← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

حدثنا محمد بن حميد الرعيني، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن خصيف، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لمَّا قدمنا مع رسول الله ﵇ مكة [في] (١) حجة الوداع سأل الناس: بماذا أحرمتم؟ فقال أناس: أهللنا بالحج، وقال آخرون: قدمنا متمتعين، وقال آخرون: أهللنا بإهلالك يا رسول الله، فقال لهم رسول الله ﵇: من كان قدم ولم يسق هديًا فليحلل؛ فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي حتى أكون حلالاً، فقال سراقة بن مالك: يا رسول الله، عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد". حدثنا فهد قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أنه قال: "أهلَّ رسول الله ﵇ وأهللنا معه بالحج خالصًا، حتى قدمنا مكة رابعة من ذي الحجة، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمر رسول الله ﵇ من لم يكن ساق هديًا أن يحل، قال: ولم يعزم في أمر النساء، قال جابر: فقلنا: تَرَكَنَا حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلَّا خمس ليالٍ أمرنا أن نحل فنأتي عرفات والمذي يقطر من مذاكيرنا ولم يحلل هو! وكان رسول الله ﵇ قد ساق الهدي، فبلغ قولنا رسول الله ﵇ فقام فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الذي بلغه من قولهم، فقال: لقد علمتم أني أصدقكم وأتقاكم لله وأبركم، ولولا أني سقت الهدي لحللت، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، قال جابر: سمعنا وأطعنا، فحللنا". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مكي، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا وهو يخبر عن حجة النبي ﵇ قال: "أمرنا بعد أن طفنا أن نحل، وقال رسول الله ﵇: إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا، فأهللنا من البطحاء". حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، أنه سمعه يحدث عن جابر بن عبد الله قال: "أهللنا مع رسول الله ﵇

стр. 4762

بذي الحليفة بالحج خالصًا لا نخلطه بعمرة، فقدمنا مكة لأربع ليالٍ خلون من ذي الحجة، فلما طفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة أمرنا رسول الله ﵇ أن نجعلها عمرة وأن نحل إلى النساء، فقلنا: ليس بيننا وبين عرفة إلَّا خمس ليال، فنخرج إليها وذكر أحدنا يقطر منيًّا! فقال رسول الله ﵇: إني لأبركم وأصدقكم، فلولا الهدي لحللت، فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا [أم للأبد] (١)؟ فقال رسول الله ﵇: بل لأبد الأبد". فكان سؤال سراقة لرسول الله ﵇ المذكور في هذا الحديث إنما هو [على] (١) المتعة أي أنا قد صارت حجتنا التي كنا دخلنا فيها أولاً عمرة، ثم قد أحرمنا بعد حلنا منها بحجة متمتعين بمتعتنا هذه لعامنا هذا خاصة فلا نفعل ذلك فيما بعد، أم للأبد فنتمتع بالعمرة إلى الحج كما تمتعنا في عامنا هذا؟ فقال رسول الله ﵇: بل للأبد، وليس ذلك على أن لهم فيما بعد أن يحلوا من حجة قبل عرفة لطوافهم بالبيت ولسعيهم بين الصفا والمروة، وسنذكر عن رسول الله ﵇ فيما بعد هذا من الباب ما يدل على أن ذلك الإِحلال الذي كان منهم قبل عرفة خاصًّا لهم ليس لمن بعدهم، ونِصفه في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: هذه ثمان طرق صحاح: الأول: أخرجه بعينه في باب ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع بمتن مختصر. وأخرجه مسلم (٢) مطولًا سقناه بكماله هناك، وأخرجه أيضًا أبو داود (٣) وابن ماجه (٤) مطولاً، والنسائي (٥) مختصرًا، وفسرنا هناك أكثر ألفاظه.

стр. 4763

قوله: "مكث تسع سنين" يعني في المدينة، وقد روي "أنه ﵇ حج على الفور، وكان فرض الحج سنة تسع وقيل: خمس، والأول أصح. وأول من أقام للمسلمين الحج عتاب بن أسيد سنة ثمان، ثم أبو بكر سنة تسع، وحج ﵇ سنة عشر، وقد اختلفوا في حجة أبو بكر ﵁ سنة تسع، هل كانت حجة الإِسلام بعد نزول فرضها وهو الأظهر؛ لوقوف جميع الناس بعرفة، ولإِنذار علي ﵁ فيها بمرأة، وفيها ذكر النسيء وشرائع الحج، وقيل: بل كانت على غير الفرض وعلى ما كانت عليه قبل الإِسلام، والأول أظهر. قوله: "كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﵇" دليل على أنهم كانوا كلهم حجاجًا؛ إذ كان ﵇ أحرم بالحج لائتمامهم به، وبعيد أن يخالفوه فيما أحرم به. قوله: "فأهل التوحيد" إشارة إلى قوله: "لا شريك لك"، ومخالفة لقول المشركين في تلبيتهم من الإِشراك. قوله: "لسنا ننوي إلَّا الحج ولا نعرف العمرة" استدل به من كان يذهب إلى أنه ﵇ كان مفردًا بالحج في حجة الوداع، وأن الإِفراد أفضل، قلنا: لا يستلزم هذا الكلام كون النبي ﵇ مفردًا؛ وذلك لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور، ففي الابتداء كان النبي ﵇ محرمًا بحجة حين قدم مكة ثم فسخ ذلك بعمرة، ثم أقام عليها على أنها عمرة، وقد عزم على أن يحرم بعدها بحجة، فكان في ذلك متمتعًا، ثم لم يطف للعمرة حتى أحرم بالحجة، فصار قارنًا بذلك. فهذا هو الوجه في التوفيق بين الروايات التي جاءت بأنه ﵇ كان مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا، فافهم فإنه مَدْرَك دَقِيق. قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" هذا القول منه ﵇ كان تطييبًا لأنفسهم لما رأى من توقفهم عن الإِحلال إذ لم يحل هو، لما كانوا من التأسي به حتى لا يجدوا في أنفسهم أنه يأمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه،

стр. 4764

وفيه دليل على جواز الأمرين، وأنه لولا ما سبق من سوقه ﵇ الهدي لحل معهم إلَّا أن السُنة فيمن ساق الهدي لا يحل إلَّا بعد بلوغ الهدي محله وهو محرم يوم النحر، قال القاضي: فيه دليل على أنه ﵇ كان مهلًّا بالحج، وقال ابن قدامة: فيه دليل على فضل التمتع. قلت: قال الطبري: إن جملة الحال له أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، ولا كان مفردًا؛ لأن الهدي كان معه واجبًا وذلك لا يكون إلَّا للقارن. قوله: "وليجعلها عمرة" أي وليجعل الحجة عمرة، وهو فسخ الحج في العمرة، وقد قلنا: إنه كان مخصوصًا بهم، وأنه لا يجوز اليوم إلَّا عند ابن عباس، وبه قال أحمد وداود الظاهري. قوله: "فقام سراقة ... إلى آخره" قد بين الطحاوي معناه بقوله: "وقول سراقة هذا ... إلى آخره". واحتجت الظاهرية بقوله ﵇ لسراقة: "بل لأبد" في رواية أخرى على جواز فسخ الحج في العمرة. قلنا: يحتمل أن يريد بقوله: "لأبد" الاعتمار في أشهر الحج لا فسخ الحج في العمرة، واحتجوا على ذلك أيضًا بقوله: "دخلت العمرة في الحج" أي جازت في أشهر الحج؛ خلافًا لما كانت الجاهلية تعتقده من عدم جوازها في أشهر الحج، ويحتمل أن يكون دخولها في الحج في عمل القارن، ويقال: معنى دخول العمرة في الحج سقوط وجوبها بوجوب الحج. والله أعلم. الثاني: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن جابر.

стр. 4765

وأخرجه النسائى (١): أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب أنا الليث، عن ابن الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "أقام رسول الله ﵇ تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فلم يبق أحدٌ يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلًا إلَّا قدم، فتدارك الناس ليخرجوا، حتى جاء ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﵇ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب، ثم أهلِّي ففعلت" مختصر. الثالث: عن محمد بن خزيمة أيضًا، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد المكي مولى نافع بن علقمة -من رجال مسلم- عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه لأربع خلون من ذي الحجة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، قال رسول الله ﵇: اجعلوها عمرة إلَّا من كان معه الهدي، فلما كان يوم التروية أهلُّوا بالحج، فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة". قوله: "اجعلوها عمرة" أي اجعلوا الحجة عمرة، وأراد به فسخ الحج في العمرة، وسيجيء الجواب عنه إن شاء الله تعالى. الرابع: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي أبي إسحاق البصري شيخ أبي داود والبخاري في غير الصحيح، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره.

стр. 4766

وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) بأسانيد مختلفة وألفاظ متباينة بزيادة ونقصان. قوله: "صبيحة رابعة" أي ليلة رابعة من ذي الحجة. قوله: "فأمرنا أن نحل" أراد به فسخ الحج في العمرة. قوله: "الحلَّ كله" بالنصب، أي حلوا الحل كله. الخامس: عن محمد بن حميد الرعيني، عن علي بن معبد بن شداد، عن موسى بن أعين الحراني الجزري، روى له الجماعة سوى الترمذي، عن خصيف بن عبد الرحمن الجزري، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي. وأخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦) وأبو داود (٧) بزيادة ونقصان. قوله: "فقال أناسٌ ... إلى آخره" يدل على أن الصحابة الذين حجوا مع رسول الله ﵇ كانوا على ثلاثة أحوال: صنف منهم كانوا مهلين بالحج، وصنف كانوا مهلين بالتمتع، وصنف كانوا مهلين كإهلال النبي ﵇ وكان أهلالهم مبهمًا، فأمر النبي ﵇ لمن لم يسق الهدي أن يفسخ الحج في العمرة ولهذا أمرهم بالإِحلال، وأما الذين ساقوا الهدي فلم يحلوا إلَّا يوم النحر. وبهذا الحديث استدل من يرى جواز الإِحرام المبهم، وهو الذي يعلقه بإِحرام شخص، وقد ذكرناه.

стр. 4767

السادس: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث ابن سعد، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، قال: نا يحيى بن سعيد القطان قال: أنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناسٍ معي قالوا: "أهللنا أصحاب محمد ﵇ بالحج خالصًا وحده -قال عطاء: قال جابر-: فقدم النبي ﵇ صبيح رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل -قال عطاء: قال جابر-: حلوا وأصيبوا النساء -قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم- فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلَّا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيّ، قال: يقول جابر بيده كأني انظر إلى قوله بيده يحركها، قال: فقام النبي ﵇ فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا، فحللنا وسمعنا وأطعنا". قوله: "رابعة" أي صبيح رابعة كما هو كذلك في رواية مسلم. قوله: "ولم يعزم في أمر النساء" يعني لم يعزم في وطء النساء، وأما في الإِحلال فكأنه عزيمة، ومعنى لم يعزم: لم يؤكد. قوله: "والمذي يقطر من مذاكيرنا" جملة حالية، و"المَذْي" بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء: البلل الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يجب فيه الغسل، وهو نجس يجب غسله، وينقض الوضوء. والمذاكير: جمع ذكر على خلاف القياس. قوله: "ولم يَحْلِل" بكسر اللام لأنه من حَلَّ يَحِلُّ من باب ضَرَبَ يَضْرِب، وقد جاء بفك الإِدغام، وقد عرف أن هذا الباب يجوز فيه الإِدغام والفك، ويجوزَ في الإِدغام فتح اللام الأخيرة؛ لأنه أخف الحركات، وكسرها لأن الساكن إذا حُرِّكَ

стр. 4768

حُرِّكَ بالكسر، وفي نحو باب لم يمُدْ تجوز فيه الأوجه الثلاثة مع الفك، والضم لاتباع الميم. قوله: "وأتقاكم" أي أخشاكم. قوله: "وأبركم" أي أكثركم خيرًا وبرًّا. السابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مكي بن إبراهيم البلخي شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر. وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﵇ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح". قوله: "أن نحل" بفتح أن أي بأن نحل أي أمرنا بالإِحلال بعد أن طفنا بالبيت وبالصفا والمروة. قوله: "فأهللنا من البطحاء" أي فأحرمنا بالحج من بطحاء مكة. الثامن: عن محمد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر. وأخرجه أبو داود (٢): نا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني من سمع عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني جابر بن عبد الله قال: "أهللنا مع رسول الله ﵇ بالحج خالصًا لا يخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فطفنا وسعينا، فأمرنا رسول الله ﵇ أن نحل، وقال: لولا الهدي لحللت، فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، أرأيت متعتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﵇: بل هي للأبد، قال الأوزاعي: سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث بهذا فلم أحفظه حتى لقيت ابن جريج فأثبته لي".

стр. 4769

وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) أيضًا بأسانيد وألفاظ مختلفة. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا حميد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﵇ وأصحابه قدموا مكة ملبين بالحج، فقال رسول الله ﵇: من شاء أن يجعلها عمرة، إلَّا من كان معه الهدي". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥): ثنا روح وعفان، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن حميد -قال عفان: أنا حميد- عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر أنه قال: "قدم رسول الله ﵇ وأصحابه مكة ملبين -وقال عفان: مهلين- بالحج، فقال رسول الله ﵇: فمن شاء أن يجعلها عمرة، إلَّا من كان معه الهدي". قوله: "ملبين" حال من الضمير الذي في "قدموا". قوله: "من شاء أن يجعلها عمرة" جوابه محذوف، والتقدير: من شاء منكم أن يجعل حجته عمرة فليجعل إلَّا من كان معه الهدي فليس له ذلك؛ لأنه لا يحل إلَّا يوم النحر. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا ولا نرى إلَّا أنه الحج، فلما قدم رسول الله ﵇ مكة طاف ولم يحل، وكان معه الهدي، فطاف ومن معه من نسائه وأصحابه، فحل منهم من لم يكن معه الهدي".

стр. 4770

ش: إسناده صحيح، وأبو عوانة: الوضاح اليشكري. وأخرجه البخاري (١) مطولاً: ثنا عثمان، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "خرجنا مع رسول الله ﵇ ولا نرى إلَّا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي ﵇ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن .. الحديث". وأخرجه مسلم (٢) بنحوه: عن زهير بن حرب، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم. وأخرجه أبو داود (٣): نا عثمان بن شيبة، قال: نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ ولا نرى إلَّا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله ﵇ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي". وأخرجه النسائي (٤) أيضًا. قوله: "ولا نرى" قال ابن التبين: ضبطه بعضهم بفتح النون وبعضهم بضمها، قال القرطبي: أي نظن، وكان هذا قبل أن يعلمن بأحكام الإِحرام وأنواعه، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك اعتقادها من قبل أن تُهل، ثم أهلت بعمرة، ويحتمل أن تريد بقولها: "لا نرى" حكاية عن فعل غيرها من الصحابة، وهم كانوا لا يعرفون إلَّا الحج، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره، وزعم عياض أنها كانت أحرمت بالحج، ثم أحرمت بالعمرة ثم أحرمت بالحج، ويدل على أن المراد بقولها: "لا نرى" إلَّا الحج عن فعل غيرها.

стр. 4771

قولها: "فلما قدمنا تطوفنا بالبيت" تعني بذلك النبي ﵇ والناس غيرها؛ لأنها لم تطف بالبيت ذلك الوقت لأجل حيضها. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرجنا من المدينة نصرخ بالحج صراخًا، فلما قدمنا طفنا، فقال رسول الله ﵇: اجعلوها عمرة إلَّا من كان معه الهدى، فلما كان عشية عرفة أهللنا بالحج". ش: إسناده صحيح، وداود هو ابن أبي هند، وأبو نضرة -بالنون والضاد المعجمة- اسمه المنذر بن مالك العبدي العوفي النضري. وأخرجه مسلم (١): حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، قال: ثنا عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، قال: نا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ نصرخ بالحج صراخًا، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة، إلَّا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج". قوله: "نصرخ بالحج" أي نلبي به برفع الصوت. قوله: "فلما قدمنا" أي مكة. قوله: "اجعلوها" أي اجعلوا الحجة عمرة، وهو فسخ الحج في العمرة. ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن منصور ابن عبد الرحمن، عن أمه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "قدم رسول الله ﵇ وأصحابه مهلين بالحج، وكان مع الزبير الهدي، فقال رسول الله ﵇ لأصحابه: من لم يكن معه الهدي فليحلل، قالت: فلم يكن معي عامئذٍ هدى فأحللت". ش: "الخصيب" بفتح الخاء المعجمة ابن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان، ووهيب هو ابن خالد البصري، روى له الجماعة، ومنصور بن

стр. 4772

عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث الحجبي العبدري المكي روى له الجماعة إلَّا الترمذي، وأمه صفية بنت شيبة الحاجب الصحابية. وأخرجه ابن ماجه (١): نا بكر بن خلف أبو بشر، ثنا أبو عاصم، أنا ابن جريج، أخبرني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ محرمين، فقال النبي ﵇: من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل، قالت: ولم يكن معي هدي فأحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحل، فلبست ثيابي وجئت إلى الزبير فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك". وأخرجه مسلم (٢) نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، وبات بها حتى أصبح، فلما صلى الصبح ركب راحلته، فلما انبعثت به سبح وكبَّر، حتى إذا استوت به على البيداء جمع بينهما، فلما قدمنا مكة أمرهم رسول الله ﵇ أن يحلوا، فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج". ش: أخرج طرفًا من هذا الحديث بغير هذا الإِسناد في باب: ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع، وهو إسناد صحيح، وحَبان بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي. وأخرجه أبو داود (٣): نا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، نا وهيب، قال: نا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: "أن النبي ﵇ بات بها -يعني بذي الحليفة-

стр. 4773

حتى أصبح، ثم ركب حتى إذا استوت به على البيداء حمد وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا، أمر الناس فحلوا، حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج ونحر رسول الله ﵇ سبع بدنات بيده قيامًا". وأخرجه النسائي (١) أيضًا. قوله: "فلما انبعثت به" أي فلما أخذت في القيام، والانبعاث أخذها في القيام، والاستواء، كمال القيام، واستحب مالك وأكثر الفقهاء أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يهل عقيب الصلاة إذا سلم منها، وقال الشافعي: يهل إذا أخذت ناقته في المشي. قوله: "جمع بينهما" أي بين العمرة والحج، فهذا هو القران، فدل أنه ﵇ كان قارنًا في حجة الوداع. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار قال: "حججنا مع النبي ﵇ فوجد عائشة تنزع ثيابها، فقال لها: مالك؟ قالت: أنبئت أنك أحللت وأحللت أهلك، فقال: أحلَّ من ليس معه هدي، فأما نحن فلم نحلل لأن معنا هديًا حتى نبلغ عرفات". ش: مكي بن إبراهيم شيخ البخاري، وعبيد الله بن أبي حميد الهذلي أبو الخطاب البصري، قال أبو حاتم: هو منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى له أبو داود، وأبو مليح بن أسامة الهذلي مختلف في اسمه، فقيل: عامر، وقيل: زيد، روى له الجماعة، ومَعْقل -بفتح الميم وسكون العين المهملة، وكسر القاف- ابن يسار بن عبد الله، كان ممن بايع تحت الشجرة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا عبد الله بن ناجية، نا محمد بن مرزوق، ثنا

стр. 4774

بكر بن إبراهيم، نا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار، قال: "حججنا ... إلى آخره" نحوه، غير أن في روايته: إن معنا بدنًا حتى نبلغ عرفات. قوله: "أنبئت" على صيغة المجهول، أي أخبرت. قوله: "حتى نبلغ" بنون الجماعة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى هذه الآثار فقلدوها، وقالوا: من طاف بالبيت قبل وقوفه ولم يكن ساق هديًا فقد حلَّ. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أحمد وداود وسائر الظاهرية؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار، وأرا بها الأحاديث التي رواها عن ابن عباس وأبي موسى وجابر بن عبد الله وعبد لله بن عمر وعائشة وأبي سعيد الخدري وأسماء بنت أبي بكر وأنس بن مالك ومعقل بن يسار ﵃ واحتجوا بها على جواز فسخ الحج في العمرة، وقالوا: من طاف من الحجاج بالبيت قبل وقوفه بعرفة ولم يكن ممن ساق الهدي فإنه يحل. وقال ابن حزم: كل من أحرم بحج مفردًا أو قارنًا ولم يسق الهدي حل بعمرة شاء أو أبى. وقال أيضًا: روي أمر رسول الله ﵇ من لا هدي معه بأن يفسخ حجه بعمرة، ويحل بأوكد أمر: جابر بن عبد الله وعائشة وحفصة وفاطمة بنت رسول الله ﵇ وعلي وأسماء بنت أبي بكر وأبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري وأنس وابن عباس وابن عمر وسبرة بن معبد والبراء بن عازب وسراقة بن مالك ومعقل بن يسار خمسة عشر من الصحابة، ورواه عن هؤلاء نيفٌ وعشرون من التابعين، ورواه عن هؤلاء من لا يحصيه إلَّا الله، فلم يسع أحد الخروج عن هذا (١). ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس لأحد دخل حجة أن يخرج منها إلَّا بتمامها، ولا يحله منها شيء قبل يوم النحر من طواف ولا غيره. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جماعة التابعين والفقهاء، منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا يجوز

стр. 4775

فسخ الحج في العمرة، ولا يجوز لأحد دخل في حجة أن يخرج منها إلَّا بأن يتمها، وتمامها بطواف الزيارة يوم النحر، ولا يحل منها لا بطواف ولا بغيره قبل يوم النحر لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ (١)، يعني لمن دخل فيه، وفسخه في عمرة يكون غير الإِتمام المأمور به. ص: وقالوا: أما ما ذكرتموه من قول الله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) فهذا في البُدْن ليس في الحاج، ومعنى البيت العتيق ها هنا الحرم كله كما قال في الآية الأخرى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) فالحرم هو محل الهدي لأنه ينحر فيه، فأما بنو آدم فإنما محلهم في حجهم يوم النحر. ش: أي قال هؤلاء الآخرون في الجواب عما استدل به القوم المذكورون، وكانوا قد استدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) وهو المذكور في حديث ابن عباس المذكور في أول الباب، وتقرير الجواب عن هذا: أن هذا في البدن ليس في الحاج، وأن المراد بالبيت العتيق ها هنا هو الحرم كله، فُسِّرت ذلك الآيةُ الأخرى، وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) فالحرم هو محل الهدي لأنه ينحر فيه، فأما بنو آدم فإنما محلهم في حجهم يوم النحر. وقال أبو بكر الجصاص: والمراد بالبيت ها هنا الحرم كله، فعبر عنه بذكر البيت إذْ كانت حرمة الحرم كله متعلقة بالبيت، وهو كقوله تعالى، في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣) ولا خلاف أن المراد الحرم كله، وقد روى أسامة بن زيد (٤)، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر" وكل فجاج مكة طريق ومنحر. وقال أيضًا: كان ابن عباس يحتج في

стр. 4776

فسخ الحج في العمرة بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) فذهب إلى أنه يحل بالطواف، فعله قبل عرفة أو بعده، وكان يذهب إلى أن هذا الحكم باق لم ينسخ، وأن فسخ الحج قبل تمامه جائز بأن يطوف قبل الوقوف بعرفة، فتصير حجته عمرة، وقد ثبت بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ (٢) نسخه، وهذا معنى ما أراده عمر ﵁ بقوله: "متعتان كانتا على عهد رسول الله ﵇ وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج" (٣) ويذهب فيه إلى ظاهر الآية، وإلى ما علمه من توقيف رسول الله ﵇ إياهم على أن فسخ الحج كان لهم خاصة. ص: وأما ما احتجوا به من الآثار التي ذكرناها عن رسول الله ﵇ في أمره أصحابه بالحل من حجهم بطوافهم الذي طافوه قبل عرفة؛ فإن ذلك عندنا كان خاصًّا لهم في حجتهم تلك دون سائر الناس بعدهم. ش: هذا عطف على قوله: "أما ما ذكرتموه من قول الله تعالى"، وهذا جواب عن الأحاديث المذكورة المروية عن الصحابة الذين سميناهم، وتقريره: إن يقال: إن فسخ الحج في العمرة الذي يفهم من هذه الأحاديث إنما كان خاصًّا في حق الصحابة الذين حجوا مع رسول الله ﵇، أمرهم النبي ﵇ في حجتهم تلك، وليس ذلك بجائز في حق غيرهم. وقال أبو عمر: فسخ الحج في العمرة لا يجوز عند أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم؛ لقوله تعالى،: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ (٢) يعني لمن دخل فيه، وما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلَّا ابن عباس، وتابعه أحمد وداود دون سائر الفقهاء، وكلهم على أن فسخ الحج في العمرة خُصَّ به أصحاب النبي ﵇.

стр. 4777

ص: والدليل على ذلك: ما حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا سعيد بن منصور وإسحاق بن أبي إسرائيل، عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ حجنا هذا، لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لكم خاصة". حدثنا ابن أبي داود وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا الدراوردي، قال: سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يحدث، عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه مثله. ش: أي والدليل على أن ذلك كان خاصًّا للصحابة الذين حجوا مع النبي ﵇ دون غيرهم: حديث بلال بن الحارث، فإنه لما قال: "أرأيت يا رسول الله فسخ حجنا هذا لنا خاصةً أم للناس عامّةً؟ قال: بل لكم خاصةً"، أي بل هو لأجلكم خصوصًا. فهذا دليل صريح على أنه كان مخصوصًا لهم دون غيرهم، وأخرج حديث بلال بن الحارث بن عصم المزني الصحابي من طريقين: الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن إسحاق بن أبي إسرائيل -واسم أبي إسرائيل إبراهيم- المروزي شيخ البخاري في غير الصحيح وأبي يعلى وأبي داود، قال ابن معين: ثقة. عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن -واسم أبي عبد الرحمن فروخ- القرشي التيمي المقرىء المعروف بربيعة الرأي شيخ مالك بن أنس، روى له الجماعة، عن الحارث بن بلال المزني المدني، ضعفه يحيى والنسائي، قال ابن عدي: لا أعرف له حديثًا مسندًا. وقال الذهبي: لم يرو عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويقال إن بلال شبه المجهول، وقال أحمد: حديث بلال لا يثبت، وحديث أبي ذر في ذلك صحيح.

стр. 4778

وأخرجه أبو داود (١): ثنا النفيلي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصّةً أم لمن بعدنا؟ قال: بل لكم خاصة". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وصالح بن عبد الرحمن، كلاهما عن سعيد بن منصور، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو مصعب، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ... إلى آخره. ص: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا عيسى ابن يونس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن المرقع بن صيفي، عن أبي ذر قال: "إنما كان فسخ الحج للركب الذين كانوا مع النبي ﵇". حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن المرقع الأسيدي، عن أبي ذر الغفاري أنه قال: "كان مما أمرنا به رسول الله ﵇ حين دخلنا مكة أن نجعلها عمرةً ونحلّ من كل شيء، أن تلك كانت لنا خاصة رخصة من رسول الله ﵇ دون الناس". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا حفص -هو ابن غياث- عن يحيى بن سعيد، قال: حدثني المرقع الأسيدي، قال: قال أبو ذر: "لا والذي لا إله إلا غيره ما كان لأحد أن يهل بحجة ثم يفسخها بعمرة إلَّا الركب الذين كانوا مع رسول الله ﵇". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد، قال: ثنا المرقع، عن أبي ذر قال: "ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخه بعمرة".

стр. 4779

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الأكرم، عن إبراهيم التميمي، عن أبيه: "قال في متعة الحج: ليست لكم ولستم منها في شيء". حدثنا فهد -هو ابن سليمان- قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم التميمي، عن أبيه، قال: قال أبو ذر: "إنما كانت المتعة لنا خاصة أصحاب رسول الله ﵇ متعة الحج". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران -وهو الأعمش- فذكر بإسناده مثله وزاد: "يعني الفسخ". ش: هذه سبع طرق؛ ستة عن أبي ذر، وواحد عن يزيد التيمي على ما يبين إن شاء الله تعالى. الأول: عن أحمد بن أبي عمران- الفقيه البغدادي، عن إسحاق بن إسرائيل -المذكور عن قريب- عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، روى له الجماعة- عن يحيى بن سعيد الأنصاري روى له الجماعة، عن المُرَقِّع -بضم الميم وفتح الراء وتشديد القاف المكسورة وفي آخره عين مهملة- ابن صيفي، ويقال: مرقع بن عبد الله بن صيفي بن رباح الحنظلي الكوفي وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، عن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري. وأخرجه ابن حزم (١): من طريق المرقع نحوه، وقال: المرقع مجهول، وقد خالفه ابن عباس وأبو موسى فلم يريا ذلك خاصة، ولا يجوز أن يقال في سنة ثابتة أنها خاصة لقوم دون قوم إلَّا بنص قرآن أو سُنة صحيحة. قلت: لا نسلم أن المرقع مجهول؛ وقد روى عنه مثل يحيى بن سعيد الأنصاري ويونس بن أبي إسحاق وموسى بن عقبة وعبد الله بن ذكوان، وذكره ابن حبان في الثقات من التابعين، واحتج به أبو داود والنسائي وابن ماجه، وعن أحمد: حديث أبي ذر في أن فسخ الحج في العمرة خاصة للصحابة صحيح.

стр. 4780

وقوله: "قد خالفه ابن عباس" مردود ومعارض بأن سائر الصحابة وافقوه على قوله هذا. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن المرقع بن صيفي الأُسَيْدي -بضم الهمزة وفتح السين وتشديد الياء آخره الحروف نسبة إلى أسَيّد بن عمرو بن تميم بن مرِّ بن أدّ، ويقال: قد تخفف الياء في النسبة. قوله: " أن نجعلها" أي أن نجعل الحجة عمرة. قوله: "إن تلك" أي إن تلك الفعلة وهي فسخ الحج في العمرة كانت لنا خاصةً. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن حفص بن غياث، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن المرقع ... إلى آخره. الرابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي شيخ الشافعي، وثقه ابن حبان، عن يحيى ابن سعيد، عن المرقع. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا الثقفي، عن يحيى بن سعيد، أخبرني المرقع ابن صيفي، عن أبي ذر أنه قال: "ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخه بعمرة". الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم عن شعبة، عن عبد الكريم وثقه ابن حبان، عن إبراهيم التيمي -هو إبراهيم بن يزيد التيمي تيم الرتاب- أبو أسماء الكوفي، روى له الجماعة، عن أبيه يزيد بن شريك التيمي، روى له الجماعة. وأخرجه ابن حبان في "كتاب الثقات" (١)، وقال: عبد الأكرم يروي عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: "إنما كانت المتعة لأصحاب محمد ﵇-يعني متعة الحج".

стр. 4781

السادس: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه يزيد شريك. وأخرجه مسلم (١): نا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالوا: أنا معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﵇ خاصة". قوله: "أصحاب رسول الله ﵇" بالنصب، على الاختصاص. قوله: "متعة الحج" بالرفع بدل عن قوله: "كانت المتعة"، أو عطف بيان، أو هو خبر مبتدأ محذوف، أي هي متعة الحج، وأراد بهذا فسخ الحج في العمرة لا المتعة التي تفعل اليوم، فافهم. السابع: عن أبي بشر الرقي عبد الملك بن مروان، عن شجاع بن الوليد السكوني، عن سليمان بن مهران -هو الأعمش- عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﵇ خاصة" وفي لفظ: "إنما كانت". وإنما أراد فسخهم الحج بالعمرة لينقض ﵇ عادتهم في تحريم العمرة في أشهر الحج، وهذا لا يجوز اليوم. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن معاوية بن إسحاق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: "سئل عثمان بن عفان عن متعة الحج، فقال: كانت لنا، ليست لكم". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة وصالح ابن موسى الطلحي، عن معاوية بن إسحاق ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "سئل عثمان أو سألته".

стр. 4782

ش: هذان طريقان: الأول: عن ابن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن معاوية بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، روى له البخاري والنسائي وابن ماجه، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه يزيد بن شريك ... إلي آخره، وهذا صحيح على شرط البخاري، وأراد بمتعة الحج: فسخ الحج في العمرة. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، وصالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله الطلحي الكوفي، كلاهما عن معاوية بن إسحاق عَمّ صالح المذكور، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه يزيد ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح، وصالح بن موسى وإن كان فيه مقال، ولكن لا يضر؛ لأنه ذكر متابعة، وقد قال يحيى بن معين فيه: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وعن النسائي: متروك الحديث. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود، قال: ثنا أبو نضرة، أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: "قام عمر ﵁ خطيبًا حين استخلف، فقال: إن الله كان رخص لنبيه ﵇ ما شاء، ألا وإن نبي الله قد انطلق به فأحصنوا فروج هذه النساء وأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم". حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو شهاب، عن داود، عن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "قدمنا مع رسول الله ﵇ فصرخ بالحج صراخًا، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فلما كان يوم النحر أحرمنا بالحج، فلما كان عمر ﵁ قال: إن الله كان يرخص لنبيه ﵇ فيما شاء، فأتموا الحج والعمرة".

стр. 4783

ويدخل في هذا أيضًا حديث أبي موسى الذي ذكرناه في أول هذا الباب. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن ابن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن يزيد بن زريع، عن داود ابن أبي هند البصري، عن أبي نضرة -بالنون والضاد المعجمة- المنذر بن مالك، عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عُبيدة بن حميد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "خطب عمر ﵁ الناس، فقال: إن الله رخص لنبيه ما شاء، وإن نبي الله ﵇ قد مضى لسبيله، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله وحصنوا فروج هذه النساء". قوله: "قد انطلق به" أي بما رخص الله له، وهذا يدل على أن المتعتين قد انتسختا، إحداهما: متعة الحج وهو فسخ الحج في العمرة، والأخرى متعة النساء، فأشار إلى هذه بقوله: "فأحصنوا فروج هذه النساء"، وأشار إلى متعة الحج بقوله: "وأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم" وإتمام الحج أن لا يفسخه بعد الشروع فيه؛ فافهم. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن أبي شهاب الحنَّاط -بالنون- الكوفي، وهو الأصغر واسمه عبد ربه بن نافع الكناني، روى له الجماعة سوى الترمذي، عن داود ... إلى آخره. قوله: "نصرخ بالحج" أي نلبي به برفع الصوت، وفيه حجة لرفع الصوت بالتلبية، وأنه مشروع وليس بواجب خلافًا لأهل الظاهر في وجوبه عندهم، وكذلك في مسجد منى والمسجد الحرام يرفع بهما الصوت، واختلف في غيرهما من المساجد، فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: الرفع كسائر المواضع، والأخرى: ألَّا يرفع، ويسمع نفسه ومن يليه؛ لئلا يشهر نفسه بين أهل المسجد بأنه حاج

стр. 4784

ويخاف فتنته؛ وهذا مأمون في المسجدين؛ لأن جميع من فيه بتلك الصفة، والمرأة لا ترفع صوتها بالتلبية؛ لأن صوتها عورة. قوله: "فلما كان يوم النحر أحرمنا بالحج" إشارة إلى أنهم كانوا فسخوا حجهم أولاً في عمرة، فطافوا بالبيت والصفا والمروة وأحلوا، ثم أحرموا بالحج أيضاً يوم النحر. قوله: "فلما كان عمر ﵁" أراد أنه لما ولي الخلافة منع الناس، عن فسخ الحج في العمرة، وقال: هذا كان رخصة من النبي ﵇ لأصحابه، والآن قد انطلق به رسول الله، ﵇، فأتموا الحج، يعني لا تفسخوه بعد الشروع فيه في عمرة، فإن هذا حكم كان، ثم انتسخ. قوله: "ويدخل في هذا .... " إلى آخره، من كلام الطحاوي: ﵀ أي يدخل فيما ذكر عن أبي [سعيد] (١) الخدري من أن عمر ﵁ أمرنا بإتمام الحج والعمر حديث أبي موسى الأشعري الذي مضى ذكره في أوائل هذا الباب، وهو ما رواه طارق بن شهاب عنه قال: "قدمت على رسول الله ﵇ وهو منيخ بالبطحاء"، وفيه: "فكنت أفتي الناس بذلك، حتى كان زمن عمر بن الخطاب .. إلى آخره" وأراد أنه كان يفتي الناس بفسخ الحج في العمرة، فلما كان زمن عمر بن الخطاب منع الناس عن ذلك. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد، عن عاصم، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁ قال: "متعتان فعلناهما على عهد رسول الله ﵇ نهى عنهما عمر ﵁ فلن نعود إليهما". ش: إسناده صحيح. وابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي، وسليمان بن حرب الواشجي شيخ البخاري وأبي داود، وحماد هو ابن سلمة، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، وأبو نضرة المنذر بن مالك.

стр. 4785

وأخرجه مسلم (١): حدثني حامد بن عمر البكراوي، قال: ثنا عبد الواحد، عن عاصم، عن أبي نضرة قال: "كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آت فقال: إن ابن عباس وابن الزبير ﵃ اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ﵇ ثم نهانا عنهما عمر ﵁ فلم نعدلهما". قوله: "متعتان" مبتدأ، والمسوغ لوقوعه مبتدأ كونه موصوفًا بقوله: "فعلناهما" وخبره قوله: "نهى عنهما عمر ﵁". قوله: "على عهد رسول الله ﵇" أي في أيامه وزمانه. وأراد بالمتعتين: متعة النساء، ومتعة فسخ الحج في العمرة، بدليل أن المتعة بالعمرة إلى الحج قد عمل بها الصحابة كثيرًا. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني كثير بن عبد الله -رجل من مزينة- عن بعض أجداده -أو أعمامه- أنه قال: "ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخه بعمرة". ش: عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد، ذكر عن قريب. وكثير بن عبد الله بن عمرو المزني المدني فيه كلام كثير، فعن يحيى: ليس بشيء. وعن أبي داود: كان أحد الكذابين. وعن أبي زرعة: واهي الحديث ليس بقوي. وعن النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وعن ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب، ولا الرواية عنه إلاَّ على جهة التعجب. ومع هذا صحح له الترمذي. قاله صاحب التكميل، وقال يحيى: كان لجده صحبة. قلت: جده عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، ملحة بن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو بن أدّ بن طانجة ابن إليالس بن مضر أبو عبد الله المزني، كان قديم الإِسلام، يقال: إنه قدم مع النبي ﵇ المدينة، ويقال: إن أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائيين في غزوة تبوك.

стр. 4786

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: ثنا محمد ابن جعفر، عن كثير بن عبد الله، عن بكر بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن هلال صاحب النبي ﵇ مثله. ش: إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة، أبو يعقوب الفروي المدني، شيخ البخاري وأبي داود، ووهَّاه أبو داود جدًّا. ومحمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني روى له الجماعة. وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قد مرَّ ذكره الآن. وبكر بن عبد الله المزني، ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين. وعبد الله بن هلال المزني الصحابي عداده في أهل المدينة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا يحيى بن أيوب العلاف، ثنا سعيد بن أبي مريم، نا محمد بن جعفر، نا كثير بن عبد الله، عن بكر بن عبد الرحمن المزني، عن عبد الله بن هلال المزني صاحب النبي ﵇ قال: "ليس لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخ حجه بعمرة". ص: فقد بين رسول الله ﵇ فيما ذكرنا عنه في هذه الآثار أن ذلك الفسخ الذي كان أمر به أصحابه خاصًّا لهم، ليس لأحد من الناس بعدهم، وخلطنا بما روي عن النبي ﵇ في ذلك ما رويناه عمن ذكرنا في هذا الفصل من أصحابه؛ لأن ذلك عندنا مما لا يجوز أن يكونوا قالوه بآرائهم، وإنما [قالوه] (٢) من جهة ما وقِّفوا عليه، فهم فيما قالوا من ذلك كمن أضاف إلى النبي ﵇، فقد ثبت بتصحيح هذه الآثار أن الخروج من الحج لا يكون بالطواف بالبيت.

стр. 4787

ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي رواها في هذا الباب، وأراد بقوله: "فقد بيَّن رسول ﵇" ما بينه في حديث بلال بن الحارث ﵁ وأراد بقوله: "وخلطنا بما روى عن النبي ﵇ في ذلك ما رويناه عمن ذكرنا في هذا الفصل" أي الفصل الثاني الذي ذهب إليه أهل المقالة الثانية ما رواه عن جماعة من الصحابة ﵃ وهم: أبو ذر الغفاري، وعثمان بن عفان، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وبعض أجداد كثير بن عبد الله، وعبد الله بن هلال المزني ﵃. قوله: "من جهة ما وُقِّفُوا" عليه على صيغة المجهول، أراد أنهم قالوا ذلك من جهة التوقيف من النبي ﵇؛ لأن ذلك ليس مما يعلم بالرأي. فإن قيل: وكيف يكون ذلك وقد قال ﵇ لسراقة بن مالك: "بل لأبد الأبد" حين قال: "يا رسول الله هي لنا أو للأبد" وفي رواية "لعامنا هذا أم للأبد"؟ قلت: أراد به سراقة: عمرتنا هذه في أشهر الحج لنا في هذا العام أو للأبد -أو لعامنا هذا أم للأبد- فأجاب رسول الله ﵇ فقال: هي للأبد، وذلك لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة إلا في غير أشهر الحج، فلما أمرهم النبي ﵇ بأن يجعلوا حجتهم عمرة وكان ذلك في أشهر الحج اشتبه على سراقة أن هذا في هذه السنة أم للأبد، فأزال رسول الله ﵇ ما شك فيه بقوله: "بل هي للأبد"، ألا ترى كيف صرَّح في رواية النسائي بقوله: "يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أو للأبد؟ قال: هي للأبد"، فثبت من هذا شيئان: الأول: أن الفسخ كان لهم خاصة. والثاني: أن إجازة العمرة في أشهر الحج كان لهم وللناس من بعدهم إلى يوم القيامة. قوله: "لا يكون بالطواف بالبيت" أراد به الطواف قبل وقوفه بعرفة، وفي بعض النسخ: "لا يكون إلاَّ بالطواف بالبيت" فإن صح هذا فيكون المراد من الطواف هو طواف الزيارة يوم النحر؛ لأن المحرم لا يخرج منه إلاَّ يوم النحر، فافهم.

стр. 4788

ص: وقد أنكر قوم فسخ الحج، وذكروا ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﵇ حجَّاجًا، فما حللنا من شيء أحرمنا به حتى كان يوم النحر". فمن الحجة على من احتج بهذا: أن بكر بن عبد الله قد روى عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ وأصحابه قدموا مكة ملبين بالحج، فقال: من شاء أن يجعلها عمرة فليفعل، إلاَّ من كان معه الهدي". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في هذا الباب. ففي هذا أن رسول الله ﵇ جعل لهم أن يحلوا إن شاءوا إلاَّ أنه عزم عليهم بذلك، فيجوز أن يكونوا لم يحلوا وقد كان لهم أن يحلوا، فقد عاد ذلك في فسخ الحج لمن شاء أن يفسخه إلى عمرة. ش: أراد بالقوم هؤلاء طائفة من أهل الحديث؛ فإنهم أنكروا فسخ الحج في العمرة، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر ﵁ أخرجه عن أحمد ابن داود المكي شيخ الطبراني، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بشيء، وعنه: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: كان صدوقًا. وقال ابن حبان: ثقة. عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": عن زهير، عن عبد الله بن مسلمة، عن عبيد الله، عن نافع نحوه. وجه استدلالهم به أنه يدل على أنهم لم يحلوا بعد الطواف بالبيت ولم يفسخوا حجهم في عمرة، وأجاب عنه الطحاوي بقوله: "فمن الحجة على من احتج بهذا ... " إلى آخره.

стр. 4789

بيانه: أن بكر بن عبد الله المزني روى عن عبد الله ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ وأصحابه قدموا مكة ملبين .... الحديث". أخرجه بإسناد صحيح في هذا الباب، عن محمد بن خزيمة، عن حجاج، عن حماد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر ﵄. وهذا يدل على أنه ﵇ أباح لهم أن يحلوا إن شاءوا الإِحلال ولم يعزم عليهم ذلك، فيجوز أن يكونوا لم يحلوا مع كون الإِحلال جائزًا لهم، فيصير هذا فسخ الحج في العمرة لمن شاء أن يفسخه. والحاصل أنه يُفهم من ذلك جواز فسخ الحج في العمرة لهم، وإن كانوا لم يفعلوا ذلك لأنه ﵇ خيرهم فيه، فكان لهم أن يفعلوا وكان لهم أن يتركوا لأنه لم يعزم عليهم، فثبت بذلك الفسخ، على أن الظاهرية ادعوا أنه ﵇ عزم به عليهم، حتى قالوا: إن الفسخ واجب إلى الآن ولم ينسخ حكمه. ونحن نقول: الفسخ كان مباحًا لهم ولكنه انتسخ بما ذكرناه. والله أعلم. قوله: "لا أنه عزم عليهم" أي لا أنه فرض عليهم الإِحلال بعد الطواف بالبيت. ص: وقد روي عن عائشة ﵂ أيضاً في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة ومنا [من] (١) أهلّ بحج، وأهلّ رسول الله ﵇ بالحج، فاما من أهلّ بعمرة فحل، وأما من أهلّ بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحل، حتى كان يوم النحر". فقد يجوز أن يكون ذلك عندها كما كان عند ابن عمر على ما ذكرنا.

стр. 4790

ش: أي قد روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في ما ذكرنا من المعنى في حديث بكر بن عبد الله، عن ابن عمر، ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن مالك بن أنس ... إلى آخره. وذكره بعين هذا الإِسناد في باب: ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع، وقد ذكرنا هناك أن الجماعة غير الترمذي أخرجوه، فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك. والنسائي (٤): عن محمد بن مسلمة، عن مالك. وابن ماجه (٥): عن أبي مصعب، عن مالك. قوله: "فقد يجوز أن يكون ذلك عندها" أي عند عائشة "كما كان عند عبد الله بن عمر ﵄" يعني كما أن في حديث ابن عمر لم يحلوا إلاَّ يوم النحر، مع كون الإِحلال جائزًا لهم بتخيير النبي ﵇ إياهم في ذلك، فكذلك يجوز أن يكون معنى حديث عائشة كذلك على معنى أنهم لم يحلوا إلاَّ يوم النحر مع كون الإِحلال جائزًا لهم، والله أعلم. ص: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما وجه ذلك من طريق النظر فإنا قد وجدنا الأصل أن من أحرم بعمرة وطاف لها وسعى أنه قد فرغ منها، وله أن يحلق ويحل، هذا إذا لم يكن ساق هديًا، ورأيناه

стр. 4791

إذا كان قد ساق هديًا لمتعة، وطاف لعمرة وسعى لم يحل من عمرته حتى يوم النحر، فيحل منها ومن حجته إحلالًا واحدًا، وبذلك جاءت السُنة عن رسول الله ﵇ جوابًا لحفصة ﵂ لما قالت له: "ما بال الناس حلُّوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني لَبَّدت رأسي وقلدت بُدني، فلا أُحِل حتى أنحر". فكان الهدي الذي ساق لمتعته التي لا يكون عليه فيها هدي إلاَّ بأن يحج [بعدها] (١) يمنعه من أن يحل بالطواف حتى يوم النحر؛ لأن عقد إحرامه هكذا كان: أن يدخل في عمرة فيتمها فلا يحل منها حتى يحرم بحجة، ثم يحل منها ومن العمرة التي قدمها قبلها معًا، وكانت العمرة لو أحرم بها منفردة حل منها بفراغه منها إذا حلق ولم ينتظر به يوم النحر، وكان إذا ساق الهدي لحجة يحرم بها بعد فراغه من تلك العمرة بقي على إحرامه إلى يوم النحر، فلما كان الهدي الذي هو من سبب الحج يمنعه الإِحلال بالطواف بالبيت قبل يوم النحر، كان دخوله في الحج أحرى أن يمنعه من ذلك إلى يوم النحر، فهذا هو النظر أيضًا عندنا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي فهذا الذي ذكرناه وجه هذا الباب من طريق التوفيق بين الآراء وتصحيح معانيها. وأما وجهه من طريق النظر والقياس فإنا قد وجدنا ... إلى آخره. تلخيصه: أن المعتمر يحل بمجرد الطواف والسعي ما لم يكن سائق هدي، فإن كان سائق هدي لأجل التمتع لا يحل إلاَّ يوم النحر، فيحل منها ومن حجته التي تمتع بها إلى العمرة بإِحلال واحد، فإذا كان سوق الهدي لأجل تمتعه بالحج إلى العمرة يمنعه من الإِحلال بالطواف بالبيت قبل يوم النحر، كان دخوله في الحج من الابتداء أحرى أن يمنعه من الإِحلال بالطواف بالبيت قبل يوم النحر.

стр. 4792

قوله: "وبذلك جاءت السُنَّة" أي بما ذكرنا من أن الذي يتمتع بحجته إلى عمرته لأجل سوقه الهدي لا يحل إلاَّ يوم النحر إحلالًا واحدًا جاءت السُنَّة عن النبي ﵇، وذلك في حديث حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: "يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟! قال: إني لبَّدت رأسي وقلدت هديي، ولا أحل حتى أنحر". رواه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة. ورواه مسلم أيضًا (١): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأخرجه الطحاوي في باب ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع، عن موسى ابن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. وقد مرَّ الكلام فيه مستقصًى. ...

стр. 4793

ص: باب: القارن كم عليه من الطواف لعمرته ولحجته ؟ ش: أي هذا باب في بيان أن القارن -وهو الذي جمع بين العمرة والحج عند الإِحرام- كم عليه أن يطوف لعمرته ولحجته. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ومحمد بن إدريس المكي، قالا: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇ قال: "من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد، وسعيٌ واحد، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا". ش: رجاله ثقات قد تكرر ذكرهم، وعبد العزيز هو الدراوردي، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. وأخرجه الترمذي (١): نا خلاد بن أسلم، قال: نا عبد العزيز بن محمد بن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعًا". وأخرجه النسائي (٢)، ولفظه: "أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف واحدًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يفعله". وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤)، ولفظهما: "أن ابن عمر كان يقول: من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد، ولم يحل حتى يحل منهما جميعَّا". وقد أخرجاه في حديث طويل.

стр. 4794

ص: فذهب قومٌ إلى هذا الحديث، فقالوا: على القارن بين الحج والعمرة طواف واحد لا يجب عليه من الطواف غيره. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وعطاء وطاوسًا وسعيد بن جبير ومجاهدًا وسالم بن عبد الله ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: القارن يجزئه طواف واحد وسعيٌ واحد، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور. قال أبو عمر: وهو قول عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله. ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: بل يطوف لكل واحد منهما طوافًا واحدًا ويسعى لها سعيًا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي، والأسود والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وجابر بن زيد وشريحًا القاضي وابن شبرمة وحماد بن سلمة وزياد بن مالك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: بل القارن يطوف طوافين ويسعى سعين. وروي هذا القول عن عمر وعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين وابن مسعود ﵃. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الحديث خطأ، أخطأ فيه الدراودي فرفعه إلى النبي ﵇ وإنما أصله عن ابن عمر عن نفسه، هكذا رواه الحفاظ، وهم مع هذا فلا يحتجون بالدراوردي عن عبيد الله أصلاً، فلِمَ يحتجون به في هذا؟!. فأما ما رواه الحفاظ في ذلك عن عبيد الله فما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: "ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقول: إذا قرن طاف لهما طوافًا واحدًا، فإذا فرَّق طاف لكل منهما طوافًا وسعى سعيًا".

стр. 4795

ش: أي وكان من الدليل للآخرين في الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الحديث المذكور: أنه خطأ، أخطأ فيه عبد العزيز الدراوردي حيث رفعه، وإنما أصله موقوف على عبد الله بن عمر، هكذا رواه الحفاظ موقوفًا، ولما ذكره الترمذي قال: وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه وهو أصح. وقال أبو عمر في "الاستذكار": لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي، وكل من رواه عنه، غيره أوقفه على ابن عمر، وكذا رواه مالك، عن نافع موقوفًا، وإنما قال الطحاوي: أخطأ فيه الدراوردي؛ لأن أبا زرعة قال: الدراوردي سيء الحفظ. ذكره عنه الذهبي في "الكاشف". وقال النسائي: ليس بالقوي، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يغلط. قوله: "فهم مع هذا فلا يحتجون بالدراوردي". أي وأهل المقالة الأولى مع كون هذا الحديث مرفوعاً، لا يحتجون بعبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر أصلاً؛ لأنهم يقولون: حديثه عن عبيد الله منكر كما قال النسائي، فكيف يحتجون به في هذا الموضع، ومع هذا فالحديث موقوف. قوله: "فأما ما رواه الحفاظ من ذلك ... إلى آخره". أشار به إلى أن الصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عمر، وأنه ليس كما رواه الدراوردي بصورة الإِطلاق أن من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد، بل الصحيح منه أنه بالتفصيل، وهو الذي رواه الحفاظ عن عبيد الله، منهم: هشيم بن بشير، رواه عنه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: "إذا قرن -يعني إذا جمع- بين العمرة والحج من ابتداء الأمر بنية واحدة طاف لهما طوافًا واحدًا، فإذا فرق بأن نوى أولاً للعمرة ثم بعد ذلك نوى للحج، طاف لكل واحد منهما طوافًا، وسعى لكل منهما سعيًا"، أخرج ذلك بإسناد صحيح عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁.

стр. 4796

ص: فإن قال قائل: قد روى أيوب بن موسى وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ ما يعود معناه إلى معنى ما روى الدراوردي، وذكر في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع: "أن ابن عمر خرج من المدينة إلى مكة -شرفهما الله تعالى- مهلًّا بعمرة مخافة الحصر، ثم قال: ما شأنهما إلاَّ واحد، أشهدكم أني قد قرنت إلى عمرتي حجة، ثم قدم وطاف لهما طوافًا واحدًا، وقال: هكذا فعل رسول الله ﵇". حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ... مثله. فقد وافق هذا ما روى الدراوردي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. ش: تقرير السؤال: أن يقال: إنكم قد خطأتم الدراوردي في رفعه الحديث عن عبيد الله، بالإِطلاق المذكور في متنه بدون تفصيل، وقد روى أيوب بن موسى وموسى بن عقبة كلاهما، عن نافع، عن ابن عمر ما معناه مثل معنى ما رواه الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر في رفع الحديث وإطلاقه بلا تفصيل، ثم ثنَّى ذلك بقوله: "وذكر في ذلك". أي: وذكر هذا القائل فيما ادعاه ما حدثنا ... إلى آخره. وهذان طريقان: الأول: في حديث أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أبي موسى المكي، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي، وروى له الجماعة. أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.

стр. 4797

وأخرجه الطحاوي بعينه سندًا ومتنًا في باب: ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع. الثاني: في حديث موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، روى له الجماعة. أخرجه أيضًا عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد المذكور، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. وهذا أيضًا ذكره في الباب المذكور. قوله: "قالوا". أي أهل المقالة الأولى، فقد وافق هذا أي الذي رواه أيوب بن موسى وموسى بن عقبة ما رواه الدراوردي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فصح أن الحديث مرفوع مثل ما رفعه الدراوردي على الصورة المذكورة. ص: قيل لهم: فكيف يجوز أن تقبلوا هذا عن ابن عمر، وقد حدثنا يزيد بن سنان، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر قال: "تمتع رسول الله ﵇ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﵇ فأهلَّ بالعمرة ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﵇ بالعمرة إلى الحج". فهذا ابن عمر يخبر عن رسول الله ﵇ أنه كان في حجة الوداع متمتعًا، وأنه بدأ بالعمرة، وقد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ وأصحابه قدموا ملبين بالحج، فقال رسول الله ﵇: من شاء أن يجعلها عمرة، إلاَّ من كان معه الهدي". فأخبر ابن عمر ﵄ في حديث بكر هذا أن رسول الله ﵇ قدم مكة وهو يلبي بالحج، وقد أخبر في حديث سالم أن رسول الله ﵇ بدأ فأحرم بالعمرة فهذا معناه عندنا -والله أعلم- أنه كان أحرم أولاً بحجة على أنها حجة ثم فسخها فصيرها عمرة، فلبى بالعمرة ثم تمتع بها إلى الحج، حتى يصح حديث سالم وبكر هذين

стр. 4798

ولا يتضادان، وفسخ رسول الله ﵇ الحج الذي كان فعله وأمر به أصحابه هو بعد طوافهم بالبيت، قد ذكرنا ذلك في باب فسخ الحج، فأغنانا ذلك عن إعادته ها هنا، فاستحال بذلك أن يكون الطواف الذي كان رسول الله ﵇ فعله للعمرة التي انقلبت إليها حجته مُجزيًّا عنه من طواف حجته التي أحرم به بعد ذلك، ولكن وجه ذلك عندنا -والله أعلم-: أنه لم يطف لحجته قبل يوم النحر؛ لأن الطواف الذي يفعل قبل يوم النحر في الحجة إنما يفعل للقدوم لا لأنه من صلب الحجة، فاكتفى ابن عمر بالطواف الذي كان فعله بعد القدوم في عمرته عن إعادته في حجته، وهذا مثل ما روي عن ابن عمر أيضًا من فعله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ كان إذا قدم مكة رَمَل بالبيت، ثم طاف بين الصفا والمروة، وإذا لبَّى من مكة بها لم يرمل بالبيت، وأخَّر الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر، وكان لا يرمل يوم النحر. فدلَّ ما ذكرنا أن ابن عمر ﵄ كان إذا أحرم بالحجة من مكة لم يطف لها إلى يوم النحر، فكدلك ما روي عن رسول الله ﵇ من إحرامه بالحجة التي أحرم بها بعد فسخ حجته الأولى لم يكن طاف لها بك يوم النحر، فليس في حديث ابن عمر، عن النبي ﵇ من حكم طواف القارن لعمرته وحجته شيء، وثبت بما ذكرنا أيضًا خطأ الدراوردي في حديث عبيد الله الذي وصفناه. ش: بيان هذا الجواب يحتاج إلى تمهيد كلام قبله، وهو أن أخبار ابن عمر في هذا الباب مضطربة ظاهرها متضادٌ، ألا ترى أن سالمًا روى عنه أنه قال: "تمتع رسول الله ﵇ في حجة الوداع ... " الحديث. أخرجه عن يزيد بن سنان القزاز، وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم.

стр. 4799

وذكره بعينه في باب: ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع. فهذا ابن عمر يخبر في حديثه هذا أنه ﵇ كان في حجة الوداع متمتعًا، وأنه بدأ فأحرم بالعمرة أولاً، وروى عنه بكر بن عبد الله: "أن النبي ﵇ وأصحابه قدموا ملبين بالحج ... " الحديث. أخرجه عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر. وذكره أيضًا بعينه في باب: من أحرم بحجة فطاف لها قبل أن يقف بعرفة. فهذا ابن عمر يخبر في حديثه هذا أنه ﵇ قدم مكة وهو يلبِّي بالحج، فبين الخبرين تضاد لا يخفى. وأشار إلى وجه التوفيق بينهما دفعًا للتضاد المذكور بقوله: "فهذا معناه عندنا، والله أعلم". بيانه أن يقال: إنه ﵇ كان أحرم أولاً بحجة على أنها حجة، ثم فسخها فجعلها عمرة فلبَّى بالعمرة، ثم تمتع بهذه العمرة إلى الحج، ولكن كان فسخه الحج الذي كان فعله وأمر به أصحابه بعد طوافهم بالبيت على ما ذكره في باب فسخ الحج، فإذا كان كذلك استحال أن يكون الطواف الذي كان رسول الله ﵇ فعله للعمرة التي انقلبت عنها حجته كافيًا عنه عن طواف حجته التي أحرم بها بعد ذلك، ولكن وجهه أنه لم يطف لحجته قبل يوم النحر؛ لأن الطواف الذي يفعل قبل يوم النحر يفعل للقدوم، وليس ذلك من صلب الحج، وهو معنى قوله: "لا لأنه من صلب الحج" أي لا يفعل ذلك لأجل أنه أن صلب الحج، ولكن ابن عمر ﵄ اكتفى بالطواف الذي كان فعله بعد القدوم في عمرته عن إعادته في حجته، وهذا مثل ما روي عنه من فعله: "أنه كان إذا قدم مكة رمل بالبيت، ثم طاف بين الصفا والمروة، وإذا لبَّى من مكة لم يرمل بالبيت، وأخر الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر، وكان لا يرمل يوم النحر". أخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد ابن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عنه.

стр. 4800

وأخرجه مالك في "موطأه" (١) عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وكان لا يرمل إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة" انتهى. فإذا ثبت هذا فقد دلّ على أن ابن عمر كان إذا أحرم من مكة لم يطف لها إلى يوم النحر، فكذلك ما روي عن النبي ﵇ من إحرامه بالحجة التي أحرم بها بعد فسخه حجته الأولى لم يكن طاف لها إلى يوم النحر، فإذا كان كذلك فكيف يجوز أن نقبل ما ذكروه عن ابن عمر في الاحتجاج فيما ذهبوا إليه؟! وليس في حديثه عن النبي ﵇ ما يبين حكم طواف القارن لعمرته وحجته، فدل ذلك أيضًا على خطأ الدراوردي في رفعه الحديث عن عبيد الله بن عمر. والله أعلم. ص: واحتج أهل المقالة الأولى بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك (ح). وحدثنا يونس، قال: أخبرني ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في حجة الوداع، فأهللنا بالعمرة، ثم قال رسول الله ﵇: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﵇، فقال: انقضى رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحج، ودعى العمرة، فلما قضيت الحج، أرسلني رسول الله ﵇ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك، قالت: فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجتهم، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحداً".
следующие страницы →