← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

قلت: كل هذا متفق عليه، لأن اليمانيين على أسّ البيت، والآخران ليسا بركنين صحيحين؛ لأن الحِجْر وراءهما، ألا ترى أن عبد اللَّه بن الزبير كان يستلم الأركان كلها؛ لأنه كان بني البيت على قواعده الأربع، فكانت أركانها كلها، ولو بنى الآن على ما بناه ابن الزبير لاستلمت كلها كما فعل ابن الزبير ﵄. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا زهير بن عبَّاد، قال: ثنا عتَّاب بن بشير الجزري، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أن معاوية بن أبي سفيان طاف بالبيت الحرام، فجعل يستلم الأركان كلها، فقال ابن عباس: لِمَ يستلم هذين الركنين ولم يكن رسول اللَّه يستلمهما؟! فقال معاوية: ليس من البيت شيء مهجور، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول اللَّه ﵇ أسوة حسنة قال: صدقت". فهذه الآثار كلها تخبر عن رسول اللَّه ﵇ أنه لم يكن يستلم في طوافه غير الركنين اليمانيين، ومع هذه الآثار من التواتر ما ليس مع الأثر الأول. ش: زهير بن عبَّاد الرؤاسي قال الدارقطني: مجهول. وليس كذلك؛ لأنه ابن عم وكيع بن الجراح كوفي نزل مصر، ووثقه أبو حاتم، وروى عنه، وعتاب بن بشير الجزري أبو سهل الحراني شيخ ابن راهويه، عن أحمد: أرجو ألَّا يكون به بأس، وعنه: أحاديث عتَّاب عن خصيف منكرة. وعن يحيى بن معين: ثقة. روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. وخصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون الحراني مولى عثمان بن عفان فيه مقال؛ فعن أحمد: ليس بحجة ولا قوي في الحديث، وعنه: ضعيف الحديث، وعنه: ليس بذاك. وعن ابن معين: صالح. وعن أبي زرعة والعجلي: ثقة، روى له الأربعة. وأخرجه البخاري (١): ثنا (٢) محمد بن بكر، أنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن

стр. 4727

دينار، عن أبي الشعثاء أنه قال: "ومن يتقي شيئًا من البيت؟ فكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنه لا يستلم (هذين الركنين) (١)، فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن". وأخرج الشافعي في "مسنده" (٢): ثنا سعيد، أنا موسى الربذي، عن محمد بن كعب: "أن ابن عباس كان يمسح على الركن اليماني والحجر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت اللَّه أن يكون شيءٌ منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة". قوله: "ومع هذه الآثار" أراد بها أحاديث عبد اللَّه بن عمر وابن عباس. "من التواتر" أي التكاثر والتظاهر، ولم يرد به التواتر المصطلح عليه. وأراد "بالأثر الأول" حديث جابر بن عبد اللَّه الذي احتجت به أهل المقالة الأولى. ص: فكان من الحجة عندنا -والله أعلم- لمن ذهب إلى هذه الآثار أيضًا، على من ذهب إلى ما خالفها: أن الركنين اليمانيين مبنيان على منتهى البيت مما [يليهما] (٣) والآخران ليسا كذلك؛ لأن الحِجْر وراءهما و [هو] (٤) من البيت، وقد أجمعوا أن ما بين الركنين اليمانيين لا يستلم؛ لأنه ليس بركن للبيت، فكان يجيء في النظر أن يكون كذلك الركنان الآخران لا يستلمان؛ لأنهما ليسا بركنين للبيت. ش: أراد بالحجة الدليل من حيث النظر والقياس، لأهل المقالة الثانية، بيانه: أن ركن البيت إنما يستلم لكونه من منتهى البيت، وليس من أركان البيت على منتهى البيت إلَّا الركنان اليمانيان: الركن اليماني والركن الأسود، وأما الركنان الآخران فليسا كذلك؛ لأن الحِجْر وراءهما، وهما في نفس البيت وليسا على منتهى البيت، وقد أجمعوا على أن ما بين الركنين اليمانيين لا يستلم لكونه ليس بركن للبيت،

стр. 4728

فالنظر والقياس على ذلك ألَّا يستلم الركنان الآخران؛ لأنهما ليسا بركنين للبيت، فلذلك استلم ابن الزبير جميع الأركان لأنه لما بناه على قواعد إبراهيم صارت الأركان كلها على منتهى البيت، ولو فرضنا أنه لو بني اليوم على ما بناه ابن الزبير كان ينبغي أن تستلم الأركان كلها، فأفهم. قوله: "لأن الحِجْر" بكسر الحاء وسكون الجيم هو اسم للحائط المستدير إلى جنب الكعبة الغربي، ويسمي حجر إسماعيل ﵇، والحطيم أيضًا، وهو من البيت، ولهذا لا يجوز الطواف إلَّا من ظاهره، حتى إذا طاف من باطنه لا يعتد من الطواف، على ما يجيء الآن. ص: وقد روي عن رسول اللَّه ﵇ في الحِجْر أنه من البيت ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂ قالت: "سألت رسول اللَّه ﵇ عن الحِجْر، فقال: هو من البيت، فقلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: عجزت بهم النفقة". حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو الأحوص، عن الأشعث، عن الأسود بن يزيد، قال: قالت عائشة ﵂: "سألت رسول اللَّه ﵇ عن الحِجْر: أمِنَ البيت هو؟ قال: نعم. قالت: ما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، فقلت: ما شأن بابه مرتفع؟ قال: فعل قومك ليدخلوا من شاءوا [ويمنعوا من شاءوا] (١)، ولولا أن قومك [حديثو] (٢) عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم ذلك، لنظرت أن أُدْخلِ الحِجْر في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليم بن حيَّان، قال: ثنا سعيد ابن مينا، قال: ثنا عبد اللَّه بن الزبير، قال: حدثتني عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﵇

стр. 4729

قال: "لولا أن قومك [حديثو] (١) عهد بالجاهلية؛ لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وَلَزِدْتُ ستة أذرع من الحجر في البيت، إن قريشًا استقصرته لما بَنَت البيت". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد اللَّه بن أبي بكر السهمي، قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة أن عبد الملك بن مروان [بينما هو يطوف بالبيت إذ قال قائل: عبد اللَّه بن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين] (٢) يقول: سمعتها وهي تقول: "إن رسول اللَّه ﵇ قال: يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجْر. فقال الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تقوله، قال: وددت أني قد كنت سمعت هذا منك قبل أن أهدمه فتركته". ش: ذكر حديث عائشة هذا دليلًا على كون الحِجْر من البيت. وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن ربيع المؤذن ... إلى أخره. وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبيد اللَّه -يعني ابن موسى- قال: ثنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂[قالت] (٤): "سألت رسول اللَّه ﵇ ... " إلى آخره. قوله: "هو من البيت" أي الحِجْر من البيت، وإنما لم يُدْخِلُوه في البيت؛ لأنهم عجزوا عن النفقة، ولم يقدروا على إدخاله في البيت، وروي عن ابن الزبير أنه

стр. 4730

قال (١): أخبرتني عائشة أن رسول اللَّه ﵇ قال: "لولا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة؛ فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحِجْر ضاقت بهم النفقة والخشب". قوله: "ما منعهم" أي ما منع قريشًا أن يُدْخِلُوا الحِجْر في البيت حين بنوه، وكان بين بناء قرش البيت وبين ما أنزل على النبي ﵇ الوحي خمس سنين، فيكون بنيانهم وعمر النبي ﵇ خمسة وثلاثون سنة. وروى عبد الرزاق (٢)، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: "كان -يعني البيت- عرشًا يقتحمه العَنْزُ، حتى إذا كان قبل مبعث النبي ﵇ بَنَتْه قريش". وذكر عبد الرزاق أيضًا (٣): عن ابن جريج، عن عطاء وابن المسيب وغيرهما "أن اللَّه تعالى أوحى إلى آدم: إذا هبطت إلى الأرض أن ابْنِ لي بيتًا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بعرشي الذي في السماء. قال عطاء: فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، ومن طور سيناء، ومن لبنان، ومن الجودي ومن طور زيتا وكان ربضه من حراء، فهذا بناء آدم، ثم بناه إبراهيم ﵇". وروى (٤) عبد المنعم بن إدريس، عن وهب بن منبه قال: "أول من بنى الكعبة من الطين والحجارة شيث ﵇ وكانت هناك صخرة لآدم ﵇ وضعها اللَّه له من الجنة"، وعن عبد اللَّه بن عمرو قال (٥): "لما أهبط اللَّه تعالى آدم من الجنة قال: إني مهبط معك -أو منزل معك- بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان رفع، فكانت الأنبياء ﵈ يحجونه ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه اللَّه لإبراهيم وأعلمه

стр. 4731

مكانه، فبناه من خمسة أجبل: حراء، وثبير، ولبنان، والطور، وجبل الخَمَر" قال أبو جعفر: هو جبل بالشام، وعن أبان: "أن البيت أهبط ياقوته أو درة واحدة"، وقال عطاء: "أنزل اللَّه ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلما كان الطوفان رفع اللَّه تلك الياقوتة حتى بعث اللَّه إبراهيم ﵇ لبنائه"، وقال مجاهد: "كان موضع البيت على الماء قبل خلق السماوات والأرض مثل الزبدة البيضاء ومن تحته دُحِيَتْ الأرض". وقال أيضًا: "خلق اللَّه موضع البيت قبل أن يخلق شيئًا في الأرض بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة". وقال كعب الأحبار: "كان البيت غثاء على الماء قبل أن تخلق الأرض بأربعين سنة" وفي كتاب الأزرقي: جعل إبراهيم ﵇ طول بناء الكعبة في السماء تسعة أذرع وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا، وكانت بغير سقف، ولما بنتها قريش جعلوا طولها ثماني عشرة ذراعًا في السماء، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرًا تركوها في الحجر، ولما بناها ابن الزبير ﵁ جعل طولها في السماء سبعًا وعشرين ذراعًا، ولم يغير الحَجَّاج طولها حين هدمها وهو إلى الآن. وفي "شرح المهذب": بَنَته الملائكة قبل آدم، وحجَّه آدم، وفي "الروض" أول من بناه شيث ﵇ وكان قبل أن يبنيه خيمة من ياقوتة حمراء، وطوف بها آدم وتأنس بها؛ لأنها أنزلت من الجنة. وقيل: إنه بُني في أيام جرهم مرةً أو مرتين؛ لأن السيل كان قد صدع حائطه. وقيل: لم يكن بنيانًا إنما كان إصلاحًا لما وهن منه، وبنى عامر بن الجادر جدارًا بينه وبين السيل. الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن الربيع بن سليمان الكوفي شيخ الجماعة غير الترمذي، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد.

стр. 4732

وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، نا أبو الأحوص، نا الأشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "سألت النبي ﵇ عن الجدار، أَمِنَ البيت ... " إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم (٢): عن سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن الأشعث ... إلى آخره نحوه. ومن فوائد هذا الحديث: أن الحِجْر من البيت؛ ولهذا أجمع العلماء على أن الطواف من ورائه، وإنما اختلفوا فيمن صلى فيه هل يجوز أم لا؟ ومنها ترك بعض الأمور التي يستصوب عملها إذا خيف تولد ما هو أضرّ من تركه واستئلاف الناس على الإِيمان وتسهيل الأمور عليهم. الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن سَليم -بفتح السين وكسر اللام- ابن حيان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- الهذلي البصري، عن سعيد بن مينا -بكسر الميم وبالمد والقصر- المكي، عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄. وأخرجه مسلم (٣): حدثني محمد بن حاتم، قال: حدثني ابن مهدي، قال: ثنا سليم بن حيَّان، عن سعيد -يعني ابن مينا- قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير يقول: حدثتني خالتي -يعني عائشة ﵂ قالت: "قال النبي ﵇: يا عائشة، لولا أن قومك [حديثو] (٤) عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيًّا وبابا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة".

стр. 4733

الرابع: عن أبي بكرة أيضًا، عن عبد اللَّه بن بكر السهمي شيخ أحمد، روى له الجماعة، عن حاتم بن أبي صغيرة هو حاتم بن مسلم بن يونس القشيري، وأبو صغيرة أبو أمه وقيل: زوج أمه، روى له الجماعة، عن أبي قزعة سويد بن حجير الباهلي، روى له الجماعة سوى البخاري. وأخرجه مسلم (١): حدثني [محمد بن] (٢) حاتم، قال: نا عبد اللَّه بن بكر السهمي، قال: نا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة ... إلى آخره نحوه. والحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة -واسمه عمرو- بن المغيرة المخزومي القرشي المكي المعروف بالقباع، وكان استعمله عبد اللَّه بن الزبير على البصرة، روى له مسلم، والنسائي ولم يسمه، وأبو داود في "المراسيل". قوله: "قاتل اللَّه" أي قتله، وقيل: لعنه، وقيل: عاداه، وقد ترد هذه اللفظة ولا يراد بها وقوع الأمر، ومنه حديث عمر ﵁: "قاتل اللَّه سَمُرة" (٣). والظاهر أن قول عبد اللَّه بن مروان من هذا القبيل. قوله: "لولا حدثان قومك" حِدْثان الشيء -بكسر الحاء وسكون الدال- أوله، وهو مصدر حَدَثَ يَحْدُثُ حدوثًا وحِدْثانًا، والمراد به قرب عهدهم بالكفر والخروج منه والدخول في الإِسلام، وأنه لم يتمكن الدين في قلوبهم، فلو هدمت الكعبة وغيرتها ربما نفروا من ذلك. ص: فلما ثبت أن الحِجْر من البيت، وأن الركنين اللذين يليانه ليسا بركنين للبيت؛ ثبت أنهما كما بين الركنين اليمانيين لا يستلم، فكذلك هذان أيضًا -في النظر- لا يستلمان.

стр. 4734

ش: أي فلما ثبت أن الحِجْر -بكسر الحاء وسكون الجيم- من نفس البيت بالأحاديث المذكورة، وثبت أن الركنين اللذين يليان الحِجْر ليسا بركنين؛ لأنهما في وسط البيت وليسا بمنتهاه، وثبت [أنهما] (١) "يستلمان كما لا يستلم ما بين الركنين، على ما يقتضيه النظر والقياس. ص: وقد استدل عبد اللَّه بن عمر ﵄ بما استدللنا به من هذا في ترك رسول اللَّه ﵇ استلام ذينك الركنين. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ أخبر عبد اللَّه بن عمر، عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ قال: "ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ﵊؟ قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أفلا تردها على قواعد إبراهيم ﵇؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر. قال: فقال عبد اللَّه بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت ذلك من رسول اللَّه ﵇ ما أرى رسول اللَّه ﵇ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمَّم على قواعد إبراهيم ﵇". فثبت بهذه الآثار ما ذكرنا، وأنه لا ينبغي أن يستلم من أركان البيت إلَّا الركنين اليمانيين، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: ذكر هذا شاهدًا لاستدلاله لترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر وتأييدًا له؛ وذلك لأن ابن عمر أخبر في حديثه أنه ﵇ إنما ترك استلام هذين الركنين لكون البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم، كما قلنا إنهم لما قصرت بهم النفقة اقتصروا على ما هو عليه الآن، وبقي الحجر الذي هو من نفس البيت خارج البيت، حتى لو بني البيت على قواعد إبراهيم ﵇ لكان ينبغي أن تستلم الأركان كلها؛ لأن كلها حينئذٍ تصير على منتهى البيت .. ثم رجال الحديث المذكور كلهم رجال الصحيح.

стр. 4735

وأخرجه البخاري (١): عن عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. والنسائي (٣): عن محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك نحوه. قوله: "ألم تري [أن] (٤) قومك" أراد بهم قريشًا؛ لبنيانهم الكعبة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ (٥) قال المفسرون: يعني قريشًا. قوله: "على قواعد إبراهيم ﵇" جمع قاعدة، وهي الأساس. قوله: "لئن سمعت عائشة بذلك" ليس على طريق التضعيف والتشكيك في روايتها، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا تستراب فيما تنقله، لكن كثيرًا ما يأتي في كلام العرب صور التقرير والتشكيك، والمراد به اليقين كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (٦)، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ...﴾ (٧) الآية. ...

стр. 4736

ص: باب: الصلاة للطواف بعد الصبح وبعد العصر ش: أي هذا باب في بيان حكم الصلاة -وهي الركعتان لأجل الطواف- إذا صلاهما بعد الصبح أو بعد العصر: هل يكره ذلك أم لا؟ ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن ابن باباه، عن جبير ابن مطعم، رفعه أنه قال: "يا بني عبد المطلب لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. ويونس هو ابن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، وسفيان هو ابن عيينة، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وأبي عبد اللَّه بن باباه ويقال: بَابَي، ويقال: ابن بابيه المكي، روى له الجماعة سوى البخاري، وجبير بن مطعم بن عدي القرشي النوفلي الصحابي ﵁. وأخرجه أبو داود (١): نا ابن السَّرْح والفضل بن يعقوب -وهذا لفظه- قالا: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن عبد اللَّه بن باباه، عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي ﵇[قال: "لا تمنعوا أحدًا يطفو بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار"] (٢) -قال الفضل-: "إن رسول اللَّه ﵇ قال: يا بني عبد مناف ... " إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي (٣): عن أبي عمار وعلي بن خشرم وغير واحدٍ قالوا: نا سفيان ... إلى آخره نحوه. وقال أبو عيسى: حديث جبير حديث حسن صحيح.

стр. 4737

ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم بن يزيد بن مردانبة، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول اللَّه ﵇ قال: "يا بني عبد مناف، إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار". ش: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب محمد بن عبد اللَّه القرشي الأموي البصري، شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه. وحسان بن إبراهيم بن عبد اللَّه الكرماني قاضي كَرمان وأحد أصحاب أبي حنيفة، وثقه يحيى، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود. وإبراهيم بن يزيد بن مردانبه المكي، فيه مقال، فعن ابن معين: ليس بثقة -أو ليس بشيء- وعن أحمد: متروك الحديث. وقال أبو زرعة: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له الترمذي والنسائي وابن ماجه. وعطاء هو ابن أبي رباح. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم الصائغ، حدثني عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: "يا بني عبد مناف، إن (وليتم من هذا الأمر من بعدي) (٢) فلا تمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى إباحة الصلاة للطواف في الليل والنهار، فلا يمنع من ذلك عندهم وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

стр. 4738

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان والقاسم وعروة بن الزبير والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم ذهبوا إلى حديث جبير بن مطعم وابن عباس، فقالوا: تباح الصلاة لأجل الطواف في أي وقت كان من الليل والنهار. وفي "شرح الموطأ" في هذا ثلاثة أقوال: أحدها: إجازة الطواف بعد الصبح وبعد العصر وتأخير الركعتين حتى تطلع الشمس أو تغرب، وهو مذهب عمر وأبي سعيد الخدري ومعاذ بن عفراء وجماعة. وهو قول مالك. والثاني: كراهة الطواف وكراهة الركوع في الوقتين، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وجماعة؛ للنهي عن الصلاة في الوقتين، ولأن الطواف لا يتم إلَّا بالركعتين، وسنتهما أن لا يفرق بينهما. والثالث: إباحة ذلك كله في الوقتين. وبه قال الشافعي، وقاله ابن عمر وابن عباس وابن الزبير والحسين والحسن وعطاء وطاوس والقاسم وعروة. وهو أحد قولي أبي حنيفة، وكره الثوري الطواف في الوقتين، فإن طاف فلا يركع حتى تحل صلاة النافلة، وقاله أبو حنيفة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا حجة لكم في هذه الآثار؛ لأن ما أباح رسول اللَّه ﵇ فيها، وأمر بني عبد مناف أن لا يمنعوا أحدًا منه من الطواف والصلاة هو الطواف على سبيل ما ينبغي أن يطاف، والصلاة على سبيل ما ينبغي أن تصلى، فأما على ما سوى ذلك فلا، أفلا ترى أن رجلاً لو طاف بالبيت عريانًا أو على غير وضوء أو جُنُبًا أن عليهم أن يمنعون من ذلك؟ لأنه طاف على غير ما ينبغي الطواف عليه، وليس ذلك بداخل فيما أمرهم رسول اللَّه ﵇ ألَّا يمنعوا منه من الطواف، فكذلك قوله: "لا تمنعوا أحدًا يصلي" هو على ما أمر أن يصلى عليه من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة في الأوقات التي أبيحت الصلاة فيها، فأما ما

стр. 4739

سوى ذلك فلا، وقد نهى رسول اللَّه ﵇ نهيًا عامًّا عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ونصف النهار، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس، وتواترت بذلك الآثار عن رسول اللَّه ﵇ وقد ذكرت ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من هذا الكتاب. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا وسعيد ابن جبير، والحسن البصري والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا؛ فإنهم كرهوا الصلاة للطواف بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس. قوله: "فقالوا" أي هؤلاء الآخرون، وأراد به نفي صحة استدلال القوم المذكورين بهذه الآثار المذكورة عن ابن عباس وجبير بن مطعم ﵃، بيانه: أن المراد من هذه الآثار هو إباحة رسول اللَّه ﵇ الطواف والصلاة إذا وقعا على سبيل ما ينبغي وقوعهما، وليس المرإد إباحتهما مطلقًا، وكيف يراد الإِطلاق وقد نهى رسول اللَّه ﵇ نهيًا عامًا عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند استوائها، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، وقد مضى ذكر هذا عن ابن عباس وغيره في باب: الركعتين بعد العصر. قوله: "وتواترت بذلك الآثار" أي بالنهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وأراد بالتواتر التكاثر والتظاهر، ولقد ذكرنا هناك أن تسعة عشر من الصحابة ﵃ قد أخرجوا في كراهة الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، وقد أجاب بعضهم عن الحديث المذكور بأنه محمول على الدعاء لا الصلاة الحقيقية، وهو بعيد. وقال آخرون: هو محمول على غير أوقات النهي؛ لأن هذا عامٌّ في الإِباحة وحديث النهي خاص في التحريم، فيحمل على ما عداه، ولأن الإِباحة والتحريم إذا اجتمعا عُمِلَ بالتحريم؛ لأنه الأحوط في الدين.

стр. 4740

فإن قيل: ما تقول فيما أخرجه الدارقطني (١) ثم البيهقي (٢) من حديث عبد اللَّه بن المؤمل، عن جعفر مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، عن أبي ذر، سمعت رسول اللَّه ﵇ يقول: "لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلَّا بمكة يقول ذلك ثلاثاً؟ ". قلت: قال صاحب "البدائع": هذا خبر شاذ فلا يعارض الخبر المشهور. وقلت أنا: ابن المؤمل ضعيف، وجعفر الأعرج ليس بالقوي، ومجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر. ص: وكان مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا بشر بن السري، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عبد اللَّه بن باباه قال: "طاف أبو الدرداء بعد العصر، وصلى قبل مغارب الشمس، فقلت: أنتم أصحاب محمد ﵇ تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فقال: إن هذا البلد ليس كسائر البلدان". فقالوا: فقد دلَّ قول أبي الدرداء على أن الصلاة للطواف لم يدخل فيها نهي عن النبي ﵇ من الصلاة في الأوقات التي ذكرتم. قيل لهم: فأنتم لا تقولون بهذا الحديث؛ لأنا قد رأيناكم تكرهون الصلاة بمكة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لغير الطواف؛ لنهي النبي ﵇ عن الصلاة في تلك الأوقات، ولا تخرجون حكم مكة في ذلك من حكم سائر البلدان، وأبو الدرداء فقد أخرج في الحديث الذي احتجتم به حكم مكة من حكم سائر البلدان في المنع من الصلاة في ذلك وأخبر أن النهي لم يدخل حكمها فيه، وأنه إنما أريد به ما سواها، مع أنه قد خالف أبا الدرداء في ذلك عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 4741

حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: "طاف عمر ﵁ بالبيت بعد الصبح فلم يركع، فلما صار بذي طوى وطلعت الشمس صلى ركعتين". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري مثله. فهذا عمر ﵁ لم يركع حينئذٍ؛ لأنه لم يكن عنده وقت صلاة، وأخَّر ذلك إلى أن دخل عليه وقت الصلاة فصلى، وهذا بحضرة أصحاب رسول اللَّه ﵇ فلم ينكره عليه منهم مُنْكِرٌ، ولو كان ذلك الوقت عنده وقت صلاة للطواف لصلى ولما أخَّر ذلك؛ لأنه لا ينبغي لأحد طاف بالبيت أن لا يصلي حينئذٍ إلَّا من عذر. ش: أي وكان من الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه حديث أبي الدرداء. وأخرجه عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن يعقوب بن حميد شيخ ابن ماجه، فيه مقال وقد تكرر ذكره، عن بشر بن السري البصري أبي عمرو الأفوه نزيل مكة، روى له الجماعة، وفي "الميزان": قال الحميدي: جهمي لا يحل أن يكتب عنه، وهو يروي عن إبراهيم بن طهمان الخراساني أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره، عن عبد اللَّه بن باباه المكي، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عبد اللَّه بن باباه، عن أبي الدرداء: "أنه طاف بعد العصر عند مغارب الشمس، فصلى ركعتين قبل الغروب، فقيل له: أنتم أصحاب رسول اللَّه ﵇ تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فقال: إن هذه البلدة ليست كغيرها". قوله: "فقالوا" أي أهل المقالة الأولى".

стр. 4742

قوله: "قيل لهم: ... إلى آخره" أي قيل لأهل المقالة الأولى في الجواب عن هذا، وهو على وجهين: الأول: أن يقال: أنتم لا تقولون بهذا الحديث لأنكم تكرهون الصلاة بمكة في الأوقات المذكورة إذا كانت لغير الطواف؛ لثبوت النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، مع أنكم لا تخرجون حكم مكة في ذلك من حكم سائر البلاد، والحال أن أبا الدرداء قد أخرج في حديثه حكم مكة من حكم سائر البلاد، فإذن لا يتم استدلالكم بحديثه. والثاني: أنه قد خالف أبا الدرداء فيما ذهب إليه، عمر بن الخطاب ﵁ حيث لم يصل شيئًا بعد أن طاف بعد الصبح حتى طلعت الشمس ثم صلى بذي طوى. وأخرجه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ -بتشديد الياء نسبة إلى قارة بن [الديش، و] (١) هم بنو الهون بن خزيمة، قيل: إن له صحبة. وأخرجه البخاري تعليقًا (٢)، والبيهقي في "سننه" (٣): من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد قال: "صلى عمر ﵁ الصبح بمكة، ثم طاف سبعاً، ثم خرج وهو يريد المدينة، فلما كان بذي طوى [و] (٤) طلعت الشمس صلى ركعتين". وقال أحمد بن حنبل: أخطأ سفيان، وقد خالفوه فقالوا: الزهري عن حميد، قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه ذكر هذا الحديث فقال: ذاك يهم فيه سفيان، يقول: عن

стр. 4743

عروة. قيل له: فهذا نوح بن يزيد رواه عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة أيضًا، فأنكره، فرجعت إلى نوح فأخرجه لي من أصل كتابه، فإذا هو عن عروة، وإذا صالح أيضًا يرويه عن عروة، قال أبو عبد اللَّه: نوح لم يكن به بأس كان متثبتًا، ولعل إبراهيم أن يكون حدَّث من حفظه، وكان ربما حدث بالشيء من حفظه، وكتاب صالح عندي وما أدري كيف قال فيه؟ وقال أبو حاتم: حديث سفيان خطأ. والآخر: عن يونس أيضًا، عن عبد اللَّه بن وهب، عن مالك بن أنس، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: "طاف عمر ... إلى آخره". وأخرجه مالك في موطأه (١). قوله: "بذي طوى" ذكر ابن قرقول أنها بفتح الطاء المهملة وقيدها الأصيلي بخطه بكسرها، ومنهم من يضمها، قال أبو عبيد البكري: بفتح أوله مقصور منون على وزن فعلى: وادٍ بمكة. وقال السهيلي: بأسفل مكة، وفي "المحكم": ذو طوى مقصور وادي بمكة شرفها اللَّه تعالى، وكان في كتاب أبي زيد الأنصاري: ممدودًا، والمعروف أن ذا طوى -بالقصر- وادي بمكة، وذا طواء -ممدود- موضع بطريق الطائف، وقيل: وادٍ. وفي باب ضم الطاء وفتح الواء ذكره الحازمي. وقال القرطبي: ذو طوى بفتح الطاء والقصر، وحكى بعض اللغويين ضم الطاء مع القصر. ص: وقد روي عن معاذ بن عفراء مثل ذلك، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب.

стр. 4744

ش: أي قد روي عن معاذ بن عفراء مثل ما روي عن عمر بن الخطاب ﵄: "أنه طاف بعد العصر وبعد صلاة الصبح فلم يصل، فسئل عن ذلك، فقال: نهى رسول اللَّه ﵇ عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس". ذكره الطحاوي في باب: الركعتين بعد العصر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب، عن شعبة، عن سعد، عن نصر بن عبد الرحمن، عن معاذ بن عفراء. ص: وقد روي مثل ذلك عن ابن عمر ﵄: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا همام، قال: ثنا نافع: "أن ابن عمر قدم عند صلاة الصبح فطاف ولم يصل إلَّا بعد ما طلعت الشمس". ش: أي وقد روي مثل ما روي عن عمر عن ابنه عبد اللَّه بن عمر، أنه طاف بعد الصبح ولم يصل إلَّا بعد طلوع الشمس. أخرجه بإسناد صحيح، عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن همام بن يحيى، عن نافع مولى ابن عمر .. إلى آخره. ويعارضه ما رواه البخاري (١) تعليقًا: "وكان ابن عمر يصلي ركعتين للطواف ما لم تطلع الشمس". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) مسندًا: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عطاء قال: "رأيت ابن عمر طاف بالبيت بعد الفجر وصلى الركعتين قبل طلوع الشمس". ص: والنظر يدل على ذلك أيضًا؛ لأنا قد رأينا رسول اللَّه ﵇ قد نهى عن صيام يوم الفطر ويوم النحر، فكل قد أجمع أن ذلك في سائر البلدان سواء، فالنظر على ذلك أن يكون ما نهى عنه من الصلاة في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها في سائر

стр. 4745

البلدان كلها على السواء، فبطل بذلك قول من ذهب إلى إباحة الصلاة للطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. ش: أي القياس أيضًا يدل على ما ذكره أهل المقالة الثانية، ووجهه ظاهر. ص: ثم اختلف الدين خالفوا أهل المقالة الأولى في ذلك على فرقتين: فقالت فرقة منهم: لا يصلى في شيء من هذه الخمسة الأوقات للطواف كما لا يصلى فيها للتطوع. وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وقد وافقهم في ذلك ما روينا عن عمر ومعاذ بن عفراء وابن عمر ﵃. وقالت فرقة: يصلى للطواف بعد العصر قبل اصفرار الشمس، وبعد الصبح قبل طلوع الشمس، ولا يصلى لذلك في الأوقات الثلاثة البواقي المنهي عن الصلاة فيها. وممن قال ذلك: مجاهد وإبراهيم النخعي وعطاء. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "طف وصلّ ما كنت في وقتٍ، فإذا ذهب الوقت فأمسك". حدثنا أحمد، قال: نا يعقوب، قال: ثنا ابن أبي غنيّة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، مثله. حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عبد اللَّه بن رجاء وعبيد اللَّه بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: "طف -قال عبيد اللَّه بعد الصبح وبعد العصر- وصلِّ ما كنت في وقت -وقال ابن رجاء: في وقت صلاة". ش: "في ذلك" أي فيما ذهبوا إليه من إباحة الصلاة للطواف بعد العصر قبل غروب الشمس وبعد الصبح قبل طلوعها. قوله: "فرقة منهم" أراد بهم: الثوري والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبا حنيفة وصاحبيه.

стр. 4746

وقد وافق هؤلاء -أي مذهبهم- ما روي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه ومعاذ بن عفراء. قوله: "وقالت فرقة" وأراد بهم مجاهدًا وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح. قوله: "حدثنا أحمد بنداود ... إلى آخره" بيان لقوله: "وممن قال ذلك مجاهد ... " إلى آخره. ورجال هذه الآثار قد ذكروا غير مرة. ومغيرة: هو ابن مقسم الضبي. وابن أبي غنيّة: هو عبد الملك بن حميد بن أبي غنيّة الخزاعي الكوفي، روى له الجماعة. وعبد الملك بن أبي سليمان واسمه ميسرة العرزمي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. وعبد اللَّه بن رجاء بن عمر الغداني شيخ البخاري. وعُبيد اللَّه بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي، روى له الجماعة. وعثمان بن الأسود بن موسى بن باذان المكي، روى له الجماعة. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه ما يعارض ما روي عن مجاهد ها هنا، فقال (١): ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب قال: "رأيت مجاهدًا وسعيد بن جبير يطوفان بالبيت حتى تصفرّ الشمس ويجلسان". وروى أيضًا: عن عطاء، عن عائشة ما يعارض ما روي عن عطاء ها هنا، فقال (٢): ثنا محمد بن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة أنها قالت: "إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر فطف، وأخِّر الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع، وصلِّ لكل أسبوع ركعتين".

стр. 4747

وقال أيضًا (١): ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن هشام، عن عطاء قال: "كان المسور بن مخرمة يطوف بعد الغداة ثلاثة أسابيع، فإذا طلعت الشمس صلى لكل أسبوع ركعتين، وبعد العصر يفعل ذلك، فإذا غابت الشمس صلى لكل أسبوع ركعتين". ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن ابن عمر ﵄. حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا ابن أبي غنيّة، عن عمر بن ذر، عن مجاهد قال: "كان ابن عمر يطوف بعد العصر ويصلي ما كانت الشمس بيضاء حيّة، فإذا اصفرّت وتغيرت طاف طوافًا حتى يصلي المغرب ثم يصلي، ويطوف بعد الصبح ويصلي ما كان في غلس، فإذا اسفر طاف طوافًا واحدًا ثم يجلس حتى ترتفع الشمس ويمكن الركوع". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن سالم وعطاء: "أن ابن عمر ﵄ كان يطوف بعد الصبح وبعد العصر أسبوعًا أسبوعًا، ويصلي ركعتين ما كان في وقت صلاة". فهذا عطاء قد قال برأيه ما ذكرنا، وقد روى عن ابن عباس، عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار" فقد حمل ذلك على خلاف ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى. ش: أي وقد روي مثل ما روي عن مجاهد وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح -فيما ذكر- عن عبد اللَّه بن عمر ﵄. أخرجه من طريقين: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد، عن عبد الملك بن حميد بن أبي غنيّة، عن عمر بن ذر الهمداني الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وثقه يحيى والنسائي والدارقطني، وعن أبي داود: كان رأسًا في الإِرجاء، وقال أبو حاتم: كان

стр. 4748

صدوقًا، وكان مرجئًا لا يحتج بحديثه. روى له الجماعة سوى مسلم، ابن ماجه في التفسير عن مجاهد بن جبر المكي. والثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد ابن سلمة، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي الذي روى له الجماعة، عن سالم بن عبد اللَّه وعطاء بن أبي رباح، كلاهما عن ابن عمر. قوله: "في غَلَس" بفتحتين وهو ظلمة آخر الليل بعد طلوع الفجر الصادق. قوله: "فإذا أسفر" أي انكشف الضياء وانتشر. قوله: "ويمكن الركوع" أي الصلاة، من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل. قوله: "أسبوعًا" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي كان يطوف طوافًا أسبوعًا أي سبع مرات، ومثله. سبوعًا بدون الهمزة، وكذا يقال طاف سَبعًا بالفتح والضم، وفي "المطالع": المعروف في اللغة أنك إذا ضممت أدخلت الواو، وهو جمع سَبْع مثل: ضروب وضرب، وقال الأصمعي: جمع السبع أسبع. قوله: "فهذا عطاء قد قال برأيه ما قد ذكرنا" وهو قوله: طف وصلّ ما كنت في وقت، فإذا ذهب الوقت: فأمسك. قوله: "وقد روي عن ابن عباس" أي والحال أنه -أي عطاء- قد روى عن ابن عباس، عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تمنعوا أحداً يطوف ... " الحديث، فقد حمل ذلك -أي ما رواه ابن عباس- على خلاف ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى؛ وذلك لأن أهل المقالة الأولى ذهبوا إلى [أن] (١) معنى هذا الحديث إباحة الصلاة للطواف في أي وقت كان؛ أخذًا بظاهره، وعطاء ذهب إلى أن معناه: ويصلي أي ساعة شاء من الأوقات التي أبيحت الصلاة فيها، وهي ما عدا وقت الطلوع ووقت الغروب ووقت الاستواء، وقد ذكرنا أن أبا حنيفة وصاحباه ذهبوا إلى أن معناه: فيما ما عدا هذه الأوقات الثلاثة، وبعد العصر والصبح أيضًا، فالجملة خمسة أوقات.

стр. 4749

ص: وكان النظر في ذلك لما اختلفوا هذا الاختلاف: أنا رأينا طلوع الشمس وغروبها ونصف النهار، يمنع من قضاء الصلوات الفائنات، وبذلك جاءت السُنة عن رسول اللَّه ﵇ في تركه قضاء الصبح التي نام عنها إلى ارتفاع الشمس وبياضها، فإذا كان ما ذكرنا ينهى عن قضاء الفرائض الفائنات فهو عن الصلاة للطواف أنهى، وقد قال عقية بن عامر ﵁: "ثلاث ساعات كان رسول اللَّه ﵇ ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تَضَيَّفُ للغروب حتى تغرب". وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم من كتابنا هذا. فإذا كانت هذه الأوقات تنهى عن الصلاة على الجنائز، فالصلاة للطواف أيضًا كذلك، وكانت الصلاة بعد العصر قبل تغيُّر الشمس، وبعد الصبح قبل طلوع الشمس مباحة على الجنائز، ومباحة في قضاء الصلاة الفائتة، ومكروهة في التطوع، وكان الطواف يوجب الصلاة حتى يكون وجوبها كوجوب الصلاة على الجنائز، فالنظر على ما ذكرنا أن يكون حكمها بعد وجوبها كحكم الفرائض التي قد وجبت، وكحكم الصلاة على الجنازة التي قد وجبت، فتكون الصلاة للطواف تصلى في كل وقت تصلى فيه على الجنازة، وتقضى فيه الصلاة الفائتة، ولا تصلى في كل وقت لا يصلى فيه على الجنازة، ولا تقضى فيه صلاة فائتة، فهذا هو النظر عندنا في هذا الباب، على ما قال عطاء وإبراهيم ومجاهد، وعلى ما قد روي عن ابن عمر ﵄ وإليه نذهب، وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وكان النظر والقياس في الحكم المذكور لما اختلفوا هذا الاختلاف المذكور أنَّا رأينا ... إلى آخره. قوله: "وبذلك جاءت السُّنة" أي وبمنع الصلوات في الأوقات الثلاثة جاءت السنة عن النبي ﵇ في موضعين: الأول: في حديث ليلة التعريس وهو مشهور.

стр. 4750

والثاني: في حديث عقبة بن عامر الجهني: "ثلاث ساعات ... " إلى آخره، قد ذكره الطحاوي في باب مواقيت الصلاة، والباقي من كلامه ظاهر، حاصله أنه اختار قول عطاء وإبراهيم النخعي ومجاهد في هذا الباب، حيث قال: وإليه نذهب، وقولهم هو: أن ركعتي الطواف تصلى فيما بعد الصبح وما بعد العصر، ولا تصلى في الأوقات الثلاثة: عند الطلوع وعند الغروب وعند الاستواء، فصار حكم هذه الصلاة كحكم صلاة الجنازة، وحكم الصلوات الفائتة، وهذا خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ فإنهم منعوها فيما بعد الصبح وما بعد العصر كما ذكرنا. والله أعلم. ***

стр. 4751

ص: باب: من أحرم بحجة فطاف لها قبل أن يقف بعرفة ش: أي هذا باب في بيان حكم من أحرم بحجة، فطاف لها قبل أن يقف بعرفة، أراد أنه بعد أن طاف حلَّ قبل الوقوف بعرفة. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عثمان بن الهيثم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أن ابن عباس كان يقول: "لا يطوف أحد بالبيت حاجٌّ ولا غيره إلَّا حلَّ به، قلت له: من أين كان ابن عباس يأخذ ذلك؟ قال: من قبل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، فقلت له: فإنما ذلك بعد المعرف، قال: كان ابن عباس يراه قبل المعرف وبعده، قال: وكان ابن عباس يأخذها من أمر النبي ﵇ أصحابه أن يحلوا في حجة الوداع، قالها لي غير مرة". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن عروة قال لابن عباس: "أضللت الناس يا ابن عباس، قال: وما ذاك يا عُرَيَّة؟ قال: تفتي الناس أنهم إذا طافوا بالبيت فقد حلَّوا، وكان أبو بكر وعمر ﵄ يجيئان ملبيين بالحج فلا يزالان محرمين إلي يوم النحر؟! قال ابن عباس: بهذا ضللتم، أحدثكم عن رسول الله ﵇ وتحدثوني عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: إن أبا بكر وعمر كانا أعلم برسول الله منك". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، قال: سمعت أبا حسان الرقاشي: "أن رجلاً قال لابن عباس، يا ابن عباس: ما هذه الفتيا التي قد تقشعت عنك أن من طاف بالبيت فقد حلَّ؟! قال: سُنة نبيك وإن رغمتم".

стр. 4752

ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمد بن خزيمة، عن عثمان بن الهيثم العصري العبدي البصري مؤذن الجامع بالبصرة وشيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج المكي عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (١): نا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا محمد بن بكر، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: كان ابن عباس يقول: "لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلَّا حلّ، قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢)، قلت: فإن ذلك بعد المعرف، فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله؛ كان يأخذ ذلك من أمر النبي ﵇ حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع". قوله: "إلّا حلَّ" أي صار حلالاً. قوله: "بعد المعرف" يريد بعد الوقوف بعرفة، وهو التعريف أيضًا، والمعرف في الأصل موضع التعريف، ويكون بمعنى المفعول. قلت: هو بضم الميم وفتح العين والراء، وهو موضع الوقوف بعرفة، والتعريف الوقوف بها. قوله: "وكان ابن عباس يأخذها من أمر النبي ﵇" إلى آخره. أراد به نسخ الحج في العمرة، وهذا لا يجوز عند جمهور العلماء من الصحابة وغيرهم. قال ابن عبد البرِّ: ما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلَّا ابن عباس، وتابعه أحمد وداود وسائر الفقهاء، وكلهم قالوا على أن فسخ الحج في العمرة خص به أصحاب النبي ﵇.

стр. 4753

الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة الأحول، كان قاضيًا لعبد الله بن الزبير ومؤذنًا له. وأخرجه أسد السنة في "مسنده" عن حماد نحوه. الثالث: عن سليمان بن شعيب الكسائي، عن عبد الرحمن بن زياد الرصافي الثقفي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج ويقال: الأجرد واسمه مسلم ابن عبد الله، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن مثنى: نا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل من بني الهجيم لابن عباس: "ما هذي الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس؛ أن من طاف بالبيت فقد حلَّ؟! فقال: سُنَّة نبيكم ﵇ وإن رغمتم" وفي لفظ له: "إن هذا الأمر قد تقشع الناس". قوله: "قد تقشعت عنك" على وزن تفعلت بالقاف والشين المعجمة والعين المهملة ومعناه قد فشت وانتشرت عنك، يقال له: تقشع له الولد إذا كثر وانتشر، وقد يكون معناه: قد كسَّدت الناس عن المتعة، قال الفراء: التقشع والقشاع الكسل، وقد يكون معناه: أفسدت حال الناس بوقوع الخلاف بينهم، من القشاع وهو نبات يلتوي على الثمار. ثم هذه اللفظة هكذا وقعت أيضًا في مسند ابن أبي داود وفي شهاب ابن أبي شيبة من رواية همام عن عبادة، وكذا في لفظ لمسلم وهو. قوله: إن هذا الأمر قد تقشع الناس كما ذكرناه الآن، وأما الذي وقع في روايته: "تشغفت" فهو بالشين والغين المعجمتين وبعدها الفاء، وكذا وقع في رواية لابن أبي شيبة، قال القاضي: هذه الرواية إن لم تكن وهمًا وظنًّا فمعناه: علقت بقلوب

стр. 4754

الناس وشغفوا بها، وقد قال المفسرون في قوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ (١) أي علقها، وأما اللفظة الثانية في رواية مسلم أيضًا "أو تشعبت" فهي بالعين المهملة بعدها الباء الموحدة، قال القاضي: وكذا رويناه عن الأسدي والتميمي من شيوخنا، وعند غيرهما: أو تشغبت بالغين المعجمة، وقد ذكر أبو عُبيد هذا الحديث بهذا الحرف من غير شك، وذكر الخلاف بهذين الوجهين في العين والغين عن رواية وأخبار: هو بالعين المهملة، ومعنى هذا على رواية العين المهملة: فرقت الناس، أو فرقت مذاهب الناس، وبالمعجمة من التشغيب أي: خلطت عليهم أمرهم. قوله: "وإن رغمتم" أي وإن كرهتم هذا الأمر، فإنه سُنة نبيكم ﵇، من رَغَم يَرْغَمُ من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، ورَغَمَ يَرْغَمُ من باب فَتَحَ يَفْتَحُ رَغْمًا ورِغْمًا ورُغْمًا، وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب، هذا هو الأصل، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سوار (ح). وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد (ح). وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو داود: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يحدث، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "قدمت على رسول الله ﵇ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: بما أهللت؟ قال: قلت: إهلال كإهلال النبي ﵇ فقال رسول الله ﵇: أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحل، ففعلت فأتيت امرأة من قيس، فقلت رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك حتى كان زمن عمر بن الخطاب ﵁ فقال لي رجل: يا عبد الله بن قيس، رُوَيْد بعض فتياك؛ إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقلت: يا أيها الناس، من كنا أفتيناه فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم فيه فائتموا، فلما قدم عمر ﵁ أتيته فذكرت له، فقال لي عمر ﵁: إن تأخذ بكتاب الله فإن

стр. 4755

كتاب الله يأمر بالتمام، وإن تأخذ بسُنَّة رسول الله ﵇ فإن رسول الله ﵇ لم يحل حتى بلغ الهدي محله". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن شبابة بن سوار الفزاري المدائني الثقة الصدوق المرجئ، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم الجدلي العدواني الكوفي، عن طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الصحابي، عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قال ابن مثنى: نا محمد ابن جعفر، قال: أنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: "قدمت على رسول الله ﵇ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: حججت؟ فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيت بإهلال كإهلال النبي ﵇، قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل، قال: فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من بني قيس ففلت رأسي، ثم أهللت بالحج، فكنت أفتي به الناس، حتى كان في خلافة عمر ﵁ فقال له رجل: يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس- رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس، من كنا أفتيناه فتيا فليتئذ؛ فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فيه فائتموا، قال: فقدم عمر ﵁ فذكرت له ذلك، فقال: إن تأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن تأخذ بسُنَّة رسول الله ﵇ فإن رسول الله ﵇ لم يحل حتى بلغ الهدي محله". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن عبد الرحمن بن زياد الرصافي الثقفي، عن شعبة، عن قيس بن مسلم ... إلى آخره.

стр. 4756

وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن، قال: نا سفيان، عن قيس -وهو ابن مسلم- عن طارق ابن شهاب، عن أبي موسى قال: "قدمت على رسول الله ﵇ وهو بالبطحاء فقال: بما أهللت؟ قلت: بإهلال النبي ﵇، قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا، قال: فطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّ، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر ﵄ وإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، قلت: يا أيها الناس، من كنا أفتيناه بشيء فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فائتموا به، فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟! قال: إن نأخذ بكتاب الله؛ فإن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢)، وإن نأخذ بسُنة نبينا ﵇، فإن نبينا ﵇ لم يحلّ حتى نحر الهدي". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٣): ثنا محمد بن يوسف، نا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: "بعثني النبي ﵇ إلى قومي باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: بم أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي ﵇، قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأهللت، فأتيت امرأة من قومي، فمشطتني وغسلت رأسي، فقدم عمر ﵁ فقال: إن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمر بالتمام؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وإن نأخذ بسُنَّه رسول الله ﵇ فإنه لم يحل حتى نحر الهدي.

стр. 4757

قوله: "قدمت على رسول الله ﵇" وكان قدومه من اليمن على ما صرَّح به في رواية البخاري، وكان النبي ﵇ بعثه إلى قومه، فاتفق على قدومه والنبي ﵇ منيخ بالبطحاء وهو المحصب، قال أبو عُبيد: هو في حدود خيف بني كنانة، وحدُّه من الحجون ذاهبًا إلى منى، وهو بطحاء مكة -شرفها الله تعالى. قوله: "بما أهللت" قال ابن القياني: كذا وقع في الأمهات بالألف، وصوابه بغير الألف كأنه استفهام، قلت: معناه بأي شيء أحرمت. قوله: "إهلال كإهلال النبي ﵇" أي إهلالي إهلال كإهلال النبي ﵇ فيكون ارتفاع إهلال على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفي بعض النسخ: "إهلالًا كإهلال النبي ﵇" بالنصب على تقدير: أهللت إهلالًا كإهلال النبي ﵇، وبهذا استدل مالك على جواز الإِحرام المبهم، وهو أن يقول: أحرمت كإحرام زيد، وقال القاضي: أخذ الشافعي بظاهر هذا الحديث وجوَّز الإِهلال بالنية المبهمة، قال: ثم له بعد أن ينقلها لما شاء من حج أو عمرة، وله عنده أن ينتقل من نسك إلى غيره، وخالفه سائر العلماء والأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، ولقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢)؛ ولأن هذا كان لأبي موسى، وعلي أيضًا خصوصًا إذْ كان شرع الحج بعد ما فعله النبي ﵇ لم يستقر ولم يكمل بعد، فلم يمكنها -أعني أبا موسى وعليًّا ﵄ الإِقدام على أمر بغير تحقيق. فإن قيل: كيف أمر أبا موسى بالإِحلال ولم يأمر عليًّا ﵁، والحال أن كلًا منهما قال: إهلال كإهلال النبي ﵇؟ قلت: لأن أمره لأبي موسى بالإِحلال على معنى ما أمر به غيره بالفسخ بالعمرة لمن ليس معه هدي، وأمره لعلي أن يهدي ويمكث حرامًا؛ إما لأنه -والله أعلم- كان معه هدي، أو يكون قد اعتقد النبي ﵇ أنه يهدي عنه، أو

стр. 4758

يكون قد خصه بذلك، أو لما كان النبي ﵇ أمره بسَوق هذه البدن من اليمن فكان كمن معه هدي، ولا يظن أن هذه البدن من السعاية والصدقة بوجه إذ لا تحل للنبي ﵇ الصدقة ولا يهدي منها. والأشبه أن عليًّا ﵁ اشتراها باليمن كما اشترى النبي ﵇ بقيتها، وجاء بها من المدينة على ما جاء في حديث جابر ﵁ وجاء في الحديث أيضًا أنه اشترى هديه بقديد، وفي حديث ابن عمر ﵄: "فساق الهدي معه من ذي الحليفة" وكان النبي ﵇ قد أعلمه أنه سيعطيه هدايا منها، وفي حديث جابر أنه قدم ببدن النبي ﵇، وقد يحتمل أنه كان له فيها هدي لم يحتج إلى ذكره في الحديث، فلم يمكنه أن يحل، ويدل على هذا سؤال النبي ﵇ لأبي موسى هل ساق معه هديًا؟ ولم يسأل عليًّا ﵁، فدل على علمه بأنه كان ممن أهدى أو ممن حكمه كحكم من أهدى. والله أعلم. قوله: "ثم أحلّ" أمرٌ من الإِحلال، وفي بعض الرواية: "حلّ" بدون الهمزة، من حَلَّ يُحِلُّ والأولى من أَحَلَّ يحل، يقال: حلَّ المحرم يحل حلالاً، وأحل يحل إحلالاً، إذا حل لَه ما حرم عليه من محظورات الحج، ورجل حل من الإِحرام أي حلال، والحلال ضد الحرام، ورجل حلال أي غير محرم ولا متلبس بأسباب الحج. قوله: "ففلت رأسي" بتخفيف اللام مِنْ فَلَى يُفْلي، يقال: فَلَيْت رأسه من القمل وتفالى هو، والفلي أخذ القمل من الشعر، وذكره في الدستور من باب فعَل يفعِل بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل كَضَرَبَ يَضْرِبُ، تقول: فَلَى يَفْلِي فَلْيًا، كرمى يَرْمِي رَمْيًا. قوله: "فكنت أفتي الناس بذلك" أي بفسخ الحج في العمرة. قوله: "رويد بعض فتياك" وفي بعض الرواية: "رويدك بعض فتياك" وكذا هو في رواية مسلم.

стр. 4759

أعلم أن "رويد" اسم للفعل، ومعناه: أمهل، تقول: رُوَيدَ زيدًا أي أمهله، وتدخل فيه الكاف أيضًا فتقول: رُويدك زيدًا، ورويدكما زيدًا، ورويدكم زيدًا، وهو مبني إذا كان اسمًا للفعل، ومعرَّب إذا وقع صفة، نحو: ساروا سيرًا رويدًا، أو حالاً نحو: ساروا رويدًا أي مرودي، أو مضافًا نحو: رويد زيدٍ. وفي الحديث مبني؛ لأنه اسم للفعل. قوله: "فليتئد" أي فليتأن وليصبر، يقال: اتَّأَدَ في فعله إذا تأنى وثبت ولم يعجل، وأصله من تئد يتئد تُأَدًا، فنقل إلى باب الافتعال فصار: اتَّأَدَ يتئد، وأصل الياء فيه واو من الوأد. قوله: "فبه فائتموا" أي بأمير المؤمنين ائتموا، أراد: اتبعوه فيما يفعل من النسك. قوله: "وإن نأخذ بكتاب الله" بنون الجماعة، ظاهر هذا الكلام من أمير المؤمنين إتمام الحج، وإنكار فسخ الحج في العمرة، لاحتجاجه بالآية، وبفعل النبي ﵇. قوله: "فإن رسول الله ﵇ لم يحل حتى بلغ الهدي محله" وهو ذبح الهدي يوم النحر، وفيه حجة لأبي حنيفة وأحمد من أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب الشافعي ومالك أنه إذا طاف وسعى وحلق حلَّ من عمرته، وحلَّ له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديًا أم لا، والحديث حجة عليهما. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل المديني، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: "دخلنا على جابر بن عبد الله، فسألته عن حجة رسول الله ﵇، فقال: إن رسول الله ﵇ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أَذَّن في الناس بالعاشرة: إن رسول الله ﵇ حاجٌّ، فقدِم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﵇، فخرجنا حتى أتينا ذا الحليفة، فصلى رسول الله ﵇ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به على البيداء

стр. 4760

ورسول الله ﵇ بين أظهرن، عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، ما عمل من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد، وأهل الناس بهذا الذي تهلون به، لم يرُد رسول الله ﵇ عليهم شيئًا، ولزم رسول الله ﵇ تلبيته -قال جابر: لسنا ننوي إلَّا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا كنا آخر طواف على المروة قال: إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة، فحل الناس وقصروا إلَّا النبي ﵇ ومن كان معه الهدي، فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: فشبك رسول الله ﵇ أصابعه في الأخرى فقال: دخلت العمرة هكذا في الحج مرتين، فحل الناس كلهم وقصروا إلَّا النبي ﵇ ومن كان معه هدي". وقول سراقة هذا للنبي ﵇ وجواب النبي ﵇ إياه يحتمل أن يكون أراد به: عمرتنا هذه في أشهر الحج للأبد أو لعامنا هذا؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة فيما مضى في أشهر الحج، ويعدون ذلك من أفجر الفجور، فأجابه رسول الله ﵇ فقال: هي للأبد. حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن ابن الهاد، عن جعفر بن محمد ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر سؤال سراقة ولا جواب النبي ﵇ إياه. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن جابر قال: "قدم رسول الله ﵇ مكة لأربع خلون من ذي الحجة، فلما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، قال رسول الله ﵇: اجعلوها عمرة، فلما كان يوم التروية لبُّوا، فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو ابن دينار عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: "قدمنا مع رسول الله ﵇ مكة صبيحة رابعة، فأمرنا أن نحل، فقلنا: أي حل يا رسول الله؟ قال: الحل كله، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل الذي تصنعون".

стр. 4761

حدثنا محمد بن حميد الرعيني، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن خصيف، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لمَّا قدمنا مع رسول الله ﵇ مكة [في] (١) حجة الوداع سأل الناس: بماذا أحرمتم؟ فقال أناس: أهللنا بالحج، وقال آخرون: قدمنا متمتعين، وقال آخرون: أهللنا بإهلالك يا رسول الله، فقال لهم رسول الله ﵇: من كان قدم ولم يسق هديًا فليحلل؛ فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي حتى أكون حلالاً، فقال سراقة بن مالك: يا رسول الله، عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد". حدثنا فهد قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أنه قال: "أهلَّ رسول الله ﵇ وأهللنا معه بالحج خالصًا، حتى قدمنا مكة رابعة من ذي الحجة، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمر رسول الله ﵇ من لم يكن ساق هديًا أن يحل، قال: ولم يعزم في أمر النساء، قال جابر: فقلنا: تَرَكَنَا حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلَّا خمس ليالٍ أمرنا أن نحل فنأتي عرفات والمذي يقطر من مذاكيرنا ولم يحلل هو! وكان رسول الله ﵇ قد ساق الهدي، فبلغ قولنا رسول الله ﵇ فقام فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الذي بلغه من قولهم، فقال: لقد علمتم أني أصدقكم وأتقاكم لله وأبركم، ولولا أني سقت الهدي لحللت، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، قال جابر: سمعنا وأطعنا، فحللنا". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مكي، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا وهو يخبر عن حجة النبي ﵇ قال: "أمرنا بعد أن طفنا أن نحل، وقال رسول الله ﵇: إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا، فأهللنا من البطحاء". حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، أنه سمعه يحدث عن جابر بن عبد الله قال: "أهللنا مع رسول الله ﵇

стр. 4762

بذي الحليفة بالحج خالصًا لا نخلطه بعمرة، فقدمنا مكة لأربع ليالٍ خلون من ذي الحجة، فلما طفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة أمرنا رسول الله ﵇ أن نجعلها عمرة وأن نحل إلى النساء، فقلنا: ليس بيننا وبين عرفة إلَّا خمس ليال، فنخرج إليها وذكر أحدنا يقطر منيًّا! فقال رسول الله ﵇: إني لأبركم وأصدقكم، فلولا الهدي لحللت، فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا [أم للأبد] (١)؟ فقال رسول الله ﵇: بل لأبد الأبد". فكان سؤال سراقة لرسول الله ﵇ المذكور في هذا الحديث إنما هو [على] (١) المتعة أي أنا قد صارت حجتنا التي كنا دخلنا فيها أولاً عمرة، ثم قد أحرمنا بعد حلنا منها بحجة متمتعين بمتعتنا هذه لعامنا هذا خاصة فلا نفعل ذلك فيما بعد، أم للأبد فنتمتع بالعمرة إلى الحج كما تمتعنا في عامنا هذا؟ فقال رسول الله ﵇: بل للأبد، وليس ذلك على أن لهم فيما بعد أن يحلوا من حجة قبل عرفة لطوافهم بالبيت ولسعيهم بين الصفا والمروة، وسنذكر عن رسول الله ﵇ فيما بعد هذا من الباب ما يدل على أن ذلك الإِحلال الذي كان منهم قبل عرفة خاصًّا لهم ليس لمن بعدهم، ونِصفه في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: هذه ثمان طرق صحاح: الأول: أخرجه بعينه في باب ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع بمتن مختصر. وأخرجه مسلم (٢) مطولًا سقناه بكماله هناك، وأخرجه أيضًا أبو داود (٣) وابن ماجه (٤) مطولاً، والنسائي (٥) مختصرًا، وفسرنا هناك أكثر ألفاظه.

стр. 4763

قوله: "مكث تسع سنين" يعني في المدينة، وقد روي "أنه ﵇ حج على الفور، وكان فرض الحج سنة تسع وقيل: خمس، والأول أصح. وأول من أقام للمسلمين الحج عتاب بن أسيد سنة ثمان، ثم أبو بكر سنة تسع، وحج ﵇ سنة عشر، وقد اختلفوا في حجة أبو بكر ﵁ سنة تسع، هل كانت حجة الإِسلام بعد نزول فرضها وهو الأظهر؛ لوقوف جميع الناس بعرفة، ولإِنذار علي ﵁ فيها بمرأة، وفيها ذكر النسيء وشرائع الحج، وقيل: بل كانت على غير الفرض وعلى ما كانت عليه قبل الإِسلام، والأول أظهر. قوله: "كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﵇" دليل على أنهم كانوا كلهم حجاجًا؛ إذ كان ﵇ أحرم بالحج لائتمامهم به، وبعيد أن يخالفوه فيما أحرم به. قوله: "فأهل التوحيد" إشارة إلى قوله: "لا شريك لك"، ومخالفة لقول المشركين في تلبيتهم من الإِشراك. قوله: "لسنا ننوي إلَّا الحج ولا نعرف العمرة" استدل به من كان يذهب إلى أنه ﵇ كان مفردًا بالحج في حجة الوداع، وأن الإِفراد أفضل، قلنا: لا يستلزم هذا الكلام كون النبي ﵇ مفردًا؛ وذلك لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور، ففي الابتداء كان النبي ﵇ محرمًا بحجة حين قدم مكة ثم فسخ ذلك بعمرة، ثم أقام عليها على أنها عمرة، وقد عزم على أن يحرم بعدها بحجة، فكان في ذلك متمتعًا، ثم لم يطف للعمرة حتى أحرم بالحجة، فصار قارنًا بذلك. فهذا هو الوجه في التوفيق بين الروايات التي جاءت بأنه ﵇ كان مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا، فافهم فإنه مَدْرَك دَقِيق. قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" هذا القول منه ﵇ كان تطييبًا لأنفسهم لما رأى من توقفهم عن الإِحلال إذ لم يحل هو، لما كانوا من التأسي به حتى لا يجدوا في أنفسهم أنه يأمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه،

стр. 4764

وفيه دليل على جواز الأمرين، وأنه لولا ما سبق من سوقه ﵇ الهدي لحل معهم إلَّا أن السُنة فيمن ساق الهدي لا يحل إلَّا بعد بلوغ الهدي محله وهو محرم يوم النحر، قال القاضي: فيه دليل على أنه ﵇ كان مهلًّا بالحج، وقال ابن قدامة: فيه دليل على فضل التمتع. قلت: قال الطبري: إن جملة الحال له أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، ولا كان مفردًا؛ لأن الهدي كان معه واجبًا وذلك لا يكون إلَّا للقارن. قوله: "وليجعلها عمرة" أي وليجعل الحجة عمرة، وهو فسخ الحج في العمرة، وقد قلنا: إنه كان مخصوصًا بهم، وأنه لا يجوز اليوم إلَّا عند ابن عباس، وبه قال أحمد وداود الظاهري. قوله: "فقام سراقة ... إلى آخره" قد بين الطحاوي معناه بقوله: "وقول سراقة هذا ... إلى آخره". واحتجت الظاهرية بقوله ﵇ لسراقة: "بل لأبد" في رواية أخرى على جواز فسخ الحج في العمرة. قلنا: يحتمل أن يريد بقوله: "لأبد" الاعتمار في أشهر الحج لا فسخ الحج في العمرة، واحتجوا على ذلك أيضًا بقوله: "دخلت العمرة في الحج" أي جازت في أشهر الحج؛ خلافًا لما كانت الجاهلية تعتقده من عدم جوازها في أشهر الحج، ويحتمل أن يكون دخولها في الحج في عمل القارن، ويقال: معنى دخول العمرة في الحج سقوط وجوبها بوجوب الحج. والله أعلم. الثاني: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن جابر.

стр. 4765

وأخرجه النسائى (١): أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب أنا الليث، عن ابن الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "أقام رسول الله ﵇ تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فلم يبق أحدٌ يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلًا إلَّا قدم، فتدارك الناس ليخرجوا، حتى جاء ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﵇ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب، ثم أهلِّي ففعلت" مختصر. الثالث: عن محمد بن خزيمة أيضًا، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد المكي مولى نافع بن علقمة -من رجال مسلم- عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه لأربع خلون من ذي الحجة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، قال رسول الله ﵇: اجعلوها عمرة إلَّا من كان معه الهدي، فلما كان يوم التروية أهلُّوا بالحج، فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة". قوله: "اجعلوها عمرة" أي اجعلوا الحجة عمرة، وأراد به فسخ الحج في العمرة، وسيجيء الجواب عنه إن شاء الله تعالى. الرابع: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي أبي إسحاق البصري شيخ أبي داود والبخاري في غير الصحيح، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره.
следующие страницы →