وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها، فدفع أعظمهما أيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصلت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما. فإن قيل: ما الحكمة في نهيه ﵇ إياهم عن الأعرابي حين أسرعوا إليه؟ قلت: مراعاة حق البائل لئلَّا يلحقه الضرر ومراعاة حق المسجد لئلَّا ينتشر البول عند القطع. الحادي عشر: فيه مراعاة التيسير على الجاهل والتألّف للقلوب. الثاني عشر: فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأن الأعرابي حين فرغ، أمر بصب الماء. الثالث عشر: في رواية الترمذي (١): "أهريقوا عليه سجلا من ماء -أو دلوا من

стр. 90

ماء" على ما نذكرها: اعتبار الأداء باللفظ؛ وإنْ كان الجمهور على عدم اشتراطه، وأن المعنى كافٍ وتحمل "أو" هَا هنا على الشك، ولا معني فيه للتنويع، ولا للتخيير، ولا للعطف؛ فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى لاقتصر على أحدهما فلما تردد في التفرقة بين الدلو والسجل وهما بمعنى؛ عُلم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ. قاله الحافظ القشيري. ولقائل أن يقول: إنما يتم هذا لو اتحد المعني في السجل والدلو لغة، لكنه غير متحد؛ فالسجل الدلو الضخمة المملوءة ولا يقال لها فارغة: "سجل" فافهم. ص: (وكما) (١) حدثنا بذلك علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى (بن يحيى) (١)، قال: أخبرني عبد العزيز بن محمَّد، عن يحيى بن سعيد أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يَذكر عن رسول الله ﷺ نحوه غير أنه لم يذكر قوله: "إنَّ هذه المساجد ... " إلى آخر الحديث. ش: أي وكما حدثنا بحديث الأعرابي المذكور علي بن شيبة بن الصلت بن عصفور أبو الحسن البصري؛ وفي بعض النسخ: "وكما أخبرنا بذلك". ويحيي بن يحيى بن بكر أبو زكريا النيسابوري، شيخ البخاري ومسلم. وعبد العزيز بن محمَّد بن عبيد الدراوردي أبو محمَّد الجهني مولاهم المدني، روى له الجماعة. ويحيي بن سعيد بن قيس الأنصاري قاضي المدينة، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث يحيى بن سعيد أنَّه سمع أنسا قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فلما قضى حاجته قام إلى ناحية فبال، فصاح به الناس فكفَّهم عنه ثم قال: صبّوا عليه دلوا من ماء".

стр. 91

قوله: "يَذكر" جملة وقعت حالا عن أنس. قوله: "نحوه" أي نحو الحديث المذكور. قوله: "غير أنه" استثناء أي غير أن يحيى بن سعيد لم يذكر عن أنس في هذه الرواية قول النبي ﵁ في الرواية السابقة: "إنَّ هذه المساجد" إلى آخره. ص: ورَوَى طاوس: "أن النبي ﷺ أمر بمكانه أن يحفر". ش: طاوس بن كيسان اليماني التابعي الكبير الثقة المأمون، وهذا مرسل. ص: حدثنا بذلك أبو بكرة بكار بن قتيبة البكراوي، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بذلك. ش: أي حدثنا بما رواه طاوس: بكَّار القاضي، والكل رجال الصحيح ما خلا بكّارا. و"بشّار" على وزن فعال بالتشديد، من البشارة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال: "بال أعرابي في المسجد، فأرادوا أن يضربوه، فقال النبي ﵇: احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوا من ماء، علّموا ويسّروا ولا تعسّروا". ص: وقد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ بذلك أيضًا. ش: أي بالحفر كما في رواية طاوس. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن سمعان بن مالك الأسدي، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "بال أعرابي في المسجد، فأمر به النبي ﷺ فصُبَّ عليه دلو من ماء ثم أمر به فحفر مكانه".

стр. 92

ش: أي حدثنا بما روي عن ابن مسعود: فهد بن سليمان الكوفي نزيل مصر. ويحيي بن عبد الحميد الكوفي، وثقه بعضهم وكذبه آخرون، والحماني -بكسر الحاء- نسبة إلى حِمّان قبيلة من تميم. وأبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الحناط -بالنون- مختلف في اسمه فقيل: محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: اسمه كنيته، وقيل غير ذلك. وعياش بالياء المشددة آخر الحروف وبالشين المعجمة، وهو من رجال الستة. وسمعان بن مالك ضعيف. وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة الأسدي، روى له الجماعة. وأخرجه الدراقطني بأتم منه، وقد ذكرناه عن قريب (١). فإن قلت: هذا الحديث ضعيف، فكيف يحتجون به في وجوب الحفر؟ قلت: هو عند الطحاوي غير ضعيف، ولئن سلمنا ذلك فإن الحفر قد روي بطريقين مسندين وطريقين مرسلين. فأما طريقا الإسناد ففي رواية الدارقطني الأولى (٢): عن سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله. والثانية (٣): عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس: "أن أعرابيًا بال في المسجد، فقال ﵇: احفروا مكانه ثم صُبّوا عليه ذنوبا من ماء". وأما طريقا الإرسال: فأحداهما: ما رواه أبو داود (٤) من حديث عبد الله بن معقل بن مقُرّن قال: "قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فاكتشف فبال، فقال

стр. 93

النبي ﵇: خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء" رواه عن موسى بن إسماعيل، نا جرير -يعني ابن حازم- قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث، عن عبد الله بن معقل به، وقال أبو داود: روي متصلًا ولا يصح (١). والثانية: ما رواه عبد الرزاق (٢) من حديث عمرو بن دينار، عن طاوس، وقد مرَّ عن قريب. واعلم أن حديث الأعرابي رواه خمسة من الصحابة وهم أنس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وواثلة بن الأسقع ﵃ وقد أخرج الطحاوي حديثي أنس وابن مسعود وقد ذكرناهما مع بيان من أخرجهما أيضًا من الأئمة. وأما حديث عبدالله بن عباس فرواه الطبراني في "الكبير" (٣) وأبو يعلى في "مسنده" (٤) والبزار في "مسنده" (٥) بإسناد رجاله رجال "الصحيح" إلى ابن عباس أنه قال: "أتى النبي ﷺ أعرابي فبايعه ثم انصرف فقام (ففشخ) (٦) فبال فهمَّ الناسُ به، فقال النبي ﷺ : لا تقطعوا على الرجل بوله. ثم دعا به فقال: ألست برجل مسلم؟ قال: بلى. قال: فما حملك على أن بُلتَ في المسجد؟ قال: والذي بعثك بالحق ما ظننت إلَّا أنه صعيد من الصعدات فبلت فيه. فأمر النبي ﵇ بذنوب من ماء فصب على بوله".

стр. 94

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الجماعة ما خلا مسلما. فقال البخاري (١): أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن أبا هريرة قال: "قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﵇: دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء -أو ذنوبا من ماء- فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". وقال أبو داود (٢): ثنا أحمد بن عمرو بن السرح، وابن عبدة في آخرين -وهذا لفظ ابن عبدة- قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: "أن أعرابيّا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال النبي ﵇: لقد تحجّرت واسعا، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع [إليه] (٣) الناس، فنهاهم النبي ﵇ وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين؛ صُبّوا عليه سجلا من ماء- أو قال: ذنوبا من ماء". وقال الترمذي (٤): نا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: نا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: "دخل أعرابيّ المسجد والنبي ﵇ جالس فصلي فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فالتفت إليه النبي ﵇ فقال: لقد تحجرت واسعا. فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناسُ، فقال النبي ﵇: أهريقوا عليه سجلا من ماء -أو دلوا من ماء- ثم قال: إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين". وقال النسائي (٥): أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن

стр. 95

الأوزاعي، عن محمَّد بن الوليد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: "قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله ﵇: دعوه وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسّرين". وقال ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا علي بن مسهر، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "دخل أعرابيّ المسجد ورسول الله ﵇ جالس، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا. فضحك رسول الله ﵇ وقال: لقد احتظرت واسعا. ثم وليّ حتى إذا كان في ناحية المسجد (فثني) (٢) يبول، فقال الأعرابي بعد أن فقه: فقام إليَّ -بأبي وأمي- ﷺ فلم يؤنب ولم يسبَّ فقال: إنَّ هذا المسجد لا يبُال فيه، وإنما بني لذكر الله وللصلاة، ثم أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله". وأما حديث واثلة بن الأسقع فأخرجه ابن ماجه (٣) وقال: نا أبو حاتم محمَّد بن عبد الله الأنصاري وهو من حديث أبي بكر بن الأصفهاني، نا محمَّد بن يحيى، نا محمَّد بن عبد الله، عن عبيد الله الهذلي- قال محمَّد بن يحيى: هو عندنا ابن أبي جميلة - أنا أبو المليح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﵇ فقال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدا. فقال: لقد حظرت واسعا، ويحك -أو ويلك- قال: (فثني) (٢) يبول، [فقال أصحاب النبي ﵇: مَهْ] (٤) فقال رسول الله ﵇: دعوه (فدعا) (٥) بسجل من ماء فصبه عليه".

стр. 96

ص: قال أبو جعفر ﵀: فكأن معنى قوله: "إنَّ الأرض لا تنجس" أي أنَّهَا لا تبقى نجسة إذا زالت النجاسة منها؛ لا أنه يريد أنَّهَا غير نجسة في حال كون النجاسة فيها، فكذلك قوله ﷺ في بئر بضاعة: "إنَّ الماء لا ينجس" ليس هو على كون النجاسة فيها إنما هو على حال عدم النجاسة فيها، فهذا وجه قوله ﷺ في بئر بضاعة: "الماء لا ينجسه شيء". ش: لما أوّل قوله ﵇: "الماء لا ينجسه شيء" بالتأويل المذكور، واستدل عليه بالأحاديث المذكورة؛ أوضحه بقوله: "فكان معنى قوله"أي النبي ﵇؛ فلذلك ذكره بالفاء التفصيلية. ص: وقد رأيناه بَيّن ذلك في غير هذا الحديث. ش: أي قد رأينا النبي ﵇ بَيّن ذلك ما ذكرنا من التأويل وأوضحه في غير حديث بئر بضاعة، و"رأي" هَا هنا بمعنى علم؛ فلذلك تعدى إلى مفعولين كما في قوله: رأيت الله أكبر كل شيء .... محاولة وأكثره جنودا ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري وعلي بن شيبة بن الصلت البغدادي، قالا: ثنا عبد الله بن يزيد المقرىء، قال: سمعت ابن عون يحدث، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: "نَهَى -أو نُهي- أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الركد ثم يتوضأ منه أو يغتسل فيه". ش: رجاله كلهم ثقات، وابن عون هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري التابعي الثقة الزاهد. وأخرجه الطبراني (١) بهذا الطريق من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ قال: سمعت ابن عون يحدث، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "نهى -أو نُهي- أن يبول

стр. 97

الرجل ... " إلى آخره، رواه عن بشر بن موسى، عنه، وقال: لم يجوِّدْه عن ابن عون غير المقرئ. وأخرجه الجماعة أيضًا، فقال البخاري (١): أنا أبو اليمان، أنا شعيب، أنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز حدثه، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "نحن الآخرون السابقون". وبإسناده، قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه". وقال مسلم (٢): حدثني زهير بن حرب، قال: نا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه". وقال أبو داود (٣): ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة في حديث هشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه". وقال الترمذي (٤): حدثنا محمود بن غيلان، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه". وقال النسائي (٥): أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عيسى بن يونس، قال: ثنا عوف، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه".

стр. 98

وقال ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد". قوله: "نَهَى" على صيغة المعلوم، وقوله: "أو نُهِي" علي صيغة المجهول، وحرف "أو" يدل على تشكك الراوي، فالمعني في الأول: نهى رسول الله ﵇ ويكون محل "أن يبول الرجل" نصبا على المفعولية. وفي الثاني: أتى النهي في بول الرجل في الماء الدائم ويكون محل "أن يبول" رفعا لاستناد "نهي" إليه، و"أن" في الوجهين مصدرية. قوله: "الدائم" أي الثابت الواقف الذي لا يجري كما جاء في بعض الألفاظ: "في الماء الدائم الذي لا يجري" (٢) وهو تفسير للدائم وأيضًاح لمعناه. قوله: "أو الراكد" شك من الراوي، من ركد إذا ثبت، قال الجوهري: ركد الماء ركودا سكن، وكل ثابت في مكان راكد. ثم اعلم أن قوله: و"نهى" حكايته النهي كما أن قوله: "أمر" حكاية الأمر، واختلفوا فيما إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو السُّنة كذا، فالمذهب عندنا أنه لا يفهم من هذا المطلق الأخبار بأمر رسول الله ﵇ أو أنه سُنَّة رسول الله ﵇. وقال الشافعي في القديم: "ينصرف إلى ذلك عند الإطلاق"، وفي الجديد قال: "لا ينصرف إلى ذلك بدون البيان؛ لاحتمال أن يكون المراد سُنّه البلدان أو الرؤساء" حتى قال في كل موضع قال: السُّنة ببلدنا كذا، فإنما أراد سليمان بن بلال وكان عريفا بالمدينة.

стр. 99

واستنبط من الحديث المذكور أحكام: الأول: احتج به أصحابنا أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه النجاسة لم يجز الوضوء به؛ قليلًا كان أو كثيرا. وعلي أن القلتين تحمل النجاسة لأن الحديث مطلق؛ فبإطلاقه يتناول الماء القليل والكثير والقلتين والأكثر، ولو قلنا: إن القلتين لا تحمل النجاسة لم يكن للنهي فائدة؛ على أن هذا أصح من حديث القلتين لما يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى ومذهب مالك أن الماء القليل لا يتنجس إلَّا بتغير أحد أوصافه، لقوله: ﵇: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (١) ومذهب الشافعي وأحمد أن الماء إذا كان قلتين لا يتنجس إلَّا بالتغير لحديث القلتين، والجواب أن حديث مالك ورد في بئر بضاعة وماؤها كان جاريا كما قد قررناه، وحديث الشافعي ضعيف من جهة كونه مضطربا سندا ومتنا على ما يجيء بيانه أو مؤُوَّل على ما سيأتي إنْ شاء الله تعالى. فإن قلت: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يجوز تخصيصه ببئر بضاعة. قلت: قد خُصَّ بدليل يساويه وهو حديث هذا الباب. وقال ابن قدامة في "المغني" (٢): ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور في المذهب أنه ينجس، وروي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو عبيد، ورُوي عن أحمد أن الماء لا ينجس إلَّا بالتغيير قليله وكثيره، وروي مثل ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس ﵃ قالوا: "الماء لا ينجس" ورُوي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وابن أبي ليلي ومالك والأوزاعي ويحيي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المنذر، وهو قول للشافعي. ثم قال:

стр. 100

ودليلنا حديث القلتين وحديث بئر بضاعة، ثم قال: "وهذان الحديثان نص في خلاف ما ذهب إليه الحنفية"، وقال أيضًا: بئر بضاعة لا يبلغ إلى الحد الذي يمنع التنجس عندهم. قلت: لا نسلم أن هذين الحديثين نص في خلاف مذهبنا، أما حديث القلتين فلأنه ضعيف -على ما يأتي- والعمل بالصحيح المتفق عليه أقوى وأقرب، وأما حديث بئر بضاعة فإنا نعمل به لأن ماءها كان جاريا على ما ذكرنا، وقوله: "وبئر بضاعة لا يبلغ ... " إلى آخره غير صحيح؛ لأن البيهقي روى عن الشافعي أن بئر بضاعة كانت كثير الماء واسعة، وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونا ولا طعما. فإن قيل: حديثكم عام في كل ماءٍ وحديثهم خاص فيما بلغ القلتين، وتقديم الخاص على العام متعين؛ كيف وحديثكم لابد من تخصيصه، فإنكم وافقتمونا على تخصيص الماء الكثير الذي يزيد على عشرة أذرع وإذا لم يكن بد من التخصيص فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي من غير أصل يرجع إليه ولا دليل يعتمد عليه. قلت: لا نسلم أن تقديم الخاص على العام متعين، بل الظاهر من مذهب أبي حنيفة ترجيح العام على الخاص في العمل به كما في بئر الناضح، فإنه رجح قوله ﵇: "من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا" (١) على الخاص الوارد في بئر الناضح أنه ستون ذراعا (٢).

стр. 101

ورجح قوله ﵇: "ما أخرجت الأرض ففيه العشر" (١) على الخاص الوارد بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٢) ونسخ الخاص بالعام أيضًا كما فعله في بول ما يؤكل لحمه فإنه جعل الخاص من حديث العرنيين (٣) فيه منسوخا بالعام وهو قوله ﵇: "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٤). قلت: "فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي"، إنما يكون إذا كان الحديث المخصّص غير مخالف للإجماع، وحديث القلتيين خبر آحاد ورد مخالفا لإجماع الصحابة فَيُرَدُّ. بيانه: أن ابن عباس وابن الزبير ﵃ أفتيا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله. ولم يظهر أثره في الماء وكان الماء أكثر من قلتين وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعا (٥)، وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يُردُّ، يدل عليه أن علي بن المديني قال: لا يثبت هذا الحديث عن النبي ﵇ وكفى به قدوة في هذا الباب، وقال أبو داود: لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن

стр. 102

النبي ﵇ في تقدير الماء. وقال صاحب "البدائع": ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية. الثاني: استدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل فإنه قرن فيه بين الغسل فيه والبول فيه، أما البول فيه فينجسّه فكذلك الغسل فيه، وفي دلالة القِران بين الشيئن على استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء، فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك وخالفهما غيرهما. الثالث: أن النووي زعم أن النهي المذكور فيه للتحريم في بعض المياه، والكراهة في بعضها، فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ولكن الأولى اجتنابه، وإنْ كان قليلًا جاريا فقد قال جماعة من أصحابنا: يكره، والمختار أنه يحرم؛ لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وإنْ كان كثيرا راكدا فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يحرم لم يكن بعيدا، وأما الماء الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار أنه حرام، والتغوط فيه كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثم صبّه في الماء. قلت: زَعْمُ النووي من باب استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول. الرابع: أن هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقا بالماء المُستَبْحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر كما قلناه، أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي، أو بالعمومات الدالة على طهورية الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك. الخامس: أنَّ من تمسك بالعمومات الواردة الدالة على طهورية الماء الذي لم يتغير وصف من أوصافه الثلاثة يحمل النهي هَا هنا على الكراهة فيما لم يتغير، وهو خلاف المشهور في النهي، ومن قال بتنجيس ما دون القلتين من الماء وإنْ لم يتغير -من

стр. 103

أصحاب الشافعي وغيره- فإنما أخذه من مفهوم حديث القلتين، وفي تخصيص العموم بالمفهوم تنازع بين أهل الأصول فبعضهم يقول: لا نعلم خلافا بين القائلين بالمفهوم أنه يجوز تخصيص العموم به، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة أم من قبيل مفهوم المخالفة، وغيره يقول: إذا قلنا: المفهوم حجة فالأشبه أنه يجوز تخصيص العام به؛ لأن المفهوم أضعف دلالة من المنطوق فكان التخصيص تقديما للأضعف على الأقوى وذلك غير جائز. السادس: أن المذكور فيه البول فيلحق به التغوط قياسا، والمذكور فيه الغسل من الجنابة فيلحق به اغتسال الحائض والنفساء قياسا، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبهما. فإن قلت: هل يلحق به الغسل المسنون أم لا؟ قلت: من اقتصر على اللفظ فلا إلحاق عنده كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس ممن زعم أن العلة الاستعمال فالإلحاق صحيح، ومن زعم أن العلة رفع الحدث فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الذي بين أبي يوسف ومحمد في كون الماء مستعملا. السابع: فيه دلالة على تنجيس البول. ص: وحدثنا علي بن معبد بن نوح البغدادي، قال: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه". ش: هذا طريق آخر، ورجاله ثقات، وأخرج مسلم نحوه (١)، وقد ذكرناه. قوله: "لا يبولن" نهي مؤكد بالنون الثقيلة وأصله "لا يبل أحدكم" فلما دخلت النون عادت الواو المحذوفة. قوله: "الذي لا يجري" صفة كاشفة.

стр. 104

قوله: "ثم يغتسل فيمه برفع اللام؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي ثم هو يغتسل فيه، ويجوز الجزم عطفا على محل لا يبولن؛ لأنه مجزوم، وعدم ظهور الجزم لأجل النون، وقد قيل: يجوز النصب بإضمار "أن" ويعطي لـ"ثم" حكم واو الجمع. قلت: هذا فاسد؛ لأنه يقتضي أن يكون المنهي عنه هو الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقل به أحد، بل البول فيه منهيّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم منه أم لا، وقال القرطبي في "المفهم": الصحيح "يغتسلُ" برفع اللام، ولا يجوز نصبها إذ لا تنتصب بإضمار"أن" بعد "ثم". وخالفه في ذلك ابن مالك وأجازه بالوجه الذي ذكرناه، وقال النووي: الرواية "يغتسل" بالرفع. وقال القرطبي: ومثل هذا قوله ﵇: "لا يضرب أحدكم امرأته ضربَ الأَمة ثم يُضاجعُها" (١) برفع "يُضاجعُها". ولم يروه أحد بالجزم، والتقدير: ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أبو موسى الصدفي، قال: أخبرني أنس بن عياض الليثي، عن الحارث بن أبي ذُبَاب -وهو رجل من الأزد- عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب". ش: هذا طريق آخر أيضًا، ورجاله ثقات. ويونس بن عبد الأعلي شيخ مسلم أيضًا والنسائي وابن ماجه، وقد شاركهم الطحاوي في الرواية عنه. وأنس بن عياض شيخ الشافعي وأحمد. والحارث بن أبي ذباب هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد -وقيل: المغيرة- بن أبي ذباب الدوسي المدني.

стр. 105

وأخرج البيهقي نحوه إسنادا ومتنا (١). قوله: "أو يشرب" أي منه. ص: حدثنا يونس قال: أخبرني عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكير بن عبد الله الأشج حدثه، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة، حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جُنب. فقال: كيف نفعل يا أبا هريرة؟ فقال: تتناوله تناولا". ش: رجال هذا كلهم رجال الصحيح، فنصفه مصري، ونصفه مدني. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢) عن النيسابوري عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره نحوه سواء بسواء. وأخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (٣): عن عبد الله بن مسلم، عن حرملة ابن يحيى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحوه (٤). قوله: "لا يغتسلْ" نهي؛ فلذلك جزم "اللام"، ويجوز أن يكون نفيا؛ فحينئذ تضم اللام. قوله: "وهو جنب" جملة حالية. قوله: "كيف نفعل" بالنون المصدرة للجماعة.

стр. 106

قوله: "تتناوله" بتاء الخطاب، و"تناولا" نُصِبَ على المصدرية. واستدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل؛ لأنه نهي عن الاغتسال في الماء الدائم في حالة الجنابة؛ فلو لم يتنجس الماء بذلك لم يكن للنهي فائدة. ومن فوائده: جواز إدخال الجنب يده في الماء الدائم ليأخذ منه شيئا للاغتسال، وكذا حكم الإناء؛ لأن في منع هذا حرجا عظيما؛ لأن كل أحد لا يجد إناء يأخذ الماء به، ولو أدخل رجله لفسد الماء لعدم الحاجة إليه، وعن أبي يوسف: لو أدخل رجله في البئر لا يفسد؛ لأنه يحتاج إلى ذلك لطلب الدلو. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه. ش: ابن أبي داود هو إبراهيم، وقد مر غير مرة. وسعيد بن الحكم المصري، روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن أبي الزناد -بالزاي والنون- أبو محمَّد القرشي المدني، استشهد به البخاري، واحتج به أبو داود والترمذي وابن ماجه. واسم أبي عبد الرحمن: عبد الله بن ذكوان أبو الزناد، روى له الجماعة. وموسى بن أبي عثمان التبان مولى المغيرة بن شعبة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. ولم يعرف اسم أبي موسى المذكور، روى له الترمذي والنسائي. ص: وكما حدثنا حسين بن نصر بن المعارك البغدادي، قال: ثنا محمَّد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا سفيان (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 107

ش: هذان طريقان آخران للطريق السابق، فحصل لحديث أبي الزناد ثلاث طرق. وحسن بن نصر ذكره ابن يونس فيمن قدم مصر وقال: كان ثقة ثبتا. ومحمد بن يوسف الفريابي روى له الجماعة، والفِريابي -بكسر الفاء- نسبة إلى فارياب، بليدة بنواحي خراسان. وسفيان هو الثوري الإمام المشهور. وفهد هو ابن سليمان. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين شيخ البخاري وغيره. واعلم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر يكتب عند الانتقال من إسناد إلى إسناد آخر "حاء" مهملة مفردة؛ دلالة على التحويل والانتقال، ولذلك كَتَبَ "ح" بعد قوله: "ثنا سفيان ح وحدثنا فهد". ص: حدثنا الربيع بين سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عبد الله ابن لهيعة، قال: ثنا عبد الرحمن الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول عن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه". ش: هذا طريق آخر. والربيع بين سليمان بن عبد الجبار المرادي، راوي كتب الأمهات عن الشافعي، وثقه الخطيب. وأسد بن موسى بن إبراهيم الأموي المصري، وثقه ابن حبان وغيره. وعبد الله بن لَهِيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- قاضي مصر قالوا: فيه مقال. ولكنه كبير، وثقه أحمد ورضي به الطحاوي (١).

стр. 108

وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج القرشي، روي له الجماعة. ص: وكما حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أنا حيوة بن شريح، قال: سمعت ابن عجلان يحدث، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ولا يغتسل فيه". ش: هذا طريق آخر رجاله كلهم ثقات. والربيع هذا غير الربيع المذكور في الحديث السابق فإن ذاك مرادي وهذا جيزي نسبة إلى جيزة مصر مقابل المقياس وكلاهما من أصحاب الشافعي. وحيوة بن شريح التميمي المصري. وهذا الإسناد نصفه مصري ونصفه مدني. قوله: "ولا يغتسلُ" برفع اللام، عطف جملة على جملة لا عطف فعل على فعل، إذ لو كان ذاك لقيل: ولا يغتسلن -بالنون- وهذه الرواية بحرف "في" والتي قبلها بحرف "من" فافهم. ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ العُصْفري، قال: حدثني إدريس بن يحيى، قال: ثنا عبد الله بن عياش، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبى ﵇ مثله، غير أنه قال: "ولا يغتسل فيه جنب". ش: هذا إسناد آخر في الحديث السابق، وفيه زيادة لفظة: "جُنب" بعد قوله: "ولا يغتسل فيه" ورجاله ثقات. وإبراهيم بن منقذ من أصحاب عبد الله بن وهب.

стр. 109

وإدريس بن يحيى بن إدريس بن يحيى الخولاني. وعبد الله بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- القِتْبَاني أبو حفص المصري، روي له مسلم. والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. ص: وحدثنا محمَّد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو يوسف، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﵇: "أنه نهى أن يبال في الماء الركد ثم يتوضأ فيه". ش: محمَّد بن الحجاج ذكره ابن يونس وقال: محمَّد بن الحجاج بن سليمان الجوهري مولى حضرموت، يكني أبا جعفر، كان صالحا. وعلي بن معبد بن شداد العبدي أبو الحسن الرَّقي نزيل مصر، وثقه أبو حاتم، وروي له الترمذي والنسائي. وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، الإِمام المشهور أكبر أصحاب أبي حنيفة، وثقه ابن حبان وغيره. وابن أبي ليلي هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري قاضي الكوفة، روى له الأربعة، وفيه مقال. وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، روي له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى أن يبال في الماء الراكد". وابن ماجه (٢): عن محمَّد بن رمح، عن الليث ... إلي آخره نحوه.

стр. 110

والطبراني في "الأوسط" (١) بإسناد صحيح إلى جابر قال: "نهي رسول الله ﵇ أن يبال في الماء الجاري فإذا كان البول في الجاري منهيّا عنه ففي الراكد بالطريق الأولى. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمَّد بن يحيى، عن محمَّد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة؛، عن ابن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا [يبولن] (٣) أحدكم في الماء الناقع". ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما خصّ رسول الله ﷺ الماء الذي لا يجري دون الماء الجاري مع ما في هذه الآثار؛ علمنا بذلك أنه إنما فصل ذلك لأن النجاسة تداخل الماء الذي لا يجري ولا تداخل الماء الجاري، وقد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا في غسل الإناء من ولوغ الكلب ما سنذكره في غير هذا الموضع من كتابنا هذا إنْ شاء الله تعالى فذلك دليل على نجاسة الإناء ونجاسة مائه وليس ذلك بغالب على ريحه ولا على لونه ولا على طعمه، فتصحيح معاني هذه الآثار يوجب فيما ذكرنا من هذا الباب من معاني حديث بئر بضاعة ما وصفنا لتتفق معاني ذلك ومعاني هذه الآثار ولا تتضادَّ، فهذا حكم الماء الذي لا يجري إذا وقعت فيه النجاسة من طريق تصحيح معاني الآثار، غير أن قوما وقتوا في ذلك شيئًا فقالوا: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. ش: لما أوّل فيما مضى معنى قوله ﵇ في بئر بضاعة: "إنَّ الماء لا ينجس" بأنه لا ينجس في حال عدم النجاسة فيها، وكذلك معنى قوله ﵇: "إنَّ الأرض لا تنجس" بأنها لا تبقى نجسة إذا زالت النجاسة منها، وأقام على ذلك شواهد تدل على صحة مدعاه وهي أحاديث بول الأعرابي في المسجد، ثم أوضح ذلك
следующие страницы →