← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا ابن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم، عن صفوان بن عبد الله، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم قال: قال رسول الله ﵇: "ليس من البر الصوم في السفر". قوله: "قال سفيان بن عيينة: فذُكِرَ لي" على صيغة المجهول أن محمَّد بن مسلم الزهري كان يقول ... إلى آخره. وأشار بهذا إلى لغة طيئ فإنهم يبدلون اللام ميمًا. وقال الزمخشري: هي لغة طيئ، وذلك في نحو ما روى النمر بن تولب عن رسول الله ﵇، وقيل: إنه لم يرو غيره: "ليس من امبر امصيام في امسفر". قلت: النمر بن تولب بن زهير بن أقيش العكلي، يقال: إنه وقد على النبي ﵇ بشعر أوله: إنا أتيناك وقد طال السفر ... تطعمنا اللحم إذا عز الشجر وقال الأصمعي: النمر بن تولب من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإِسلام، وكان شاعرًا مشهورًا والله أعلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى الإفطار في شهر رمضان في السفر، وزعموا أنه أفضل من الصيام. واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، حتى قال بعضهم: إن صام في السفر لم يجزه الصوم وعليه قضاؤه في أهله، ورووا عن عمر- ﵁: حدثنا ابن أبي عقيل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم، عن عبد الله بن عامر: "أن عمر ﵁ أمر رجلًا صام في السفر أن يعيد". ورووه عن أبي هريرة: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا عبد الكريم، عن عطاء، عن المحرَّر بن أبي هريرة قال: "صمت رمضان في السفر، فأمرني أبو هريرة أن أعيد الصيام في أهلي".

стр. 4132

ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والشعبي ومجاهدًا وقتادة وأبا جعفر محمَّد بن علي والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: الفطر في السفر أفضل من الصوم. واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة. وقال ابن العربي: قالت الشافعية: الفطر أفضل في السفر. وقال أبو عمر: قال الشافعي: هو مخيرَّ، ولم يفضل وكذلك قال ابن علية. وقال الترمذي (١): قال الشافعي: وإنما معنى قول النبي ﵇: "ليس من البر الصوم في السفر"، وقوله حين بلغه أن ناسًا صاموا فقال: "أولئك العصاة" فوجه هذا إذا لم يحتمل قلبه قبول رخصة الله تعالى، فأما مَن رأى الفطر مباحًا وصام وقوي على ذلك فهو أعجب إليَّ. وقال القاضي: مذهب الشافعي أن الصوم أفضل. وقال أبو عمر: وروي عن ابن عمر وابن عباس أن الرخصة أفضل. وممن كان لا يصوم في السفر حذيفة، وروي عن ابن عباس من وجوه: "إن شاء صام، وإن شاء أفطر". قوله: "حتى قال بعضهم" أراد به الحسن البصري والظاهرية، فإنهم قالوا: إن صام في السفر لم يَجُزْ صومه وعليه أن يعيده إذا أقام. وقال ابن حزم في "المحلى": من سافر في رمضان سفر طاعة أو معصية أو لا طاعة ولا معصية ففرضٌ عليه الفطر إذا جاوز ميلًا أو بلغه أو واراه، وقد بطل صومه حينئذٍ لا قبل ذلك، ويقضي بعد ذلك في أيام أخر، وله أن يصومه تطوعًا، أو عن واجب لزمه، أو قضاء عن رمضان، وإن وافق فيه يوم نذره صامه لنذره. وقالت الظاهرية: إذا لم يكن الصوم في السفر من البر يكون من الإثم.

стр. 4133

وقال أبو عمر: يروى ذلك عن عمر وابن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس على اختلاف عنه. قلت: قد ذكر الطحاوي عن عمر وأبي هريرة. أما الذي روي عن عمر: فقد أخرجه عن عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك بن أبي عقيل المصري شيخ أبي داود أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني فيه مقال، قال أحمد: ليس بذاك. وعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: منكر الحديث مضطرب الحديث، ليس له حديث يعتمد عليه. وقال الدراقطني: مدني يترك وهو مغفل. وقال العجلي: لا بأس به. وروى له الأربعة: النسائي في "اليوم والليلة". وهو يروي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي، وهو أدرك النبي ﵇ ومات وهو ابن خمس سنين. قال ابن منده: وهو يروي عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل، عن أبيه: "أن رجلًا صام في رمضان في السفر، فأمره عمر- ﵁ أن يعيد". وأما الذي روي عن أبي هريرة: فأخرجه عن فهد، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني، عن عطاء بن أبي رباح، عن المحرَّر -براءين مهملتين الأولى مشددة مفتوحة- عن أبي هريرة. وهذا إسناد حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا الفضل بن دكين، عن زهير، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن المحرر بن أبي هريرة قال: "صمت في رمضان في السفر، فأمرني أبو هريرة أن أعيد الصيام في أهلي".

стр. 4134

وأما الذي روي عن ابن عمر: فأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): من طريق حماد بن سلمة، عن كلثوم بن جبر: "أن امرأة صحبت ابن عمر في سفر، فوضع الطعام فقال لها: كلي. قالت: إني صائمة، قال: لا تصحبينا". وأما الذي روي عن عبد الرحمن بن عوف: فأخرجه ابن حزم (٢) أيضًا: من طريق أبي معاوية، ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر". ثم قال: هذا إسناد في غاية الصحة. وأما الذي روي عن ابن عباس: فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن عمار مولى بني هاشم، ابن عباس: "أنه سئل عن رجل صام رمضان في سفر، فقال: لا يجزئه". ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إن شاء صام، وإن شاء أفطر، ولم يفضلوا في ذلك فطرًا على صوم ولا صومًا على فطر. ش: أي: خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الله بن المبارك والثوري ومالك بن أنس وسليمان الأعمش والشافعي في رواية البعض عنه؛ فإنهم قالوا: المسافر في رمضان مخيرَّ بين الصوم والإفطار ولا يفضل أحدهما على الآخر، ويروى ذلك عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وعائشة وأصحاب ابن مسعود ﵃. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من قول النبي ﵇: "ليس من البر الصيام في السفر": أنه قد يحتمل غير ما حملوه عليه؛ يحتمل ليس من البر الذي هو أبَرُّ البر وأعلى مراتب البر الصوم في

стр. 4135

السفر، وإن كان الصوم في السفر برًّا إلا أن غيره في البر أبَرُّ منه، كما قال ﵇: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي يستحيي أن يسأل، ولا يجد ما يغنيه، ولا يُفطَن له فيعطَى". حدثنا بذلك ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله عن النبي ﵇ بذلك. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم الهجري ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ نحوه. حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. فلم يكن معنى قوله: "ليس المسكين بالطواف" على معنى إخراجه إياه من أسباب المسكنة كلها، ولكنه أراد بذلك: ليس هو المسكين المتكامل المسكنة الذي لا يسأل الناس، ولا يُعْرَفُ فيتصدق عليه، فكذلك قوله: "ليس البر الصيام في السفر" ليس ذلك على إخراج الصوم في السفر من أن يكون برًّا، ولكنه على معنى: ليس من البر الذي هو أبر البر الصوم في السفر؛ لأنه قد يكون الإفطار هناك أبر فيه إذا كان على التَّقْوَي للقاء العدو وما أشبه ذلك، فهذا معنى صحيح، وهو أولى ما حمل عليه معنى هذه الآثار حتى لا تتضاد هي وغيرها مما قد روي في هذا الباب؛ فإنه حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇".

стр. 4136

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا مالك وابن جريج، قالا: ثنا ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه قال: "حتى أتى عُسْفان". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو الأسود، عن عكرمة مولى ابن عباس، حدثه عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام، فدعى رسول الله ﵇ بقدح من لبن فأمسكه في يده حتى رآه الناس -وهو على راحلته- حوله، ثم شرب رسول الله ﵇ فأفطر، فناوله رجلًا إلى جنبه فشرب". فصام رسول الله ﵇ في السفر وأفطر. حدثنا علي، قال: ثنا روح، قال: ثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ سافر في رمضان، فاشتد الصوم على رجل من أصحابه، فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجر، فأخبر النبي ﵇ بأمره فدعى بإناء، فلما رآه الناس على يده أفطروا". حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: ثنا ابن الهاد، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر قال: "خرج رسول الله ﵇ عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس معه، فبلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام ينظرون فيما بلغت، فدعى بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون، فبلغه أن ناسًا صاموا بعد ذلك، فقال: أولئك العصاة".

стр. 4137

حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن قزعة قال: "سألت أبا سعيد عن صيام رمضان في السفر؟ فقال: خرجنا مع رسول الله ﵇ في رمضان عام الفتح، فكان رسول الله ﵇ يصوم حتى بلغ منزلًا من المنازل فقال: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فأصبحنا منا الصائم ومنا المفطر، ثم سرنا فنزلنا منزلا فقال: إنكم تُصَبِّحون عدوكم والفطر أقوى لكم، فأفطروا، فكانت عزيمة من رسول الله ﵇، ثم لقد رأيتني أصوم مع رسول الله ﵇ قبل ذلك وبعد ذلك". حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: ثنا حميد الطويل، أن بكر بن عبد الله حدثه قال: سمعت أنسًا يقول: "إن رسول الله ﵇ كان في سفر ومعه أصحابه، فشق عليهم الصوم، فدعى رسول الله ﵇ بإناء فشرب وهو على راحلته، والناس ينظرون إليه". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنيبم، قال: ثنا مالك، عن سمي، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب رسول الله ﵇ قال: "لقد رأيت رسول الله بالعَرْج في الحرِّ وهو يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر، ثم إن رسول الله ﵇ لما بلغ الكَدِيدَ أفطر". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: ثنا عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ لليلتين مضتا من رمضان، فخرجنا صوَّامًا حتى بلغ الكديد فأمرنا بالإفطار، فأصبحنا ومنا الصائم ومنا المفطر، فلما بلغنا مر الظهران أعلمنا بلقاء العدو، وأمرنا بالإفطار". قال أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار إثبات جواز الصوم في السفر، وأن رسول الله ﵇ إنما كان تركه إياه إبقاءً على أصحابه، أفيجوز لأحد أن يقول في ذلك الصوم أنه لم يكن برًّا لا يجوز هذا؟! ولكنه بر، وقد يكون الإفطار أبر منه إذا كان يراد

стр. 4138

به القوة للقاء العدو الذي أمرهم رسول الله ﵇ بالفطر من أجله، ولهذا المعنى قال لهم النبي ﵇: "ليس من البر الصوم في السفر" على هذا المعنى الذي ذكرنا. ش: أي: وكان من الحجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى: في الذي احتجوا به عليهم من قوله ﵇: "ليس البر الصيام في السفر" وأراد بها الجواب عن ذلك. بيانه أن يقال: إن استدلالهم بهذا الحديث لا يتم؛ لأنه ليس المراد من نفي البر نفي نفس البر، وإنما هو نفي أعلي مراتب البر، والمعنى: ليس أبر البر وأعلى مراتب البر الصيام في السفر؛ لأنه وإن كان الصوم في السفر برًّا فقد يكون الفطر أبر منه فيما إذا كان في حج أو جهاد، ليقوى عليه، فيكون هذا من نظير قوله ﵇: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان ... " الحديث (١)، ومعلوم أن مَن يطوف مسكين، وأنه من أهل الصدقة إذا لم يكن له شيء، وقال ﵇: "ردوا المسكين ولو بكراع محرق" (٢). وقالت عائشة ﵂: "إن المسكين ليقف على بابي ... " الحديث (٣)، فعلم أن قوله ﵇: "ليس المسكين بالطواف" معناه: ليس السائل بأشد الناس مسكنة؛ لأن المتعفف الذي لا يسأل ولا يفطن له فيعطى هو أشد الناس مسكنة، فلم يخرج المسكين بالطواف من أسباب المسكنة كلها، ولكنه خرج عن حد المسكين المتكامل المسكنة الذي لا يسأل الناس ولا يعرف فيتصدق عليه، وكذلك قوله ﵇: "ليس من البر الصيام في السفر" ليس معناه إخراج الصوم في السفر من أن يكون برًّا، ولكن معناه: ليس من البر الذي هو أبو البر وأكمله وأتمه الصوم في السفر؛ لأنه قد يكون الإفطار أبو فيه من غيره إذا كان في حج أو جهاد، أو لمن كان يريد أخذ الرخصة التي تصدق الله بها على عبيده، وقد مر الكلام فيه مرةً في

стр. 4139

باب: "التسمية على الوضوء"، وقد تكلم ابن حزم (١) في هذا الموضع بكلام سخيف من غير تروي ولا فهم صحيح فقال: وقال بعض أهل الجهل والجرأة على القول بالباطل في الدين معنى قوله: ﵇ "ليس من البر الصيام في السفر" مثل قوله: ﵇ "ليس المسكين بهذا الطواف لا هذا تحريف للكلم عن مواضعه، وكذب على رسول الله ﵇،وتقويل له ما لم يقل، وفاعل هذا يتبوأ مقعده من النار بنص قوله ﵇ ... إلى غير ذلك من الهذيانات والخرفات. قلت: هذا الكلام السخيف كله لأجل تمشية مذهبه الباطل، وليس ما ذكروه تحريف للكلم عن مواضعه، وإنما هو تأويل صحيح لأجل التوفيق بينه وبين غيره من الأحاديث التي تعارضه؛ وذلك لأنه رويت أحاديث صحيحة بصوم رسول الله ﵇ في السفر، فإذا لم يؤول الحديث المذكور بهذا التأويل يقع التضاد بين الأخبار، ودفع التعارض والتضاد مهما أمكن واجب؛ لتصحيح معاني الأخبار والعمل بكلها، وابن حزم حفظ شيئًا وقد غابت عنه أشياء، حيث لم يجوِّز الصوم في السفر، والحال أنه ﵇ قد صام فيه، وكذلك صام جماعة من الصحابة والتابعين ﵃. فإن قيل: يجوز أن يكون صومه ﵇ في رمضان في سفره تطوعًا. قلت: هذا وإن كان محتملًا ولكنه لم يثبت أنه صام تطوعًا، على أن الأقرب أن صومه كان من رمضان؛ لأنه لا يترك الفرض إلى أيام أخر مع كون الإدراك مظنونًا ويصوم التطوع. ثم إنه أخرج حديث "ليس المسكين ... " إلى آخره في هذا الكتاب في موضعين قبل هذا الموضع: أحدهما: في باب: "التسمية على الوضوء". والثاني: في باب: "من صلى خلف الصف وحده".

стр. 4140

أما في باب التسمية على الوضوء فقد أخرجه من خمس طرق: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الكوفي، عن عبد الله بن مسعود. الثاني: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة السوائي، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﵇. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن أبي الوليد عبد الله بن الحارث الأنصاري البصري نسيب محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه الجماعة (١) غير ابن ماجه من حديث أبي هريرة. الرابع: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن علي بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- الحمصي، عن عبد الرحمن بن ثوبان العنسي، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث القرشي المدني، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﵇. وهذا الطريق معلول بابن ثوبان؛ لأن يحيى ضعفه، وعنه: لا شيء. وعن النسائي: ليس بثقة. وعن دُحيم: ثقة يرمى بالقدر. فهذه الأربعة أخرجها بعينها ها هنا فاعتبر ذلك. الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.

стр. 4141

وهذا الطريق غير مذكور في بعض النسخ ها هنا، وفي بعضها موجودٌ وهو الأقرب والأظهر. وأما في باب: "من صلى خلف الصف وحده" [...] (١). قوله: "وهو أولى ما حمل عليه" أي المعنى الصحيح الذي ذكره هو أولى ما تحمل عليه هذه الآثار، وأراد بها أحاديث: "ليس المسكين" حتى لا تتضاد هي -أي هذه الآثار- وغيرها من الآثار التي رويت في هذا الباب، أي في باب الصوم والإفطار في السفر؛ وذلك لأنه إذا تأوَّل هذه الآثار بالتأويل الذي ذكره يعارضها ما رواه عبد الله بن عباس وغيره، فيقع بين الأحاديث تعارض وتنافي، فبالتأويل المذكور تتفق معاني الأحاديث الواردة في هذا الباب. وبيَّن الأحاديث التي فيها الصوم في السفر بقوله: فإنه حدثنا يونس ... إلى آخره، أي: فإن الشأن قد حدثنا ... إلى آخره. وأخرج ها هنا عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ورجل من أصحاب النبي ﵇. أما حديث ابن عباس فأخرجه من ست طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره. ورجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه البخاري (٢): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس". والكديد ما بين عسفان وقديد انتهى". وليس في روايته: "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇".

стр. 4142

وهو في رواية مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح، قالا: أنا الليث. وثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه أخبره: "أن رسول الله ﵇ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر. قال: وكان صحابة رسول الله ﵇ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره". وحدثئا (٢) يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، عن الزهري، بهذا الإسناد مثله. قال يحيى: قال سفيان: لا أدري من قول مَن هو. يعني كان يؤخذ بالآخِر من قول رسول الله ﵇. وحدثئي (١) محمَّد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد. قال الزهري: وكان النظر آخر الأمرين، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﵇ بالآخر فالآخر. قال الزهري: فصبح رسول الله ﵇ مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان. وحدثني حرملة بن يحيى قال (٣): أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثل حديث الليث. قال ابن شهاب: "فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇ ويرونه الناسخ المحكم" انتهى. وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": قال ابن شهاب: وكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇. وقد بيَّن في حديث أبي رافع أنه من كلام ابن شهاب، وفسر فيه ما أبهمه ابن عيينة من قوله: لا أدري من قول مَن هو؛

стр. 4143

ولذلك أدخل مسلم هذا الطريق المفسر بعد حديث ابن عيينة؛ تفسيرًا لمبهمه، وهو دليل إحسانه في التأليف. قال الإِمام أبو عبد الله: يحمل قول ابن شهاب على أن النسخ في غير هذا الموضع، وإنما أراد أن الأواخر من أفعاله ﵇ تنسخ الأوائل إذا كان مما لا يمكن فيه البناء، إلا أن يقول قائل: إنه من ابن شهاب ميل إلى القول بأن الصوم لا ينعقد في السفر، فيكون كمذهب بعض أهل الظاهر، وهو غير معروف عنه. الثاني: عن علي بن شيبة، عن رَوْح بن عبادة، عن مالك بن أنس وعبد الملك بن جريج، كلاهما عن الزهري ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أبنا خالد بن مخلد، نا مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: "خرج رسول الله ﵇ عام الفتح فصام وصوّم الناس، حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من فعل رسول الله ﵇". الثالث: عن علي بن شيبة أيضًا ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "سافر رسول الله ﵇ في رمضان فصام حتى بلغ عُسْفان، ثم دعى بإناء فيه شراب فشربه نهارًا ليراه الناس، ثم أفطر حتى دخل مكة. قال ابن عباس: فصام رسول الله ﵇ وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر". وأخرجه البخاري (٣) نحوه. قلت: فهذا كما ترى عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. وكذا

стр. 4144

وقع في رواية أبي داود والنسائي. ورواية الطحاوي عن مجاهد عن ابن عباس بدون ذكر طاوس بينهما. وكذا أخرجه البزار "مسند"، ثم قال: وقد روي عن ابن عباس من غير هذا الوجه بغير هذا الإسناد وبغير هذا اللفظ. الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: نا أبو عوانة، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "خرج النبي - عليه لسلام - من المدينة إلى مكة حتى بلغ عُسْفان، ثم دعى بإناء فرفعه إلى يده ليريه الناس، وذلك في رمضان. فكان ابن عباس يقول: قد صام النبي ﵇ وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر". الخامس: عن فهد، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عباس ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢): أخبرنا محمَّد بن قدامة، عن جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "سافر رسول الله ﵇ في رمضان حتى بلغ عُسْفان، ثم دعى بإناء فشرب نهارًا يراه الناس ثم أفطر". السادس: عن ربيع بن سليمان الجيزي شيخ أبي داود والنسائي، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري المؤذن، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ... إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده" مختصرًا، ولفظه: عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ كان يصوم في السفر ويفطر". وأما حديث جابر فأخرجه من طريقين صحيحين:

стр. 4145

الأول: عن علي بن شيبة، عن رَوْح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه الحكم في "مستدركه" (١): أخبرني عبد الله بن الحسن القاضي بمرو، ونا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ سافر في رمضان، فاشتد الصوم على رجل من أصحابه، فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة، فأُخبر النبي ﵇ بأمره، فأمره أن يفطر، ثم دعى النبي ﵇ بإناء فوضعه على يده ثم شرب والناس ينظرون". هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرج أحمد في "مسنده" (٢): ثنا روْح، ثنا زكرياء، ثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: "كنا مع النبي ﵇ في غزوة غزاها وكان في رمضان، فصام رجل من أصحاب النبي ﵇ فضعف ضعفًا شديدًا وكاد العطش أن يقتله، وجعلت ناقته تدخل تحت العضاه، فأُخبر به النبي ﵇ فقال: ائتوني به، فأتي به فقال: ألستَ في سبيل الله ومع رسول الله؟ أفطر، فأفطر". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح وراق الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب المدني الصادق، عن أبيه محمَّد بن علي الباقر، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (٣): حدثني محمَّد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب -يعني: ابن عبد المجيد- قال: ثنا جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم

стр. 4146

دعى بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة". وأما حديث أبي سعيد الخدري، فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني وثقه يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معاوية بن صالح بن حدير الحمصي قاضي الأندلس روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح". عن ربيعة بن يزيد الدمشقي أبي شعيب الإيادي القصير روى له الجماعة، عن قزعة بن يحيى -ويقال: ابن الأسود- أبي غادية البصري روى له الجماعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن صالح ووهب بن بيان -المعنى- قالا: نا ابن وهب، قال: حدثني معاوية، عن ربيعة بن يزيد، أنه حدثه عن قزعة قال: "أتيت أبا سعيد الخدري وهو يفتي الناس وهو مكثور عليه، فانتظرت خلوته، فلما خلى سألته عن صيام رمضان في السفر، فقال: خرجنا مع رسول الله ﵇ في رمضان عام الفتح، فكان رسول الله ﵇ يصوم ونصوم، حتى بلغ منزلا من المنازل فقال: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فأصبحنا منا الصائم ومنا المفطر قال: ثم سرنا فنزلنا منزلًا فقال: إنكم تصبِّحون عدوكم والفطر أقوى لكم، فأفطروا، فكانت عزيمة من رسول الله ﵇. قال أبو سعيد: ثم لقد رأيتني أصوم مع النبي ﵇ قبل ذلك وبعد ذلك". وأخرجه مسلم (٢): عن محمد بن حاتم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن قزعة، عن أبي سعيد، نحوه. الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي أبي محمَّد الدمشقي، فقيه الشام

стр. 4147

ومفتيهم بعد الأوزاعي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". عن عطية بن قيس الكلابي أبي يحيى الحمصي الدمشقي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن قزعة بن يحيى المذكور آنفًا، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري قال: "أمرنا رسول الله ﵇ بالرحيل عام الفتح في ليلتين خلتا من شهر رمضان، فخرجنا صُوَّامًا حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله ﵇ بالفطر فأفطرنا أجمعين. وفي رواية أبي يوسف التنيسي عن سعيد: "حتى إذا بلغ الظهران آذنا بلقاء العدو، وأمرنا بالفطر، فأصبح الناس شَرْجين، منهم الصائم والمفطر، حتى إذا بلغنا المنزل الذي نلقى العدو فيه أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين". وأخرجه الترمذي (٢) من طريق ابن المبارك عن سعيد وصححه. وأما حديث أنس ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري روى له الجماعة، عن حُميد بن أبي حميد الطويل البصري روى لي المجاعة، عن بكر بن عبد الله المزني البصري روى له الجماعة، عن أنس بن مالك ﵁. وأما حديث رجل من أصحاب النبي ﵇ فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم ابن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن سمي القرشي المخزومي أبي عبد الله المدني روى له الجماعة، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني أحد الفقهاء السبعة بالمدينة قيل: اسمه محمَّد، وقيل: اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن روى له الجماعة، عن رجل من أصحاب النبي ﵇.

стр. 4148

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث مالك، عن سمي، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب رسول الله ﵇: "أن النبي ﵇ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: تقووا لعدوكم، وصام النبي ﵇. قال أبو بكر: قال الذي حدثني: لقد رأيت النبي ﵇ بالعَرْج يصب فوق رأسه الماء من العطش أو من الحر، فقيل: يا رسول الله إن طائفة من الناس صاموا حين صمت، فلما كان بالكديد دعى بقدح فشرب، فأفطر الناس". ثم نتكلم في معاني الأحاديث المذكورة وما يستنبط منها من الأحكام: الأول: فقوله: "عام الفتح" أي فتح مكة، كان في سنة تسع من الهجرة. قوله: "حتى بلغ الكديد" بفتح الكاف وهي عين جارية، بها نخيل كثيرة، بينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا، وفي رواية البخاري: "إن الكديد ما بين عُسفان وقديد"، وعُسفان: قرية جامعة بها منبر على ستة وثلاثين ميلًا من مكة؛ سميت بها لتعسف السيول فيها. "وقُدَيد": بضم القاف وفتح الدال موضع قريب من عُسْفان فكأنها في الأصل تصغير قِدّ، قال القاضي: قال في رواية: "حتى بلغ الكديد"، وفي رواية: "حتى بلغ عُسفان"، وفي الأخرى: "حتى بلغ كراع الغميم" وهذا كله في سفر واحد في غزاة الفتح، وسميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها، وإن كانت عسفان متباعدة شيئًا عن هذه المواضع، فكلها مضافة إليها، ومن عملها، فاشتمل عليها اسمُها، وقد يكون أنه كلَّم الناس بحال الناس ومشقة ذلك عليهم، وكان فطرهم بالكديد، ويعضده ما جاء في حديث "الموطأ": "فقيل لرسول الله ﵇: إن ناسًا صاموا حين صمتَ. فلما كان بالكديد دعى بقدح فأفطر الناس". و"الغميم": بفتح الغين المعجمة وادي أمام عسفان بثمانية أميال، يضاف إليها هذا الكراع، وهو جبل أسود متصل به.

стр. 4149

و"الكراع": كل أنفٍ سال من جبل أو حرة. قوله: "تهيم به تحت الشجر" أي: تتقلب به حتى تدخل تحت الشجر من عدم تماسكه، ومنه الرمل الأهيم وهو الذي لا يثبت ولا يتماسك. وفي رواية أحمد: "وجعلت ناقته تدخل تحت العِضَاه" وهو كل شجر ذي شوك، واحده عضة (١)، حذفت منه الهاء كَشِفَّه، ردت في الجمع فقالوا: عِضاه كما قالوا: شفاه، ويقال: عضاهه أيضًا وعضهة أيضًا. قوله: "أولئك العصاة" جمع عاصي كالقضاة جمع قاضي. قوله: "فكانت عزيمةً من رسول الله ﵇" أي: وقعت عزيمة منه، أو وجدت، فتكون "كانت" تامة، فلهذا لا تحتاج إلى خبر. قوله: "ثم لقد رأيتني" بضم التاء أي: لقد رأيت نفسي. قوله: "بالعَرْج" بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالجيم، وهي قرية جامعة من عمل الفرع، على أيام من المدينة، وأيضًا العرج: عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحاج، وهذه هي المرادة ها هنا، والعرج أيضًا: بلد بين المحالب والمهجم. قوله: "صُوَّامًا" بضم الصاد وتشديد الواو: جمع صائم، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في "فخرجنا". قوله: "مُرّ الظهران" بضم الميم وتشديد الراء، وهي التي يقال لها: بطن مُرّ أيضًا، وهي موضع قريب من مكة على طريق الحاج. قوله: "شَرْجين" بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الجيم، معناه نصفين نصف صيام ونصف مفاطير. والثاني: وهو الأحكام على وجوه: الأول: في أحاديث ابن عباس بيان صريح أنه ﵇ صام في السفر، وفيها ردّ على

стр. 4150

من لم يجوز الصوم في السفر، وفيها بيان إباحة الإفطار في السفر، وفيها أن الاتباع في أفعال النبي ﵇ وأقواله بالأحدث فالأحدث، وبالآخِر فالآخر. الثاني: من حديث جابر، استدل به من يقول: إن الصوم لا ينعقد في السفر، وكذلك استدل به ابن حزم حتى قال: إن كان صومه لرمضان فقد نسخه بقوله: "أولئك العصاة" وصار الفطر فرضًا، والصوم معصيةً، ولا سبيل إلى خبر ناسخ لهذا، وإن كان صومه تطوعًا فهذا أحرى للمنع من صيام رمضان لرمضان في السفر. قلنا: هذا تخبيط؛ فليس ها هنا نسخ ولا فرضية الفطر ولا صوم النبي ﵇ كان تطوعًا، وإنما قال: "أولئك العصاة"؛ لأن الصوم كان قد شق عليهم فأمرهم بالإفطار دفعًا لتلك المشقة، فصار الصوم في ذلك الوقت في تلك الحالة منهيًّا عنه، فلما بلغه أن بعضهم قد صاموا قال: أولئك العصاة؛ لارتكابهم المنهيّ، ويؤيد هذا التأويل قوله: "إن الناس قد شق عليهم الصيام". الثالث: في حديث أبي سعيد أمور منها: أن فيه ردًّا على من يقول: إنه إذا أنشأ السفر في رمضان لم يَجُز له أن يُفطر، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). وقال البخاري: ومعنى الآية شهود الشهر كله ومن شهد بعضه ولم يشهد كله فإنه لم يشهد الشهر. ومنها قال القاضي: فيه بيان جواز الفطر لمن بيَّت الصوم في السفر. وهو قول مطرف من أصحابنا واحد قولي الشافعي خلافًا للجمهور في أن ذلك لا يباح له، واستدل هؤلاء على جواز ذلك بفطر النبي ﵇. وأجاب الجمهور عن ذلك أنه يحتمل أن يكون ﵇ قد بيَّت الفطر. وقال القاضي: وظاهره غير ذلك، وأنه ابتدأ الفطر حينئذٍ، وقد يحتمل أنه للضرورة اللاحقة به وبهم، والشقة التي نالتهم، أو فعل هو وهم ذلك لضرورة

стр. 4151

التَّقَوِّي على عدوهم كما جاء في الحديث أيضًا منصوصًا، فلا يكون هذا بحكم الاختيار. وقال المهلب: يحتمل أن يكون فطرهم في يومهم بعد تبييتهم الصوم، ويحتمل أن يكون فيما يأتي ويستقبلون بعد يومهم ويبيِّنون فطرهم. قال القاضي: ثم اختلف المانعون للفطر بعد عقد الصوم فيه: هل عليه كفارة أم لا؟ وعن مالك وأصحابه في ذلك قولان، وبسقوط الكفارة قال جمهور أصحابه وكافة أئمة الفتوى وعلماء الأمصار. وفرَّق ابن الماجشون في فطره فأوجب الكفارة إن كان بجماع، وأسقطها بغيره، وهو أحد قولي الشافعي على أصله في أنه لا يكفر إلا المجامع. وكذلك اختلفوا في يوم خروجه: فذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وجمهور العلماء أنه لا يفطر إذا خرج صائمًا ولا يوم خروجه وقد لزمه الصوم، وقد ذهب بعض السلف وأحمد وإسحاق والمزني إلى جواز ذلك له. وقال الحسن: له الفطر في بيته إذا أراد السفر في يومه. واختلف المذهب في وجوب الكفارة عليه عندنا في هذين الوجهين إنْ هو أفطر قبل خروجه أو هو أفطر بعده. ومنها أن فيه جواز الصوم في السفر ردًّا على مَن منعه. الرابع: في حديث رجل من أصحاب النبي ﵇ جواز صبّ الماء على رأسه في نهار الصوم، وأن ذلك لا يضر صومه، والله أعلم. ص: فإن قال قائل: إن فِطر رسول الله ﵇ وأمَره أصحابه بذلك بعد صومه وصومهم الذي لم يكن ينهاهم عنه ناسخٌ لحكم الصوم في السفر أصلًا. قيل له: وما دليلك على ما ذكرت في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي قد ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا أنه كان يصوم مع رسول الله ﵇ في السفر بعد ذلك؟ فدل هذا الحديث على أن الصوم في السفر بعد إفطار النبي ﵇ المذكور في هذه

стр. 4152

الآثار مباحًا، وقد قال ابن عباس ﵄ وهو أحد من رُوي عنه في إفطار النبي ﵇ ما ذكرنا. ما حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: حدثني عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "إنما أراد بالفطر في السفر التيسير عليكم، فمن يُسِّر عليه الصيام فليصم، ومَن يُسِّر عليه الفطر فليفطر". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "إن شاء صام وإن شاء أفطر". فهذا ابن عباس لم يجعل إفطار النبي ﵇ في السفر بعد صيامه فيه ناسخًا للصوم في السفر، ولكنه جعله على جهة التيسير. ش: تقرير السؤال أن يقال: إن فطر رسول الله ﵇ في سفره بعد صومه، وأمَره أيضًا للناس بالفطر بعد صومهم يدلان على أن الصوم في السفر منسوخ. وهذا السؤال من جهة مَن يقول بعدم جواز الصوم في السفر، وهو قول الظاهرية أيضًا، ولهذا صرَّح ابن حزم بانتساخ حكم الصوم في السفر. وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلِّم صحة دعوى النسخ، وما دليلك على هذا؟ بل الدليل يدل على أن الصوم في السفر بعد إفطار النبي ﵇ فيه مباح، وذلك قول أبي سعيد الخدري في حديثه الذي رواه عنه قزعة بن يحيى المذكور عن قريب: "ثم لقد رأيتني أصوم مع رسول الله ﵇ قبل ذلك وبعد ذلك". قوله: "بعد ذلك" يدل على أنه كان يصوم مع النبي ﵇ بعده إفطاره ﵇ في السفر وأمره الناسَ بذلك؛ فدل على أن حكم الصوم في السفر باقٍ، وأنه غير منسوخ. ثم أكد ذلك بقوله: وقد قال ابن عباس وهو أحد من روي عنه. أي: والحال أنه أحد من روي عنه في إفطار النبي ﵇ ما ذكرنا.

стр. 4153

وهو الذي أخرجه من طرق عديدة فيها إفطار النبي ﵇ في السفر. قوله: "ما حدثنا يونس" مَقول القول، أي: وقد قال ابن عباس ما حدثنا يونس ابن عبد الأعلى، عن عليّ بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الرقي روى له الجماعة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري روى له الجماعة، عن طاوس بن كيسان اليماني روى له الجماعة، عن ابن عباس ﵄. وأخرجه الجصاص في "أحكامه" (١): من رواية عبد الكريم، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "لا يُعْتب (٢) على من صام ولا على من أفطر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) ". والأثر الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عباس. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥): من حديث جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "سافر رسول الله ﵇ في رمضان حتى بلغ عُسفان، ثم دعى بإناء من ماء فشرب نهارًا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، فكان ابن عباس يقول: صام رسول الله ﵇ في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومَن شاء أفطر". وقد أخرجه الطحاوي أيضًا فيما مضى. فهذا ابن عباس ﵄ لم يجعل إفطار النبي ﵇ في السفر بعد صيامه فيه -أي في السفر- ناسخًا للصوم في السفر، ولكن جعله على جهة التيسير، وأخبر في أثره المذكور أن اليسر المذكور فيه أُريد به التخيير، فلولا احتمال الآية لما تأولها عليه.

стр. 4154

وقال الجصاص: في هذه الآية دلالة واضحة على أن الإفطار في السفر رخصة يسر الله بها علينا، ولو كان الإفطار فرضًا لازمًا لزال فائدة قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). لأن قوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ يدل على أن المسافر يتخير بين الإفطار وبين الصوم، كقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) فكل موضع ذكر فيه التيسير ففيه الدلالة على التخيير. ص: فإن قال قائل: فما معنى قول ابن عباس في حديث عبيد الله بن عبد الله الذي ذكرته عنه في ذلك: "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇"؟. قيل له: معنى ذلك عندنا -والله أعلم- أنهم لم يكونوا علموا قبل ذلك أن للمسافر أن يُفطر في السفر كما ليس له أن يُفطر في الحضر، وكان حكم الحضر والسفر في ذلك عندهم سواء، حتى أحدث لهم رسول الله ﵇ ذلك الفعل الذي أباحه لهم من الإفطار في أسفارهم، فأخذوا بذلك على أن لهم الافطار على الإباحة، ولهم ترك الإفطار. فهذا معنى حديث ابن عباس هذا، ويدلك على ذلك ما قد ذكرناه عنه من قوله الذي وصفنا، وقد ذكرنا عن أنس بن مالك ما يدل على أن معنى ذلك عنده مثل معناه الذي ذكرناه عن ابن عباس. حدثنا إبراهيم بن محمَّد بن يونس، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عاصم -وهو الأحول- قال: "سألت أنس بن مالك ﵁ عن صوم شهر رمضان في السفر، فقال: الصوم أفضل". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن عاصم، عن أنس قال: "إن أفطرت فرخصة، وإن صمت فالصوم أفضل".

стр. 4155

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت عاصمًا يحدث، عن أنس قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر، والصوم أفضل". ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف تقولون بأن حكم الصوم في السفر باق وأنه مباح، وقد روي في حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله ﵇ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇. فهذا يدل على أن الفطر آخر الأمرين، وأنهم أخذوا به، فيكون ناسخًا لحكم الصوم الذي كانوا يصومونه في السفر. وتقرير الجواب أن يقال: إن معنى قوله: "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﵇" ليس مثل ما فهمتم من كونه دالًّا على النسخ، وإنما معناه أنهم لم يكونوا عالمين قبل ذلك بعدم إباحة الإفطار للمسافر كما كان ذلك غير مباح للمقيم، وكان حكم السفر والإقامة في ذلك سواء عندهم، حتى أحدث لهم رسول الله ﵇ ذلك الفعل الذي أباحه لهم من الإفطار في السفر؛ فأخذوا بذلك، على أن لهم الإفطار على الإباحة ولهم ترك الإفطار. قوله: "ويدل على ذلك ما قد ذكرناه عنه" أي: ويدل على ما ذكرنا من المعنى ما قد ذكرناه عن ابن عباس من قوله: "إنما أراد بالفطر في السفر التيسير عليكم، فمن يُسِّر عليه الصيام فليصم، ومن يُسِّر عليه الفطر فليفطر". قوله: "وقد ذكرنا عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇ في ذلك قريبًا مما ذكرناه عن ابن عباس، عن النبي ﵇" وأراد به ما رواه بكر بن عبد الله المزني، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ كان في سفر ومعه أصحابه، فشق عليهم الصوم ... " الحديث، وقد مَرَّ عن قريب، ومعنى هذا قريب من معنى حديث ابن عباس؛ لأن فيه أن النبي ﵇ طلب الإناء وشرب وهو على راحلته. فهذا يدل على أنه أحدث لهم حكم إباحة الإفطار في السفر؛ لأنهم كانوا عالمين بذلك.

стр. 4156

قوله: "ثم قد روي عن أنس ما يدل على أن معنى ذلك عنده" أي: ما يدل على أن معنى ما رواه عن النبي ﵇ عنده مثل معنى ما روي عن ابن عباس من التخيير بين الصوم والإفطار في السفر. وبَيَّنَ ذلك بقوله: "حدثنا إبراهيم بن محمَّد ... " إلى آخره. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن محمَّد بن يونس مولى عثمان بن عفان، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أنس بن مالك ﵁. الثاني: عن فهد، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، عن الحسن بن صالح بن صالح بن حي الكوفي، عن عاصم الأحول، عن أنس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية ومروان بن معاوية، عن عاصم قال: "سئل أنس عن الصوم في السفر، فقال: من أفطر فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل". الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن أنس. ص: وكان مما احتج به أيضًا أهل المقالة الأولى في رفعهم الصوم في السفر ما قد ذكرنا في غير هذا الموضع من قول رسول الله ﵇: "إن الله قد وضع عن المسافر الصيام". قالوا: فلما كان الصيام موضوعًا عنه كان إذا صامه فقد صامه وهو غير مفروض عليه فلا يجزئه. فكان من الحجة للآخرين عليهم في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون ذلك الصيام

стр. 4157

الذي قد وضعه عنه هو الصيام الذي لا يكون له منه بُدّ في تلك الأيام كما لابُدّ للمقيم من ذلك. وفي هذا الحديث ما دلَّ على هذا المعنى، ألا تراه يقول: "وعن الحامل والمرضع"، أفلا ترى أن الحامل والمرضع إذا صامتا رمضان أن ذلك يُجزئهما، وأنهما لا يكونان كمن صام قبل وجوب الصوم عليه، بل جُعِلَتا يجب الصوم عليهما بدخول الشهر، فجعل لهما تأخيره للضرورة؟ والمسافر في ذلك مثلهما. وهذا أولى ما حمل عليه هذا الأثر حتى لا يضادّ غيرَه من الآثار التي قد ذكرناها في هذا الباب. ش: أي: وكان من الذي احتج به أيضًا أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من أن الصوم مرفوع عن المسافر حتى إنه إذا صام لا يجوز عند بعضهم، كما قد مَّر بيانه. قوله: "ما قد ذكرناه" في محل الرفع؛ لأنه اسم كان، وأراد بـ"غير هذا الموضع" باب صلاة المسافرة فإنه أخرج فيه من حديث عبد الله بن الشخير، عن رجل من بلحريش، أن النبي ﵇ قال: "إن الله قد وضع عن المسافر الصيام" ورواه بوجوه مختلفة هناك، واحتج به هؤلاء وقالوا: لما كان الصيام موضوعًا عن المسافر كان إذا صامه فقد صامه والحال أنه غير مفروض عليه؛ فلا يجزئه، وقد استدل ابن حزم أيضًا بهذا الحديث على أن الإفطار في السفر فرض في شهر رمضان، فقال: أسقط الله تعالى بهذه الأخبار عن المسافر الصوم ونصف الصلاة، فإذا صامه لم يجزئه عن رمضان. وأجاب عن ذلك بقوله: "فكان من الحجة للآخرين عليهم"، أي: فكان من الجواب للآخرين وهم الذين ذهبوا إلى تخيير المسافر في الصوم والإفطار "عليهم" أي: على أهل المقالة الأولى "في ذلك" أي: فيما احتجوا به "أنه" أي: أن الشأن "قد يجوز أن يكون ذلك الصيام الذي قد وضعه عنه" أي: عن المسافر "هو الصيام الذي لا يكون له منه بُدّ في تلك الأيام " وأراد بها: الأيام التي لم تكن رخصة الإفطار فيها مشروعة يعني: أن الصيام الذي وضعه الله عن المسافر في هذا الحديث هو الصيام الذي كان

стр. 4158

عليه فرضًا في السفر كما كان فرضًا على المقيم، ثم لما رخص الله بالإفطار للمسافر وضع عنه الصيام إلى وقت آخر. وقد دل على هذا المعنى قوله في الحديث: "عن الحامل والمرضع" أي: وضع الصوم أيضًا عن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدهما، ومع هذا لو صامتا عن رمضان فإنه يجزئهما عنه؛ لأن الصوم وجب عليهما بدخول الشهر، غير أنه أبيح لهما الإفطار للضرورة، فإذا أقدمتا عليه جاز عن فرضهما، وكذلك المسافر وجب عليه الصوم بدخول الشهر، غير أنه أبيح له الإفطار لمشقة السفر، فإذا أقدم عليه جاز عن فرضه. فهذا تحقيق ما قاله الطحاوي، وقد قال أبو بكر الرازي: إن قوله ﵇ هذا يدل على أن الفرض لم يتعين على المسافر بحضور الشهر، وأن له أن يُفطر فيه، ولا دلالة فيه على نفي الجواز إذا صامه، كما لم ينف جواز صوم الحامل والمرضع، وفيه من المخالفة لما قاله الطحاوي على ما لا يخفى، والذي قاله الطحاوي هو التقريب؛ فافهم. ص: وكان من الحجة على أهل المقالة الأولى التي قد ذكرناها لأهل المقالة الثانية التي قد وصفناها: أنا قد رأيناهم كانوا مع رسول الله ﵇ بعد أن أباح لهم الإفطار في السفر يصومون فيه. فمما روي في ذلك: ما حدثنا يزيد بن سنان وربيع الجيزي وصالح بن عبد الرحمن، قالوا: حدثنا القعنبي، قال: ثنا هشام بن سعد، عن عثمان بن حيان الدمشقي، عن أم الدرداء، قالت: قال أبو الدرداء: "لقد رأيتنا مع رسول الله ﵇ في بعض أسفاره في يوم شديد الحر حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه لشدة الحر وما منا صائم إلا رسول الله ﵇ وعبد الله بن رواحة". حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يكن يعيب بعضنا على بعض".

стр. 4159

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "كنا مع رسول الله ﵇ يوم فتح مكة لتسع عشرة من رمضان، فصام صائمون، وأفطر مفطرون، فلم يعب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوْح، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ... فذكر بإسناده مثله. غير أنه قال: "لثنتي عشرة". حدثنا علي، قال: ثنا رَوْح، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة ... فذكر بإسناده مثله. غير أنه قال: "لثمان عشر". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا هشام ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام ... فذكر بإسناده مثله. غير أنه لم يذكر فتح مكة. حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن مورق العجلي، عن أنس قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في سفر، فنزلنا في يوم شديد الحر، فمنا الصائم ومنا المفطر، فنزلنا منزلًا في يوم حارّ وأكثرنا ظلًا صاحب الكساء، ومنا مَن يسز الشمس بيده، فسقط الصوَّام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﵇: ذهب المفطرون بالأجر اليوم". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "سافرنا مع رسول الله ﵇ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". فدل ما ذكرنا في هذه الآثار أن ما كان من إفطار رسول الله ﵇ وأمره أصحابه بذلك ليس على المنع من الصوم في السفر، وأنه على الإباحة في الإفطار. ش: أشار بهذا إلى حجج وبراهين أخرى لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى في رفعهم جواز الصوم للمسافر في شهر رمضان.

стр. 4160

وقوله: "أَنَّا قد رأيناهم" بفتح الهمزة في محل الرفع؛ لأنه اسم "كان" وخبره قوله: "من الحجة" أي: أنا قد رأينا الصحابة ﵃ كانوا مع رسول الله ﵇ يصومون في السفر بعد أن أباح لهم رسول الله ﵇ الإفطار في السفر. وأخرج في ذلك آثارًا تدل على أن ما كان من إفطار النبي ﵇ في السفر وأمره به لأصحابه ليس على المنع من الصوم في السفر وأنه إنما هو على الإباحة في الإفطار، وهي أحاديث أبي الدرداء وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأنس ابن مالك ﵃. أما حديث أبي الدرداء فأخرجه بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان وربيع بن سليمان الجيزي وصالح بن عبد الرحمن، ثلاثتهم عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن هشام بن سعد أبي عباد المدني القرشي مولى آل أبي لهب روى له الجماعة إلا البخاري، عن عثمان بن حَيَّان -بتشديد الياء آخر الحروف- بن معبد المزني الدمشقي مولى أم الدرداء، روى له مسلم وابن ماجه هذا الحديث فقط، عن أم الدرداء الصغرى هجيمة، روى لها الجماعة، عن أبي الدرداء عويمر بن مالك ﵁. وأخرجه مسلم (١): ثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا هشام بن سعد ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه البخاري (٢) وأبو داود (٣) وابن ماجه (٤). قوله: "لقد رأيتُنا" بضم التاء؛ أي: لقد رأيت أنفسنا. قوله: "لَيَضَعُ يده" بفتح اللام؛ لأنها للتأكيد.

стр. 4161

وأما حديث جابر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير روى له الجماعة، عن عاصم بن سليمان الأحول روى له الجماعة، عن أبي نضرة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- المنذر بن مالك العبدي ثم العوقي البصري روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا. وأخرجه النسائي (١): أخبرني أيوب بن محمَّد، قال: نا مروان، قال: نا عاصم، عن أبي نضرة المنذر، عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله: "أنهما سافرا مع رسول الله ﵇ فيصوم الصائم، ويُفطر المفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". وأخرجه النسائي (٢) من وجوه مختلفه. وأخرجه مسلم (٣) نحوه. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه من خمس طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة، عن رَوْح بن عبادة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٤) بوجوه مختلفة فقال: ثنا هداب بن خالد، قال: ثنا همام بن يحيى، قال: ثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "غزونا مع رسول الله ﵇ لست عشرة مضت من رمضان، فمنا مَن صام، ومنا مَن أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". ثنا (٤) محمَّد بن أبي بكر المقدمي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن التميمي. وثنا (٤) محمَّد بن المثنى، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا شعبة. وقال ابن مثنى (٤): ثنا أبو عامر، قال: ثنا هشام. وقال ابن مثنى (٤): ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا عمر- يعني: ابن عامر. وثنا (٤) أبو بكر بن أبي شيبة،

стр. 4162

قال: ثنا محمد بن بشر، عن سعيد، كلهم عن قتادة ... بهذا الإسناد ونحو حديث همام، غير أن في حديث التيمي وعمر بن عامر وهشام: "لثمان عشرة خلت"، وفي حديث سعيد: "في ثنتي عشرة"، وفي حديث شعبة: "لسبع عشرة أو تسع عشرة". قلت: هذا اختلاف كما ترى، والذي قاله أصحاب السير: أن خروج النبي ﵇ لغزو مكة كان لعشر خلون من رمضان، ودخوله مكة في تسع عشرة، والله أعلم. الثاني: عن عليّ أيضًا، عن رَوْح أيضًا، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. وأخرجه مسلم (١): من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، كما ذكرناه. الثالث: عن عليّ أيضًا، عن رّوْح أيضًا، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن قتادة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) أيضًا نحوه، وقد ذكرناه الآن. الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن هشام الدستوائي، عن قتادة ... إلى آخره. الخامس: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصَّاب شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي، عن قتادة ... إلى آخره. وأخرجه أحمد (٢) نحوه. وأما حديث أنس بن مالك ﵁ فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن محمَّد عمرو بن يونس التغلبي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن مُوَرّق بن مشمرج العجلي البصري- ويقال: الكوفي، روى له الجماعة.

стр. 4163

وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "ومنا من يتقي الشمس بيده". وأخرجه البخاري (٢) والنسائي (٣) أيضًا. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "كنا نسافر مع النبي ﵇ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المُفطر على الصائم". وأخرجه مسلم (٥): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا أبو خيثمة، عن حميد، قال: "سئل أنس عن صوم رمضان في السفر، فقال: سافرنا مع رسول الله ﵇ في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". وأخرجه أبو داود (٦): ثنا أحمد بن يونس، قال: نا زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس قال: "سافرنا مع رسول الله ﵇ في رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المُفطر على الصائم". وأخرجه مالك (٧) في "موطئه". وقال أبو عمر: هذا حديث متصل صحيح، وبلغني عن ابن وضاح أنه كان يقول: إن مالكًا لم يتابع عليه في لفظه، وزعم أن غيره يرويه عن حميد، عن أنس أنه قال: "كان أصحاب رسول الله ﵇ يسافرون، فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم، فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم". ليس فيه ذكر رسول الله ﵇

стр. 4164

ولا أنه كان يشاهدهم في حالهم هذه، وقد تابع مالكًا على هذا جماعة من الحفاظ، منهم: أبو إسحاق الفزاري وأبو ضمرة أنس بن عياض ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الوهاب الثقفي، كلهم رووه عن حميد، عن أنس بمعنى حديث مالك: "سافرنا مع رسول الله ﵇". وما أعلم أحدًا روى حديث أنس هذا على ما قال ابن وضاح إلا ما رواه محمَّد بن مسعود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن حميد، عن أنس. قوله: "فضربوا الأبنية" جمع بناء، وهي الخباء التي تضرب. قوله: "وسقوا الركاب" بكسر الراء وتخفيف الكاف، وهي الرواحل من الإبل، وتجمع على رُكُب -بضمتين- ويقال: الركاب جمع راحلة وليس لها واحد من لفظها، كالنساء جمع امرأة. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أنه صام في السفر وأفطر: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عبد السلام، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود: "أن النبي ﵇ كان يصوم في السفر ويفطر". حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن بشر، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء عن عائشة قالت: "صام رسول الله ﵇ في السفر وأفطر". فدل ذلك على أن للمسافر أن يصوم وله أن يفطر. ش: هذا أيضًا مما احتجت به أهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى؛ لأن فيه إخبارًا عن فعل النبي ﵇ بأنه كان يصوم في السفر ويُفطر. وأخرجه من وجهين: الأول: حديث عبد الله بن مسعود: أخرجه عن علي بن شيبة، عن رَوْح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد السلام وهو مجهول لا يُعرف، قاله أبو المحاسن الحسيني.

стр. 4165

يروي عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن عبد الرحيم صاحب السابُري ومحمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري، قالا: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عبد السلام؛ عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ كان يصوم في السفر ويُفطر". وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولا نعلم رواه عن عبد السلام هذا إلا ابن أبي عروبة. الثاني: حديث عائشة ﵂ أخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن بشر شيخ البخاري، عن المعافى بن عمران الأزدي روى له البخاري وأبو داود والنسائي، عن مغيرة بن زياد البجلي أبي هشام الموصلي وثقه وكيع ويحيى والعجلي، وقال أبو داود: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس صالح. روى له الأربعة، عن عطاء بن أبي رباح المكي، روى له الجماعة. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا المحاملي، نا سعيد بن محمَّد بن ثواب، نا أبو عاصم، نا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقصر في السفر ويتم، ويُفطر ويصوم". ثم قال: هذا إسناد صحيح. وأخرجه البزار بإسناد الطحاوي ولكنه اقتصر على حكم الصلاة. ص: وقد سأل حمزة الأسلمي رسول الله ﵇ عن الصوم في السفر فقال له: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر". حدثنا بذلك علي بن شيبة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا سعيد وهشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلمي بذلك.

стр. 4166

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلمي، مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﵇: "أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﵇: أصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- فقال له النبي ﵇: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". فهذا رسول الله ﵇ قد أباح الصوم في السفر لمَن شاء ذلك. فثبت بهذا وبما ذكرنا قبله أن صوم رمضان في السفر جائز. ش: ذكر هذا تأكيدًا للحديث السابق؛ لأن ذاك فعل الرسول ﵇، وهذا قوله. ولما اجتمع قول النبي ﵇ وفعله في حكم قويت الحجة به، وأشار إلى ذلك بقوله: "فثبت بهذا" أي: بحديث حمزة بن عمرو "وبما ذكرنا قبله" أي: حديث ابن مسعود وعائشة "أن صوم رمضان في السفر جائز". وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة ... إلى آخره. وكلهم ثقات قد ذكروا غير مرة. وحمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي الصحابي ﵁. وأخرجه الجماعة (١) على ما نذكره. وأخرجه النسائي (٢) بهذا الطريق: أنا محمَّد بن رافع، قال: أنا أزهر بن القاسم، قال: نا هشام، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلمي: "أنه

стр. 4167

سأل رسول الله ﵇ عن الصوم في السفر، قال: إن ... ثم ذكر كلمة معناها: إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت". وأخرجه (١) من وجوه متعددة. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي البصري أحد أصحاب أبي حنيفة وشيخ أحمد، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله المدني، عن عمران بن أبي أنس المصري العامري، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أنا هارون بن عبد الله، قال: نا محمَّد بن بكر، قال: أنا عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عمرو: "أنه سأل رسول الله ﵇ عن الصوم في السفر، قال: إن شئت أن تصوم فصُم، وإن شئت أن تُفطر فأفطر". أنا عمران ن بكار (٣) قال: ثنا أحمد بن خالد، قال: ثنا محمَّد، عن عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار وحنظلة بن علي، قال: حدثاني جميعًا عن حمزة بن عمرو قال: "كنت أسرد الصيام على عهد رسول الله ﵇، فقلت: يا رسول الله إني أسرد الصيام في السفر، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٤): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٥): عن قتيبة بن سعيد، عن ليث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن

стр. 4168

عائشة أنها قالت: "سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﵇ عن الصيام في السفر، فقال: إن شئت صم وإن شئت فأفطر". وله في رواية (٤): "إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت". وفي رواية (١): "يا رسول الله أجد بي قوةً على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﵇: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومَن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه". وأبو داود (٢): عن سليمان بن حرب ومسدد، قالا: نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﵇ فقال: يا رسول الله إني رجل أسردُ الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: صُمْ إن شئت، وأفطر إن شئت". والترمذي (٣): عن هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ﵇ عن الصوم في السفر -وكان يسرد الصوم- فقال رسول الله ﵇: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﵇ فقال: إني أصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال ﷺ : إن شئت فَصُمْ، وإن شئت فأفطر". فإن قيل: حديث حمزة هذا لا يدل على جواز الصوم في شهر رمضان في السفر؛ لأن سؤاله كان في صوم التطوع في السفر.

стр. 4169

وقال القاضي: قوله: "إني رجل أسرد الصوم"، وقوله أيضًا: "إني رجل أصوم في السفر"، يدل ظاهرًا أنه سأله عن التطوع. وقال ابن حزم: وأما خبر حمزة فبيان جلي في أنه إنما سأله ﵇ عن التطوع؛ لقوله في الخبر: "إني امرؤ أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام". قلت: لا نسلم أن سؤاله كان عن التطوع، بل لم يكن سؤاله إلا عن الصوم في رمضان في السفر. والدليل عليه ما رواه أبو داود (١): ثنا عبيد الله بن محمَّد النفيلي، قال: نا محمَّد بن عبد المجيد المدني، قال: سمعت حمزة بن محمَّد بن حمزة الأسلمي، يذكر أن أباه أخبره، عن جده: "قلت: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- فأنا أجد القوة وأنا شابٌّ وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون دينًا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال: أيُّ ذلك شئت يا حمزة". ص: وذهب قوم أنه لا فضل لمن صام رمضان في السفر على مَنْ أفطر وقضاه بعد ذلك، وقالوا: ليس أحدهما أفضل من الآخر، واحتجوا في ذلك بتخيير النبي ﵇ حمزة بن عمرو بين الإفطار في السفر والصوم، ولم يأمره بأحدهما دون الآخر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: قتادة والأعمش وإسماعيل بن علية والشافعي في قول؛ فإنهم قالوا: المسافر في رمضان مخير بين الصوم والإفطار، ولا فضل للمفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر، والباقي ظاهر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الصوم في السفر في شهر رمضان أفضل من الإفطار.

стр. 4170

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عمرو بن ميمون والأسود بن يزيد وشقيق بن سلمة وطاوسًا وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: الصوم أفضل للمسافر في رمضان، ويروى ذلك عن أنس وأبي موسى الأشعري وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وحذيفة بن اليمان وعائشة ﵃. وكذا روي عن قيس بن عباد ومحمد بن سيرين والقاسم وسالم وابن أبي مليكة ﵏. ص: وقالوا لأهل المقالة التي ذكرنا: ليس فيما ذكرتموه من تخيير النبي ﵇ لحمزة بين الصوم في السفر والفطر دليل على أنه ليس أحدهما أفضل من الآخر، ولكن إنما خيره بما له أن يفعله من الإفطار والصوم، وقد رأينا شهر رمضان يجب بدخوله الصوم على المسافرين والمقيمين جميعًا إذا كانوا مكلفين، فلما كان دخول رمضان هو الموجب للصيام عليهم جميعًا، كان مَن عجل منهم أداء ما وجب عليه أفضل ممن آخره، فثبت بما ذكرنا أن الصوم في السفر أفضل من الفطر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي، قال هؤلاء الآخرون في جواب ما قاله أولئك القوم، وهو ظاهر غني عن زيادة البيان. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن أنس بن مالك وعن نفر من التابعين. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن سعيد ابن جبير قال: "الصوم أفضل، والإفطار رخصة" يعني: في السفر. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم وسعيد ابن جبير ومجاهد، أنهم قالوا في الصوم في السفر: "إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت، والصوم أفضل".
следующие страницы →