← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

الثاني: النية التي توجد في الصوم المفروض لا في يوم معيَّن فإنها لا تجوز إلا في الليل، وهو معنى قوله: "وما كان منه فرضا لا في يوم بعينه ... " إلى آخره. الثالث: النية التي تجوز في الليل والنهار، وهو معنى قوله: "وما كان تطوعًا ... " إلى آخره. قوله: "وإلى ذلك" أي: إلى هذا التخريج والتقسيم يذهب أبو حنيفة وصاحباه. قوله: "إلا أنهم ... إلى آخره" إشارة إلى أن أبا حنيفة وصاحبيه وإن كانوا جوزوا صوم التطوع بنية من النهار، ولكن قيدوا ذلك بأن يكون إلى ما قبل الزوال، حتى لو نوى بعد الزوال لا يجوز، وقد ذكرنا الفرق فيه فيما مضى، والله أعلم.

стр. 4097

ص: باب: معنى قول رسول الله ﷺ : "شهرا عيدٍ لا ينقصان: رمضان وذو الحجة ". ش: أي: هذا باب في بيان معنى قوله ﵇: "شهرا عيدٍ لا ينقصان". ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق وعليّ بن معبد، قالا: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا حماد، عن سالم أبي عبيد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن النبي ﵇ قال: "شهرا عيدٍ لا ينقصان: رمضان وذو الحجة". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: عثمان بن عمر بن فارس، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان ورجالهما ثقات. وحماد هو ابن سلمة، وسالم هو ابن سالم وكنيته أبو عبيد الله، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأبو بكرة نُفيع بن الحارث الثقفي الصحابي. والحديث أخرجه الجماعة إلا النسائي: فقال البخاري (١): ثنا مسدد، ثنا معتمر، قال: سمعت إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال. وحدثني مسدد، قال: نا معتمر، عن خالد الحذاء، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "شهران لا ينقصان شهرا عيد: رمضان وذو الحجة". وقال مسلم (٢): حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا يزيد بن زُريع، عن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة".

стр. 4098

وقال أبو داود (١): نا مسدد، أن يزيد بن زريع حدثه، عن خالد الحذَّاء، عن عبد الرحمن ... إلى آخره نحوه. وقال الترمذي (٢): ثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: نا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن ... إلى آخره نحوه. قال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﵇ مرسل. وقال ابن ماجه (٣): ثنا حُميد بن مسعدة، نا يزيد بن زريع، نا خالد الحذَّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ... إلى آخره نحوه. قوله: "شهرا عيد" كلام إضافي مبتدأ، وخبره: "لا ينقصان". قوله: "رمضان" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أحدهما: رمضان، أي: شهر رمضان، والآخر: شهر ذي الحجة، ورمضان في الأصل مصدر "رمِض" إذا احترق من الرمضاء، وهو شدة الحر، وسمي هذا الشهر الذي بين شعبان وشوال بهذا الاسم لارتماضهم فيه من حرِّ الجوع ومقاساة شدته، وقيل: لما نقلوا أسماء المشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، وكان اسم شهر رمضان في اللغة القديمة ناتقًا؛ سموه به لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم اضجارًا بشدته عليهم، قال ابن الأعرابي: رمضان هو ناتق، والجمع نواتق، وأنشد: وفي ناتق أَحلَّت لدى حَوْمة الوغى ... وَدَلَّت على الإدْنَاءِ فرسانُ خَثْعَما (٤)

стр. 4099

وذلك كما كان اسم شوال: عاندًا وعاذلا، وكان اسم ذي القعدة: هُوَاعًا، والجمع أَهْوعة، وإن شئت هُوَاعات، وكان اسم ذي الحجة: بُرَكًا، والجمع: بركات، وكان اسم المحرم: موتمرًا بهمز وبغير همز، والجمع مآمر ومآمير، وكان اسم صفر: ناجزًا، والجمع نواجز، وكان اسم ربيع الأول: خوانًا، والجمع: أخونة، وكان اسم ربيع الآخر: وبَصَانًا بالتخفيف، والجمع وَبَصَانات، وكان اسم جمادى الأولى: حنينًا والجمع حناين وأحنة وحنن، وكان اسم جمادى الآخرة: ورنة، والجمع: ورْنات، ويقال: رُنَة -بالضم-، وكان اسم رجب: الأصم، والجمع: صُمم، وكان يقال له أيضًا: مُفصل الأسنة، أي مُسقطها؛ لأنه شهر حرام، وكان اسم شعبان: وعلًا، وجمعه: أَوْعال، ويقال: وُعلان، ويقال: كان اسمه العجلان ويقال: عادل. ثم إن رمضان منع الصرف للتعريف والألف والنون، ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة، قاله الفراء، وعن الفراء أيضًا يقال: هذا شهر رمضان، وهذا رمضان بلا شهر؛ قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١)، وفي الحديث: "مَن صام رمضان" (٢)، ومنهم مَن منع أن يقال: رمضان بلا شهر، وكذا منعوه أن يجمع؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، والحديث يرد عليه. ص: قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث أن هذين الشهرين لا ينقصان، فتكلم الناس في معنى ذلك، فقال قوم: لا ينقصان: أي لا يجتمع نقصانهما في عام واحد، وقد يجوز أن ينقص أحدهما، وهذا قول قد دفعه العِيان؛ لأنا وجدناهما ينقصان في أعوام، وقد يجمع ذلك في [كل] (٣) واحد منهما، فدفع ذلك قوم بهذا وبحديث النبي ﵇ الذي ذكرناه في غير هذا الموضع أنه قال في شهر رمضان: "فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين"، وبقوله: "إن الشهر

стр. 4100

قد يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين"، فأخبر أن ذلك جائز في كل شهر من المشهور، وسنذكر ذلك بإسناده في موضعه من كتابنا إن شاء الله تعالى. ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أهل الحديث منهم: أحمد بن حنبل، فإنهم قالوا: معنى قوله: "لا ينقصان" لا يجتمع نقصانهما في عام واحد، يعني لا ينقصان معًا في سنة واحدة، بل إن نقص أحدهما يتم الآخر البتة، وزيف الطحاوي هذا القول بقوله: وهذا قول قد دفعه العيان، أي المشاهدة وهو أنا قد وجدنا الشهرين المذكورين ينقصان معًا في عام واحد. قوله: "فدفع ذلك قوم بهذا ... " إلى آخره، إشارة إلى أن طائفة من العلماء دفعوا هذا القول بشئين: أحدهما: هو ما ذكره. والثاني: بحديث النبي ﵇ وهو قوله: "فإن غمَّ عليكم فعدوا ثلاثين" (١)، رواه ابن عمر ﵄، وقوله ﵇: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين وقد يكون ثلاثين" (٢)، رواه أبو هريرة، وسيجيء بيان هذه الأحاديث في كتاب الإيمان إن شاء الله تعالى. ص: وذهب آخرون إلى تصحيح هذه الآثار كلها، وقالوا: أما قوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" فإن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين وقد يكون ثلاثين، فذلك كله كما قال، وهو موجود في الشهور كلها. وأما قوله: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة" فليس ذلك عندنا على نقصان العدد، ولكنهما فيهما ما ليس في غيرهما من المشهور، في أحدهما الصيام، وفي الآخر الحج، فأخبرهم رسول الله ﵇ أنهما لا ينقصان وإن كانا تسعًا وعشرين، وهما شهران كاملان كانا ثلاثين ثلاثين أو تسعًا وعشرين تسعًا وعشرين؛ ليعلم

стр. 4101

بذلك أن الأحكام فيهما -وإن كانا تسعًا وعشرين تسعًا وعشرين- متكاملة فيهما غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين ثلاثين، فهذا وجه تصحيح هذه الآثار التي ذكرناها في هذا الباب. ش: أي ذهب جماعة آخرون من أهل الحديث منهم إسحاق، وأراد بهذه الآثار: حديث أبي بكرة المذكور، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، ولما كان بينهما تعارض بحسب الظاهر وفقوا بينهما، وقالوا: أما قوله: "صوموا لرؤيته ... " الحديث، فإن الأمر فيه كما قال، فإن كل شهر من شهور السنة قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين. وأما قوله: "شهرا عيد لا ينقصان" فليس معناه على نقصان العدد؛ لأنه واقع بالمشاهدة في جميع المشهور -كما قلنا- بالعيان وبالأحاديث المذكورة، ولكن معناه: أنهما كاملان تامان في حكم العبادة سواء كانا ثلاثين ثلاثين أو تسعًا وعشرين تسعًا وعشرين، وأصل ذلك: أن الناس لما كثر اختلافهم في هذين الشهرين لأجل عيدهم وصومهم وحجهم؛ أعلمهم النبي ﵇ أن هذين الشهرين وإن نقصت أعدادهما فحكمهما على التمام والكمال في حكم العبادة؛ لئلا يقع في القلوب شك إذا صاموا تسعًا وعشرين يومًا أو وقع في وقوفهم خطأ في الحج، فبيَّن أن الحكم كامل، وأن الثواب تامٌّ وإن نقص العدد. والدليل على ذلك ما أخرجه الطبراني (١): من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة". ورجال إسناده ثقات. وقال بعضهم: معناه لا يجتمعان في النقص في الغالب فيكون هذا مخرجًا على الغالب.

стр. 4102

وقال قوم منهم أبو بكر بن فورك: إن الإشارة بهذا كانت إلى سنة معلومة. وقال قوم منهم الخطابي: أراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة، وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان. وقال قوم: لا يمكن أن يحمل هذا إلا على الثواب، أي: للعامل فيهما ثلاثين يومًا وليلة في الصلاة والصيام ونحوهما. فهذه ستة أقوال قد ذكر الطحاوي منها قولين وزيَّف أحدهما كما بيَّناه، والله أعلم بالصواب.

стр. 4103

ص: باب: الحكم فيمن جامع أهله في رمضان متعمدًا ش: أي: هذا باب في بيان حكم مَن وطئ امرأته في نهار رمضان عامدًا بذلك. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عبَّاد ابن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵄: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ فذكر له أنه احترق، فسأله عن أمره؟ فقال: وقعت على امرأتي في رمضان، فأتى النبي ﵇ بمكتل يُدعى العَرق فيه تمر فقال: أين المحترق؟ فقام الرجل، فقال: تصدق بهذا". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن شيبة. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن مُنير، سمع يزيد بن هارون، قال: أنا يحيى -وهو ابن سعيد- أن عبد الرحمن بن القاسم أخبره، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير بن العوام بن خويلد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره: أنه سمع عائشة تقول: إن رجلًا أتى النبي ﵇ فقال: إنه احترق، قال: ما لك؟ قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتي النبي ﵇ بمكتل يدعى العَرق، فقال: أين المحترق؟ فقال: أين المحترق؟ فقال: أنا، قال: تصدق بهذا". وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن رمح بن المهاجر، قال: أخبرنا الليث، عن يحيى ابن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: "جاء رجل إلى رسول الله ﵇ فقال: احترقت، قال رسول الله ﵇: لِمِ؟ قال: وطئت امرأتي في رمضان نهارًا، قال: تصدق قال: ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عَرقان فيهما طعام، فأمره أن يتصدق به".

стр. 4104

وفي رواية أخرى (١) بعد قوله: "تصدق، فقال: والله يا نبي الله ما لي شيء وما أقدر عليه، قال: اجلس، فجلس، فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام، فقال رسول الله ﵇: أين المحترق آنفًا؟ فقام الرجل، فقال رسول الله ﵇: تصدق بهذا، فقال: يا رسول الله أغيرنا؟ فوالله إنا لجياع ما لنا شيء، قال: فكلوه". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا سليمان بن داود المهري، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن محمَّد بن جعفر بن الزبير حدثه، أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه، أنه سمع عائشة زوج النبي ﵇ تقول: "أتى رجل إلى النبي ﵇ في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله احترقت، فقال النبي ﵇: ما شأنه؟ فقال: أصبت أهلي، قال: تصدق. قال: والله ما لي شيء وما أقدر عليه، قال: اجلس، فجلس، فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام، فقال رسول الله ﵇: أين المحترق آنفا، فقام الرجل، فقال رسول الله ﵇: تصدق بهذا فقال: يا رسول الله أعلى غيرنا؟ فوالله إنا لجياع ما لنا شيء، قال: كلوه". وله في رواية (٣): "فأتي بعَرق فيه عشرون صاعا". قوله: "أن رجلًا" قيل: هو سَلَمة بن صخر البياضي، وقيل: سليمان بن صخر. قوله: "أنه احترق" أي: هلك، والاحتراق الهلاك، وهو من إحراق النار، شبَّه ما وقع فيه من الجماع في الصوم بالهلاك. قوله: "وقعت على امرأتي" كناية عن وطئها كما في رواية البخاري: "أصبت". قوله: "بِمِكْتَل" المكتل بكسر الميم: الزبيل الكبير، قيل: إنه يسع خمسة عشر صاعًا، كان فيه كتلا من التمر أي قطعًا مجتمعة، ويجمع على مكاتل، وفي "الدستور":

стр. 4105

المكتل: الزنبيل (١) الكبير. وقال القاضي: المكتل والقفة والزبيل واحد، وسمي زبيلًا؛ لحمل الزبل فيه، قال ابن دريد: والزبيل بكسر الزاي ويقال: بفتحها وكلاها لغتان، والعرق: بفتح العين والراء، زبيل منسوج من نسائج الخوص، وكل شيء مضفور فهو عَرَق، وعَرَقة أيضًا بفتح الراء فيهما، قال القاضي: وسمي عرقًا لأنه جمع عرقة وهي الضفيرة الواسعة من الخوص يخاط ويجمع حتى يصير زِبِّيلا، ومن سماه عرقة فلأنه منها، ويجمع أيضًا على عَرَقات، وقد رواه كثير من شيوخنا وغيرهم: عَرْق بإسكان الراء، والصواب رواية الجمهور بالفتح، وقال المنذري: صحح بعضهم سكون الراء، والفتح أشهر. ويستنبط منه أحكام: الأول: استدلت به طائفة على أن الذي جامع امرأته في نهار رمضان لا يجب عليه غير الصدقة على ما يجيء -إن شاء الله تعالى- بيانه. الثاني: استدل قوم بقوله: "بمكتل يدعى العرق" أن الصدقة مدّ لكل مسكين؛ لأن العرق تقديره عندهم خمسة عشر صاعًا، وهو مفسر في الحديث، فتأتي قسمته على ستين مسكينًا الذي أمره النبي ﵇ بإطعامهم مدًّا لكل مسكين. قلت: هذا قول مالك والشافعي وأحمد، وقول أبي حنيفة والثوري: لا يجزئ أقل من نصف صاع، ولا يتم استدلالهم بهذا؛ لأنه جاء في رواية أبي داود فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا، فلا يستقيم التقسيم حينئذ، وجاء في رواية مسلم: "عرقان"، وهو يدل على صحة قول أصحابنا؛ لأن العرق إذا كان خمسة عشر صاعًا يكون العرقان ثلاثين صاعًا، وثلاثون صاعًا على ستين مسكينًا يكون لكل مسكين نصف صاع. الثالث: قول المجامع امرأته: "احترقت"، وفي قوله في الحديث الآخر: "هلكت"، استدل به الجمهور على أن ذلك في العامد لِجماعه دون الناسي، وهو

стр. 4106

مشهور قول مالك وأصحابه، وذهب أحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر وعبد الملك بن ماجشون وابن حبيب وأصحابنا، وروي عن عطاء ومالك إلى إيجابها على الناسي والعامد في الجماع، وحجتهم ترك استفسار النبي ﵇ له، وأن قوله: "وقعت على امرأتي" ظاهره عموم الوقوع في العمد والجهالة والنسيان، إلا أن مالكًا والليث والأوزاعي وعطاء يلزمونه القضاء، وغيرهم لا يلزمه. قلت: التكفير شرع لتمحيص الذنوب، والناسي غير مذنب ولا آثم فلا يلزمه الكفارة، ولأن صومه لا يفسد فلا يجب شيء. الرابع: استدل به الجمهور على وجوب الكفارة على المجامع في نهار رمضان عامدًا، وإن كانوا اختلفوا في كيفية الكفارة، وقد قال بعضهم: لا كفارة على المجامع أصلا وإن تعمد، واغتروا في ذلك بقوله ﵇ لما أمره أن يتصدق بالعَرَق من التمر وشكى الفاقة: "اذهب فأطعمه أهلك" فدل ذلك عندهم على سقوط الكفارة، ويروى ذلك عن ابن سيرين والنخعي والشعبي وسعيد بن جبير. والجواب عن ذلك: أن الحديث ليس فيه ما يدل على إسقاط الكفارة جملة، وأنه محمول على أنه أباح له تأخيرها لوقت يُسْرِهِ لا على أنه أسقطها عنه، فافهم. الخامس: استدل به الشافعي وداود وأهل الظاهر على مذهبهم في أنه لا يلزم في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارة واحدة؛ إذ لم يذكر له النبي ﵇ حكم المرأة، وهو موضع البيان، والأوزاعي وافقهم إلا إذا كفَّر يالصيام فعليهما جميعًا. وقال أبو حنيفة ومالك أبو ثور: تجب الكفارة على المرأة أيضًا إن طاوعته، قال القاضي: وسوّى الأوزاعي بين المكرهة والطائعة على مذهبه، وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة: يكفر عنها بغير الصوم. وقال سحنون: لا شيء عليها ولا عليه لها، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر، ولم يختلف مذهبنا في قضاء المكرهة والنائمة إلا ما ذكر ابن القصار عن القاضي إسماعيل عن مالك: أنه لا غسل على الموطوءة نائمة ولا مكرهة ولا شيء عليها إلا أن تلتذ.

стр. 4107

قال ابن القصار: فتبين من هذا أنها غير مفطرة، وقال القاضي: وظاهره أنه لا قضاء على المكرهة إلا أن تلتذ ولا على النائمة؛ لأنها كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرهة. واختلف في وجوب الكفارة على المكرِه على الوطء لغيره على هذا. وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم المكرِه عن نفسه ولا على من أكره. وقال صاحب "البدائع": وأما على المرأة فيجب عليها أيضًا الكفارة إذا كانت مطاوعة. وللشافعي قولان: في قولٍ: لا تجب عليها أصلًا. وفي قولٍ: تجب عليها ويتحملها الزوج، انتهى. وأما الجواب عن قولهم: إن النبي ﵇ لم يذكر حكم المرأة وهو موضع البيان. أن المرأة لعلها كانت مكرهة أو ناسية لصومها، أو مَن يباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر المرض أو السفر أو الطهر من الحيض، فافهم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن مَن وقع بأهله في رمضان فعليه أن يتصدق، فلا يجب عليه من الكفارة غير الصدقة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عوف بن مالك الأشجعي ومالكًا في رواية وعبد الله ابن وهب المصري، فإنهم قالوا: مَن وطئ امرأته في نهار رمضان عامدًا، ليس عليه غير الصدقة، واحتجوا في ذلك بظاهر الحديث المذكور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يجب عليه أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعم ستين مسكينًا، أَيُّ ذلك شاء فعل. ش: أيْ: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن أبي ليلى ومالكًا وأحمد في رواية، فإنهم قالوا: يجب على مَن جامع امرأته في نهار رمضان عامدًا ككفارة الظهار، ولكنه مخير بين العتق والصوم والإطعام، وهو معنى قوله: أَيُّ ذلك

стр. 4108

شاء فعل، إلا أن المشهور عن ابن أبي ليلى أنه مخير في العتق والصيام، فإن لم يقدر على واحد منهما أطعم، وإلى هذا ذهب محمَّد بن جرير الطبري، وقال: لا سبيل إلى الإطعام إلا عند العجز عن العتق والصيام، وهو مخيَّر في العتق والصيام. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلًا أفطر في رمضان في زمن النبي ﵇، فأمره أن يكفِّر بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا، فقال: لا أجد، فأتي رسول الله ﵇ بعَرق فيه تمر فقال: خذ هذا فتصدق به. فقال: يا رسول الله إني لا أجد أحدًا أحوج إليه مني، فضحك رسول الله ﵇ حتى بدت أنيابه، ثم قال: كُلْه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة حدثه: "أن النبي ﵇ أمر رجلًا أفطر في شهر رمضان أن يعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا". قالوا: فإنما أعطاه رسول الله ﵇ ما أعطاه مما أمره أن يتصدق به، بعد أن أخبره بما عليه في ذلك مما بينه أبو هريرة في حديثه هذا. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه -من التخيير في الكفارة بين العتق والصيام والإطعام- بحديث أبي هريرة ﵁، قالوا: إنما أعطاه رسول الله ﵇ التمر الذي في العَرَق الذي أُتي به، وأمره أن يتصدق به عن جنايته تلك، بعد أن أخبره بالواجب الذي عليه في ذلك مما بينه أبو هريرة بقوله: "أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا"، ذكر ذلك بكلمة: "أوْ" التي هي للتخيير، فوجب ذلك على التخيير. ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين رجالهما كلهم رجال "الصحيح" ما خلا أبا بكرة وهو أيضًا ثقة ثبت.

стр. 4109

وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. فبطريقه الأول: أخرجه مالك في "موطئه" (١). وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه. وبطريقه الثاني: أخرجه مسلم (٣): حدثني محمَّد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: حدثني ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة حدثه: "أن النبي ﵇ أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا". قوله: "بِعَرق" قد مرَّ تفسيره عن قريب. قوله: "فضحك رسول الله ﵇" وذلك تعجبًا من حاله ومقاطع كلامه وإشفاقه أولا، ثم طلبه ذلك لنفسه، وقد يكون من رحمة الله وتوسعته عليه وإطعامه له هذا الطعام وإحلاله له بعد أن كُلِّف إخراجه. قوله: "حتى بدت أنيابه" أي: ظهرت، والأنياب جمع ناب، وهو السِّن الذي بحذاة الرباعية، والرباعية -مثل الثمانية-: السِّن الذي بين الثنية والناب. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يعتق رقبة إن كان لها واجدًا، ويصوم شهرين متتابعين إن كان للرقبة غير واجد، فإن لم يستطع ذلك أطعم ستين مسكينًا. ش: أي خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي والحسن بن صالح بن حي وأبا ثور،

стр. 4110

فإنهم قالوا بالترتيب؛ أولًا: عتق رقبة؛ فإن لم يستطع عليها يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع على ذلك أطعم ستين مسكينًا. ثم إن الصوم لا يجوز إلا شهران متتابعان بلا خلاف بين الجمهور، إلا ما روي عن ابن أبي ليلى فإنه قال: التتابع ليس بشرط، واختلف العلماء أيضًا في قضاء ذلك اليوم مع الكفارة، قال أبو عمر: قال مالك: الذي آخذ به في الذي يصيب أهله في شهر رمضان أن عليه صيام ذلك اليوم مع الإطعام، وليس العتق والصوم من كفارة رمضان في شيء، وقال الأوزاعي: إن كفَّر بالعتق أو بالإطعام صام يوما، وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء يومه ذلك، وقال الثوري: يقضي اليوم ويكفِّر مثل كفارة الظهار، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق. وقال الشافعي: يحتمل أن تكون الكفارة بدلا من الصيام، ويحتمل أن يكون الصيام مع الكفارة، ولكل وجه، وأحب إليَّ أن يكفر ويصوم مع الكفارة، هذه رواية الربيع عنه، وقال المزني عنه: مَن وطئ امرأته فأولج عامدًا كان عليه القضاء والكفارة. وقال النووي في "الروضة": وهل يلزمه مع الكفارة قضاء ذلك اليوم الذي أفسده بالوقاع؟ فيه ثلاثة أوجه، وقيل: قولان ووجه، أصحهما: يلزم مع الكفارة القضاء، والثاني: لا، والثالث: إن كفَّر بالطعام لم يلزم، وإلا لزم. وقال أبو عمر (١) ﵀: اختلفوا أيضًا فيمن أفطر يومًا من رمضان بأكل أو شرب متعمدًا، فقال مالك وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور: عليه من الكفارة ما على المجامع، كل واحد منهما على أصله، وإلى هذا ذهب محمَّد بن جرير الطبري، وروي مثل ذلك أيضًا عن عطاء في رواية، وعن الحسن والزهري. وقال الشافعي وأحمد: عليه القضاء ولا كفارة، وهو قول سعيد بن جبير وابن سيرين وجابر بن زيد والشعبي وقتادة.

стр. 4111

وروى مغيرة عن إبراهيم بمثله، وقال الشافعي: عليه مع القضاء العقوبة لانتهاكه حرمة الشهر، وقال سائر من ذكرنا معه من التابعين: يقضي يومًا مكانه ويستغفر الله ويتوب إليه، وقال بعضهم: ويصنع معروفًا. وقد روي عن عطاء أيضًا: أن من أفطر يومًا في رمضان من غير علة كان عليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة أو بقرة أو عشرين صاعًا من طعام يطعمه المساكين. وذكر النسائي (١): عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس ﵄ يقول: "من أفطر في رمضان فعليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين مسكينًا، قلت: ومَن وقع على امرأته وهي حائض أو سمع أذان الجمعة ولم يُجَمِّع وليس له عذر؟ قال كذلك عتق رقبة". وكان ربيعة يقول: روي عن سعيد بن المسيب "من أفطر يومًا من رمضان عليه أن يصوم اثني عشر يومًا". وروى هشام عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "في الرجل يُفطر يومًا من رمضان متعمدًا، قال: يصوم شهرًا". وذكر معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: "يقضي يومًا ويستغفر الله" وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير، ورواه عن إبراهيم النخعي بكار بن قتيبة، وروى حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم أنه قال: "من أفطر يومًا من رمضان عامدًا فعليه صيام ثلاثة آلاف يوم". قال أبو عمر (٢): هذا لا وجه له إلا أن يكون كلامًا خرج على التغليظ والغضب كما روي عن النبي ﵇ (٣) وعن ابن مسعود (٤) وعلي ﵄ أن مَن أفطر في رمضان عامدًا لم يكفره صيام الدهر وإن صامه.

стр. 4112

رواه أبو المُطَوِّس (١) عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، وهو حديث لا يحتج بمثله. وقد جاءت الكفارة بأسانيد صحاح. قال (٢): واختلفوا أيضًا فيمن جامع ناسيًا لصومه، فقال الشافعي والثوري -في رواية الأشجعي- وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وأبو ثور وإسحاق: ليس عليه شيء، لا قضاء ولا كفارة، بمنزلة من أكل ناسيًا عندهم، وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وإبراهيم، وقال مالك والليث والأوزاعي والثوري -في رواية المعافى عنه- عليه: القضاء ولا كفارة. وروي مثل ذلك عن عطاء، وعنه أنه رأى عليه الكفارة، وقال: مثل هذا لا يُنسى، وقال قوم من أهل الظاهر: سواء وطئ ناسيًا أو عامدًا عليه القضاء [والكفارة] (٣)، وهو قول ابن الماجشون عبد الملك، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. واختلفوا أيضًا فيمن أكل أو شرب ناسيًا، فقال الثوري وابن أبي ذئب والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وإسحاق وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه وداود: لا شيء عليه ويتم صومه، وهو قول جمهور التابعين، وبه قال علي وابن عمر وعلقمة وإبراهيم وابن سيرين وجابر بن زيد، وقال ربيعة ومالك: عليه القضاء. واختلفوا فيمن أفطر مرتين أو مرارًا في أيام رمضان. فقال مالك والليث والشافعي والحسن بن حي: عليه لكل يوم كفارة، وسواء وطئ المرة الأخرى قبل أن يكفِّر أو بعد أن يكفِّر. وقال أبو حنيفة: إذا جامع أيامًا في رمضان فعليه كفارة واحدة ما لم يكفر ثم يعود، وكذلك الآكل والشارب عندهم وإن كفَّر ثم عاد فعليه كفارة أخرى.

стр. 4113

وروى زفر عن أبي حنيفة: إذا أفطر مرة وكفَّر ثم عاد فلا كفارة عليه للإفطار الثاني إذا كان في شهر واحد. واختلف عن الثوري فروي عنه مثل قول أبي حنيفة وهي رواية أبي يوسف، وروي عنه مثل قول مالك ﵀. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا الفصل قد دخل فيه حديث عائشة ﵂ كما ذكروا، وأصل حديث أبي هريرة ذلك من التبدئة بالرقبة إن كان المجامع لها واجدًا، والتثنية بالصيام بعدها إن كان المجامع للرقبة غير واجد، والتثليث بالأطعام بعدهما إن كان المجامع لهما غير واجد، هكذا أصل الحديث الذي رواه الزهري في ذلك، وكذلك رواه سائر الناس غير مالك وابن جريج، وبيَّنوا فيه القصة بطولها كيف كانت، وكيف أمر رسول الله ﵇ بالكفارة في ذلك. حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هَلَكْتُ، فقال له رسول الله ﵇: ويلك ما لك؟! قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان، فقال رسول الله ﵇: هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا يا رسول الله، فسكت رسول الله ﵇ فبينا نحن كذلك أُتي رسول الله ﵇ بعَرق فيه تمر -والعرق: المكتل- فقال رسول الله ﵇: أين السائل آنفًا؟ خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أهل بيت أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أفقر من أهل بيتي، فضحك رسول الله ﵇ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك". قال: فصارت الكفارة إلى عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا.

стр. 4114

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب، عن الزهري ... فذكر بإسناده مثله. فهذا هو الحديث على وجهه، وإنما جاء حديث مالك وابن جريج في ذلك عن الزهري على لفظ قول الزهري في هذا الحديث، فصارت الكفارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا، فالتخيير هو كلام الزهري على ما توهم مَن لم يحكم في حديثه عن حُميد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر قوله: "فصارت سنة .. " إلى آخر الحديث. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا سفيان ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أيضًا، قال: سمعت النعمان بن راشد يحدث، عن الزهري ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا محمَّد بن في حفصة، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن الزهري ... فذكر بإسناده مثله، وقال: "خمسة عشر صاعًا تمرًا" ولم يشك. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: سألت الزهري عن رجل جامع امرأته في شهر رمضان، فقال: ثنا حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثني أبو هريرة ... فذكر نحوه غير أنه لم يذكر الآصع. فكان ما روينا في هذا الحديث قد دخل فيه ما في الحديثين الأولين؛ لأن فيه أن النبي ﵇ قال له: "أتجدُ رقبة؟ قال: لا، قال: فصم شهرين متتابعين قال: ما أستطيع، قال: فأطعم ستين مسكينًا".

стр. 4115

فكأن النبي ﵇ إنما أمره بكل صنف من هذه الأصناف الثلاثة لما لم يكن واجدًا للصنف الذي ذكره له قبله، فلما أخبره الرجل أنه غير قادر على شيء من ذلك، أُتي النبي ﵇ بعرَق فيه تمر، فكان ذكر العرَق وما كان من دفع النبي ﵇ إياه إلى الرجل، وأمره إياه بالصدقة هو الذي روته عائشة في حديثها الذي بدأنا بروايته، فحديث أبي هريرة أولى منه؛ لأنه قد كان قبل الذي في حديث عائشة شيء قد حفظه أبو هريرة ولم تحفظه عائشة، فهو أولى؛ لما قد زاده. وأما حديث مالك وابن جريج فهما عن الزهري على ما ذكرنا، وقد بيَّنا العلة في ذلك فيما تقدم من هذا الباب؛ فثبت بما ذكرنا من الكفارة في الإفطار بالجماع في الصيام في شهر رمضان ما في حديث منصور وابن عيينة ومَن وافقهما، عن الزهري عن حميد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: وكان من الحجة والبرهان لأهل المقالة الثالثة فيما ذهبوا إليه: أن حديث أبي هريرة المذكور في معرض احتجاج أهل المقالة الثانية وهو الذي أراده بقوله: "الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا الفصل" قد دخل فيه حديث عائشة ﵂. تقرير هذا الكلام: أن المروي في هذا الباب حديثان: أحدهما: عن عائشة. والآخر: عن أبي هريرة. وحديث أبي هريرة روي على وجهين: الأول: هو ما رواه مالك وابن جريج عن الزهري، وهو الذي احتج به أهل المقالة الثانية في التخيير في الكفارة بين الأشياء الثلاثة. والوجه الثاني: هو ما رواه غير مالك وابن جريج عن الزهري أيضًا، وهو الذي ذكر فيه الرقبة أولًا، ثم صيام شهرين متتابعين ثانيًا، ثم إطعام ستين مسكينًا ثالثًا، وهذا هو أصل حديث أبي هريرة، وإليه أشار بقوله: "أصل حديث أبي هريرة

стр. 4116

ذلك من التبدئة بالرقبة إن كان المجامع لها واجدًا" أي: أصل حديث أبي هريرة هو الذي ذكر فيه أولًا في ابتداء الكلام بالرقبة، إن كان المجامع لها -أي للرقبة- واجدًا. وقوله: "لها" يتعلق بقوله: "واجدًا". قوله: "والتثنية بالصيام بعدها" أي بعد الرقبة، ذكر الصيام ثانيًا إن كان المجامع للرقبة غير واجد. وقوله: "للرقبة" يتعلق بقوله: "غير واجد". وقوله: والتثليث بالإطعام بعدهما أي بعد الرقبة والصيام ذكر الإطعام ثالثًا إن كان المجامع لهما غير واجد، أي للرقبة والصيام. وقوله: "لهما" يتعلق بقوله: "غير واجد"، ومعنى "غير واجد": غير قادر. وهذا هو أصل الحديث على ما رواه الحفاظ عن الزهري، وبينوا فيه أصل الحديث والقصة بطولها كيف كانت، وكيف أمر رسول الله ﵇ بالكفارة في ذلك، والذي رواه مالك وابن جريج عن الزهري ليس أصل الحديث، وإنما رويا ذلك على لفظ قول الزهري في هذا الحديث فالتخير هو كلام الزهري على ما توهم مَن لم يحكم في حديثه عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -أي لم يحكم في نقل أصل الحديث كما هو عن حميد، عن أبي هريرة. وفي بعض النسخ: "على ما توهم من لم يحكه في حديثه عن حميد عن أبي هريرة" من الحكاية، وهو الأصوب على ما لا يخفى، وأراد مَن لم يحك أصل الحديث عن حميد، عن أبي هريرة، فالعمل بأصل الحديث هو الواجب؛ لأنه خبر واحد عن رجل واحد في قصة واحدة بلا شك، غير أن مالكًا وابن جريج روياه عن الزهري مختصرًا، ورواه الآخرون من الحفاظ مطولًا، وأتوا بلفظ الخبر كما وقع، وكما سئل ﵇، وكما أفتى، وبينوا فيه أن تلك القصة كانت في وطء امرأته، ورتبوا الكفارة كما أمر بها رسول الله ﵇. وقال ابن حزم: وأحال مالك وابن جريج ويحيى: صفة الترتيب، وأجملوا الأمر، وأتوا بغير لفظ النبي ﵇، فلم يجز الأخذ بما رووه من ذلك مما هو لفظ مَن

стр. 4117

دون النبي ﵇ ممن اختصر الخبر وأجمله، وكان الغرض أخذ فتيا النبي ﵇ كما أفتى بها بنص كلامه فيما أفتى به. وقال البيهقي (١): فرواية الجماعة عن الزهري -بتقييد الوطء ناقلة للفظ صاحب الشرع- أولى بالقبول؛ لإتيانهم بالحديث على وجهه، على أن حماد بن مسعدة روى الحديث عن مالك بلفظ الجماعة. ثم أخرجه البيهقي (٢): من حديث عبد الرحمن بن بشر، نا حماد، عن مالك، ولفظه: "أن النبي ﵇ قال في رجل وقع على أهله في رمضان: أعتق رقبةً. قال: ما أجدها، قال: فصم شهرين. قال: ما أستطيع، قال: فأطعم ستين مسكينًا". فهذا الذي ذكرنا هو وجه ترجيح رواية الجماعة عن الزهري على رواية مالك وابن جريج عنه. وأما حديث عائشة ﵂: فإنه داخل في حديث أبي هريرة، وحديث أبي هريرة شامل عليه وعلى زيادة؛ فالأخذ بحديث أبي هريرة أولى؛ لأنه زاد على حديث عائشة، وحفظ فيه ما لم تحفظه عائشة، فيكون أحق بالقبول، وكذا قال البيهقي بعد إخراجه هذه الأحاديث: فالأخذ بزيادات أبي هريرة أولى. وإليه أشار الطحاوي أيضًا بقوله: فحديث أبي هريرة أولى منه، أي من حديث عائشة. قوله: "فثبت بما ذكرنا" وأراد به ما ذكره من قوله: "وكان من الحجة لهم في ذلك ... " إلى آخره. وقوله: "ما في حديث منصور وابن عيينة" في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: "فثبت" وأراد به ما رواه منصور بن المعتمر، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة. وما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد. على ما يجيء الآن إن شاء الله تعالى.

стр. 4118

وأراد بقوله: "ومن وافقهما" -أي: منصورًا وابن عيينة- عبد الرحمن بن خالد والنعمان بن راشد والأوزاعي على ما يجيء عن قريب. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من ثمان طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد ... إلى آخره. وهذا الحديث أخرجه الجماعة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. الثاني: عن فهد أيضًا، عن أبي اليمان الحكم بن نافع -شيخ البخاري- عن شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﵇ إذْ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﵇: هل تجد رقبة ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء غير أن في لفظه: "فمكث النبي ﵇" وفي رواية الطحاوي: "فسكت رسول الله ﵇". الثالث: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمَّد بن إدريس الشافعي الإِمام، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير، كلهم عن ابن عيينة -قال يحيى: أنا سفيان بن عيينة- عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد

стр. 4119

ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: ثم جلس، فاُتي النبي ﵇ بعرَق فيه تمر، فقال: تصدق بهذا، فقال: أفقر منا؟! فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي ﵇ حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك". الرابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال الأنماطي -شيخ البخاري- عن سفيان بن عيينة، عن الزهري ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد ومحمد بن عيسى -المعني- قالا: ثنا سفيان- قال مسدد: قال سفيان- نا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: "أتى رجل إلى النبي ﵇ فقال: هلكت، فقال: ما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: فهل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: اجلس، فأتي رسول الله ﵇ بعرق فيه تمر، فقال: تصدق به فقال: يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا. قال: فضحك حتى بدت ثناياه، قال: فأطعمه إياهم" وقال مسدد في موضع آخر: "أنيابه". وأخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤): من طريق سفيان بن عيينة أيضًا. الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن النعمان بن راشد، عن الزهري ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٥) نحوه.

стр. 4120

السادس: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوح بن عبادة، عن محمَّد بن أبي حفصة، عن الزهري. السابع: عن أبي بكرة أيضًا، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن الزهري ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان، عن منصور به، وفيه: "فأتي بمكتل فيه خمسة عشر صاعًا من تمر فقال: خذها فأطعمه عنك ... " الحديث. وكذا لفظ إبراهيم بن طهمان، عن منصور. الثامن: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن الزهري ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٢) نحوه: من حديث الأوزاعي، ثم قال: ورواه ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن الزهري، فجعل هذا التقدير عن عمرو بن شعيب، فالذي يشبه أن يكون تقدير المكتل بخمسة عشر صاعًا عن عمرو. وأخرج الدارقطني في "سننه" (٣): ثنا أبو بكر النيسابوري، نا أبو عمر عيسى بن أبي عمران البزار بالرملة، ثنا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ويحك وما ذاك؟ قال: وقعت على أهلي في يوم من رمضان، قال: أعتق رقبة قال: ما أجد، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: ما أستطيع، قال: فأطعم ستين مسكينًا، قال: ما أجد، قال: فأُتي النبي ﵇ بعرَق فيه

стр. 4121

تمر، فيه خمسة عشر صاعًا، قال: خذه وتصدق به، فقال: على أفقر من أهلي؟ فوالله ما بين لابتي المدينة أحوج من أهلي، فضحك رسول الله ﵇ حتى بدت أنيابه ثم قال: خذه واستغفر الله، وأطعمه أهلك". هذا إسناد صحيح. قلت: رواية الطحاوي عن الأوزاعي ليس فيها ذكر الأصوع، وهي هذه الصحيحة، فلذلك قال البيهقي: ورواه ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن الزهري فجعل هذا التقدير عن عمرو بن شعيب، أراد به تقدير ما في العَرَق بالأصوع، فالذي يشبه أن يكون تقدير المكتل بخمسة عشر صاعًا عن عمرو بن شعيب. وقال البيهقي أيضًا (١): ورواه ابن المبارك والهِقل ومسرور بن صدقة، عن الأوزاعي، لكن جعل ابن المبارك قوله: خمسة عشر صاعًا من رواية عمرو بن شعيب، وأدرجه الآخران في الحديث كالوليد. قوله: "بينا نحن عند رسول الله ﵇" قد ذكرنا غير مرة أن "بينا" أصله بين، فأشبعت الفتحة فصارت ألفًا، يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملةٍ من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وجوابه: ها هنا: إذْ جاءه رجل، وقد قالوا: إن الأفصح أن لا يكون في جوابها إذ وإذا، ولكن تجيء إذ وإذا كثيرا في الجواب. قوله: "هلكتُ" وروي في بعض الروايات: "هلكت وأهلكت"، فمن ذلك قالوا: إن قوله: أهلكت، دل على مشاركة المرأة إياه في الجناية؛ لأن الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة كالقطع يقتضي الانقطاع، وكذا هو وقع في عبارة "صاحب الهداية" وغيره بهذه اللفظة، وقال الخطابي: هذه اللفظة -أعني قوله: وأهلكت- غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، وإنما

стр. 4122

ذكروا "هلكت" حسب، غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه، فهو غير محفوظ، والمعلى ليس بذاك في الحفظ والإتقان. قلت: معلى بن منصور الرازي ثقة ثبت، أخرج له الجماعة وهو من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة فيما تفرد به وشورك فيه، متقن صدوق فقيه مأمون. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا في الحديث، وكان صاحب رأي. وقال العجلي: صاحب سنة، وكان نبيلًا طلبوه على القضاء غير مرة فأبى. وعادة الخطابي حطه على الأئمة الحنفية بما لا يضرهم ولا يجديه. قوله: "ويلك" كلمة تهديد وتوعيد، كما أن "ويحك" كلمة ترحم وإشفاق. قوله: "أعلى أهل بيت" الهمزة فيه للاستفهام، ووقع في رواية مسلم: "أفقر منا" قال القاضي: رويناه بالنصب على إضمار الفعل أي: أتجد أفقر منا أو تعطي أفقر منا؟! وقد يصح رفعه على خبر المبتدأ أي: أتجد أفقر منا، أو مَن يتصدق عليه أفقر منا، ووقع لمسلم في رواية عائشة: "أغيرنا"، قال القاضي: بالضم، ويصح بالفتح. قوله: "ما بين لابتيها" أي ما بين جانبي المدينة، واللابة: الحرة وهي أرض ذات حجارة سود بين جبلين، قال أبو عبيد: "لابتيها" يعني: حَرَّتي الدينة، واحدتها لابة، وجمعها لوب، وقال ابن الأثير: اللابة الحَرَّة وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها لابات، فإذا كثرت فهي اللآب واللوب، مثل قارة وقار وقور، وألفها منقلبة عن واو، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين. قلت: الحَرَّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء. ويستفاد من هذا الحديث أحكام: الأول: استدل به الجمهور على أن ذلك في العامد لجماعه دون الناسي. الثاني: قوله: "هل تجد رقبة" استدل به الشافعي وداود وأهل الظاهر على مذهبهم

стр. 4123

في أنه لا يلزم في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارة واحدة؛ إذ لم يذكر حكم المرأة، وهو موضع البيان، وقد أجبنا عن هذا فيما مضى. الثالث: استدل بقوله: "رقبة تعتقها" مَن لا يشترط فيها الإيمان لإطلاقه ذلك، وقال مالك وأصحابه: لا تجزئ إلا رقبة مؤمنة. الرابع: فيه دليل صريح باشتراط التتابع في صوم شهرين، خلافًا لما روي في ذلك عن ابن أبي ليلى أنه لا يلزم فيهما التتابع. الخامس: فيه دليل صريح بأن الواجب في الإطعام هو إطعام ستين مسكينًا خلافًا لما روي عن الحسن أنه يطعم أربعين مسكينًا عشرين صاعًا. السادس: استدل بقوله: "أطعمه أهلك" بعضهم أن الكفارة تسقط عن المعسر، وقال الزهري: هذا خاص لهذا الرجل وحده، يعني أنه يجزئه أن يأكل من صدقة نفسه لسقوط الكفارة عنه لفقره، فسوغها له النبي ﵇، وقد روي: "كله وأطعمه أهلك" وقيل: هو منسوخ. وقيل: يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته، وأنه يجزئه عمن لا تلزمه نفقته من أهله. وقيل: بل لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له إعطاء الكفارة عن نفسه لهم. وقيل: بل لما ملكها إياه النبي ﵇ وهو محتاج جاز له أكلها وأهله لحاجة. وقيل: يحتمل أنه لما كان لغيره أن يكفر عنه، كان لغيره أن يتصدق عليه عند الحاجة بتلك الكفارة. وقيل: بل أطعمه إياه لفقره وأبقى الكفارة عليه متى أيسر، وهذا تحقيق كافة الأئمة العلماء. وذهب الأوزاعي وأحمد إلى أن حكم مَن لم يجد الكفارة ممن لزمته من سائر الناس سقوطها عنه مثل هذا الرجل.

стр. 4124

وقال أبو عمر: اختلف العلماء في الواطئ أهله في رمضان إذا وجب عليه التكفير بالإطعام دون غيره، ولم يجد ما يطعم، وكان في حكم الرجل الذي ورد هذا الحديث فيه. فأما مالك فلم أجد عنه في ذلك شيئًا منصوصًا، وكان عيسى بن دينار يقول: إنها على المعسر واجبة، فإذا أيسر أداها، وقد يخرج قول ابن شهاب على هذا؛ لأنه جعل إباحة النبي ﵇ لذلك الرجل أكل الكفارة لعسرته رخصة له وخصوصًا. قال ابن شهاب: ولو أن رجلًا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير. وقال الشافعي: قول رسول الله ﵇: "كله وأطعمه أهلك" يحتمل معانيًا منها: أنه لما كان في الوقت الذي أصاب فيه أهله ليس ممن يقدر على واحدة من الكفارات تطوع رسول الله ﵇ بأن قال له في شيء أُتِيَ به كفره، فلما ذكر الحاجة ولم يكن الرجل قبضة قال له: "كله وأطعمه أهلك" وجعل التمليك له حينئذ مع القبض، ويحتمل أنه لما ملكه وهو محتاج، وكان إنما تكون الكفارة عليه إذا كان عنده فضل، ولم يكن عنده فضل كان له أن يأكله هو وأهله لحاجته، ويحتمل في هذا أن تكون الكفارة دينًا عليه متى أطاقها أداها، وإن كان ذلك ليس في الخبر، وكان هذا أحب إلينا وأقرب من الاحتياط. ويحتمل أن يكون إذا لم يقدر على شيء في حاله تلك أن تكون الكفارة ساقطة إذا كان معلومًا كما سقطت الصلاة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبًا. وحكى الأثرم عن أحمد بن حنبل: إن كان المجامع في رمضان محتاجًا أطعمه عياله فقد أجزأ عنه. قلت: ولا يكفر مرة أخرى إذا وجد؟ قال: لا، قد أجزأت عنه إلا أنه خاص في الجماع في رمضان وحده لا في كفارة اليمين ولا في كفارة الظهار، ولا في غيرها إلا في الجماع وحده.

стр. 4125

وزعم الطبري أن قياس قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور: أن الكفارة دين عليه إذا قدر عليها، وذلك أن قولهم في كل كفارة لزمت إنسانًا فسبيلها عندهم الوجوب في ذمة المعسر يؤديها إذا أيسر، فكذلك سبيل الكفارة للفطر في رمضان على قياس قولهم. قال أبو عمر: إن احتج محتج في إسقاط الكفارة عن المعسر بأن رسول الله ﵇ إذ قال له: "كل أنت وعيالك" ولم يقل له: أتؤديها إذا أيسرت؟ ولو كانت واجبة عليه لم يسكت عنه حتى يتبين ذلك له. قيل له: ولا قال رسول الله ﵇: إنها ساقطة عنك لعسرتك، فقد أخبره بوجوبها عليه، وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزمه في الميسرة، والله أعلم.

стр. 4126

ص: باب: الصيام في السفر ش: أي: هذا باب في بيان أحكام الصوم في السفر. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ في سفر فرأى زحامًا، ورجل قد ظلِّل عليه فسأل: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال رسول الله ﵇: ليس من البر أن تصوموا في السفر". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى قال: حدثني محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: ثنا جابر بن عبد الله ﵁ قال: "مرَّ النبي ﵇ برجل في سفر في ظل شجرة يُرَشُّ عليه الماء، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: صائم يا رسول الله، قال: ليس من البر الصيام في السفر، فعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي ... إلى آخره. ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن شيبة. وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، نا شعبة، نا محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: سمعت محمَّد بن عمرو بن الحسن بن علي، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر أن تصوموا في السفر".

стр. 4127

وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر، عن غندر، عن شعبة، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن سعد، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ في سفر فرأى رجلًا قد اجتمع الناس عليه وقد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما له؟ قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﵇: ليس من البر أن تصوموا في السفر". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن محمَّد بن عبد الرحمن -يعني: ابن أسعد بن زرارة- عن محمَّد بن عمرو بن الحسن، عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا يُظلَّل عليه والزحام عليه، قال: ليس من البر الصيام في السفر". الثالث: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني السكري شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أخبرني شعيب بن شعيب بن إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب بن سعيد، قال: ثنا شعيب، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني محمَّد بن عبد الرحمن، قال: أخبرني جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ مر برجل إلى ظل شجرة يُرَش عليه الماء، قال: ما بال صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله صائم، قال: إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها".

стр. 4128

قوله: "ليس من البر" أي: ليس من الطاعة والعبادة أن تصوموا في حالة السفر، و"البِرُّ": بكسر الباء الإحسان أيضًا، ومنه بِرُّ الوالدين، يقال: بَرَّ يَبِرُّ فهو بَارٌّ وجمعه بررة، وجمع "البَر" -بفتح الباء- أبرار، والبر بالفتح بمعنى الجيد والخَيِّر، ومنه قوله ﵇: "صلوا خلف كل بَرٍّ وفاجر"، ويجيء بمعنى العطوف، وفي أسماء الله: البَرُّ: العطوف على عباده ببره ولطفه، والبَرُّ والبارُّ بمعنى، وإنما جاء في اسم الله تعالى البَرُّ دون البار. والبَرّ -بالفتح- خلاف البِرِّ أيضًا وجمعه برور، ويقال: إن كلمة "مِنْ" في قوله: "ليس من البر" أي ليس البر، كما في قولهم: ما جاءني من أحد، أي: ما جاءني أحد. قلت: لا خلاف في زيادة "مِنْ" في النفي، وإنما الخلاف في الإثبات، فأجازه قوم، ومنعه آخرون. قوله: "ورجل قد ظُلِّلَ عليه" قيل: اسم هذا الرجل أبو إسرائيل، ذكره الخطيب في كتاب "المبهمات". قوله: "أن تصوموا" في محل الرفع على أنه اسم "ليس"، و"أن" مصدرية، وتقديره: ليس من البر صومكم في السفر، وإذا جعلنا "مِنْ" زائدة يكون البر هو اسم "ليس" وتكون "أن تصوموا" في محل النصب على الخبرية، أي: ليس البر صومكم، فافهم. قوله: "يُرش عليه" على صيغة المجهول في محل النصب على الحال. قوله: "ما بال هذا؟ " أي: ما شأنه وما حاله. قوله: "صائم" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو صائم. قوله: "برخصة الله" الرخصة في اللغة عبارة عن الإطلاق والسهولة والسعة، ومنه رخص السعر إذا تراجع وخف على الناس، واتسعت السلع وكثرت وسهل وجودها، وفي الشريعة تنبئ عن معناها اللغوي؛ إذ هي الأحكام الثابتة بناء على أعذار العباد تيسيرًا.

стр. 4129

ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمَّد بن مصفى، قال: ثنا محمد بن حرب الأبرش، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﵇: "ليس من البر الصيام في السفر". ش: إسناده صحيح. ومحمد بن مُصفَّى بن بهلول القرشي أبو عبد الله الحمصي شيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح. وقال ابن حبان: ثقة وكان يخطئ. ومحمد بن حرب الخولاني أبو عبد الله الحمصي المعروف بالأبرش كاتب الزُّبَيْدي، روى له الجماعة، والأبرش كناية عن الأبرص وهو من البرش، وهو أن يكون في شعر الفرس نكت صغار تخالف سائر لونه. وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري أبو عثمان المدني، روى له الجماعة. والحديث أخرجه ابن ماجه (١): عن محمَّد بن المصفى الحمصي .. إلى آخره نحوه. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أخبره عن أم الدرداء، عن كعب ابن عاصم الأشعري الصحابي ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "ليس من البر أن تصوموا في السفر". حدثنا علي، قال: ثنا محمَّد بن أبي حفصة، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم قال: قال رسول الله ﵇: "ليس من البر الصيام في السفر". حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الزهري يقول: أخبرني صفوان بن عبد الله ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 4130

قال سفيان: فذكر لي أن الزهري كان يقول ولم أسمع منه: "ليس من أَمْ بِر أمْ صيام في أمْ سفر". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن صفوان بن عبد الله، عن أم الدرداء الصغرى زوج أبي الدرداء اسمها هجيمة، ويقال: جهيمة، الوصابية، روى لها الجماعة، عن كعب بن عاصم الأشعري الصحابي ﵁. وأخرجه النسائي (١): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا سفيان، عن الزهري ... إلى آخره نحوه. ولفظه: "ليس من البر الصيام في السفر". الثاني: عن عليّ ورَوْح، عن محمَّد بن أبي حفصة -واسم أبي حفصة ميسرة روى له الشيخان ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا عبد الله بن محمَّد بن حنبل، حدثني أبي، نا روح، قال: ثنا محمَّد بن أبي حفصة ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن محمد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير بن عيس بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حُميد الحُميدي المكي شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٣): عن معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري ... إلى آخره.

стр. 4131

وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا ابن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم، عن صفوان بن عبد الله، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم قال: قال رسول الله ﵇: "ليس من البر الصوم في السفر". قوله: "قال سفيان بن عيينة: فذُكِرَ لي" على صيغة المجهول أن محمَّد بن مسلم الزهري كان يقول ... إلى آخره. وأشار بهذا إلى لغة طيئ فإنهم يبدلون اللام ميمًا. وقال الزمخشري: هي لغة طيئ، وذلك في نحو ما روى النمر بن تولب عن رسول الله ﵇، وقيل: إنه لم يرو غيره: "ليس من امبر امصيام في امسفر". قلت: النمر بن تولب بن زهير بن أقيش العكلي، يقال: إنه وقد على النبي ﵇ بشعر أوله: إنا أتيناك وقد طال السفر ... تطعمنا اللحم إذا عز الشجر وقال الأصمعي: النمر بن تولب من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإِسلام، وكان شاعرًا مشهورًا والله أعلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى الإفطار في شهر رمضان في السفر، وزعموا أنه أفضل من الصيام. واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، حتى قال بعضهم: إن صام في السفر لم يجزه الصوم وعليه قضاؤه في أهله، ورووا عن عمر- ﵁: حدثنا ابن أبي عقيل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم، عن عبد الله بن عامر: "أن عمر ﵁ أمر رجلًا صام في السفر أن يعيد". ورووه عن أبي هريرة: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا عبد الكريم، عن عطاء، عن المحرَّر بن أبي هريرة قال: "صمت رمضان في السفر، فأمرني أبو هريرة أن أعيد الصيام في أهلي".

стр. 4132

ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والشعبي ومجاهدًا وقتادة وأبا جعفر محمَّد بن علي والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: الفطر في السفر أفضل من الصوم. واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة. وقال ابن العربي: قالت الشافعية: الفطر أفضل في السفر. وقال أبو عمر: قال الشافعي: هو مخيرَّ، ولم يفضل وكذلك قال ابن علية. وقال الترمذي (١): قال الشافعي: وإنما معنى قول النبي ﵇: "ليس من البر الصوم في السفر"، وقوله حين بلغه أن ناسًا صاموا فقال: "أولئك العصاة" فوجه هذا إذا لم يحتمل قلبه قبول رخصة الله تعالى، فأما مَن رأى الفطر مباحًا وصام وقوي على ذلك فهو أعجب إليَّ. وقال القاضي: مذهب الشافعي أن الصوم أفضل. وقال أبو عمر: وروي عن ابن عمر وابن عباس أن الرخصة أفضل. وممن كان لا يصوم في السفر حذيفة، وروي عن ابن عباس من وجوه: "إن شاء صام، وإن شاء أفطر". قوله: "حتى قال بعضهم" أراد به الحسن البصري والظاهرية، فإنهم قالوا: إن صام في السفر لم يَجُزْ صومه وعليه أن يعيده إذا أقام. وقال ابن حزم في "المحلى": من سافر في رمضان سفر طاعة أو معصية أو لا طاعة ولا معصية ففرضٌ عليه الفطر إذا جاوز ميلًا أو بلغه أو واراه، وقد بطل صومه حينئذٍ لا قبل ذلك، ويقضي بعد ذلك في أيام أخر، وله أن يصومه تطوعًا، أو عن واجب لزمه، أو قضاء عن رمضان، وإن وافق فيه يوم نذره صامه لنذره. وقالت الظاهرية: إذا لم يكن الصوم في السفر من البر يكون من الإثم.

стр. 4133

وقال أبو عمر: يروى ذلك عن عمر وابن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس على اختلاف عنه. قلت: قد ذكر الطحاوي عن عمر وأبي هريرة. أما الذي روي عن عمر: فقد أخرجه عن عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك بن أبي عقيل المصري شيخ أبي داود أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني فيه مقال، قال أحمد: ليس بذاك. وعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: منكر الحديث مضطرب الحديث، ليس له حديث يعتمد عليه. وقال الدراقطني: مدني يترك وهو مغفل. وقال العجلي: لا بأس به. وروى له الأربعة: النسائي في "اليوم والليلة". وهو يروي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي، وهو أدرك النبي ﵇ ومات وهو ابن خمس سنين. قال ابن منده: وهو يروي عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل، عن أبيه: "أن رجلًا صام في رمضان في السفر، فأمره عمر- ﵁ أن يعيد". وأما الذي روي عن أبي هريرة: فأخرجه عن فهد، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني، عن عطاء بن أبي رباح، عن المحرَّر -براءين مهملتين الأولى مشددة مفتوحة- عن أبي هريرة. وهذا إسناد حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا الفضل بن دكين، عن زهير، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن المحرر بن أبي هريرة قال: "صمت في رمضان في السفر، فأمرني أبو هريرة أن أعيد الصيام في أهلي".

стр. 4134

وأما الذي روي عن ابن عمر: فأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): من طريق حماد بن سلمة، عن كلثوم بن جبر: "أن امرأة صحبت ابن عمر في سفر، فوضع الطعام فقال لها: كلي. قالت: إني صائمة، قال: لا تصحبينا". وأما الذي روي عن عبد الرحمن بن عوف: فأخرجه ابن حزم (٢) أيضًا: من طريق أبي معاوية، ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر". ثم قال: هذا إسناد في غاية الصحة. وأما الذي روي عن ابن عباس: فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن عمار مولى بني هاشم، ابن عباس: "أنه سئل عن رجل صام رمضان في سفر، فقال: لا يجزئه". ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إن شاء صام، وإن شاء أفطر، ولم يفضلوا في ذلك فطرًا على صوم ولا صومًا على فطر. ش: أي: خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الله بن المبارك والثوري ومالك بن أنس وسليمان الأعمش والشافعي في رواية البعض عنه؛ فإنهم قالوا: المسافر في رمضان مخيرَّ بين الصوم والإفطار ولا يفضل أحدهما على الآخر، ويروى ذلك عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وعائشة وأصحاب ابن مسعود ﵃. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من قول النبي ﵇: "ليس من البر الصيام في السفر": أنه قد يحتمل غير ما حملوه عليه؛ يحتمل ليس من البر الذي هو أبَرُّ البر وأعلى مراتب البر الصوم في

стр. 4135

السفر، وإن كان الصوم في السفر برًّا إلا أن غيره في البر أبَرُّ منه، كما قال ﵇: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي يستحيي أن يسأل، ولا يجد ما يغنيه، ولا يُفطَن له فيعطَى". حدثنا بذلك ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله عن النبي ﵇ بذلك. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم الهجري ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ نحوه. حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. فلم يكن معنى قوله: "ليس المسكين بالطواف" على معنى إخراجه إياه من أسباب المسكنة كلها، ولكنه أراد بذلك: ليس هو المسكين المتكامل المسكنة الذي لا يسأل الناس، ولا يُعْرَفُ فيتصدق عليه، فكذلك قوله: "ليس البر الصيام في السفر" ليس ذلك على إخراج الصوم في السفر من أن يكون برًّا، ولكنه على معنى: ليس من البر الذي هو أبر البر الصوم في السفر؛ لأنه قد يكون الإفطار هناك أبر فيه إذا كان على التَّقْوَي للقاء العدو وما أشبه ذلك، فهذا معنى صحيح، وهو أولى ما حمل عليه معنى هذه الآثار حتى لا تتضاد هي وغيرها مما قد روي في هذا الباب؛ فإنه حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇".
следующие страницы →